التصنيف: ديكريبتاج

  • أربع سلالات مغربية، أمير وُلد في سبتة ومعركة أنقذت الأندلس..ستة قرون تفضح خرافة “المدينة الإسبانية”

    أربع سلالات مغربية، أمير وُلد في سبتة ومعركة أنقذت الأندلس..ستة قرون تفضح خرافة “المدينة الإسبانية”

    على عكس ما تروّجه الآلة الدعائية الإسبانية، التي تنكر بإصرار يقارب العناد أيّ صلة تاريخية بين مدينة سبتة والمملكة المغربية، تكشف الوثائق التاريخية والسجلات الأثرية وسير السلالات الحاكمة أن الحاضرة الرابضة عند مضيق جبل طارق ظلت لأكثر من ستة قرون متواصلة جزءا من الدولة المغربية، منذ أن أسّس الأدارسة أوّل نواة لهذه الدولة في القرن الثامن الميلادي.

    المسألة في جوهرها، تتجاوز المشاحنات السياسية الآنية بين الرباط ومدريد حول أزمة الهجرة وما أعقبها من تصريحات لوزير العدل عبد اللطيف وهبي شددت على “مغربية المدينتين” إذ هي معركة روايتين روايةٌ إسبانية رسمية تصرّ على تقديم سبتة بوصفها “مدينة حكما ذاتيا إسبانية” منذ 1580، وروايةٌ تاريخية موثّقة تثبت أن هذه الحاضرة منذ أن دخلت الفضاء الإسلامي في القرن الثامن، عرفت تعاقب أربع سلالات مغربية متتالية على إدارتها هم الأدارسة، ثم المرابطون ثم الموحدون ثم المرينيون، في تسلسل زمني لم ينقطع إلا بمعزوفة استعمارية بدأت بالهجوم البرتغالي المباغت في غشت 1415.

    سبتة الفينيقية والرومانية: جذورٌ سابقة على أي حضور إسباني

    قبل أن تحمل اسمها العربي “سبتة” أو تحويرها اللاتيني “سبتم”، عرفت المدينة أسماء متعاقبة تشهد على أهميتها الاستراتيجية بوصفها قفلا بحريا على مضيق جبل طارق، وقدأسّس البحّارة الفينيقيون المستوطنة في القرن السابع قبل الميلاد، ومنحوها اسم “أبيلا” في إشارة إلى جبل موسى المطلّ عليها والذي شكّل في الأنطولوجيا القديمة “العمود الإفريقي” من “أعمدة هرقل” فيما الكلمة في أصلها البونيقي تعني “الجبل المرتفع” أو “جبل الرب”.

    خلف الفينيقيين، جاء الإغريق الفوقيّون وهم البحّارة الذين أسّسوا مرسيليا في وقت لاحق، فأعادوا تسمية المدينة “هبتا أدلفوي” Hepta Adelphoi أي “الأخوة السبعة”، نسبة إلى التلال السبع المطلّة عليها كما أنه وفي سنة 319 قبل الميلاد استولت قرطاجة على المدينة واحتفظت بها حتى نهاية الحرب البونيقية الثانية سنة 201 قبل الميلاد، وبعد ذلك وحتى ضمّها إلى الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي، ظلّ سكان المدينة يتحدثون البونيقية وفق ما تثبته نقوش المدافن الأثرية.

    الأهمّ في هذه المرحلة أن سبتة كانت جزءا عضويا من مملكة موريطنية التي تشكّل النواة التاريخية للمغرب الحالي إلى جانب ميناءي طنجة (“تنجيس”) ولكسوس، كما أنه في عهد الملك جوبا الثاني، الذي حكم بين 25 قبل الميلاد و23 بعد الميلاد، أدمجت المدينة في الفضاء السياسي الرومانيّ الطابع.

    في سنة 40 ميلادية، اغتال الإمبراطور كاليغولا الملك بطليموس، آخر ملوك موريطنية واستولت روما على المملكة، وضمّها الإمبراطور كلوديوس سنة 42 ميلادية، مقسّما إياها إلى ولايتين موريطنية القيصرية وموريطنية الطنجية، وسبتة التي حملت آنذاك اسم “سبتم فراتريس Septem Fratres أي “الأخوة السبعة” باللاتينية، أدرجت ضمن ولاية موريطنية الطنجية وأديرت من طنجة كما حصلت لاحقا على وضعية “مستعمرة رومانية” ما منح سكانها الجنسية الرومانية وكانت المدينة بوصفها موقعا متقدّما يشرف على المضيق ميناء عسكريا وتجاريا بالغ الأهمية يربط بين موريطنية الطنجية وإسبانيا الرومانية (البيتيكا).

    المرحلة البيزنطية والفتح الإسلامي: من الكونت جوليان إلى موسى بن نصير

    سنة 534 ميلادية وفي عهد الإمبراطور جوستنيان، سقطت سبتة في أيدي البيزنطيين ومع التوسّع العربي الإسلامي في القرن السابع فقد البيزنطيون تدريجيا ممتلكاتهم في المغرب الأوسط والأقصى، فلم يعد لهم في المنطقة سوى مدينتي طنجة وسبتة المعزولتين تماما عن مركز إمبراطوريتهم في القسطنطينية.

    هنا تدخل شخصية الكونت جوليان الحاكم البيزنطي لسبتة، إلى مسرح التاريخ ففي سنة 708 بعد أن استولى القائد المسلم موسى بن نصير على طنجة، فشل أمام تحصينات سبتة التي دافع عنها جوليان دفاعا مستميتا غير أن السنة التالية أي 709 شهدت انقلابا في المعادلة، إذ سلّم جوليان مدينته للفاتحين بحسب مزيج من الرواية التاريخية والحكاية الشعبية.

    وفي سنة 710، وفّر جوليان السفن التي أتاحت للجيوش المسلمة عبور المضيق، فيما وفي 711، انطلقت من طنجة وسبتة تحديدا حملة فتح شبه الجزيرة الإيبيرية بقيادة طارق بن زياد، وهي الحملة التي أنشأت الأندلس وحدّدت مسار التاريخ الأوروبي طيلة ثمانية قرون.

    788 ميلادية: سبتة تدخل الدولة المغربية الأولى

    سنة 788 ميلادية، شكّلت المنعطف الحاسم في تاريخ المدينة، ففي تلك السنة انتقلت سبتة إلى سلطة الأدارسة، مؤسّسي أول سلالة حاكمة وأول دولة في التاريخ المغربي، وهنا إدريس الأول الذي وصل إلى المغرب سنة 788 قادما من المشرق أرسى نواة الدولة المغربية في وليلي قبل أن يوسّع نفوذها ابنه إدريس الثاني الذي أسّس فاس سنة 809 كما أن سبتة بوصفها ميناء استراتيجيا على المضيق، كانت من أوائل المدن التي دخلت الفضاء السياسي الإدريسي.

    تعرّضت المدينة لاحقا سنة 931 ميلادية، لاستيلاء من طرف الخليفة الأموي القرطبي عبد الرحمن الثالث، في إطار الصراع الأندلسي المغاربي على السيطرة على المضيق غير أن هذا “الانقطاع” لم يدم طويلا بمقاييس التاريخ الوسيط.

    القرن الحادي عشر: العودة المرابطية ومولد أمير سبتة

    في القرن الحادي عشر، عادت سبتة إلى الحاضنة المغربية عبر السلالة المرابطية، وهنا الأمير يوسف بن تاشفين مؤسّس الإمبراطورية المرابطية والمشيّد الفعلي لمراكش، ضمّ سبتة إلى ملكه سنة 1083 ميلادية بعد أن كان قد استولى تباعا على فاس سنة 1075 وطنجة ووجدة سنة 1079، وتلمسان سنة 1080، والجزائر ووهران بين 1082 و1083

    في هذه المدينة تحديدا سنة 1083، ولد علي بن يوسف بن تاشفين الأمير المرابطي الذي سيقود الإمبراطورية بين 1106 و1143، والذي عرفت في عهده الدولة أوج اتساعها الجغرافي وبداية أفولها في آن.

    الموسوعة الملكية الإسبانية للتاريخ، تثبت هذا المولد صراحة: “علي بن يوسف بن تاشفين، ولد بسبتة سنة 476 هجرية/1083 ميلادية، وتوفي بمراكش في 24 من رجب 537 هجرية/11 فبراير 1143 ميلادية، ثاني أمراء المرابطين على الأندلس”.

    النسّابون الأوروبيون يضيفون تفاصيل تعزّز الرواية فقد كانت أمّه فائض الحسن، سبيّة مسيحية من ذوات الجمال البارز وقد نشأ الأمير في سبتة “ضمن إطار أندلسي بعيد عن ثقافة قبيلة لمتونة التي ينتمي إليها”، وفق الموسوعة الفرنسية الحرة وموسوعة لاروس.

    اللافت أن سبتة لم تكن في الرواية المرابطية، مجرّد قاعدة عسكرية أو ميناء ثانوي بل قاعدة الانطلاق لأكبر عملية عسكرية مغربيةأندلسية في القرون الوسطى ففي حملة الزلاقة سنة 1086 حين استغاث ملوك الطوائف الأندلسيون وعلى رأسهم المعتمد بن عبّاد بالمرابطين لصدّ الزحف القشتالي بقيادة ألفونسو السادس، انطلق يوسف بن تاشفين من سبتة على رأس جيش قوامه سبعة آلاف فارس، تدعمهم قواتٌ من المشاة، ليعبر المضيق ويرسو في مدينة الجزيرة الخضراء.

    وفي الثالث والعشرين من أكتوبر 1086، دارت رحى معركة الزلاقة قرب بطليوس (بادخوز الحالية)، فسحقت القوات المرابطية جيش قشتالة وأصيب ألفونسو السادس في ساقه إصابة جعلته يعرج طيلة ما تبقى من حياته كما كانت هذه المعركة نقطة التحوّل الكبرى في تاريخ الاسترداد الإسباني ولولا سبتة المغربية لما اكتملت.

    القرن الثاني عشر: سبتة الموحّدية، قاعدةٌ بحرية لمواجهة الممالك المسيحية

    مع تراجع المرابطين وصعود الموحدين انتقلت سبتة، وهي لا تزال تحت السيادة المغربية إلى إدارة السلالة الموحّدية الجديدة.

    وفي القرن الثاني عشر، تحوّلت المدينة إلى ميناء عسكري وتجاري يعمل قاعدة بحرية للعمليات الموجّهة ضد الممالك المسيحية في إسبانيا كما أن الموحّدون، الذين وحّدوا المغرب والأندلس تحت راية واحدة أدركوا القيمة الاستراتيجية لهذا الميناء المطلّ على المضيق فحوّلوه إلى شريان حيوي لاقتصاد الإمبراطورية ولوجستيّاتها العسكرية.

    القرن الثالث عشر: العصر الذهبي المريني للمدينة

    في مطلع القرن الثالث عشر، انتقلت سبتة إلى سيادة سلالة مغربية ثالثة متعاقبة هي بنو مرين و تحت الحكم المريني، عاشت المدينة “عصرها الذهبي” الحقيقي، بحسب المؤرخين فهذا الازدهار تبين في الحصون الضخمة التي أحاطت بالمدينة والتي بنيت بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر.

    هذه التحصينات، التي بلغ طولها ألفا وخمسمائة متر تشكّل الدليل المعماري الدامغ على المكانة الاستراتيجية التي احتلّتها سبتة في الدفاع عن المضيق والتحكّم فيه وقد كانت تتكوّن من سبعة أبراج مستطيلة، يبلغ ارتفاع كل واحد منها ستة عشر مترا بسمك يتراوح بين متر وعشرين سنتيمترا ومتر وتسعين سنتيمترا وتسبقها خندقٌ دفاعي أما مدخل المدينة الرئيسي، فكان يمرّ عبر باب ضخم يعرف بـ”باب فاس”، نسبة إلى العاصمة المرينية.

    هذا التفصيل المعماري، وحده، يكفي لتفكيك الرواية الإسبانية فباب سبتة في زمنها الذهبي، لم يكن يفتح على قشتالة ولا على البرتغال بل على فاس عاصمة المغرب حينها والحصن مبنيٌّ على النموذج المعماري المريني بالتقنيات المرينية وبالمواد المستقدمة من الظهير المغربي بأيدي العمّال المغاربة وتحت إشراف المهندسين المغاربة، لخدمة مشروع دولة مغربية.

    1415 السرقة البرتغالية المفاجئة

    في نهاية القرن الرابع عشر، دخلت السلالة المرينية في أزمة سياسية خانقة أضعفت الدولة المغربية بشكل حاد، وهنا البرتغال آنذاك في طور توسّع إمبراطوري بحري نشط، وجدت في هذا الضعف المريني فرصة استراتيجية سانحة.

    في 14 غشت 1415، أطلقت لشبونة حملة عسكرية مباغتة انتزعت بها سبتة من المغرب وبالفعل، في القراءة القانونية والتاريخية الرصينة لم يكن “نتيجة تفاوض” ولا “معاهدة” بل انتزاعا بالقوّة لمدينة ظلّت جزءا من الدولة المغربية طيلة ستة قرون وسبع وعشرين سنة متواصلة 788-1415

    ومنذ ذلك التاريخ، دخلت سبتة في دورة استعمارية جديدة، فسنة 1580 حين اتحد التاجان البرتغالي والإسباني تحت الملكية الإسبانية، انتقلت المدينة إلى السيادة الإسبانية، وسنة 1640 حين انفصلت البرتغال اختارت المدينة البقاء تحت التاج الإسباني وظلت جزءا من مقاطعة قادش الإسبانية بوصفها بلدية عادية إلى أن منحت “وضعية المدينة الحكم الذاتي” في مارس 1995.

    الرواية والرواية المضادة

    هنا يبرز التناقض الجوهري للرواية الاسبانية، فمدريد قد تصرّ على أن سبتة “إسبانية” وقد تعتبر المسألة الترابية “منتهية نهائيا” وترفض أي نقاش حول السيادة غير أن ثمة حقيقة لا تستطيع أي حكومة أن تلغيها بمرسوم وهي محو التاريخ، ومحو الجغرافيا الطبيعية والبشرية.

    الجغرافيا الطبيعية تثبت أن سبتة جزء من الكتلة القارية الإفريقية، لا الأوروبية فهي تقع على الشاطئ الجنوبي للمضيق ملتصقة بجبل موسى ومحاطة بالإقليم المغربي من ثلاث جهات غير مفصولة عن التراب المغربي إلا بسور حدودي شيّده الإسبان.

    الجغرافيا البشرية تثبت أن سكانها حتى في العصر الحديث، يتشاركون هويات وأصول وشبكات قرابة مع المغاربة عبر ضفتي السور، أما التاريخ، فيتحدث بدوره عن ستة قرون من الإدارة المغربية المتواصلة، تحت أربع سلالات مغربية متتالية مقابل ستة قرون من الاحتلال الأجنبي منذ 1415.

    حين ينكسر الخطاب الرسمي أمام الوثيقة التاريخية

    و في السياق الراهن، حيث تعيد إسبانيا تموضعها الدبلوماسي إزاء المغرب وقد اعترفت رسميا منذ مارس 2022 بمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” يبقى ملفّ سبتة ومليلية والجزر المتوسطية النقطة العمياء في العلاقة الثنائية فمدريد التي وافقت على “الحلّ العادل” في الجنوب المغربي تصرّ على “التسوية النهائية” في الشمال بمنطق ذي وجهين.

    الخطاب المغربي الرسمي، الذي يذكّر بين الحين والآخر بأن “سبتة ومليلية أراض مغربية محتلة”، يستند إلى قاعدة تاريخية صلبة لا إلى مجرد ادعاء سياسي كما أن الوقائع التي تثبت مغربية سبتة عبر ستة قرون يدخل النقاش في منطقة لا تستطيع الدبلوماسية الإسبانية الردّ عليها بمفردات “السيادة” و”القانون الدولي” وحدها.

    الحصون المرينية لا تزال قائمة، باب فاس لا يزال قائما، أسماء الأحياء العتيقة لا تزال تحمل جذورها العربية، المخطوطات المرابطية والموحدية والمرينية التي وثّق فيها الحكم المغربي للمدينة محفوظةٌ في مكتبات مدريد ولشبونة والرباط وباريس.

  • “القطرة التي أفاضت الكأس”..  شبعتو يلتحق بـ”البام” بعد أزمة الترافع عن ميدلت

    “القطرة التي أفاضت الكأس”.. شبعتو يلتحق بـ”البام” بعد أزمة الترافع عن ميدلت

    أعلن النائب البرلماني عن إقليم ميدلت مروان شبعتو، إنهاء تجربته السياسية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار واختياره مواصلة مساره من داخل حزب الأصالة والمعاصرة، واضعا بذلك حدا لسنوات من الانتماء إلى الحزب الذي يقود الحكومة.

    شبعتو، الذي كشف قراره في بيان موجه إلى الرأي العام، ربط مغادرته بـ”تراكمات” قال إنها مست في نهاية المطاف قدرته بصفته منتخبا، على الترافع عن إقليم ميدلت وخدمة ساكنته، مشيرا بشكل خاص إلى ما اعتبره ضعف الاهتمام الحزبي بالإقليم، ثم واقعة مرتبطة بملف مهنيي الصناعة التقليدية، قال إنها شكلت بالنسبة إليه “القطرة التي أفاضت الكأس”

    وبحسب روايته، لم تأت المغادرة نتيجة خلاف شخصي مع أحد قيادات التجمع الوطني للأحرار، ولا كرد فعل على حادث معزول بل بعد فترة حاول خلالها معالجة الاختلافات داخل التنظيم وتغليب مصلحة الحزب قبل أن يصل إلى قناعة بأن استمرار الوضع لم يعد يسمح له بأداء الدور الذي ينتظره منه ناخبوه.

    ميدلت في قلب أسباب المغادرة

    وضع شبعتو إقليم ميدلت في صلب تفسيره لقرار تغيير انتمائه الحزبي، مؤكدا أنه شعر خلال الفترة الأخيرة بأن الإقليم لا يحظى داخل التجمع الوطني للأحرار بالاهتمام الذي يستحقه، وأن المجهود الذي يبذله منتخبو الحزب ومناضلوه محليا لا يجد، بحسب تعبيره، الصدى نفسه لدى القيادة المركزية.

    ووفق البرلماني، فإن طريقة تعاطي الحزب مع الإقليم الذي يمثله هو مرجع قراره إلى جانب قدرة المنتخب المحلي على الحصول على الدعم السياسي والحكومي الضروري للترافع عن الملفات التي يحملها من الميدان.

    واستحضر شبعتو في هذا السياق، اللقاء الحزبي الأخير الذي احتضنته ميدلت، والذي كان ينتظر أن يشكل وفق بيانه، محطة تنظيمية وسياسية قوية في الإقليم خصوصا في سياق الاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

    وقال البرلماني إن رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار حضر اللقاء، وهو حضور أكد أنه يقدره غير أن ما أثار استياءه كان غياب الحضور الحكومي، في وقت انتقل فيه بحسب روايتهعدد كبير من الوزراء والقيادات إلى إقليم آخر وقضوا هناك وقتا أطول.

    وبالنسبة لشبعتو، لم يكن الأمر مجرد تفصيل مرتبط ببرنامج لقاء حزبي أو بتوزيع حضور المسؤولين بين الأنشطة، بل حمل دلالة سياسية بالنسبة إلى المنتخبين والمناضلين الذين يشتغلون محليا ويحاولون إقناع المواطنين بأن حزبهم حاضر إلى جانب الإقليم وقضاياه.

    وقال إن مثل هذه المواقف قد تبدو محدودة عند النظر إليها منفردة لكنها تتحول حين تتكرر إلى تراكم يؤثر في علاقة المنتخب بتنظيمه وفي قدرته على الدفاع عن موقع حزبه أمام المواطنين.

    ورغم ذلك، أكد شبعتو أنه تجاوز ما وقع في اللقاء الحزبي بميدلت مثلما سبق له، حسب روايته، أن تجاوز مواقف أخرى خلال سنوات انتمائه إلى الحزب.

    الصناعة التقليدية.. “القطرة التي أفاضت الكأس”

    غير أن الملف الذي دفع شبعتو إلى اتخاذ القرار النهائي وفق البيان، ارتبط بالصناعة التقليدية في إقليم ميدلت.

    ويقول النائب البرلماني إنه التقى وتواصل مع عدد من المهنيين والفاعلين في القطاع، واستمع إلى المشاكل التي يواجهونها، قبل أن يلتزم أمامهم بالعمل على ترتيب لقاء مع كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، قصد تمكينهم من عرض مشاكل القطاع بصورة مباشرة والبحث عن حلول لها.

    وبحسب شبعتو، لم يكن تحركه مرتبطا بطلب شخصي أو بمصلحة خاصة، وإنما كان يقوم بدوره بصفته نائبا برلمانيا يحمل ملف فئة من المواطنين وقطاع اقتصادي واجتماعي له حضوره داخل إقليم ميدلت لكن محاولة الوصول إلى المسؤول الحكومي لم تحقق، وفق روايته النتيجة التي كان ينتظرها.

    ويقول شبعتو إن محاولاته للتواصل مع كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية استمرت لأكثر من شهر، من دون أن يتلقى جوابا وهو ما وضعه في موقف وصفه بـ”بالغ الإحراج” أمام المهنيين الذين سبق أن التزم أمامهم بالترافع عن مشاكلهم.

    فبعد أن أخذ على عاتقه نقل الملف إلى المسؤول الحكومي المعني وجد البرلماني نفسه، وفق ما جاء في بيانه، عاجزا عن تقديم جواب للمهنيين، باستثناء إخبارهم بأن اتصالاته لم تلق ردا.

    وحرص شبعتو على الفصل بين الجانب الشخصي والجانب المؤسساتي في الواقعة، مؤكدا أن المشكلة بالنسبة إليه ليست في أن “مروان شبعتو لم يتلق جوابا على الهاتف” وإنما في طبيعة المهمة التي كان يقوم بها حين أجرى تلك الاتصالات.

    وأوضح أن النائب البرلماني حين يتواصل مع مسؤول حكومي حاملا مشاكل مواطنين، فإنه لا يطلب قضاء غرض خاص، معتبرا أن الحد الأدنى الذي يفترض أن يجده المنتخب هو الإنصات إلى الملف، حتى إذا انتهى الأمر بالاعتذار عن عقد اللقاء أو بتأجيله إلى موعد آخر.

    حين يصبح المنتخب عاجزا عن إيصال الملف

    بالنسبة لشبعتو، نقلت واقعة الصناعة التقليدية الأزمة من مستوى العلاقة التنظيمية داخل الحزب إلى سؤال يتعلق بجدوى الموقع السياسي نفسه.

    فالبرلماني وفق ما أورده في بيانه، لا يطالب بمعاملة تفضيلية بسبب صفته النيابية ولا بفتح أبواب خاصة أمامه، لكنه في المقابل يرى أنه لا يستطيع مطالبة المواطنين بالثقة في قدرته على إيصال أصواتهم، ثم يجد نفسه غير قادر على إيصال ملفهم إلى مسؤول حكومي ينتمي إلى الحزب نفسه.

    وهنا حسب روايته، وصل التراكم إلى النقطة التي أصبح معها استمرار التجربة الحزبية محل مراجعة.

    ولخص شبعتو خلفية قراره بالسؤال الذي قال إنه اضطر إلى طرحه على نفسه: “ما قيمة الموقع السياسي إذا لم يساعدك على خدمة الناس الذين وضعوا ثقتهم فيك”

    ومن هذا المنطلق، قدم انتقاله الحزبي باعتباره نتيجة لقناعة مرتبطة بوظيفة العمل السياسي والتمثيل الانتخابي، وليس مجرد تغيير في الموقع التنظيمي.

    مغادرة الأحرار بلا خصومة

    ورغم الانتقادات التي ضمنها بيانه، حرص شبعتو على تأكيد أن مغادرته حزب التجمع الوطني للأحرار لا تعني الدخول في خصومة مع قياداته أو مناضليه.

    وقال إنه يغادر الحزب من دون إنكار للتجربة التي عاشها داخله وللعلاقات التي نسجها خلال سنوات الانتماء إليه، مؤكدا احتفاظه بالاحترام لعدد من قيادات الحزب ومناضليه، وعلى رأسهم رئيس الحزب، ولكل من اشتغل إلى جانبهم خلال هذه المرحلة.

    كما نفى أن يكون القرار وليد لحظة غضب أو خلاف شخصي، مشددا على أنه كان، طوال السنوات الماضية، حريصا على إبقاء الاختلافات داخل “البيت” الحزبي ومعالجتها داخليا، حتى في الفترات التي كانت لديه فيها بحسب تعبيره، “أسباب كثيرة للعتاب”

    من الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة

    في المقابل، حسم النائب البرلماني وجهته السياسية الجديدة بإعلانه الانضمام إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وقال إنه اختار مواصلة مساره السياسي من داخل “البام” مؤكدا إدراكه لما يحمله هذا الانتقال من مسؤولية وما يترتب عنه سياسيا.

    وقدم شبعتو دخوله إلى الحزب الجديد بوصفه بداية مرحلة يريد من خلالها استعادة ما يعتبره المعنى الأساسي للعمل السياسي بالنسبة إليه، والمتمثل في القرب من ساكنة إقليم ميدلت والحضور في قضاياها والقدرة على الترافع عن مطالبها والدفاع عن مصالحها.

    وفي الوقت نفسه، أكد أنه يدخل التجربة الجديدة من دون التنكر لمساره السابق أو تحويل الخلاف السياسي والتنظيمي إلى خصومة مع الحزب الذي يغادره.

    وشدد البرلماني على أن تجربته السابقة قادته إلى خلاصة مفادها أن المواقع الحزبية ليست دائمة، وأن قيمة الموقع السياسي لا ترتبط باسم الحزب أو بقوته بقدر ما ترتبط بما يوفره للمنتخب من قدرة على خدمة المواطنين الذين منحوه ثقتهم.

  • من بوتاس الخميسات للتحكيم الدولي.. كيف تحول المشروع إلى نزاع بين المغرب و”إميرسون”؟

    من بوتاس الخميسات للتحكيم الدولي.. كيف تحول المشروع إلى نزاع بين المغرب و”إميرسون”؟

    يتجه النزاع التحكيمي بين المغرب وشركة التعدين البريطانية “إميرسون” بشأن مشروع البوتاس في الخميسات إلى الاستمرار حتى سنة 2028، بعدما حددت هيئة التحكيم المكلفة بالملف جدولا زمنيا جديدا للمذكرات والمرافعات، وصولا إلى عقد جلسة استماع في يوليوز من السنة ذاتها.

    وبحسب آخر مستجدات المسطرة المنشورة اليوم الثلاثاء 25 غشت، يتعين على المغرب إيداع مذكرته الجوابية في يناير 2027، على أن تقدم “إميرسون” مذكرتها التعقيبية في أكتوبر من السنة نفسها، قبل أن تودع المملكة مذكرة جوابية إضافية في يناير 2028.

    ومن المرتقب أن تعقد جلسة الاستماع في يوليوز 2028 على مدى عدة أيام، حيث ستتاح للطرفين فرصة عرض دفوعهما القانونية، وتقديم الأدلة واستجواب الخبراء والدفاع عن مواقفهما أمام هيئة التحكيم، غير أن الهيئة لم تحدد موعدا لإصدار الحكم النهائي، الذي سيأتي بعد دراسة المذكرات والوثائق والخبرات المقدمة من الطرفين.

    مطالب بـ1.215  مليار دولار

    يدور النزاع حول مشروع البوتاس بخميسات، الذي تعتبره “إميرسون” أحد أهم أصولها الاستثمارية، إذ ترى الشركة البريطانية أن قرارات اتخذتها السلطات المغربية ألحقت ضررا باستثمارها، وحرمت المشروع من الحماية التي تضمنها معاهدة الاستثمار الثنائية المعمول بها.

    وتستند الشركة إلى مجموعة من الضمانات المرتبطة بحماية الاستثمارات، من بينها الحماية من نزع الملكية والمعاملة العادلة والمنصفة، مطالبة بتعويضات تصل إلى نحو 1.215 مليار دولار عن الأضرار التي تقول إنها لحقت بها.

    منجم في الخميسات ومراهنة على مادة أساسية في الأسمدة

    لفهم أصل القضية، يجب أولا العودة إلى المشروع نفسه، فالبوتاس هو اسم يطلق على مجموعة من أملاح البوتاسيوم التي تستخدم أساسا في صناعة الأسمدة، ويعد عنصرا أساسيا لنمو النباتات، ما يجعل البوتاس مادة استراتيجية بالنسبة إلى الزراعة والصناعات المرتبطة بالأمن الغذائي.

    وهنا جاء رهان “Emmerson”، فمنذ دخولها إلى مشروع الخميسات سنة 2018، قدمت الشركة المشروع باعتباره فرصة لبناء صناعة جديدة للبوتاس في المغرب، اعتمادا على موارد معدنية قالت إنها قادرة على دعم إنتاج صناعي كبير.

    وكان المشروع يتجاوز فكرة استخراج الخام من المنجم، إذ كان التصور يقوم على إقامة منظومة لمعالجة الخام وتحويله إلى منتجات قابلة للتسويق، بما فيها البوتاس، إلى جانب منتجات معدنية وأسمدة أخرى.

    ومع تقدم الدراسات، أصبح المشروع أحد أهم أصول الشركة البريطانية، التي كانت تراهن على تحويله إلى مشروع منجمي وصناعي كبير.

    2021.. رخصة التعدين تفتح الباب

    في فبراير 2021، حصل المشروع على رخصة التعدين، وهو ما شكل تطورا مهما بالنسبة إلى الشركة، لكنه لم يكن آخر محطة قبل بدء الأشغال، لأن الرخصة المنجمية لا تلغي باقي المتطلبات القانونية والتنظيمية، وكان على المشروع أن يحصل أيضا على الموافقة المتعلقة بدراسة التأثير البيئي والاجتماعي.

    وأصبحت الموافقة لاحقا العقدة الأساسية في الملف، إذ كان المشروع يحتاج إلى معالجة كميات كبيرة من الخام، وهي عملية لها آثار مرتبطة بالمياه والمخلفات وطريقة تدبيرها.

    أزمة الماء تدخل على الخط

    خلال 2023، كان الحصول على الموافقة البيئية هو الأولوية الأساسية بالنسبة إلى الشركة البريطانية، لكن المسار لم يسر كما كانت الشركة تتوقع، بعدما واجهت دراسة التأثير البيئي والاجتماعي للمشروع قرارا غير موات من اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار، لتقرر الشركة اللجوء إلى مسار إحالة القرار على اللجنة الوزارية المختصة.

    ولم تتعامل الشركة مع ذلك باعتباره نهاية المشروع، بل حاولت تغيير الطريقة التي سيعالج بها الخام. وفي بداية 2024، كشفت عما سمته Khemisset Multi-Mineral Process، وهي طريقة جديدة قالت إنها تسمح بخفض استهلاك المياه بنحو 50 بالمئة، إلى جانب الاستغناء عن الحاجة إلى التخلص من المحاليل الملحية الناتجة عن المعالجة بالطريقة السابقة.

    وفي مارس 2024، أعلنت الشركة أن اللجنة الوزارية قبلت إحالة الملف من جديد إلى اللجنة الجهوية، ودعتها إلى تحديث دراسة التأثير البيئي وإعادة تقديمها، مع إدخال التحسينات الجديدة على المشروع.

    2024.. نسخة جديدة من المشروع

    في أبريل 2024، أعادت “Emmerson” تقديم دراسة التأثير البيئي والاجتماعي بعد إدخال التعديلات المرتبطة بطريقة المعالجة الجديدة، وكانت الشركة تعتقد أنها اقتربت من تجاوز العقبة التي أوقفت المشروع، بحكم تضمنها تحسينات في استهلاك المياه وتدبير المخلفات، بينما كانت التعديلات التقنية تهدف إلى تقليص البصمة البيئية للمشروع.

    واستمر الانتظار حتى أكتوبر 2024، عندما أعلنت “Emmerson” أن اللجنة الجهوية أصدرت توصية غير مواتية بشأن الموافقة على الدراسة البيئية المحدثة، لتطلب توضيحات بشأن التوصية ومسارها، قبل أن تبدأ في دراسة الخيارات القانونية والتنظيمية المتاحة أمامها.

    من قرار بيئي إلى نزاع استثماري

    بالنسبة إلى الشركة، فقد أصبح الأمر يتعلق باستثمار تقول إنها أنفقت عليه سنوات من العمل والموارد، وأن القرارات التي حالت دون حصوله على الموافقة البيئية عطلت المشروع عمليا.

    وفي بداية نونبر 2024، وبعد حصولها على استشارة قانونية، أعلنت “Emmerson” أنها أبلغت الحكومة المغربية بوجود نزاع استثماري بينها وبين المملكة، كما عينت مكتبا لتمثيلها في المسار القانوني، لتدخل معاهدة الاستثمار بين المغرب والمملكة المتحدة إلى قلب القضية.

    وفي 30 أبريل 2025، تقدمت شركتا “Khemisset UK Ltd” و”Potasse de Khemisset SA” بطلب تحكيم ضد المغرب أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار “CIRDI/ICSID”، وسجل المركز طلب التحكيم رسميا في 23 ماي 2025.

    وتقول الشركة إن المغرب خالف، بحسب ادعائها، عددا من الالتزامات المنصوص عليها في معاهدة الاستثمار المغربية البريطانية، من بينها الحماية من نزع الملكية والمعاملة العادلة والمنصفة والحماية الكاملة للاستثمار.

    وفي مارس 2026، قدمت “Emmerson” مذكرتها الرئيسية في القضية، مرفقة بأدلتها ووثائقها وشهادات وخبرات، وحددت مطالبتها المالية في 1.215 مليار دولار، شاملة الفوائد وصافية من الضرائب المحلية.

    القضية تتجه إلى 2028

    في ماي 2026، تقدم بطلب إجرائي إلى هيئة التحكيم من أجل فصل بعض الاعتراضات المتعلقة باختصاص الهيئة والنظر فيها بشكل أولي، قبل الانتقال إلى جوهر القضية.

    لكن الهيئة رفضت هذا الطلب في يوليوز 2026، وقررت أن تنظر في الاعتراضات المتعلقة بالاختصاص إلى جانب جوهر النزاع، وليس في مرحلة منفصلة.

    وفي آخر تطورات الملف، أعلنت “Emmerson” في 25 غشت 2026 أن هيئة التحكيم حددت الجدول الزمني الكامل للمسطرة، فالمغرب مطالب بتقديم مذكرته المضادة في يناير 2027، ثم تقدم الشركة ردها في أكتوبر من السنة نفسها، على أن يقدم المغرب مذكرته اللاحقة في يناير 2028.

    بعد ذلك، ستعقد جلسة الاستماع الرئيسية بين 17 و26 يوليوز 2028، حيث سيقدم الطرفان مرافعاتهما، وتتم مناقشة الأدلة والاستماع إلى الخبراء والشهود عند الاقتضاء.

  • مغربية سبتة ومليلية تثير قلق الإسبان ومدريد تغير طريقة إدارة أزمة الهجرة

    مغربية سبتة ومليلية تثير قلق الإسبان ومدريد تغير طريقة إدارة أزمة الهجرة

    تواصل تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن سبتة ومليلية، والتي أعاد فيها تأكيد الموقف المغربي بأن المدينتين ينبغي أن تعودا إلى “حضن الوطن”، تثير الجدل في إسبانيا، في وقت تعيش فيه سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة دفعت حكومة بيدرو سانشيز إلى تغيير طريقة تدبير الملف وإقرار قيادة مركزية موحدة تتولى إدارة الأزمة بشكل مباشر.

    وجاءت تصريحات وهبي لتضيف بعدا سياسيا وسياديا إلى أزمة بدأت أساسا بوصفها أزمة هجرة وحدود في 30 يوليوز الماضي، بعدما ربط الوزير المغربي بين دخول عدد كبير من المهاجرين إلى سبتة وبين اقتناع بعضهم بأن المدينة “مغربية”، وهو ما أثار قلقا في مدريد التي جددت التأكيد أن سبتة ومليلية “مدينتان إسبانيتان”.

    وبحسب التصريحات التي أدلى بها وزير العدل المغربي، فإن بعض الشباب الذين حاولوا عبور الحدود كانوا يبررون محاولتهم بالقول إن سبتة مغربية، وقال: “كان بعض الشباب يقولون لنا: نريد الدخول إلى سبتة لأن سبتة مغربية، والدستوري يضمن لنا حرية التنقل فوق التراب الوطني، فكيف كان بإمكاننا أن نمنعهم؟”.

    ولم تتوقف تصريحات المسؤول المغربي عند تفسير سلوك المهاجرين، بل انتقلت إلى تأكيد الموقف السياسي المغربي من المدينتين، مشددا على أن قضية سبتة ومليلية “ستظل موضوع حوار” بين المغرب وإسبانيا، مضيفا أن الرباط ستتمسك بحقها التاريخي والجغرافي في المدينتين.

    المغرب يعيد ملف سبتة ومليلية للواجهة ومدريد ترد

    التصريحات المغربية قوبلت برد إسباني واضح، إذ أكدت وزارة الخارجية، وفي ما نقلته صحيفة “ABC” الإسبانية مساء يوم أمس الإثنين، رفضها لأي تشكيك في الوضع القانوني والسيادي لسبتة ومليلية.

    ونقلت المصادر الحكومية الإسبانية موقفا حازما مفاده أن المدينتين “إسبانيتان” وأنهما تشكلان جزءا من الدولة الإسبانية.

    وشددت مصادر وزارة الخارجية، التي يقودها خوسيه مانويل ألباريس، على أن إسبانيا “ترفض وسترفض بشكل قاطع أي طرح مختلف بشأن سبتة ومليلية”.

    ويعكس الرد الإسباني حساسية استثنائية تجاه أي ربط بين أزمة الهجرة الأخيرة ومسألة السيادة على المدينتين، خصوصا أن سبتة باتت خلال الأسابيع الماضية مركز أزمة سياسية وأمنية وإنسانية واسعة النطاق، بعد دخول عشرات الآلاف من المهاجرين في وقت قصير.

    وتنظر مدريد إلى التصريحات المغربية باعتبارها عاملا إضافيا يزيد تعقيد الأزمة، لكونها تنقل النقاش من إدارة الحدود واستقبال المهاجرين وإعادتهم إلى المغرب، إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالسيادة والوحدة الترابية، وفق ما أكدته تقارير إسبانية.

    أزمة الهجرة تضغط على حكومة سانشيز

    ويتزامن التوتر مع المغرب مع ضغوط داخلية قوية على حكومة بيدرو سانشيز، التي تعرضت طوال نحو شهر لانتقادات حادة بسبب طريقة تعاملها مع أزمة سبتة المحتلة.

    وبعد مرور قرابة شهر على اندلاع الأزمة، ما يزال آلاف المهاجرين موجودين في شوارع الثغر المغربي المحتل من دون مراكز إيواء كافية، بينما تواجه السلطات صعوبات في تحديد أعدادهم بدقة وفي تسجيل هوياتهم وبدء الإجراءات القانونية الخاصة بكل حالة.

    وبحسب المعطيات الواردة في التقارير الإسبانية، دخل نحو 80 ألف مهاجر إلى سبتة خلال الأزمة، وهو رقم يقارب عدد سكان المدينة نفسها، غير أن 95 بالمئة منهم طوعا إلى المغرب، بينما بقي آلاف آخرون داخل المدينة.

    وتشير التقديرات، حسب تقارير محلية، إلى وجود نحو خمسة آلاف شخص لا يرغبون في مغادرة سبتة، بينما لم تتمكن السلطات حتى الآن إلا من توفير أماكن لإيواء نحو 1800 شخص.

    أما القاصرون، فتقول الحكومة الإسبانية إن نحو 2900 منهم أصبحوا تحت المراقبة وتم إيواؤهم، في حين تظل مشكلة البالغين أكثر تعقيدا بسبب ضرورة تسجيل كل شخص على حدة، وفتح ملف قانوني فردي قبل اتخاذ أي إجراء محتمل للترحيل.

    من التنسيق المشترك إلى “القيادة الموحدة”

    وقرر رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تغيير الاستراتيجية التي تبنتها حكومته منذ بداية الأزمة، أمام تصاعد الانتقادات واستمرار حالة الفوضى.

    وبعد أسابيع من رفض فكرة إنشاء “قيادة مركزية موحدة” لإدارة أزمة سبتة، على أساس أنها غير ضرورية، قررت الحكومة في نهاية المطاف القبول بالخيار الذي كان يطالب به رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس وحزب الشعب المعارض.

    ووفق ما كشفته “إل باييس” صباح اليوم الثلاثاء، فيعني القرار عمليا انتقال جزء كبير من إدارة الأزمة إلى الحكومة المركزية، بدل استمرار النموذج السابق الذي كانت فيه مدريد وسلطات سبتة تديران الملف بشكل مشترك، مع احتفاظ كل طرف بصلاحياته.

    وسيترأس القيادة الجديدة وزير السياسة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس، الرئيس السابق لحكومة جزر الكناري، الذي كلفه سانشيز بمهمة تنسيق الملف والإشراف المباشر على إدارة الأزمة.

    ومن المنتظر أن تشمل القيادة الجديدة ممثلين عن حكومة سبتة، ومندوب الحكومة المركزية، والوزارات المعنية، إضافة إلى المركز الوطني للاستخبارات الإسباني.

    ورغم المطالب المتكررة لإحداث قيادة موحدة، واستجابة سانشيز للأمر، فقد جر عليه القرار انتقادات المعارضة، إذ تنظر إلى الخطوة باعتبارها تراجعا واضحا من الحكومة، خصوصا أن حزب الشعب طالب منذ بداية الأزمة بإنشاء قيادة موحدة.

    وسارع زعيم الحزب ألبرتو نونييث فييخو إلى استثمار القرار سياسيا، معتبرا أن الحكومة أقرت متأخرة بصحة موقف حزبه.

    وفي المقابل، تحاول الحكومة تقديم القرار باعتباره استجابة لانتقال الأزمة إلى مرحلة جديدة تتطلب تنسيقا أوسع بين مؤسسات الدولة.

    وقال نائب رئيس الحكومة كارلوس كويربو إن الوضع تجاوز البعد الأمني، وإن تنسيق عمل الإدارات المختلفة أصبح أكثر أهمية، وهو ما يبرر إنشاء قيادة موحدة.

    سبتة تضغط لتسريع إعادة المهاجرين والقاصرين

    بدوره، صعد رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس، لهجته تجاه مدريد، متهما إياها بعدم تقديم الدعم الكافي، بعدما كان بدوره من أبرز المطالبين بإنشاء قيادة موحدة، كما وضع تسريع إعادة المهاجرين إلى المغرب في مقدمة أولوياته.

    وردت الحكومة الإسبانية على هذه الانتقادات بالتأكيد أن الدولة ستكون حاضرة بقوة في سبتة، إذ كويربو خلال زيارته للمدينة إن سبتة، رغم كونها منطقة حدودية، يجب أن تشعر بحضور الدولة بالطريقة نفسها التي يشعر بها المواطنون في شبه الجزيرة الإيبيرية.

    وتعهد بأن تساهم القيادة الموحدة في تسريع عمليات إعادة البالغين وفي تحسين إدارة ملف القاصرين، إلى جانب تعزيز الحدود لمنع تكرار أزمة مماثلة.

    المغرب يدافع عن طريقة إدارته للأزمة

    في المقابل، يرفض المغرب الانتقادات التي تحمله مسؤولية السماح بتدفق المهاجرين باتجاه سبتة، معتبرا أن تجنب المواجهة المباشرة مع الشباب والمراهقين الذين حاولوا الوصول إلى المدينة حال دون سقوط عدد كبير من الضحايا.

    وقال وهبي في تصريحات سابقة إن الدخول في مواجهة مباشرة كان يمكن أن يؤدي إلى وقوع ضحايا بين الشباب المغاربة، ولذلك اختارت السلطات إدارة الأزمة “بذكاء وهدوء ومسؤولية”.

    وأضاف أن السلطات حاولت منع المهاجرين من العبور عند وصولهم إلى الحدود، لكن بعضهم توجه بعد ذلك نحو البحر.

    وطالبت الرباط إسبانيا بإعادة المهاجرين الناجين إلى المغرب وتسليم جثامين الذين لقوا مصرعهم خلال محاولات العبور، وطالبت بتعاون أوسع بين البلدين في إدارة ملف الهجرة.

    سبتة الرابح الأكبر

    وإلى جانب الإجراءات الأمنية والإدارية، تستعد الحكومة الإسبانية لضخ أموال إضافية في اقتصاد سبتة، الذي تضرر بشدة بسبب الأزمة.

    وتقول مدريد إن هناك بالفعل خطة بقيمة 180 مليون يورو قيد التنفيذ، لكنها ترى أن الظروف الحالية تتطلب موارد إضافية وإجراءات استثنائية.

    وتشمل الخطط المرتقبة تعزيز الأمن الحضري، ودعم الخدمات العامة، وتحسين ظروف الشركات والعاملين لحسابهم الخاص والعمال، إلى جانب توفير موارد إضافية لإدارة ملف المهاجرين.

    غير أن حكومة بيدرو سانشيز، ترى أن أزمة سبتة تشكل اختبارا بالغ الحساسية، لأنها تضرب مباشرة في واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في إسبانيا وأوروبا: الهجرة.

    وقد سمح استمرار الفوضى للمعارضة اليمينية بتوجيه انتقادات قوية إلى الحكومة واتهامها بالعجز عن حماية الحدود وإدارة تدفقات الهجرة.

    وفي الوقت نفسه، يزيد البعد المغربي للأزمة من الضغوط على سانشيز، لأن حكومته مطالبة بالحفاظ على التعاون مع الرباط في قضايا الهجرة والأمن، في وقت تتسمك المملكة بحقها التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية.

  • سبتة تحضر في ليلة المولد.. التوفيق يستحضر أمام الملك إرث القاضي عياض والعزفي

    سبتة تحضر في ليلة المولد.. التوفيق يستحضر أمام الملك إرث القاضي عياض والعزفي

    ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد، اليوم الإثنين 11 ربيع الأول 1448 هـ الموافق لـ 24 غشت 2026 مـ، بالقصر الملكي بالرباط، حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف.

    وخلال هذا الحفل الديني، الذي تميز بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم وإنشاد أمداح نبوية شريفة، ألقى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، عرضا بين يدي جلالة الملك، حول التقرير السنوي لحصيلة أنشطة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية.

    وقال التوفيق، في كلمته، إن صاحب الجلالة، بصفته أميرا للمؤمنين، كان قد تفضل بمناسبة إحياء ذكرى المولد في العام الماضي، بتوجيه المجلس العلمي الأعلى من أجل القيام بما يليق من التذكير والتنوير، برسم الاحتفلال بمرور 15 قرنا على ميلاد الرسول الأكرم، عليه أفضل الصلاة والسلام.

    وأوضح السيد التوفيق أن السنة حفلت على امتدادها بمجالس الابتهال والتعليم، “فنسأل الله الحميد المجيد، أن يضيف ما تنزل في تلك المجالس من فيوض الرحمة في سجل مبرات جلالتكم وأن يضاعف بها الأجر في صحيفتكم”.

    وأكد الوزير أن تعلق الأمة المغربية بالجناب النبوي المنيف له تجليان، تجل سياسي وتجل عاطفي ولكليهما سند شرعي، فأما التجلي السياسي فهو إسناد إمامتهم العظمى للشرفاء من عطرة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وذلك على البيعة لحفظ الأرض والثوابت وضمان التحكيم العادل بين مكونات الأمة.

    أما التجلي العاطفي، يضيف التوفيق، فيتمثل في تبريزهم من بين جميع المسلمين في كل العصور في ذكر المقامات المصطفوية بدءا بكتاب “الشفا” للقاضي عياض ومرورا بكتاب “الدر المنظم” للعزفي، وكلا العالمين من مدينة سبتة، ووصولا إلى كتاب “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي، وكان هذا الكتاب شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث.

    وتابع الوزير قائلا إن الأمة المغربية المجبولة على اللجوء إلى حمى رسول الله بالاتباع برهانا على المحبة، تشهد اليوم أن علماءها، وهم يستحضرون قوله صلى الله عليه وسلم “ألا هل بلغت”، يعملون ضمن خطة “تسديد التبليغ” على إقناع الناس بكل وضوح وبساطة، بأن التوحيد الذي دار عليه القرآن الكريم وتبليغ النبي الأمين، هو المتمثل في التحرر الخلقي من الأنانية الفردية والجماعية، تحررا يتيسر به الإصلاح العملي للتدين.

    إثر ذلك، قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لجلالة الملك، نسخة من كتاب “ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”، الذي قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بطبعه ونشره بالاعتماد على عشرات المخطوطات في المكتبات الملكية والعامة والخاصة في المغرب وفي الخارج.

    ويأتي هذا النشر عملا بتوجيهات أمير المؤمنين، حفظه الله، الذي دعا في العام الماضي، في رسالة إلى المجلس العلمي الأعلى، إلى إحياء ذكرى مرور خمسة عشر قرنا قمريا على ميلاد الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، على أن يكون ضمن فعاليات هذا الإحياء نشر عناوين من تراث المغاربة في ذكر الصلاة على النبي وما كان لعلماء المغرب فيها من التبريز.

    حضر هذا الحفل الديني رئيس الحكومة، ورئيسا غرفتي البرلمان، ومستشارو صاحب الجلالة، وأعضاء الحكومة، ورؤساء الهيئات الدستورية، وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، وأعضاء السلك الدبلوماسي الإسلامي المعتمد بالرباط، والعديد من العلماء وشخصيات أخرى مدنية وعسكرية.

    ويأتي إحياء أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أيده الله، لهذه الليلة المباركة اقتداء بسنة أسلافه المنعمين الذين دأبوا على الاحتفاء بذكرى مولد جدهم المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام، الذي شكل ميلاده مولد أمة كانت وستظل خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فهو الرسول الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أشرقت بمولده الدنيا وامتلأت نورا وهداية، بفضل ما تضمنته الرسالة المحمدية من ترسيخ لقيم العدل والمساواة والاعتدال والدعوة إلى العمل الصالح والتسامح بين البشر والتعايش بين مختلف الأديان والثقافات، حتى يعم الرخاء والسلم بين الناس أجمعين.

  • تتغير الحكومات وتتعثر الملفات.. وسيط المملكة يحذر من كلفة إعادة الهيكلة

    تتغير الحكومات وتتعثر الملفات.. وسيط المملكة يحذر من كلفة إعادة الهيكلة

    وضعت مؤسسة وسيط المملكة، على بُعد أسابيع من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل، ملف إصلاح الإدارة واستمرارية المرفق العام في صلب النقاش الانتخابي، محذرة من أن تغير الهيكلة الحكومية وانتقال الاختصاصات والملفات بين القطاعات قد يربكان معالجة التظلمات ويؤخرا الخدمات، ويتركا المرتفق أمام تعدد المخاطبين وصعوبة تحديد الجهة المسؤولة.

    وجاء ذلك، في مذكرة يقظة بعنوان “سياسات الإصلاح الإداري والحاجة لحوار عمومي واسع وتموقع حكومي واضح” نقلت المؤسسة النقاش من شكل الحكومة المقبلة وتوزيع حقائبها إلى أثر هذه الهندسة على المرتفق نفسه، محذرة من أن تغيير البنيات الحكومية لا يمر دائما من دون كلفة إدارية، ففي الفترات الانتقالية، قد تصبح ملفات في طور المعالجة عالقة بين اختصاص انتهى وآخر لم يترسخ بعد، فيما يجد المواطن نفسه أمام إدارة تغير مخاطبوها ومساراتها، من دون أن تتغير حاجته إلى الخدمة أو حقه في جواب داخل أجل معقول.

    المذكرة، التي استندت إلى ما ترصده المؤسسة من تظلمات وإلى الأنماط المتكررة في علاقة المرتفق بالإدارة، تدفع في اتجاه إعادة وضع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية في قلب النقاش السياسي والبرامجي، باعتباره ملفا قائما بذاته يحتاج إلى قيادة حكومية واضحة ومرجعية موحدة، لا مجرد أوراش موزعة بين قطاعات ومصالح متعددة.

    والرسالة الأساسية التي تحملها المؤسسة إلى الفاعلين السياسيين، قبيل الانتخابات، تتجاوز المطالبة باستمرار الإصلاح الإداري. إنها تدعو إلى ضمان ألا يدفع المواطن كلفة الانتقال من حكومة إلى أخرى، وألا تتحول إعادة توزيع الحقائب والاختصاصات إلى انقطاع في الذاكرة الإدارية أو تعطيل للملفات أو ضياع للمسؤولية بين أكثر من جهة.

    حين تتغير الحكومة.. من يتولى الملفات العالقة؟

    وضعت مؤسسة وسيط المملكة يدها على مرحلة دقيقة تلي عادة تشكيل الحكومات الجديدة وهي الفترة الفاصلة بين الإعلان عن التشكيلة الحكومية وترسيم اختصاصات القطاعات، ثم ما يرافق إعادة توزيع المهام من انتقال للملفات والمسؤوليات بين الوزارات والإدارات.

    وأفادت المذكرة بأن تقارير المؤسسة أظهرت أن “تغير الهيكلة الحكومية يفرز في حالات متعددة صعوبات عملية على مستوى تحديد الاختصاصات والصلاحيات”، خصوصا عندما يعاد توزيع الملفات بين قطاع وزاري وآخر أو عندما تكون ملفات معينة قد قطعت بالفعل مراحل من المعالجة قبل أن تنتقل إلى جهة إدارية جديدة.

    المشكلة هنا، لا تتعلق بالتنظيم الحكومي في حد ذاته إذ يظل من صلاحيات كل حكومة أن تختار الهندسة التي تراها ملائمة لتنفيذ برنامجها، وإنما بما يحدث للملفات أثناء هذا الانتقال، فالمواطن الذي وضع طلبا أو تظلما وتعامل مع إدارة محددة قبل إعادة الهيكلة لا يفترض، من منظور استمرارية المرفق أن يبدأ المسار من جديد لمجرد تغير الخريطة الحكومية، كما أن الالتزامات التي قطعتها الإدارة قبل إعادة توزيع الاختصاصات لا يفترض أن تفقد أثرها بمجرد انتقال الملف إلى قطاع آخر.

    غير أن التجربة التي ترصدها المؤسسة تكشف عن صعوبات فعلية في هذه المرحلة، تمتد من تحديد الإدارة التي أصبحت مختصة إلى استرجاع المعطيات والوثائق والملفات التي كانت تعالجها الجهة السابقة.

    ملفات بين إدارتين.. وفجوة يدفع ثمنها المرتفق

    بحسب مذكرة اليقظة، فإن إعادة توزيع الاختصاصات أو انتقال الملفات بين هياكل إدارية متغيرة قد يخلق “فجوة عملية بين من كان يتولى الموضوع سابقا ومن أصبح مختصا به لاحقا”.

    وتفصل المؤسسة بعض مظاهر هذه الفجوة بما فيها انتظار المعطيات، وإعادة ترتيب المصالح ومراجعة الاختصاصات والبحث عن الأرشيف الإداري.

    قد تبدو هذه العمليات تقنية وداخلية، لكنها بالنسبة إلى المواطن تترجم إلى شيء أكثر بساطة بملف لا يتحرك، جواب يتأخر، إدارة تحيل على أخرى، أو تظلم يصعب تحديد الجهة التي أصبحت مطالبة بمعالجته.

    وتشير المؤسسة إلى أن هذه الوضعية تؤثر كذلك في عملها، إذ يصبح تحديد “المخاطب الدائم للمؤسسة بشأن بعض التظلمات” أكثر صعوبة فضلا عن تأثير إعادة الهيكلة في الوفاء بالتعهدات والالتزامات السابقة.

    وبذلك، لا يبقى أثر إعادة التنظيم محصورا داخل الإدارة، بل ينتقل مباشرة إلى المرتفق وإلى المؤسسات التي تتولى الوساطة بينه وبين المرفق العام.

    وتخلص مذكرة الوسيط إلى أن هذه التعثرات “تنتهي غالبا إلى إبطاء تصريف الملفات وتأخير معالجة التظلمات” وهو ما يجعل مسألة الانتقال المؤسسي جزءا من جودة الخدمة العمومية، وليس مجرد شأن تنظيمي داخلي.

    إصلاح الإدارة.. ملف بلا قيادة واضحة؟

    تذهب المؤسسة أبعد من تشخيص المشاكل التي تظهر عند تغيير الحكومات، لتطرح سؤال موقع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية نفسه داخل البناء الحكومي وتعتبر أن ضعف إبراز هذا الورش داخل الهندسة الحكومية ينتج أثرا مزدوجا.

    الأول داخلي، يتعلق بقيادة الإصلاح نفسه ومدى انسجام وتناسق برامجه، فعندما تتوزع مكونات الإصلاح بين أكثر من جهة أو لا تكون مرجعيته الحكومية واضحة بما يكفي، تصبح القدرة على قيادة التحول الإداري وضمان استمراريته أكثر تعقيدا.

    أما الأثر الثاني، فهو خارجي ويصيب المواطن مباشرة، فالمرتفق بحسب المذكرة، قد يجد نفسه أمام مسارات مشتتة أو مخاطبين متعددين، أو إجراءات متقدمة في واجهتها فيما تحتاج خلفيتها إلى تبسيط وتعليل وتحديد مسؤولية“.

    وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في ظل توسع رقمنة الخدمات العمومية، فإتاحة خدمة عبر منصة أو واجهة إلكترونية لا تعني بالضرورة أن المسطرة الإدارية التي تقف خلفها أصبحت أبسط، ولا أن المسؤوليات والآجال وقنوات التظلم أصبحت أكثر وضوحا.

    إدارة لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة

    من بين أهم ما تطرحه المذكرة مسألة استمرارية الإدارة عند تغير المسؤوليات والهياكل، فمؤسسة وسيط المملكة ترى استنادا إلى التظلمات التي تتوصل بها والاختلالات المتكررة التي ترصدها، أن إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية يحتاج إلى “بنية حكومية واضحة ومتميزة” وأن استقرار هذا التموقع يخدم قبل كل شيء مصلحة المرتفق.

    ذلك، أن ما ينتظره المواطن من الإدارة وفق التصور الذي تدافع عنه المؤسسة، لا يرتبط باسم الوزير أو شكل القطاع الحكومي، بل بثوابت أكثر مباشرة، خدمة مستمرة، ومسار واضح، وجهة مسؤولة، وجواب داخل أجل معقول.

    وتعني هذه المقاربة، عمليا، أن إعادة تشكيل الحكومة أو دمج قطاع في آخر أو فصل اختصاص عن وزارة وإسناده إلى أخرى يجب ألا يؤدي إلى قطع المسار الذي بدأه المرتفق مع الإدارة.

    ولهذا تدعو المذكرة إلى توفير آليات واضحة تضمن الانتقال المؤسسي واستمرارية البرامج، بما يسمح بنقل الملفات والمعطيات والالتزامات بين الهياكل المتعاقبة من دون أن يتحول التغيير الحكومي إلى نقطة انقطاع في معالجة حقوق المواطنين وطلباتهم.

    وتطالب المؤسسة، في هذا السياق، بدعم موقع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية داخل البناء الحكومي من خلال قيادة واضحة، ومرجعية موحدة، ومؤشرات لقياس الأثر، وآليات تضمن الانتقال المؤسسي واستمرارية البرامج، وصلات منتظمة بمنظومة الوساطة واليقظة المرفقية.

    قبل انتخابات شتنبر.. الإدارة تدخل البرامج الانتخابية

    لا تخاطب مذكرة الوسيط الحكومة وحدها، بل تتجه أيضا إلى النقاش السياسي السابق للانتخابات، داعية بصورة واضحة إلى جعل إصلاح الإدارة جزءا من البرامج الانتخابية المقبلة.

    وتنطلق المؤسسة من اعتبار بسيط في ظاهره لكنه مركزي في علاقة المواطن بالدولة “المواطن يختبر السياسات العمومية من خلال المرفق قبل أن يختبرها من خلال الوثيقة البرنامجية”

    فالسياسة الصحية، بالنسبة إلى المرتفق، لا تقاس فقط بما تتضمنه البرامج والاستراتيجيات من أهداف، بل بما يواجهه عند طلب العلاج وينطبق الأمر نفسه على التعليم والسكن والماء والاستثمار والحماية الاجتماعية.

    وتقول المذكرة إن هذه الحقوق تتحول إلى تجربة فعلية عندما يجد المواطن أمامه “إدارة قادرة على التوجيه، والتجاوب، والتعليل، وتدبير الآجال، وتصحيح الاختلالات”.

    وأصبح إصلاح الإدارة شرطا لتنزيل سياسات قطاعات أخرى، فحتى عندما تتوفر البرامج والتمويلات والنصوص القانونية تظل الإدارة هي الحلقة التي يمر عبرها المواطن للوصول إلى الخدمة أو الحق، ولهذا ترى المؤسسة أن اقتراب محطة انتخابية جديدة يفرض على البرامج الانتخابية تقديم تصور متكامل للإدارة التي تريد الأحزاب بناءها، وليس الاكتفاء بعرض المشاريع القطاعية الكبرى.

    من “سنُحسن الخدمات” إلى أرقام يمكن محاسبة الحكومة عليها

    أحد أكثر المقترحات دلالة في المذكرة يتعلق بطريقة قياس إصلاح الإدارة، فبدل الاكتفاء بتعداد المشاريع والمنصات والواجهات والإجراءات التي جرى إطلاقها، يدعو وسيط المملكة إلى بناء منظومة مؤشرات تقيس تجربة المرتفق نفسها.

    وتحدد المذكرة مجالات أساسية لهذا القياس تشمل الولوج إلى الخدمة والاستجابة والجودة والإنصاف وفعالية التظلم.

    وتطالب المؤسسة بأن تنتقل البرامج الحكومية والانتخابية من الوعود العامة إلى التزامات قابلة للتتبع.

    وتقدم المذكرة أمثلة دقيقة لما يمكن أن تخضع له الحكومة للقياس، في مقدمتها ضبط آجال الجواب ونسبة المساطر المبسطة وجودة الاستقبال وفعالية قنوات التظلم ووضوح المسؤوليات بين المركز والمصالح اللاممركزة.

    وتضيف إليها مؤشرا آخر لا يقل أهمية مدى تجاوب الإدارات مع توصيات المؤسسات المعنية بحماية الحقوق في العلاقة مع المرفق، وبذلك يصبح ممكنا وفق هذا التصور، تقييم حصيلة الحكومة في الإدارة استنادا إلى نتائج ملموسة يعيشها المواطن، بدلا من الاكتفاء بحصر عدد الأوراش التي أطلقتها.

    وكشفت مذكرة وسيط المملكة في جوهرها، عن محاولة لتغيير المعيار الذي يُقاس به نجاح الإصلاح الإداري فبدل أن يكون الإصلاح عملية تنظر إليها الإدارة من داخلها، تقترح المؤسسة قياسه من موقع الشخص الموجود أمام شباكها أو منصتها أو مسطرتها.

    فإصلاح الإدارة في منظور المؤسسة، أبعد من أن يكون ملفا منفصلا عن السياسة، فالانتخابات قد تغير الأغلبية والحكومة والوزراء والهندسة الحكومية، لكن المرفق العام مطالب بالاستمرار، والملف الإداري لا يفترض أن يعود إلى نقطة البداية في كل مرة يعاد فيها رسم حدود القطاعات الوزارية.

    وقبل أسابيع من استحقاقات 23 شتنبر، وضعت مذكرة اليقظة هذا الملف أمام الأحزاب والحكومة المقبلة، إدارة بمرجعية حكومية واضحة، وانتقال مؤسسي لا يضيع الملفات، وبرامج قابلة للقياس من زاوية المواطن، وخدمات لا تتعطل بتغير المسؤوليات.

  • المسطرة المدنية تقلب قواعد التقاضي.. تضييق المماطلة، رقمنة المحاكم وملاحقة التنفيذ حتى وصول الحق

    المسطرة المدنية تقلب قواعد التقاضي.. تضييق المماطلة، رقمنة المحاكم وملاحقة التنفيذ حتى وصول الحق

    دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ، واضعا قواعد جديدة لمسار التقاضي في المغرب من لحظة إيداع الدعوى والتبليغ بها، مرورا بإجراءات التحقيق والطعن ووصولا إلى تنفيذ الأحكام، وهي الحلقة التي يتوقف عندها في كثير من الملفات الانتقال من حق تقرره المحكمة إلى حق يحصل عليه صاحبه فعليا.

    القانون الجديد، يأتي على تماس مباشر مع واحدة من أكثر الإشكالات التصاقا بتجربة المتقاضين أمام المحاكم وهي الزمن القضائي، فالنزاع لا تطيل عمره المرافعات وحدها بل قد يتعطل بسبب تبليغ متعذر أو آجال إجرائية ممتدة أو طعون متتالية، أو صعوبات تظهر بعد صدور الحكم عند الانتقال إلى التنفيذ، لذلك تمتد التعديلات إلى مختلف المحطات التي يقطعها الملف، مع حضور أوسع للإجراءات والوسائل الرقمية في تدبير الدعوى.

    بهذا المعنى، لا تقف المسطرة الجديدة عند إعادة ترتيب قواعد تقنية داخل المحاكم، بل تتدخل في الكيفية التي تتحرك بها الدعوى منذ تسجيلها إلى غاية تنفيذ الحكم بما فيها ضبط أكبر للآجال والإجراءات، تنظيم طرق الطعن، توسيع الرقمنة، ومحاولة الحد من المساحات التي تسمح بإطالة النزاعات دون أن تمس في المقابل بالضمانات المرتبطة بحقوق الدفاع والتقاضي.

    وبالنسبة إلى المتقاضي، ستقاس فعالية هذه المقتضيات خارج نصوص القانون أكثر مما ستقاس داخلها، فالمعيار سيكون في قدرة المنظومة الجديدة على تقليص الزمن بين إيداع الدعوى والحصول الفعلي على الحق وتجاوز الاختلال الذي يجعل صدور الحكم، في بعض القضايا محطة في النزاع لا نهايته.

    والتحول الذي يستهدفه القانون رقم 58.25 لا يقتصر على كيفية التقاضي أمام المحكمة، بل يمتد إلى المسار الكامل للعدالة من الوصول إلى القضاء، إلى صدور الحكم، ثم إلى اللحظة التي يصبح فيها ذلك الحكم قابلا للتنفيذ وذا أثر فعلي بالنسبة إلى صاحبه.

    من الورق إلى الشاشة.. هل تختصر الرقمنة طريق المتقاضي؟

    من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون الجديد توسيع استعمال الوسائل الإلكترونية في المساطر القضائية.

    فالنص ينظم إحداث نظام معلوماتي لتدبير المساطر والملفات والإجراءات القضائية، كما يتيح إيداع المقالات والطلبات والطعون إلكترونيا، وأداء الرسوم القضائية عن بعد، مع تسليم وصل إلكتروني يثبت تاريخ وساعة الإيداع.

    ولا تقف الرقمنة عند تقديم الطلب، إذ تمتد إلى تبادل الوثائق والتبليغ وعدد من الإجراءات التي تتم بين المحكمة والمهنيين المتدخلين في المسطرة، مع تنظيم استعمال منصات مهنية لفائدة المحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة المحلفين.

    وبذلك، لن يكون الملف القضائي مرتبطا فقط بالوثائق التي توضع داخل المحكمة، وإنما يمكن أن تتم مراحل من مساره عبر النظام المعلوماتي المخصص لذلك.

    ويرى الدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن القانون الجديد لا يقتصر على تغيير بعض الإجراءات، وإنما يعكس توجها نحو إعادة تنظيم مسار الدعوى بشكل أكثر وضوحا وانضباطا، خاصة من خلال المقتضيات المرتبطة بالآجال وتدبير الملفات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

    لكن الانتقال من الورق إلى الرقمي لا يحدث بمجرد النص عليه في القانون. فتنزيل هذه المقتضيات يظل مرتبطا بجاهزية الأنظمة المعلوماتية وقدرة مختلف المتدخلين على استعمالها بشكل مستقر وفعلي.

    وهنا يظهر الفرق بين رقمنة المسطرة على مستوى النص و رقمنتها داخل المحكمة، لأن أثرها الحقيقي على المتقاضي سيتحدد بمدى قدرتها على اختصار الإجراءات فعلا، وليس فقط تحويلها من وثيقة ورقية إلى وثيقة إلكترونية.

    التبليغ.. الحلقة التي قد تطيل عمر القضية

    إذا كان هناك إجراء يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في عمر القضية، فهو التبليغ، فالوصول إلى الاستدعاء أو الحكم ليس مجرد خطوة شكلية، إذ ترتبط به آجال وإجراءات لاحقة، ويمكن لتعذر التبليغ أن يؤدي إلى تأجيل المسطرة وإبقاء الملف رائجا لفترة أطول.

    ولهذا أعاد القانون تنظيم عدد من قواعد التبليغ، وأدخل التبليغ الإلكتروني ضمن الحالات التي يسمح بها القانون، مع اعتماد حسابات مهنية إلكترونية بالنسبة إلى عدد من المهنيين والمتدخلين في العدالة.

    كما جعل النص العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية مرجعا احتياطيا في حالات تعذر التبليغ في العنوان المصرح به، وفق الشروط التي حددها القانون.

    وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة لأن مشكل التبليغ لا يرتبط فقط بوصول الاستدعاء إلى صاحبه، وإنما يمكن أن يؤثر في بداية احتساب الآجال وفي انتقال القضية من مرحلة إلى أخرى.

    ومن هذه الزاوية، يحاول القانون معالجة إحدى الحلقات التي يمكن أن تجعل القضية تستمر دون أن تصل فعليا إلى مرحلة الحسم.

    ويرى الوردي أن إدخال الرقمنة في التبليغ وإيداع الطلبات وتدبير الملفات يمكن أن يساهم في تجاوز جزء من الصعوبات المرتبطة بالإجراءات التقليدية، خصوصا في ما يتعلق بتبادل الوثائق وإثبات تاريخ الإيداع والوصول إلى الأطراف، غير أن فعالية هذه المقتضيات ستظل مرتبطة بمدى جاهزية الأنظمة المعلوماتية وقدرة مختلف المتدخلين على استعمالها بشكل فعلي.

    الزمن القضائي.. متى يتحول التأخير إلى إنكار للعدالة؟

    لم يكتف القانون الجديد بتحديد آجال لبعض الإجراءات، بل جعل مسألة البت داخل أجل معقول جزءا من القواعد المنظمة للعمل القضائي.

    ويعتبر النص التأخير غير المبرر، في الحالات التي حددها، من صور إنكار العدالة، إلى جانب الامتناع عن اتخاذ الإجراءات اللازمة أو البت في طلب أو قضية أصبحت جاهزة للحكم دون سبب مشروع.

    وهنا ينتقل الزمن من كونه مجرد نتيجة لطريقة تدبير الملفات إلى عنصر يرتبط بحق المتقاضي نفسه.

    وفي هذا السياق، وضع القانون آجالا لتجهيز عدد من الملفات وإحالتها، كما قيد اللجوء إلى بعض إجراءات التحقيق بضرورة أن تكون مفيدة ولازمة للفصل في النزاع.

    فإذا كانت الدعوى تحتاج إلى خبرة أو إجراء من إجراءات التحقيق، فإن الغاية منه يفترض أن تكون مرتبطة بالحاجة إلى حسم النزاع، وليس إطالة المسطرة دون فائدة.

    ويعتبر الوردي أن “التعامل مع الزمن القضائي لا يمكن أن ينفصل عن ضمانات المحاكمة العادلة، لأن المطلوب ليس فقط الوصول إلى الحكم في أسرع وقت، وإنما الوصول إليه داخل أجل معقول يسمح للأطراف بممارسة حقوقهم كاملة”.

    وهنا تصبح المعادلة واضحة: تسريع المسطرة دون اختصار حق الدفاع، والحد من التأخير دون تحويل الآجال إلى ضغط على المحكمة أو الأطراف.

    القاضي يمسك أكثر بخيوط الدعوى.. هل تضيق مساحة المماطلة؟

    ولا يقتصر التغيير على المتقاضي والمحامي، إذ يتجه القانون أيضا إلى تعزيز دور المحكمة في تدبير سير الدعوى.

    وتوضح المذكرة التفسيرية لمشروع القانون التوجه نحو تجاوز ما وصفته بالدور السلبي للقاضي المدني في الإشراف على إجراءات التقاضي، مقابل منحه دورا أكبر في متابعة سير المسطرة، في الحدود التي يحددها القانون.

    كما يؤكد النص أن المحكمة تبت في حدود طلبات الأطراف، مع قيامها بالتكييف القانوني السليم للوقائع وتطبيق القانون الواجب عليها.

    ويظهر هذا التوجه في عدد من المقتضيات المرتبطة بتدبير الملفات وإجراءات التحقيق والآجال، حيث لا يقتصر دور المحكمة على الفصل في موضوع النزاع، وإنما يمتد إلى ضبط المسار الإجرائي للقضية ومتابعة مراحلها.

    ولا يعني ذلك أن القاضي أصبح طرفا في النزاع، وإنما أن القانون يمنحه دورا أكبر في تدبير المسطرة، بما يساعد على الحد من الإجراءات غير الضرورية ومنع تحولها إلى سبب في إطالة أمد القضية.

    ومن هذه الزاوية، يصبح دور القاضي في تدبير المسطرة جزءا من محاولة تحقيق توازن بين سرعة البت وضمان حقوق الأطراف.

    حق التقاضي تحت الاختبار.. متى يتحول الطعن إلى وسيلة للتعطيل؟

    في مقابل توسيع ضمانات التقاضي، يضع القانون الجديد قواعد لمواجهة الاستعمال التعسفي للمسطرة.

    فالنص يلزم بممارسة الحق في التقاضي بحسن نية، وعدم عرقلة حسن سير العدالة، ويتيح الحكم بالتعويض عن التقاضي التعسفي في الحالات التي يثبت فيها ذلك.

    كما يتضمن مقتضيات خاصة بمواجهة بعض صور استعمال الطعن للتسويف، من بينها الغرامة التي يمكن الحكم بها في حالات محددة عندما يتبين أن التعرض أو الاستئناف في مسطرة الأمر بالأداء لم يكن هدفه سوى تعطيل التنفيذ.

    ولا يعني ذلك أن القانون يمنع الطعن أو يحد من حق الدفاع، وإنما يحاول التمييز بين استعمال طرق الطعن لمراجعة الأحكام، واستعمالها بهدف إطالة النزاع دون مبرر.

    وهنا يضع القانون المتقاضي أمام معادلة دقيقة: حق اللجوء إلى القضاء وطرق الطعن يبقى قائما، لكن استعمال المسطرة يفترض أن يتم في إطار حسن النية.

    بعد الحكم.. ماذا يبقى من حق الطعن؟

    إلى جانب مواجهة المماطلة، أعاد القانون تنظيم عدد من قواعد الطعن والاختصاص.

    فقد نظم الاستئناف المثار والاستئناف الفرعي، وغير بعض الآجال، من بينها رفع أجل التعرض من 10 إلى 15 يوما، كما وضع مقتضيات خاصة بإلغاء بعض الأحكام الابتدائية الانتهائية في حالات محددة.

    وتهم هذه التغييرات مرحلة أساسية في رحلة الدعوى، لأن صدور الحكم لا يعني بالضرورة نهاية المسطرة بالنسبة إلى الأطراف.

    فإذا كان أحدهم يرى أن الحكم شابه خطأ أو أن شروط المحاكمة لم تحترم، فإن طرق الطعن تتيح، وفق الحالات والشروط التي يحددها القانون، إعادة عرض القضية أو مراجعة الحكم.

    ويرى الوردي أن “الغاية من تنظيم طرق الطعن لا ينبغي أن تكون التضييق على حق المتقاضي في مراجعة الحكم، وإنما ضبط استعمال هذه الآليات حتى تظل مرتبطة بوظيفتها الأصلية، أي حماية الحقوق وتصحيح الأخطاء، وليس تعطيل تنفيذ الأحكام”.

    وبذلك، يحاول القانون أن يوازن بين حق المتقاضي في مراجعة الحكم وبين الحاجة إلى وضع حد للاستعمال الذي يحول الطعن إلى وسيلة لإطالة النزاع.

    قبل الحكم.. الصلح طريق أقصر إلى الحق

    لا يراهن القانون الجديد على اختصار زمن الدعوى داخل المحكمة فقط، بل يفتح مجالا لإنهاء النزاع قبل أن يستهلك كامل درجات وإجراءات التقاضي، من خلال عرض الصلح على الأطراف أو توجيههم نحو الوساطة متى كانت طبيعة القضية والمقتضيات القانونية تسمح بذلك.

    والفارق هنا ليس إجرائيا فقط. فالنزاع الذي ينتهي باتفاق بين أطرافه يوفر جزءا من الزمن والكلفة اللذين تفرضهما مواصلة المسطرة، ويجنب الخصوم الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بما تحمله من آجال وإجراءات وطعون محتملة.

    بهذا المنطق، يصبح الصلح جزءا من تدبير الزمن القضائي نفسه، لا مجرد إمكانية جانبية تسبق الحكم. فكل نزاع يجد طريقه إلى تسوية تحفظ حقوق أطرافه قبل استنفاد المسطرة، هو ملف أقل أمام درجات التقاضي ووقت أقل يفصل المتقاضي عن تسوية نزاعه.

    الجلسات عن بعد.. المحكمة تدخل زمن التقاضي الرقمي

    يمتد التحول الرقمي في القانون إلى واحدة من أكثر صور التقاضي ارتباطا بالمحكمة وهي الجلسة نفسها. إذ يتيح النص عقد جلسات عن بعد وفق ضوابط محددة، من بينها الموافقة الصريحة للأطراف، وضمان حقوق الدفاع، وتأمين اتصال مباشر ومتزامن بالمحكمة.

    ولا يعني ذلك الاستغناء عن قاعة الجلسات، بقدر ما يعني أن الحضور المادي لم يعد الوسيلة الوحيدة لإنجاز بعض الإجراءات القضائية.

    ويتكامل ذلك مع الاعتراف بحجية عدد من الوثائق المودعة إلكترونيا، وتنظيم التوقيع الإلكتروني للمقررات القضائية والتبليغ الإلكتروني في الحالات التي يشملها القانون.

    لكن نقل جزء من المسطرة إلى الفضاء الرقمي يجعل البنية التقنية نفسها جزءا من ضمانات التقاضي. فتعطل النظام المعلوماتي أو ضعف حماية المعطيات، أو تفاوت القدرة على استعمال الخدمات الرقمية، لم تعد مسائل تقنية محضة عندما يصبح إجراء قضائي أو أجل أو تبليغ مرتبطا بها.

    ويضع ذلك المحاكم وباقي المتدخلين أمام اختبار يتجاوز توفير المنصات إلى ضمان استقرارها وأمنها وسهولة استخدامها، حتى لا تختصر الرقمنة المسافة بالنسبة إلى متقاضٍ وتضيف عائقا جديدا أمام متقاضٍ آخر.

    وفي هذا الصدد، يؤكد الوردي أن “الرقمنة يمكن أن تختصر جزءا من الإجراءات التي كانت تتطلب الحضور أو تبادل الوثائق بشكل تقليدي، لكن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطا بمدى جاهزية المحاكم والأنظمة المعلوماتية، وبضمان حماية المعطيات واستمرار حقوق الدفاع في البيئة الرقمية”.

    وعليه، لن تكون قيمة الجلسات والخدمات الرقمية في عدد الإجراءات التي انتقلت من الورق إلى الشاشة، وإنما في قدرتها على تقليص التنقل والانتظار وتبسيط علاقة المتقاضي بالمحكمة، من دون أن يدفع مقابل ذلك من ضماناته القانونية.

    الحكم ليس نهاية الطريق.. التنفيذ هو الاختبار

    صدور الحكم يمنح المتقاضي سندا قضائيا بحقه، لكنه لا يعني بالضرورة حصوله عليه. فبين منطوق الحكم وتنفيذه قد تبدأ مرحلة أخرى من الإجراءات، يصبح معها الزمن الذي استغرقه الفصل في النزاع جزءا فقط من المدة التي يحتاجها صاحب الحق للوصول إلى النتيجة الفعلية.

    لهذا يمتد ورش الرقمنة في القانون الجديد إلى التنفيذ، مع إدخال عدد من إجراءاته ضمن النظام المعلوماتي وتمكين قاضي التنفيذ من تتبع المسار وتبادل معطيات مرتبطة به إلكترونيا.

    ويتيح القانون الاستعانة بالمنصة الرقمية في البحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، كما ينظم اللجوء إلى البيع عبر منصة إلكترونية في الحالات التي يحددها النص. وهي مقتضيات تنقل الرقمنة من تدبير الملف القضائي قبل الحكم إلى المرحلة التي يفترض أن يتحول فيها الحكم إلى أثر ملموس.

    وتكتسب هذه المرحلة ثقلا خاصا، لأن عدالة تنتهي إلى حكم يتأخر تنفيذه تظل، بالنسبة إلى صاحب الحق، عدالة غير مكتملة الأثر. لذلك يصبح تقليص زمن التنفيذ مكملا لتقليص زمن التقاضي، لا ملفا منفصلا عنه.

    ويقول الوردي إن “أهمية الإصلاح تظهر أيضا في مرحلة التنفيذ، لأن صدور الحكم لا يعني دائما حصول صاحب الحق على حقه بشكل فعلي. وإذا تمكنت الوسائل الرقمية من تسهيل تتبع إجراءات التنفيذ والبحث عن أموال المنفذ عليه وتبادل المعطيات بين المتدخلين، فإن ذلك يمكن أن يختصر جزءا من المسار الذي يعيشه صاحب الحق بعد صدور الحكم”

    وهنا سيكون الاختبار العملي الأكثر حساسية للقانون الجديد، فالمنصة تستطيع تسريع الوصول إلى المعلومة وتبادلها، لكنها لا تنفذ حكما بمفردها وما سيحدد الأثر الحقيقي لهذه المقتضيات هو قدرة قضاء التنفيذ وباقي المتدخلين على تحويل السرعة في تداول المعطيات إلى سرعة في الإجراءات، ثم إلى حق يصل فعليا إلى صاحبه.

    يجمع القانون رقم 58.25 بين تغييرات تمس مراحل مختلفة من الدعوى، من التبليغ والآجال إلى الطعون والصلح والرقمنة والتنفيذ لكن ما يجمع هذه المقتضيات هو محاولة جعل مسار الدعوى أكثر وضوحا وتنظيما، مع الحد من الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى تأخير غير مبرر، وفتح المجال أمام استعمال أوسع للوسائل الرقمية.

  • مدريد تُخفي العصا خلف ابتساماتها.. هل يدفع المغاربة على شبابيك “الفيزا” ثمن أزمة سبتة؟

    مدريد تُخفي العصا خلف ابتساماتها.. هل يدفع المغاربة على شبابيك “الفيزا” ثمن أزمة سبتة؟

    بين شواطئ الطرخال والبنزو التي شهدت في 30 و31 يوليوز الماضي، أكبر موجة عبور جماعي نحو الجيب الإسباني منذ سنوات، وبين شبابيك مراكز BLS International بالدار البيضاء والرباط وطنجة التي تعرف اكتظاظا غير مسبوق في مواعيد التأشيرات، ترسم اليوم خريطة أزمة جديدة لا تحتاج إلى بيان رسمي كي تقرأ، ما يجري على الحدود ينعكس ولو بشكل غير معلن على قنوات التنقل الشرعية بين ضفتي المتوسط، فحين تنسحب الدبلوماسيات إلى غرف مغلقة يبقى المسافر العادي والطالب والرياضي ورجل الأعمال في مواجهة شباك القنصلية وحده.

    من أزمة حدود إلى أزمة تأشيرات

    المفتاح السياسي لفهم ما يجري لا يوجد في الرباط ولا في مدريد بل في بروكسل، ففي 6 غشت الجاري وفي خضم تداعيات أزمة سبتة، دعا المفوض الأوروبي للداخلية والهجرة ماغنوس برونر، الدول الأعضاء الـ27 إلى استعمال “سياسة التأشيرات والتجارة” لضمان تعاون الرباط في ملف الهجرة أي أن “التأشيرات أصبحت أداة ضغط”

    الجملة، في القاموس الأوروبي ذات معنى واحد لا يقبل التأويل هي المادة 25 مكرر من مدوّنة تأشيرات شنغن، تلك التي تتيح للاتحاد الأوروبي أن يقلّص عدد التأشيرات ويطيل آجال معالجتها ويرفع رسومها، ويقيّد المدد الممنوحة حين يرى أن دولة ثالثة “لا تتعاون بما فيه الكفاية” في ملف الترحيلات وضبط الحدود، وهي الأداة نفسها التي استعملتها فرنسا ضد المغرب في خريف 2021، حين خفّضت 50% من التأشيرات الممنوحة للمغاربة، قبل أن يطوى الملف مع عودة العلاقات إلى مسارها.

    الفارق أن دعوة برونر جاءت هذه المرة بشكل جماعي على مستوى الاتحاد، وأن الجهة الأولى المعنية بتنفيذها ولو بشكل صامت وغير معلن هي إسبانيا نفسها، الجارة المباشرة ووجهة أكثر من نصف مليون طلب تأشيرة سنويا من المغرب.

    حالة الرجاء: الشاهد الذي لا يمكن إخفاؤه

    في 11 غشت الجاري، كشفت صحيفة إسبانية أن المباراة الودية المقرّرة بين الرجاء الرياضي وفريق فالنسيا الإسباني أصبحت “غير مؤكدة” بفعل “صعوبات في التأشيرات والسفر”.

    وفي 12 غشت، أعلنت إدارة النادي الأخضر رسميا إلغاء الرحلة إلى إسبانيا، وتحويل المعسكر الإعدادي إلى مدينة أكادير لمدة عشرة أيام، وذلك “بسبب عدم استخراج التأشيرات اللازمة”.

    المسألة لا تتعلق بلاعب هاو يبحث عن موعد صيفي، بل بـناد محترف ذي شأن رياضي وإداري ثقيل وتنسّق أموره القنصلية عبر قنوات رسمية، وتحمل رحلاته طابعا بروتوكوليا، وبالتالي حين يفشل ناد بهذا الحجم في الحصول على تأشيرات وفد رياضي في الآجال، فإن السؤال المفروض هنا هو هل نحن أمام رسالة صامتة ترسل من مدريد إلى الرباط عبر البوابة القنصلية؟.

    الرجاء لم يعلّق سياسيا، وهذا مفهوم فحين تختصر رحلة كاملة إلى إسبانيا في سطرين رسميين يقولان “بسبب التأشيرة”، فإن اللغة الدبلوماسية للفرق الرياضية تكون قد قالت كل شيء.

    المواعيد اختفت من الموقع

    خلال الأسابيع التي أعقبت أزمة سبتة، تحوّل الواقع إلى لوحة حيّة للشكاوى عبر مجموعات الفيسبوك المتخصصة في تأشيرات شنغن وحسابات تيك توك ويوتيوب، حيث تراكم فيها المحتوى بشكل غير مسبوق حول مواعيد BLS التي “تختفي في ثوان”، ملفات “معلّقة بلا رد” منذ ستة أسابيع، طلبات تجديد لتأشيرات كانت سارية سنوات “ترفض بلا تعليل”.

    من بين ما رصدته “AM+MEDIA” في تتبّعها لهذه الشهادات المتداولة علنا على مواقع التواصل الاجتماعي ، لـ “س. ب” هو مقاول من الدار البيضاء يحمل تأشيرة شنغن إسبانية متعددة السفرات منذ 2021، قدّم طلب تجديد في نهاية يوليوز عبر مسطرة “بدون موعد مسبق” المخصّصة لأصحاب التأشيرات السابقة الصالحة أقل من أربع سنوات.

     تلقّى الرفض في منتصف غشت بصيغة نمطية “الغرض من الإقامة والشروط لم يتم إثباتها بشكل موثوق”، ويقول في تسجيل نشره على إحدى المجموعات”نفس الملف، نفس البنك، نفس العمل، نفس شركاء التجارة في إسبانيا، وتأشيرة خمس سنوات جدّدتها ثلاث مرات، اليوم فجأة غير ‘موثوق’ ماذا تغيّر؟ أنا لم أتغيّر”.

    أما ن. ع.، وهي طالبة مغربية مقبولة في ماستر بجامعة قرطاجنة (إسبانيا)، انتظرت موعدا في مسار الطلبة (SSU/SLU) عبر منصة BLS من منتصف يوليوز حتى منتصف غشت دون أن يتاح لها موعد واحد، في وقت يقترب فيه موعد الالتحاق تقول “الجامعة تنتظرني في شتنبر، القنصلية تفتح المواعيد الثلاثاء على الساعة الخامسة، وتستنفد قبل الخامسة والدقيقة، صرت أختار بين تأجيل التسجيل سنة كاملة أو التخلي عن المنحة”.

    من جانبها، ح. ز.، أرملة سبعينية من إقليم الناظور رفض طلبها لتأشيرة قصيرة الأمد لزيارة مدينة سبتة، حيث عاشت طفولتها حين كان والدها يعمل هناك، علّلت القنصلية الإسبانية الرفض بـ”عدم الموثوقية” بين الهدف المعلن (زيارة ذكريات الطفولة) والوضع الحالي، وأيّدت المحكمة العليا بمدريد القرار في أبريل 2026 القرار سابقٌ لأزمة يوليوز لكنه يكشف البنية القضائية-الإدارية التي أصبحت اليوم مستدعاة للاشتغال بوتيرة أعلى.

    الشكاوى تتقاطع في ثلاث نقاط ثابتة، وهي صعوبة الوصول إلى الموعد نظام BLS الجديد المعلن يوم 27 يوليوز 2026، أي قبل ثلاثة أيام فقط من أحداث سبتة  يقسّم طالبي التأشيرة إلى أربع فئات G1 وG2 وG3 وG4، مع طرح المواعيد يومي الثلاثاء والجمعة فقط، إطالة آجال المعالجة التي تجاوزت في بعض الحالات المدة القانونية (15 يوما حسب مدوّنة شنغن، قابلة للتمديد إلى 45)، وغياب التعليل الفعلي للرفض خصوصا في ملفات التجديد لأصحاب سجل سفر نظيف.

    ذاكرة قصيرة، سوابق طويلة

    من يقرأ التاريخ الأوروبي-المغاربي لا يفاجأ، ففي شتنبر 2021 وفي عزّ الأزمة الفرنسية المغربية حول الترحيلات وسلم القنصليات، أعلنت باريس تخفيض 50% من التأشيرات الممنوحة للمغاربة، دون أن تعلن ذلك بوصفه عقوبة سياسية، بل كـ”استجابة لغياب التعاون في إعادة القبول” وهي الصيغة نفسها التي يستعملها اليوم المفوّض الأوروبي.

    نفس القاعدة تعمل الآن على الجبهة الإسباني، فلا قرار معلن، لا بيان رسمي، لا تصعيد دبلوماسي، فقط ضغط ملموس على شبابيك القنصلية وتباطؤ في المعالجة، وتقييد للمواعيد وارتفاع في نسب الرفض وهو ما يصعب إثباته إحصائيا في الوقت الفعلي، لكن يحسّه المتقدمون بشكل جماعي وموثّق.

    الأخطر أن السياق الإسباني الحالي يختلف عن الفرنسي، فبينما كانت فرنسا تعبّر عن استياء من الرباط، تقدّم إسبانيا نفسها اليوم كـشريك استراتيجي للمغرب، ووزير داخليتها وصف الرباط في غشت 2026 بـ”الشريك الوفي” مع رفض تمديد صلاحيات الوكالة الأوروبية للحدود (فرونتكس) إلى سبتة، بحجّة أن “الموارد الوطنية والتعاون المغربي كافيان”، فأين إذن يتموقع تشدّد التأشيرة؟.

    الإجابة الأكثر دقة، أنه في المنطقة الرمادية بين رسالة سياسية علنية دافئة، وسلوك إداري بارد يلقي بثقله على الموطن العادي وهذه المنطقة الرمادية هي بالضبط ما يحوّل التأشيرة من إجراء قنصلي إلى قناة نقل للضغط بين حكومات لا تريد أن تصعّد علنا.

    الأرقام التي لا تكذب

    يحتجّ المدافعون عن القنصلية الإسبانية بالضغط الموسمي، فصيف 2026 يشهد ذروة الطلب، خصوصا من الجالية والزوّار ومراكز BLS الست في المملكة (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، الناظور، أكادير، تطوان) تعمل بأقصى طاقتها وهذا صحيح، لكن الضغط الموسمي يفسّر التأخير في الموعد، لا الرفض بلا تعليل لملفات التجديد، ولا صياغات جديدة في قرارات الرفض تتحدث عن “عدم الموثوقية” لطلبات كانت تقبل روتينيا في السنوات السابقة.

    ثم إن المغرب حسب أرقام مديرية الهجرة، كان يسجّل تاريخيا أدنى معدلات رفض التأشيرات في المنطقة، وذلك على أساس ما يزيد عن 500.000 طلب سنويا، أيّ تحوّل ملموس في هذه النسب حتى لو ظلّ غير معلن رسميا يمثّل انزياحا سياسيا واضحا.

    النظام الجديد الذي أعلنته BLS في 27 يوليوز الماضي، أي قبل ثلاثة أيام من أحداث سبتة، أطلق تحت شعار “تسهيل الحجز ومحاربة السمسرة”  لكن أثره الفعلي حسب متقدمين كان تعقيد المسطرة بتقسيم الطالبين إلى أربع فئات، وحصر أيام طرح المواعيد في اثنين فقط أسبوعيا، مع الإبقاء على “الإيداع بدون موعد مسبق” لفئة محدودة فقط.

    هذا التقاطع الزمني بين الإصلاح المعلن وأزمة سبتة يطرح كصدفة، لكنه ينتج نتيجة واحدة هي تدفق أضيق للمواعيد في لحظة يزداد فيها الطلب وتحت ضغط سياسي أوروبي يدعو صراحة إلى استعمال التأشيرات كأداة.

    بين الشرعية والاستنسابية.. ماذا يقول القانون؟

    مدوّنة تأشيرات شنغن (لائحة الاتحاد الأوروبي 2009/810) واضحة، للسلطات القنصلية سلطة تقديرية في دراسة الملفات لكن كل قرار رفض يجب أن يكون معللا كتابيا وأن يستند إلى الأسباب المذكورة في المادة 32، وأن يخضع لحق الطعن فالقضية ليست في الحق بالرفض بل في كيف يمارس.

    حين تعلل حالات الرفض بصيغة نمطية واحدة، فإن “الغرض من الإقامة لم يثبت بشكل موثوق”، المعلومات المقدمة تفتقر إلى المصداقية وتنطبق هذه الصيغة على ملفات فيها كل الوثائق وتطبق على أشخاص لهم سجل سفر متكرر، وهنا السؤال المشروع هو هل نحن أمام سلطة تقديرية فردية، أم أمام سياسة تصنيف جديدة يطبّقها الموظف القنصلي دون أن يعلن عنها؟  الأول خطأ إداري قابل للتصحيح بالطعن، والثاني توجّه سياسي مخفى تحت غطاء إداري وهو بالضبط ما يخشاه المراقبون بعد دعوة برونر الأوروبية.

    ما وراء الشباك..البعد السياسي للتأشيرة

    هل تبقى التأشيرة أداة قنصلية محضة، أم تتحول إلى ورقة تفاوض سياسية؟، الجواب في العلاقات الدولية معروف منذ عقود فالتأشيرة كانت دائما أداة سياسية لكنها كانت تستعمل بشكل مضبوط ومعلن حين يكون التصعيد مقصودا، وبالتالي الجديد في الحالة الإسبانية-المغربية سنة 2026 هو الاستعمال الصامت لهذه الأداة، في ظل خطاب رسمي يتحدث عن الشراكة الاستراتيجية.

    هذه الازدواجية تنتج ثلاث تكلفات مباشرة على المغرب والمغاربة، التكلفة الأولى، اقتصادية لأن قطاع السياحة الإسباني يستقبل سنويا مئات الآلاف من المغاربة، وحركة رجال الأعمال بين البلدين تقدر بمليارات اليوروهات أيّ اضطراب في التأشيرات ينعكس مباشرة على العقود والاستثمارات والصفقات.

    التكلفة الثانية اجتماعية، وهي عائلات مغربية إسبانية مختلطة، جالية مغربية بإسبانيا تقدر بأكثر من مليون شخص، طلاب في الجامعات الإسبانية، مرضى في مستشفيات مدريد وبرشلونة كلهم يجدون أنفسهم رهائن لتأخيرات لم يتسبّبوا فيها.

    أما التكلفة الثالثة فهي رمزية، لأن كل رفض غير معلل يعزّز شعور “المواطن من الدرجة الثانية” في العلاقة الأوروبية المغاربية وهذا الشعور حين يتراكم يشكّل بيئة مناسبة لكل السرديات الشعبوية على ضفتي المتوسط.

  • هل ترفع رقمنة الوكالة مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات؟

    هل ترفع رقمنة الوكالة مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات؟

    يستعد مغاربة العالم للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل وفق المسطرة المعمول بها في الاستحقاقات السابقة، إذ سيظل الناخب المقيم خارج المملكة مطالبا بتوكيل شخص داخل المغرب للتصويت باسمه، غير أن إنجاز هذه الوكالة سيعرف تغييرا مع اعتماد إمكانية إتمامها عن بعد عبر منصة إلكترونية.

    ويهم هذا التغيير مرحلة إعداد الوكالة فقط، دون أن يمتد إلى طريقة الإدلاء بالتصويت، إذ لن يكون بإمكان مغاربة العالم التصويت إلكترونيا أو الإدلاء بأصواتهم في مكاتب اقتراع ببلدان الإقامة، ليظل التصويت الفعلي داخل المغرب بواسطة الوكيل الذي يختاره الناخب.

    ويأتي اعتماد الوكالة الإلكترونية في سياق توجه نحو تبسيط الإجراءات المرتبطة بمشاركة مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية، من خلال تقليص التنقلات والخطوات الإدارية التي كانت تسبق إنجاز الوكالة.

    صوت يصل إلى الصندوق بالوكالة

    لفهم ما تغير في مشاركة الجالية في انتخابات 2026، ينبغي العودة أولا إلى الطريقة التي شارك بها مغاربة العالم في الاستحقاقات السابقة.

    فدستور 2011 نص في فصله 17 على تمتع المغاربة المقيمين في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات، وأحال إلى القانون تحديد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لهذه الحقوق انطلاقا من بلدان الإقامة.

    واعتمد التصويت بالوكالة عمليا باعتباره الآلية التي تسمح للناخب المقيد في اللوائح الانتخابية العامة والمقيم خارج المملكة بالمشاركة دون الحضور شخصيا إلى المغرب يوم الاقتراع.

    وبدل وجود مكاتب اقتراع في باريس أو مدريد أو بروكسيل أو روما، يرتبط صوت الناخب بالدائرة الانتخابية التي يقيد في لوائحها داخل المغرب؛ وإذا لم يكن موجودا في المملكة يوم الاقتراع، يمكنه اختيار شخص آخر يمنحه وكالة للتصويت نيابة عنه.

    هكذا حضرت الوكالة في الانتخابات التشريعية التي أعقبت دستور 2011، واستمرت الآلية نفسها خلال استحقاقي 2016 و2021، ليظل صوت المغربي المقيم بالخارج محسوبا داخل الدائرة الانتخابية التي يرتبط بها في المملكة، وليس ضمن دائرة خاصة بالجالية في بلد إقامته.

    وسبق للمحكمة الدستورية أن تناولت هذه المسألة عند فحص القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، معتبرة أن اعتماد التصويت بالوكالة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج يندرج ضمن الكيفيات القانونية لممارسة الحق الانتخابي.

    سعد القطيب: المسطرة كانت تبعد جزءا من المصوتين

    يرى سعد القطيب، وهو مغربي مقيم في فرنسا، أن عدم مشاركة جزء من الجالية لا ينبغي تفسيره دائما بعدم الاهتمام بالانتخابات، لأن الطريقة التي يتعين على الناخب المرور منها للوصول إلى التصويت يمكن أن تؤثر بدورها في قرار المشاركة.

    ويقول القطيب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “عددا من مغاربة العالم يتابعون ما يجري داخل المغرب، سواء الانتخابات أو النقاش السياسي أو القرارات التي تمس حياتهم وعائلاتهم، لكن المشاركة كانت تتطلب إجراءات إضافية بالنسبة إلى شخص يعيش في الخارج”.

    ويضيف أن “التصويت بالوكالة كان حلا لمن لا يستطيع العودة إلى المغرب، لكن عندما تكون المسطرة مرتبطة بالتنقل والوقت، يمكن أن تجد شخصا يريد التصويت في البداية ثم يتراجع، خصوصا أن الجالية لا تعيش كلها بالقرب من القنصليات”.

    وبالنسبة إلى القطيب، فإن تبسيط الوصول إلى الوكالة يمكن أن يزيل واحدا من الحواجز العملية أمام المشاركة، حتى وإن ظل التصويت نفسه يتم داخل المغرب.

    الرقمنة وحدها لا تكفي

    وبعد استكمال المعلومات والتأكد من صحتها، يتم إنجاز الوكالة وفق المسطرة المحددة، حتى يتمكن الشخص الذي اختاره الناخب من استعمالها يوم الاقتراع.

    عمليا، لم يتغير جوهر الوكالة، وإنما تغير الطريق إليها، إذ يعني ذلك لناخب يعيش بعيدا عن أقرب تمثيلية قنصلية، تقليص الحاجة إلى التنقل والوقت المرتبط بإنجاز المسطرة، وهي تحديدا النقطة التي يمكن أن تجعل الاستفادة منها أسهل مقارنة بالاستحقاقات السابقة.

    ويرى سعد القطيب أن هذا التحول يمكن أن يظهر أثره خلال انتخابات شتنبر، موضحا أن “رقمنة الوكالة يمكن أن ترفع نسبة مشاركة مغاربة العالم، لأنها تجعل العملية أسهل بالنسبة إلى الأشخاص الذين كانوا يترددون بسبب الإجراءات أو التنقل”.

    ويضيف أن “الشخص عندما يعرف أنه يستطيع إنجاز المسطرة من مكان إقامته، دون أن يضطر إلى قطع مسافة طويلة أو تخصيص جزء من يومه لإجراء إداري، ستكون لديه فرصة أكبر لإتمام العملية بدل تأجيلها أو التخلي عنها”.

    الرقمنة وحدها لا تكفي

    تستطيع الرقمنة تقريب الوكالة من الناخب وتخفيف الإجراءات، لكنها لا تغير طبيعة التمثيلية الناتجة عنها، فمغاربة العالم سيصوتون في انتخابات 2026 ضمن الدوائر الموجودة داخل المغرب، وليس داخل دوائر انتخابية خاصة بهم في بلدان الإقامة.

    ولهذا ظل مطلب التمثيلية المباشرة حاضرا لدى جزء من فعاليات الجالية خلال الاستحقاقات السابقة، سواء عبر المطالبة بإحداث دوائر انتخابية بالخارج أو تخصيص مقاعد برلمانية ينتخبها مغاربة العالم مباشرة.

    وتكتسب هذه المطالب بعدا آخر بالنظر إلى خصوصية القضايا التي تواجه الجالية، من الخدمات القنصلية والإجراءات الإدارية إلى الاستثمار وقضايا الأسر والتنقل والإقامة، وهي ملفات تختلف طبيعتها أحيانا باختلاف بلدان الاستقبال.

    ويشدد القطيب في هذا السياق على أن “الرقمنة لن تكون وحدها كافية، لأن هناك أيضا الثقة والاهتمام بالبرامج ومعرفة المرشحين والشعور بأن المشاركة يمكن أن تحدث فرقا”، مشيرا إلى أن “إزالة العراقيل العملية تبقى خطوة مهمة ويمكن أن يظهر أثرها في حجم المشاركة”.

    23 شتنبر.. اختبار لما بعد تبسيط المسطرة

    وتدخل مشاركة مغاربة العالم محطة جديدة دون أن تغادر نظام الوكالة، فالناخب الموجود في الخارج سيظل محتاجا إلى شخص داخل المغرب يضع الصوت نيابة عنه، لكن المسافة التي تفصله عن بداية العملية أصبحت أقصر مع رقمنة المسطرة.

    وانطلاقا من هذه التعديلات، لن يقاس أثر المستجد الإجرائي بنجاح المنصة تقنيا فقط، وإنما بقدرته على تحويل تبسيط الإجراءات إلى مشاركة فعلية.

    أما إذا لم يتغير الإقبال رغم تبسيط المسطرة، فستظهر حدود الحل التقني بشكل أوضح، وسينتقل النقاش من سؤال كيفية تسهيل التصويت إلى سؤال ما يحتاجه مغاربة العالم حتى تتحول علاقتهم بالانتخابات من حق يمكن ممارسته عن بعد إلى مشاركة سياسية أكثر حضورا وتأثيرا.

  • القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    لم يعد التعامل مع تعثر مؤسسات الائتمان في المغرب رهينا بالتدخل بعد وقوع الأزمة، فالقانون الجديد رقم 87.21 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها يضع مسارا يبدأ قبل الانهيار، من خلال التخطيط الوقائي والتقويم، ويمر بالتدخل المبكر والإدارة المؤقتة، وصولا إلى تسوية منظمة عندما يصبح فشل المؤسسة واقعا أو وشيكا.

    ويكشف هذا المسار عن تحول في فلسفة تدبير الأزمات البنكية، لا يقوم فقط على محاولة إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي، وإنما على حماية استمرار الوظائف الحيوية، وحماية الودائع وأموال الزبناء، والحفاظ على الاستقرار المالي، مع تقليص كلفة الأزمة على المال العمومي.

    تحرك قانوني قبل الانهيار

    يبدأ القانون من مرحلة تسبق الفشل البنكي نفسه، من خلال إلزام مؤسسات الائتمان ذات المخاطر الخاصة أو الأهمية الشمولية بإعداد مخطط وقائي للتقويم.

    ويمكن أن يتضمن هذا المخطط تكوين احتياطيات لتغطية المخاطر، والحد من توزيع الأرباح، والرفع من رأس المال، وإعادة تنظيم المؤسسة، أو إغلاق أو تفويت بعض فروعها وشركاتها التابعة، إلى جانب البحث عن مساهمين أو شركاء جدد.

    لكن المقتضى الأكثر دلالة أن المخطط الوقائي لا يمكن أن يفترض اللجوء إلى الدعم المالي العمومي الاستثنائي، أي أن أراد أن تبدأ المؤسسة بمحاولة معالجة اختلالاتها من داخلها، قبل أن تتحول الأزمة إلى مسؤولية على الدولة، لينتقل القانون من منطق انتظار الأزمة إلى منطق الاستعداد لها والتدخل في مراحلها الأولى.

    ويخول القانون لبنك المغرب فرض تنفيذ تدابير محددة لإعادة الوضع إلى مساره الطبيعي في حال لاحظ أن وضعية المؤسسة تستدعي التقويم.

    ومع ارتفاع مستوى المخاطر، تتسع أدوات التدخل لتشمل فرض قيود إضافية مرتبطة بالملاءة والسيولة والمخاطر، أو توقيف بعض الأنشطة، أو تقليص شبكة المؤسسة، أو إعادة هيكلة الديون، أو تغيير بعض هياكلها القانونية والتنظيمية، زيادة على إمكانية الحد من توزيع الأرباح والمكافآت المتغيرة، والدعوة إلى عقد جمعية عامة، أو العمل على إدخال مساهمين جدد.

    الإدارة المؤقتة

    ويفتح القانون الباب أمام مرحلة أكثر تدخلا إذا لم تعد إجراءات التقويم كافية، من خلال تعيين مدير مؤقت تتوفر فيه الاستقلالية والكفاءة والخبرة في المجالات البنكية أو المالية أو القانونية، يتولى فعليا صلاحيات أجهزة الإدارة والرقابة والتسيير.

    وفي هذه الحالة، تتوقف الأجهزة المعنية عن ممارسة صلاحياتها، كما تتوقف اجتماعات الجمعية العامة، لتنتقل سلطة القرار إلى الإدارة المؤقتة خلال الفترة التي تقتضيها معالجة وضعية المؤسسة.

    ويقرأ الخبير والمستشار الدولي المغربي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، محمد أمين سامي، هذا التحول باعتباره انتقالا من منطق التدخل المتأخر إلى بناء قدرة مؤسساتية على استباق المخاطر.

    وأوضح سامي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن أهمية الإطار الجديد تكمن في عدم انتظار وصول المؤسسة إلى مرحلة الانهيار قبل استعمال أدوات التقويم، لأن كلفة التدخل ترتفع كلما تأخر التعامل مع الاختلالات.

    إنقاذ الوظائف وليس البنك

    اللافت في القانون الجديد أنه لا يجعل هدف التسوية إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي بأي ثمن، وإنما يربطها بالحفاظ على وظائفها الحيوية، وحماية الاستقرار المالي، وتقليص اللجوء إلى المال العمومي، وحماية الودائع المشمولة بالضمان وأموال وأصول الزبناء.

    ولتدبير هذه المرحلة، يمنح القانون هيئة التسوية مجموعة من الأدوات، من بينها تفويت جزء من أنشطة المؤسسة أو أصولها والتزاماتها إلى مشترٍ، أو نقل بعض أو كل هذه العناصر إلى مؤسسة جسر، أو فصل بعض الأصول ونقلها إلى بنية متخصصة في تدبيرها.

    وتكتسب مؤسسة الجسر أهمية خاصة، لأنها تتيح استمرار الأنشطة الحيوية خلال فترة مؤقتة، في انتظار إعادة تفويت ما تم نقله إليها وفق الشروط والآجال التي تحددها هيئة التسوية.

    من يتحمل الخسائر؟

    إذا كان القانون يضع حماية الودائع والاستقرار المالي ضمن أهدافه، فإنه في المقابل يحدد من يتحمل تكلفة الفشل، إذ يضع المساهمين والشركاء في مقدمة من يتحملون الخسائر، يليهم أصحاب الديون المقرونة بشروط، ثم الدائنون العاديون، مع ضمان ألا يتحمل الدائن خسارة أكبر مما كان سيتحملها في حالة تصفية المؤسسة.

    أما الودائع المشمولة بالضمان، فتحظى بالحماية التي يقررها النظام القانوني للضمان.

    ويعتبر محمد أمين سامي في حديثه للجريدة أن هذا الجانب من الإطار الجديد مهم من زاوية الاستقرار المالي، لأن وضوح ترتيب تحمل الخسائر يساهم في تحديد المسؤوليات وتقليص حالة عدم اليقين عند وقوع الأزمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حماية المودعين والوظائف الأساسية للمؤسسة.

    المال العمومي.. آخر الخيارات

    لم يغلق القانون الباب بشكل مطلق أمام تدخل الدول، فالدعم المالي العمومي الاستثنائي يظل ممكنا في حالات محددة، عندما يتبين أن أدوات التسوية الأخرى لن تكون كافية، وبعد المرور عبر المساطر والشروط التي يحددها القانون.

    لكن الفارق الأساسي أن الدعم العمومي لم يعد يمثل نقطة الانطلاق في معالجة الأزمة، وإنما خيارا استثنائيا وأخيرا، وهذه النقطة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمؤسسة البنكية عند الفشل، لأن الدولة تتدخل لحماية الاستقرار عندما تصبح الضرورة قائمة، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى جهة تتحمل الخسائر التي كان يمكن تدبيرها داخل المؤسسة.

    حماية الزبون تتجاوز الوديعة

    لا يحصر القانون الحماية في الودائع المشمولة بالضمان، بل يربط التسوية أيضا بحماية أموال وأصول الزبناء واستمرار الخدمات والبنيات التحتية الحيوية، لأن أزمة مؤسسة ائتمان لا تتوقف آثارها عند ميزانيتها، بل يمكن أن تمتد إلى الأفراد والمقاولات والعمليات اليومية المرتبطة بالنظام المالي.

    لذلك، فإن استمرار الوظائف الحيوية للمؤسسة يصبح في حد ذاته هدفا من أهداف التسوية، حتى إذا كان مصير المؤسسة الأصلية هو التفويت أو إعادة الهيكلة أو تغيير الملكية.

    لكن القانون، في المقابل، وضع آلية للطعن في قرارات هيئة التسوية أمام محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بالنسبة لكل شخص ذاتي أو اعتباري له مصلحة.