التصنيف: ديكريبتاج

  • ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    على امتداد أكثر من ربع قرن، اتسعت الرؤية الملكية لقضايا الأجيال الصاعدة، من سؤال الإدماج في مسلسل الإنتاج ومحاربة البطالة، إلى إصلاح التعليم والتكوين، وتشجيع المبادرة والمقاولة، ثم الانفتاح على التكنولوجيا ومهن المستقبل، وتوسيع مجالات الثقافة والرياضة والتطوع، وصولا إلى المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار.

    وفي ذكرى عيد الشباب، التي يحتفل بها المغاربة في 21 غشت من كل سنة، تسمح العودة إلى الخطب والرسائل الملكية، وربطها بالأوراش التي تبلورت على امتداد سنوات العهد الجديد، بقراءة مسار لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما تطور مع تغير حاجيات المجتمع والاقتصاد، فكلما برز تحد جديد أمام الشباب، اتسعت معه الإجابة، من الوظيفة إلى الكفاءة، ومن الكفاءة إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى الابتكار، ومن ذلك كله إلى المشاركة.

    وهكذا، فإن الخيط الناظم لهذا المسار، الذي حظي بعناية ملكية خاصة، لا يكمن في تعدد البرامج والمشاريع، بقدر ما يكمن في انتقال تدريجي من منطق توفير الفرصة للشباب إلى بناء الشروط التي تمكنه من صناعة الفرصة والمساهمة في صناعة المستقبل.

    حين كان السؤال هو إدماج الشباب في الإنتاج

    في السنوات الأولى للعهد الجديد، كان التشغيل في صلب الرؤية الملكية تجاه الشباب، باعتباره مدخلا للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ففي الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي في دجنبر 1999، دعا جلالة الملك محمد السادس إلى “إدماج الشباب وفي مقدمته الشباب المتعلم في مسلسل الإنتاج”، مع استثمار طاقاته ومؤهلاته وتحفيزه على الإبداع والابتكار والاعتماد على الذات.

    وبعد أسابيع، في يناير 2000، وضع جلالة الملك بطالة الشباب ضمن إطار أوسع، مؤكدا أن معالجتها لا تكتسي أبعادا اقتصادية فقط، وإنما لها أيضا أبعاد اجتماعية وثقافية.

    ثم جاء خطاب ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2000 ليمنح عيد الشباب نفسه معنى يتجاوز الاحتفال بالمناسبة، فقد قدم الملك الذكرى باعتبارها فرصة للالتقاء بـ”الأجيال الصاعدة والتواصل معها”، وإثارة القضايا والمشاكل التي تواجهها والبحث عن حلول ناجعة لها، حتى تنفتح على المجتمع وتندمج فيه بمواطنة إيجابية وفاعلة.

    التعليم يدخل قلب معادلة التشغيل

    مع مرور السنوات، أخذت العلاقة بين التعليم والتكوين والتشغيل مكانة أكبر في الخطاب الملكي؛ ففي خطاب عيد العرش لسنة 2009، ارتبط إصلاح التربية والتعليم والتكوين بتأهيل الموارد البشرية والبحث والابتكار وبناء اقتصاد المعرفة وتوفير الشغل المنتج للشباب.

    لكن محطة 20 غشت 2018 ستمنح هذا التحول صياغة أكثر وضوحا، ففي خطاب ثورة الملك والشعب، اعتبر الملك الشباب “الثروة الحقيقية للبلاد”، مؤكدا أنه لا يمكن مطالبة الشاب بأداء دوره “دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك”.

    وفي الخطاب نفسه، انتقل التشخيص إلى جوهر العلاقة بين الشهادة وسوق العمل، بالتأكيد أنه “لا يمكن أن نقبل لنظامنا التعليمي أن يستمر في تخريج أفواج من العاطلين”، مع الدعوة إلى إعطاء الأولوية للتخصصات التي توفر الشغل، واعتماد التوجيه المبكر، وإعادة النظر في تخصصات التكوين المهني حتى تستجيب لحاجيات المقاولات والقطاع العام وتواكب التحولات التي تعرفها الصناعات والمهن.

    مدن المهن والكفاءات تجسد التحول

    لم يبق هذا التصور والتوجيهات الملكية في مستوى الخطاب، إذ انتقلت إلى ورش مؤسساتي مع خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني التي قدمت أمام جلالته سنة 2019، وكان مشروع مدن المهن والكفاءات أحد أبرز مكوناتها.

    ولم تكن الفكرة مجرد إحداث بنايات جديدة، بل بناء جيل جديد من مؤسسات التكوين، يقوم على المهارات التطبيقية، والانفتاح على المهن الجديدة، وربط التخصصات بحاجيات الاقتصاد والجهات.

    وفي خطاب 20 غشت 2019، أكد جلالة الملك أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب، وخاصة في القرى وضواحي المدن، للاندماج المنتج في سوق الشغل، قبل أن يلخص التحول في معنى المسار الدراسي بالقول: “فالحصول على الباكالوريا، وولوج الجامعة، ليس امتيازا، ولا يشكل سوى مرحلة في التعليم. وإنما الأهم هو الحصول على تكوين، يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي”.

    وسيأخذ هذا التصور شكلا ملموسا مع تدشين الملك محمد السادس، في 30 ماي 2023، لمدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة بتمسنا، باعتبارها منشأة من جيل جديد، تستهدف توفير تكوينات مرتبطة بحاجيات سوق الشغل والقطاعات الواعدة.

    وبذلك، أصبحت مدن المهن والكفاءات ترجمة مباشرة لفكرة ظل الخطاب الملكي يؤكدها: قيمة التكوين لا تقاس فقط بالحصول على شهادة، وإنما بما يمنحه من قدرة على الاندماج والتطور المهني.

    ويرى ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، أن هذا التحول يعكس انتقالا في طريقة بناء السياسات الموجهة إلى الشباب، موضحا أن الرؤية لم تعد تتعامل معه باعتباره فقط فئة تحتاج إلى وظيفة، وإنما باعتباره طاقة بشرية تحتاج إلى بناء مسار كامل قبل الوصول إلى سوق الشغل، بما يجعل التكوين والمهارات والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية عناصر أساسية في عملية التمكين.

    من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

    ولم تحصر الرؤية الملكية مستقبل الشباب في الوظيفة، ففي خطاب عيد العرش لسنة 2007، دعا جلالة الملك إلى دعم المبادرات الحرة وتشجيع وتحفيز الشباب على إحداث المقاولات الصغرى والمتوسطة، قبل أن تتجدد الدعوة في خطاب 2018 إلى خلق المقاولات ودعم التشغيل الذاتي والمقاولات الاجتماعية.

    وفي أكتوبر 2019، دخل التمويل بشكل مباشر في المعادلة، عندما وجه جلالة الملك الحكومة وبنك المغرب إلى التنسيق مع القطاع البنكي لوضع برنامج خاص لدعم الخريجين الشباب وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي، مع توفير المواكبة الضرورية.

    وفي امتداد لهذا التوجه، ظهرت خلال السنوات اللاحقة برامج لخلق فرص العمل وتعزيز قابلية التشغيل بهدف خلق مداخل مختلفة للإدماج.

    ويقول اصبويا في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تشجيع المبادرة والمقاولة يعكس انتقالا من تصور يجعل الشاب في موقع الباحث عن فرصة فقط، إلى تصور يمنحه أيضا إمكانية صناعة هذه الفرصة”، مضيفا “لكن هذا الانتقال لا ينجح بالتمويل وحده، لأن المشروع يحتاج إلى المواكبة والتأطير والولوج إلى السوق والقدرة على الاستمرار”.

    ويشير المتحدث عينه إلى أن “تمكين الشباب اقتصاديا ينبغي أن يقاس بقدرته على بناء استقلالية حقيقية، وإنتاج الدخل وخلق فرص أخرى، وليس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها”.

    من محاربة الهشاشة إلى بناء الاستقلالية

    وتقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مسارا آخر لفهم تطور موقع الشباب داخل السياسات العمومية، فمع المرحلة الثالثة، أصبح تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب محورا قائما بذاته، من خلال دعم ريادة الأعمال والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى جانب منصات الشباب التي تستقبل حاملي الأفكار وتوجههم وتواكب مشاريعهم.

    وهنا يتضح أن الشباب ليس كتلة واحدة تحتاج إلى الحل نفسه، فهناك من يحتاج إلى التكوين، ومن يحتاج إلى التوجيه، ومن يملك فكرة لكنه يحتاج إلى التمويل، ومن يحتاج إلى مواكبة تساعده على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

    الشباب ليس اقتصادا فقط

    في خطاب 20 غشت 2012، أكد جلالة الملك محمد السادس أن “قضايا الشباب لا تتعلق فقط بالمجال الخاص أو العائلي، أو بما هو مرتبط بالتربية والتكوين والتعليم، وإنما هي قضية المجتمع برمته”.

    وكانت هذه العبارة مؤشرا على اتساع المقاربة، لأن تمكين الشباب لا يقتصر على الدخل، وإنما يشمل أيضا الثقافة والرياضة والتطوع والفضاءات الشبابية والمشاركة الاجتماعية.

    وأصبحت السياسة الشبابية من هذه الزاوية تسأل أيضا عن قدرة الشاب على ممارسة الرياضة، واكتشاف مواهبه، والولوج إلى الثقافة، والمشاركة في العمل التطوعي، وبناء علاقات أكثر قوة مع المجتمع.

    وهكذا انتقل مفهوم التمكين من الإدماج الاقتصادي إلى بناء شخصية شابة أكثر حضورا وفاعلية داخل المجتمع.

    إعداد جيل لاقتصاد يتغير

    ومع التحول الرقمي، ظهر سؤال جديد: إذا كانت السياسات السابقة تستهدف إدماج الشباب في اقتصاد قائم، فكيف يمكن إعدادهم أيضا لاقتصاد تتغير مهنه بسرعة؟

    وتحدث الملك منذ سنة 2000 عن قدرة التطور السريع للتكنولوجيات الحديثة على فتح المجال أمام “قدرات شبابنا الخلاقة”، ومع مرور السنوات، تحول هذا الرهان من مجرد استعمال التكنولوجيا إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة.

    وتبرز صناعة الألعاب الإلكترونية نموذجا واضحا، ففي ماي 2026، ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن الرباط افتتاح الدورة الثالثة من معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo 2026″، المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

    وأكدت البوابة الرسمية أن افتتاح المعرض من طرف ولي العهد يجسد العناية الملكية المتواصلة بالشباب وتكوينه وانفتاحه على التكنولوجيات الحديثة، بما يمكنه من الاندماج في اقتصاد المستقبل.

    كما أن دورة 2026، المنظمة تحت شعار “Talent Marocain”، ركزت على إبراز إبداع ومهارات الشباب المغربي وربط الفاعلين في القطاع بفرص الأعمال والتكوين والاستثمار.

    التنمية الترابية تدخل معادلة الشباب

    ولا يمكن أن يكتمل هذا المسار دون ربط الشباب بالمجال الذي يعيش فيه، ففي خطاب 2025، برز رهان ملكي على جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يقوم على وتيرة أسرع وأثر أقوى، وعلى اعتماد معطيات ميدانية دقيقة واستعمال التكنولوجيات الرقمية، مع إقامة علاقات أكثر تكاملا بين المجالات الحضرية والقروية.

    وتهم هذه الرؤية الشباب بصورة مباشرة، لأن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا كان المجال الذي يعيش فيه الشاب لا يوفر فرصا اقتصادية وتكوينية وثقافية كافية.

    ومن هنا يلتقي رهان الشباب مع رهان التنمية الترابية، فكلما أصبح المجال قادرا على إنتاج الفرص، أصبح نجاح الشاب أقل ارتباطا بضرورة مغادرة مدينته أو قريته.

    الشباب يقترب من مربع السياسة

    وصلت دائرة التمكين إلى المجال السياسي، حيث لم يعد الشباب في “العهد الجديد” مجرد مستفيد من السياسات العمومية، وإنما أصبح طرفا في إنتاجها وصناعة القرار بشأنها.

    وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2017 أن تأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنية يعد من أهم التحديات التي ينبغي رفعها، مع التأكيد أن الشباب، الذي يمثل أكثر من ثلث السكان، يجب اعتباره محركا للتنمية وليس عائقا أمامها.

    وقبل ذلك، ربط جلالة الملك، في خطاب 20 غشت 2011، ربط الدينامية الخلاقة للشباب بمواصلة حمل مشعل بناء المغرب، وبالمواطنة والمشاركة في رفع تحديات البلاد.

    وفي أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يكتسب دعم حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة معنى يتجاوز مجرد تجديد النخب، فالمسار الذي بدأ من المدرسة والتكوين، ثم انتقل إلى الشغل والمبادرة والابتكار، يطرح في نهايته سؤال امتلاك الشباب موقعا في صناعة القرار الذي يرسم مستقبل البلاد.

    ويقول ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، إن “دعم مشاركة الشباب في انتخابات 2026 يكتسب أهميته لأنه ينقل مفهوم التمكين من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال السياسي، لكن التحدي لا يكمن فقط في وصول الشباب إلى المؤسسات، وإنما في أن يتحول حضورهم إلى مشاركة مؤثرة في صناعة السياسات والقرارات”.

    وأضاف أن “التمثيلية لا تكتمل بمجرد وجود شاب داخل لائحة انتخابية، وإنما عندما يصبح الشباب جزءا من عملية إنتاج القرار نفسها، وتصبح الأحزاب والمؤسسات أكثر انفتاحا على الأجيال الجديدة وقدرة على بناء الثقة معها”.

    من “الثروة الحقيقية” إلى الجيل الذي يصنع المستقبل

    وعند جمع هذه المحطات، لا تظهر أمامنا برامج متفرقة بقدر ما يظهر مسار تطور في مفهوم الشباب نفسه، ففي البداية، كان السؤال هو البطالة وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج، ثم أصبح السؤال مرتبطا بجودة التعليم والتكوين وملاءمتهما مع حاجيات الاقتصاد، وبعدها توسع الرهان إلى المقاولة والتمويل والإدماج الاقتصادي، ثم إلى الثقافة والرياضة والتطوع والتكنولوجيا ومهن المستقبل، قبل أن يصل إلى المشاركة في الحياة العامة.

    ويأتي خطاب عيد العرش لسنة 2023 ليمنح هذه الرؤية بعدا آخر، عندما قال الملك محمد السادس: “فالشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم”، مستحضرا الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022.

    ومن هنا يمكن قراءة أكثر من ربع قرن من التوجيهات الملكية في عيد الشباب في أن الرهان لم يعد فقط على ما يمكن أن تقدمه الدولة للشباب، وإنما على بناء الشروط التي تمكن الشباب من تقديم ما لديهم للمغرب.

    وفي ذكرى عيد الشباب، تبدو هذه المحطات حلقات داخل تصور أوسع يجعل من الأجيال الصاعدة جزءا من مشروع المغرب الصاعد، فالمغرب الذي يراهن على موقع متقدم في الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والتنمية لا يحتاج فقط إلى شباب يبحث عن مكان له داخله، وإنما إلى جيل يمتلك الكفاءة، ويصنع الفرصة، ويشارك في القرار، ويجد في بلده المجال الذي يسمح له بتحويل طموحه إلى إنجاز.

  • بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، ابتداء من اليوم الخميس، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026.

    ونص الظهير على تنفيذ القانون ونشره كما وافق عليه مجلسا النواب والمستشارين، وذلك بعد الاطلاع على قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026، والذي صرحت بموجبه بـ”تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها”.

    وكانت المحكمة قد سجلت أن رسالة الإحالة الموجهة إليها من رئيس مجلس النواب أُرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وبنسخة من المشروع كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، من دون إرفاق النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز.

    واعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص المراد فحص دستوريته يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية، وبذلك كان “قرار المحكمة الدستورية” إجرائيا، ولم يتضمن حكما موضوعيا بشأن دستورية مقتضيات القانون.

    دخول فوري واستثناءات تنظيمية

    ونصت المادة 146 من القانون الجديد على دخوله حيز التنفيذ في تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي ابتداء من 20 غشت 2026، غير أن المشرع استثنى من النفاذ الفوري مقتضيات المواد 12 و39 والبند 11 من المادة 121، إذ لن تدخل هذه الأحكام حيز التنفيذ إلا بعد صدور النصوص التنظيمية الضرورية لتطبيقها ونشرها بدورها في الجريدة الرسمية.

    وبموجب القانون الجديد، ينسخ ابتداء من 20 غشت 2026 القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، غير أن القانون أقر مجموعة من المقتضيات الانتقالية لضمان استمرارية المؤسسات والمساطر المهنية.

    وفي هذا الإطار، ستستمر أجهزة هيئات المحامين القائمة حاليا في أداء المهام المسندة إليها، إلى حين تولي الأجهزة الجديدة مهامها، إثر انتخابها خلال شهر دجنبر الموالي لتاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، كما تتولى الأجهزة الحالية اتخاذ الإجراءات الضرورية لتنظيم هذه الانتخابات.

    ويستمر العمل بمقتضيات القانون رقم 28.08 في ما يتعلق بشروط الترشح لمهنة المحاماة والحصول على شهادة الأهلية، إلى حين شروع معهد تكوين المحامين في ممارسة مهامه بصورة فعلية.

    وحافظ القانون على الوضعية القانونية للمترشحين الحاصلين على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة قبل 20 غشت 2026، شريطة ألا يتجاوز سنهم 50 سنة عند تقديم طلب التسجيل في لائحة المحامين المتمرنين لدى إحدى هيئات المحامين.

    ويستفيد هؤلاء من مقتضيات القانون السابق في ما يخص التمرين والتسجيل في جدول الهيئة، بما يحول دون تأثر مراكزهم القانونية بالقواعد الجديدة بعد حصولهم على شهادة الأهلية في ظل التشريع المنسوخ.

    وتشمل المقتضيات الانتقالية كذلك المتابعات التأديبية التي تم تحريكها قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إذ يستمر تطبيق القانون رقم 28.08 عليها إلى حين صدور قرارات نهائية بشأنها.

    أيضا، تظل النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق قانون 2008 سارية المفعول إلى حين تعويضها بنصوص جديدة، تفاديا لأي فراغ قانوني أو مؤسساتي خلال المرحلة الانتقالية.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

  • تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    في مفارقة صريحة وغريبة مع الموقف السياسي للدولة الذي أعلنته مدريد منذ 2022، فصلت منصة رسمية تابعة للحكومة الإسبانية الأقاليم الجنوبية عن باقي تراب المملكة، سواء في الخريطة أو في تصنيفاتها الإحصائية إذ أفرد المرصد الدائم للهجرة لما يسميه “الصحراء الغربية” ملفا مستقلا عن المغرب، فيما تذهب قواعد البيانات الحكومية أبعد من الفصل الجغرافي باستخدام توصيف “مواطنين من الصحراء الغربية” وإدراج الإقليم ضمن خانة “بلد الجنسية” وهو تصنيف صادر من داخل الإدارة الإسبانية يضعها أمام تناقض مع موقف حكومة بيدرو سانشيز.

    وبينما تواصل مدريد، على منصات الدبلوماسية الرسمية للبلاد وفي أروقة الأمم المتحدة، التمسك بموقفها المعلن منذ 14 مارس 2022، والقاضي باعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، خرجت المنصة التابعة للحكومة الإسبانية نفسها لتبرز هذا الشرخ العميق داخل الجهاز الإداري للدولة، والذي لم يعد ممكنا إخفاؤه أو ردّه إلى “خطأ فني” غير مقصود سيما وأن  الإدارة الإسبانية تشغّل، بصمت ودأب، سردية موازية تنفي ما اعترف به رئيس حكومتها في رسالته إلى جلالة الملك محمد السادس.

    ففي 16 يوليوز الجاري، حدّث المرصد الدائم للهجرة التابع لوزارة الضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، أداته الإحصائية المعروفة بـ”مؤشرات الهجرة حسب الجنسية”، وهي أداة تبدو للوهلة الأولى، بيروقراطية محضة تتضمن خرائط، جداول، قوائم منسدلة، مذكرة تفسيرية من 26 صفحة، لكن القراءة المتأنية لبنيتها والتي أجرتها “AM+MEDIA” تكشف أن المنصة ليست أداة محايدة لتوليد أرقام بل بنية سياسية إدارية كاملة تنتج، على مدار الساعة، سردية معاكسة تماما للموقف الرسمي للدولة الإسبانية.

    اللافت أن ما يقدم في الواجهة بوصفه “توصية فنية من المعهد الوطني للإحصاء (INE) وأوروستات”، وهي الحجة الدفاعية الجاهزة التي تضعها المنصة في تذييل خرائطها، ينهار عند أول اختبار.

    فالمنصة نفسها في تقريرها المخصص للصحراء، تعترف صراحة بأن “المعهد الوطني للإحصاء الإسباني لا يفرد الصحراء الغربية بخانة مستقلة، بل يدرج الأشخاص القادمين منها ضمن خانة ‘بلدان إفريقية أخرى’، أي أن المرصد الدائم للهجرة بشكل استثنائي ومقصود، خرج عن مرجعيته الإحصائية الوطنية ليتبنّى تصنيفا أشد حدة، وأكثر توافقا مع أطروحات جبهة البوليساريو الانفصالية منه مع الموقف الرسمي للدولة التي يشتغل تحت لوائها، والتي تدافع عن سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في أروقة الأمم المتحدة.

    هنا يطرح السؤال الأول الذي لن تستطيع مدريد التهرّب منه، سيما وأننا في قلب أزمة بين البلدين تتعلق أساسا بالهجرة، وهو من أعطى وزارة حكومية صلاحية الذهاب أبعد من التوصيات الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء، في اتجاه يناقض السياسة الخارجية للدولة؟

    ولم يعد ممكنا وصف ما نشرته المنصة واطلعت عليه “AM+MEDIA”، بأنه “زلّة إدارية أو تقنية”، فالفصل بين المغرب والصحراء جازم ومتعدد الطبقات، سواء على مستوى القائمة المنسدلة “بلد الجنسية” (País de nacionalidad)، التي تظهر “Marruecos” وما تصفه زورا بـ”Sahara Occidental” كخانتين مستقلتين ضمن 203 مداخل، وحين يختار المستخدم ما يوصف بـ”الصحراء الغربية”، يتم تصنيفها آليا كبلد ضمن منطقة “إفريقيا”، منفصل عن المغرب.

    على مستوى الخريطة التفاعلية، يطبع الإسمان جنبا إلى جنب كتسميتين مستقلتين، وحين ينقر المستخدم على المنطقة الجنوبية، تنقله المنصة إلى ملف منفصل تماما عن ملف المغرب.

    على مستوى الملفات والتقارير، للصحراء رابط خاص بها يتضمّن خمسة أقسام إحصائية، مقابل تقرير المغرب في المسار الذي يضم 13 قسما، أي أن الفصل ليس مجرد خانة في قائمة، بل بنية توثيقية موازية تنتج وثيقتين مستقلتين لدولة واحدة.

    على مستوى الملحق التفسيري الرسمي، وهذا هو الأخطر، يتضمّن الملحق الثاني من المذكرة التفسيرية جدولا ثلاثي الأعمدة يوزّع الأقاليم على بلدان الجنسية والمناطق الجغرافية، والفحص الدقيق الذي قامت به “AM+MEDIA” لهذا الجدول يكشف مفارقة لا تحتمل التأويل، فبورتوريكو تنسب إلى الولايات المتحدة، وكاليدونيا الجديدة، ومايوت، وريونيون تنسب إلى فرنسا، وجزر مالوين، وجزر العذراء تنسب إلى المملكة المتحدة.

    أما الصحراء المغربية فتنسب إلى نفسها، أي أن الأقاليم غير السيادية في العالم كلها تلحق، في وثائق مدريد نفسها، بدولها المدبِّرة، باستثناء وحيد ومقصود هو الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وهذا ليس تصنيفا فنيا بل موقفا سياسيا مرمزا في جدول إحصائي.

    وتذهب المنصة وفق ما عاينته “AM+MEDIA” أبعد من الفصل الجغرافي إلى إنتاج معجم سياسي بأكمله، فالتقرير المخصص للصحراء لا يتردد في استعمال عبارات من قبيل “الجنسية الصحراوية” “”nacionalidad saharaui” أو”مواطنو الصحراء الغربية”، و”أشخاص قادمون من الصحراء الغربية”، كما يقدّم أرقاما تفصيلية تكرّس هذا المعجم في المتخيل الإداري، بما فيها أن 1328 شخصا من “الجنسية الصحراوية” منخرطون في الضمان الاجتماعي الإسباني إلى غاية 29 ماي 2026، و13 شخصا من “مواطني الصحراء الغربية” طلبوا الحماية الدولية سنة 2025، و1472 شخصا “قادمون من الصحراء الغربية” طلبوا وضع اللاجئ عديم الجنسية خلال سنة 2024، أي 71% من إجمالي طلبات “انعدام الجنسية” في إسبانيا، و192 شخصا “من جنسية صحراوية سابقة” حصلوا على الجنسية الإسبانية منذ 2009.

    الأخطر أن المنصة تقرّ صراحة بأن السجل المركزي للأجانب “RCE” يقبل ما يصفه بـ”الصحراء الغربية” كبلد جنسية لصاحب وثيقة الإقامة، أي أن الدولة الإسبانية من خلال إدارتها الداخلية، تصدر وثائق رسمية تحمل شعارها تسجل فيها “جنسية صحراوية” لأشخاص هم وفق الاعتراف السياسي الذي أعلنته الحكومة نفسها مغاربة، وهذا ليس تفصيلا بيروقراطيا بل إنتاجا يوميا لواقع قانوني مضاد لموقف الدولة يتراكم منذ سنوات ويترسّخ في السجلات والملفات وقواعد البيانات.

    ثمة مفارقة إضافية تستحق التوقف، وهي أن التقرير نفسه يعترف بأن 82 بالمئة من الأشخاص الذين حصلوا في إسبانيا على وضع اللاجئ “عديم الجنسية” إلى غاية مارس 2026 ولدوا في الصحراء المغربية، أي أن الإدارة الإسبانية تستقبل وتنظّم وتحصي وتموّل  ضمنا بنية كاملة لمنح صفة “انعدام الجنسية” لأبناء إقليم تعترف حكومتها رسميا بمغربيته، وهو ما يعني بلغة السياسة أن دافع الضرائب الإسباني يموّل عبر آليات إدارية بنية إنتاجِ “لا مغربية” لا يقرّها موقف حكومته الرسمي.

    يكتسب هذا التناقض حدته حين يقرأ على خلفية التسلسل الدبلوماسي الذي راكمته مدريد منذ 2022، ففي 14 مارس 2022، وجّه بيدرو سانشيز رسالته الشهيرة إلى الملك محمد السادس، معلنا التحول التاريخي في موقف إسبانيا.

    وفي أبريل من السنة نفسها، اجتمع في الرباط مع الملك محمد السادس ليطلقا “مرحلة جديدة” في العلاقات الثنائية، كما أنه وفي فبراير 2023 رسّخ الاجتماع رفيع المستوى الثاني عشر بالرباط هذا الموقف في إعلان مشترك.

    و في 31 أكتوبر 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره التاريخي رقم 2797، الذي كرّس أن “حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يشكّل الحل الأكثر واقعية” لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، وتلاه ترحيب مدريد، في دجنبر من العام ذاته، بهذا القرار خلال الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر بالعاصمة الإسبانية، مؤكدة في النقطة الثامنة من الإعلان المشترك “التزامها بموقفها المعبر عنه منذ 7 أبريل 2022”.

    وهذا يعني، أن أربع سنوات وأربعة أشهر من البناء الدبلوماسي، التي توجه تحت مؤطر قرار أممي صريح يتحدث عن “السيادة المغربية”، رحّبت به مدريد رسميا، ومع ذلك، بعد ثمانية أشهر فقط من ذلك القرار، تحدّث وزارة إسبانية منصتها الرقمية، فتبقي على “الصحراء الغربية” بلد جنسية مستقلا وتبقي على “الجنسية الصحراوية” فئة إدارية سارية وتبقي على الخريطة المفصولة كما هي.

    ولا يحتمل هذا التناقض سوى قراءتين، كلتاهما تحرج الحكومة الإسبانية، الأولى، مفادها أن ما يجري هو عجز إداري عن ترجمة القرار السياسي إلى بنية تصنيفية، وهي قراءة إن قبلتها مدريد تفضح ضعف قبضة الحكومة على أجهزتها، وتطرح تساؤلا مؤسّسا حول جدية الالتزامات الإسبانية تجاه شراكتها الاستراتيجية مع الرباط،وهي الشراكة التي أعادت إحياء ملفات الهجرة والأمن والاستثمار والتبادل التجاري.

    القراءة الثانية الأشد خطورة، أن قطاعات داخل الإدارة الإسبانية، وربما داخل بعض الوزارات الحساسة، تمارس شكلا من المقاومة الصامتة للتحول الذي أقرّه رئيس الحكومة، وتواصل تشغيل بنى تصنيفية موروثة من الحقبة الاستعمارية وهي أن الصحراء كانت مستعمرة إسبانية حتى 1975 أو متأثرة بجماعات ضغط إسبانية تاريخيا هي قريبة من جبهة البوليساريو الانفصالية.

    هذه القراءة تحوّل السؤال إلى سياسي صرف حول هوية من يقف داخل الجهاز الإداري الإسباني ويقاوم قرار سانشيز ويسمح له بذلك، سيما وأن هذا يتزامن والأزمة بين البلدين بسبب ملف الهجرة، وإصرار الجانب الإسباني على الإبقاء على القاصرين غير المصحوبين فوق أراضيها رغم المطالب المتكررة للمغرب.

    وخطورة ما يحدث يكمن في أنه مع استمرار هذه المنصة الاشتغال بمعجمها الحالي، تنتج آثارا عملية، إذ تتراكم في السجلات الإسبانية آلاف الوثائق التي تثبت ما تصفه افتراء”جنسية صحراوية” لأشخاص يحمل أغلبهم قانونيا الجنسية المغربية، وهذه الوثائق ستتحول مع الزمن إلى مادة أرشيفية قانونية يمكن استعمالها في سياقات تقاض دولية أو في ملفات لجوء أو في نزاعات إدارية، لصالح أطروحات تناقض موقف الدولة الإسبانية المعلن.

    وتشكّل هذه المنصة أيضا مرجعا مفتوحا يستشهد به الباحثون والصحافيون والمنظمات غير الحكومية والبرلمانيون الأوروبيون كوثيقة حكومية إسبانية رسمية، أي أن الدولة الإسبانية تنتج ذخيرة حجج لخصوم الموقف الذي تتبناها هي نفسها.

    الأخطر، أن استمرار هذا الوضع يقدّم لكل الفاعلين الدوليين المتردّدين رسالة ضمنية مفادها أن الاعتراف الإسباني بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي قد لا يكون التزاما كاملا للدولة، بل موقفا سياسيا ظرفيا لرئيس الحكومة، قابلا للنقض من داخل جهازه الإداري.

    وفي العلاقات الدولية، السيادة تقاس بالتفاصيل، فحين توقّع دولة ما إعلانا مشتركا تقرّ فيه بأن الحكم الذاتي سيمارس “تحت السيادة المغربية”، وهي الصيغة التي استعادها الإعلان الأخير لمدريد في دجنبر 2025، فإن أدنى مستويات الاتساق تقتضي أن تنعكس هذه السيادة في وثائق الدولة، وفي خرائطها، وفي سجلاتها، وفي منصاتها الرقمية.

    ولا يكفي أن توقّع مدريد رسائل إلى الملك وبيانات في مجلس الأمن، وإعلانات مشتركة في القمم الرفيعة المستوى، فالمطلوب اليوم فعل إداري ملموس يكمن في حذف كل ما يمس بالوحدة الترابية للمغرب، بدمج تقارير المرصد الدائم للهجرة في وثيقة واحدة تعكس الوحدة الترابية للمملكة المغربية كما اعترف بها رئيس الحكومة الإسبانية.

  • المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    تحولت أزمة سبتة من ملف حدودي بين المغرب وإسبانيا إلى اختبار سياسي وقانوني لحكومة بيدرو سانشيز داخل إسبانيا وأمام الاتحاد الأوروبي نفسه، فبعدما بنت مدريد خطابها منذ موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز على إعادة الوافدين بطريقة غير نظامية إلى المغرب ومنع انتقالهم إلى شبه الجزيرة، تستعد الحكومة الإسبانية اليوم لنقل نحو 500 فتاة قاصر غير مصحوبة من سبتة إلى البر الإسباني، في خطوة تأتي بينما تطالب الرباط باستعادة قاصريها وتدفع بروكسيل بدورها نحو تسريع عمليات العودة في إطار القانون الأوروبي.

    ويعني نقل 500 قاصرة إلى شبه الجزيرة كما قررته الحكومة الإسبانية، أن الأزمة التي حرصت مدريد منذ البداية على إبقائها داخل حدود سبتة ستعبر فعليا إلى الداخل الإسباني، ولو تحت مظلة حماية الطفولة، كما يكشف عن تعدد مراكز القرار داخل الحكومة نفسها، فوزارة الخارجية تتحدث عن العودة إلى المغرب وحماية فضاء شنغن، بينما تبني وزارة الشباب والطفولة مسارا آخر أساسه استقبال القاصرين وتوزيعهم على الأقاليم وتقييم وضعية كل طفل على حدة.

    وتعمل وزارة الشباب والطفولة الاسبانية، على نقل عاجل لنحو 500 فتاة مع بحث صيغ مختلفة لاستقبالهن، بينها التوزيع على الأقاليم ذاتية الحكم والإيواء الأسري والاستعانة بمنظمات حماية الطفولة لتدبير الحالات الأكثر هشاشة في مرافق متخصصة بالبر الرئيسي، من دون اشتراط نقل الوصاية في جميع الحالات إلى الإقليم المستضيف.

    وتجد مدريد نفسها أمام معادلة دقيقة، فالمغرب يعرض التعاون لاستعادة القاصرين المغاربة، وطالب في أكثر من مناسبة بذلك وبنبرة شديدة على لسان وزير العدل عبد اللطيف وهبي، كما أن بروكسيل تؤيد بدورها تفعيل العودة بالنسبة إلى الموجودين بصورة غير قانونية، فضلا عن حكومة سبتة التي تتمسك بالمسار نفسه.

    وكل ذلك، بينما تتحرك الحكومة الاسبانية المركزية لنقل مئات القاصرات في الاتجاه المعاكس جغرافيا، من الحدود مع المغرب إلى عمق الأراضي الإسبانية.

    وعد بالعودة لم يصمد طويلا

    قبل أيام فقط، كان خطاب مدريد أكثر حسما ويبرز جليا هذا التناقض، ففي 11 غشت انتقل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى سبتة المحتلة، وبعد اجتماعه برئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، أكد أن جميع من دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية سيعودون إلى المغرب.

    وربط ألباريس هذا الموقف بما وصفه بـ”الإرادة الصريحة” التي أبدتها الرباط لاستعادة مواطنيها، كما شدد على أن أحدا من المهاجرين لم يصل إلى شبه الجزيرة، في رسالة أراد من خلالها تأكيد حماية حدود شنغن وعدم تحول سبتة إلى ممر نحو أوروبا.

    وفي الحكومة نفسها، ذهب وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان فيليكس بولانيوس إلى أن الأولوية بالنسبة إلى القاصرين الذين عبروا إلى سبتة هي عودتهم إلى أسرهم في المغرب.

    لكن هذا الخط اصطدم سريعا بحقيقة مختلفة على الأرض، فالقاصر غير المصحوب لا يخضع للمسار نفسه الذي يخضع له المهاجر البالغ، ولا تكفي وضعيته الإدارية غير النظامية لاتخاذ قرار فوري بإعادته.

    وبمجرد تحديده باعتباره قاصرا غير مصحوب، تدخل منظومة حماية الطفولة إلى جانب قانون الهجرة، وتصبح المصلحة الفضلى للطفل ووضعه الأسري، وضمانات استقباله عناصر حاسمة في تحديد مصيره، ومن هنا بدأ خطاب مدريد يتشعب.

    الرباط تضع استعادة القاصرين على الطاولة

    المغرب، في المقابل، لم يكتف بإعلان استعداده لقبول عمليات إعادة البالغين، بل وضع ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين في صدارة مطالبه.

    في 6 غشت، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا وباقي الدول الأوروبية لتحديد هوية القاصرين المغاربة الموجودين لديها والعمل على إعادتهم، في موقف جاء تنفيذا لتعليمات ملكية سامية لوزارتي الداخلية والشؤون الخارجية لتسهيل هذه العملية.

    وبعد أربعة أيام، رفع وزير العدل عبد اللطيف وهبي سقف الموقف المغربي، مؤكدا تمسك المملكة باستعادة الأطفال والقاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا حديثا إلى سبتة، وأن المغرب سيتحرك في هذا الملف عبر القنوات القانونية والسياسية.

    وقال وهبي إن المغرب “لن يتخلى” عن أطفاله وشبابه ومراهقيه، بينما ربطت الرباط تعثر عمليات الإعادة بوجود عراقيل قضائية وإدارية في الجانب الإسباني.

    الموقف ليس جديدا بالكامل، ففي 2024 خلال زيارة رئيس حكومة جزر الكناري فرناندو كلافيخو إلى الرباط، أبدى وزير الخارجية ناصر بوريطة استعداد المغرب لاستعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين، مع الإشارة آنذاك أيضا إلى صعوبات قانونية مرتبطة بتنفيذ عمليات العودة.

    الجديد هذه المرة هو السياق والحجم، فالمطلب المغربي جاء مباشرة بعد أكبر موجة عبور عرفتها سبتة وتردد مرارا بشكل رسمي، وفي الوقت الذي تواجه فيه المدينة ضغطا غير مسبوق على مرافق استقبال الأطفال.

    من 1100 إلى أكثر من ألفي قاصر

    الأرقام نفسها تكشف سرعة تحول الملف، ففي 6 غشت، كانت التقديرات تشير إلى وجود نحو 1100 قاصر غير مصحوب في سبتة، بعضهم وصل خلال موجة نهاية يوليوز وبعضهم كان موجودا قبلها.

    وفي 7 غشت، تحدثت المعطيات الإسبانية عن تسجيل 1342 قاصرا، بينما كانت مرافق مخصصة أصلا لاستقبال نحو 90 طفلا تستوعب أعدادا تفوق قدرتها بكثير.

    وبحلول الثلاثاء 18 غشت، ارتفع عدد القاصرين الذين حددت الشرطة الوطنية هوياتهم وسلمتهم إلى حكومة سبتة إلى 2168 قاصرا، وفق المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”.

    هذا الارتفاع السريع نقل المشكلة من تدبير مجموعة محدودة من الأطفال إلى أزمة حماية اجتماعية وقانونية واسعة داخل مدينة صغيرة المساحة والإمكانات.

    ولهذا بدأت مدريد، منذ الأيام الأولى للأزمة، إعداد سيناريو لنقل القاصرين إلى شبه الجزيرة، وفي 7 غشت قالت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو إن الحكومة تأمل تنفيذ عمليات النقل خلال أسابيع مع إعطاء الأولوية للفتيات والأطفال دون 13 سنة، ودراسة كل حالة بصورة فردية.

    الفتيات أولا

    ولا يشكل اختيار 500 فتاة تحديدا تفصيلا في الخطة، فالأزمة الإنسانية داخل سبتة أظهرت أن الفتيات والنساء من أكثر الفئات هشاشة في ظروف الاستقبال التي أعقبت موجة العبور.

    ولهذا وضعت السلطات القاصرات في فضاءات آمنة ومنفصلة بعد الإبلاغ عن اعتداءات جنسية، بينما أصبحت حمايتهن إحدى الأولويات المعلنة للحكومة.

    وتستند مدريد إلى هذه الوضعية لتبرير إخراجهن بصورة عاجلة من سبتة، ومن وجهة نظر وزارة الشباب والطفولة لا يتعلق الأمر بفتح طريق للمهاجرين نحو شبه الجزيرة بل بنقل أطفال خاضعين لحماية الدولة من فضاءات وصلت إلى حدود قدرتها الاستيعابية إلى مرافق تستطيع توفير شروط أفضل للرعاية.

    سياسيا، نقل 500 قاصر إلى البر الرئيسي يناقض الصورة التي حاولت مدريد تثبيتها بعد الأزمة، ومفادها أن سبتة لن تكون جسرا نحو شبه الجزيرة.

    أما قانونيا، فتستطيع الحكومة الاستناد إلى قواعد حماية الطفولة لتقول إن وضع القاصر لا يمكن اختزاله في طريقة دخوله الأراضي الإسبانية.

    المصلحة الفضلى للطفل” تغير قواعد الأزمة

    في 8 غشت، حددت سيرا ريغو المبدأ الذي ستتعامل به وزارتها مع القاصرين، فالأولوية بحسبها، هي لم الشمل العائلي كلما كان ذلك ممكنا ومتوافقا مع المصلحة الفضلى للطفل.

    واللافت أن لم الشمل الذي تحدثت عنه الوزيرة لا يعني بالضرورة البقاء في إسبانيا، فقد أوضحت الحكومة رسميا أن الأسرة قد تكون موجودة في بلد الأصل أو في إقليم إسباني آخر أو في دولة أوروبية، وأن مكان الأسرة ووضع الطفل هما اللذان يحددان المسار.

    أما الأطفال الذين لا تتوفر لهم أسر يمكن إسنادهم إليها، فتتحمل السلطات المختصة مسؤولية الوصاية عليهم وضمان حقوقهم، وهذه القاعدة تجعل عرض المغرب لاستعادة القاصرين عنصرا مهما، لكنه لا يحسم الملفات بصورة جماعية.

    فوجود استعداد رسمي من بلد الأصل لاستقبال مواطنيه يزيل عقبة سياسية كانت تعقد عمليات العودة، لكنه لا يلغي المسطرة التي تفرض على السلطات الإسبانية التحقق من هوية الطفل ووضع أسرته وشروط استقباله، ومدى توافق إعادته مع مصلحته الفضلى.

    25 مليون يورو و”استقبال تضامني

    مع اتساع الأزمة، انتقلت الحكومة الإسبانية من تدبير الطوارئ داخل سبتة إلى توزيع العبء على بقية البلاد، ففي 10 غشت، أعلنت سيرا ريغو عن عقد اجتماع عاجل مع الأقاليم ذاتية الحكم، وعن اعتماد استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لفائدة سبتة، إضافة إلى إرسال فريق تقني من الوزارة للمساعدة على تسريع إجراءات ما تسميه مدريد “الاستقبال التضامني” للقاصرين غير المصحوبين.

    وقد أعلنت عدة أقاليم رفضها استقبال القاصرين القادمين من موجة سبتة، فيما اتهمتها الحكومة المركزية بنقص التضامن، ووصل الخلاف إلى النيابة العامة.

    ففي 7 غشت، أصدرت المدعية العامة للدولة تيريزا بيراماتو توجيهات لضمان حماية القاصرين الموجودين في سبتة، وأمرت المدعين المختصين بشؤون القاصرين بالتحرك إذا رفضت الأقاليم تنفيذ ترتيبات توزيعهم واستقبالهم.

    ولم تعد أزمة القاصرين بهذا المعنى مواجهة بين الرباط ومدريد فقط، بل أصبحت أيضا مواجهة داخل إسبانيا حول الجهة التي ستتحمل مسؤولية الأطفال وكلفة استقبالهم.

    بروكسيل تدفع نحو العودة

    وسط هذا التعقيد الداخلي، دخل الاتحاد الأوروبي على الخط بموقف زاد من حدة التناقض، ففي 18 غشت، قالت المفوضية الأوروبية إن الأولوية تتمثل في أن تعمل السلطات الإسبانية والمغربية على إبقاء الوضع تحت السيطرة وضمان العودة السريعة للأشخاص، الذين ما زالوا موجودين بصورة غير قانونية في سبتة.

    المتحدث باسم المفوضية ماركوس لامرت وضع عمليات العودة ضمن الإطار القانوني الأوروبي، وأشار إلى “توجيه العودة” وإلى النظام الأوروبي الجديد الذي سيؤطر عمليات الإعادة مستقبلا، لكن وبعد يوم واحد، كانت وزارة الشباب والطفولة الإسبانية تدفع نحو خطة لنقل 500 قاصرة في الاتجاه المعاكس إلى شبه الجزيرة.

    حكومة واحدة بخطابين

    هذا الوضع أظهر انقساما في الأولويات داخل الجهاز التنفيذي الإسباني نفسه، فوزارة الخارجية تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملف حدود وهجرة وعلاقة مع المغرب وأمن فضاء شنغن، وعلى هذا الأساس جاءت تصريحات وزير الخارجية ألباريس بأن جميع من دخلوا بصورة غير نظامية سيعودون، وأن أحدا لم ينتقل إلى شبه الجزيرة.

    أما وزارة الشباب والطفولة فتتعامل مع جزء من الأشخاص أنفسهم باعتبارهم أطفالا تحت الحماية القانونية للدولة، لا مجرد مهاجرين في وضعية غير نظامية.

    حكومة سبتة من جانبها، التقطت هذا التحول مبكرا، ولذلك رفضت إعطاء الانطباع بأنها وافقت على خطة نقل 500 فتاة، كما أن إدارة خوان خيسوس فيفاس تتمسك بأن الأولوية هي عودة من دخلوا خلال موجة نهاية يوليوز إلى المغرب، بمن فيهم القاصرون متى سمحت المساطر بذلك.

    يذكر، أن هذا الموقف يجد دعما في المعارضة اليمينية، فالحزب الشعبي يطالب مدريد بتفعيل الاتفاقات مع الرباط وتسريع عمليات العودة، ويستند إلى استعداد المغرب لاستقبال قاصريه ليجادل بأن لم الشمل العائلي داخل بلد الأصل يمكن أن يكون، في الحالات التي تسمح بذلك، أكثر اتساقا مع المصلحة الفضلى للطفل من نقله إلى مركز آخر داخل إسبانيا.

  • ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    دخل المغرب صيف 1953 واحدة من أكثر لحظات تاريخه المعاصر حساسية، بعدما بلغ التوتر بين السلطان محمد الخامس وسلطات الحماية مستوى لم تعد معه الضغوط السياسية كافية لضبط المشهد، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية توسع مطالبها، ويتقدم التقارب بينها وبين القصر حول مستقبل البلاد.

    اختارت سلطات الحماية أن تكسر هذه المعادلة من أعلى سلطة في البلاد، ففي 20 غشت، أبعدت السلطان محمد الخامس رفقة أسرته عن المغرب، ونصبت محمد بن عرفة مكانه، في رهان لم يكن يستهدف تغيير السلطان فقط، بل فصل العرش عن الحركة الوطنية وإعادة ترتيب موازين القوة بما يسمح باستمرار الحماية.

    لكن القرار أعطى نتيجة معاكسة لما كانت تنتظره سلطات الحماية، فبعد نفي محمد الخامس، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، تصاعد رفض المغاربة للقرار، واتسعت المقاومة، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان ترتبط أكثر فأكثر بالمطالبة بإنهاء الحماية واستقلال المغرب.

    وبين 20 غشت 1953 و16 نونبر 1955، انقلبت المعادلة، ونجحت سلطات الحماية في إبعاد محمد الخامس عن بلاده، لكنها لم تنجح في نقل شرعيته إلى البديل الذي اختارته.

    حين أصبح الخلاف حول مستقبل المغرب

    وتروي كتب التاريخ أن الأزمة لم تبدأ في غشت 1953، بل سبقتها سنوات من التوتر المتصاعد بين القصر وسلطات الحماية، بالتوازي مع تطور الحركة الوطنية وانتقال مطالبها تدريجيا من الإصلاح إلى المطالبة بالاستقلال.

    وشكل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 محطة أساسية في هذا المسار، قبل أن تأتي زيارة “أب الأمة” محمد الخامس إلى طنجة في أبريل 1947 لتمنح المرحلة دلالة سياسية أكبر، في وقت كان فيه النقاش حول مستقبل المغرب ووحدته وسيادته يتقدم داخل الحركة الوطنية.

    ومع بداية الخمسينيات، لم يعد الخلاف مع الإقامة العامة مرتبطا بملفات متفرقة، بل أصبح موقع السلطان نفسه داخل المعادلة التي أقامتها الحماية منذ 1912 جزءا من الأزمة، فقد تعزز التقارب بين السلطان محمد الخامس والحركة الوطنية، في مقابل ضغوط متزايدة لإبعاده عنها ودفعه إلى مواقف أكثر انسجاما مع ما تريده سلطات الحماية.

    لذلك، لم يكن 20 غشت حدثا مفاجئا أو معزولا، بل جاء في نهاية مسار من الضغط والتوتر ومحاولات إعادة ضبط موقع القصر داخل المشهد السياسي.

    وفي قراءة لهذه المرحلة، يعتبر المؤرخ نور الدين بلحداد أن قرار النفي لا يمكن فصله عن السياق الذي سبقه، موضحا أن “نفي السلطان محمد الخامس في 20 غشت 1953 لا يمكن فهمه وحده دون العودة إلى المسار الذي سبق هذه المرحلة، خصوصا وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وخطاب طنجة سنة 1947، والتقارب الذي بدأ يكبر بين السلطان والحركة الوطنية”.

    لكن بلحداد أكد أن المسار غير تدريجيا نظرة سلطات الحماية إلى محمد الخامس، بعدما بدأت ترى أنه “لم يعد مجرد سلطان يمكن ممارسة الضغط عليه، وإنما أصبح رمزا وطنيا يلتقي حوله العرش والحركة الوطنية وجزء كبير من المغاربة”.

    ويضيف أن “الهدف من النفي لم يكن فقط إبعاد محمد الخامس عن القصر، وإنما كان كذلك محاولة لضرب العلاقة التي كانت تتقوى بين العرش والحركة الوطنية واسترجاع التحكم في المشهد السياسي”.

    وفي الأيام التي سبقت النفي، تسارعت التحركات المعارضة لمحمد الخامس بدعم من سلطات الحماية، وصولا إلى الدفع بمحمد بن عرفة، لتحاصر القوات التابعة للإقامة العامة القصر الملكي بالرباط في 20 غشت، قبل إبعاد السلطان محمد الخامس وأسرته عن البلاد، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر.

    من البيعة إلى ثورة الملك والشعب

    لم تبدأ علاقة العرش العلوي بمكونات المجتمع المغربي مع أحداث 20 غشت، إذ شكلت البيعة تاريخيا إحدى الآليات التي انتظمت عبرها العلاقة بين السلاطين العلويين ومكونات المجتمع، ضمن استمرارية الدولة المغربية قبل فرض الحماية سنة 1912.

    وجاءت مرحلة محمد الخامس لتضيف إلى هذا الامتداد التاريخي بعدا وطنيا ارتبط بالتحولات التي عاشها المغرب خلال سنوات الحماية، وبالتقارب الذي تشكل بين السلطان والحركة الوطنية في سياق تصاعد مطلب الاستقلال.

    وهذه الخلفية تساعد على تفسير أحد جوانب الخطأ في الحسابات الفرنسية، فسلطات الحماية استطاعت تغيير الشخص الموجود في القصر، لكنها تعاملت مع الأمر كما لو أن تغيير السلطان يكفي تلقائيا لنقل المكانة والقبول اللذين أصبح محمد الخامس يحظى بهما إلى البديل الذي اختارته.

    ويتوقف بلحداد عند هذه النقطة، معتبرا أن فرنسا “كانت تراهن على أن تنصيب محمد بن عرفة يمكن أن يفرض واقعا جديدا، لكن هذا كان واحدا من الأخطاء الكبيرة، لأنها تعاملت مع العرش وكأنه مجرد موقع سياسي يمكن تغيير الشخص الموجود فيه وتستمر الأمور بشكل عادي”.

    ويربط المؤرخ ذلك بالامتداد التاريخي للعلاقة بين العرش والمغاربة، موضحا أن سلطات الحماية “لم تستوعب بشكل كاف أن العلاقة بين المغاربة والعرش لها امتداد تاريخي، وأن البيعة كانت دائما جزءا من هذه العلاقة، ومع محمد الخامس أضيف إليها بعد وطني مرتبط بالتحرر والاستقلال”.

    ويمتد هذا المعطى، بحسب بلحداد، إلى المناطق الصحراوية، حيث يستحضر روابط البيعة التاريخية بين قبائل صحراوية والسلاطين العلويين، إلى جانب مظاهر التضامن مع محمد الخامس والمطالبة بعودته خلال مرحلة النفي.

    بهذا المعنى، لم تكن المشكلة التي واجهت سلطات الحماية مرتبطة فقط بمن يوجد داخل القصر، وإنما بقدرتها على جعل التغيير الذي فرضته من الأعلى مقبولا على الأرض.

    سلطان في المنفى

    على الورق، بدا مخطط سلطات الحماية قادرا على إنتاج واقع جديد، فالسلطان الشرعي محمد الخامس خارج البلاد، ومحمد بن عرفة على العرش، والإقامة العامة أمام فرصة لإعادة الإمساك بالمشهد.

    لكن ما لم تستطع القوة فرضه كان قبول المغاربة بهذا الترتيب، إذ يختصر بلحداد هذه المفارقة بالقول: “استطاعوا نفي محمد الخامس بالقوة، لكنهم لم يستطيعوا نقل شرعيته بالطريقة نفسها إلى محمد بن عرفة، لأن الشرعية لا تنتقل بقرار إداري، وليس مجرد وضع شخص على العرش يعني أنه سيأخذ المكانة نفسها لدى المغاربة”.

    وتشكل هذه العبارة مدخلا لفهم ما جرى بعد 20 غشت، فسلطات الحماية امتلكت الوسائل التي مكنتها من تغيير السلطان، لكنها لم تستطع أن تمنح البديل المكانة نفسها التي راكمها محمد الخامس خلال السنوات السابقة.

    وبدل أن يؤدي النفي إلى إنهاء حضوره في المشهد، أصبح السلطان المنفي أكثر ارتباطا بخطاب الحركة الوطنية والمقاومة، فيما تحولت المطالبة بعودته إلى أحد العناوين المركزية للمواجهة مع سلطات الحماية.

    وبدأت تداعيات القرار تظهر سريعا، وشهد المغرب احتجاجات وتحركات مقاومة، وتشكلت خلايا فدائية وتنظيمات سرية، وتصاعدت العمليات ضد الوجود الاستعماري.

    وفي 11 شتنبر 1953، بعد أسابيع قليلة من النفي، حاول المقاوم علال بن عبدالله استهداف محمد بن عرفة، في واقعة ستصبح واحدة من أبرز رموز المقاومة المغربية خلال تلك المرحلة.

    ولم يظل الرفض محصورا داخل الحركة الوطنية أو في بعض المراكز الحضرية، إذ يشير بلحداد إلى أن رد الفعل امتد إلى مناطق مختلفة من المغرب، وهو ما يعكس، في قراءته، أن القضية تجاوزت حدود صراع سياسي بين الإقامة العامة والتنظيمات الوطنية.

    وبذلك بدأت معادلة 20 غشت تنقلب، فأصبح محمد الخامس خارج المغرب، لكنه حاضر في قلب المواجهة داخله، بينما يوجد محمد بن عرفة في البلاد دون أن يتمكن من اكتساب الشرعية التي كان يفترض أن تسمح بتثبيت الوضع الجديد.

    حين تحولت عودة السلطان إلى معركة استقلال

    راكمت الحركة الوطنية قبل 1953 سنوات من العمل السياسي والتنظيمي والاحتجاجي، لكن نفي محمد الخامس نقل المواجهة إلى مرحلة مختلفة، فالمساس بالعرش وسع دائرة الأزمة إلى أبعد من التنظيمات السياسية، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان تتقاطع بصورة متزايدة مع مطلب إنهاء الحماية.

    ويرى بلحداد أن النفي “غير طبيعة المواجهة”، موضحا أن الحركة الوطنية كانت قبل 1953 تراكم العمل السياسي والمطالبة بالإصلاح ثم الاستقلال، قبل أن يدخل المغرب بعد نفي محمد الخامس مرحلة اتسعت فيها المقاومة والعمل الفدائي.

    ومع مرور الأشهر، تصاعدت العمليات الفدائية والمقاومة المسلحة، قبل انطلاق عمليات جيش التحرير في شمال المغرب في أكتوبر 1955، في وقت كانت فيه سلطات الحماية تواجه أزمة لم يعد ممكنا احتواؤها بالطريقة التي سبقت قرار النفي.

    ويشرح بلحداد هذا التحول قائلا: “مع الوقت أصبح مطلب رجوع محمد الخامس مرتبطا بشكل مباشر بإنهاء الحماية والاستقلال، وهنا وقع العكس مما كانت تريده سلطات الحماية. فبدل أن يضعف النفي الحركة الوطنية ويعزل السلطان عنها، زاد من تقارب العرش والشعب ووسع دائرة المواجهة ضد الحماية”.

    من النفي إلى العودة

    فصلت سنتان وثلاثة أشهر تقريبا بين خروج السلطان محمد الخامس من المغرب وعودته إليه، لكنها كانت كافية لتغيير ميزان الأزمة.

    وتواصلت المقاومة واتسعت، ولم ينجح تنصيب محمد بن عرفة في إنتاج الاستقرار الذي كانت تنتظره سلطات الحماية، فيما ازدادت القضية المغربية تعقيدا بالنسبة إلى فرنسا، بالتزامن مع تصاعد حركات التحرر في شمال إفريقيا.

    ومع استمرار الأزمة، أصبح البحث عن تسوية سياسية يمر عبر السلطان الشرعي محمد الخامس نفسه، ويرى بلحداد أن هذه الحصيلة تجعل قرار النفي “واحدا من أكبر الأخطاء السياسية لسلطات الحماية”، لأنها أرادت “أن تفرق الملك عن الشعب، لكن النتيجة كانت أنها زادت من تقاربهما”.

    وفي 16 نونبر 1955، عاد محمد الخامس إلى المغرب، ولم تكن العودة مجرد نهاية لمنفى بدأ في غشت 1953، بل جاءت في سياق تغيرت فيه موازين المواجهة وسقط فيه عمليا رهان السلطان البديل.

    ويعتبر بلحداد أن عودة محمد الخامس “لم تعد مجرد مسألة رجوع سلطان إلى العرش، وإنما أصبحت جزءا أساسيا من حل الأزمة والمسار الذي سيقود إلى استقلال المغرب”.

    وكان السلطان الذي أخرج من البلاد لإضعاف موقعه يعود إليها وقد أصبحت عودته جزءا من الحل السياسي، بينما دخل المغرب المرحلة الحاسمة من المسار الذي سيقود خلال 1956 إلى إنهاء نظام الحماية واستعادة الاستقلال.

    وانتهت بذلك تجربة بدأت بمحاولة إبعاد السلطان محمد الخامس عن المعادلة بنتيجة معاكسة، وسقط رهان محمد بن عرفة، فيما أصبحت نهاية الحماية أقرب مما كانت عليه لحظة اتخاذ قرار النفي.

    من معركة التحرير إلى مغرب اليوم

    بعد أكثر من سبعة عقود، لا تستعيد ذكرى ثورة الملك والشعب واقعة نفي محمد الخامس وحدها، بل تستحضر واحدة من اللحظات التي كشفت طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب.

    وبالنسبة إلى بلحداد، فإن “ثورة الملك والشعب ليست فقط حدثا وقع في 20 غشت 1953، وإنما لحظة تاريخية بينت بشكل واضح طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في ظرف كان حاسما”.

    لكن المؤرخ ذاته لا يحصر دلالة هذه العلاقة في مرحلة الحماية، إذ يعتبر أنها “لم تبدأ سنة 1953 ولم تنته مع الاستقلال، وإنما الذي تغير هو طبيعة التحديات التي يجتمع عليها المغرب”.

    ففي الخمسينيات كان التحدي هو التحرر والاستقلال، قبل أن تنتقل الوحدة الترابية إلى قلب مرحلة أخرى من تاريخ المملكة، وهو ما يربطه بلحداد بالمسيرة الخضراء باعتبارها إحدى المحطات الكبرى التي جاءت لاحقا.

    أما اليوم، فيرى أن طبيعة الرهانات تغيرت وأصبحت مرتبطة أكثر “بالتنمية والسيادة والدفاع عن الوحدة الترابية وتقوية موقع المغرب ومصالحه الاستراتيجية”.

    وتسمح هذه القراءة بنقل الذكرى من مجرد استعادة سنوية لأحداث 1953 إلى سؤال ما الذي تقوله تلك الأحداث للأجيال التي لم تعش الحماية ولا معركة الاستقلال.

    ويخلص بلحداد إلى أن “هذه هي الدلالة التي يجب أن تصل إلى الجيل الجديد من ذكرى ثورة الملك والشعب، حتى لا تبقى مجرد ذكرى نعود فيها إلى أحداث الماضي، وإنما تكون كذلك مدخلا لفهم مسار الدولة المغربية وعلاقتها بتاريخها”.

  • من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    قد يكون الحصول على فرصة عمل بداية لتحسن دخل أسرة تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر، غير أن الانتقال إلى الوظيفة كان يمكن أن يتزامن مع فقدان الإعانات التي ظلت تشكل جزءا من مواردها، بمجرد تغير وضعيتها والتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص.

    وتحاول الحكومة جعل المسافة بين الاستفادة من الدعم والاستقرار داخل سوق الشغل أكثر أمانا، من خلال آلية جديدة تمنح الأسر المعنية فترة انتقالية قد تصل إلى سنة، تحصل خلالها على مبلغ يعادل الإعانات التي كانت تستفيد منها قبل فقدان أهليتها بسبب الالتحاق بعمل مصرح به.

    ودخل الإجراء مرحلته التطبيقية بعد استكمال الإطار القانوني والتنظيمي للمنحة الاستثنائية التي أحدثها القانون رقم 41.26، المغير والمتمم للقانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434 ليحدد مدة الاستفادة منها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    ويكشف هذا التغيير عن مرحلة جديدة في تطور نظام الدعم الاجتماعي المباشر بعد ما يقارب ثلاث سنوات من إطلاقه، إذ لم يعد الرهان مرتبطا فقط بإيصال الإعانة إلى الأسر المستحقة، بل بدأ يمتد إلى مواكبتها عندما تتحسن وضعيتها وتنتقل نحو النشاط الاقتصادي، بما يجعل الحماية الاجتماعية أقرب إلى جسر نحو الشغل بدل أن تنتهي بمجرد الحصول على أول وظيفة.

    من حماية الأسرة إلى مواكبتها نحو الشغل

    انطلق نظام الدعم الاجتماعي المباشر نهاية سنة 2023 باعتباره إحدى الركائز الأساسية لورش الحماية الاجتماعية، قبل أن تتوسع قاعدة المستفيدين منه لتشمل، وفق معطيات قدمتها الحكومة أمام البرلمان، أكثر من أربعة ملايين أسرة.

    ومع توسع البرنامج، أتاح التطبيق العملي الوقوف عند جوانب تحتاج إلى التطوير، من بينها العلاقة بين الاستفادة من الدعم وتغير الوضعية المهنية للأسرة.

    فالتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص يمكن أن يؤدي، إذا ترتب عنه فقدان شروط الأهلية، إلى خروج الأسرة من نظام الدعم.

    وفي المقابل، لا يعني الحصول على أول وظيفة بالضرورة أن الاستقرار المالي تحقق منذ الشهر الأول، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببداية مسار مهني جديد.

    وهنا ظهرت الحاجة إلى حلقة انتقالية بين الوضعيتين، تسمح للأسرة بالانتقال إلى العمل المصرح به دون أن تفقد بشكل مفاجئ موردا كانت تعتمد عليه، وتمنحها في الوقت نفسه فرصة لبناء استقرارها انطلاقا من الدخل الناتج عن العمل.

    وحضر هذا التوجه خلال إعداد القانون رقم 41.26 ومناقشته داخل البرلمان، إذ قدمت الحكومة التعديل باعتباره جزءا من معالجة ما كشفه التطبيق العملي، وربطته بتعزيز الإدماج الاقتصادي وتحقيق تكامل أكبر بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وخلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، توقف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عند هذا الجانب، موضحا أن التطبيق أظهر وجود مستفيدين يترددون في ولوج سوق الشغل خشية فقدان الدعم، إلى جانب حالات قد يفضل فيها المعنيون الاشتغال دون التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حفاظا على الاستفادة.

    ومن هنا جاء التعديل ليعيد ترتيب العلاقة بين الاثنين، إذ لا ينبغي للحصول على عمل مصرح به أن يضع الأسرة أمام فقدان فوري لشبكة الحماية، بل يمكن أن يشكل بداية انتقال تدريجي من الإعانة إلى دخل مهني أكثر استدامة.

     في هذا السياق، يرى محمد أمين سامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات العمومية، أن أهمية هذا التحول تكمن في أخذه بعين الاعتبار طبيعة المرحلة الأولى من الاندماج المهني، موضحا أن “الأسرة المستفيدة لا تقارن فقط بين قيمة الدعم وقيمة الراتب الجديد، بل تأخذ بعين الاعتبار مدى استقرار الوظيفة وإمكانية استمرارها، إضافة إلى المصاريف التي قد ترافق بداية العمل، من نقل وغيره”.

    ويضيف سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “وجود فترة انتقالية يخفف حالة عدم اليقين التي يمكن أن ترافق بداية العمل، ويمنح الأسرة الوقت الكافي للتكيف مع مصدر دخل جديد، بدل الانتقال بشكل مفاجئ من وضعية إلى أخرى”.

    12 شهرا بين الدعم والاستقرار في الشغل

    ترجم القانون رقم 41.26 هذا التوجه إلى آلية عملية، من خلال إحداث منحة استثنائية لفائدة الأسر التي تفقد حقها في الاستفادة من الإعانات نتيجة التصريح بأحد الزوجين أو رب الأسرة لدى نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في القطاع الخاص.

    وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبح بإمكان الأسرة المعنية الاستفادة من منحة تعادل مبلغ الإعانة أو الإعانات التي كانت تستفيد منها في إطار نظام الدعم الاجتماعي المباشر.

    وحدد القانون مبدأ هذه الاستفادة، بينما ترك مدتها للنص التنظيمي، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434، المتمم للمرسوم المتعلق بتطبيق قانون الدعم الاجتماعي المباشر، ليحدد سقفها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    وكان مجلس الحكومة قد صادق على مشروع المرسوم في 22 يوليوز 2026، قبل نشره في الجريدة الرسمية عدد 7530 الصادرة في 30 يوليوز، ليستكمل بذلك الإطار التنظيمي لتنزيل الآلية الجديدة.

    وتحتسب مدة الاستفادة ابتداء من تاريخ التصريح بنظام الضمان الاجتماعي، في حدود اثني عشر شهرا، فيما ترتبط قيمة المنحة بالإعانات التي كانت تحصل عليها الأسرة قبل تغير وضعيتها.

    وتمنح هذه القاعدة للأسرة فترة للتكيف مع انتقالها من مورد اجتماعي إلى دخل مهني، بحيث لا يصبح أول راتب نقطة توقف مباشرة للدعم الذي اعتادت عليه، وإنما بداية مسار تدريجي يفترض أن يقود في نهايته إلى الاستقلال الاقتصادي.

    كما أن إمكانية احتساب الأشهر الاثني عشر بشكل متصل أو غير متصل تمنح الآلية قدرا من المرونة، بالنظر إلى أن بداية المسار المهني لا تكون دائما مستقرة أو متواصلة منذ أول تجربة.

    خطوة نحو توسيع العمل المصرح به

    لا تتوقف دلالة التعديل عند حماية دخل الأسرة خلال فترة محددة، إذ يحمل أيضا رهانا يرتبط بتوسيع دائرة العمل المصرح به والاندماج في الاقتصاد المهيكل، لأن الربط المباشر بين الحصول على وظيفة وفقدان الدعم كان يمكن أن يجعل بعض المستفيدين أكثر تحفظا تجاه العمل المصرح به، وهو ما حاول القانون الجديد تجاوزه عبر توفير مرحلة انتقالية تجعل الانتقال إلى الوظيفة أكثر سلاسة.

    ولهذا ربطت الحكومة القانون، منذ المصادقة على مشروعه في مجلس الحكومة في 21 ماي 2026، بتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمستفيدين، وبإقامة تكامل وظيفي بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وتبرز هنا دلالة تتجاوز المستفيد المباشر، لأن الانتقال إلى العمل المصرح به يعني أيضا دخول الأجير إلى منظومة الضمان الاجتماعي والاستفادة من الحقوق المرتبطة بها، بما يجعل الانتقال من الدعم إلى الشغل انتقالا نحو شكل آخر من أشكال الحماية الاجتماعية المرتبطة بالنشاط المهني.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن هذه النقطة تمثل أحد الأبعاد الاقتصادية المهمة للإجراء، موضحا أن “المنحة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها استمرارا للدعم لمدة إضافية، بل باعتبارها أيضا آلية يمكن أن تشجع على الانتقال إلى العمل المصرح به، لأن تقليص كلفة الانتقال بالنسبة للأسرة يزيل أحد العوامل التي قد تجعلها مترددة في دخول سوق الشغل المهيكل”.

    ويضيف الخبير الاقتصادي أن “توسيع العمل المهيكل له أثر يتجاوز الدخل الذي يحصل عليه المستفيد، لأنه يعني أيضا توسيع التغطية المرتبطة بالضمان الاجتماعي وتعزيز التصريح بالأجراء، وفي المقابل يسمح للأسرة بأن تنتقل تدريجيا من الاعتماد على التحويلات الاجتماعية إلى دخل ناتج عن النشاط الاقتصادي”.

    فقدان العمل لا يغلق باب الدعم

    وتكتمل هذه المقاربة بمقتضى آخر يعالج الاتجاه المعاكس، أي ما يحدث إذا لم تستمر تجربة العمل بعد خروج الأسرة من نظام الدعم.

    فبداية العمل لا تضمن دائما استمرار الوظيفة، خصوصا في المراحل الأولى من المسار المهني، ولذلك جاءت التعديلات لتتيح للأسرة العودة إلى الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر عند فقدان رب الأسرة أو أحد الزوجين للعمل، دون التقيد بالمدة التي كانت تفرضها القواعد السابقة، مع ضرورة استيفاء باقي شروط الاستفادة.

    ويعني ذلك أن النظام الجديد لا يواكب الأسرة فقط عند خروجها من الدعم، وإنما يحتفظ لها بإمكانية العودة إلى شبكة الحماية إذا تعثر انتقالها إلى النشاط المهني.

    وهكذا تتحرك الآلية في اتجاهين، تمنح فترة أمان عند الانتقال إلى الشغل، وتبقي باب الحماية الاجتماعية مفتوحا عندما لا يستمر مصدر الدخل الجديد.

    وتعطي هذه المرونة معنى أوسع للمقتضيات الجديدة، لأنها تتعامل مع الاندماج الاقتصادي باعتباره مسارا قد يحتاج إلى وقت حتى يستقر، بدل اعتباره تحولا نهائيا يتحقق بمجرد أول تصريح لدى نظام الضمان الاجتماعي.

    سنة للانتقال.. والرهان على الاستقرار بعدها

    توفر الأشهر الاثنا عشر للأسرة وقتا إضافيا لبناء استقرارها المهني، لكن نجاح الآلية في تحقيق غايتها سيظهر أساسا فيما يحدث بعد انتهاء هذه الفترة.

    فإذا استطاع المستفيد الاستمرار في وظيفته وتحسين دخله، تكون المنحة قد قامت بدورها باعتبارها جسرا ساعد الأسرة على الانتقال تدريجيا من الدعم إلى مورد ناتج عن العمل، دون صدمة مفاجئة في دخلها.

    وهنا يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي أن “السنة الانتقالية توفر هامشا مهما للأسرة حتى تدخل سوق الشغل في ظروف أكثر أمانا، لكنها تظل جزءا من منظومة أوسع، لأن الاستقرار بعد انتهائها سيبقى مرتبطا بمستوى الأجر واستمرارية الوظيفة وجودة فرصة العمل التي حصل عليها المستفيد”.

    وبالنسبة إلى سامي، فإن المؤشر الأهم لقياس أثر الآلية لن يكون فقط عدد الأسر التي حصلت على المنحة، بل أيضا “عدد الأسر التي استطاعت خلال هذه الفترة تثبيت موقعها داخل سوق الشغل والانتقال إلى دخل مهني مستقر يسمح لها تدريجيا بالاستغناء عن الدعم”.

    ومن هذه الزاوية، تصبح السنة الانتقالية نقطة التقاء بين الحماية الاجتماعية وسياسة التشغيل، فالأولى توفر للأسرة الأمان عندما تحتاج إليه، والثانية يفترض أن تمنحها فرصة بناء دخل يجعل حاجتها إلى الإعانة تتراجع مع مرور الوقت.

  • سبتة بعد موجة العبور.. تحذيرات من تحول الانتظار إلى أزمة إنسانية

    سبتة بعد موجة العبور.. تحذيرات من تحول الانتظار إلى أزمة إنسانية

    دخلت تداعيات موجة العبور نحو سبتة مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما انتقل مركز الضغط من الحدود إلى داخل المدينة، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على استيعاب أعداد الأشخاص الموجودين فوق ترابها بل بات مرتبطا بتحديد مصيرهم القانوني، ومعالجة طلبات الحماية الدولية، وتأمين الرعاية الصحية والنفسية، خصوصا للقاصرين والفئات الأكثر هشاشة.

    وكل يوم إضافي يقضيه هؤلاء في مراكز مؤقتة أو في ظروف استقبال غير مستقرة، من دون جواب واضح بشأن ما سيحدث لاحقا، يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة، فبين مطالب اللجوء وضغط مرافق الاستقبال والحاجة إلى تعزيز الخدمات الصحية، والمخاوف التي يعبر عنها جزء من السكان المحليين، تجد السلطات الإسبانية نفسها أمام اختبار يتجاوز تدبير ظرف إنساني طارئ إلى إدارة ملفات قانونية واجتماعية وأمنية متشابكة.

    هذا التحول رصده المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز “CCLD”، بمبادرة من معهد “بروميثيوس” للديمقراطية وحقوق الإنسان، في أحدث “نقطة يقظة” خصصها للوضع في سبتة خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 17 غشت الجاري.

    ودعا المجلس إلى تسريع دراسة طلبات اللجوء وتعزيز قدرات الاستقبال والرعاية الصحية والنفسية، مع منح حماية القاصرين والأشخاص الأكثر هشاشة أولوية خاصة، محذرا من أن طول مدة الانتظار وعدم وضوح الوضع القانوني والمستقبل يتحولان، في حد ذاتهما، إلى عامل إضافي للهشاشة.

    1500 مكان إضافي.. لكن الضغط يتجاوز الإيواء

    في محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت الحكومة الإسبانية في 17 غشت ترتيبات إنسانية مؤقتة تقضي بتوفير 1500 مكان إضافي موزعة على عدد من المواقع في سبتة.

    المجلس اعتبر الإعلان خطوة إيجابية، لكنه وضعها في سياق أوسع هي زيادة عدد الأسرة أو أماكن الإيواء يمكن أن تعالج جزءا من الضغط المادي، لكنها لا تحسم السؤال الأصعب المتعلق بالمصير القانوني للأشخاص الموجودين في المدينة.

    ولهذا شدد على ضرورة دخول القدرات الجديدة حيز التشغيل في أسرع وقت، وأن تراعي اختلاف أوضاع المستفيدين وحاجاتهم، بدل التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة.

    فداخل المشهد نفسه توجد حالات مختلفة من حيث السن والوضع العائلي والحالة الصحية ومستوى الهشاشة، كما توجد حالات تعلن رغبتها في طلب الحماية الدولية، ما يجعل الانتقال من التدبير الجماعي للأزمة إلى دراسة المسارات الفردية أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

    نريد اللجوء” الملف ينتقل إلى القانون

    ظهر هذا التحول بشكل واضح يوم 16 غشت في شاطئ ترامبولين، حيث شهد المكان وقفة سلمية عبّر خلالها عدد من الأشخاص عن رغبتهم في طلب الحماية الدولية، ورفع بعض المشاركين لافتات كُتبت عليها عبارة “نريد اللجوء” وفق ما أورده المجلس ونقلته وسائل إعلام إسبانية.

    هذه المطالب، نقلت جزءا من الملف من النقاش حول كيفية وصول الأشخاص إلى سبتة إلى سؤال مختلف يتعلق بما إذا كانت تتوافر في حالاتهم شروط الحصول على الحماية الدولية.

    وشدد المجلس في هذا السياق على أن الدخول غير النظامي إلى التراب لا ينبغي أن يؤدي بمفرده، إلى إسقاط حق الشخص في طلب الحماية وأن كل طلب يتم التعبير عنه يفترض تسجيله ودراسته بصورة فردية، قبل اتخاذ قرار معلل بشأنه.

    وأورد المصدر نفسه مواقف منسوبة إلى الجمعية المهنية للقضاء والمنتدى القضائي المستقل تؤكد بدورها ضرورة التعامل مع طلبات الحماية الدولية حالة بحالة، وفق الضمانات القانونية المعمول بها.

    الانتظار يتحول إلى عامل ضغط نفسي

    خلف الأرقام والإجراءات القانونية، برز وجه آخر أقل ظهورا للأزمة يتعلق بالصحة النفسية للأشخاص الذين يعيشون منذ أيام في حالة انتظار مفتوحة.

    المجلس حذر من أثر اجتماع ثلاثة عوامل في وقت واحد هي هشاشة ظروف العيش، وعدم وضوح الوضع القانوني، وغياب تصور واضح للمستقبل.

    ونقل عن روجرفان روباتينو، الطبيب النفسي الشرعي والمتخصص في علم نفس الأطفال والمراهقين بسبتة، تسجيل مظاهر من القلق الحاد وفرط اليقظة والأرق والشعور بالهشاشة لدى بعض الفئات المتضررة.

    وتزداد حساسية هذا الجانب بالنسبة إلى القاصرين غير المصحوبين، الذين قد يكون بعضهم قد مر بتجارب شديدة التوتر قبل الوصول وأثناءه وبعده، فيما يستمر الغموض بشأن ما ينتظرهم.

    لذلك دعا المجلس إلى ألا يقتصر التكفل بهذه الحالات على توفير المأوى والغذاء، بل أن يشمل تقييما نفسيا واجتماعيا ودعما ملائما، خصوصا للقاصرين والأشخاص الذين تعرضوا للعنف.

    الصحة تحت الضغط.. وتحذير من تحويل المرض إلى وصمة

    الضغط لا يقف عند مرافق الاستقبال، ففي 17 غشت حذرت نقابة الممرضين “SATSE” في سبتة وفق ما أورده المجلس، من الحاجة إلى تعزيز القطاع الصحي بمهنيين إضافيين.

    وتكتسب هذه الدعوة أهمية في ظل الحاجة إلى التعامل مع احتياجات صحية متباينة، من الرعاية الأساسية إلى الحالات التي تحتاج متابعة أكثر تخصصا، في وقت يرى المجلس أن أي استجابة إنسانية ممتدة تحتاج إلى موارد بشرية قادرة على مواكبتها.

    لكن النقاش الصحي أخذ في المقابل منحى آخر أثار تحذيرات المجلس، مع تداول خطابات تربط وجود المهاجرين بانتشار الأمراض.

    وفرق المجلس بين احتمال ظهور مخاطر صحية بسبب الاكتظاظ أو نقص المياه والنظافة وصعوبة الولوج إلى الرعاية، وبين تحويل الأصل أو الوضع القانوني للأشخاص إلى تفسير للخطر الصحي.

    وفي هذا السياق، أشار إلى موقف وزيرة الصحة الإسبانية التي نددت بالرسائل التي تربط الهجرة بالمرض ووصفتها بأنها ذات طابع عنصري.

    وبالنسبة إلى المجلس، ينبغي أن تظل الاستجابة الصحية متمحورة حول شروط الإيواء والمياه والنظافة والوقاية والولوج إلى العلاج، بدل تحويل النقاش إلى وصم جماعي للمهاجرين أو الأجانب.

    القاصرون.. الحلقة الأكثر هشاشة

    يبقى وضع الأطفال والقاصرين من أكثر أجزاء الملف حساسية، سواء بالنسبة إلى الموجودين داخل سبتة أو أولئك الذين ظهرت صورهم خلال محاولات العبور.

    وأشار المجلس إلى تداول محتويات سمعية بصرية ومعلومات تتحدث عن مغادرة فتيات قاصرات لبعض مرافق الاستقبال المؤقتة، لكنه أكد أن هذه المعطيات لم تخضع للتحقق المستقل مطالبا بالتحقق منها والتحقيق في الظروف المحيطة بها.

    وهذه نقطة يظل التعامل معها بحذر ضروريا، إذ لا يمكن الجزم بمصير هؤلاء القاصرات أو ظروف مغادرتهن استنادا إلى محتويات متداولة وحدها.

    وفي الجانب المغربي، دعا المجلس السلطات إلى تحديد وتأمين أطفال صغار قال إن صورهم ظهرت خلال محاولة عبور يوم 15 غشت، والتحقق من ظروف وجودهم والأشخاص المسؤولين عن مرافقتهم.

    كما نبه إلى خطورة إعادة تداول صور الأطفال على شبكات التواصل الاجتماعي، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن كشف هوياتهم أو مضاعفة هشاشتهم.

    السكان المحليون يدخلون المعادلة

    ومع استمرار وجود أعداد من الأشخاص في سبتة، بدأ الملف يلامس بصورة أكبر الحياة اليومية داخل المدينة.

    وأقر المجلس بوجود مخاوف لدى بعض السكان مرتبطة بالهدوء والحركة والأمن والضغط على الخدمات العمومية، لكنه حذر من الانتقال من التعبير عن هذه المخاوف إلى تعميمها على جميع الأشخاص الموجودين في المدينة بسبب أصلهم أو وضعهم القانوني.

    واقترح المجلس في هذا الصدد، توسيع أدوات التدبير لتشمل الوساطة والحضور الاجتماعي والصحي وتوفير أماكن استقبال مناسبة، إلى جانب حضور متناسب للمصالح العمومية، بدل اختزال التعامل مع الوضع في المقاربة الأمنية وحدها.

    من أزمة هجرة إلى “حرب هجينة”؟

    وسط هذا الوضع، حذر المجلس من مستوى آخر من التصعيد يتعلق باللغة المستعملة في توصيف ما يجري، خصوصا الخطابات التي تقدم الأحداث باعتبارها مواجهة جيوسياسية أو “حربا هجينة”

    وطالب باعتماد خطاب يستند إلى الوقائع، وتجنب المصطلحات التي قد تدفع النقاش نحو مزيد من التوتر أو تبرر التعامل مع جميع الأشخاص الموجودين في سبتة من زاوية أمنية واحدة.

    كما دعا المسؤولين السياسيين ووسائل الإعلام والفاعلين المؤسساتيين إلى تجنب التعميم وخطابات الكراهية، وعدم تحويل الأزمة إلى مناسبة لربط الهجرة بصورة منهجية بالجريمة أو المرض أو انعدام الأمن أو التهديد.

    ويمتد هذا التحذير وفق المجلس، إلى تجنب الوصم الجماعي للمغاربة وللأشخاص المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الموجودين في سبتة..

    لا يمكن إدارة الأزمة بمنطق الانتظار

    لكن أكثر ما يضغط على الوضع الحالي وفق قراءة المجلس، هو غياب أفق واضح بالنسبة إلى الأشخاص الذين ما زالوا في سبتة، وحذر من إدارة الملف بمنطق الانتظار، على أساس أن الزمن قد يدفع الأشخاص إلى المغادرة من تلقاء أنفسهم أو التخلي عن المطالبة بحقوقهم.

    وطالب، بدلا من ذلك، بتوجيه واضح وفردي لكل حالة، بناء على وضعها القانوني واحتياجاتها إلى الحماية ومستوى هشاشتها.

    كما خلص المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز إلى أن مدة البقاء نفسها أصبحت عاملا من عوامل الهشاشة وأن توسيع قدرات الاستقبال رغم أهميته، لن يكون كافيا من دون وضوح في ملفات الحماية الدولية والإيواء والوضع القانوني والمستقبل.

  • ما بعد السدود والميغاواطات.. هل يملك المغرب مفاتيح الأمن المائي والطاقي؟

    ما بعد السدود والميغاواطات.. هل يملك المغرب مفاتيح الأمن المائي والطاقي؟

    في التعريف الجديد لاقتصاد السيادة كما تُعيد كتابته العواصم الكبرى اليوم، لم يعد امتلاك الماء والطاقة شرطا لتأمين الاستهلاك الداخلي وحسب، بل صار محدِّدا مباشرا لقدرة الدولة على استقطاب الاستثمار وحماية صناعتها وتموقعها داخل سلاسل القيمة العالمية.

    فالدول التي تتوفّر على كهرباء نظيفة ومستقرّة، وعلى موارد مائية قابلة للتعبئة وإعادة التوزيع، هي التي تُفرض عليها الرسوم الكربونية بأقلّ كلفة، والتي تُوقَّع فيها عقود الشراء الطويلة الأمد، والتي تُوطَّن فيها الصناعات الاستراتيجية من السيارات الكهربائية إلى الهيدروجين الأخضر.

    المغرب دخل هذا السباق مبكرا، منذ إطلاق الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009، وراكم منذئذ مشاريع بنيوية جعلت المملكة تحتلّ اليوم موقعا متقدّما في الترتيب الإقليمي، بشهادة أغلب المؤسسات الدولية غير أن قراءة متأنية للأرقام، وللتحوّلات التنظيمية التي عرفتها الأشهر الأخيرة، تكشف أن مرحلة جديدة من السباق قد انطلقت، هي مرحلة لم يعد فيها السؤال “كم من الميغاواطات؟” ولا “كم من السدود؟” بل هل تملك المملكة اليوم شبكة وسوقا وحكامة، قادرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى ميزة تنافسية دائمة تعبر القطاعات والجهات معا؟

    أرقام تعكس مسارا وأخرى تكشف الحلقة المتبقّية

    بحلول متمّ 2025، بلغت القدرة الكهربائية المركّبة على الصعيد الوطني نحو 12 جيغاواط، منها ما يفوق 5.5 جيغاواط من مصادر متجدّدة، لترتفع حصة الطاقات النظيفة في المزيج المركّب إلى ما يفوق 46 في المئة، مقابل 37 في المئة سنة 2021، بحسب المعطيات المقدَّمة من طرف ليلى بنعلي وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، أمام مجلس المستشارين في ماي 2025، وهو ارتفاع قياسي بتسع نقاط في أربع سنوات فقط، جعل هدف 52 في المئة المرسوم أصلا لأفق 2030 قابلا للبلوغ ابتداء من 2026 كما أعلنت الحكومة رسميا.

    هذا التحسّن يقرأه المراقبون الدوليون بنبرة إيجابية عموما، وإن اختلفت الحسابات، فالوكالة الدولية للطاقات المتجدّدة “IRENA” تُقدِّر حصة المتجدّدات في القدرة الكهربائية الإجمالية بنحو 39.6 في المئة إلى حدود متمّ 2025، بفارق ستّ نقاط عن الرقم الرسمي، بسبب اختلاف منهجي في احتساب الطاقة الكهرومائية ومحطّات الضخّ والتخزين، وحتى بهذا الاحتساب الأدنى فإن القدرة المتجدّدة الوطنية تضاعفت خلال عشر سنوات، إذ انتقلت من 2.417 ميغاواط سنة 2016 إلى 4.851 ميغاواط متمّ 2025.

    المسألة الأكثر أهمّية من الأرقام الإجمالية تكمن في التمييز الدقيق بين القدرة المركّبة والإنتاج الفعلي، فحين تُمثّل الطاقات المتجدّدة نحو 46 في المئة من القدرة الوطنية، فإن مساهمتها الفعلية في الكهرباء المُنتَجة تظلّ في حدود 26 في المئة سنة 2025، ويُنتظر أن ترتفع إلى 34 في المئة في أفق 2030.

    هذه الفجوة ليست خللا في التخطيط، بل هي الطبيعة التقنية لمصادر الطاقة المتقطّعة فالشمس تغيب ليلا والريح متغيّرة، بينما الطلب على الكهرباء مستمرّ 24 ساعة في اليوم، وبالتالي فإن السؤال الاستراتيجي في المرحلة المقبلة لم يعد سؤال إضافة قدرات جديدة، بل سؤال قدرة الشبكة على استيعاب هذه القدرات وتحويلها إلى كهرباء متاحة في الوقت المناسب.

    التخزين والنقل ورشا المرحلة الثانية

    الحكومة الحالية ومعها الفاعلون في القطاع، انتبهوا مبكرا إلى هذا التحوّل، فالوكالة المغربية للطاقة المستدامة “MASEN” صادقت في دجنبر 2025 على برنامج يتضمّن 1.7 جيغاواط من مشاريع الطاقات المتجدّدة، ستنطلق تدريجيا في 2026، ضمن أفق إضافة نحو 5 جيغاواط إلى القدرة الوطنية بحلول 2030.

    في الموازاة، رصد المخطّط الوطني لتجهيز المنظومة الكهربائية 2023-2027 استثمارات تناهز 85.6 مليار درهم، منها 73.2 مليار موجّهة للطاقات المتجدّدة وحدها .

    والمخطّط يتضمّن مكوّنَين جوهريَّين يحملان مفتاح المرحلة الثانية، الأول هو التخزين حيث ترتقب المنظومة الوطنية إطلاق محطّة للضخّ والتخزين المائي بقدرة 350 ميغاواط في أفق 2029، إلى جانب نشر بطاريات صناعية بقدرة تصل إلى 1.500 ميغاواط خلال الفترة 2025-2026، أما البطاريات بحسب الفاعلين في القطاع، هي التي ستُعطي للطاقات المتجدّدة قيمتها الاقتصادية الكاملة، لأنها تسمح بتحويل الفائض النهاري إلى استهلاك مسائي، وبضبط تقلّبات الشبكة.

    المكوِّن الثاني، هو الطريق السيار الكهربائي الداخلة-الدار البيضاء، بقدرة 3 جيغاواط ممتدة على مرحلتين، وطول يقارب 1.400 كيلومتر فالمشروع أُسند بعد سلسلة من إعلانات إبداء الاهتمام إلى تحالف “TAQA -Nareva”، فيما سيتولّى المكتب الوطني للكهرباء تمويله عبر شراء الإنتاج بموجب اتفاقيات طويلة الأمد، والمرحلة الأولى بقدرة 1.5 جيغاواط مبرمجة لتشغيلها في أفق 2028، والثانية بعدها بأربع سنوات.

    هذا المشروع يمثّل في حدّ ذاته منعطفا في تصوّر البنية التحتية الطاقية للمملكة، لأنه ينقل الأقاليم الجنوبية من موقع الخزّان الطاقي المعزول إلى موقع المصدِر الرئيسي للكهرباء النظيفة للمحاور الاقتصادية بالوسط والشمال، وطول الأشغال، ومدى تعقيدها التقني وحجم الاستثمار المرصود، تجعل من هذا الورش المؤشّر العملي الأدقّ على ما إذا كان المغرب سيكسب رهان “شبكة موحّدة” على المدى المتوسّط.

    المرسوم الذي غيّر قواعد اللعبة في 2026

    من دون شكّ، أهمّ تحوّل تنظيمي عرفه القطاع الكهربائي في السنوات الأخيرة هو دخول مرسوم رقم 2.25.100 حيّز التنفيذ في 9 يونيو 2026، فهذا النصّ التطبيقي للقانون 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي، الذي صدر سنة 2023، ظلّ لمدّة ثلاث سنوات موضوع مفاوضات معقّدة بين الحكومة والهيئة الوطنية لضبط الكهرباء “ANRE”، والفاعلين الاقتصاديين، بشأن الشروط التي تحفظ توازن الشبكة الوطنية دون تعطيل الاستثمار الخاص.

    والنتيجة النهائية جاءت متوازنة بشكل لافت، المرسوم فتح للمقاولات وللأسر إمكانية تركيب منشآت شمسية للاستهلاك الذاتي، وحقن ما لا يتجاوز 20 في المئة من إنتاجها السنوي في الشبكة، مقابل تعريفة حدّدتها الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء في 0.21 درهم/كيلوواط ساعة في ساعات الذروة و0.18 درهم خارجها، ما يُشجّع الاستثمار في الاستهلاك الذاتي ويحفظ في الآن ذاته استقرار الشبكة، عبر تحديد سقف حقن يُجنِّبها الاختلالات التي عرفتها شبكات دول أخرى منها إسبانيا وألمانيا بعد الفتح غير المؤطَّر.

    والأثر الاقتصادي المحتمل مهمّ، فالمنصّات المتخصّصة كـ “PV Magazine” تقدّر السوق المحتملة للشمسي الصناعي في المغرب بـ28.6 جيغاواط مع أفق استثماري قد يبلغ 31 مليار دولار و”Morocco Konnect” فتح هذه السوق أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة والأسر يفتح إمكانية لتوسيع قاعدة المنتجين، وتقليص الفاتورة الطاقية للنسيج الصناعي، وزيادة قدرة الاقتصاد على استيعاب الصدمات المرتبطة بأسعار المحروقات.

    في المقابل، تظل ملفّات فرعية تنتظر جولة تنظيمية ثانية أبرزها تعميق الفصل بين أنشطة إنتاج الكهرباء ونقلها، وتوسيع صلاحيات الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء التي بدأت فعلا، فمنذ 2024 تُحدِّد تعريفات ولوج الشبكة الوطنية (6.39 سنتيم/كيلوواط ساعة للنقل و6.35 سنتيم لخدمات المنظومة، وهذه التعريفات هي بنية تحتية غير مرئية للسوق الجديد لأنها هي التي ستحدّد في نهاية المطاف، ما إذا كان المنتج المستقل يستطيع فعلا بلوغ زبونه بأسعار تنافسية.

    من أزمة الجفاف إلى إعادة التفكير في السياسة المائية

    في الجهة المائية، دخل المغرب مرحلة جديدة تختلف عن سنوات الجفاف الثمانية التي امتدّت بين 2018 و2025، والتي عرف خلالها البلد عجزا سنويا تراوح بين 54 و85 في المئة.

    التساقطات الاستثنائية للموسم الفلاحي 2025-2026 كسرت هذه الموجة موقّتا، وأدت إلى قفزة لافتة في مخزون السدود، إذ انتقلت نسبة الملء الوطنية من 27.7 في المئة يوم 27 يناير 2025 إلى 53.9 في المئة في التاريخ نفسه من 2026 قبل أن تبلغ ذروتها في 75.86 في المئة يوم 23 أبريل 2026، وأن تستقرّ عند 69.8 في المئة يوم 3 غشت 2026، بحجم مائي يقارب 12 مليار متر مكعّب.

    هذه المؤشّرات، وإن كانت مبعث ارتياح على المدى القصير لا تلغي معطى بنيويا وهو نصيب الفرد من المياه المتجدّدة الذي استقرّ في حدود 600 متر مكعّب سنويا، وهو مستوى أدنى بكثير من عتبة الشُّح المائي المحدّدة في 1.000 متر مكعّب وفق تصنيفات الأمم المتحدة مقابل 2.560 مترا مكعّبا سنة 1960، أي أن التحسّن السنوي في مخزون السدود لا يُغيّر من طبيعة الخصاص المائي البنيوي على المدى البعيد، والذي تتحكّم فيه معطيات مناخية وديموغرافية وليس تعبئة السدود وحدها.

    الأخطر، أن المتوسّط الوطني يُخفي تفاوتا مجاليا حادّا، ففي دجنبر 2025، كان حوض بورقراق يسجّل نسبة ملء تبلغ 82.2 في المئة، وحوض اللوكوس 53.9 في المئة، في مقابل 11.5 في المئة فقط بحوض أم الربيع، و19.9 في المئة بحوض سوس ماسة، و28.5 في المئة بحوض درعة واد نون، وهذه المفارقة تكشف أن سدّا على وادي أبي رقراق قد يكون قريبا من الفيضان، بينما لا يبعد عنه سوى بضع مئات من الكيلومترات سدّ يحتضر.

    التضامن المائي” بديلا عن التعبئة المحلية

    يُقرأ المنعطف الذي دخله المغرب في سياسته المائية، بانتقاله من نموذج التعبئة داخل كل حوض إلى نموذج إعادة التوزيع بين الأحواض والجهات، فالمشروع الأكثر رمزية لهذا التحوّل هو الربط بين حوضَي سبو-أبي رقراق، الذي دخل الخدمة صيف 2023 بكلفة تفوق 6 مليارات درهم، ويمتدّ على 67 كيلومترا من القنوات الفولاذية بقطر 3.200 ملم، بتدفّق يبلغ 15 مترا مكعّبا في الثانية.

    هذه المنشأة، التي أنقذت خلال أشهر التزويد بالماء الشروب لمنطقة الدار البيضاء الكبرى ومحيط الرباط، وحوّلت أكثر من 953 مليون متر مكعّب بين غشت 2023 ودجنبر 2025، أصبحت الآن النموذج المعياري لتوسيع الشبكة الوطنية للربط المائي، مرحلة ثانية نحو حوض أم الربيع، ومرحلة ثالثة نحو أحواض اللوكوس واللاو وسبو، فيما المنطق الاقتصادي واضح هو تحويل السدود من نقاط طرفية للتخزين إلى عُقد داخل شبكة وطنية للتضامن المائي.

    في مسار متوازٍ، تتطوّر منظومة تحلية مياه البحر بسرعة لافتة، فالمغرب يُشغِّل حاليا 17 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تراوح بين 320 و350 مليون متر مكعّب سنويا، مقابل 40 مليون متر مكعّب فقط سنة 2021.

    أربع محطّات إضافية في طور الإنجاز ستضيف نحو 540 مليون متر مكعّب، أبرزها محطة الدار البيضاء، الأكبر إفريقيا بطاقة 300 مليون متر مكعّب سنويا، أُنجز منها 81 في المئة إلى غاية يوليوز 2026، ومن المرتقب أن تُشغَّل مرحلتها الأولى (200 مليون م³) في فاتح فبراير 2027.

    الطموح الرسمي هو بلوغ 1.7 مليار متر مكعّب سنويا من التحلية في أفق 2030، بما يُعادل تغطية 60 في المئة من الحاجيات المائية، وقد رُصد لهذا الورش ضمن مخطّط الاستثمار المائي 2026-2030، غلاف مالي إجمالي يبلغ 248 مليار درهم.

    الطاقة تُشغِّل الماء

    هنا يبرز التقاطع الاستراتيجي الأكثر أهمّية بين الملفَّين، عملية التحلية شديدة الاستهلاك للكهرباء، وأي توسيع لطاقتها الإنتاجية يفترض قدرة كهربائية إضافية مستقرّة، لهذا اتُّخذ التزام رسمي بأن تُوصَل جميع محطات التحلية الجديدة كليا بالطاقات المتجدّدة، بما يُعادل خلقا لمنظومة “ماء أخضر”.

    هذا الالتزام يعطي الطريق السيار الكهربائي الداخلة-الدار البيضاء بُعده الاستراتيجي الحقيقي فبدون هذا الخطّ الجديد لا يمكن نقل الطاقة الشمسية والريحية للأقاليم الجنوبية إلى محطات التحلية المُبرمجة على السواحل الأطلسية، أي أن الملفَّين ينتميان في الواقع إلى معادلة واحدة، لا إلى استراتيجيتَين منفصلتَين فتسريع أحدهما يقتضي تسريع الآخر، وأي بطء في إحدى الحلقتَين ينعكس مباشرة على الأخرى.

    اتفاقية 14 مليار دولار المُوقَّعة مع الإمارات في ماي 2025 تدخل ضمن هذا المنطق نفسه، بحيث تربط بين إنجاز 900 مليون متر مكعّب سنويا من التحلية من طرف تحالف إماراتي-مغربي، وبناء الطريق السيار الكهربائي بقدرة 3.000 ميغاواط كشرط لتشغيلها، وهي بذلك تُدشّن ما يمكن تسميته صفقات الجيل الثاني في مجال البنية التحتية، صفقات تُبنى على معادلة “طاقة نظيفة تُنتج ماء”، بدل معادلة تقليدية تفصل بين الملفَّين.

    في هذا الإطار، يرى محمد بادو، الخبير في اقتصاديات الطاقة والماء وسياسات الاستدامة، أن التحول الأهم الذي يجري اليوم لا يتعلق فقط بقدرة المغرب على إنتاج مزيد من الكهرباء أو تعبئة مزيد من المياه بل بتغيير جغرافية الاقتصاد نفسه.

    بادو، وفي حديثه لـ “AM+MEDIA “، أشار إلى أنه تاريخيا كان النشاط الصناعي والفلاحي يتجه نحو المناطق التي تتوفر فيها الموارد، أما مع التحلية والطاقة المتجددة وشبكات النقل والربط، فالدولة تحاول للمرة الأولى أن تنقل المورد إلى حيث تريد أن تنشئ النشاط الاقتصادي.

    واعتبر الخبير أن هذا تحول عميق لأن الماء والطاقة ينتقلان من كونهما مجرد خدمتين عموميتين إلى عنصرين في القرار الاستثماري وفي توزيع النشاط الاقتصادي بين الجهات، مصنع أو مشروع فلاحي كبير لن يسأل مستقبلا فقط عن العقار واليد العاملة والقرب من الموانئ، بل عن ضمان الماء لعشرين سنة، وعن مصدر الكهرباء وكلفتها واستقرارها وبصمتها الكربونية.

    لكن هنا يوجد أيضا الاختبار الحقيقي، وفق الخبير الذي استحضر بناء محطة أو إضافة قدرة إنتاجية يمكن إنجازه في سنوات، بينما بناء منظومة مترابطة وفعالة يحتاج إلى تنسيق دائم بين الاستثمار والتخطيط الترابي والتسعير والتنظيم، لذلك، فإن “نجاح المغرب لن يُقاس فقط بحجم البنية التحتية التي أنجزها، بل بقدرته على تحويل الأمن المائي والطاقي إلى يقين اقتصادي يسمح للمستثمر بأن يعرف أن الماء والكهرباء لن يتحولا بعد عشر سنوات إلى قيد على مشروعه”وفق تعبيره.

    وفي أفق سنوات 2027-2030، سيكون المغرب أمام لحظة اختبار مزدوجة، من جهة، ستكون محطّة الدار البيضاء للتحلية قد دخلت الخدمة، والمرحلة الأولى من الطريق السيار الكهربائي قد اقتربت من الاكتمال وستُصبح الطاقات المتجدّدة 56 في المائة من المزيج الكهربائي، كما أنه ومن جهة أخرى، سيكون المرسوم التطبيقي للقانون 82.21 قد أنتج آثاره الأولى في السوق، وستتّضح ملامح فاعل جديد اسمه المُنتج-المستهلك سواء كان مقاولة صناعية أو تعاونية فلاحية أو أسرة في مدينة كبرى.

  • الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    دخل المغرب قائمة أفضل 50 دولة عالميا في الأمن السيبراني، بعدما وضعه أحدث تصنيف للمؤشر الوطني للأمن السيبراني “NCSI” في المرتبة 43 من أصل 155 دولة، بنتيجة تعكس مستوى الجاهزية الذي راكمته المملكة في حماية فضائها الرقمي، بالتوازي مع توسع الخدمات الإلكترونية وتسارع أوراش الرقمنة.

    ويمنح هذا الترتيب صورة عن مسار امتد لسنوات لبناء منظومة قانونية ومؤسساتية وتقنية للأمن السيبراني، مكنت المغرب من تحقيق 79.17 نقطة من أصل 100، والتقدم على دول من بينها النرويج وسويسرا والبرازيل والصين، وفق المؤشر الذي تطوره أكاديمية الحوكمة الإلكترونية في إستونيا.

    ويقرأ التصنيف هذا التقدم من زاوية أوسع من مجرد مواجهة الهجمات، إذ لا يقيس عدد الاختراقات التي تتعرض لها كل دولة، ولا تعني النقطة المحققة نسبة حماية أنظمتها، وإنما يرصد مدى استعدادها للوقاية من التهديدات وقدرتها على الاستجابة للحوادث والتعامل مع آثارها.

    ويعتمد المؤشر في ذلك على 49 مؤشرا موزعة على 12 قدرة ضمن ثلاث فئات كبرى، تشمل التشريعات والمؤسسات المتخصصة وآليات التعاون والسياسات والبرامج والقدرات المرتبطة بالوقاية والاستجابة.

    ويطرح تقدم المغرب داخل هذا التصنيف سؤالا يتجاوز المرتبة 43 نفسها إلى كيفية بناء المملكة مستوى الجاهزية الذي أوصلها إلى هذا الموقع، وهل تستطيع منظومة الحماية مواكبة السرعة التي تتوسع بها رقمنة الدولة والاقتصاد؟

    من حماية الأنظمة إلى حماية التحول الرقمي

    يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع دخول المملكة مرحلة جديدة من التحول الرقمي، تقودها استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تراهن على توسيع رقمنة الخدمات العمومية وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنيات التحتية والمهارات.

    ومع هذا التوسع، لم تعد معادلة الرقمنة مرتبطة فقط بعدد الخدمات التي يمكن نقلها إلى الإنترنت أو حجم الاستثمارات الرقمية، بل أيضا بقدرة الدولة على حماية الأنظمة والمعطيات التي تقوم عليها هذه الخدمات.

    وهنا تتقاطع، من موقعين مختلفين، أدوار وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة ومنظومة الأمن السيبراني، التي تشكل المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني أحد أبرز مكوناتها، إذ إن الوزارة تقود أوراش التحول وتوسيع الخدمات الرقمية، بينما تتولى المؤسسات المختصة بالأمن السيبراني تأمين جزء أساسي من البيئة التي يقوم عليها هذا التحول.

    رقمنة أسرع ترفع الحاجة إلى الحماية

    وأصبح هذا الترابط أكثر حضورا مع تقدم المشاريع الرقمية الجديدة، وأكدت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، خلال تقديم مقياس الأمن السيبراني بالمغرب لسنة 2026، أن الأمن السيبراني يشكل ركيزة للسيادة الرقمية والثقة في التحول الرقمي، في وقت تتقدم فيه أوراش البنيات التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والجيل الخامس وتأهيل الكفاءات.

    ويظهر التوجه نفسه في رقمنة الخدمات العمومية، حيث أصبح إدماج متطلبات حماية المعطيات والأمن المعلوماتي منذ مرحلة تصميم بعض الخدمات جزءا من بنائها، بدل انتظار إطلاقها قبل التفكير في كيفية حمايتها.

    لكن هذه الحلقة التي تربط الرقمنة بالحماية لم تبدأ مع المشاريع الحالية، إذ سبقتها على مدى أكثر من عقد خطوات متتالية لبناء الإطار الذي يستند إليه الأمن السيبراني اليوم.

    إدارة الدفاع الوطني.. منظومة بُنيت على مراحل

    بدأ هذا المسار تدريجيا منذ سنة 2011، قبل اعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني سنة 2012، ثم إصدار التوجيهات الوطنية لأمن نظم المعلومات سنة 2014، بهدف رفع وتوحيد مستوى حماية الأنظمة المعلوماتية للإدارات والهيئات العمومية والبنيات ذات الأهمية الحيوية.

    وفي سنة 2020، انتقل البناء إلى مستوى قانوني أكثر وضوحا مع صدور القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي وضع قواعد تستهدف تعزيز أمن وصمود نظم معلومات إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب البنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية التي تتوفر على نظم معلومات حساسة.

    ولا يقتصر هذا الإطار على محاولة منع الاختراق، إذ يمتد إلى ما يحدث بعد وقوعه، من ضمان صمود الأنظمة واستمرارية الأنشطة إلى الإبلاغ عن الحوادث والتدقيق والتنسيق عند مواجهة أحداث سيبرانية كبرى.

    وفي قلب هذه المنظومة توجد المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التي تشمل اختصاصاتها الاستراتيجية والتقنين واليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية من خلال مركز “maCERT”، إلى جانب المساعدة والتكوين والمراقبة والخبرة ونظم المعلومات المؤمنة.

    وتعطي هذه البنية جزءا من تفسير النتيجة التي حققها المغرب في التصنيف، بالنظر إلى أن المؤشر نفسه يمنح وزنا لوجود المؤسسات المتخصصة والتشريعات والقدرة على الاستجابة للتهديدات.

    ويرى الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة عالميا يعكس العمل الذي تم خلال السنوات الأخيرة لتطوير المنظومة الوطنية، سواء على المستوى المؤسساتي والتشريعي أو من حيث تعزيز قدرات الرصد والاستجابة للهجمات.

    وأوضح الهزاز أن “المغرب أصبح يتوفر اليوم على مؤسسات متخصصة وإطار قانوني ينظم الأمن السيبراني، إلى جانب استراتيجية وطنية واضحة، وهذا مهم لأننا لم نعد نتحدث عن حماية موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي بشكل منفصل، وإنما عن حماية منظومة رقمية تتوسع باستمرار وتشمل الإدارات والمؤسسات والبنيات التحتية والخدمات التي يستخدمها المواطنون”.

    وأضاف أن المرتبة المحققة “إيجابية، ويمكن اعتبارها مؤشرا على مستوى الجاهزية الذي وصل إليه المغرب، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف المسؤولية للحفاظ على هذا التقدم وتطويره”.

    استراتيجية 2030.. حماية ما يتوسع رقميا

    هذا الانتقال من بناء المؤسسات والقواعد إلى التفكير في ما تحتاجه المرحلة المقبلة يظهر أيضا في الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030، التي تحدد أربعة محاور تشمل الحكامة والإطار المؤسساتي والقانوني، وأمن وصمود الفضاء السيبراني، وتطوير القدرات والتوعية، ثم التعاون الإقليمي والدولي.

    وتنطلق الاستراتيجية من واقع أن التحول الرقمي يوفر فرصا لتطوير الاقتصاد والخدمات، لكنه يوسع في المقابل حجم الأنظمة والمعطيات المرتبطة بالفضاء الرقمي، بما يجعل الثقة في هذا التحول مرتبطة بقدرة الدولة على ضمان أمنها واستمرار عملها.

    ولهذا لم يعد الرهان هو منع الهجوم فقط، وإنما اكتشافه في الوقت المناسب، وتقليص آثاره، واستعادة الأنظمة والخدمات بعد وقوعه، وهي المعادلة التي تضع “الصمود السيبراني” إلى جانب الوقاية والحماية.

    المرتبة 43.. الجاهزية لا تعني غياب الهجمات

    ورغم دلالة النتيجة، فإن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة لا يعني أن المملكة أصبحت بمنأى عن الهجمات الإلكترونية، فالجاهزية تقيس القدرة على الوقاية والاستجابة، بينما يمكن أن ترتفع في الوقت نفسه أعداد التهديدات ودرجة تعقيدها.

    وهذه النقطة يشدد عليها الهزاز، معتبرا أن “الجاهزية السيبرانية شيء وحجم التهديدات شيء آخر”، موضحا: “كلما تقدمت الرقمنة وتوسعت الخدمات الإلكترونية، ارتفعت معها محاولات الاختراق وأصبحت الهجمات أكثر تطورا وتنظيما، وبالتالي نحن أمام سباق مستمر بين تطوير الخدمات الرقمية وتطوير وسائل حمايتها”.

    ويضع الهزاز التحدي المقبل في “تعزيز الرصد الاستباقي، وتحيين أنظمة الحماية باستمرار، والاستثمار أكثر في الكفاءات المغربية المتخصصة، مع تقوية التنسيق وتبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين”.

    ويخلص إلى أن “الأمن السيبراني اليوم لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح مرتبطا بحماية المعطيات واستمرارية الخدمات والبنيات الحيوية، وبالتالي بحماية جزء أساسي من السيادة الرقمية للمملكة”.

  • البحث العلمي يصنع الفارق.. كيف تنافس الجامعات المغربية عالميا رغم الإكراهات؟

    البحث العلمي يصنع الفارق.. كيف تنافس الجامعات المغربية عالميا رغم الإكراهات؟

    تعزز الجامعات المغربية حضورها داخل التصنيفات الدولية، وهذه المرة من مراكش، حيث تصدرت جامعة القاضي عياض الترتيب الوطني في أحد تصنيفات سنة 2026، بالتوازي مع نتائج أخرى وضعتها ضمن الجامعات المغربية والإفريقية المتقدمة، في مسار يعكس حضورا راكمته الجامعة في البحث العلمي وعدد من التخصصات.

    ولا تقف دلالة هذه النتائج عند صدارة جامعة القاضي عياض وطنيا، إذ تكشف التصنيفات نفسها عن تقدم مؤسسات مغربية أخرى وفق المؤشرات التي يعتمدها كل ترتيب، من جامعة محمد الخامس بالرباط إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

    وتعطي هذه النتائج مؤشرات إيجابية على قدرة الجامعات المغربية على تعزيز حضورها خارج الحدود الوطنية، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤال المرحلة المقبلة، وما الذي يسمح لجامعة مغربية بالتقدم داخل التصنيفات الدولية، وما تحتاجه المنظومة حتى يتحول هذا الحضور إلى مواقع أكثر تقدما واستقرارا عالميا.

    الصدارة تتغير حسب المؤشرات

    في تصنيف “يوني رانك” لسنة 2026، جاءت جامعة القاضي عياض في المرتبة الأولى مغربيا، والـ21 إفريقيا والـ24 عربيا، لتضيف نتيجة جديدة إلى حضورها في عدد من التصنيفات الدولية.

    غير أن ترتيب الجامعات المغربية يتغير عند الانتقال من تصنيف إلى آخر، بالنظر إلى اختلاف المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات التي تصدر هذه الترتيبات.

    ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية لسنة 2026، الذي شمل أكثر من 21 ألف جامعة، جاءت جامعة محمد الخامس بالرباط في المرتبة الأولى وطنيا والـ1011 عالميا، فيما حلت القاضي عياض ثانية مغربيا والـ19 إفريقيا، باحتلالها المركز 1101 عالميا، لتوجد بذلك ضمن أفضل 5.2 في المئة من الجامعات التي شملها التصنيف.

    أما تصنيف “تايمز للتعليم العالي” لسنة 2026، فوضع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية في مقدمة الجامعات المغربية، ضمن الفئة الممتدة بين المركزين 351 و400 عالميا، بينما جاءت القاضي عياض ضمن فئة 1501 وما بعدها.

    ولا يعني اختلاف المواقع أن جامعة تتقدم في تصنيف وتتراجع في آخر بالمعنى المباشر، وإنما يعكس اختلاف ما يقيسه كل ترتيب، من البحث العلمي وجودته وتأثيره إلى بيئة التدريس والانفتاح الدولي والعلاقة مع الاقتصاد وتشغيل الخريجين.

    ويرى الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض بمراكش، والباحث في العلوم السياسية والسياسات العامة، أن قراءة هذه النتائج ينبغي أن تتجاوز المرتبة في حد ذاتها.

    ويقول استاتي زين الدين في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تقدم جامعة القاضي عياض في عدد من التصنيفات الدولية لا يمكن اختزاله في نتيجة ظرفية أو ترتيب صدر هذه السنة، بل ينبغي قراءته ضمن مسار راكمته الجامعة على مدى سنوات، سواء على مستوى البحث العلمي أو حضور باحثيها وتخصصاتها، فضلا عن انفتاحها على محيطها الوطني والدولي”.

    ويضيف أن اختلاف موقع الجامعة من تصنيف إلى آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار، “لأن هذه التصنيفات لا تقيس المؤشرات نفسها، ولا ينبغي بالتالي التعامل معها باعتبارها حكما نهائيا على جودة الجامعة”.

    البحث العلمي.. أين تصنع جامعة مراكش قوتها؟

    يظهر البحث العلمي باعتباره واحدا من مفاتيح تفسير حضور القاضي عياض في عدد من التصنيفات. ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية لسنة 2026، جاءت الجامعة في المرتبة 1056 عالميا على مستوى الأداء البحثي، أي في موقع أفضل من ترتيبها العام البالغ 1101، وهو ما يعطي مؤشرا على الوزن الذي يمثله البحث في حضورها الدولي.

    كما وسعت الجامعة حضورها على مستوى التخصصات، إذ ظهرت خلال 2026 في ثمانية مجالات ضمن تصنيف “تايمز للتعليم العالي”، تشمل الصحة والاقتصاد والتربية وعلوم الحاسوب والهندسة وعلوم الحياة والعلوم الفيزيائية والعلوم الاجتماعية.

    ولا يرتبط هذا الحضور بحجم الإنتاج العلمي وحده، إذ أصبحت المنافسة بين الجامعات تقاس كذلك بجودة الأبحاث، وعدد الاستشهادات التي تحققها، وحضورها داخل المجلات العلمية، فضلا عن حجم التعاون مع الجامعات ومراكز البحث الدولية.

    وفي هذا السياق، يعتبر استاتي زين الدين أن “أهمية النتيجة لا تكمن فقط في احتلال مركز متقدم وطنيا، وإنما في كونها تعكس قدرة الجامعة العمومية المغربية، رغم الإكراهات المرتبطة بأعداد الطلبة وتعدد وظائفها، على إنتاج البحث وبناء كفاءات علمية قادرة على الحضور والمنافسة”.

    ويضيف أن هذا التقدم ينبغي التعامل معه باعتباره نتيجة لمسار يحتاج إلى الاستمرار والتطوير، وليس غاية في حد ذاته.

    المنافسة تفتح تحديات جديدة

    لا تقتصر مؤشرات الحضور الدولي على القاضي عياض، ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية، انتقلت جامعة مراكش من المرتبة 1129 عالميا سنة 2024 إلى 1128 في 2025، قبل أن تتقدم إلى المركز 1101 في نسخة 2026.

    وفي المقابل، تقدم جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية نموذجا مختلفا داخل المنظومة المغربية، بعدما وصلت إلى الفئة 351-400 عالميا في تصنيف “تايمز للتعليم العالي”.

    ولا تسمح طبيعة المؤسستين بمقارنة مباشرة، بالنظر إلى اختلاف نموذج التمويل والاستقطاب وحجم الطلبة والموارد، لكنها تكشف أن الوصول إلى مواقع دولية أكثر تقدما ممكن من داخل المنظومة الجامعية المغربية عندما تتعزز شروط البحث والابتكار والانفتاح الدولي.

    كما أن وجود جامعة محمد الخامس على مقربة من عتبة الألف الأولى في تصنيف مركز الجامعات العالمية، والقاضي عياض في المركز 1101 والحسن الثاني في المرتبة 1155، يعطي مؤشرا على وجود أكثر من مؤسسة مغربية قادرة على تعزيز حضورها إذا استمر تحسين العناصر التي تقيسها هذه التصنيفات.

    من إنتاج البحث إلى صناعة التأثير

    يبقى الانتقال إلى مواقع أكثر تقدما مرتبطا بقدرة الجامعات المغربية على تحويل الإنتاج العلمي إلى تأثير أوسع، فالجامعات العمومية تواجه تحديا مزدوجا، إذ يتعين عليها استقبال أعداد كبيرة من الطلبة وضمان التكوين، بالتوازي مع الحاجة إلى توفير الموارد والتجهيزات الضرورية للمختبرات والأساتذة الباحثين.

    وأصبحت المنافسة مرتبطة بقدرة المؤسسة على استقطاب الباحثين والطلبة الدوليين وبناء مشاريع مشتركة مع جامعات ومراكز بحث خارج المغرب، إلى جانب تحويل جزء من المعرفة المنتجة داخل المختبرات إلى ابتكار وبراءات اختراع وحلول مرتبطة بحاجيات الاقتصاد والمجتمع.

    ومن هنا، ينتقل استاتي زين الدين من قراءة نتيجة جامعة القاضي عياض إلى ما تحتاجه الجامعات المغربية عموما للانتقال إلى مواقع أكثر تقدما.

    ويعتبر أن “الانتقال بالجامعات المغربية إلى مراتب أفضل عالميا يقتضي الاشتغال على منظومة متكاملة، تبدأ بتقوية البحث العلمي وتوفير الإمكانات الضرورية للمختبرات والباحثين، ولا تنتهي عند زيادة عدد المنشورات”.

    ويضيف أن “المنافسة الدولية أصبحت مرتبطة بجودة البحث وتأثيره، وبناء شراكات علمية قوية، والانفتاح على الباحثين والطلبة الدوليين، إضافة إلى قدرة الجامعة على تحويل المعرفة إلى ابتكار يخدم الاقتصاد والمجتمع”.

    من تحسين الترتيب إلى تثبيت التقدم

    تعكس نتائج 2026 في النهاية وجود نقاط قوة مختلفة داخل الجامعات المغربية، فالقاضي عياض تحقق حضورا بحثيا ومواقع متقدمة وطنيا، ومحمد الخامس تقترب من عتبة الألف الأولى في أحد التصنيفات، فيما استطاعت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية الوصول إلى فئة أكثر تقدما في تصنيف آخر.

    وتمنح هذه النتائج للجامعة المغربية قاعدة يمكن البناء عليها، لكن الرهان المقبل لا يتوقف عند تسجيل مركز أول وطنيا أو تحقيق تقدم في سنة واحدة، وإنما يرتبط بالقدرة على تثبيت هذا المسار وتوسيعه.

    وفي هذا السياق، يشدد استاتي زين الدين على أن “الرهان الحقيقي ليس أن تتقدم جامعة مغربية في تصنيف سنة وتتراجع في آخر، وإنما أن نبني شروطا تسمح للجامعات المغربية بتحقيق تقدم مستمر ومستدام، وأن يتحول حضورها الحالي في التصنيفات إلى موقع أقوى داخل المنافسة الجامعية الدولية”.