التصنيف: رئيسيّة

  • الأصالة والمعاصرة يعيد رسم خريطة طريق طموحة لدخول “زمن المغرب الصاعد”

    الأصالة والمعاصرة يعيد رسم خريطة طريق طموحة لدخول “زمن المغرب الصاعد”

    ينطلق العرض السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة من فكرة أن المغرب لم يعد في حاجة إلى الاكتفاء بالحلول الظرفية أو التصحيحات الترميقية المحدودة أو التدخلات الآنية، بل أصبح أمام تحد استراتيجي أكبر يتمثل في الانتقال إلى مرحلة الصعود الواثق والمستدام والقائم على المشاركة.

    ويؤكد البام أن الولاية التشريعية 2026-2031 التي تتقاطع فيها ثلاث ديناميات كبرى؛ كأس العالم 2030 باعتباره مسرّعا للاستثمار، وتطور دبلوماسي موات حول قضية الصحراء، ونموذج تنموي جديد يضع أفق سنة 2035 موعدا للتحول البنيوي، يفتح أمام المغرب فرصة استثنائية لترسيخ مسار الصعود.

    وفي ضوء هذا التحول، تؤكد وثيقة العرض السياسي، التي اطعلت “AM+ MEDIA” على نسخة منها، أن السؤال المطروح لم يعد: “هل يستطيع المغرب أن يتقدم؟”، بل أصبح أكثر ارتباطا بعمق المرحلة المقبلة: كيف يمكن تثبيت مستوى التنمية بصورة مستدامة، وتعزيز قدرة البلاد على التأثير، والاستجابة لتطلع المغاربة إلى حياة ذات جودة؟”.

    ويضع العرض السياسي للحزب خمس ديناميات في صلب هذا الرهان، تتقدمها القضية الوطنية، من خلال جعل التماسك الترابي وترسيخ السيادة على الأقاليم الجنوبية أساسا لبناء حضور المغرب وإشعاعه في المستقبل، وتأتي بعدها برامج التنمية الترابية المندمجة، بوصفها أداة لتحويل تصحيح الاختلالات بين المجالات إلى رصيد يدعم مسار الصعود.

    وترتبط الدينامية الثالثة باستحقاق كأس العالم 2030، وبكيفية تحويل إرثه ومخرجاته إلى رافعة لتحول مستدام يمتد أثره إلى ما بعد انتهاء المنافسات، أما الدينامية الرابعة فتتصل بمكانة المغرب في العالم، وما تتيحه التحركات الدبلوماسية والثقافية والشراكات الجارية من إمكانات لتعزيز موقع المملكة كفاعل من الصف الأول في محيطها الإقليمي والدولي.

    وتكتمل هذه الرهانات بالمعادلة الديمغرافية، وما تطرحه التحولات الجارية في البنية السكانية من تأثيرات على طموح تثبيت مسار الصعود وضمان استمراره. فالتنمية لا تقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات، بل أيضا بقدرة البلاد على تدبير التحولات التي تمس المجتمع وتركيبته واحتياجاته المستقبلية.

    ويؤكد الأصالة والمعاصرة، أن مغرب سنة 2031، وفق تصوره، سيكون مختلفا عن مغرب اليوم، لأن العبور المستدام إلى مستوى تنموي أعلى لا يرتبط بإنجاز أكبر عدد من المشاريع فقط، وإنما بالقدرة على تحويل الاستثمار إلى طاقة دائمة، من خلال مجالات ترابية قادرة على إنتاج تنميتها، ومواطن قادر على ممارسة عمل مؤهل والتمتع بمكانة كريمة داخل المجتمع، وبلد قادر على ضمان إشعاع ثقافي واقتصادي مستمر في محيطه الإقليمي والعالمي.

    رؤية وطنية ممتدة في الزمن

    يربط حزب الأصالة والمعاصرة توجهه برؤية استراتيجية تبنتها الدولة على أعلى مستوى، مستحضرا في هذا الإطار خطاب جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 20 غشت 2014، الذي أكد فيه أن النموذج التنموي المغربي بلغ مستوى من النضج يجعله مؤهلا للدخول ضمن مصاف الدول الصاعدة.

    وتشير وثيقة العرض السياسي إلى أن هذا التوجه تجدد في خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025، حين دعا جلالة الملك إلى تعزيز مكانة المغرب ضمن مصاف الأمم الصاعدة، وبذلك يقدم الحزب مشروع “المغرب الصاعد” باعتباره امتدادا لمسار وطني بدأ منذ سنوات، وليس توجها منفصلا عما راكمته البلاد.

    وتستند هذه الرؤية إلى قراءة لمسار المغرب خلال ربع القرن الأخير، وهي فترة تميزت، بحسب الوثيقة، باستقرار مؤسساتي أتاح وضع استراتيجيات عمومية طويلة المدى، تتجاوز الإكراهات المرتبطة بالآجال السياسية المعتادة.

    وساعد هذا الاستقرار على إطلاق إصلاحات هيكلية وإنجاز بنيات تحتية حيوية، مدعومة بارتفاع حجم الاستثمارات العمومية التي انتقلت من 200 مليار درهم سنة 2015 إلى 380 مليار درهم في السنة الجارية.

    ويربط “البام” هذا المجهود بنتائج اجتماعية، من بينها انخفاض مؤشر الفقر متعدد الأبعاد إلى النصف خلال السنوات العشر الأخيرة، مؤكدا أن الحديث عن الصعود لم يعد مجرد رسم لأفق بعيد، بل أصبح مسارا واضحا يمكن تتبعه وقياس نتائجه.

    من معالجة الخصاص إلى عمل عمومي مندمج

    يقترح العرض السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة الانتقال من مرحلة كان يغلب عليها تدبير الخصاص وفتح الأوراش إلى مرحلة يصبح فيها العمل العمومي أكثر اندماجا ووضوحا وصرامة في التنفيذ.

    وفي هذا التصور، لا تعالج القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية وتنمية الكفاءات والاستدامة والإنصاف باعتبارها ملفات مستقلة عن بعضها، بل بوصفها مكونات مترابطة داخل مسار وطني واحد.

    وتقدم الوثيقة هذا الترابط باعتباره مرحلة جديدة في مسيرة “مشروع المغرب”، لأن نجاح المشروع أصبح مرتبطا بقدرة البلاد على تحويل الإصلاحات إلى عناصر دائمة للقوة والتماسك وترسيخ المكتسبات.

    منجزات اقتصادية وانتظارات اجتماعية متزايدة

    يشير الأصالة والمعاصرة إلى أن المغرب نجح في تحصين توازناته الكبرى، وتعزيز جاذبيته، وتكثيف تحوله الإنتاجي، مسجلا أن الدينامية التي بدأت قبل أكثر من عقدين أصبحت تترك آثارا واضحة في الحياة المشتركة وفي المسارات الفردية للمواطنين.

    وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن انتظارات المجتمع ارتفعت، حيث لم يعد المواطن يكتف بملاحظة التقدم العام، بل أصبح يطمح إلى الانتقال إلى مستوى أعلى تظهر فيه نتائج التنمية بصورة أوضح في حياته اليومية.

    ويرى أن طموح الصعود لن يكتسب كامل مشروعيته إلا إذا استطاع المغرب ترسيخ المقومات التي تميز الأمة الصاعدة، محددا هذه المقومات في وضوح الرؤية، وثبات التوجه، والقدرة على التنفيذ، وتوسيع دائرة الفرص، وتحويل المكتسبات إلى أسس تعزز الثقة الجماعية.

    التنمية البشرية جزء من مسار الصعود

    يربط العرض السياسي لحزب “الجرار” موقع المغرب ضمن الدول الصاعدة بمسار التنمية البشرية، دون حصر الصعود في الاقتصاد أو البنيات التحتية.

    ويستدل في هذا الصدد بوصول مؤشر التنمية البشرية إلى 0.710 سنة 2023، وهو المستوى الذي صنف على أساسه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المغرب ضمن فئة البلدان ذات التنمية البشرية المرتفعة.

    وتعتبر الوثيقة أن اجتياز هذه العتبة يوضح أن المسار المغربي يقاس أيضا بالبعد الإنساني للتنمية من خلال تعزيز قدرات المواطنين، وتوسيع آفاق الحياة أمامهم، والتقدم في بناء الكفاءات، وزيادة تماسك واستدامة المسار الاجتماعي.

    ويظهر هذا التوجه أيضا في التحولات التي عرفتها شروط العيش، ومن بينها تراجع السكن غير اللائق في الوسط الحضري، وتحديث العرض السكني، وتوسيع الوصول إلى الكهرباء والماء الصالح للشرب والتطهير، وتعميم منظومة الحماية الاجتماعية الأساسية.

    الطموح والواقعية في التنفيذ

    يسعى حزب الأصالة والمعاصرة، من خلال عرضه السياسي، إلى الجمع بين الطموح الوطني والواقعية في التنفيذ، إذ يرى أن نجاح المسارات الكبرى لا يقوم على قوة النوايا المعلنة وحدها، بل يحتاج إلى القدرة على تنسيق الأدوات والآجال والمسؤوليات.

    ويوضح أن مشروعا بهذا الحجم لا يمكن أن يتحقق من خلال طرف واحد، بل ينبغي أن يتحول إلى دينامية جماعية تشارك فيها الدولة والمقاولات والهيئات الوسيطة والمجالات الترابية والمواطنون.

    ويفترض ذلك انخراط هذه الأطراف في اتجاه موحد لمباشرة التحول المنشود، بحيث تصبح عملية الصعود مشروعا وطنيا مشتركا، وليست مجرد برنامج تتولى جهة واحدة تنفيذه.

    التماسك برؤية أوسع

    يوسع العرض السياسي لـ”البام” مفهوم التماسك ليشمل، إضافة إلى الجانب الاجتماعي، الأبعاد الترابية والاقتصادية والمؤسساتية والإنسانية والمدنية.

    فالتماسك الترابي، وفق هذا التصور، يرتبط بحضور التنمية والفرص في مختلف المجالات، بينما يتصل التماسك الاقتصادي بطريقة خلق القيمة وتوزيعها، أما التماسك المؤسساتي فيرتبط بقدرة الدولة على القيام بأدوارها، في حين يتعلق التماسك الإنساني والمدني بعلاقة المواطن بالمشروع الوطني وبالمجتمع الذي يعيش داخله.

    ويفترض هذا التماسك، وفق المصدر ذاته، وجود دولة تحمي وتنظم وتنفذ وتجمع، إلى جانب مجتمع يجد نفسه منسجما مع المقصد الوطني العام.

    “دينامية التغيير” منهجا للعمل العمومي

    تستحضر الوثيقة الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025 باعتباره مرجعية سياسية مؤسِّسة لهذا التوجه، وتشير إلى أن جلالة الملك أكد انتقال المغرب، في قضية وحدته الترابية، من مرحلة التدبير إلى “دينامية التغيير”.

    ويشرح “البام” هذا الانتقال باعتباره قطعا مع الاكتفاء بتدبير الوضع الموجود، وتوجها نحو تعديل موازين القوى، وتوسيع آفاق التأثير والمبادرة، وتحويل الوحدة الوطنية إلى رافعة للتعبئة والإنجاز، مؤكدا أنه درسٌ يمتد، في نهاية المطاف، إلى مجمل العمل المرتبط بالشأن العمومي، إذ بدل الاكتفاء بإدارة الأوضاع القائمة، يصبح المطلوب إحداث تحول يوسع قدرة البلاد على المبادرة والتأثير.

    بناء قوة متوازنة في أفق 2035

    يؤكد حزب الأصالة والمعاصرة أن عرضه ليس برنامجا إضافيا أو محاولة لتحسين تدبير الوضع القائم فقط، فالرهان الذي يطرحه في عرضه السياسي هو دخول المغرب مرحلة تصبح فيها الرفاهية والعدالة الترابية والاستدامة والوحدة الوطنية والثقة المؤسساتية مكونات لطموح واحد، بدلا من أن تظل أهدافا منفصلة ومتوازية.

    ويسمي “البام” هذا الطموح “إرساء قوة متوازنة”، وربط مصداقيته بما سيتمكن المغرب من تحقيقه في أفق سنة 2035 وعلى امتداد العقد الذي يبدأه.

    ويوضح أن تقدم المغرب لا يستند فقط إلى طموحه في الانضمام إلى دائرة الدول الصاعدة، بل يقوم أيضا على مقومات متجذرة وخصائص تزداد رسوخا، لأن المغرب بلد يقوي أسسه، ويوسع قدراته، ويؤكد وحدته، ويحول استقراره تدريجيا إلى قوة للدفع والترشيد.

    لذلك يقدم حزب “الجرار” الصعود باعتباره مسارا وطنيا جماعيا تقاس نجاعته بقدرة البلاد على تحويل مكتسباتها إلى تماسك وثقة وقدرة على التموقع والتأثير والإشعاع.

    اقتصاد أكثر نجاعة وتنوعا

    توزع الوثيقة رؤية الأصالة والمعاصرة لمسار الصعود على ستة فضاءات كبرى، يبدأ أولها ببناء اقتصاد أكثر نجاعة وتنوعا وتجذرا في الواقع الترابي.

    ويسجل العرض أن نموذج التنمية المغربي يواجه، منذ عقود، مفارقة بنيوية واضحة، فبالرغم من مستوى استثمار مرتفع (يناهز 30 في المئة من الناتج الداخلي الخام)، ظل معدل النمو في حدود 3 بالمئة كمتوسط سنوي، مشيرا إلى أنه “منسوب من النمو لا يكفي لاستيعاب الضغط الديمغرافي، ولا لخلق فرص شغل ذات جودة، بما يعرض النموذج لمخاطر متعددة الأبعاد”.

    وتقترح وثيقة العرض السياسي تجاوز هذه التحديات البنيوية، والانتقال من اقتصاد لا يزال غير موجه بما يكفي نحو الإنتاج، إلى نموذج سيادي، منتج ومندمج.

    ينتظم هذا النموذج حول ست مكونات مترابطة تبدأ بإرساء منظومة صناعية سيادية ومندمجة، وتطوير النموذج الفلاحي وتأمين السيادة الغذائية، والرقمنة والذكاء الاصطناعي بجعل المكون الرقمي محركا للتحديث الاقتصادي والسيادة التكنولوجية، إضافة إلى الارتقاء بالصناعات الثقافية والابداعية إلى بنية اقتصادية مهيكلة، والتركيز على تقليص مجال الريع لتحرير المنافسة من خلال اقتصاد شفاف، وانتهاء عند جعل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة أساسية للتنمية.

    رأسمال بشري مؤهل

    يتعلق الفضاء الثاني ببناء رأسمال بشري مؤهل ينظر من خلاله إلى الكفاءات باعتبارها رافعة أساسية لرفع الإنتاجية وتعزيز الابتكار.

    وتستند هذه الرؤية إلى “قناعة مفادها أن الرأسمال البشري هو الرافعة الأولى للسيادة الوطنية، وأن النمو المستدام أضحى أكثر من أي وقت مضى رهينا بالمردودية الفعلية للكفاءات وبنجاعة المنظومات الوطنية للبحث العلمي”.

    ويقر “البام” أن المغرب يمتلك مقومات مهمة لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، من ساكنة شابة وإصلاحات في التعليم والتكوين والرقمنة، إلى ارتفاع الموارد المالية الموجهة للقطاعات الاجتماعية.

    غير أن “الفجوة بين حجم الاستثمار ومردوده”، حسب تشخيصه، ما تزال واضحة، بسبب ضعف التعلمات الأساسية، وارتفاع بطالة الشباب والخريجين، واتساع قاعدة الشباب خارج التعليم والشغل والتكوين “NEET”، ما يحد من قدرة المنظومة على تحويل الرصيد الديمغرافي إلى قوة منتجة.

    وتتعمق هذه الفجوة، وفق عرض “البام”، مع “ضعف الربط بين الجامعة وسوق الشغل والاقتصاد”، ومحدودية تحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية، إلى جانب انخفاض المشاركة الاقتصادية للنساء، زيادة على استمرار تجزيء تدبير الرأسمال البشري بين قطاعات ومؤسسات متعددة، ما يجعل الرهان الأساسي هو “الانتقال من منطق تعبئة الموارد إلى بناء منظومة مندمجة تربط التعليم والتكوين والبحث والتشغيل والابتكار بحاجيات الاقتصاد”.

    ولمعالجة هذه القيود، يقدم العرض السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أهداف وتدابير ملموسة تغطي ستة محاور هي: إعادة بناء القاعدة التربوية بالتركيز على التميز وتأمين المسارات، ومعادلة “التشغيل والكفاءات” وإنتاج القيمة، وإعادة إدماج المقصيين وتعبئة كافة المواهب، إضافة إلى جامعة في خدمة السيادة الإنتاجية والابتكار، والتمكين الاقتصادي للنساء، رافعة للنمو ولانتاج القيمة، وإرساء حكامة مندمجة وقيادة ناجعة للتحول.

    الاستدامة رافعة للتحول والتنافسية

    يخصص “البام” الفضاء الثالث للاستدامة، ليس باعتبارها قيدا هامشيا يضاف إلى السياسات، بل بوصفها ثقافة توجه التحول ورافعة تساعد على تعزيز التنافسية.

    ويراهن عرض الحزب على بناء نموذج سيادي وقادر على الصمود، يوفق بين أمن الموارد، والتنافسية الاقتصادية، والتماسك الترابي، وتواجه فيه القيود المناخية والبيئية في هذا التصور بكونها تتيح فرصا للتحول الصناعي والابتكار وخلق فرص للشغل، في ظل حكامة مندمجة وثقافة استدامة مشتركة واسعة الانتشار بين الفاعلين داخل المجتمع.

    ويضع تصور الحزب خمسة محاور مهيكلة في مجال الاستدامة تتثمل في بناء السيادة الطاقية، وتدبير مستدام للموارد المائية في ظل الندرة البنيوية، زيادة على اقتصاد تدويري كرافعة للنمو المستدام، والانتقال نحو تنقل مستدام ومنخفض الكربون، انتهاء عند الاستدامة رافعة للتحول الاقتصادي وثقافة مشتركة.

    مجتمع أكثر صمودا وإدماجا

    يركز الفضاء الرابع في رؤية حزب الأصالة والمعاصرة لمسار الصعود على بناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود وأكثر إدماجا لمختلف فئاته.

    ويرتبط هذا التوجه بتقليص الهشاشات البنيوية التي تعيق التماسك الاجتماعي، باعتباره الركيزة الأساسية للعيش المشترك، لأن المطلوب اليوم، وفق “البام”، معالجة العوامل العميقة التي تنتج الهشاشة وتحد من قدرة المجتمع على الاستمرار والتماسك.

    ويبرز الأصالة والمعاصرة أنه رغم اتساع منظومة الحماية الاجتماعية والإصلاحات المؤسسية التي رافقتها، لا يزال أثر الاستثمار العمومي محدودا بفعل استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف الولوج الفعلي إلى الخدمات، ومحدودية إدماج النساء والشباب.

    ولفت أيضا إلى أن التحولات الديمغرافية والاجتماعية المتسارعة تفرض مراجعة مقاربة السياسات العمومية، بما يجعل الحماية وحدها غير كافية ما لم تقترن بالتشغيل والتكوين والتمكين والوقاية.

    ووضع العرض السياسي لـ”البام” 5 مداخل لتحقيق هذا الهدف، وضمان تغطية اجتماعية فعلية ومستدامة، وضمان الإنصاف في الولوج إلى العلاج والسكن اللائق، وتحرير إمكانات النساء والشباب، مع ضرورة إعادة تحديد مكانة مغاربة العالم، إضافة إلى ضمان الإنصاف الترابي.

    دولة حديثة وفعالة في التنفيذ

    يتعلق الفضاء الخامس ببناء دولة حديثة واستراتيجية ومنظمة، تكون فعالة في محطات التنفيذ ومنصتة إلى ديناميات المجالات الترابية.

    ويشخص خبراء “البام” واقعا مركبا، فالمغرب وإن كان يعرف دينامية إصلاحية مستمرة، إلا أنه لا يحوّل هذا الزخم بما يكفي إلى عدالة ترابية فعلية، وجودة متجانسة في الخدمة العمومية المقدمة، وقدرة محلية على الفعل. المسألة لا يمكن اختزالها في بعدها المؤسساتي، بل تحمل أبعادا اقتصادية وترابية واجتماعية وسياسية متعددة التجليات.

    ويقوم المشروع الذي يحمله حزب “الجرار” في هذا الباب على ست أولويات سياسية كبرى هي: دولة استراتيجية ومنظمة؛ وعلاقات متجددة بين الدولة المركزية والمجالات الترابية؛ وإقرار الجهوية كخيار مفعل، وتوظيف الرقمنة للارتقاء بجودة الخدمة المقدمة للمواطن، وتسخير الرقمنة في خدمة النجاعة والشفافية؛ واعتماد اللامركزية واللاتمركز من أجل مزيد من القرب.

    سيادة القانون مدخلا للإنصاف والثقة

    يتمثل الفضاء السادس والأخير في رؤية حزب الأصالة والمعاصرة لمسار الصعود في إرساء قاعدة قانونية تسود داخل المجتمع والدولة.

    ويؤكد عرض الحزب أن “دولة القانون أصبحت خيارا دستوريا ومؤسساتيا راسخا منذ 2011″، مع ما تحقق من إصلاحات في استقلال القضاء والحكامة والشفافية وتحديث الدولة، مسجلا أن التحدي الأساسي لم يعد في بناء الإطار القانوني، بل في “تحويل مبادئه إلى ممارسة يومية يشعر بها المواطن”، خصوصا في ما يتعلق بالعدالة والإنصاف والمواطنة والمشاركة في الحياة العامة.

    ويبرز التشخيص الذي قام به خبراء أكاديمية الأصالة والمعاصرة استمرار فجوات تؤثر في الثقة بالمؤسسات، من محدودية الشفافية وارتفاع مؤشرات إدراك الفساد، إلى “ضغط القضايا على منظومة العدالة وضعف مواردها”، فضلا عن محدودية المشاركة المواطنة وغياب أثر فعلي لآليات مثل العرائض.

    ويتركز الرهان الذي يقدمه الحزب على الانتقال من “ترسيخ القواعد والمؤسسات إلى ضمان فعاليتها ونجاعتها وقربها من المواطن”، من خلال الالتزام استكمال إصلاح المنظومة القضائية، والنهوض بالمواطنة من خلال ضمان توازن الحقوق والمسؤوليات، وتنشيط الديمقراطية التشاركية.

  • المغرب في مختبر التجارة الأوروبية.. اتفاق الرباط وبروكسيل يصبح مرجعا لاتفاقيات الاتحاد المقبلة

    المغرب في مختبر التجارة الأوروبية.. اتفاق الرباط وبروكسيل يصبح مرجعا لاتفاقيات الاتحاد المقبلة

    دخل اتفاق التبادل الحر بين المغرب والاتحاد الأوروبي دائرة النماذج الاقتصادية التي تستعين بها المؤسسات الأوروبية لتقدير أثر الجيل المقبل من الاتفاقيات التجارية، بعدما اعتمد اتحاد أرباب العمل السويديSvenskt Näringslivالتجربة المغربية ضمن مجموعة من الاتفاقيات السابقة التي أخضعها للدراسة لقياس انعكاسات تحرير التجارة على الصادرات والواردات والناتج الداخلي الإجمالي.

    وتكتسي الحالة المغربية أهمية خاصة داخل الدراسة التي تولى مكتب Copenhagen Economics إنجاز حساباتها، ليس فقط بالنظر إلى امتداد العلاقات التجارية بين المملكة والاتحاد الأوروبي، ولكن أساسا إلى حجم التحولات التي سجلتها المبادلات بعد خفض الرسوم الجمركية والعوائق التجارية بين الطرفين.

    وبحسب التقييم اللاحق للاتفاق، بلغ الأثر المقدر على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى المغرب 43 نقطة مئوية مقارنة بالمسار المفترض في غياب الاتفاق، مقابل 23 نقطة مئوية بالنسبة إلى واردات الاتحاد القادمة من المملكة، فيما قدر الأثر على مستوى الناتج الداخلي الإجمالي المغربي بنحو 0.6 نقطة مئوية.

    وبهذه الأرقام، أصبحت التجربة المغربية واحدة من الحالات التي يعتمد عليها النموذج الاقتصادي لاستشراف ما يمكن أن تفرزه اتفاقيات الاتحاد الأوروبي المقبلة مع عدد من الأسواق الكبرى والناشئة، وفي مقدمتها الهند ودول ميركوسور وأستراليا وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند والإمارات العربية المتحدة.

    43 نقطة إضافية للصادرات الأوروبية

    وضع الدراسة المغرب ضمن الأسواق التي سجل فيها تحرير التجارة أثرا قويا على الصادرات الأوروبية، فالتقييم ينسب إلى الاتفاق زيادة قدرها43نقطة مئوية في صادرات الاتحاد الأوروبي إلى السوق المغربية مقارنة بالمسار الذي كان من الممكن أن تسلكه هذه الصادرات لو لم يكن الاتفاق قائما.

    ويضع هذا الرقم المغرب في المستوى نفسه مع كوريا الجنوبية، التي سجلت بدورها 43 نقطة، وخلف تونس التي تصدرت الحالات التي شملتها المقارنة بـ57 نقطة.

    وتأتي مصر بعد ذلك بـ34 نقطة، ثم لبنان بـ24 نقطة، والأردن بـ22، والمكسيك بـ19، فيما سجلت كندا 15 نقطة.

    ولا تعني هذه الأرقام أن صادرات الاتحاد الأوروبي إلى المغرب ارتفعت بنسبة 43 في المائة خلال سنة بعينها، فالدراسة لا تقيس معدل نمو سنوي وإنما تحاول تحديد الفارق بين ما تحقق فعليا وبين سيناريو اقتصادي افتراضي يفترض عدم وجود الاتفاق.

    وتسعى هذه المقاربة إلى عزل الأثر الذي يمكن نسبه إلى تحرير التجارة نفسه، سواء من خلال خفض الرسوم الجمركية أو تقليص العوائق الأخرى التي كانت ترفع كلفة دخول السلع إلى الأسواق.

    23 نقطة في الاتجاه المغربي نحو أوروبا

    في الاتجاه المقابل، أي بالنسبة إلى السلع المغربية المصدرة إلى السوق الأوروبية، يقدر النموذج أثر الاتفاق بنحو 23 نقطة مئوية على واردات الاتحاد الأوروبي من المغرب.

    وهو رقم يضع المملكة خلف كوريا الجنوبية التي بلغ الأثر المقدر بالنسبة إليها 26 نقطة، وتونس بـ25 نقطة، لكنه يتجاوز الجزائر التي سجلت 21 نقطة، والمكسيك بـ16، ولبنان بـ15، وكندا بـ14، ومصر بـ11، والأردن بثلاث نقاط.

    وتكشف المقارنة بين الاتجاهين عن فارق لافت في آثار تحرير المبادلات، ففي الوقت الذي يقدر فيه أثر الاتفاق على الصادرات الأوروبية نحو المغرب بـ43 نقطة، يتراجع الرقم إلى 23 نقطة بالنسبة إلى تدفقات السلع المغربية نحو الاتحاد الأوروبي.

    ويرتبط جزء أساسي من هذا الفارق، بحسب المنهجية التي اعتمدتها الدراسة، بمستويات الحماية التجارية التي كانت قائمة لدى الطرفين قبل عملية التحرير. فكلما ارتفعت الرسوم والحواجز قبل الاتفاق، كان إسقاطها أو تخفيضها قادرا على إحداث تحول أكبر في حركة السلع وهنا تظهر واحدة من أبرز خصوصيات التجربة المغربية.

    المغرب خفض الرسوم بـ32 نقطة

    تكشف المعطيات المتعلقة بالرسوم الجمركية عن فارق كبير بين ما تغير في السوق المغربية وما تغير في السوق الأوروبية.

    فبحسب الحسابات التي اعتمدها التقرير، انخفضت الرسوم التي كانت تواجه المنتجات المغربية عند دخول الاتحاد الأوروبي بنحو نقطة مئوية واحدة، في حين وصل الانخفاض بالنسبة إلى الرسوم التي كانت تواجه المنتجات الأوروبية داخل السوق المغربية إلى حوالي 32 نقطة مئوية.

    ويعني ذلك أن هامش التحرير الجمركي كان أوسع بكثير من الجانب المغربي، بالنظر إلى اختلاف نقطة الانطلاق بين السوقين.

    وتساعد هذه المعطيات على تفسير ارتفاع الأثر المقدر على الصادرات الأوروبية نحو المملكة فالمنتجات الأوروبية استفادت، وفق النموذج، من انخفاض أكبر بكثير في الحواجز التي كانت تواجهها عند الولوج إلى السوق المغربية.

    وعند إدراج العوائق غير الجمركية ضمن الحساب، يصبح الفارق أكثر وضوحا، فالدراسة تقدر الانخفاض الإجمالي في تكاليف التجارة التي تواجه الطرف المغربي للولوج إلى السوق الأوروبية بنحو خمس نقاط، بينما يصل الانخفاض بالنسبة إلى الشركات الأوروبية المتعاملة مع السوق المغربية إلى 37 نقطة.

    ويمثل خفض الرسوم المغربية، المقدر بـ32 نقطة، الجزء الأكبر من هذا الرقم، فيما يعود الجزء المتبقي إلى التراجع المفترض في العوائق غير الجمركية.

    غير أن التقرير يضع تحفظا منهجيا مهما بخصوص هذه النقطة، فالمعطيات المتوفرة حول الحواجز غير الجمركية ليست مفصلة بالدرجة نفسها لكل بلد من بلدان مجموعة “Euromed”، ولذلك لجأ الباحثون إلى اعتماد فرضيات مشتركة بالنسبة إلى المغرب وتونس ومصر والأردن والجزائر ولبنان.

    وعليه، لا يمكن التعامل مع الأرقام الخاصة بهذا الجانب باعتبارها قياسات إحصائية مغربية مستقلة بالكامل، بقدر ما تظل تقديرات مرتبطة بالمنهجية التي بُني عليها النموذج.

    0.6 نقطة في الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب

    ولا تقتصر النتائج على حركة السلع، فالدراسة تربط اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي بأثر يقدر بنحو0.60نقطة مئوية على مستوى الناتج الداخلي الإجمالي المغربي مقارنة بالسيناريو الذي يفترض عدم وجود الاتفاق.

    وتضع هذه النتيجة المغرب ضمن أعلى الحالات التي شملتها الدراسة، كما تتصدر تونس المقارنة بأثر مقدر في 1.50 نقطة مئوية، يليها المغرب بـ0.60 نقطة، ثم كوريا الجنوبية بـ0.58 نقطة ويسجل كل من الأردن ومصر 0.40 نقطة، مقابل 0.34 نقطة للمكسيك و0.07 نقطة لكندا لكن الرقم المغربي لا يعني أن الاتفاق يضيف 0.6 في المائة إلى النمو الاقتصادي للمملكة كل سنة.

    فالتقييم يقيس الفرق في مستوى الناتج الداخلي الإجمالي بين الوضع الذي تحقق في ظل الاتفاق وبين الوضع الافتراضي الذي كان يمكن تسجيله من دونه، ولا يتعلق بمعدل نمو سنوي متكرر.

    كما لا تسمح المعطيات الواردة في التقرير بتحويل هذه النسبة بصورة مباشرة إلى قيمة مالية بالدرهم، لعدم توفر أساس نقدي خاص بالمغرب داخل هذا التقييم التاريخي يسمح بإجراء حساب من هذا النوع.

    لا رقم منفصلا لأثر الاتفاق على الاقتصاد الأوروبي

    وفي المقابل، لا توفر الدراسة تقديرا منفصلا للأثر الذي أحدثه الاتفاق مع المغرب وحده على الناتج الداخلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي.

    فالرقم المتاح، البالغ0.02 نقطة مئوية، يتعلق بمجموعة “Euromed” ككل والتي تضم وفق التصنيف المعتمد في الدراسة، المغرب وتونس ومصر والأردن والجزائر ولبنان.

    ويشير التقرير إلى أن هذا الأثر الجماعي لا يمكن تفكيكه وتوزيعه على البلدان الستة، وبالتالي لا يمكن نسبة رقم محدد منه إلى العلاقة التجارية مع المغرب وحده.

    وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة عند قراءة حصيلة الاتفاق، لأن الدراسة توفر رقما مستقلا للأثر على الناتج المغربي لكنها لا توفر مقابله رقما يسمح بقياس مساهمة الاتفاق المغربي منفردا في الناتج الأوروبي.

    لماذا تدرس أوروبا تجربة المغرب الآن؟

    لا يقف التقرير عند حدود تقييم اتفاقيات سبق تنفيذها. فالغاية الأساسية من العودة إلى هذه التجارب تتمثل في استخدامها لبناء تقديرات بشأن الاتفاقيات التجارية التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إبرامها أو توسيعها خلال السنوات المقبلة.

    ولهذا جمع Copenhagen Economics عددا من الاتفاقيات السابقة، ودرس العلاقة بين انخفاض تكاليف التجارة من جهة، والتغير الذي سجلته الصادرات والواردات والناتج الداخلي الإجمالي من جهة ثانية.

    ومن هذه النتائج يستخرج النموذج معاملات تستخدم لتقدير حجم التغير الذي يمكن أن يحدث عندما تدخل اتفاقيات جديدة حيز التطبيق.

    وتدخل التجربة المغربية في هذا المسار إلى جانب تجارب كوريا الجنوبية وتونس ومصر والأردن والمكسيك وكندا وغيرها.

    ومن خلال ما حدث فعليا بعد تحرير جزء واسع من التجارة بين الرباط وبروكسيل، أصبحت النتائج المسجلة في السوق المغربية جزءا من المعطيات التي تستعين بها الدراسة لمحاولة تقدير ما يمكن أن يحدث في أسواق أخرى.

    وتشمل قائمة الاتفاقيات المستقبلية التي تناولها التقرير أسواقا ذات وزن اقتصادي وديمغرافي كبير، من الهند إلى دول تجمع ميركوسور، مرورا بأستراليا وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند والإمارات العربية المتحدة.

    أوروبا تراهن على 303 مليارات يورو من التجارة الإضافية

    وبناء على النتائج المستخلصة من الاتفاقيات السابقة، يقدر اتحاد أرباب العمل السويدي أن موجة الاتفاقيات التجارية الجديدة يمكن أن تترك أثرا كبيرا على تجارة الاتحاد الأوروبي عند بلوغها مرحلة التطبيق الكامل في أفق سنة 2035.

    وتشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق ما بين 136 و173 مليار يورو من الصادرات الأوروبية الإضافية، مقابل ما بين 108 و130 مليار يورو من الواردات الإضافية أما إجمالي التجارة الإضافية، فيمكن أن يصل، بحسب الدراسة، إلى نحو 303 مليارات يورو.

    وعلى مستوى الناتج الداخلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، تتراوح المكاسب المقدرة بين 36 و108 مليارات يورو، بما يعادل ما بين 0.2 و0.5 في المائة من الناتج الأوروبي، بالاعتماد على أسعار سنة 2024.

    اتفاق قديم يدخل حسابات أوروبا الجديدة

    تكشف الدراسة أن موقع الاتفاق المغربي الأوروبي تجاوز، في هذا التقييم حدود العلاقة الثنائية بين الرباط وبروكسيل، فالتجربة التي راكمها الطرفان خلال سنوات من تحرير المبادلات أصبحت اليوم واحدة من الحالات التي تُقاس عليها النتائج المحتملة لاتفاقيات أوروبية أخرى.

    وتبرز الأرقام في الآن نفسه، تفاوتا واضحا بين اتجاهي المبادلات. فالأثر المقدر على الصادرات الأوروبية إلى المغرب بلغ 43 نقطة مئوية، مقابل 23 نقطة بالنسبة إلى الواردات الأوروبية القادمة من المملكة، بينما كان حجم خفض الرسوم الجمركية أكبر بكثير في السوق المغربية بواقع 32 نقطة مئوية، مقابل نقطة واحدة على الجانب الأوروبي وفق حسابات الدراسة.

    وفي المقابل، يقدر التقييم أن الاتفاق ارتبط بأثر يصل إلى 0.60 نقطة مئوية على مستوى الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب مقارنة بالسيناريو المفترض في غيابه، وهي واحدة من أعلى النتائج المسجلة ضمن الحالات التي تناولتها الدراسة.

    وبعد سنوات من قياس أثر فتح السوق المغربية أمام التجارة الأوروبية، تعود هذه التجربة اليوم إلى واجهة النقاش من زاوية مختلفة أرقام اتفاق المغرب والاتحاد الأوروبي أصبحت ضمن الحسابات التي تستخدم لتقدير ما يمكن أن تجنيه أوروبا من اتفاقيات التجارة الحرة التي تفاوض عليها للسنوات المقبلة.

  • فاطمة الزهراء المنصوري: الشرعية السياسية تبدأ من المواطن وهذا شرط اختيار المرشحين

    فاطمة الزهراء المنصوري: الشرعية السياسية تبدأ من المواطن وهذا شرط اختيار المرشحين

    تربط فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، الشرعية السياسية بمسار يبدأ من المواطن ويمر عبر النضال والعمل المؤسساتي، معتبرة أن المناصب لا تمنح في حد ذاتها شرعية سياسية، وإنما تتحول إلى مسؤولية عندما تستند إلى ثقة المواطنين والمناضلين.

    وجاء ذلك خلال استضافة المنصوري في بودكاست “AM+ Talk” الذي يبث على قناة “AM+MEDIA” باليوتيوب، حيث استعرضت مسارها السياسي الذي بدأ من جماعة مراكش كمنتخبة محلية، قبل أن تنتقل إلى رئاسة المجلس الوطني للحزب لولايتين، ثم إلى القيادة الجماعية إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي.

    وفي حديثها عن هذا المسار، ربطت المنصوري بين الشرعية التي حصلت عليها من الناخبين في مراكش، والثقة التي اكتسبتها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، معتبرة أن القيادة الجماعية امتداد لمسار من النضال والعمل المشترك، قبل أن تنتقل إلى سؤال التزكيات الانتخابية، حيث وضعت الشعبية والقرب من المواطنين في مقدمة شروط اختيار المرشحين.

    من مراكش بدأت الشرعية

    استعادت المنصوري بداية مسارها السياسي من داخل جماعة مراكش، مؤكدة أن علاقتها بالعمل السياسي والمؤسساتي بدأت من موقع المنتخب المحلي، قائلة: “مساري السياسي بديت كمنتخبة محلية في جماعة مراكش، والشرعية ديالي خديتها من عند المواطنات والمواطنين ديال مراكش”.

    ولا تفصل المنصوري بين هذه البداية وما جاء بعدها، إذ تعتبر أن المسار السياسي هو الذي سمح لها بتراكم تجربة وثقة داخل المؤسسات، قبل أن تنتقل إلى مستويات أخرى من المسؤولية.

    العمل الجماعي داخل المجلس

    وتوقفت المنصوري عند تجربتها داخل المجلس الجماعي لمراكش بين 2009 و2015، مشيرة إلى أنها اشتغلت خلال هذه المرحلة بشكل جماعي مع عدة أطراف وفرقاء سياسيين من داخل المجلس، مبرز أن هذه التجربة جعلت العمل الجماعي جزءا من طبيعتها في ممارسة المسؤولية، خصوصا أن العمل داخل مؤسسة منتخبة يفرض التعامل مع مكونات سياسية مختلفة والبحث عن صيغ للاشتغال المشترك.

    وتربط المنصوري هذه التجربة أيضا بالصيغة التي تشتغل بها اليوم داخل القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، مؤكدة أن “العمل الجماعي” له خصوصيته، وأنها بطبيعتها تحب الاشتغال بشكل جماعي.

    من ثقة المواطنين إلى ثقة المناضلين

    إذا كانت جماعة مراكش قد شكلت بالنسبة إلى المنصوري مصدر الشرعية الأولى من خلال الانتخاب، فإن المسار داخل حزب الأصالة والمعاصرة أضاف مستوى آخر من الثقة، مصدره المناضلات والمناضلون.

    وتقول المنصوري إن مسارها السياسي هو الذي دفعها إلى أن تكون لها الشرعية داخل الحزب، بعدما تولت رئاسة المجلس الوطني لولايتين، قبل أن يقترح عليها المناضلون والمناضلات قيادة الحزب ضمن صيغة القيادة الجماعية.

    وبالنسبة إليها، فإن هذا الانتقال لم يكن منفصلا عن مسارها داخل الحزب، وإنما جاء نتيجة نضال وتجربة سابقة، وهو ما يجعل القيادة بالنسبة إليها امتدادا للمسار وليست بداية لمسؤولية جديدة.

    وتترأس المنصوري المكتب السياسي إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي، في صيغة تقوم على العمل المشترك وتقاسم المسؤولية داخل الحزب.

    “قيادة الحزب ماشي منصب”

    وفي حديثها عن القيادة الجماعية، شددت المنصوري على أنها لا تنظر إلى قيادة الحزب باعتبارها منصبا، وإنما باعتبارها امتدادا للنضال السياسي.

    وقالت: “في ما يخص قيادة الحزب لا أعتبره منصب، هداك نضال”، قبل أن تضيف أن “النضال روح، يا إما كيكون عندك روحو يا إما ما كتكونش”.

    وتربط المنصوري هذه الرؤية بمسارها خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن ما دفعها هو “روح النضال في خدمة وطننا”.

    ثلاثة مواقع ومسؤولية واحدة

    ولا تفصل المنصوري بين مسؤولياتها داخل الحزب والعمل الحكومي وتجربتها السابقة داخل المؤسسة المنتخبة، معتبرة أن المناصب الثلاثة التي تتبوؤها تحمل في الوقت نفسه معنى التشريف والتكليف.

    وقالت إنها تحاول أن تكون إيجابية في هذه المناصب، باعتبارها “مسؤوليات وتشريف”، لكنها في الوقت نفسه تكليف.

    وترى المنصوري أن هناك تكاملا بين الوزارة والمجلس الجماعي، بالنظر إلى أن كليهما يحمل بعدا ترابيا ويرتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين والمواطنات.

    التزكيات.. الكفاءة وحدها لا تكفي

    وينتقل تصور المنصوري للشرعية من تجربتها الشخصية إلى طريقة اختيار المرشحين للانتخابات، حيث تعتبر أن التزكية لا يمكن أن تقوم فقط على الانتماء الحزبي أو الكفاءة.

    وتقول إن المرشح ينبغي أن يجمع بين الكفاءة وروح النضال والتجربة، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن الأهم هو أن تكون له شعبية.

    وتوضح في هذا السياق: “زكينا المناضل، وصاحب الكفاءة والتجربة وقبل كل شيء تكون عنده الشعبية”، معتبرة أن المرشح لن يفيد الساحة السياسية إذا لم تكن له شعبية.

    “الشرعية تأتي من الشعبية”

    تختصر منسقة القيادة الجماعية لحزب “البام” تصورها للعلاقة بين المرشح والمواطن في معادلة مباشرة هي “الشرعية تأتي من الشعبية، والشعبية تأتي من القرب إلى المواطن والمواطنات”.

    وتعتبر أن الشعبية لا يمكن أن تكون منفصلة عن علاقة السياسي بالمواطنين، لأن المرشح الذي يطلب تمثيل المواطنين يحتاج قبل ذلك إلى أن تكون له علاقة فعلية بالمجال الذي يسعى إلى تمثيله.

    ولا تنظر المنصوري إلى القرب باعتباره ممارسة مرتبطة فقط بفترة الانتخابات، وإنما باعتباره أساسا لبناء الشعبية التي تمنح المرشح شرعية انتخابية حقيقية.

  • نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    قبل أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود النقاش السياسي إلى واجهة المشهد، محمّلا بأسئلة تتجاوز التنافس الانتخابي إلى تقييم التجارب الحكومية، وتجديد النخب، ومستقبل العمل الحزبي، وقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية.

    وتفرض هذه الأسئلة نفسها على مختلف الفاعلين السياسيين، في لحظة تقدم فيها الأحزاب حصيلتها، وتعرض تصوراتها للمرحلة المقبلة، في سياق وطني يعرف أوراشا إصلاحية كبرى وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

    ودخلت الأحزاب السياسية منذ أشهر مرحلة إعادة ترتيب أوراقها للسباق الانتخابي في 23 شتنبر المقبل، وصياغة خطاب يستعيد ثقة الناخبين وإقناعهم ببرامج المرحلة المقبلة، وهي الدينامية التي يبرز في قلبها حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره أحد مكونات الأغلبية الحكومية، والحزب المتفرد بنموذج القيادة الجماعية في تدبير شؤونه التنظيمية، في تجربة تخوض أول اختبار انتخابي لها منذ اعتمادها.

    في هذا الحوار، تتحدث نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عن تقييم تجربة القيادة الجماعية بعد أكثر من سنتين على إطلاقها، واستعدادات الحزب لانتخابات 2026، ورهانات برنامجه الانتخابي، وحصيلة مشاركته في الحكومة، كما تتناول قضايا تجديد النخب، وتمكين الشباب والنساء، ومعايير منح التزكيات، وعلاقة الأحزاب بالمواطن، إضافة إلى رؤية الحزب لأولويات المرحلة المقبلة، في حوار يسلط الضوء على الأسئلة السياسية والتنظيمية التي تسبق واحدة من أهم المحطات الانتخابية في المغرب.

    نص الحوار:

    اعتمد حزب الأصالة والمعاصرة، خلال مؤتمره الأخير، نموذج القيادة الجماعية باعتباره تحولا في أسلوب تدبير الحزب، وانتقالا من نموذج القيادة الفردية الذي كان معمولا به في أغلب الأحزاب. بصفتكم رئيسة للمجلس الوطني، وبعد قرابة سنتين ونصف من هذا الاختيار، هل يمكن القول إن التجربة حققت أهدافها؟ وما أبرز التغييرات التي أحدثتها داخل الحزب مقارنة بالمراحل السابقة؟

    كان المؤتمر الوطني لسنة 2024 محطة مفصلية في تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة، لأنه جاء بعد أول تجربة للحزب في تدبير الشأن الحكومي منذ سنة 2021، كما تزامن مع مرحلة أعقبت مؤتمر 2020، الذي شكل بدوره نقطة تحول مهمة في مسار الحزب، سواء على مستوى أساليب التدبير أو اتخاذ القرار أو حتى في ما يتعلق بالمرجعية الفكرية والقيم التي يقوم عليها الحزب.

    لقد كانت الإرادة، منذ مؤتمر 2020، قائمة على تثمين ما تحقق من إيجابيات، مع القطع في المقابل مع الممارسات التي لم تعد تستجيب لطموحات الحزب. وجاء مؤتمر 2024 ليترجم هذه الإرادة إلى قرار جماعي يقضي باعتماد القيادة الجماعية بدل الاكتفاء بمنصب فردي، كما هو معمول به في عدد من الأحزاب السياسية. وقد كان هذا الاختيار ثمرة نقاش داخلي وإرادة جماعية عبرت عنها مختلف هياكل الحزب.

    واليوم، يمكن القول إن هذه التجربة مكنت أبناء وبنات الحزب من استخلاص العديد من الدروس. فمنذ التأسيس رفعنا شعارات تخليق الحياة السياسية، وتحرير الطاقات، وتجديد النخب، وأعتقد أننا نجحنا إلى حد كبير في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، وهو ما يظهر من خلال الدينامية التي تعرفها مختلف تنظيمات الحزب، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو داخل التنظيمات الموازية.

    أما فيما يتعلق بالقيادة الجماعية، فإنها أثبتت نجاعتها لأنها تقوم على إشراك الجميع في صناعة القرار، فلا مجال لقرار فردي داخل الحزب، بل إن مختلف القرارات يتم التداول بشأنها داخل القيادة الجماعية، كما تُعرض على المكتب السياسي، بل إن بعض القرارات تُحال أيضا على المجلس الوطني، وهو ما يعزز مبدأ المؤسسات ويكرس العمل الجماعي.

    ورغم الحملات التي تعرض لها الحزب من خصومه، فإننا نعتبر أن هذه التجربة أثبتت قدرتها على الصمود، بل إن تلك الضغوط شكلت بالنسبة إلينا حافزا إضافيا لمواصلة العمل من أجل بناء حزب قوي، يخدم المواطن، ويسترشد بالتوجيهات الملكية السامية باعتبارها الإطار المرجعي الذي نتحرك داخله.

    لذلك، أستطيع القول إن تجربة القيادة الجماعية حققت نتائج إيجابية إلى حدود اليوم، ونثق بأنها ستبرهن على نجاحها بشكل أكبر خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، باعتبارها أول انتخابات يخوضها الحزب تحت هذا النموذج القيادي.

    يستعد حزب الأصالة والمعاصرة لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والقيادة الجماعية التي تضم ثلاثة أمناء عامين تعد تجربة غير مسبوقة في المشهد الحزبي المغربي. كيف ستُدار الحملة الانتخابية في ظل هذا النموذج؟ وهل تعتبرون القيادة الجماعية نقطة قوة تضيف تكاملا في الأدوار، أم أنها قد تطرح تحديات مرتبطة بوحدة الخطاب والقرار خلال المرحلة الانتخابية؟

    عندما نتحدث عن الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، أو السيد محمد مهدي بنسعيد، أو الأستاذة فاطمة السعدي، فإننا نتحدث عن أبناء هذا الحزب الذين ساهموا في بنائه منذ تأسيسه، ويجمعهم المشروع السياسي نفسه، والمرجعية ذاتها، والقيم والمبادئ نفسها. لذلك، من الطبيعي أن يكون الخطاب منسجما، لأن الجميع ينطلق من المدرسة الفكرية والتنظيمية نفسها.

    فالاختلاف في الخطاب قد يطرح عندما يكون الأشخاص من تيارات أو مرجعيات مختلفة، أما نحن فقد ساهمنا جميعا، إلى جانب باقي قيادات الحزب، في بناء هذا التنظيم، وفي صياغة وثائقه السياسية والفكرية، وفي مختلف المحطات التنظيمية التي مر بها. كما أن مؤتمر 2012، الذي اعتمد شعار “تحصين الديمقراطية”، كان محطة مفصلية شاركنا فيها فكريا وتنظيميا، وهو ما جعلنا نتقاسم الرؤية نفسها تجاه المشروع الحزبي.

    ولهذا، فإن ما يجمع أعضاء القيادة الجماعية يتجاوز مجرد تحمل المسؤولية، لأنه يقوم على مسار نضالي مشترك وعلى قناعة واحدة بمبادئ الحزب واختياراته، وهو ما يفسر الانسجام الذي يطبع خطاباتنا، سواء في اللقاءات الإعلامية أو في التواصل مع المناضلين، حيث نكمل بعضنا بعضا ولا نقدم خطابات متعارضة.

    أما فيما يتعلق بتدبير العملية الانتخابية، فإن الأمور تسير، إلى حدود اليوم، بشكل جيد، وهناك توزيع واضح للأدوار بين أعضاء القيادة الجماعية، الذين يشكلون أمانة عامة واحدة تعمل في إطار من التكامل والتنسيق المستمر، وهو ما يجعل هذا النموذج مصدر قوة أكثر من مصدر اختلاف.

    ما هو الرهان الأكبر الذي يضعه الحزب في برنامجه الانتخابي المقبل؟ وما الذي سيجعل عرضه السياسي مختلفا وقادرا على إقناع الناخب مقارنة بما تقدمه باقي الأحزاب؟

    رهاننا هو نفسه رهان الشعب المغربي. منذ تأسيسه، ظل حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى التفاعل مع انتظارات المواطنات والمواطنين، كما يسترشد في توجهاته الكبرى بالتوجيهات الملكية السامية، التي تشكل بالنسبة إلينا مرجعا أساسيا في رسم اختياراتنا الاستراتيجية. ولا ينبغي أن ننسى أن جلالة الملك له دور محوري في توجيه السياسات الكبرى للدولة، بينما من ضمن مسؤولية الأحزاب تنزيل هذه التوجهات واقتراح البرامج والسياسات العمومية الكفيلة بتحقيقها.

    أما بخصوص أولويات البرنامج الانتخابي، فإنها تنطلق من أولويات المواطن المغربي نفسه، وفي مقدمتها القدرة الشرائية والصحة والتعليم، فما يزال هذان القطاعان يشكلان أكبر التحديات التي تواجه بلادنا، ولا يمكن الادعاء بأننا تجاوزنا كل الإشكالات المطروحة فيهما.

    ورغم ما تحقق في إطار ورش التغطية الصحية الإجبارية، الذي جاء بفضل المبادرة الملكية، فإننا لا نزال نواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والموارد البشرية، والحكامة داخل القطاع الصحي، وهي أوراش ما تزال تتطلب عملا كبيرا خلال المرحلة المقبلة.

    والوضع نفسه ينطبق على قطاع التعليم. ففي تقديري، لا يمكن الحديث عن تعليم ناجح ما دام التردد السمة الأبرز في اختيار الأسر المغربية للمدرسة العمومية. وبالنسبة إلي، سيصبح بإمكاننا القول إننا حققنا تقدما حقيقيا عندما تصبح المدرسة العمومية الخيار الأول للمغاربة، وليس خيارا اضطراريا، وحتى نصل إلى تلك المرحلة، ما يزال أمامنا الكثير من العمل.

    أما التشغيل، فرغم أنه يشكل أولوية وطنية، فإنه أصبح اليوم ملفا أكثر تعقيدا من السابق، لأن أزمة البطالة لم تعد ترتبط فقط بقدرة الدولة أو القطاع الخاص على خلق فرص الشغل، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتحولات اجتماعية وثقافية تمس علاقة الشباب بقيمة العمل. ولذلك نحن بحاجة إلى دراسات سوسيولوجية عميقة تساعد على فهم هذه التحولات، حتى نستطيع صياغة سياسات أكثر نجاعة في هذا المجال.

    إلى جانب ذلك، هناك أوراش استراتيجية أخرى، من بينها تنزيل مشروع الحكم الذاتي، ومواكبة مشروع “المغرب الصاعد”، وهي مشاريع كبرى تحتاج إلى حكامة جيدة وإلى حسن التدبير حتى تحقق أهدافها على أرض الواقع.

    شارك الحزب في انتخابات سنة 2021 وساهم في تدبير الشأن الحكومي. ما أبرز الدروس التي خرج بها من هذه التجربة؟ وما الأخطاء التي لا ترغبون في تكرارها خلال الاستحقاقات المقبلة؟

    خضنا انتخابات 2021 بكل ما حملته من رهانات، واستطعنا أن نحتل المرتبة الثانية، رغم أن طموحنا كان تحقيق المرتبة الأولى. ورغم ذلك، تعاملنا مع النتيجة بروح المسؤولية، وشاركنا في الحكومة، وتحملنا مسؤوليتنا كاملة داخل الأغلبية الحكومية.

    ومنذ بداية هذه التجربة، عمل الحزب على الحفاظ على تماسك الأغلبية الحكومية، وعلى ضمان استقرارها، رغم ما قد ينشأ داخل أي تحالف سياسي من اختلافات في وجهات النظر. وكان همنا الأساسي هو الحفاظ على هذا الاستقرار بما يخدم مصلحة المواطنين، لأن أي توتر داخل الأغلبية كان سينعكس مباشرة على الأداء الحكومي وعلى مصالح المغاربة، لذلك تحملنا مسؤوليتنا إلى آخر لحظة، وسنواصل القيام بذلك بالروح نفسها.

    أما بخصوص القطاعات التي أشرف عليها وزراء حزب الأصالة والمعاصرة، فإن حصيلتها تقاس بما تحقق فيها من نتائج وأرقام. ومع ذلك، فمن غير الواقعي انتظار تحقيق جميع الأهداف خلال خمس سنوات فقط، لأن تدبير القطاعات الحكومية يرتبط بإصلاحات عميقة تحتاج إلى الوقت حتى تظهر آثارها، وهناك مشاريع ستبرز نتائجها بشكل أوضح بعد سنة 2026، ونأمل أن تمنحنا ثقة المواطنين فرصة أكبر لمواصلة تنزيلها.

    أما الأخطاء، فنحن لا ندعي الكمال، بل نعتبرها جزءا من التجربة السياسية، ونسعى دائما إلى التعلم منها وتجاوزها في المحطات المقبلة.

    يتحدث حزب الأصالة والمعاصرة باستمرار عن تمكين الشباب والنساء، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: هل تمت ترجمة هذا الخطاب، من خلال منح الشباب والنساء مواقع متقدمة داخل اللوائح الانتخابية، أم سيظل الأمر في حدود الشعارات؟

    لو لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة يؤمن فعلا بتمكين الشباب والنساء لما شهدنا هذا التجديد المستمر في قياداته منذ تأسيسه. ففي كل مؤتمر يفرز الحزب قيادة جديدة، ومكتبا سياسيا متجددا، كما تعرف مختلف تنظيماته الموازية تداولا دائما على المسؤوليات، وهو ما يعكس قناعة راسخة بضرورة تجديد النخب وضخ دماء جديدة داخل الحزب.

    ولو لم نتبنَّ هذا الاختيار، لكنا اليوم نعيش الوضع نفسه الذي تعرفه بعض الأحزاب، حيث تستمر القيادات نفسها لولايات متتالية، وتتكرر الأسماء ذاتها داخل مختلف الأجهزة، بينما تبقى فرص الشباب والنساء محدودة. نحن لم نستورد مسؤولين من خارج الحزب، بل عملنا منذ البداية على تكوين أبناء وبنات الحزب وتأهيلهم وتحمل مسؤولياتهم داخله.

    فلسفة الحزب منذ تأسيسه تقوم على بناء مدرسة سياسية حقيقية، تخرج أطره وقياداته من داخله، وتمنحهم التكوين والتأطير اللازمين لتحمل المسؤولية. وهذا هو المعنى الحقيقي لتجديد النخب، أي أن يكون الحزب قادرا على إنتاج كفاءاته بنفسه، لا البحث عنها خارج تنظيمه.

    ولهذا، فعندما يُطرح السؤال حول من يقود الحزب اليوم، فإن الجواب واضح: إنهم أبناء وبنات الحزب الذين تدرجوا داخله، واكتسبوا تجربتهم السياسية والتنظيمية بين صفوفه. أما بالنسبة لنا، فإن المعيار الحاسم في تحمل المسؤولية يظل هو الكفاءة والاستحقاق، لأن الهدف هو وضع الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المكان الذي يستحقانه، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.

    منذ سنوات يثار الجدل حول المعايير التي تتحكم في منح التزكيات، بين من يعتبر أن الكفاءة والخبرة والقدرة على الترافع هي الأساس، وبين من يرى أن الإمكانيات المالية والقدرة على تمويل الحملات الانتخابية ما تزال حاضرة بقوة. وبعد أن حسم الحزب في أغلب مرشحيه للاستحقاقات المقبلة، هل يمكن القول إن معيار الكفاءة كان هو الحاسم؟

    في تقديري، لا ينبغي أن يكون امتلاك المال معيارا لتقييم أهلية المنتخب، لأن وظيفة المسؤول المنتخب ليست الإنفاق من ماله الخاص على المواطنين، بل تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم، والعمل على إيجاد الحلول لمشاكلهم، أما تحويل الإمكانيات المالية إلى وسيلة للتأثير في الناخبين أو لكسب الأصوات، فهو يدخل في إطار الفساد الانتخابي.

    الدولة لا تحتاج إلى أشخاص ينفقون أموالهم الخاصة على تدبير الشأن العام، لأنها تتوفر على مواردها ومؤسساتها، ما تحتاج إليه هو منتخبون، ووزراء، وبرلمانيون، ورؤساء جماعات ترابية يمتلكون الكفاءة والحكامة، ويعرفون كيف يستقطبون الاعتمادات المالية، ويوظفونها في إنجاز المشاريع التي تستجيب لانتظارات المواطنين.

    أما من يستثمر مبالغ طائلة في الحملات الانتخابية، فمن الطبيعي أن يطرح السؤال حول كيفية استرجاع تلك الأموال بعد الانتخابات، وهو ما يثير إشكالا حقيقيا على مستوى النزاهة والشفافية.

    لذلك، فنحن لا نبحث عن مسؤولين ينفقون أموالهم الخاصة على الدولة أو على المواطنين، بل عن مسؤولين قادرين على تدبير المال العام، وأموال دافعي الضرائب، بكفاءة ونزاهة ومصداقية، بما يخدم المصلحة العامة.

    يخوض حزب الأصالة والمعاصرة الاستحقاقات المقبلة بعد تجربة في التدبير الحكومي راكم خلالها عددا من المنجزات. هل ستكون هذه الحصيلة مدخلا أساسيا لاستعادة ثقة المواطن في العمل السياسي؟ وإلى أي حد سيكون الحزب مستعدا للحديث، بكل صراحة، ليس فقط عما تحقق، بل أيضا عما لم يتحقق، وتفسير الإكراهات التي واجهت العمل الحكومي، باعتبار أن النقد الذاتي يمثل أحد عناصر القوة والمصداقية؟

    هذا ليس نقاشا سنفتحه اليوم فقط، لأن ثقافة المصارحة والنقد الذاتي رافقت حزب الأصالة والمعاصرة منذ بداية هذه الولاية الحكومية. فمنذ السنوات الأولى، كانت اجتماعات المكتب السياسي والمجلس الوطني فضاء مفتوحا للنقاش الحر، حيث كنا نعبر بكل مسؤولية عن آرائنا وملاحظاتنا، حتى وإن كانت أحيانا مكلفة سياسيا.

    كما أن فريق الحزب داخل مجلسي البرلمان كان يتمتع بهامش واسع من حرية التعبير، ولم يتردد في مناقشة مختلف القضايا والملفات، بل وحتى في توجيه النقد إلى القطاعات التي يشرف عليها وزراء الحزب أنفسهم عندما كان ذلك ضروريا. وربما كنا من أكثر الأحزاب ممارسة لهذا النوع من النقد تجاه القطاعات التي نتولى تدبيرها، لأننا نؤمن بأن المسؤولية تقتضي تقييم الأداء باستمرار، وليس الاكتفاء بالدفاع عنه.

    لذلك، فإن النقد الذاتي بالنسبة إلينا ليس مجرد شعار ظرفي، بل هو جزء من هوية الحزب منذ تأسيسه، ويظهر ذلك أيضا في احترامنا الدائم للمواعيد التنظيمية، وفي النقاشات الواسعة التي تسبق مؤتمرات الحزب، وترافقها، وتستمر بعدها، في إطار من الديمقراطية الداخلية والشفافية.

    في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب المغربي، وخاصة أولئك الذين ما زالوا مترددين في الانخراط في العمل السياسي أو المشاركة في الانتخابات؟

    رسالتي إلى الشباب المغربي هي ألا يسمحوا لليأس أو الإحباط بأن يسيطر عليهم، لأن المغرب يتوفر على كل مقومات الأمل، فنحن ننعم بالاستقرار السياسي والأمني، كما نعيش استقرارا اجتماعيا يشكل أرضية مهمة لمواصلة البناء والإصلاح، أما باقي التحديات، مهما كانت كبيرة، فهي ليست مستحيلة الحل.

    ولهذا أدعو الشباب إلى الثقة بالله أولا، ثم الثقة في وطنهم، وفي مؤسساتهم، وإلى العمل بروح جماعية، والانخراط في الأحزاب السياسية، والتسجيل في اللوائح الانتخابية، والمشاركة المكثفة في مختلف الاستحقاقات الديمقراطية، لأن التغيير لا يتحقق بالمقاطعة، بل بالمشاركة وتحمل المسؤولية.

    فكل مشاركة مواطنة واعية تساهم في تقوية المؤسسات، وفي إيجاد حلول لمختلف التحديات التي تواجه بلادنا، وتفتح المجال أمام الشباب ليكونوا جزءا من صناعة القرار، لا مجرد متابعين له.

  • رسميا.. بنسعيد يضع لائحة ترشيحه للانتخابات التشريعية بدائرة “الموت”

    رسميا.. بنسعيد يضع لائحة ترشيحه للانتخابات التشريعية بدائرة “الموت”

    أودع صباح اليوم الاثنين بمقر ولاية الرباط سلا القنيطرة، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة محمد المهدي بنسعيد ترشيحه للانتخابات التشريعية المقبلة، عن بالدائرة الانتخابية الرباط المحيط، المعروفة بـ”دائرة الموت”.

    وتضم اللائحة إضافة إلى وكيلها كل من مجيد خلوة وهو مناضل بصفوف الحزب منذ تأسيسه وعضو مجلسه الوطني إضافة إلى شغله منصب مستشار بمجلس مقاطعة حسان.

    كما تضم اللائحة جاد زهراش، المحامي ذو 26 سنة وهو من الأطر القانونية بالحزب وعضو مجلسه الوطني إضافة إلى شغله مهمة نائب رئيس مقاطعة يعقوب المنصور.

    وسيكون جواد الگرواني رابع لائحة البام بالرباط المحيط، وهو مستشار بمجلس مقاطعة يعقوب المنصور، ومناضل بصفوف الحزب منذ سنوات.

    كما أودعت ليلى بيلغة لائحة الحزب الجهوية بجهة الرباط سلا القنيطرة بعد اعتمادها وكيلة لائحة الحزب بالجهة

    ويسعى بنسعيد، إلى مواصلة اشتغاله بدائرة الرباط المحيط وتواصله مع المواطنات والمواطنين ونهج سياسة القرب التي انطلقت منذ 2015 حين خاض أول تجربة انتخابية محلية بصعوده لمجلس مقاطعة الرياض أكدال ومجلس مدينة الرباط.

  • سانشيز يُسقط الاتهامات ضد المغرب ويقر برصد مؤشرات أزمة سبتة قبل وقوعها

    سانشيز يُسقط الاتهامات ضد المغرب ويقر برصد مؤشرات أزمة سبتة قبل وقوعها

    استبعد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، بشكل صريح وجود أي معطيات أمنية أو استخباراتية تثبت تورط السلطات المغربية في أزمة الهجرة غير النظامية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، مؤكدا أن أجهزة الدولة الإسبانية، بما فيها المركز الوطني للاستخبارات (CNI)، لم تتوصل إلى أي دليل يربط الرباط بالتدفقات غير المسبوقة التي عرفتها المدينة يومي 30 و31 يوليوز.

    موقف سانشيز، الذي عبّر عنه خلال مقابلة مع إذاعة “كادينا سير”، يأتي ليعزز الرواية التي سبق أن قدمتها الحكومة الإسبانية بشأن مسؤولية المغرب عن الأزمة، لكنه يكشف في المقابل عن معطى آخر لا يقل أهمية فأجهزة مدريد كانت تتوفر قبل الأحداث على تقارير ترصد ارتفاعا في محاولات الهجرة غير النظامية، من دون أن تتمكن من توقع الحجم الذي ستبلغه التدفقات لاحقا.

    وبحسب الأرقام التي قدمها رئيس الحكومة الإسبانية، عبر نحو 70 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة 30 و31 يوليوز، قبل أن يعود ما يقارب 90 في المئة منهم إلى المغرب خلال الأيام الموالية، فيما عاد 3222 شخصا إضافيا بصورة طوعية إلى التراب المغربي منذ 10 غشت.

    وبين نفي أي مسؤولية مغربية والإقرار بوجود إشارات سبقت الأزمة، حاول سانشيز رسم حدود واضحة بين توفر أجهزة الدولة على مؤشرات بشأن تصاعد الضغط على الحدود وبين امتلاكها معلومات استخباراتية تسمح بتوقع عملية عبور بهذا الحجم.

    وقال رئيس الحكومة الإسبانية، إن قوات الأمن والمركز الوطني للاستخبارات وباقي الأجهزة المختصة لم تتوفر على أي عنصر يثبت مشاركة السلطات المغربية في الأحداث، مؤكدا في الوقت نفسه، أن التعاون بين مدريد والرباط في ملف الهجرة يظل “إيجابيا للغاية”.

    واستحضر سانشيز في هذا السياق الانتشار الأمني الذي نفذته السلطات المغربية في منطقة الفنيدق بالتزامن مع اندلاع الأزمة، باعتباره أحد المؤشرات التي يستند إليها في الدفاع عن استمرار التعاون الأمني والهجروي بين البلدين.

    كانت هناك تقارير.. لكن لا أحد توقع الحجم

    غير أن تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية كشفت أن أزمة نهاية يوليوز لم تقع في غياب كامل للمؤشرات، فقد أقر سانشيز بأن المركز الوطني للاستخبارات والشرطة الوطنية كانا يتوفران خلال الأيام السابقة للأزمة، على “تقارير حول الوضع” ترصد ارتفاعا في تدفقات الهجرة غير النظامية ومحاولات العبور.

    بل إن المرحلة السابقة للأحداث شهدت بحسب تصريحاته، اجتماعات بين مؤسسات سبتة ومصالح الإدارة العامة للدولة، تحت إشراف مندوبية الحكومة، خُصصت لمناقشة تصاعد محاولات الوصول إلى المدينة.

    لكن سانشيز شدد على أن تلك المعطيات لم تكن، في تقدير الأجهزة الإسبانية، مختلفة بصورة استثنائية عما شهدته المنطقة في فترات صيفية سابقة، حين تسجل الحدود عادة ارتفاعا أو “ذروات” في محاولات الهجرة.

    وبذلك، وضع رئيس الحكومة الإسبانية خطا فاصلا بين “رصد ارتفاع في التدفقات” وبين “التنبؤ بأزمة بهذا الحجم”، وقال في هذا الصدد إن “أي معلومات لم تكن تشير إلى حجم الأزمة”، مضيفا أن “لا أحد توقع تدفقا من هذه الطبيعة”.

    وسعى سانشيز في تصريحه، إلى حسم الجدل الذي رافق التصريحات المتباينة داخل حكومته حول وجود إنذارات سابقة للأحداث، إذ لم ينف وجود تقارير أو اجتماعات أو مؤشرات، لكنه يؤكد أن أيا منها لم يتضمن تحذيرا من سيناريو بحجم ما وقع يومي 30 و31 يوليوز.

    ومع ذلك، كانت السلطات الإسبانية قد رفعت مستوى المراقبة الحدودية واتخذت إجراءات استعدادا لارتفاع محتمل في أعداد الوافدين، بما في ذلك تهيئة مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين “CETI”، ويعني ذلك أن مدريد كانت تستعد لضغط إضافي على الحدود، لكن ليس لموجة بالحجم الذي انتهت إليه الأحداث.

    مدريد لا تملك حتى الآن تفسيرا نهائيا

    الأكثر دلالة في تصريحات سانشيز هو إقراره بأن الحكومة الإسبانية لا تزال، بعد أسابيع من الأزمة، دون تفسير نهائي للأسباب الدقيقة التي أدت إلى اندلاعها بهذا الشكل.

    واعترف رئيس الحكومة بأن السلطات لا تتوفر “للأسف” على جواب حاسم بشأن أصل ما حدث، مشيرا إلى أن التحقيقات ما تزال مستمرة.

    وفي الوقت الذي استبعد فيه أي دور للسلطات المغربية، تحدث سانشيز عن شبكات روسية وإسرائيلية قال إنها ساهمت في نشر معلومات زائفة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

    ويضيف هذا المعطى بعدا جديدا إلى التحقيق في الأزمة، ينقل جزءا من النقاش من مسألة تدبير الحدود ميدانيا إلى الدور الذي يمكن أن تكون قد لعبته شبكات التواصل والمعلومات المتداولة رقميا في تحريك أو تضخيم موجة العبور.

    غير أن تصريحات سانشيز، وفق المعطيات الواردة في الحوار الإذاعي، لا تقدم تفسيرا نهائيا للعلاقة بين نشاط تلك الشبكات وبين خروج عشرات الآلاف في اتجاه سبتة، فيما أكد بنفسه أن التحقيقات بشأن الأسباب الدقيقة للأحداث لم تنته بعد.

    وهكذا تبقى أمام مدريد معادلة لم تُحسم بالكامل، تتمثل في وجود ارتفاع معروف مسبقا في ضغط الهجرة، ثم انتقال الوضع في ظرف قصير إلى تدفق استثنائي لم تتوقعه الأجهزة المختصة، من دون أن تتمكن الحكومة حتى الآن من تحديد سبب نهائي يفسر هذا التحول.

    نحو 5 آلاف شخص ما زالوا في سبتة

    بالتوازي مع البحث عن أسباب الأزمة، تواجه السلطات الإسبانية تداعياتها الإنسانية والإدارية داخل سبتة.

    فبحسب المعطيات التي قدمها سانشيز، ما يزال قرابة 5 آلاف شخص ممن دخلوا المدينة نهاية يوليوز موجودين فيها، من بينهم نحو 1200 قاصر.

    واستبعد رئيس الحكومة، في المرحلة الحالية، نقل جزء من هؤلاء إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، مؤكدا أن معالجة ملفاتهم ستتم داخل سبتة.

    ولتدبير الضغط على منظومة الاستقبال، أعلن سانشيز أن المدينة ستتوفر خلال الأيام المقبلة على حوالي 6 آلاف مكان للإيواء، بما يسمح وفق تقدير الحكومة، بتوفير القدرة اللازمة للتعامل مع الموجودين داخل المدينة.

    ويكتسي ملف القاصرين حساسية خاصة، بالنظر إلى خضوعه لإجراءات قانونية تختلف عن تلك المطبقة على البالغين، فضلا عن الجدل السياسي المتصاعد في إسبانيا بشأن توزيع مسؤولية استقبال القاصرين غير المصحوبين بين سبتة وباقي مناطق البلاد.

    أما بالنسبة إلى غالبية المهاجرين البالغين، فقد اعتبر سانشيز أن دوافعهم اقتصادية في الأساس، مرجحا عودة جزء كبير منهم إلى المغرب.

    وتأتي هذه التوقعات بعد عودة النسبة الأكبر ممن دخلوا خلال الموجة الأولى؛ إذ تشير الأرقام التي قدمها رئيس الحكومة إلى أن نحو 90 في المئة من قرابة 70 ألف شخص عادوا إلى المغرب في الأيام التي تلت الأزمة، قبل تسجيل 3222 عودة طوعية إضافية منذ 10 غشت.

    سانشيز يدافع عن التعاون مع الرباط

    وفي خضم الجدل الداخلي الإسباني حول المسؤوليات، حرص رئيس الحكومة على الدفاع عن مستوى التعاون القائم مع المغرب في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية.

    ووصف هذا التعاون بأنه “إيجابي للغاية” مستشهدا بالانتشار الأمني المغربي في منطقة الفنيدق خلال الأزمة.

    وتحمل هذه التصريحات أهمية سياسية بالنظر إلى الأصوات داخل المعارضة الإسبانية التي سعت، منذ اندلاع الأحداث، إلى مساءلة الحكومة عن مستوى التنسيق مع الرباط وعن المعلومات التي كانت متوفرة لدى أجهزة الاستخبارات قبل التدفقات.

    وباستبعاده أي دليل على “تورط السلطات المغربية” كما تدعي الآلة الإعلامية الإسبانية، وضع سانشيز موقفه إلى جانب الرواية التي قدمها وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، الذي رفض بدوره تحميل المغرب مسؤولية الأحداث، معتبرا أن ما وقع نتج عن أسباب متعددة وأن أجهزة الاستخبارات والأمن لم تكن تتوفر على معلومات تسمح بتوقع عملية عبور بهذا الحجم.

    وأعلن سانشيز أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية المحتلتين، دون الكشف عن موعد محدد لهذه الخطوة.

    وقال رئيس الحكومة الاسبانية إن هناك “أسبابا وحججا كافية” للزيارة، وإن “الظروف أصبحت مهيأة”، موضحا أن تحديد موعدها وترتيباتها سيجري بالتنسيق بين الحكومة والبيت الملكي.

    ورفض سانشيز الكشف عن مضمون المحادثات التي أجراها مع الملك فيليبي بشأن المدينتين، كما امتنع عن تحديد ما إذا كان فيليبي السادس يتقاسم معه القراءة نفسها للأزمة.

    واستحضر رئيس الحكومة الإسبانية زياراته السابقة إلى سبتة ومليلية، مشيرا إلى أنه كان أول رئيس حكومة في منصبه يزور المدينتين خلال السنوات الثماني التي قضاها في رئاسة الجهاز التنفيذي.

    في المقابل، لم يسبق لفيليبي السادس، الذي اعتلى العرش سنة 2014، أن قام بزيارة مماثلة بصفته ملكا، سواء في عهد حكومات الحزب الشعبي أو خلال حكومات سانشيز.

    ولم تخل مقابلة سانشيز من رسائل سياسية موجهة إلى المعارضة، إذ هاجم رئيس الحكومة سلفه خوسيه ماريا أثنار، على خلفية الزيارة التي قام بها الأخير إلى سبتة الأسبوع الماضي ومواقفه المرتبطة بالعلاقات مع المغرب.

    وانتقد سانشيز استحضار أثنار لقضية جزيرة ليلى باعتبارها محطة سياسية في العلاقة مع الرباط، ساخرا من التعامل معها كما لو كانت “إنجازا تاريخيا ينبغي أن نفتخر به”.

    وذهب أبعد من ذلك عندما اتهم من يذهبون إلى سبتة من أجل “إثارة الفتنة” بأنهم يواصلون النهج نفسه الذي طبع ممارستهم السياسية سواء أثناء وجودهم في رئاسة الحكومة أو بعد مغادرتها.

  • مع فتح باب الترشيحات.. انتخابات 23 شتنبر تدخل مرحلة الحسم و”البام” يصعّد التنافس على الصدارة

    مع فتح باب الترشيحات.. انتخابات 23 شتنبر تدخل مرحلة الحسم و”البام” يصعّد التنافس على الصدارة

    فتح المغرب، في الثامنة من صباح اليوم الإثنين 31 غشت 2026، باب الترشيح لانتخابات مجلس النواب، وسط سباق حزبي محتدم رفع فيه حزب الأصالة والمعاصرة من وتيرة تحركاته الميدانية، في وقت يحاول فيه شريكاه في الأغلبية، الأحرار والاستقلال، حماية موقعهما ضمن ثلاثي المقدمة، فيما تراهن أحزاب المعارضة على استعادة جزء من المبادرة الانتخابية.

    ودخل السباق نحو مجلس النواب واحدة من أكثر مراحله حساسية، مع انطلاق عملية إيداع الترشيحات للانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، والتي ستفضي إلى انتخاب 395 عضوا بمجلس النواب.

    العد التنازلي ينطلق

    فتحت وزارة الداخلية باب وضع الترشيحات في الساعة الثامنة صباحا من صباح اليوم الإثنين 31 غشت، وتنتهي في الساعة الثانية عشرة من زوال الأربعاء 9 شتنبر، غير أن المسطرة الجديدة للعملية ميزت بين أجلين مختلفين.

    ويتعلق الأول بالمنصة الإلكترونية المخصصة للتصريح بالترشيحات، والتي تفتح في الثامنة صباحا يوم 31 غشت، وتغلق عند الثانية عشرة من زوال الثلاثاء 8 شتنبر.

    أما الأجل الثاني، فمرتبط بإيداع أصل التصريح والوثائق لدى السلطة المختصة، ويظل ممكنا إلى غاية ظهر اليوم الموالي لإغلاق المنصة الإلكترونية، أي الأربعاء 9 شتنبر.

    وتودع ملفات الدوائر المحلية لدى مصالح العمالات أو الأقاليم أو عمالات المقاطعات المختصة، فيما تودع ملفات الدوائر الجهوية لدى الولاية المعنية.

    وحري بالذكر أن بداية وضع الترشيحات لا تعني انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية؛ إذ حددت هذه الأخيرة في الفترة الممتدة من الخميس 10 شتنبر إلى منتصف ليلة الثلاثاء 22 شتنبر، على أن يجري الاقتراع وفرز الأصوات يوم الأربعاء 23 شتنبر.

    وتمنع القوانين الانتخابية الجديدة الحزب من سحب التزكية بعد إيداع التصريح بالترشيح عبر المنصة المخصصة لذلك، بهدف الحد من تغيير المرشحين في اللحظات الأخيرة، أو التراجع عن التزكيات بعد تسجيلها، كما يجعل تاريخ الإيداع الإلكتروني عنصرا أساسيا في ترتيب ملفات الترشيح.

    وفي حالات رفض الترشيح من طرف السلطات المختصة، أقر القانون آجالا قضائية مختصرة، إذ يمكن للطرف المعني اللجوء إلى المحكمة الابتدائية الإدارية داخل أجل يوم واحد، على أن تبت المحكمة في النزاع خلال أربع وعشرين ساعة.

    305 مقاعد محلية و90 مقعدا جهويا

    يتكون مجلس النواب من 395 مقعدا، تتوزع بين 305 مقاعد تنتخب على مستوى الدوائر المحلية، و90 مقعدا على مستوى الدوائر الجهوية، ويجري الانتخاب بالاقتراع العام المباشر بواسطة اللوائح، مع توزيع المقاعد على أساس التمثيل النسبي وقاعدة أكبر البقايا.

    واحتفظت انتخابات 2026 بقاعدة احتساب القاسم الانتخابي استنادا إلى عدد الناخبين المسجلين في الدائرة، وليس إلى عدد الأصوات الصحيحة المعبر عنها.

    ويستخرج القاسم بقسمة عدد المسجلين على عدد المقاعد المخصصة للدائرة، ثم توزع المقاعد المتبقية بحسب قاعدة أكبر البقايا.

    ومن الناحية السياسية، يقلص هذا النظام إمكان تحقيق حزب واحد اكتساحا واسعا في عدد كبير من الدوائر، ويمنح الأحزاب المتوسطة والصغيرة فرصا أفضل للحصول على تمثيل برلماني.

    قوانين جديدة تشدد شروط الترشح والنزاهة

    تجري انتخابات 2026 في ظل منظومة قانونية معدلة، تتكون أساسا من القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، والقانون التنظيمي رقم 54.25 الخاص بالأحزاب السياسية، والقانون رقم 55.25 المتعلق باللوائح الانتخابية والحملات الانتخابية واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري.

    وقد وسع القانون الجديد حالات عدم الأهلية للترشح، لتشمل الأشخاص الصادر في حقهم حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتخابية، والمدانين نهائيا في جرائم انتخابية، إضافة إلى بعض المتابعين الذين ضبطوا في حالة تلبس بجناية أو بجنح خطيرة حددها النص.

    وشددت المقتضيات الجديدة كذلك العقوبات المرتبطة بشراء الأصوات أو تقديم الهدايا والمنافع والوعود بالخدمات والتوظيف بقصد التأثير في الناخبين.

    وتشمل المخالفات أيضا توزيع الأموال والمساعدات العينية وإقامة الولائم أو تمويل خدمات لفائدة جماعات أو فئات من الناخبين مقابل التصويت أو الامتناع عنه.

    وألزم القانون وكلاء اللوائح والمترشحين بإيداع حسابات حملاتهم الانتخابية إلكترونيا لدى المجلس الأعلى للحسابات داخل أجل تسعين يوما من تاريخ إعلان النتائج، مع تقديم الوثائق المثبتة للمداخيل والمصاريف وإرجاع مبالغ الدعم العمومي غير المستعملة أو غير المبررة.

    اللوائح الجهوية النسائية

    يشكل الحضور النسائي أحد أبرز التحولات في المشهد الانتخابي المغربي، إذ ينص القانون التنظيمي على أن تشتمل كل لائحة ترشيح مقدمة في دائرة انتخابية جهوية، حصريا، على أسماء مترشحات.

    ويختلف هذا المقتضى عن النظام السابق، الذي كان يحجز مراتب محددة للنساء داخل اللوائح الجهوية، إذ أصبحت اللوائح الجهوية برمتها نسائية. ولا يمنع ذلك النساء من الترشح كذلك في الدوائر المحلية، سواء وكيلات للوائح أو ضمن مراتبها المختلفة.

    ويعزز الحضور النسائي داخل مجلس النواب، بالنظر إلى أن الدوائر الجهوية تتوفر على تسعين مقعدا. لكنه يضع الأحزاب أيضا أمام اختبار نوعية الاختيارات، ومدى اعتمادها على الكفاءة والحضور السياسي والميداني، بدلا من حصر اللوائح الجهوية في منطق الاستكمال العددي.

    وفي سياق الاستعداد لهذا المقتضى، أعلن حزب الأصالة والمعاصرة، الجمعة 28 غشت الجاري، أسماء وكيلات لوائحه الجهوية في الجهات الاثنتي عشرة، موضحا أن عملية الانتقاء استندت إلى الكفاءة والتجربة التنظيمية والحضور الميداني والقدرة على التواصل والترافع.

    ويعد “البام” أكثر الأحزاب حضورا من حيث عدد النساء في اللوائح المحلية، إذ منح التزكية لسبع نساء تتقدمهن فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لـ”البام”، ونجوى كوكوس، رئيس المجلس الوطني للحزب.

    تحفيز الشباب وتشديد شروط المستقلين

    استحدث القانون نظاما لتحفيز اللوائح الشبابية، يتيح للوائح المحلية التي لا يتجاوز عمر مترشحيها 35 سنة، والمرتبة بالتناوب بين النساء والرجال، الاستفادة من دعم عمومي يعادل 75 في المئة من مصاريفها الانتخابية، في حدود 75 في المئة من السقف القانوني المحدد للحملة.

    ويظل الحصول على هذا الدعم مشروطا بتحقيق اللائحة أصواتا تعادل 2 في المئة على الأقل من عدد الناخبين المسجلين في الدائرة، في حين يمتد التحفيز إلى اللوائح الجهوية المستقلة المكونة من مترشحات لا تتجاوز أعمارهن 35 سنة، وإلى اللوائح المستوفية للشروط التي تتقدم بتزكية حزب سياسي أو تحالف حزبي.

    وفي المقابل، شدد المشرع شروط ترشح اللوائح المستقلة، وأصبح يتعين عليها تقديم برنامج برلماني جدي وقابل للتطبيق، وإثبات توفرها على الموارد المالية اللازمة للحملة، إلى جانب جمع 200 توقيع على الأقل من ناخبي الدائرة.

    واشترط القانون ألا تقل نسبة النساء الموقعات في الدوائر المحلية عن 30 في المئة، وألا تقل نسبتهن في الدوائر الجهوية عن 50 في المئة، مع توزيع توقيعات اللوائح الجهوية على مختلف العمالات والأقاليم التابعة للجهة.

    محاصرة المال السياسي والتضليل الرقمي

    شملت الإصلاحات الجديدة أيضا تمويل الأحزاب، وأصبحت العمليات المالية التي تبلغ أو تتجاوز عشرة آلاف درهم مطالبة بالمرور عبر وسائل أداء قابلة للتتبع، من قبيل التحويل أو الشيك البنكي.

    وفي الجانب الرقمي، شدد القانون العقوبات المتعلقة بالأخبار الزائفة والمحتويات المركبة التي تستهدف نزاهة الانتخابات أو سمعة المترشحين.

    ويشمل ذلك المحتويات المولدة أو المحرّفة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي إذا كان من شأنها تضليل الجمهور أو التأثير في سلامة الاقتراع.

    وتم منع استعمال الهواتف والأجهزة الإلكترونية داخل مكاتب التصويت والفرز في الحالات التي يحددها القانون، بهدف حماية سرية التصويت ومنع تصوير أوراق الاقتراع أو التأثير في عمليات الفرز.

    حظر استطلاعات الرأي دخل حيز التنفيذ

    دخل حظر نشر استطلاعات الرأي ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بالانتخابات حيز التنفيذ ابتداء من 26 غشت الجاري، أي قبل خمسة عشر يوما من انطلاق الحملة الرسمية، ويستمر إلى غاية إغلاق مكاتب التصويت يوم 23 شتنبر.

    ويمتد الحظر إلى وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي والمنصات والتطبيقات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، لذلك لا يمكن، خلال هذه الفترة، تقديم توقعات رقمية أو نسب مفترضة للأحزاب استنادا إلى استطلاعات جديدة.

    وحددت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الفترة الانتخابية الإعلامية في 39 يوما، من 15 غشت إلى 22 شتنبر، ومنعت التواصل الانتخابي المقنّع، وقررت وقف ظهور الصحفيين ومنشطي البرامج المترشحين للانتخابات، أو المعلنين علنا دعم حزب أو مترشح، على الشاشة أو عبر الإذاعة.

    وألزمت الهيئة وسائل الإعلام السمعية البصرية بوضع إشارة واضحة ودائمة على المحتويات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي إذا استعملت لأغراض تفسيرية، مع منع بث محتويات انتخابية مزيفة يمكن أن تغلط الجمهور.

    “البام” يتحرك بعين على الصدارة

    وسط هذه التحولات القانونية، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره أحد أكثر الأحزاب نشاطا في مرحلة ما قبل الحملة، ويدخل الانتخابات من موقع القوة السياسية الثانية في نتائج 2021، حين حصل على 87 مقعدا، خلف التجمع الوطني للأحرار الذي فاز بـ102 مقعد، ومتقدما على حزب الاستقلال الذي حصل على 81 مقعدا.

    ولا تخفي القيادة الجماعية لـ”البام”، التي تنسقها فاطمة الزهراء المنصوري إلى جانب محمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي، طموحها إلى تصدر انتخابات 2026 وقيادة الحكومة المقبلة، ما انعكس في الحسم المبكر لعدد من الترشيحات، وفي اتساع رقعة اللقاءات التواصلية التي نظمها الحزب خلال الأسابيع الماضية.

    وشملت تحركات الحزب الأقاليم الجنوبية، عبر لقاءات في العيون والداخلة جرى خلالها تقديم عدد من المرشحين، قبل أن تنتقل القيادة إلى محطات أخرى في برشيد وأكادير وسيدي سليمان وتاونات وأبي الجعد وخنيفرة وسيدي بنور.

    أيضا، وجه الحزب جزء من نشاطه نحو الشباب، من خلال لقاءات تواصلية “OPEN MICI” وصيغ نقاش مفتوح حول التشغيل والتعليم والثقة في المؤسسات.

    وفي لقاء تاونات، وضعت المنصوري العدالة المجالية ومواجهة واقع “مغرب السرعتين” ومصالحة الشباب مع المجتمع والمؤسسات ضمن أولويات خطاب الحزب.

    وفي أبي الجعد، ركزت وزيرة الانتقال الطاقي ليلى بنعلي على ضرورة تحويل الإصلاحات المنجزة خلال السنوات الخمس الماضية إلى أثر ملموس على حياة المواطنين، مع وضع القدرة الشرائية والصحة والتعليم وفرص الشغل في مقدمة المرحلة المقبلة.

    ويضع “البام” رهانا مزدوجا خلال هذه الفترة، من خلال الاستفادة من حصيلة مشاركته الحكومية ومن القطاعات التي تولى تدبيرها، مع تقديم نفسه، في الوقت ذاته، قوة قادرة على تصحيح الاختلالات الاجتماعية والمجالية.

    وينطوي هذا الرهان على صعوبة سياسية، إذ سيطالب الحزب بالدفاع عن حصيلته بصفته مكونا رئيسيا في الأغلبية، بينما يحاول في بعض لقاءاته تبني خطاب نقدي تجاه الأوضاع الاجتماعية والفوارق المجالية، ينضاف لها إقناع الناخبين بأن دعوته إلى التغيير لا تتعارض مع مسؤوليته عن جزء من التدبير الحكومي خلال الولاية المنتهية.

    صدام “البام” “الأحرار” يكشف شدة المنافسة

    بلغ التنافس بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار مستوى غير مسبوق داخل الأغلبية الحكومية، بعد تبادل بلاغات رسمية خلال يومي 25 و26 غشت.

    واتهم المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار حزب الأصالة والمعاصرة بممارسة استمالات وضغوط على عدد من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه، معتبرا أن هذه الممارسات تمس أخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي.

    ورد “البام ” بنفي الاتهامات، مؤكدا أن الالتحاق بصفوفه يتم عن طريق الحوار والاقتناع وحرية الاختيار، مذكرا بأن التجمع الوطني للأحرار سبق أن رشح في انتخابات 2021 أكثر من 17 برلمانيا كانوا ينتمون إلى خمسة أحزاب، من بينهم ستة برلمانيين سابقين من الأصالة والمعاصرة.

  • من قلب أجلموس.. لقجع يضع القدرة الشرائية والشباب والفوارق المجالية في صدارة أولويات “البام”

    من قلب أجلموس.. لقجع يضع القدرة الشرائية والشباب والفوارق المجالية في صدارة أولويات “البام”

    واصل حزب الأصالة والمعاصرة ديناميته التواصلية بإقليم خنيفرة، بتنظيم لقاء تواصلي ثان بجماعة أجلموس، بحضور أعضاء من المكتب السياسي ومنتخبين ومسؤولين حزبيين ومناضلات ومناضلي الحزب، في محطة اختار من خلالها “البام” الاقتراب أكثر من قضايا الساكنة وانتظاراتها، وفتح النقاش حول عدد من الملفات الاجتماعية والتنموية التي يعتبرها الحزب في صلب رهانات المرحلة المقبلة.

    اللقاء، المنظم اليوم الأحد، تحول إلى مناسبة لعرض جانب من تشخيص حزب الأصالة والمعاصرة للأولويات الوطنية، في أفق تقديم برنامجه الانتخابي الثلاثاء المقبل، حيث وضع فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي للحزب، أربعة ملفات في مقدمة التحديات التي يرى أنها تستدعي أجوبة سياسية وعملية واضحة بما فيها القدرة الشرائية، والشباب، والصحة والتعليم، ثم الفوارق المجالية وما وصفه بـ”المغرب ذي السرعتين”.

    واستهل لقجع مداخلته باستحضار الرمزية التاريخية لقبائل زيان، واصفا إياها بـ”القبائل المجاهدة”، قبل أن ينقل مفهوم النضال من دلالته التاريخية إلى معركة التنمية، معتبرا أن ساكنة المنطقة مطالبة اليوم بمواصلة التعبئة من أجل تحقيق التنمية والتطور والمساهمة في بلوغ الأهداف التي رسمها جلالة الملك محمد السادس.

    وقال لقجع مخاطبا الحاضرين إن المرحلة تفرض “الجهاد أكثر من أجل التنمية والتطور وتحقيق الأهداف التي رسمها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده” رابطا بذلك بين التاريخ النضالي للمنطقة وبين التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها اليوم.

    إلى قمم الجبال.. لقجع يدافع عن سياسة القرب

    وفي حديثه عن فلسفة اللقاءات التواصلية التي ينظمها الحزب، شدد عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة على أن الهدف هو الوصول مباشرة إلى المواطنين في مناطقهم، وليس الاكتفاء باللقاءات المنظمة في المراكز والمدن الكبرى.

    وعبر لقجع عن هذا التوجه بالقول إن المطلوب هو لقاء المواطنات والمواطنين “بالجبال، وليس في سفوح الجبال، بل في قمم الجبال” من أجل مناقشة “القضايا والمشاكل الحقيقية” في إشارة إلى ضرورة نقل النقاش السياسي إلى المجالات التي تعيش التحديات التنموية بشكل مباشر.

    ويأتي هذا الخطاب في سياق لقاء خصص جزء منه للإنصات إلى انشغالات الساكنة وتطلعاتها وفتح نقاش مباشر حول القضايا التنموية والمحلية التي تهم جماعة أجلموس وإقليم خنيفرة، في إطار ما يقدمه الحزب باعتباره سياسة للقرب والتواصل الميداني مع المواطنين.

    وأكد لقجع أن التجربة أظهرت وفق تعبيره، وجود مشاكل حقيقية في البلاد تستدعي اشتغالا جماعيا لمعالجتها، قائلا: “بحكم تجاربنا، تبين لنا أن لدينا مشاكل حقيقية ببلادنا، وجب علينا جميعا الاشتغال لحلها”.

    القدرة الشرائية.. “المشكل الحقيقي الأول”

    ووضع لقجع القدرة الشرائية على رأس الملفات التي يعتبر حزب الأصالة والمعاصرة أنها تفرض نفسها على الأجندة السياسية والاجتماعية، واصفا إياها بـ”المشكل الحقيقي الأول”.

    وأوضح أن الحزب بات يتوفر على تشخيص للوضعية، وأن طموحه لا يتمثل فقط في تقديم هذا التشخيص إلى المواطنين، وإنما أيضا في وضعه للنقاش مع باقي الفرقاء السياسيين.

    وقال إن “المشكل الحقيقي الأول الذي فهمناه في حزب الأصالة والمعاصرة، والذي جاء في وضع استثنائي وبشكل مفاجئ في الآونة الأخيرة، هو مشكل القدرة الشرائية” مضيفا:”لدينا تشخيص للوضعية ونريد مشاركته مع زملائنا والفرقاء السياسيين”.

    ووضع عضو المكتب السياسي لـ”البام” ملف القدرة الشرائية في مقدمة الأولويات التي ينتظر أن تحضر في العرض الانتخابي المقبل للحزب، باعتبار تأثيرها المباشر على الحياة اليومية للأسر المغربية.

    الشباب.. حلول مفتوحة على النقاش والاختلاف

    أما الملف الثاني الذي توقف عنده لقجع فيتعلق بالشباب، معتبرا أن معالجة قضايا هذه الفئة تمثل أحد التحديات الكبرى التي يتعين تقديم أجوبة بشأنها.

    وأكد أن حزب الأصالة والمعاصرة سيقدم مقترحاته وحلوله في هذا المجال “بكل تواضع”، لكنه في المقابل يريد أن تكون هذه الحلول موضوع نقاش سياسي جدي، بما في ذلك الاختلاف معها وانتقادها، شريطة أن يستند النقاش إلى الأرقام والوقائع.

    وقال لقجع: “الإشكال الثاني اليوم هو إشكال الشباب، سنقدم حلولا بحزبنا بكل تواضع، ولكن نريد من يأتي لمناقشتنا ويختلف معنا حتى، ولكن بالأرقام والحقائق”.

    ويعكس هذا الطرح، بحسب عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، توجها نحو جعل البرنامج الانتخابي المقبل أرضية للنقاش حول الحلول وليس مجرد إعلان للمواقف، خصوصا في الملفات الاجتماعية التي ترتبط مباشرة بمستقبل الشباب وفرص اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي.

    الصحة والتعليم.. أساس “المواطنة الحقيقية”

    في المحور الثالث، ربط لقجع مفهوم “المواطنة الحقيقية” بالولوج إلى خدمات عمومية أساسية في مقدمتها الصحة والتعليم، واضعا القطاعين ضمن القضايا المركزية التي ينبغي أن تحظى بالأولوية.

    واختصر لقجع هذا التصور بالقول إن “الإشكال الثالث هو المواطنة الحقيقية عبر صحة وتعليم حقيقيين”، في إشارة إلى أن قياس أثر السياسات العمومية ينبغي أن يرتبط بمدى وصول المواطن إلى خدمات صحية وتعليمية تستجيب لانتظاراته.

    ووضع هذا الطرح ملفي الصحة والتعليم إلى جانب القدرة الشرائية والشباب ضمن المداخل التي يرى الحزب أنها ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين، سواء في المراكز الحضرية أو في المجالات القروية والجبلية.

    لقجع ينتقد “مغرب السرعتين”

    وكانت الفوارق المجالية رابع الملفات التي أثارها لقجع بقوة خلال لقائه بأجلموس، منتقدا استمرار التفاوت في فرص التنمية والخدمات بين مناطق المملكة.

    واستخدم عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة تعبير “المغرب ذو سرعتين” لوصف هذه الإشكالية، قبل أن يقدم أجلموس مثالا مباشرا على الطموح الذي يدافع عنه الحزب، وقال: “المشكل الرابع هو المغرب ذو سرعتين والفوارق المجالية”، مضيفا “بغينا أجلموس بحال خنيفرة، وبحال بني ملال، وبحال الرباط وباقي المملكة”.

    وحملت هذه العبارة الرسالة الأبرز في الجزء المتعلق بالتنمية الترابية، إذ ربط لقجع النقاش حول الفوارق المجالية بحق المناطق القروية والجبلية في الاستفادة من شروط التنمية والخدمات والفرص نفسها التي تتوفر عليها المراكز الحضرية الكبرى.

    من التشخيص إلى “التعاقد” مع المواطنين

    ولم يقدم لقجع الملفات الأربعة باعتبارها مجرد عناوين للنقاش، بل ربطها بالبرنامج الانتخابي المرتقب لحزب الأصالة والمعاصرة، مؤكدا أن الحزب قرر أن يكون “فاعلا حقيقيا” في مسار البحث عن حلول لهذه الإشكالات، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستشهد تقديم البرنامج الانتخابي للحزب، بما يتضمنه من تشخيص للوضع ومقترحات للحلول.

    وأضاف لقجع أن الحزب سيقدم “حلولا وتشخيصا للوضع” على أن يتحول البرنامج إلى أساس لـ”تعاقد بين حزب الأصالة والمعاصرة والمواطنين”.

    ورسم لقجع من أجلموس الملامح العامة للأولويات التي يريد “البام” وضعها في واجهة عرضه السياسي، بما فيها حماية القدرة الشرائية، تقديم أجوبة لقضايا الشباب، تعزيز الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق المجالية، مع الدعوة إلى إخضاع المقترحات للنقاش والاختلاف استنادا إلى “الأرقام والحقائق”.

    ويأتي لقاء أجلموس ضمن الدينامية التنظيمية والتواصلية التي يواصل حزب الأصالة والمعاصرة تنزيلها بمختلف الجهات والأقاليم، من خلال لقاءات ميدانية تجمع قياداته ومنتخبيه بالمواطنين، في مرحلة تسبق تقديم البرنامج الانتخابي للحزب ودخول المنافسة السياسية المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة.

  • بنسعيد من سيدي بنور: لا نتهرب من المسؤولية ولا نقول العام زين والتحدي مايبقاش غلاء الأسعار

    بنسعيد من سيدي بنور: لا نتهرب من المسؤولية ولا نقول العام زين والتحدي مايبقاش غلاء الأسعار

    سلط محمد مهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، الضوء على العثرات والاختلالات التي رافقت التجربة الحكومية الحالية، مؤكدا أن “البام” لا يجد حرجا في الاعتراف بالتقصير وتصحيح ما يعتبره أخطاء في التدبير.

    وجاءت تصريحات بنسعيد خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب اليوم الأحد بالجماعة القروية أولاد عمران بإقليم سيدي بنور، حيث ركز على صعوبات العالم القروي، وتداعيات ارتفاع الأسعار على الفلاحين والمواطنين، إلى جانب رهان الحزب على سياسة القرب وإعادة بناء الثقة استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

    وقال محمد مهدي بنسعيد، إن الحزب لا يتهرب من مسؤولياته السياسية ولا يجد حرجا في الاعتراف بالتعثرات التي رافقت تجربته الحكومية الأولى، مشددا على أن الغاية الأساسية هي إصلاح الاختلالات وإعادة بناء الثقة مع المواطنين من خلال العمل الميداني وسياسة القرب.

    السياسات العمومية ومعاناة الفلاح الصغير

    أوضح بنسعيد أن العالم القروي يشكل المحرك الأساسي لتطوير الاقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الغذائي، مشيرا إلى أن إقليم سيدي بنور يلعب دورا محوريا في هذا المجال، إلا أنه ما يزال في حاجة ماسة إلى تنمية البنيات التحتية كالأرضية الطرقية وسياسة فلاحية أكثر نجاعة.

    وأقر القيادي بحزب “البام” بأن السياسات العمومية الحالية لا تصل بالشكل المطلوب إلى الفلاح الصغير الذي يواجه مباشرة تبعات موجة الغلاء في أسعار الخضراوات واللحوم، مؤكدا أن حماية القدرة الشرائية للمواطن تظل التحدي الأكبر أمام الحكومة.

    جرأة في تقييم التجربة الحكومية

    وفي قراءة نقدية ومباشرة للعمل الحكومي، صرح بنسعيد: “نحن لا نقول العام زين، حاولنا الاجتهاد وكانت هناك إشكاليات وتحديات انعكست على حياة المواطن. ولم تكن هناك سوء نية في التدبير، لكن وقع تقصير في بعض الملفات ولا حرج لدينا في قول ذلك بكل شجاعة سياسية”.

    وبخصوص ملف دعم المواشي، كشف بنسعيد أن قرار دعم المواشي كانت تقف وراءه نية حسنة لحماية القدرة الشرائية، مستدركا: “لكن تدبير العملية شهد فشلا وتجاوزات، ولا نملك أي مشكل في الاعتراف بهذا الخلل والتراجع عنه لتطبيق حلول أفضل وأكثر نجاعة”، وأضاف أن الحزب استمر طيلة سنوات التجربة الحكومية في الدفاع عن أفكار وسيتم طرحها في البرنامج الانتخابي.

    إعادة بناء الثقة واختيار النخب

    وعن الرهانات المستقبلية للحزب، شدد بنسعيد على أن الحزب الذي قضى عشر سنوات في المعارضة يضع اليوم تقوية الثقة مع الشارع المغربي في صدارة أولوياته، انطلاقا من مرجعيته المتمثلة في الديمقراطية الاجتماعية التي تسعى إلى تحقيق تنمية متوازنة تجعل كل الفئات والمناطق تتقدم بنفس السرعة.

    وأشار بنسعيد في ختام كلمته إلى معايير اختيار نخب وممثلي الحزب، مشددا على رفض “البام” لأسلوب قطع التواصل بعد الانتخابات، حيث قال: “لا نريد برلمانيا يغلق هاتفه ولا يظهر إلا كل خمس سنوات، فاختيار مرشحينا يرتكز على سياسة القرب، والقدرة على الانصات للساكنة ونقل صوتها وقضاياها بصدق إلى البرلمان والحكومة”.

  • 180 ميناء في 70 دولة.. كيف أصبح المغرب عقدة في التجارة البحرية العالمية؟

    180 ميناء في 70 دولة.. كيف أصبح المغرب عقدة في التجارة البحرية العالمية؟

    لم تعد قراءة الحضور البحري للمغرب في 2026 تتوقف عند أرقام الموانئ الوطنية أو عند حركة ميناء طنجة المتوسط وحده، فالأرقام المنشورة في الضفة الأخرى تقدم صورة أوسع بخصوص ارتفاع المبادلات مع موانئ أوروبية كبرى، خطوط منتظمة تعبر الأطلسي نحو الأمريكيتين، شبكات تصل المملكة بآسيا وإفريقيا، وحركة كثيفة في مضيق جبل طارق تجعل الموانئ المغربية جزءا من سلاسل نقل لا تقف عند حدود السوق الأوروبية.

    في برشلونة، ارتفع النقل البحري قصير المسافة مع المغرب بـ66.7 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة الجارية، وفي فالنسيا، زادت حركة الحاويات المرتبطة بالمملكة بـ19.09 في المائة خلال الربع الأول، بينما سجل هامبورغ نموا بـ4.7 في المائة خلال النصف الأول.

    وبالتوازي مع ذلك، تتوسع شبكة الخطوط التي تمر عبر طنجة المتوسط نحو غرب إفريقيا وآسيا والبرازيل والكاريبي وكندا والولايات المتحدة، في وقت يستعد فيه المغرب لإدخال الناظور غرب المتوسط إلى الاستغلال التجاري تدريجيا ابتداء من الربع الأخير من 2026.

    وهذه الأرقام لا تعني أن المبادلات ارتفعت في جميع المؤشرات، إذ لا يسمح بجمع كل البيانات المنشورة في رقم واحد، بسبب اختلاف طرق الاحتساب والفئات الإحصائية بين ميناء وآخر لكنها تكشف عن تحول أعمق يفيد بأن موقع المغرب في التجارة البحرية أصبح يُقرأ من خلال حضوره داخل شبكات الموانئ والخطوط الدولية، وليس فقط من خلال ما تعالجه أرصفته داخل المملكة.

    برشلونة.. رقم يرتفع بـ66.7 في المائة وآخر يتراجع

    أكثر البيانات الثنائية تفصيلا تأتي من برشلونة، فبحسب النشرة الإحصائية الرسمية للميناء، بلغ النقل البحري قصير المسافة مع المغرب 128 ألفا و727 حاوية مكافئة لعشرين قدما بين يناير ويوليوز 2026، بارتفاع سنوي بلغ 66.7 في المائة.

    وبهذا الحجم، استحوذ المغرب على 16.8 في المائة من إجمالي 764 ألفا و975 حاوية عالجها ميناء برشلونة ضمن هذه الفئة، محتلا المرتبة الثانية بعد الجزائر. أما الميناء ككل، فقد عالج خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة أكثر من 40.6 مليون طن و2.22 مليون حاوية، فيما السلسلة الإحصائية الخاصة بالحاويات الممتلئة خارج العبور تقدم اتجاها معاكسا بحوالي 14 ألفا و659 حاوية فقط مع المغرب أي بانخفاض سنوي بـ17.1 في المائة، منها 13 ألفا و447 حاوية محملة في برشلونة ومتجهة إلى المملكة، بتراجع بلغ 18.7 في المائة.

    وفي الوقت نفسه، بلغت البضائع التقليدية 10 آلاف و974 طنا، بزيادة 1.9 في المائة، فيما اقتصر النقل بالدحرجة على 297 وحدة نقل متعددة الوسائط، رغم ارتفاعه بـ71.7 في المائة.

    ولا يوجد تناقض حسابي بين هذه المؤشرات، فـ128 ألفا و727 حاوية الخاصة بالنقل البحري قصير المسافة و14 ألفا و659 حاوية الممتلئة خارج العبور لا تقيسان النشاط نفسه، ولذلك لا يمكن جمعهما أو التعامل معهما باعتبارهما رقما موحدا للتجارة المغربية مع برشلونة. كما لا تسمح البيانات المتاحة بفصل حجم العبور أو الحاويات الفارغة أو أثر تغير تركيبة التدفقات.

    فالنسيا وهامبورغ.. المغرب ضمن العلاقات الصاعدة

    الاتجاه نفسه يظهر وإن ببيانات أقل تفصيلا، في فالنسيا فقد وضعت سلطة Valenciaport المغرب ضمن العلاقات التي سجلت نموا ملحوظا، مع ارتفاع حركة الحاويات بـ19.09 في المائة خلال الربع الأول من 2026.

    المؤسسة الإسبانية، لم تنشر الحجم المطلق للحاويات الخاصة بالمغرب، وهو ما يمنع قياس الوزن الحقيقي للمملكة داخل إجمالي نشاط الميناء لكن السياق مهم ويتمثل أساسا في الموانئ الثلاثة التي تديرها السلطة إذ عالجت خلال الأشهر الثلاثة الأولى 18.67 مليون طن و1.31 مليون حاوية و1712 رسوا للسفن، قبل أن يصل الحجم في النصف الأول إلى نحو 39.9 مليون طن و2.82 مليون حاوية.

    وفي شمال أوروبا، سجل ميناء هامبورغ بدوره ارتفاعا سنويا بـ4.7 في المائة في المبادلات بالحاويات مع المغرب خلال النصف الأول، دون نشر الحجم المطلق الخاص بالمملكة، كما عالج الميناء الألماني خلال الفترة نفسها 56.1 مليون طن ونحو أربعة ملايين حاوية.

    أما روتردام وأنتويرب-بروج ومونتريال، فتتيح بيانات عن نشاطها الإجمالي دون تفصيل كاف يسمح بعزل المبادلات المغربية، فقد عالج روتردام 212 مليون طن خلال النصف الأول، وأنتويرب-بروج 133.9 مليون طن فيما بلغ نشاط مونتريال 17.7 مليون طن و781 ألفا و909 حاويات.

    المضيق.. حيث تصبح العلاقة البحرية حركة يومية

    إذا كانت موانئ شمال أوروبا والمتوسط تقيس توسع الشبكة التجارية للمغرب، فإن مضيق جبل طارق يقدم الصورة الأكثر كثافة من حيث حركة الأشخاص والمركبات والرحلات، فخلال الشهر الأول من عملية عبور المضيق بين 15 يونيو و15 يوليوز سجلت المنظومة الإسبانية 646 ألفا و121 مسافرا و160 ألفا و698 مركبة و2220 رحلة بحرية.

    ومن داخل هذه الحركة، استحوذ خط الجزيرة الخضراء طنجة المتوسط على 250 ألفا و504 مسافرين و75 ألفا و700 مركبة، فيما نقل خط طريفة طنجة المدينة 115 ألفا و880 مسافرا و16 ألفا و904 مركبات أي أن الخطين المغربيين وحدهما نقلا خلال شهر 366 ألفا و384 مسافرا و92 ألفا و604 مركبات، دون احتساب حركة سبتة أو الخطوط الأخرى الداخلة في المنظومة الإسبانية.

    وتعطي أرقام عملية مرحبا من الجانب المغربي صورة أوسع زمنيا، فإلى غاية 3 غشت بلغ عدد المغاربة المقيمين بالخارج الذين استقبلتهم المملكة منذ بداية العملية مليونين و741 ألفا و570 شخصا، إلى جانب 287 ألفا و518 مركبة وجاء مليون و430 ألفا و811 شخصا عبر البحر، بما يمثل 52.19 في المائة من إجمالي الوافدين.

    واستقبل طنجة المتوسط وحده 512 ألفا و693 شخصا، مقابل 200 ألف و13 عبر الناظور و168 ألفا و240 عبر طنجة المدينة، كما أنه وفي الثاني من غشت، سجل طنجة المتوسط ذروة يومية بلغت 31 ألفا و917 مسافرا و8612 مركبة، مع متوسط زمن للخروج لم يتجاوز 15 دقيقة، وفق البيانات الرسمية الواردة في المادة الأصلية.

    عشرات الرحلات في اليوم بين الضفتين

    وراء أرقام المسافرين توجد شبكة نقل يصعب فصلها عن البنية الاقتصادية للمضيق، فخلال عملية عبور المضيق برمجت Baleària ما يصل إلى 12 رحلة يومية بين طريفة وطنجة المدينة، وتسع رحلات بين الجزيرة الخضراء وطنجة المتوسط، إضافة إلى ثلاث رحلات في المتوسط بين ألميريا والناظور.

    أما DFDS، فتعرض على خط الجزيرة الخضراء–طنجة المتوسط ثماني رحلات يومية في كل اتجاه بواسطة سفن مختلطة لنقل الركاب والبضائع، بزمن عبور يقارب 90 دقيقة، تضاف إليها رحلتان على الأقل يوميا وفي كل اتجاه مخصصتان للشحن غير المصحوب. وتصل قدرة سفينة Tanger Express إلى أكثر من 900 مسافر و344 مركبة.

    كما عادت الحسيمة إلى هذه الخريطة بعد استئناف خط موتريل الحسيمة نشاطه التجاري في 14 يوليوز، حين نقلت أول رحلة 839 مسافرا و188 مركبة وبعد ذلك جرى اعتماد أربع رحلات أسبوعية نحو الحسيمة وثلاث نحو الناظور.

    ومن فرنسا، يبرمج ميناء سيت خلال موسم الذروة رحلتين أسبوعيتين نحو طنجة المتوسط وأربع رحلات نحو الناظور، فيما تتراجع الوتيرة خارج الموسم إلى رحلة كل أربعة أيام نحو طنجة وأخرى كل ثمانية أيام نحو الناظور.

    هذه الكثافة ليست مرتبطة بالركاب فقط، فطنجة المتوسط يصف نشاط الدحرجة بأنه جسر بحري بين أوروبا وإفريقيا، بطاقة لمعالجة 700 ألف شاحنة سنويا وثمانية أرصفة مخصصة لهذا النشاط كما تفيد بيانات الميناء بأنه يعالج أكثر من نصف الصادرات المغربية ونحو 97 في المائة من تدفقات شاحنات التصدير.

    الطلب المتزايد على الشبكة المغربية دفع شركات النقل إلى تعزيز أساطيلها المخصصة لهذه الخطوط، فقد أدخلت الشركة الإيطالية GNV سفينة GNV Aurora إلى شبكة طنجة المتوسط–برشلونة–جنوة في فاتح يونيو، ثم أتبعتها بـGNV Virgo في فاتح يوليوز.

    وتعمل السفينتان بالغاز الطبيعي المسال، وتوفر كل واحدة منهما أكثر من 1700 مكان و426 مقصورة و2780 مترا طوليا للشحن، بوزن إجمالي يبلغ 53 ألف طن وطول 218 مترا وسرعة قصوى تصل إلى 25 عقدة.

    وتشغل الشركة، بحسب بياناتها، نحو 250 أجيرا مغربيا، وتقدر أن تشغيل السفينتين الجديدتين يمكن أن يخفض إلى النصف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قياسا إلى الحمولة الممكن نقلها.

    من أكادير والدار البيضاء إلى بريطانيا

    ولا تمر كل التجارة البحرية المغربية عبر المضيق في صيغتها التقليدية، فهناك سلاسل لوجستية تربط مناطق الإنتاج داخل المملكة مباشرة بأسواق شمال غرب أوروبا وتربط خدمة DP World Atlas أكادير والدار البيضاء بفليسينغن الهولندية وLondon Gateway البريطانية أسبوعيا بين أكتوبر وماي، وكل أسبوعين بين يونيو وشتنبر.

    بالنسبة للمنتجات الزراعية المغربية، تستغرق الرحلة إلى فليسينغن أربعة أيام وإلى London Gateway خمسة أيام، فيما تتحرك الإمدادات الصناعية في الاتجاه المعاكس نحو المغرب ومنذ 5 مارس، أعادت Hapag-Lloyd كذلك تنظيم خدمتها بين البرتغال والمغرب لتصبح حول مسار ليكسويش لشبونة طنجة ليكسويش، بعد سحب ميناء فيغو من المسار.

    المستوى الآخر من الحضور البحري المغربي يوجد بعيدا عن الخطوط القصيرة نحو إسبانيا وفرنسا، فمنذ أبريل، وضعت شبكات Maersk بين آسيا وأوروبا طنجة المتوسط ضمن ثلاثة مسارات رئيسية يربط AE1 شنغهاي ويانتيان وتانجونغ بيليباس بروتردام وهامبورغ وأنتويرب وLondon Gateway قبل المرور بطنجة أما AE2 فيربط نينغبو وشنغهاي وماليزيا بطنجة ثم فيلهلمسهافن وبريمرهافن وروتردام وصلالة وسنغافورة ويضع AE11 طنجة على مسار بين شرق آسيا وموانئ المتوسط الأوروبية، من بينها فالنسيا وبرشلونة ولا سبيتسيا وجنوة وفادو ليغوري.

    وتضيف CMA CGM إلى هذه الشبكة خطوط FAL وFAL3 وEPIC، حيث يربط الأخير موانئ خليفة وجبل علي ونافاشيفا وموندرا وصحار بطنجة في مدة تقارب 38 يوما، وهذه الوظيفة ليست هامشية في نموذج طنجة المتوسط، فالميناء يرتبط مباشرة بأكثر من 180 ميناء في 70 دولة وفق بيانات سلطته مع ربط أسبوعي بأكثر من 40 ميناء في أزيد من 20 دولة إفريقية.

    وفي 2025، عالج طنجة المتوسط 11.1 مليون حاوية، بارتفاع 8.4 في المائة عن السنة السابقة، وهو مستوى يوضح الحجم الذي بلغه نشاط إعادة الشحن قبل الدخول في معطيات 2026.

    غرب إفريقيا.. طنجة داخل حلقة من 42 يوما

    منذ 13 يوليوز، أضيف خط جديد إلى الشبكة الإفريقية، ويتعلق الأمر بـKORA Express التابع لـCMA CGM، وهو خط أسبوعي يعمل بست سفن بطاقة 4200 حاوية لكل واحدة، ضمن حلقة تستغرق 42 يوما ويمر المسار عبر ساوثهامبتون وفليسينغن وأنتويرب وطنجة المتوسط والجزيرة الخضراء، قبل التوجه جنوبا إلى تيما وليكي وكوتونو وداكار.

    وإلى جانبه، تربط خدمة EURAF1 طنجة بداكار وأبيدجان، فيما يصل BIJAGOS بين الجزيرة الخضراء وطنجة المتوسط ونواكشوط وبرايا وبيساو وبانجول ونواذيبو، بوتيرة أسبوعية كذلك.

    بهذه الخطوط، لا يعود الميناء المغربي نقطة وصول للبضائع الآتية من أوروبا أو آسيا فقط، بل محطة لإعادة توزيعها جنوبا نحو أسواق غرب إفريقيا.

    من طنجة إلى البرازيل ونيويورك

    في الاتجاه الآخر، تعبر الخطوط الأطلسي، إذ يربط SIRIUS طنجة المتوسط بموانئ سلفادور وسانتوس وإيتابوا وإيتاجاي وباراناغوا في البرازيل. ويذهب MEDCARIB نحو بوانت-à-بيتر وفور دو فرانس وكاوسيدو وكينغستون وقرطاجنة وبوينافينتورا وبايتا وغواياكيل وموين وتوربو.

    أما MEDCAN فيربط الميناء المغربي بسانت جون ومونتريال، بينما يمتد UMX نحو سافانا وهيوستن ونورفولك ونيويورك، وبذلك تمتد الخطوط المنتظمة المرتبطة بالمغرب إلى أوروبا وإفريقيا وآسيا والأمريكيتين. أما أوقيانوسيا، فلا تتوفر في معطيات 2026 التي تستند إليها هذه المادة أدلة على وجود خط بحري منتظم ومباشر بينها وبين المغرب، إذ تمر الحركة عبر عمليات إعادة الشحن في آسيا.

    لكن اتساع الشبكة البحرية لا يلغي نقاط الضعف، وقد ظهرت إحداها في الدار البيضاء مطلع السنة، حين تسببت العواصف الأطلسية في اضطراب نشاط الميناء خلال جزء كبير من يناير، وسرعان ما انتقلت آثار الاضطراب من الرصيف إلى فواتير الشحن.

    وابتداء من 5 فبراير، فرضت CMA CGM رسما إضافيا بقيمة 100 يورو للحاوية على عدد من الشحنات القادمة من أوروبا والمتوسط وإفريقيا، وشمل الإجراء كذلك خط الدحرجة بين مرسيليا والدار البيضاء، وحددت Maersk رسم الازدحام في 150 دولارا للحاوية، بينما فرضت Hapag-Lloyd مبلغ 75 يورو.

    وبعد ذلك، رفعت CMA CGM أسعار النقل من المتوسط، بما يشمل المغرب، نحو مونتريال بـ500 دولار لكل حاوية مكافئة لعشرين قدما ابتداء من فاتح أبريل.

    وفي يوليوز، أضيفت إلى كلفة بعض الخطوط رسوم مرتبطة بنظام الاتحاد الأوروبي لتداول حصص الانبعاثات وتشريع FuelEU Maritime، بلغت لدى GNV، لكل متر طولي، 23.5 يورو بين برشلونة وطنجة أو الناظور، و29.5 يورو انطلاقا من سيت، و34.5 يورو من جنوة و17 يورو من ألميريا.

    الناظور غرب المتوسط.. 51 مليار درهم تدخل المعادلة

    فيما يواصل طنجة المتوسط تثبيت موقعه داخل الشبكات القائمة، يستعد المغرب لإدخال لاعب جديد إلى الخريطة، فالناظور غرب المتوسط هو أكبر استثمار مينائي مغربي ينتظر دخوله التجاري خلال 2026 وتبلغ الاستثمارات العمومية والخاصة المرتبطة بالمشروع 51 مليار درهم، مع 5.4 كيلومترات من كاسرات الأمواج وأربعة كيلومترات من الأرصفة وأربع محطات للطاقة.

    وتشير أحدث المعطيات المتاحة إلى أن الاستغلال التجاري سيبدأ بصورة تدريجية خلال الربع الرابع من 2026، على أن تدخل المحطات المختلفة الخدمة تباعا خلال 2027، فيما البداية ستكون بالمحطة الشرقية للحاويات كما لم تكن أي بنية قد دخلت الاستغلال التجاري بعد عند نشر آخر المعطيات في يوليوز.

    وتقدر الطاقة المعلنة للمركب في مرحلة أولى بخمسة ملايين حاوية سنويا و35 مليون طن من المواد السائبة السائلة والصلبة، مع إمكانية رفع طاقة الحاويات لاحقا إلى 12 مليونا.

    وإلى جانب الوظيفة المينائية، يدخل عنصر الطاقة بقوة في المشروع، فالمركب سيحتضن أول محطة مغربية للغاز الطبيعي المسال، بطاقة سنوية تبلغ خمسة مليارات متر مكعب، إضافة إلى 700 هكتار من مناطق الأنشطة ترتبط باستثمارات خاصة تقدر بنحو 20 مليار درهم.

    أما المحطة الشرقية للحاويات، التي تجمع Marsa Maroc وTerminal Investment Limited التابعة لمجموعة MSC، فتتوفر على رصيف بطول 1520 مترا وعمق 18 مترا ومساحة 70 هكتارا، مع طاقة نهائية معلنة تبلغ 3.4 ملايين حاوية.

    الدار البيضاء أيضا يرفع طاقته

    الاستثمار لا يقتصر على بناء موانئ جديدة، ففي الدار البيضاء، جرى تمديد امتياز محطة الحاويات TC3 لمدة عشرين سنة، بالتوازي مع برنامج استثماري بقيمة ثلاثة مليارات درهم والهدف هو رفع قدرة المحطة من 600 ألف إلى 900 ألف حاوية سنويا بحلول 2030، ودفع الطاقة الإجمالية للمركب المينائي إلى أكثر من مليوني حاوية.

    وفي موازاة توسيع قدراتها داخل المملكة، بدأت Marsa Maroc نقل خبرتها إلى الخارج. ففي 10 فبراير، وقعت اتفاقا مع سلطة الموانئ الليبيرية لتأهيل واستغلال رصيفين في مونروفيا، وإن كانت المعطيات المتاحة لا تؤكد بعد دخولهما الفعلي إلى الخدمة.

    المغرب لا يبني موانئ فقط

    عند جمع هذه المؤشرات، تظهر خريطة تتجاوز صورة ميناء ناجح هنا أو خط بحري جديد هناك، ففي الشمال، أصبح طنجة المتوسط نقطة عبور وإعادة شحن على المسارات التي تربط آسيا بأوروبا وأوروبا بإفريقيا والمتوسط بالأمريكيتين وعلى المسافة القصيرة، تحول المضيق إلى جسر بحري يومي للركاب والشاحنات والبضائع.

    وفي الشرق، يستعد الناظور غرب المتوسط لإضافة قدرة جديدة للحاويات والطاقة والصناعة، أما الدار البيضاء، فتتجه استثماراتها إلى رفع الطاقة الاستيعابية، بعدما كشفت اضطرابات بداية السنة أيضا عن كلفة الاختناق حين يصيب أحد الموانئ الرئيسية.

    الصورة التي ترسمها أرقام 2026 ليست خطا صاعدا بلا استثناءات، فبرشلونة مثلا، يسجل ارتفاعا قويا في النقل البحري قصير المسافة مع المغرب، مقابل تراجع الحاويات الممتلئة خارج العبور كما أن عددا من الموانئ الكبرى لا ينشر حتى الآن بيانات تسمح بعزل حصته المغربية بدقة.

    لكن ما يمكن قياسه بوضوح هو اتساع دائرة الربط، فالمغرب لم يعد يتحرك بحريا داخل فضاء متوسطي محدود شبكاته المنتظمة تصل اليوم إلى غرب إفريقيا وآسيا والبرازيل والكاريبي وكندا والولايات المتحدة، فيما يتحرك الجزء الأكبر من هذه الخريطة حول عقدة طنجة المتوسط التي تتصل بأكثر من 180 ميناء في 70 دولة.

    ومع دخول الناظور غرب المتوسط تدريجيا إلى الاستغلال، لن يكون السؤال متعلقا بعدد الموانئ التي يمتلكها المغرب بقدر ما سيكون مرتبطا بقدرتها على العمل كشبكة واحدة فطنجة لإعادة الشحن والربط العالمي، الدار البيضاء لخدمة القلب الاقتصادي والصناعي، الناظور لزيادة الطاقة المينائية واللوجستية والطاقية على المتوسط، وبقية الموانئ لخدمة سلاسل الإنتاج والتصدير.

    والأرقام القادمة من برشلونة وفالنسيا وهامبورغ، والخطوط التي تنطلق نحو إفريقيا وآسيا والأمريكيتين، تقول إن جزءا من أثر هذه السياسة أصبح يظهر خارج الموانئ المغربية نفسها في أرصفة الشركاء، وفي جداول شركات الملاحة، وفي المسارات الجديدة التي صار المغرب محطة ثابتة فيها.