التصنيف: رئيسيّة

  • سبتة على شفا الانهيار.. إسبانيا تستنجد بأوروبا وتدافع عن المغرب

    سبتة على شفا الانهيار.. إسبانيا تستنجد بأوروبا وتدافع عن المغرب

    بعد مرور شهر على بدء أزمة سبتة، واصلت الحكومة الإسبانية الدفاع عن تعاون المغرب، رافضة اتهام الرباط بتدبير دخول نحو 72 ألف شخص إلى المدينة خلال يومي 30 و31 يوليوز.

    وجاء هذا الموقف في وقت كانت فيه سبتة تواجه ضغطا متزايدا على مرافق الإيواء والصحة والأمن والتعليم، إلى جانب تراجع الحركة التجارية وتصاعد التوتر في الشوارع وعلى شبكات التواصل الاجتماعي.

    وخلال سلسلة من جلسات الاستماع في مجلس النواب، كرر وزراء الخارجية والداخلية والهجرة والرئاسة أن السلطات الإسبانية لا تملك دليلا يثبت أن المغرب قاد موجة العبور أو شجعها، واستندوا، في دفاعهم عن الرباط، إلى استمرار الاتصالات الدبلوماسية، وموافقة المغرب على إعادة غالبية الوافدين، وتدخله لمنع دعوة أخرى إلى العبور كان مروجوها قد حددوا لها يوم 15 غشت الجاري.

    في المقابل، شككت أحزاب المعارضة في الرواية الحكومية، واتهم الحزب الشعبي وحزب “فوكس” رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بالتساهل مع الرباط، وأظهر استطلاع نشرته صحيفة “إل موندو” أن غالبية واسعة من المستجوبين تعتقد أن المغرب كان على علم بما جرى أو سمح به.

    سبتة بعد أسابيع من أزمة سبتة

    بدأت الأزمة بوصول مجموعات كبيرة عبر البحر والحدود البرية، قبل أن تمتد آثارها إلى المدارس والمتاجر والأحياء السكنية، ومع تجاوز شبكة الاستقبال طاقتها، استخدمت السلطات عددا من المؤسسات التعليمية بصورة مؤقتة لإيواء وافدين، ما دفع مجموعات من الأسر إلى المطالبة بتأجيل انطلاق الدراسة إلى حين إخلاء المدارس وتجهيزها.

    وسجلت المدينة خلال هذه الفترة حوادث أمنية في مناطق مختلفة، وقال القاضي أنطونيو باستور إن القضاء فتح ما لا يقل عن 16 تحقيقا في اعتداءات جنسية منذ بدء موجة الدخول.

    وأوضح أن غالبية الضحايا نساء مهاجرات في أوضاع شديدة الهشاشة، كما تحدثت تقارير إسبانية عن اشتباه في عمليات محدودة لترويج المخدرات قرب المناطق الأكثر اكتظاظا، مع استمرار صعوبة تحديد أعمار بعض المشتبه فيهم.

    وللفصل بين القاصرين والبالغين، لجأت الجهات المختصة في بعض الحالات إلى فحوص بالأشعة لعظام المعصم، وتحدد نتائج هذه الفحوص ما إذا كان الشخص سيدخل نظام حماية القاصرين أو سيخضع للإجراءات المطبقة على البالغين.

    النساء والقاصرات ضحايا الاعتداءات الجنسية

    كشفت معطيات أحدث صادرة عن النيابة العامة الإسبانية أن الرقم المسجل منذ بداية أزمة سبتة بلغ 16 واقعة اعتداء جنسي، ترتبط بـ17 ضحية.

    ومن بين الضحايا 16 امرأة، فيما تشكل القاصرات الغالبية، كما أن 14 ضحية دخلن سبتة بطريقة غير نظامية ابتداء من 30 يوليوز. وأعلنت المدعية العامة للدولة، تيريزا بيراماتو، هذه الأرقام خلال زيارتها إلى المدينة يوم 27 غشت الجاري.

    وتظهر تفاصيل النيابة أن خمسة من الضحايا تعرضن للاغتصاب، بينما وقعت الاعتداءات على ستة من الضحايا بمشاركة أكثر من شخص، كما توجد ست قاصرات تتراوح أعمارهن بين 14 و17 عاما من بين الضحايا.

    وفي ما يتعلق بالمشتبه فيهم الذين أمكن تحديد هوياتهم، أفادت النيابة بأن اثنين إسبانيان، والثالث أجنبي مقيم في إسبانيا، بينما لم تحدد بعد هوية بقية المشتبه فيهم.

    وكانت محاكم سبتة قد عالجت، في مرحلة سابقة، ثلاثة ملفات تتعلق باعتداءات جنسية يشتبه في ارتكابها من طرف مهاجرين مغاربة وصلوا خلال موجة الدخول الجماعي، وكانت الضحايا في القضايا الثلاث نساء مهاجرات.

    وأودع اثنان من المشتبه فيهم الحبس الاحتياطي، بينما تقرر طرد الثالث إلى المغرب. وتضمنت الملفات اعتداء جنسيا على قاصر، قيل إن المتهم أجبرها أيضا على بيع المخدرات، واعتداء بالملامسة على قاصر أخرى، إضافة إلى ملامسة جنسية تعرضت لها امرأة راشدة.

    ولا تقتصر المخاطر على القضايا التي وصلت إلى المحاكم، إذ أفادت مصادر صحية، في السابع من غشت، بتقديم الرعاية إلى أربع قاصرات مهاجرات على الأقل بسبب اعتداءات جنسية، في وقت كانت فيه المحاكم قد تلقت ست شكايات مرتبطة بنساء مهاجرات.

    وجمعت وكالة رويترز شهادات نساء كنّ ينمن في العراء قرب مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، تحدثن فيها عن تعرضهن للملاحقة والتحرش ليلا، وحتى أثناء التوجه إلى المراحيض، لتؤكد وزيرة الصحة الإسبانية لاحقا أن المصالح الطبية عالجت خمس نساء من آثار عنف جنسي.

    ودفعت هذه التطورات السلطات إلى الإعلان عن إجراءات لتعزيز الحماية والمعالجة القضائية؛ إذ أعلنت بيراماتو إرسال ثلاثة أعضاء من النيابة العامة من شبه الجزيرة لدعم جهاز النيابة في سبتة.

    مارلاسكا يستغيث بـ”فرونتكس”

    أكدت سلطات سبتة بأن الوضع أصبح يقترب من “نقطة الانهيار”، في ظل استمرار تداعيات موجة التدفق الجماعي للمهاجرين، فيما تتحرك مدريد لطلب دعم أوروبي للتعامل مع المهاجرين غير النظاميين الذين ما زالوا في المدينة.

    ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، تسعى الحكومة المركزية إلى الاستعانة بـ”فرونتكس”، والوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل، و”يوروبول”، إلى جانب وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، للمساعدة في فحص وثائق المهاجرين وتسوية ملفاتهم الشخصية، خصوصا أولئك الذين ما زالوا يترددون على سبتة بشكل غير نظامي.

    وطالب وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، المفوضية الأوروبية بإشراك هذه الوكالات الأوروبية من أجل “تعزيز الآلية الفرعية” المكلفة بفرز الملفات الشخصية للمهاجرين ومعالجتها، في محاولة لتخفيف الضغط الذي تواجهه سلطات المدينة.

    وبالتوازي مع التحرك على المستوى الأوروبي، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية عن حزمة من التدابير وصفتها بـ”الاستثنائية” لتعزيز مراقبة حدود سبتة، تشمل إطالة حاجزي الأمواج في منطقتي تارخال وبنزو، وإرساء نظام دائم من العوامات البحرية، إلى جانب تكثيف المراقبة الجوية بواسطة طائرات مسيرة، وتعزيز الدوريات بزوارق تدخل خفيفة، واستخدام أجهزة تعمل عن بعد تحت الماء.

    وتعكس هذه الإجراءات اتساع الضغوط التي تواجهها سبتة بعد موجة العبور الجماعي، بين تدبير أوضاع المهاجرين الموجودين داخل المدينة وتشديد المراقبة على حدودها، في وقت باتت فيه السلطات المحلية تحذر من بلوغ قدراتها الاستيعابية حدودها القصوى.

    ضغط على الإيواء والخدمات الصحية

    أدى الاكتظاظ إلى فتح مرافق طارئة لا تتوفر فيها جميع الشروط الصحية، وبعد إخلاء مخيم سيدي امبارك بسبب الأمطار، نُقل عدد من الوافدين إلى فضاء مغطى، يوفر سقفا للمقيمين، لكنه يفتقر إلى المراحيض والحمامات، بحسب المعطيات الميدانية.

    وتوجد بين المقيمين نساء حوامل، بعضهن في مراحل متقدمة من الحمل، وتعتمد المجموعة على نحو ألف وجبة توزعها جمعية محلية يوميا، رغم تراجع مخزونها.

    وشهدت نقاط توزيع الطعام اعتداءات على متطوعين وصحفيين، ومحاولات لعرقلة التوزيع، إضافة إلى إحراق خيام بصورة متعمدة.

    وفي أحياء مثل فويرتي ألمينا، طالبت جمعيات السكان بنقل مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين بعيدا عن المنطقة السكنية، مشيرة إلى الضغط الذي تتعرض له الخدمات المحلية.

    وتحملت قوات الأمن والجيش الجزء الأكبر من عمليات المراقبة والاستقبال والنقل، وقالت جمعيات مهنية إن بعض العناصر عملت في نوبات وصلت إلى 16 ساعة متواصلة، بسبب استمرار محاولات الدخول على فترات متقطعة.

    وانتقدت نقابات الشرطة قيمة التعويضات وظروف إقامة العناصر المنقولة من شبه الجزيرة، وقالت إن بعضهم اضطر إلى دفع مصاريف من ماله الخاص.

    وأبلغت الجمعية الموحدة للحرس المدني المديرية العامة عن مخاطر صحية يتعرض لها العناصر خلال التفتيش ونقل الوافدين، في وقت أكدت وزارة الدفاع إصابة 24 عسكريا من مجموعة النظاميين رقم 54 بالجرب أثناء التدخلات.

    تراجع الحركة التجارية في تراخال

    امتدت آثار الأزمة إلى النشاط الاقتصادي، سيما في المنطقة الصناعية بتاراخال التي كانت قد تضررت بشدة خلال جائحة “كوفيد-19″، إذ أكد تجار أن الشوارع فقدت جزءا كبيرا من زبنائها، وأن بعض المحال قد تضطر إلى الإغلاق إذا استمر الوضع على حاله، موجهين “نداء استغاثة” إلى السلطات لتجنب إغلاق مزيد من المنشآت.

    وترافقت الأزمة الاقتصادية مع شكاوى من تركيز موارد المدينة على الاستجابة العاجلة، في مقابل تأخر حلول تخص السكان والتجار والمدارس، كما طالبت هيئات محلية بنقل جزء من الوافدين إلى مناطق أخرى داخل إسبانيا لتخفيف الضغط عن سبتة.

    سجون إسبانيا تعاني بسبب سبتة

    حذرت نقابة “Acaip-UGT” الإسبانية، اليوم السبت، من تداعيات نقل سجناء من مدينة سبتة إلى عدد من المؤسسات السجنية في إقليم الأندلس، معتبرة أن بعض هذه السجون تعمل أصلا عند مستويات مرتفعة من الإشغال، وقد تواجه مزيدا من الضغط جراء استقبال نزلاء جدد.

    وقالت النقابة، وفق ما أوردت “يوروبا برس” إن من المرتقب وصول “سجناء قادمين من سبتة” إلى سجون أندلسية، من بينها مؤسستا “ألبولوتي” في غرناطة و”إشبيلية الثانية”، اللتان وصفتهما بأنهما تعملان “عند الحد الأقصى” من طاقتهما الاستيعابية.

    وحذرت “Acaip-UGT” من أن السجون المعنية تعاني أصلا من وضع وصفته بـ”الاكتظاظ والتوتر” الذي بات، بحسبها، “غير مستدام”، معتبرة أن أي عمليات نقل إضافية من شأنها زيادة الضغط على المؤسسات السجنية والعاملين فيها.

    ويأتي هذا التحذير في سياق إعادة ترتيب توزيع نزلاء سجون سبتة على مؤسسات سجنية في إسبانيا، في وقت تثير فيه أوضاع بعض السجون الأندلسية مخاوف نقابية مرتبطة بارتفاع أعداد النزلاء وانعكاسات ذلك على ظروف العمل والأمن داخل المؤسسات السجنية.

    إسبانيا تشيد بالتعاون المغربي

    رغم استمرار التداعيات داخل المدينة، حافظت الحكومة الإسبانية على خطاب موحد تجاه المغرب، إذ وصف وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس الحوار مع الرباط بأنه “دائم”، وقال إن التواصل بدأ منذ اللحظات الأولى للأزمة وساعد على تنظيم عودة غالبية المهاجرين غير النظاميين.

    بدوره، وصف وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا التعاون المغربي بأنه “مستدام وفعال”، مؤكدا أن المغرب لا يمثل تهديدا لسبتة أو لبقية إسبانيا، وإن التنسيق بين البلدين كان ضروريا لعمليات الإعادة ولمنع تكرار موجة مماثلة.

    واستخدمت وزيرة الهجرة والمتحدثة باسم الحكومة إلما سايث عبارات “الثقة” و”الولاء” و”الشريك الموثوق” في حديثها عن الرباط، مشيرة إلى أن مساهمة المغرب كانت “ضرورية” في تدبير الأزمة، وتجنبت تحميله المسؤولية عن دخول عشرات الآلاف.

    أما وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان فيليكس بولانيوس، فقال أمام النواب إنه “لا يوجد أي دليل” على أن المغرب قاد أو دفع موجة الدخول، متهما ممثلي الحزب الشعبي و”فوكس” بنشر الشبهات والإساءة إلى بلد جار، ودعاهم إلى عدم بناء اتهامات من دون أدلة.

    وجاء الموقف المختلف جزئيا من وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، التي شددت على إسبانية سبتة وقدمت اعتذارا إلى سكانها، وكذلك أبدى وزراء من حزب “سومار”، الشريك الأصغر في الحكومة، شكوكا بشأن أداء السلطات المغربية على الحدود، من دون أن يعلن الائتلاف تغييرا في موقفه الرسمي.

    الوقائع تعزز ثقة مدريد في الرباط

    استند وزير الداخلية الإسباني في دفاعه عن تعاون الرباط إلى حصيلة عمليات الإعادة، وقال إن نحو 90 في المئة من قرابة 72 ألف شخص دخلوا سبتة أُعيدوا إلى المغرب بصورة سريعة ومنظمة، وقُدر عدد من ظلوا داخل المدينة بنحو خمسة آلاف شخص.

    وأشارت الحكومة إلى ما جرى بعد انتشار دعوة جديدة على شبكات التواصل الاجتماعي للعبور يوم 15 غشت، وقال ألباريس ومارلاسكا إن السلطات المغربية تدخلت لمنع التجمعات وإحباط المحاولة، معتبرين أن ذلك يثبت استمرار التعاون بين البلدين.

    وتقول الحكومة الإسبانية إن الرباط أبلغتها برغبتها في عودة مواطنيها، بمن فيهم القاصرون، وإنها عملت على تسهيل الإجراءات اللازمة.

    وبحسب مدريد، ظل الاتصال بين البلدين قائما طوال الأزمة، ولم تتوقف الاستجابة للاتصالات الرسمية، وقدمت مصادر حكومية هذا المعطى باعتباره أحد أوجه الاختلاف عن أزمة ماي 2021، حين شهدت العلاقات بين البلدين انقطاعا وتوترا علنيا.

    أزمة 2021 مستبعدة

    في عام 2021، استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي للعلاج، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب، وتقول مصادر حكومية إسبانية إن المسؤولين المغاربة لم يجيبوا آنذاك عن الاتصالات لساعات، ثم ربطوا التوتر بصورة مباشرة باستقبال غالي باسم مستعار.

    أما في الأزمة الأخيرة، فتقول إسبانيا إن المغرب لم يعلن مسؤوليته عن موجة الدخول ولم يربطها بأي خلاف سياسي مع إسبانيا، وتشير إلى أن السلطات المغربية تعاونت على إعادة من عبروا وعادوا طواعية، ثم تدخلت لمنع دعوة 15 غشت، وهو ما دفعها إلى رفض المقارنة التلقائية بأحداث 2021.

    وتضيف مصادر في الحكومة الإسبانية، وفق تقارير إسبانية، أن توقيت موجة العبور لم يكن ملائما للسلطات المغربية، لأنها تزامنت مع عيد العرش، فيما انتشرت صور عشرات الآلاف من المواطنين وهم يغادرونها.

    وترى المصادر نفسها أن وجود أعداد كبيرة من القاصرين بين الداخلين وضع الرباط أمام ضغط داخلي ورغبة في استعادتهم.

    إقرار بالأسباب الحقيقية للأزمة

    قدمت وزارة الخارجية الإسبانية تسلسلا زمنيا قالت إنه يفسر اتساع موجة العبور الجماعي، ويبدأ هذا التسلسل في 8 يوليوز، عندما نُشر حكم للمحكمة العليا يمنع الإعادة الفورية المطلقة لمن يدخلون الأراضي الإسبانية عن طريق البحر.

    وقال ألباريس إن معلومات عن الحكم تُرجمت إلى العربية، قبل أن تلتقطها شبكات رقمية تستخدم في تهريب البشر. وبين 8 و27 يوليو، توسع تداول منشورات تقدم الحكم بوصفه فرصة للدخول والبقاء في سبتة.

    وفي 28 يوليوز، انتشر مقطع لامرأتين نجحتا في الوصول سباحة، وحقق نحو 1.4 مليون مشاهدة، ومع إعادة نشر المقطع عبر صحف ومؤثرين مغاربة، قدرت الخارجية الإسبانية أن المحتوى المرتبط به بلغ عشرات الملايين من المشاهدات.

    وسجلت الوزارة يوم 30 يوليوز ما وصفته بـ”نشاط رقمي انفجاري”، تزامن مع بدء العبور الواسع، وفي اليوم التالي، دخلت حسابات وشخصيات أجنبية على خط النقاش، من بينها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعاد نشر مزاعم عن “غزو” سبتة.

    وقال ألباريس إن نحو 40 في المئة من المحادثات المتعلقة بالأزمة على منصة “إكس”، خلال الفترة بين 27 يوليوز و10 غشت، كانت باللغة الإنجليزية، متهما شبكات دولية من اليمين المتطرف باستغلال صور سبتة لإثارة الخوف والتشكيك في قدرة إسبانيا على حماية حدودها.

    تصريحات مغربية تثير اعتراض مدريد

    تزامن دفاع الحكومة الإسبانية عن التعاون المغربي مع تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بشأن سبتة ومليلية، مؤكدا أن المغرب يتبع سياسة تتعامل مع ملف استعادة المدينتين “بصبر وعلى المدى الطويل”.

    وشدد وهبي على أن السلطات لم تستطع منع مواطنين مغاربة من العبور إلى سبتة مدينة لأنهما من التراب الوطني، ما أثار انتقادات داخل إسبانيا، حيث طالبت أحزاب المعارضة برد أكثر صرامة من الحكومة.

    وقال ألباريس إنه رفض تصريحات الوزير المغربي وأبلغ الرباط بالموقف الإسباني، لكنه فصل بينها وبين التحقيق في أحداث 30 و31 يوليوز، مؤكدا أن التصريحات المتعلقة بالسيادة لا تشكل دليلا على مسؤولية المغرب عن موجة الدخول.

    رغم انتقادات المعارضة، لم تغير الحكومة موقفها إزاء المغرب، وكرر ألباريس ومارلاسكا وسايث أن الرباط شريك أساسي في مراقبة الحدود وتنفيذ عمليات الإعادة، وأن الاتصالات معها ستستمر لمنع موجات جديدة.

  • الأصالة والمعاصرة يدعم مرشحه بخريبكة ويثمن حصيلة وزرائه ويتطلع لتصدر الانتخابات

    الأصالة والمعاصرة يدعم مرشحه بخريبكة ويثمن حصيلة وزرائه ويتطلع لتصدر الانتخابات

    نظم حزب الأصالة والمعاصرة بمدينة أبي الجعد لقاء تواصليا لدعم مرشحه بإقليم خريبكة، خليفة مجيدي، في الانتخابات التشريعية المقبلة، بحضور عدد من قيادات الحزب ومنتخبيه ووزرائه.

    وشهد اللقاء مداخلات تناولت حصيلة وزراء الحزب، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وقضايا التنمية بجهة بني ملال خنيفرة، إلى جانب طموح “البام” إلى تصدر الانتخابات المقبلة وترؤس الحكومة.

    واعتبر هشام صابيري، عضو المكتب السياسي ومرشح الحزب بمدينة بني ملال، أن القطاعات التي يشرف عليها وزراء الأصالة والمعاصرة شهدت تحولات خلال الولاية الحكومية الحالية، قائلا: “لأول مرة في تاريخ المغرب نعرف أن هناك دينامية على مستوى وزارة الثقافة، وفي السكن الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري أزالت دعم الدولة للأغنياء وأعطته للمواطنين، ليكون لهم حرية شراء سكنهم”.

    صابيري يرد على المغالطات

    ووجه صابيري، خلال مداخلته، رسائل غير مباشرة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، متوقفا عند غلاء الأسعار وأوضاع قطاعي الصحة والتعليم، التي يحمل حقائبها وزراء الحزب، فضلا عن استفادة بعض الفئات من برامج الدعم مقابل إقصاء فئات أخرى.

    وقال في هذا السياق أنه “ملي شفنا شكون لي داير بينا (ردا على تصريحات قيادي بالأحرار) لقينا مواطنين يعانون غلاء الأسعار وأزمة الصحة وتعطيل مسار المدرسة العمومية، ولدى الحرفيين فئة تستفيد من الدعم وفئة لا”، مضيفا “هذا ما وجدنا، ولم نجد الفراقشية بيننا كما هو الحال لديكم”.

    وانتقد صابيري ما اعتبره تفاوتا في توزيع المشاريع والاستثمارات بين المدن والجهات، قائلا: “الحكومة الحالية خلقت دينامية تنموية في مدن وهمشت مدنا، لدرجة أن وزيرا (من الأحرار)، في البرلمان، قال: للأسف ‘ضاربنا’ على مشروع ليذهب إلى شيشاوة، ولكن للأسف المستثمر ذهب إلى بني ملال”، مستغربا “مسؤول حكومي يقول هذا الكلام؛ أليس إقليم أزيلال أو خنيفرة أو بني ملال من المغرب حتى يتأسف على هذا الأمر؟”.

    وفي حديثه عن القدرة الشرائية وحرمان عدد من الأسر من اقتناء أضحية العيد بسبب لهيب الأسعار، قال صابيري: “عندما سألوا أمينهم العام عن حرمان المغاربة من شراء أضحية العيد، قال: ‘إنه لا يعرف أحدا لم يقتن الأضحية’، وهذا دليل على أنه لم يذهب للأسواق ولم يسمع الناس، لذلك لا يعرف المواطن؛ فقط يعرف الفراقشية لي معيّدين ولي كان تيعطيهم الدعم”.

    وتابع “لو كنت مثلنا نحن الأصالة والمعاصرة، وكنت بجانب المواطنين، ستعرف أنهم ما عيّدوش، وأن الحولي لي قلت بألف درهم و1500 درهم، وزدناك 2000 درهم، ما لقاوهش، وحتى الفاخر عباد الله ما لقاوش”.

    ودعا عضو المكتب السياسي المواطنين إلى التصويت لفائدة حزب الأصالة والمعاصرة الذي يتبنى قضاياهم الاجتماعية، مضيفا: “رسالتنا للمواطنين، لقد حان الوقت للمرور إلى مرحلة أخرى، ونصوت على حزب يؤمن بمعاناتكم وهمومكم”.

    وتابع: “الالتحام بالمواطن وهمومه، والحياة اليومية، والمرأة والوقت الذي لا تجده للعمل ولتربية أبنائها، والأرملة التي لا تملك شيئا، والعامل لي خدام بالحد الأدني للأجر، والفلاح لي تيتقاتل، هؤلا الذين يجب أن نستمع لهم”.

    وشدد صابيري في كلمته على أن “البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة هو المواطن ثم المواطن ثم المواطن”.

    بنعلي تستعرض مشاريع الطاقة والمناجم

    من جانبها، استعرضت ليلى بنعلي، عضو المكتب السياسي لـ”البام”، جزءا من المشاريع والإصلاحات المرتبطة بقطاعها داخل جهة بني ملال خنيفرة، مؤكدة أن الوزارة تتابع الأوراش التنموية المنجزة بالمنطقة.

    وقالت بنعلي: “جهة بني ملال خنيفرة، بما فيها إقليم خريبكة الذي فيه الفوسفاط والمناجم، ورغم أنه ليست لدينا حقائب وزارات الماء أو التجهيز، لكننا نتتبع، وهناك مجموعة من مشاريع الماء والطرق أنجزت بفضل مشاريع الطاقة والمعادن والمناجم”.

    وأضافت: “نتتبع هذه الجهة العزيزة بطريقة منتظمة، فمنذ اليوم الأول كنا نشتغل مع رئيس الجهة، عادل بركات، للنهوض التنمية في هذه الأقاليم، ويكون هناك تدرج وتنزيل للنموذج التنموي الجديد، واليوم نريد الاشتغال على الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة”.

    وتحدثت الوزيرة عن الإصلاحات التي شهدتها المناطق المنجمية منذ سنة 2021، قائلة: “هناك مجموعة إصلاحات قمنا بها في جهة بني ملال خنيفرة، وأيضا في درعة تافيلالت، وهي جهة منجمية بامتياز، وقد رأوا تغيرا جوهريا في الإصلاحات التي قمنا بها منذ 2021”.

    وفي ما يتعلق بتنظيم قطاع المناجم، قالت بنعلي: “هناك مجموعة من الأوراش، مثلا في المناجم، هناك مجموعة من الإصلاحات أوقفت تغلغل الوسطاء الذين لم يكونوا يتركون النفع يعود على المنطقة والعاملين في المناجم”، مؤكدة أنه ما زال هناك عمل لتكريس الشفافية وأيضا لانطلاقة تنموية في القطاع.

    وشددت الوزيرة على أن الفوز في الانتخابات لا يمثل نهاية العمل السياسي، بل يفرض مضاعفة الجهود من أجل تنزيل المشاريع والإصلاحات، قائلة: “اليوم نحن مقبلون على الانتخابات وعلى حقبة جديدة، وفي السنوات الخمس الأخيرة اشتغلنا على الإصلاحات التي يجب أن نقوم بها، ووجهت رسالة لشباب حزبنا مفادها: عندما نفوز لن نظل نائمين، يجب أن نشتغل ليكون هناك تحول جذري”.

    واعتبرت أن المرحلة المقبلة تتطلب تحقيق تحولات تتجاوز مؤشرات النمو الاقتصادي، مضيفة: “اليوم، في السنوات الخمس المقبلة، المغرب لا ينتظر فقط معدلات نمو في 6 بالمئة لإعطاء فرص شغل أكثر للشباب، المغرب ينتظر أكثر؛ تحولا فكريا حتى تكون كرامة المواطن في صلب السياسات العمومية على الصعيد المركزي، والترابي على الخصوص”.

    بركات: طموحنا تصدر الانتخابات وترؤس الحكومة

    من جانبه، أوضح عادل بركات، رئيس مجلس جهة بني ملال خنيفرة، أن تنظيم اللقاء بمدينة أبي الجعد جاء لدعم مرشح الحزب خليفة مجيدي، رافعا سقف طموح حزبه خلال الانتخابات المقبلة، باحتلال المرتبة الأولى.

    وأكد رئيس الجهة التزام الأصالة والمعاصرة بقرارات الأغلبية الحكومية، مع تشديده على استقلالية القرار السياسي والتنظيمي للحزب، مضيفا: “من نشأتنا كنا حزبا قويا في المعارضة، واليوم أعطيت الفرصة لنا للتدبير والتسيير إلى جانب التحالف الحكومي المكون من ثلاثة أحزاب، ونؤكد أن حزب الأصالة والمعاصرة منضبط مع حلفائه والقرارات المنبثقة عن التحالف الحكومي”، مستدركا “لكن الحزب لم ولن يكون تابعا لحزب آخر، فنحن حزب مستقل بمناضليه ومناضلاته، ومن حقنا اليوم أن نطمح لترؤس الحكومة المقبلة”.

    ودافع بركات عن حصيلة وزراء الحزب في أول تجربة حكومية للأصالة والمعاصرة، داعيا إلى تقييم عمل مختلف القطاعات الحكومية داخل جهة بني ملال خنيفرة، وقال: “ليس هناك حزب يمكنه أن يعطي دروسا لحزب الأصالة والمعاصرة، لأننا في أول تجربة حكومية أبان وزراؤنا على الحنكة السياسية والمهنية، بينما وزراء آخرون إن أعطونا حصيلتهم في جهة بني ملال خنيفرة، فستكون فاشلة، ونحن مستعدون لبسط حصيلة كل وزير وتقييمها من طرف جهة بني ملال خنيفرة”.

    وعاد بركات إلى النتائج الانتخابية السابقة للحزب الذي يقود الحكومة، قائلا: “اليوم الحزب القائد للحكومة كان لا يتجاوز 30 مقعدا، وبقدرة قادر وصل إلى 102 مقاعد، ربما خصنا وصفة لهذه القفزة الكبيرة”، مشيرا في المقابل إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة “متدرج في نتائجه وفي جميع محطاته الانتخابية، وهناك منطق في نتائجه؛ لأننا حللنا ثانيا (في انتخابات 2016) وذهبنا إلى المعارضة، وجئنا ثانيا (في انتخابات 2021) ودخلنا التحالف الحكومي، والمحطة المقبلة سنحل أولا إن شاء الله”.

    وجدد المتحدث تمسك حزبه بالتزاماته داخل الأغلبية، مضيفا: “التزمنا بجميع الأمور التي تتعلق بالتحالف الحكومي، لكن لن نكون تابعين لأي حزب كيفما كان”.

    مجيدي: نريد قوة أكبر للترافع عن الإقليم

    وفي مداخلته، أكد خليفة مجيدي، النائب البرلماني ومرشح الحزب بإقليم خريبكة، أن سعي الأصالة والمعاصرة إلى تصدر الانتخابات المقبلة لا يرتبط فقط بالحصول على المقاعد، وإنما بتعزيز قدرته على الدفاع عن مطالب المنطقة.

    وقال مجيدي: “طموح الحزب في تصدر الانتخابات التشريعية المقبلة ليس طموحا من أجل المقاعد، ولكن طموح من أجل القوة اللازمة لخدمة المنطقة، نريد تمثيلية أقوى حتى نرافع أكثر، وحضورا أقوى حتى تصل مطالب إقليم خريبكة بقوة أكبر إلى مراكز القرار”.

    وأضاف: “نؤمن أن المنتخب لا يقاس بعدد الخطب التي يلقيها، وإنما بعدد الملفات التي يتابعها، والمشاريع التي يدافع عنها، والنتائج التي يحققها، والترافع ليس كلاما، بل عمل يومي وإصرار حتى يتحقق المطلوب”.

    وسجل مجيدي لحضور اللافت لوزراء الحزب ومنتخبيه في عدد من الأوراش، قائلا: “لقد أثبت وزراء حزب الأصالة والمعاصرة وكفاءاته، كل في مجال مسؤوليته، حضورا في عدد من الأوراش الكبرى، وعلى رأسها رئاسة جهة بني ملال خنيفرة وحجم المشاريع التي نزلت على أرض الواقع”.

    واستعرض مرشح الحزب عددا من القطاعات التي يشرف عليها وزراء الأصالة والمعاصرة، موضحا “في العدل تمت مواصلة إصلاح المنظومة القانونية والقضائية، وفي السكن والتعمير تم تنزيل ورش الدعم المباشر للسكن ومواصلة معالجة قضايا السكن والتعمير، وفي التشغيل والإدماج الاقتصادي تم دعم التشغيل والإدماج المهني وتشجيع المبادرة والمقاولة، وفي الشباب والثقافة والتواصل قمنا بتطوير البرامج الموجهة للشباب ودعم الثقافة والإبداع، وفي الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة تم تعزيز الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية وترسيخ اقتصاد أكثر استدامة”.

  • فتيحة المودني وعادل الأطراسي يعودان إلى حزب الأصالة والمعاصرة

    فتيحة المودني وعادل الأطراسي يعودان إلى حزب الأصالة والمعاصرة

    شهدت الساحة السياسية بمدينة الرباط عودة كل من عادل الأطراسي وفتيحة المودني إلى صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، للعمل جنبا إلى جنب مع قيادة وقواعد الحزب ودعم ديناميته السياسية والتنظيمية بالعاصمة.

    وتأتي عودة عادل الأطراسي لترسيخ مسار استمر لسنوات داخل حزب “البام”، حيث كان جزءاً من عدة محطات تنظيمية بارزة، وتحمل خلالها مسؤوليات انتخابية وسياسية متعددة باسم الحزب، قبل خوضه العمل السياسي بألوان حزب التجمع الوطني للأحرار منذ سنة 2021.

    من جهتها، تعزز فتيحة المودني هذا المجهود السياسي المشترك، حيث يرتقب أن يشكّل التحاقهما إضافة نوعية للمساهمة في تنزيل المشاريع الحزبية والتواصل مع المواطنين ومواكبة الأجندة السياسية والتنموية بمدينة الرباط.

    وفي يونيو الماضي، اختار عدد من المنتخبين والمسؤولين الجماعيين بمقاطعة السويسي في الرباط وضع حد لمسارهم السياسي والانتخابي داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد تقييم قالوا إنه شمل تجربتهم الميدانية والجماعية والجمعوية، وانتهى إلى قناعة بعدم القدرة على مواصلة أداء مهامهم السياسية والانتخابية في الظروف الحالية.

    وبحسب بلاغ مشترك وقّعه المعنيون، فإن القرار لم يكن وليد موقف عابر، بل جاء عقب نقاش مستفيض ودراسة متأنية لمسارهم، إلى جانب اعتبارات وصفوها بالموضوعية، ومرتبطة أساسا بقدرتهم على الاستمرار في تحمل المسؤوليات الحزبية والسياسية والانتخابية بالوتيرة نفسها.

    ويعكس ذلك وجود صعوبات وقيود اعتبر الموقعون أنها لم تعد تسمح لهم بمواصلة تجربتهم السياسية داخل الحزب بالشكل الذي كانوا يرغبون فيه.

    ورغم إعلانهم الانسحاب من العمل السياسي والانتخابي، أوضح المنتخبون أنهم سيواصلون أداء مهامهم الانتخابية وخدمة ساكنة مقاطعة السويسي والدفاع عن مصالحها إلى غاية انتهاء الولاية الجارية، مؤكدين أن قرار الاعتزال لا يعني التخلي عن مسؤولياتهم تجاه المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيهم.

    وضم الموقعون على البلاغ عادل الأطراسي، رئيس مجلس مقاطعة السويسي، وفتيحة المودني، عمدة مدينة الرباط، إلى جانب عائشة وعا، نائبة الرئيس، وجلال الأطراسي، نائب الرئيس ومستشار جماعي، وإدريس كراكشو، رئيس لجنة ومستشار جماعي، وسيدي محمد الأطراسي، كاتب المجلس ومستشار جماعي، وبنيسف عاقل، رئيس لجنة ومستشار جماعي، والشعيبية الأطراسي، نائبة كاتب المجلس ومستشارة جماعية.

    ووصف الموقعون قرارهم بأنه “مؤلم وصعب”، معتبرين أنه جاء بعد تقدير للمرحلة الحالية ومتطلباتها، وفي ظل ظروف قالوا إنها حالت دون الاستمرار في تحمل المسؤولية السياسية بنفس الوتيرة.

    وفي المقابل، حرص المنتخبون على التأكيد أن مغادرتهم العمل السياسي داخل الحزب لا تعني التخلي عن القيم التي دافعوا عنها خلال مسارهم، مجددين تشبثهم بالثوابت الوطنية والتزامهم بخدمة الصالح العام، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.

  • هل يضع المغرب قيودا لحماية القاصرين في منصات التواصل الاجتماعي؟

    هل يضع المغرب قيودا لحماية القاصرين في منصات التواصل الاجتماعي؟

    عندما بدأت أستراليا، في نهاية 2025، تطبيق قيود تمنع من هم دون 16 سنة من إنشاء حسابات على عدد من منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن واضحا أن الخطوة ستتحول سريعا إلى واحدة من أبرز التجارب التي تستند إليها النقاشات حول حماية القاصرين في منصات التواصل.

    غير أن الجدل لم يتوقف عند تحديد سن لاستخدام المنصات، بل اتسع ليشمل مسؤولية الشركات عن تصميم خدماتها وما تفعله خوارزمياتها في حياة الأطفال والمراهقين، ليتغير بذلك موضوع النقاش نفسه.

    وبعدما كانت مسؤولية مراقبة وحماية القاصرين في منصات التواصل هي العنوان الأبرز، أصبحت المنصات تحت ضغط متزايد بشأن مدة الاستخدام، والمحتوى الذي تقترحه الخوارزميات، وتأثير الاستخدام المفرط على النوم والصحة النفسية، فضلا عن حماية المعطيات الشخصية للقاصرين.

    وفي الولايات المتحدة مثلا، دخل هذا النقاش مرحلة جديدة خلال الأيام الأخيرة، مع موافقة شركة “ميتا” على تسوية قضائية تصل قيمتها إلى 18 مليار دولار مع 48 ولاية وإقليما، تتضمن التزامات وقيودا جديدة على استخدام المراهقين لمنصتي “فيسبوك” و”إنستغرام”، مع طرح وضع حد افتراضي للاستخدام في حدود ساعتين يوميا، ومنع الاستخدام خلال الفترة الممتدة من منتصف الليل إلى السادسة صباحا.

    لكن هذه التسوية لا تعني أن الولايات المتحدة أقرت قاعدة اتحادية تلزم جميع المنصات بمنع القاصرين من الاستخدام بعد ساعتين يوميا، فهي اتفاق قضائي بين “ميتا” وعدد من الولايات والأقاليم، في وقت ما تزال فيه ملفات أخرى مرتبطة بحماية الأطفال على المنصات الرقمية مطروحة أمام القضاء والسلطات الأمريكية.

    حماية القاصرين في منصات التواصل

    شكلت أستراليا، مبكرا، نقطة تحول في نقاش حماية القاصرين في منصات التواصل، بعدما أصبحت في دجنبر 2025 أول دولة تطبق حظرا وطنيا واسعا على وسائل التواصل بالنسبة إلى من هم دون 16 سنة، مع إلزام المنصات باتخاذ إجراءات لمنع هذه الفئة من امتلاك حسابات على منصات مشمولة بالقانون.

    وبحلول منتصف دجنبر، أفادت هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية بإزالة أو تعطيل الوصول إلى نحو 4.7 ملايين حساب مرتبط بأشخاص دون 16 سنة.

    غير أن تحديد السن خلق مفارقة جديدة، لأن الدولة تريد حماية الطفل من المنصة، لكنها قد تحتاج في المقابل إلى إلزام المنصة بمعرفة معلومات أكثر عنه والتأكد من السن، ليصبح التحقق من العمر وحماية الخصوصية موضوعين متلازمين في أي نقاش حول تنظيم استخدام القاصرين للفضاء الرقمي.

    ويقول ربيع بعلبكي، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن حماية القاصرين في منصات التواصل لم تعد مسألة مرتبطة فقط بتحديد السن المسموح عنده بفتح الحسابات، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بطريقة تصميم المنصات نفسها.

    وأوضح أن مفهوم “السلامة الرقمية من خلال التصميم” يقتضي أن تكون حماية الأطفال جزءا أساسيا من تصميم المنصات منذ البداية، وليس مجرد إجراء يتم اللجوء إليه بعد وقوع الضرر أو تسجيل المخالفات، معتبرا أن المنصة مطالبة بالتفكير في سلامة المستخدم القاصر منذ لحظة تطوير الخدمة، وليس فقط بعد ظهور المشكلات.

    أوروبا تختبر أكثر من وصفة

    إذا كانت أستراليا اختارت مسارا واضحا يقوم على السن لحماية القاصرين في منصات التواصل، فإن أوروبا تكشف أنه لا يوجد نموذج واحد للحماية، ففرنسا تدرس منذ سنوات تشديد القيود المرتبطة بسن استخدام وسائل التواصل، بينما تتجه الدنمارك نحو تحديد سن أدنى عند 15 سنة مع إمكانية السماح بالاستخدام ابتداء من 13 سنة بموافقة الوالدين، في وقت تبحث فيه دول أوروبية أخرى بين تحديد السن، والتحقق من العمر، والرقابة الأبوية، وفرض التزامات إضافية على المنصات.

    وخلف هذه التحولات القانونية، توجد مخاوف صحية تتزايد مع اتساع حضور وسائل التواصل في حياة المراهقين.

    فقد أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية في أوروبا أن نسبة المراهقين الذين ظهرت لديهم مؤشرات على الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل ارتفعت من 7 في المئة سنة 2018 إلى 11 في المئة سنة 2022، مع تسجيل النسبة الأعلى لدى الفتيات.

    وتوضح سندس الصديقي، أخصائية في الأمراض العقلية والنفسية وعلاج الإدمان، في تصريح لـ”AM+ MEDIA” في هذا السياق، أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين لا يمكن اختزاله في عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشة، موضحة أن طبيعة المحتوى وطريقة الاستخدام وتوقيت الولوج إلى المنصات، إضافة إلى قدرة الطفل على التوقف عنها، كلها عوامل تحدد ما إذا كان الاستخدام عاديا أو بدأ يتحول إلى استخدام إشكالي.

    وأضافت الصديقي أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه ظهور تغيرات في النوم أو الدراسة أو العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو عدم قدرة الطفل على الابتعاد عن الهاتف رغم إدراكه للآثار السلبية لذلك، معتبرة أن هذه المؤشرات تظل أكثر دلالة من التعامل مع رقم ثابت لعدد ساعات الاستخدام.

    أي مسؤولية للأسرة في بيئة رقمية متغيرة؟

    من المنظور الذي تقدمه سندس الصديقي، تصبح الإشعارات، والتوصيات الخوارزمية، والفيديوهات المتتالية، ومؤشرات الإعجاب والمشاركة، تدخل في تصميم تجربة هدفها الأساسي إبقاء المستخدم متفاعلا، بحيث تصبح هذه المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمراهقين، لأن الطفل لا يواجه مجرد تطبيق محايد، وإنما بيئة رقمية قادرة على تحليل سلوكه وتوقع اهتماماته واقتراح المحتوى الذي قد يدفعه إلى الاستمرار في الاستخدام.

    وفي هذا السياق، يوضح بعلبكي للجريدة أن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية حماية القاصرين في منصات التواصل لم يعد كافيا، معتبرا أن طبيعة المنصات الرقمية تفرض توزيع المسؤولية بين مختلف الأطراف.

    وقال خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي إن القوانين مطالبة بوضع التزامات واضحة على الشركات، خصوصا فيما يتعلق بالتحقق من أعمار المستخدمين، وحماية بيانات القاصرين، والحد من وصول الأطفال إلى الخدمات والمحتويات غير المناسبة لأعمارهم.

    وأضاف أن الأسرة تظل طرفا أساسيا في هذه المعادلة، لكن قدرتها على المراقبة تظل محدودة أمام بيئة رقمية متغيرة باستمرار، وهو ما يجعل التدخل التنظيمي ومسؤولية المنصات جزءا ضروريا من أي سياسة لحماية القاصرين في منصات التواصل.

    من وقت الاستخدام إلى بيانات الطفل

    وتكشف قضية “تيك توك” في الولايات المتحدة أن المعركة أكبر من السن القانوني، فقد توصلت الشركة ووزارة العدل الأمريكية إلى تسوية بقيمة 400 مليون دولار في قضية مرتبطة باتهامات بانتهاك قوانين حماية خصوصية الأطفال، بعدما اتهمت السلطات الشركة بجمع معلومات شخصية عن مستخدمين دون 13 سنة دون الحصول على الموافقات المطلوبة.

    وتنقل القضية الإشكال إلى مستوى آخر، فحماية الطفل لم تعد تتعلق فقط بمنع المحتوى الضار أو تقليص الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة، وإنما أيضا بما تعرفه المنصة عن الطفل، وكيفية استخدام هذه البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها.

    هذا السؤال أصبح أساسيا بالنسبة إلى أي تشريع مستقبلي في باب حماية القاصرين في منصات التواصل، خصوصا إذا اختار المشرع اعتماد التحقق من العمر، لأن كلما أصبحت مطالبة بالتأكد من سن المستخدم، أصبح من الضروري في الوقت نفسه وضع ضمانات تمنع تحول آلية الحماية إلى وسيلة لجمع مزيد من البيانات عن القاصرين.

    ويعتبر ربيع بعلبكي، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي أن هذه النقطة تحديدا تجعل حماية القاصرين في منصات التواصل ومسألة التحقق من العمر بحاجة إلى مقاربة دقيقة، لأن حماية الطفل لا ينبغي أن تتم على حساب حقه في الخصوصية.

    وبحسبه، فإن أي نظام للتحقق من السن يجب أن يحقق التوازن بين التأكد من أهلية المستخدم للوصول إلى المنصة وبين تقليص حجم البيانات التي يتم جمعها عنه، حتى لا تتحول إجراءات الحماية نفسها إلى مصدر لمخاطر جديدة.

    عندما تتحول المنصات إلى طريق نحو “الموت”

    أعطت أحداث سبتة الأخيرة للنقاش حول حماية القاصرين على المنصات الرقمية بعدا أكثر مباشرة في المغرب، سيما أن خلاصات تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن موجة العبور الجماعي أظهرت أن شبكات التواصل لم تكن مجرد فضاء انتشرت فيه أخبار الهجرة، بل تحولت إلى أداة للتعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات العملية حول كيفية الوصول إلى سبتة.

    وكشف المجلس أن مراقبته للفضاء الرقمي شملت 23 مجموعة على “فيسبوك” تضم أكثر من 1.086 مليون عضو، وكانت تنشر في المتوسط أكثر من 1400 تدوينة يوميا، فيما أظهرت إفادات الأشخاص الذين جرى الاستماع إليهم أنهم تلقوا معلومات عن محاولات العبور عبر الهواتف أو شبكات التواصل ثم أعادوا تداولها داخل دوائرهم.

    الأخطر أن جزءا من هذا المحتوى لم يكتفِ بالترويج لفكرة العبور، بل قدمها في صورة أقرب إلى المغامرة الممكنة والآمنة، إذ رصد المجلس تداول تأويل مضلل لقرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، الصادر في 8 يوليوز، أوحى بأن من يصل إلى سبتة أو مليلية سباحة لن يكون عرضة للإعادة.

    وترافق ذلك مع تبادل إرشادات بشأن طرق الوصول، ونقاط التجمع، والاستعداد للسباحة، والتنقل الجماعي، بل ومعطيات ميدانية حول الوضع في مناطق العبور.

    وفي ليلتي 29 و30 يوليوز، انتشرت رسائل تفيد بأن «الحدود مفتوحة»، بينما أفاد شباب وقاصرون استمع إليهم المجلس بأنهم تلقوا عبر واتساب دعوات للتوجه بعد منتصف الليل إلى نقاط العبور.

    هذه المعطيات تجعل قضية “التغرير” بالقاصرين على الإنترنت تتجاوز الاستخدام الفضفاض للمصطلح، إذ وثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان مشاركة أطفال ويافعين ضمن موجة العبور في 30 و31 يوليوز المنصرم، وسجل توقيف 11 قاصرا من بين 100 شخص تم توقيفهم على خلفية الأحداث، فيما وضع ستة منهم في مراكز لحماية الطفولة وأعيد خمسة إلى أوليائهم.

    هاجس حماية القاصرين في منصات التواصل حضر أيضا في تصريحات سابقة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تحدث عن تأثير مواقع التواصل في دفع الشباب والقاصرين إلى الهجرة، وقال إن المغرب تعرض لحملة إلكترونية تضمنت دعوات للقاصرين إلى الهجرة والعبور نحو سبتة، محذرا من أن استغلال الأطفال في مثل هذه السياقات يطرح مسؤوليات قانونية وأخلاقية تتجاوز مجرد مراقبة المحتوى.

     كما ربط الوزير بين أزمة القاصرين وشبكات الاتجار بالبشر واستغلال الأزمة، مؤكدا أن المغرب يطالب باستعادة القاصرين الموجودين في سبتة.

    الرباط تدخل النقاش عربيا

    في يونيو 2026، احتضنت الرباط اللقاء العربي الأول حول أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، بمشاركة ممثلين عن دول عربية وخبراء وأكاديميين وشباب وفاعلين في المجال الرقمي. وتناول اللقاء تأثير وسائل التواصل على الشباب، إلى جانب التضليل الرقمي، وخطاب الكراهية، والتطرف، والأمن الرقمي، والخصوصية وصناعة المحتوى.

    وخلال اللقاء، شدد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، على أهمية فهم التحولات التي أحدثها الفضاء الرقمي في حياة الأجيال الجديدة، والتعامل معها من خلال مقاربة تستبق التحولات بدل الاكتفاء برد الفعل أمام آثارها، مبرزا أن النقاش حول وسائل التواصل لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا، وإنما يمتد إلى طريقة مواكبة الشباب وحمايتهم داخل فضاء رقمي أصبح جزءا من حياتهم اليومية.

    وقد خلال اللقاء تقرير حول “الشباب والتحول الرقمي: آثار وسائل التواصل الاجتماعي في أفق 2035″، بما يعكس انتقال الموضوع من نقاش ظرفي حول سلبيات المنصات إلى محاولة بناء رؤية أوسع لمستقبل علاقة الشباب بالعالم الرقمي.

    وتكتسب استضافة الرباط لهذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، لأنها تضع المملكة داخل نقاش عربي يبحث في كيفية التعامل مع جيل أصبحت وسائل التواصل جزءا أساسيا من حياته اليومية.

    ويوجد المغرب اليوم أمام أكثر من خيار، فالتجارب الدولية لا تقدم وصفة واحدة يمكن للمغرب نقلها كما هي لحماية القاصرين في منصات التواصل، لأن الحظر قد يحد من وصول القاصر إلى بعض المنصات، لكنه لا يمنع بالضرورة التحايل على القيود أو الانتقال إلى منصات أخرى، فيما تحديد مدة الاستخدام قد يساعد في الحد من الإفراط، لكنه لا يعالج بالضرورة طبيعة المحتوى أو طريقة عمل الخوارزميات.

    المغرب يبحث عن نموذجه الخاص

    ولا يبدو أن النقاش في المغرب حول حماية القاصرين في منصات التواصل وسن الرشد الرقمي يتجه نحو استنساخ نموذج جاهز، في ظل غياب توافق دولي أصلا بشأن السن أو الإطار القانوني الأنسب لتنظيمه.

    فقد فتح المرصد الوطني للإجرام، التابع لوزارة العدل، مسارا تشاوريا مع المجتمع المدني حول حماية الأطفال في البيئة الرقمية، في لقاء احتضنته الرباط يوم 25 يونيو الماضي، بشراكة مع مجلس أوروبا والمركز المغربي للأبحاث متعددة التخصصات والابتكار، بمشاركة أكثر من 23 جمعية من مختلف جهات المملكة.

    وتكشف الخريطة المقارنة التي قدمها المرصد، كما كانت محينة في 24 يونيو 2026، عن تباين واضح في المقاربات الدولية؛ إذ اختارت تسع دول سن 16 عاما، من بينها الغابون كأول دولة إفريقية والإمارات العربية المتحدة كأول دولة عربية، فيما اعتمدت خمس دول، بينها فرنسا، سن 15 عاما، بينما ما تزال دول أخرى تدرس مشاريعها التشريعية.

    في المقابل، اختارت ألمانيا نموذجا أكثر تعقيدا يقوم على تعدد العتبات العمرية بين 14 و16 سنة، بما يعكس صعوبة اختزال المسألة في رقم موحد يصلح لجميع السياقات.

    والأهم في القراءة التي قدمها المرصد أن المقارنة الدولية لا تقدم للمغرب وصفة تشريعية جاهزة؛ فهي، بحسب خلاصاته، تكشف غياب توافق دولي حول السن، وغياب توافق مماثل حول النظام القانوني المنظم له، فضلا عن عدم وجود دولة تتطابق سياقاتها القانونية والمؤسساتية مع السياق المغربي وقد حسمت هذا الخيار.

    هذه الخلاصات تجعل النقاش المغربي حول حماية القاصرين في منصات التواصل أقرب إلى بناء نموذج خاص منه إلى مجرد نقل تجربة أجنبية، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام الرباط للمساهمة في النقاش الدولي حول حدود المسؤولية الرقمية وحماية القاصرين.

    ويتعامل المرصد الوطني للإجرام مع نقاش تقنين وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين باعتباره جزءا من مسار تشاوري وطني بدأ بورشة تأسيسية يومي 9 و10 دجنبر 2025 بسلا-تكنوبوليس، ومن المنتظر أن تُجمع مساهمات الجمعيات المشاركة في تقرير علمي يحال على السلطات المختصة والشركاء المؤسساتيين، لينضاف إلى ورقتي سياسات سبق للمرصد إعدادهما حول سن الرشد الرقمي وحماية القاصرين في البيئات الافتراضية الغامرة.

    في هذا السياق، يرى بعلبكي أن المغرب، في حال اختار تطوير إطار خاص لحماية القاصرين في منصات التواصل، يمكنه الاستفادة من التجارب الدولية دون استنساخها، عبر بناء مقاربة تراعي طبيعة المجتمع المغربي ومستوى استعمال الأطفال والشباب للتكنولوجيا.

    ويؤكد أن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء بيئة رقمية أكثر أمانا، بدل اختزال النقاش في منع الوصول فقط، من خلال الجمع بين مسؤولية المنصات، وحماية البيانات، والتحقق المسؤول من العمر، والتربية الرقمية، ودور الأسرة.

    بدورها، تؤكد الصديقي أن منع الطفل من استخدام منصة معينة لا يعالج وحده جذور المشكلة، خصوصا خلال مرحلة المراهقة التي تتشكل فيها الهوية وتتطور فيها القدرة على تنظيم الانفعالات واتخاذ القرارات، معتبرة أن التعرض المستمر للمقارنة الاجتماعية والتنمر وبعض المحتويات الضارة يمكن أن يزيد من هشاشة بعض المراهقين.

    ولحماية القاصرين في منصات التواصل، دعت إلى مقاربة تجمع بين وضع حدود واضحة داخل الأسرة، وتعزيز التربية الرقمية والوقاية والتدخل المبكر، إلى جانب مسؤولية المنصات في الحد من المخاطر التي قد يتعرض لها القاصر، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون إبعاد الطفل عن العالم الرقمي، وإنما مساعدته على بناء علاقة أكثر توازنا وأمانا معه.

  • 10 أشهر غيّرت مسار الصحراء.. ماذا يطبخ قبل حسم أكتوبر؟

    10 أشهر غيّرت مسار الصحراء.. ماذا يطبخ قبل حسم أكتوبر؟

    في الساعات الأولى من فجر الجمعة 31 أكتوبر 2025، حسم مجلس الأمن تصويته على القرار رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية بأحد عشر عضوا أيدوا القرار، فيما امتنعت روسيا والصين وباكستان بينما لم تشارك الجزائر في التصويت ضمن قرار حمل معه تحولا في المقاربة التي يدير بها مجلس الأمن الملف، ووضع مساره السياسي أمام معادلة مختلفة عن تلك التي رافقته منذ نصف قرن من عمر النزاع المفتعل حول الصحراء.

    القرار 2797، لم يكن تجديدا سنويا روتينيا لولاية بعثة أممية، فللمرة الأولى في تاريخ القرارات الأممية المتعلقة بالنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة، أدرج المجلس مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “أساسا” للمفاوضات بلغة صريحة كما دعا الأطراف إلى الانخراط في مشاورات تنطلق منها لا من سواها.

    عشرة أشهر بعد ذلك التصويت، يقف الملف على عتبة الاستحقاق الأممي المقبل في أكتوبر 2026، كما أن المشهد الذي يتشكّل بحسب المعطيات المتاحة من خمس عواصم دبلوماسية، يوحي بأن ما هو مقبل ليس تجديدا آخر لولاية بعثة بل تحولا في هندسة النزاع المفتعل نفسه.

    وتكشف القراءة الدقيقة لنص القرار 2797، قفزة نوعية في المعجم الأممي مقارنة بالقرارات السابقة التي كانت تتحدث عن مبادرة الحكم الذاتي بوصفها “أحد الأسس” أو “بين المقترحات القابلة للنقاش”.

    أما القرار الجديد، الذي اعتمد بعد مفاوضات ماراثونية داخل المجلس وتعديلات في اللحظات الأخيرة على الصيغة النهائية، فقد جاء بصياغة لا تحتمل التأويل، إذ عبّر مجلس الأمن عن دعمه الكامل للأمين العام ومبعوثه الشخصي في “تيسير وإجراء مفاوضات تتخذ من مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا” بهدف بلوغ حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين .

    ويعرف الفقهاء الدوليون أن كلمة “أساس” ليست مفردة بريئة في الأدب التفاوضي الأممي، بل تعني بلسان القانون الدولي المعاصر “المرجعية الحصرية للنقاش”، لا “نقطة انطلاق قابلة للتعديل”.

    وهذا الفارق اللغوي يترتب عنه فارق سياسي جسيم، فمن هذه اللحظة لم يعد بإمكان أي طرف أن يطرح خيارا بديلا بوصفه “متكافئا” مع مبادرة الحكم الذاتي داخل قاعات الأمم المتحدة.

    يضاف إلى ذلك عنصرٌ إجرائي بالغ الأثر، فقد كلّف القرار الأمين العام أنطونيو غوتيريش بتقديم “مراجعة استراتيجية لولاية المينورسو” في غضون ستة أشهر، وهي المراجعة التي جاءت إحاطة المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا أمام المجلس في الخامس والعشرين من أبريل 2026 ترجمة عملية لها، وتعني أن الدبلوماسية الأممية لا تدرج مراجعات من هذا الحجم إلا حين تستشعر أن ملفا معيّنا بلغ مرحلة نضج تفاوضي.

    أما امتناع روسيا والصين وباكستان، فقد حمل دلالة لا تقلّ عن دلالة الأصوات المؤيدة، سيما أن الدولتين الدائمتي العضوية اللتين تتوفران على حق النقض، اختارتا ألا تستخدماه، وهو ما يعني في قواعد المجلس في هذا النوع من القرارات قرارا ضمنيا بعدم اعتبار الملف ورقة استراتيجية تستحق المواجهة المفتوحة مع واشنطن.

    أما غياب الجزائر حاضنة جبهة البوليساريو الانفصالية عن قاعة التصويت، وهي العضو غير الدائم في المجلس آنذاك فلم يكن حيادا وإنما كان اعترافا مقلوبا بالعجز، إذ لم تجد الدبلوماسية الجزائرية ما يبرّر رفضا علنيا ولا ما يتيح لها تأييدا فآثرت الانسحاب، كما أنه وفي أعراف مجلس الأمن الغياب في لحظات الحسم مساو للإقرار.

    هندسة “بولس” ثلاث جولات في أربعة أسابيع

    خلف تحوّل النص الأممي، تعمل ماكينةٌ دبلوماسية بعيدةٌ عن الأضواء تديرها الإدارة الأمريكية بوتيرة لم يعرفها الملف منذ اتفاقات هيوستن سنة 1997، ويقودها ميدانيا مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط.

    بولس، رجل الأعمال اللبناني الأمريكي ووالد زوجة تيفاني ترامب، ليس دبلوماسيا بالمعنى التقليدي وإنما رجل صفقات يعمل بمنطق التاجر بعيدا عن أضواء المؤتمرات الصحفية، كما يستهدف وفق ما يتداول في الأوساط الدبلوماسية بواشنطن، إغلاق ملف الصحراء المغربية قبل صيف 2027، ضمن ما تسمّيه الإدارة الأمريكية “الصفقات الإفريقية الكبرى”.

    الجدول الزمني لتحرّكات بولس منذ مطلع 2026 يكشف عن استراتيجية محكمة قائمة على التراكم السريع للوقائع، ففي الـ26 من يناير الماضي، حلّ بولس في الجزائر في زيارته الثانية منذ توليه المنصب، لبحث “الملفات الإقليمية العالقة وتطورات ملف نزاع الصحراء”.

    وأعلنت السفارة الأمريكية في الجزائر حينها عن الزيارة في إطار “تعزيز الشراكة الثنائية والعمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة”، بلغة دبلوماسية تخفي أكثر مما تظهر.

    بعد أيام قليلة في مطلع فبراير، انعقدت في مدريد الجولة الأولى من مفاوضات رباعية جمعت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا حول طاولة واحدة، برعاية أمريكية إسبانية، وفي التاسع من الشهر ذاته نشرت صحيفة “أتلاير” الإسبانية أن الجزائر؛ وقد جلست إلى الطاولة “طرفا مشاركا لا مراقبا كما كانت تشترط تاريخيا، قبلت “الوثيقة التقنية” التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي “الوثيقة التفاوضية الوحيدة”،  وهو ما يعني أن الجدار العقيدي الذي شيّدته الدبلوماسية الجزائرية طوال خمسة عقود قد بدأ يتصدّع في صمت.

    وبعد أسبوعين فقط من لقاء مدريد، كشفت صحيفة “إل كونفيدونسيال” الإسبانية عن جولة ثالثة عقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026، وهذا يعني  ثلاث جولات تفاوضية في أقل من أربعة أسابيع بمشاركة الأطراف الأربعة وبإدارة أمريكية مباشرة، ضمن إيقاع يكشف عن حجم الرهان الأمريكي، وهو خلق واقع تفاوضي جديد بوتيرة أسرع من قدرة الأطراف الرافضة على التقاط أنفاسها.

    دي ميستورا: من الميسر إلى شاهد “الزخم الحقيقي

    على المسار الأممي، يواكب المبعوث الشخصي للأمين العام الدبلوماسي الإيطالي السويدي ستافان دي ميستورا الدينامية الأمريكية بأسلوبه الحذر المعهود، لكن في الـ25 من أبريل حصل ما لم يتوقّع، حيث وقف دي ميستورا أمام مجلس الأمن في جلسة مغلقة ليقدّم إحاطته الاستراتيجية المنصوص عليها في القرار 2797، وأخرج من قاموسه الدبلوماسي عبارتين ثقيلتين بتحدثه عن “زخم حقيقي” وعن “فرصة فعلية” لتسوية نهائية للنزاع وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية.

    في القاموس الأممي لا تقال هذه العبارات مجانا، فالمبعوثون الشخصيون للأمين العام يعملون في العادة بلغة حيادية متحفّظة تصف “التحديات” و”المخاوف”، ولا يغامرون بمفردات إيجابية إلا حين يستشعرون أن العملية السياسية دخلت مرحلة جديدة، وبالتالي فإن تحدث دي ميستورا عن “زخم حقيقي” هو إشارة محسوبة إلى أن المفاوضات الأمريكية الرباعية بلغت مرحلة من النضج تستحق الإعلان عنها أمام أعلى هيئة أممية.

    وبين 7 و15 يونيو 2026، شرع دي ميستورا في جولة إقليمية، إذ وصل في 7 يونيو إلى مطار تندوف حيث استقبله ممثل جبهة البوليساريو الانفصالية لدى الأمم المتحدة وأعضاء بعثة المينورسو،  ثم انتقل إلى الجزائر العاصمة وإلى نواكشوط، قبل أن يختتم جولته في الرباط.

    اللافت أن الخطاب الجزائري في استقباله بدا مغايرا في تركيبه اللغوي، إذ لم يعد وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف يستحضر “استفتاء تقرير المصير” بوصفه شرطا مؤسسا، بل تحدث عن “دعم الجزائر لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي” و”ضرورة توفير الظروف المثلى للمفاوضات دون شروط مسبقة”، وهذا التحوّل؛ وإن بدا طفيفا في الشكل، يترجم في المضمون انزياحا بطيئا من موقع “الطرف الرافض” إلى موقع “الطرف المنتظر”.

    تفكّك الرواية الجزائرية

    الأخطر في هندسة المرحلة الراهنة هو ما يمكن تسميته تفكيك الرواية الجزائرية، فطوال عقود شيّدت الدبلوماسية الجزائرية خطابها حول ثلاث مسلّمات متكاملة، الأولى أنها “دولةٌ معنية” بالنزاع وليست “طرفا فيه”، وأن الحلّ ينبغي أن يصاغ بين المغرب والبوليساريو، والثانية، أن الحل الوحيد المقبول هو استفتاء تقرير المصير، أما الثالثة فهي أن جبهة البوليساريو هي “الممثل الشرعي للشعب الصحراوي”.

    وفي أقل من ثلاثة أشهر؛ وبالضبط بين يناير وفبراير 2026، تصدّعت المسلّمات الثلاث في وقت واحد، وكل ذلك ترجمه جلوس الجزائر إلى طاولة الحوار في مدريد باعتبارها “طرفا مشاركا لا مراقبا” ما نسف المسلّمة الأولى.

    ثم قبولها بالوثيقة التقنية التي تعتبر الحكم الذاتي المرجع الوحيد ما نسف المسلّمة الثانية، وأخيرا جلوسها في واشنطن مع البوليساريو ككيان من أربعة أطراف متساوية على الطاولة ما نسف المسلّمة الثالثة، وبالتالي باتت الجزائر مساوية للجبهة في التمثيلية لا وصيّة عليها.

    وحاولت الدبلوماسية الجزائرية إخفاء هذا الانزياح بخطابات داخلية تواصل الحديث عن “الثوابت”، غير أن لغتها الرسمية على الصعيد الدولي غدت تنطق بعكس ذلك، والمسافة بين ما يقال في القاعات الأممية وما يذاع على القنوات المحلية اتسعت إلى حدّ أنها باتت تكشف أكثر مما تخفي حول عمق الأزمة التي تعيشها الاستراتيجية الجزائرية والانتقال من لغة الرفض إلى لغة التكيّف تحت الضغط لم يكن اختيارا بل استجابة لواقع فرضته ماكينة الدبلوماسية الأمريكية.

    المسار الأوروبي.. من الحذر إلى المواكبة

    بموازاة الديناميكية الأمريكية، تحوّل الموقف الأوروبي بدوره وإن كان بحسابات أشدّ حذرا، من “إدارة الملف” إلى “مواكبة التسوية”، فالعواصم التي تمسّكت تاريخيا بلغة “الحلول المتفاوض عليها دون تحديد” بما فهيا باريس، مدريد، برلين، لندن باتت اليوم تدرج القرار 2797 مرجعية ثابتة في تعاطيها مع الملف.

    وذهبت باريس أبعد من ذلك، فمنذ يوليوز 2024 حين أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون في رسالته إلى الملك محمد السادس أن “حاضر ومستقبل الصحراء يقع في إطار السيادة المغربية”، قبل أن يكرّس هذا التحوّل في زيارة الدولة إلى الرباط في أكتوبر من العام ذاته.

    أما التحول الإسباني فقد حصل في 14 مارس 2022، عندما وجّه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس، اعتبرت فيها مدريد مبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة سنة 2007، “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع وأعلن مضمون الرسالة رسميا في 18 مارس 2022، ثم خلال الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر مغربي-إسباني في دجنبر 2025، رحّبت الحكومة الإسبانية صراحة بالقرار 2797، وأعادت التأكيد أن مبادرة الحكم الذاتي تشكّل “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” للتسوية، أما لندن فقد التحقت بهذا الركب في يونيو 2025 بموقف حكومي رسمي دعم مبادرة الحكم الذاتي.

    في أمريكا اللاتينية، جاءت الضربة الدبلوماسية الأحدث من كولومبيا، ففي غشت الجاري وإثر لقاء جمع نائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أعلنت بوغوتا اعترافها الرسمي بسيادة الرباط على الصحراء المغربية، منهية عقودا من الغموض في موقفها التقليدي والداعم للجبهة الانفصالية كما أن الإعلان مثّل تحولا استراتيجيا في القارة اللاتينية التي طالما شكّلت أحد المعاقل التاريخية لأطروحة “تقرير المصير بالمفهوم الجزائري”.

    أما المفوضية الأوروبية، فقد بدأت تصيغ خطابها حول ضرورة “استئناف المفاوضات وتفادي التصعيد”، وهي صياغةٌ تشير بمعايير الدبلوماسية الأوروبية إلى الانتقال من الحياد المهذّب إلى المواكبة الفعلية للمسار الأمريكي.

    أكتوبر 2026 قراءةٌ في السيناريوهات المقبلة

    في أكتوبر المقبل، سيقف مجلس الأمن أمام لحظة حسم من نوع مختلف، فالجدول الزمني معلوم وهو إحاطةٌ ثانية لدي ميستورا، تجديد ولاية المينورسو التي تنتهي في الحادي والثلاثين من الشهر ذاته، وربما وهنا يكمن الجوهر صياغة قرار جديد يبني على مكاسب 2797 ويضيف إليها.

    وتشير قراءة السياق الدبلوماسي إلى ثلاثة سيناريوهات متفاوتة الاحتمال، السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحا في تقدير المراقبين، ويتمثل في صدور قرار جديد يعيد تأكيد مركزية مبادرة الحكم الذاتي بصياغة أشدّ صراحة ويدرج جدولا زمنيا أكثر إلزاما للمفاوضات وهذا السيناريو يخدم الرباط ويحرج الجزائر كما يتيح للإدارة الأمريكية أن تدّعي “نجاحا دبلوماسيا” قبيل الاستحقاقات الانتخابية النصفية.

    السيناريو الثاني هو قرار “استمرار الزخم” دون قفزة نوعية، بانتظار نضج الجولات التفاوضية القادمة كما يتيح هذا الخيار الحفاظ على المكاسب المنجزة دون المخاطرة بها في مواجهة سابقة لأوانها مع موسكو أو بكين.

    السيناريو الثالث وهو الأقلّ احتمالا، يكمن في عرقلة روسية صينية تجبر واشنطن على تليين اللغة، غير أن هذا السيناريو الأخير يصطدم بحقيقة صلبة وهي أن موسكو وبكين اكتفتا في تصويت 2025 بالامتناع، ولم تلوّحا باستخدام حق النقض، فيما الحسابات الاستراتيجية للدولتين المنشغلتين بملفات أكبر من قبيل أوكرانيا وتايوان والتنافس التكنولوجي مع واشنطن لا تشير إلى أنهما ستغيّران هذا الموقف في أكتوبر المقبل.

    كل هذه التحولات تضع المغرب أمام اختبار من طبيعة مغايرة لكل ما اعتاد التعامل معه طيلة نصف قرن من الدفاع عن مبادرته، فحين تنتقل المبادرة من مقترح يبحث عن اعتراف إلى مرجعية أممية معتمدة ينتقل التحدي من الإقناع إلى الإدارة.

    ولم يعد مطلوبا من الرباط أن تشرح جدارة الحكم الذاتي، بل أن تقدّم تفاصيل تطبيقه فالهندسة القانونية الدقيقة والبنية المؤسساتية الجاهزة والترتيبات المالية الواضحة وتصوّر لعلاقات الأقاليم الجنوبية بالمركز وبمحيطها الإقليمي، ومنظومة لتدبير الموارد الطبيعية بما فيها الفوسفاط والصيد البحري وطاقات الرياح والشمس التي باتت تشكّل عصب الاقتصاد الأخضر في المنطقة، وهذه هي الأسئلة الحقيقية التي لم تكن مطروحة قبل أكتوبر 2025، وباتت اليوم الأسئلة الوحيدة الجدير طرحها في الكواليس الدبلوماسية بواشنطن ومدريد ونيويورك.

  • محمد المهدي بنسعيد: حماية التراث المغربي تتجاوز الثقافة إلى الاقتصاد

    محمد المهدي بنسعيد: حماية التراث المغربي تتجاوز الثقافة إلى الاقتصاد

    يضع وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، ملف حماية التراث المغربي في صلب الدبلوماسية الثقافية، رابطا بين استرجاع الممتلكات الثقافية وحماية التراث المادي وغير المادي وتطوير المتاحف والسياحة الثقافية.

    وتحدث بنسعيد، في أثناء حلوله ضيفا على برنامج “AM+ Talk”، عن استرجاع قطع أثرية من فرنسا، وعن القفطان والمطبخ المغربي، معتبرا أن حماية هذه العناصر تتجاوز البعد الثقافي إلى أبعاد اقتصادية وسياسية.

    ويشدد المسؤول الحكومي على أن التراث المغربي “حي” وما يزال مرتبطا بالحياة اليومية وبمصالح الصناع والحرفيين، ما يجعل حمايته مرتبطة أيضا بحماية مصادر الدخل المرتبطة به، واضعا محاولات نسب بعض عناصر التراث المغربي إلى جهات أخرى في سياق صراع سياسي أوسع، رابطا الدبلوماسية الثقافية بتعزيز حضور المغرب دوليا وحماية مصالحه الثقافية والاقتصادية.

    ولا يقدم بنسعيد استرجاع القطع الأثرية باعتباره نهاية للملف، بل يربطه برؤية أوسع تقوم على تطوير المتاحف، وتنشيط السياحة الثقافية، وتعزيز التعاون مع الدول، بالتوازي مع حماية تراث ما يزال حاضرا في الحياة اليومية للمغاربة، ويرتبط بمصالح اقتصادية واجتماعية لصناع وحرفيين وعائلات.

    حماية التراث المغربي.. من الخزائن إلى المتاحف

    وفي حديثه عن الدبلوماسية الثقافية، قال بنسعيد إن التعاون الذي يطوره المغرب مع عدد من الدول، إلى جانب المسؤولية التي يتحملها العاملون في مجال التراث، جعلا مجموعة من الدول تدرك وجود توجه مغربي صارم في هذا المجال.

    وأوضح أن المملكة المغربية طالبت باسترجاع ممتلكاتها الثقافية، غير أن الهدف، بحسبه، لا يتمثل في إعادة القطع إلى المغرب ثم وضعها داخل الخزائن، بل في إدماجها ضمن رؤية ثقافية أوسع.

    ويربط الوزير هذه الرؤية بالتوجيهات الملكية المتعلقة بالثقافة والمتاحف، مشيرا إلى أن مجموعة من المتاحف تفتح أبوابها أمام الجمهور، بالتوازي مع استثمارات كبرى في هذا المجال.

    وبالنسبة إلى بنسعيد، فإن المتاحف لا تؤدي وظيفة حفظ التراث فقط، بل يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على ما يسمى بالسياحة الثقافية، بما يجعل استرجاع الممتلكات الثقافية جزءا من منظومة يمكن أن تنتج آثارا اقتصادية واجتماعية.

    قطع ديناصورات تعود إلى المغرب

    وضرب بنسعيد مثالا بالتعاون الأخير مع فرنسا، مشيرا إلى إعادة قطع مرتبطة بديناصورات مغربية يعود عمرها إلى أكثر من 60 مليون سنة.

    ولا يتوقف، وفق هذا التصور، أثر استرجاع هذه القطع عند إعادتها إلى المغرب، إذ ينتظر أن تتيح للباحثين مواصلة العمل العلمي عليها، قبل عرضها في متحف أثري بما يسمح للمغاربة والأجانب باكتشاف جانب من تاريخ هذه الأرض والمملكة.

    وتعكس هذه الحالة، بحسب الوزير، طبيعة التعاون الإيجابي الذي يمكن أن ينتج عن الدبلوماسية الثقافية، حين تتحول استعادة الممتلكات إلى فرصة للبحث العلمي والعرض المتحفي والتعريف بالتاريخ المغربي.

    حين يتحول التراث إلى قضية اقتصادية

    ولا يحصر بنسعيد النقاش في الممتلكات الأثرية، إذ ينتقل إلى ما يعتبره محاولات للسطو على عناصر من التراث المغربي، خصوصا في ظل انتشار المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي.

    ويستحضر في هذا السياق المطبخ المغربي، موضحا أن الزائر إلى دول مختلفة، مثل فرنسا أو الولايات المتحدة، عندما يبحث عن مطعم يقدم الأكل العربي قد يجد نفسه أمام مطعم يقدم الطاجين أو الكسكس باعتبارهما جزءا من المطبخ المغربي.

    وبالنسبة إلى الوزير، فإن هذه العناصر ليست مجرد منتجات سياحية أو رموزا فولكلورية، بل أطباق مرتبطة بالحياة اليومية داخل البيوت المغربية.

    والأمر نفسه ينطبق على اللباس، إذ يرفض بنسعيد اختزال القفطان والجلابة في مجرد أزياء فلكلورية، مشيرا إلى أنهما ما يزالان حاضرين في الأعراس والأعياد والتجمعات العائلية.

    “تراث حي ماشي ميت”

    ويقدم بنسعيد أحد أهم مفاتيح قراءته للملف من خلال التأكيد أن المغرب يتوفر على “تراث حي ماشي ميت”، شارحا أن عددا من الدول تتوفر على تراث يعود إلى مئات أو آلاف السنين، غير أن هذا التراث لا يظهر اليوم إلا داخل المتاحف، بينما ما يزال التراث المغربي حاضرا في الحياة اليومية.

    فالقفطان والجلابة ما يزالان يلبسان، والمطبخ المغربي ما يزال يمارس داخل البيوت، كما أن هناك صناعا وعائلات تستمر في العيش من هذا التراث وممارساته.

    وتكمن أهمية هذا المعطى، بالنسبة إلى بنسعيد، في أن التراث المغربي ليس مجرد ماض محفوظ داخل المتاحف، وإنما منظومة ثقافية واقتصادية مستمرة.

    وهذه الحيوية، بحسب الوزير، هي التي تجعل حماية التراث أكثر ارتباطا بالواقع، لأنها لا تتعلق فقط بالحفاظ على رموز تاريخية، وإنما أيضا بحماية الأشخاص والمهن والاقتصاد الذي يقوم حولها.

    حماية التراث المادي وغير المادي

    وفي مقابل ما يعتبره محاولات للسطو على عناصر من التراث المغربي، يرى بنسعيد أن المطلوب هو تقوية الإطار القانوني الخاص بالتراث المادي وغير المادي.

    ولا يعطي الوزير الأهمية نفسها لما يصفه بالسطو على الأقوال أو الموروث الشفوي، معتبرا أن الأولوية يجب أن تنصب على المجالات التي يمكن أن يكون لها أثر فعلي على التراث وعلى الأشخاص الذين يعيشون منه.

    بنسعيد: هذا ماشي صراع ثقافي هذا صراع سياسي

    لكن بنسعيد لا يكتفي بالبعد الثقافي والاقتصادي للملف، إذ يقدم قراءة سياسية مباشرة لمحاولات السطو على التراث المغربي.

    ويقول: “أنا ما نسميش هاد الشي صراع ثقافي، هاد صراع سياسي”، معتبرا أن أطرافا خسرت، بحسب قراءته، معارك دبلوماسية حول قضية سياسية تهمنا، وبالنسبة لنا هي قضية وطنية، وتحاول الانتقال إلى مجالات أخرى لمواصلة المواجهة.

    ويذكر في هذا السياق مجالات متعددة، من الرياضة إلى السياحة والثقافة، معتبرا أن الصراع يمكن أن ينتقل من مجال إلى آخر عندما يتعذر تحقيق أهدافه في المجال السياسي والدبلوماسي.

    القفطان.. اعتراف دولي بالهوية المغربية

    ويستحضر بنسعيد القفطان باعتباره أحد الأمثلة على ما يعتبره اعترافا دوليا بالثقافة المغربية، ويقول إن شخصيات عالمية ترتدي القفطان وتقدمه باعتباره “قفطان مغربي”، معتبرا أن هذا الأمر يشكل في حد ذاته اعترافا دوليا بالهوية المرتبطة بهذا اللباس.

    ولا ينظر الوزير إلى الانتشار الدولي للقفطان باعتباره مشكلة في حد ذاته، وإنما إلى الطريقة التي يمكن أن يتم بها استغلال عناصر التراث المغربي لأغراض اقتصادية دون حماية حقوق الصناع والحرفيين الذين ينتجونه.

  • حنان السرغيني: الإعادة الفورية للمهاجرين بسبتة قد تردع الهجرة لكن بشروط

    حنان السرغيني: الإعادة الفورية للمهاجرين بسبتة قد تردع الهجرة لكن بشروط

    تخضع إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا لضوابط ينص عليها الاتفاق الثنائي الموقع سنة 2007، إلى جانب القانونين الإسباني والأوروبي واتفاقية حقوق الطفل، وتشترط هذه المرجعيات التحقق من هوية القاصر وأسرته، وتقييم مصلحته الفضلى، وضمان تسليمه إلى أسرته أو إلى مؤسسة رعاية مؤهلة.

    وترى حنان السرغيني، الأستاذة بجامعة القاضي عياض والباحثة في قضايا الهجرة، أن تسريع إعادة المهاجرين غير النظاميين قد يشكّل أداة ردع، لكن الإعادة الفورية التي تتجاوز التقييم الفردي لا يمكن أن تكون سياسة قانونية ومستدامة، خصوصا بالنسبة إلى إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا.

    وتوضح السرغيني في حوار خصت به جريدة “AM+ MEDIA”، أن مطالبة المغرب لجاره الشمالي بتبسيط المساطر لها سند قانوني، غير أن موافقته على استقبال القاصرين لا تعفي إسبانيا من ضمان حمايتهم ومراعاة مصلحتهم الفضلى، مؤكدة أن الإطار الأوروبي لا يعارض التعاون مع المغرب.

    في ظل تصاعد الهجرة غير النظامية وأزمة سبتة الأخيرة التي أعادت إلى الواجهة سؤال البحث عن أدوات أكثر فاعلية للحد منها، إلى أي حد يمكن أن تشكّل الإعادة الفورية آلية ردع ناجعة؟

    في تقديري، الإعادة السريعة يمكن أن تكون أداة ردع للهجرة غير النظامية، لكنها لا تصبح ناجعة إلا إذا كانت قانونية وقابلة للتنفيذ ومنظمة، فالردع لا ينتج فقط عن شدة الإجراء، وإنما عن وضوحه وسرعته واحتمال تطبيقه فعليا، لكن يجب التفريق بين البالغين والقاصرين غير المصحوبين.

    بالنسبة إلى الشخص البالغ الذي لا يملك حقا قانونيا في البقاء، فإن تسريع إجراءات العودة ينسجم مع الاتجاه الجديد للاتحاد الأوروبي نحو جعل العودة أكثر فعالية. فالإطار الأوروبي الجديد للعودة يتجه إلى توحيد الإجراءات، وفرض التزامات على الشخص موضوع قرار العودة، وتعزيز التعاون مع الدول المستقبلة. وقد اتفق المجلس والبرلمان الأوروبيين في يونيو 2026 على إطار جديد للعودة، مع التأكيد في الوقت نفسه على احترام حقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية. لكن لا يمكن إسقاط هذا المنطق بصورة آلية على القاصر غير المصحوبين.

    فالمادة 22 من اللائحة الأوروبية 2024/1348 تجعل المصلحة الفضلى للطفل اعتبارا أساسيا عند تطبيق قواعد الحماية الدولية، بينما تفرض المادة 23 ضمانات خاصة للقاصر غير المصحوب، بما في ذلك التمثيل والمساعدة. بل إن المادة المتعلقة بالدولة المستقبلة الآمنة تشترط، عندما يتعلق الأمر بقاصر غير مصحوب، ألا تتعارض العودة مع مصلحته الفضلى، وأن تحصل سلطات الدولة الأوروبية مسبقا على ضمان من هذه الدولة بأنها ستتكفل به وأن يحصل فورا على حماية فعالة.

    إذن الإعادة السريعة نعم، الإعادة الفورية بمعنى تجاوز التقييم الفردي لا. السرعة في تنفيذ القانون قد تكون رادعة، أما تجاوز القانون فلا يمكن أن يكون سياسة ردع مستدامة.

    مع مطالبة المغرب لإسبانيا بتسريع إجراءات إعادة المهاجرين، سيما القاصرين، ما الذي يتيحه الإطار القانوني المنظم لهذه العمليات؟

    هنا أعتقد أن الموقف المغربي يجب أن يُقرأ بصورة أكثر دقة.

    المغرب لا يطلب، من الناحية القانونية، اختراع آلية جديدة لإرجاع القاصرين، فهناك أصلا إطار ثنائي قائم منذ الاتفاق المغربي الإسباني المؤرخ في 6 مارس 2007 عنوانه نفسه واضح: التعاون في الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين، وحمايتهم، وإعادتهم المتفق عليها سنة 2007 والذي دخل حيز التنفيذ في  2012.

    وتنص المادة الأولى على إنشاء إطار عمل مشترك للوقاية والحماية والإرجاع، والأهم أن المادة الثانية، الفقرة 3 لا تتحدث عن مجرد ترحيل، وإنما عن العودة المساعدة للقاصر إلى أسرته أو إلى مؤسسة الوصاية في بلد الأصل، وإعادة إدماجه اجتماعيا، وهذه العبارة مهمة جدا، لأنها تكشف أن فلسفة الاتفاق منذ البداية لم تكن إرجاع القاصر إلى المغرب وإنما إرجاع القاصر في إطار حماية وإعادة إدماجه.

     على ضوء الاتفاق المغربي الإسباني بشأن إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا، ما الأساس القانوني لمطلب تبسيط مساطر الإعادة، وما حدوده؟

    هنا يمكن القول إن للمطلب المغربي أساسا قانونيا، ولكن له حدود أيضا، لأن المادة 4 من الاتفاق تنص على أن السلطات المغربية تقوم بتحديد هوية القاصر وأسرته وإثبات جنسيته، كما تنص على أن الطرفين يتفقان مسبقا بشأن حالات القاصرين الذين يمكن أن يكونوا موضوع العودة، وكذلك بشأن عددهم، وهذه العبارة الأخيرة بالغة الأهمية لأنها تعني أن الاتفاق لا يبني العودة على إجراء أحادي الجانب، وإنما على تعاون وتنسيق مسبق بين الطرفين.

    وفي المقابل، المادة 5/1 تمنح السلطات الإسبانية صلاحية اتخاذ قرار العودة، سواء من تلقاء نفسها أو بناء على اقتراح الجهة العامة التي تتولى وصاية القاصر، لكن مع الالتزام الصارم بالقانون الإسباني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل. اذن المعادلة القانونية هي:

    ويستطيع المغرب أن يطلب تسريع التعاون والتعرف على القاصر والأسرة وتبادل المعلومات، لكن إسبانيا لا تستطيع أن تختصر الضمانات القانونية التي تسبق قرار العودة.

    وهنا أقول إن المشكلة ليست بالضرورة في وجود عوائق قانونية أمام العودة، وإنما في طول المسطرة وتعدد المتدخلين وغياب آليات سريعة وفعالة وهذا فرق مهم جدا.

    ⁠المغرب أبدى استعداده الجدي لاستقبال القاصرين، فهل يكفي ذلك لكي تنفّذ إسبانيا إعادتهم، أم تظل ملزمة بضمانات قانونية فردية؟

    ليس بهذه البساطة، لأن المادة 5/2 من الاتفاق المغربي الإسباني تشترط أن يتم التعاون في كل حالة عودة في إطار الحفاظ على المصلحة الفضلى للقاصر، بهدف ضمان إعادة لمّ الشمل الأسري فعليا أو تسليمه إلى مؤسسة وصاية، كما تنص المادة 5/3 على التعاون في إنشاء جهاز استقبال بموارد بشرية ومادية مؤهلة. إذن، إذا قالت إسبانيا المغرب مستعد لاستقبال القاصر، فلنعِده فورا.

    فالجواب القانوني هو: استعداد المغرب للاستقبال مهم، لكنه لا يغني عن ضمانات الاستقبال والحماية في الحالة الفردية.

    وهنا يصبح المطلب المغربي أكثر قابلية للتطبيق إذا تمت صياغته على النحو التالي: تسريع التحقق من الهوية ثم تسريع تحديد الأسرة ثم تقييم المصلحة الفضلى ثم تحديد جهة الاستقبال وأخيرا اتخاذ القرار بسرعة.

    أي أننا لا نحتاج بالضرورة إلى إلغاء المسطرة، بل إلى إعادة هندستها وهذه، في رأيي، هي المقاربة الأكثر واقعية.

    في ظل القواعد الأوروبية الجديدة للهجرة واللجوء، ما الحدود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على إسبانيا في ملف إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا؟

    هنا يجب ألا ننسى أن إسبانيا، رغم امتلاكها صلاحيات وطنية في مجال الهجرة، تعمل داخل منظومة أوروبية ودولية والميثاق الأوروبي الجديد، الذي أصبحت أدواته الرئيسية قابلة للتطبيق منذ 12 يونيو 2026، لا يتجه فقط إلى تشديد الحدود، بل إلى توحيد الإجراءات وتسريعها مع الحفاظ على ضمانات معينة.

    ومن أبرز الأمثلة أن إجراءات الحدود الأوروبية الجديدة لا تنطبق كقاعدة على القاصرين غير المصحوبين، إلا في حالات مرتبطة بالتهديد الأمني، وهذا يعطينا دلالة مهمة، فالاتحاد الأوروبي نفسه يميز قانونيا بين إدارة الهجرة غير النظامية وإدارة وضع القاصر غير المصحوب، لذلك لا يمكن لإسبانيا أن تتعامل مع القاصر في سبتة بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع شخص بالغ صدر بحقه قرار العودة.

    رغم تقاطع المصالح المغربية والأوروبية بشأن رفع فعالية الإعادة، هل تتعارض مقتضيات الميثاق الأوروبي الجديد مع المطالب المغربية؟

    لا، وهنا أعتقد أن التحليل يصبح أكثر إثارة للاهتمام، لأن هناك تقاطع بين الموقف المغربي والاتجاه الأوروبي الجديد في مسألة واحدة هي ضرورة جعل العودة أكثر فعالية.

    فالاتحاد الأوروبي يريد رفع فعالية العودة، والمغرب يريد تبسيط إجراءات العودة، وإسبانيا تريد تخفيف الضغط عن سبتة، إذن المصالح تلتقي في الهدف، لكن الاختلاف يوجد في شروط التنفيذ، خصوصا بالنسبة إلى القاصرين،

    بل إن الميثاق الأوروبي الجديد بشأن العودة ينص على أن اتفاقات أو ترتيبات العودة مع الدول الثالثة يجب أن ترتبط باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية، كما يستثني القاصرين غير المصحوبين من بعض ترتيبات العودة القائمة على هذه الآلية، وهذه نقطة قانونية مهمة جدا.

    الاتحاد الأوروبي لا يغلق باب التعاون مع المغرب، لكنه يريد أن يكون التعاون قابلا للتوفيق مع ضمانات حقوق الطفل.

    ⁠ أمام الضغط المتزايد على سبتة والمصالح المشتركة بين الرباط ومدريد، هل ستجد المطالب المغربية آذانا مصغية في إسبانيا، وما الشروط التي قد تحكم تنفيذها؟

    أعتقد أن الإجابة هي نعم سياسيا، ولكن التنفيذ سيكون مشروطا قانونيا، لأن إسبانيا لديها مصلحة مباشرة في تخفيف الضغط عن سبتة، والمغرب لديه مصلحة في ألا يتحول إلى مجرد حارس للحدود الأوروبية.

  • انتخابات 2026.. الأصالة والمعاصرة يكشف لائحة وكيلات اللوائح الجهوية للنساء

    انتخابات 2026.. الأصالة والمعاصرة يكشف لائحة وكيلات اللوائح الجهوية للنساء

    كشف حزب الأصالة والمعاصرة عن لائحة وكيلات اللوائح الجهوية للنساء التي اختارها برسم الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وذلك عقب استكمال مسطرة التقييم والانتقاء المعتمدة.

    ووضع الحزب الثقة في ليلى بيلغة في جهة الرباط سلا القنيطرة، وسارة أمحزون بجهة بني ملال خنيفرة، وسلمى ابلحساين بجهة طنجة تطوان الحسيمة، ونجاة ويحيى بجهة درعة تافيلالت.

    وضمت لائحة وكيلات “البام” في اللوائح الجهوية نادية الادريسي سليطين بجهة مراكش آسفي، وهدى المغاري المبرض بجهة الشرق، ومليكة مزور بجهة الدار البيضاء سطات، إضافة إلى خديجة حجوبي بحهة فاس مكناس، وسناء زاهيد بجهة سوس ماسة، وعزيزة باداد بجهة العيون الساقية الحمراء.

    أيضا، شملت اللوائح الجهوية للحزب منال عريطي بجهة كلميم واد نون، وزينب الكوري بجهة الداخلة وادي الذهب.

    وأوضح بلاغ الأصالة والمعاصرة أن عملية الاختيار جرت وفق مسطرة موحدة ومعايير محددة، ارتكزت أساسا على الكفاءة والتجربة السياسية والتنظيمية، والحضور الميداني، والقدرة على الترافع والتواصل ومدى الالتزام بمشروع الحزب وقيمه.

    وأبرز أن عملية الاختيار أشرفت عليها لجنة مكونة من فاطمة سعدي، عضوة القيادة الجماعية للحزب، ورئيسة منظمة النساء، قلوب فيطح، ورئيس منظمة الشباب، صلاح الدين عبقري، والأمين الجهوي للحزب بالجهة المعنية.

    وأكدت أن اللجنة قامت بدراسة الملفات، والاستماع إلى المترشحات، وتقييم الترشيحات وترتيبها، قبل رفع النتائج وفق المسطرة التنظيمية التي أقرها الحزب.

    وأكد “البام” أن هذه النتائج هي خلاصة مسار مؤسساتي موحد، قائم على الاستحقاق وتكافؤ الفرص، مهنئا الوكيلات المعتمدات، مشيدا في الوقت ذاته بجميع النساء اللواتي شاركن في هذه العملية،  وما أظهرنه من جدية والتزام وروح نضالية عالية.

    وعدّ الحزب أن المشاركة في هذا المسار الانتقائي، في حد ذاتها، تعكس مستوى متقدما من الانخراط في الحياة السياسية، وتجسد دينامية الحضور النسائي داخل الحزب.

    ودعا حزب الأصالة والمعاصرة الوكيلات المعتمدات  وكافة مناضلاته، انطلاقا من تطلعه  إلى أن تشكل هذه الاستحقاقات محطة جديدة لتعزيز حضور نوعي للنساء في المؤسسة التشريعية، إلى خوض غمارها بروح جماعية ومسؤولة، وبقوة الاقتناع بمشروع الحزب وخياراته، وانتصارا  لقضايا المواطنات والمواطنين، وترسيخا  لمكانة المرأة كشريك اساسي  في الحياة السياسية وصناعة القرار.

  • انتخابات المغرب تدخل المنعطف الحاسم مع اقتراب فتح باب الترشيحات

    انتخابات المغرب تدخل المنعطف الحاسم مع اقتراب فتح باب الترشيحات

    تدخل انتخابات المغرب 2026 مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب فتح باب الترشيحات، إذ تنتقل المنافسة، ابتداء من الاثنين المقبل 31 غشت، من طور مرحلة “التسخينات” والاستعدادات والحسم الداخلي في التزكيات إلى مرحلة رسمية يبدأ فيها سباق انتخابات 23 شتنبر 2026 بشكل جدي.

    وفي الأسابيع الأخيرة، رفعت الأحزاب وتيرة تحركاتها الميدانية في إيقاع سياسي متسارع يسبق الحملة الرسمية، إذ وسّع حزب الأصالة والمعاصرة سلسلة لقاءاته التواصلية، في محطات متعددة من قبيل تاونات وفاس والخميسات والفقيه بن صالح، ركزت على الإنصات إلى انتظارات المواطنين ومناقشة الأولويات التنموية المحلية، بينما قامت أحزاب أخرى بعرض مختصر للخطوط العريضة لبرامجها الانتخابية.

    وتعكس هذه التحركات سعي الأحزاب إلى اختبار جاهزية هياكلها، وتعبئة قواعدها وتثبيت حضور مرشحيها ودعمهم قبل انتقال المنافسة إلى الحملة القانونية في 10 شتنبر.

    غير أن التسخينات تجاوزت اللقاءات التواصلية إلى مواجهة مباشرة بين قطبي الأغلبية، بعدما اتهم التجمع الوطني للأحرار حزب الأصالة والمعاصرة، بـ”استمالات وضغوط” على عدد من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه، عقب انتقال أسماء من صفوفه إلى “البام”، من بينها مروان شبعتو وعثمان ومنال بادل.

    لم يتأخر رد الأصالة والمعاصرة بنفي الاتهامات، مؤكدا أن الالتحاق بصفوفه تم على أساس حرية الاختيار والاقتناع، مستحضرا في الوقت ذاته انتقال ما يفوق 17 برلمانيا كانوا ينتمون سابقا إلى خمسة أحزاب سياسية، ستة منهم كانوا ينتمون إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فضلا عن “عشرات المنتخبين في مجالس الجماعات الترابية ومجلس المستشارين”.

    وأبرز “البام” أنه لم يتعامل حينها مع انتقال هؤلاء المنتخبين باعتباره خيانة سياسية أو خروجا عن قواعد المنافسة، بل اعتبره “ممارسة تندرج ضمن حرية الاختيار السياسي، التي يحترمها الحزب ويتمسك بها مبدئيا”، في إشارة إلى ازدواجية المعايير عند الأحرار عندما يكون الطرف المستقطب.

    آجال وضع الترشيحات

    ويحدد المرسوم رقم 2.26.190 بداية تقديم الترشيحات في الساعة الثامنة صباحا من يوم 31 غشت (الإثنين المقبل)، ويحصره في 8 شتنبر، لكن في الجانب الإلكتروني فقط.

    وتضمن المرسوم أجلين مختلفين؛ الأول يخص إغلاق المنصة الإلكترونية في الساعة الثانية عشرة ظهرا من يوم الثلاثاء 8 شتنبر، بينما يمتد أجل تقديم أصول التصريحات والوثائق لدى السلطات المختصة إلى ظهر الأربعاء 9 شتنبر.

    وتمنح هذه المرحلة مجالا للترتيبات الحزبية، لأن التصريحات الناقصة أو غير المرفقة بالوثائق المطلوبة تعد لاغية، كما لا يكفي رفع الملف إلكترونيا من دون تقديم أصله داخل الأجل القانوني، ما يعني أن الخريطة النهائية للمتنافسين لن تتضح إلا بعد استكمال الإيداع وفحص الملفات وتسليم الوصول النهائية للترشيحات المقبولة.

    متى تنطلق الحملة الانتخابية؟

    وبمجرد إغلاق آجال وضع الوثائق، تبدأ الحملة الانتخابية مع الساعة الأولى من صباح يوم الخميس 10 شتنبر، وتستمر إلى الساعة الثانية عشرة ليلا من يوم الثلاثاء 22 شتنبر.

    وسيتوجه الناخبون في اليوم التالي، أي الأربعاء 23 شتنبر، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب.

    ضوابط صارمة للحملة الإعلامية

    تخضع الحملة الإعلامية لضوابط صارمة، فقد دخل قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري رقم 26-50 حيز التطبيق منذ 15 غشت الجاري، محددا فترة انتخابية من 39 يوما تنتهي في 22 شتنبر.

    وتشمل هذه المدة 26 يوما لما قبل الحملة الرسمية، ثم 13 يوما للحملة نفسها، وتسري القواعد العامة على خدمات الاتصال السمعي البصري العمومية والخاصة، بينما تنفرد المؤسسات العمومية ببث البرامج المخصصة رسميا للحملة.

    التعددية، وفق هذا القرار، لا تعني توزيعا متساويا للزمن بين جميع الأحزاب، فقد خصص 50 في المئة من الحجم الزمني للأحزاب التي تتوفر على فريق برلماني أو عدد أعضاء يكفي لتشكيله، و30 في المئة لبقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، و20 في المئة للأحزاب غير الممثلة.

    في المقابل، يفرض القرار تغطية متكافئة للترشيحات داخل الدائرة نفسها عندما تتناول المعالجة الإعلامية ترشيحا بعينه.

    وتشمل الضوابط أيضا التمييز بين الخبر والتعليق، وعدم اقتطاع تصريحات الفاعلين السياسيين من سياقها، والكشف عن الانتماءات أو المصالح المرتبطة بالخبراء والمحللين، فضلا عن منع بث نتائج استطلاعات الرأي الانتخابية منذ اليوم الخامس عشر السابق للحملة وحتى انتهاء التصويت.

    ويحظر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري بث محتوى انتخابي مولد أو معدل بالذكاء الاصطناعي إذا كان من شأنه تضليل الجمهور، إلا لأغراض إخبارية أو تفسيرية أو تحققية مع الإشارة الواضحة إلى طبيعته الاصطناعية.

    ويتقاطع قرار “الهاكا” مع القانون التنظيمي رقم 53.25، الذي يعاقب على صناعة محتوى كاذب أو مزيف بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية، بما في ذلك عبر شبكات التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي، بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة بين 50 ألفا و100 ألف درهم.

    سباق على 395 مقعدا بمجلس النواب

    ويجدد الاقتراع كامل مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعدا، منها 305 مقاعد في الدوائر المحلية و90 مقعدا في الدوائر الجهوية، عبر اقتراع عام مباشر باللائحة.

    وتورد البوابة الرسمية للانتخابات، حتى 28 غشت، مشاركة 27 حزبا في استحقاقات 23 شتنبر المقبل، غير أن هذا الرقم لا يمثل العدد النهائي للوائح المقبولة، خصوصا أن القانون يتيح أيضا تقديم لوائح من مترشحين غير منتمين حزبيا.

    انطلاق الإشعار بمكاتب التصويت

    وبالتوازي مع ذلك، شرعت السلطات المحلية، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية، في تسليم الناخبين إشعارات بأماكن مكاتب التصويت، منذ 24 غشت الجاري، وهي عملية تستمر إلى السادسة مساء يوم 22 شتنبر.

    ويشار إلى أن الإشعار بمكان التصويت لا يعد شرطا للمشاركة في التصويت، إذ تظل البطاقة الوطنية للتعريف الوثيقة اللازمة لإثبات هوية الناخب المسجل في اللوائح الانتخابية.

    منصة إلكترونية لمغاربة العالم

    بالنسبة للناخبات والناخبين المغاربة المقيمين خارج تراب المملكة، خصصت منصة إلكترونية لإنجاز وكالة التصويت انطلقت منذ الاثنين 24 غشت 2026، وستستمر إلى غاية الساعة الثانية عشرة من زوال يوم الثلاثاء 22 شتنبر 2026.

    وستمكن المنصة الإلكترونية كل ناخبة أو ناخب مقيم خارج تراب المملكة من أن يوكل ناخبة أو ناخبا من اختياره، يكون مسجلا في اللائحة الانتخابية العامة لأي جماعة أو مقاطعة من جماعات ومقاطعات المملكة، ليقوم مقامه في التصويت يوم الاقتراع.

    ولهذه الغاية، يتعين على كل ناخبة أو ناخب مقيم خارج تراب المملكة أن يلج إلى المنصة الإلكترونية عبر أحد الموقعين الإلكترونيين التاليين www.elections.ma أو www.listeselectorales.ma، وأن يقوم بإدخال المعلومات المتعلقة به، وأيضا المعلومات الخاصة بالناخبة أو الناخب الذي اختاره للتصويت نيابة عنه بالتراب الوطني، والتثبت من المعلومات المذكورة، وتأكيد صحتها إشهادا منه على أنه قام بملء الوكالة بصفة شخصية وأن المعلومات المضمنة فيها صحيحة.

    وإثر إنجاز الوكالة، يتعين على الناخبة أو الناخب المقيم خارج تراب المملكة تحميل نسخة من الوكالة وإرسالها عبر البريد الإلكتروني أو البريد العادي إلى الناخبة أو الناخب الذي وكله للتصويت نيابة عنه يوم الاقتراع.

  • لأول مرة في تاريخه.. المغرب يدخل نادي الكبار في الـGaming بـ11 استوديو ورهان الـ30 مليار درهم

    لأول مرة في تاريخه.. المغرب يدخل نادي الكبار في الـGaming بـ11 استوديو ورهان الـ30 مليار درهم

    خلف واجهة زجاجية في القاعة 3.2 من مجمّع “كولنميسه” على مساحة اثنين ومئة متر مربع بالكاد، تتشكّل هذه الأيام صورة جديدة للمملكة المغربية، لا تختزل في الشعار المرفوع فوق الجناح الوطني، ولا في العلم الأخضر الذي يتوسّط اللافتات، بل في ما يجري داخله من أحد عشر استوديو، وعشرات المطورين الشباب، ووفد وزاري، وسلسلة من الشاشات التي تعرض عوالم من الزليج الرقمي والدار البيضاء والقصور المهجورة.

    المشهد، الذي يمرّ عليه الزائر الأوروبي في بضع دقائق، هو حصيلة خمس سنوات من إعادة الهندسة العمومية لصناعة كانت في 2021 مجرّد سوق للاستهلاك، وأصبحت اليوم واحدة من الرهانات الاستراتيجية للمملكة إلى أفق 2032.

    بين 26 و30 غشت الجاري يشارك المغرب رسميا، وللمرة الأولى في تاريخه، في “غيمزكوم” (Gamescom)، أكبر معرض عالمي لألعاب الفيديو الذي يستقطب سنويا أكثر من 300 ألف زائر وآلاف المهنيين ومئات الناشرين والمستثمرين والصحافيين من جميع أنحاء العالم.

    حضور بجناح وطني ووفد مؤسساتي يقوده وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، يريده المسؤولون خطوة مفصلية على طريق تحويل المملكة إلى قطب قاري ومرجعي لصناعة الألعاب الإلكترونية في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أو بعبارة أخرى، ترجمة عملية لأمنية سياسية أطلقها الوزير وهو يؤكد أن “المغرب لم يعد مجرد مستهلك للألعاب، بل أصبح مبدعا ومصدرا للحكايات نحو جمهور دولي”.

    من سوق للاستهلاك إلى صناعة قائمة الذات

    الأرقام التي اطلعت عليها “AM+MEDIA” والخاصة بحصيلة وزارة الشباب والثقافة والتواصل لا تحتمل التأويل، ففي سنة 2021 لم يكن “الغيمينغ” المغربي سوى سوق للاستهلاك، حيث يشتري المغاربة ما ينتجه الآخرون.

    في 2026، أصبح صناعة قائمة الذات، بحوالي 227 مليون دولار من العائدات التي حققتها الاستوديوهات المغربية سنة 2025، ومئة شركة ناشئة (Startup)، مقابل عشر شركات فقط قبل أربع سنوات، أي بارتفاع يفوق 900 في المئة، وألفا مطور مسجل في المنصة الرسمية moroccogamingindustry.ma، وألفا وظيفة مباشرة اليوم في القطاع، مقابل هدف بلوغ عشرة آلاف منصب في أفق 2030.

    على مستوى التكوين، أحدثت ثلاث عشرة شعبة تأهيلية جديدة منذ 2025 داخل الجامعات ومدارس المهندسين بشراكة مع الفاعلين الخواص، لسدّ خصاص الكفاءات الذي يعاني منه القطاع.

    وعلى مستوى السوق، يضم المغرب اليوم 8 ملايين لاعب، ما يجعله أكبر خزان “غيمينغ” في القارة الإفريقية، وفق أرقام الجامعة الملكية المغربية للألعاب الإلكترونية لسنة 2024.

    وتضع الوزارة أهداف طموحة، أن يستحوذ المغرب على واحد في المئة من العائدات العالمية للألعاب في أفق 2032، وأن يحقّق رقم معاملات يبلغ 30 مليار درهم (نحو ثلاثة مليارات دولار)، في سوق عالمية يتوقّع أن تتجاوز 700 مليار دولار بحلول 2030 بحسب معطيات “ستاتيستا”، هو طموح يتغذّى أساسا من “دعم مرفوع إلى أعلى مستويات الدولة” منذ 2021، ومن سياسة صناعية مخصّصة لهذا القطاع.

    هندسة عمومية “فريدة في إفريقيا”

    ويقود وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، بنية دعم متكاملة تصفها الوزارة الوصية بـ”الفريدة في القارة الإفريقية”، ترتكز على أربع ركائز مترابطة تغطّي التمويل والمواكبة والتطبيقات المتقاطعة والبنية التحتية.

    الركيزة الأولى مالية، وتتمثل في صندوق سنوي للابتكار بقيمة 50 مليون درهم، تديره وزيرة الشباب بشراكة مع وزارة الصناعة، لدعم ما يصل إلى 20 مشروعا مبتكرا سنويا، تضاف إليه آلية “تمويلكم”  التي تمنح المقاولات الصغرى والمتوسطة الابتكارية ضمانات وتمويلا مشتركا يصل إلى 750 ألف درهم.

    الركيزة الثانية، تتمثل في مواكبة الاستوديوهات نحو النمو والتدويل، عبر برنامج “Video Game “Incubator، المطلق بشراكة مع سفارة فرنسا بالمغرب، ويواكب كل سنة مجموعة من الاستوديوهات عبر برنامج للتوجيه والتشبيك والانفتاح على الأسواق الدولية، كما أن نتائجه ملموسة وتتمثل في 8 من أصل أحد عشر استوديو مغربيا حاضرا في “غيمزكوم 2026” مرّوا من هذا البرنامج.

    إلى جانبه، جائزة “Challenge Startup Gamification”، المنظمة مع مجموعة “إنوي” على هامش “Morocco Gaming Expo”، والتي تكافئ المشاريع الأكثر ابتكارا في “الغيمفكيشن” بدعم مالي قدره 100 ألف درهم، مع بطاقة عبور مباشرة إلى “غيمزكوم”.

    أما الركيزة الثالثة، فتخرج تقنيات “الغيمينغ” من دائرة الترفيه، ذلك أن مختبر “GamificationLab” بشراكة مع صندوق الإيداع والتدبير وذراعه الاستثمارية “CDG Invest” يواكب تطوير حلول “الغيمفكيشن” التطبيقية في السياحة والثقافة والتعليم، وبشكل أعمّ في الابتكار الرقمي

    الركيزة الرابعة والأهم، هي بنية تحتية بمواصفات قارية، والحديث هنا عن مشروع “الرباط غيمينغ سيتي” (Rabat Gaming City)، وهو أول حي إفريقي مخصّص كليا لصناعة ألعاب الفيديو، أدرج ضمن قانون المالية لسنة 2025 بغلاف استثماري عمومي قدره 360 مليون درهم، بوصفه مركّب سيجمع في نفس المنظومة التعاونية المطورين والناشرين والشركات الناشئة والمستثمرين ومؤسسات التكوين ومراكز البحث، فيما الهدف المعلن هو خلق 5 آلاف منصب شغل، وتحقيق رقم معاملات يبلغ 5 مليارات درهم في أفق 2030.

    أربع شراكات دولية استراتيجية في 18 شهرا

    في أقل من عامين، وقّع المغرب أربع شراكات دولية وازنة، تفتح باب تبادل الخبرات والكفاءات وتمهّد لتدويل القطاع، الأولى مع “بروكسي بلانيت” (Proxy Planet) من كوريا الجنوبية، وهي شركة تربط المنظومة المغربية للغيمينغ بشبكات المستثمرين الدوليين، في إشارة قوية من أحد أكثر الأسواق العالمية تقدّما في تطوير الألعاب والرياضات الإلكترونية.

    أما الثانية، فكانت مع “غارينا” (Garena) الإندونيسية، أكبر ناشر لألعاب الفيديو في جنوب شرق آسيا، الذي افتتح مكتبا في المغرب، ما يفتح آفاق ارتقاء نوعي في كفاءات الاستوديوهات المغربية,

    وجاءت الشراكة الثالثة مع “TA Publishing” الفرنسية، الفرع التابع لمجموعة “Forever Entertainment”، أحد كبار ناشري “نينتندو سويتش” في العالم، والشركة التي وقّعت سنة 2025 اتفاقية لإنشاء استوديو في الرباط تحت اسم “Ivalice Studio”، ويستهدف بين 50 و100 موظف في المدى المتوسط، وقد تمّت مراسم التوقيع بحضور وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة رشيدة داتي.

    الشراكة الرابعة مع “هواوي” (Huawei) الصينية، عبر شراكة استراتيجية أبرمتها العملاقة الآسيوية مع الوزارة وشركة “Morocco Gaming Industry” لدعم تطوير الغيمينغ والصناعات الرقمية بالمملكة.

    وهذه الشراكات، التي تصف الوزارة نتائجها بـ”تعزيز التنافسية في مواجهة الأسواق الكبرى في القارة”، تدعمها دينامية استثمارية موازية، فعلى هامش “Morocco Gaming Expo 2026″، أعلن استوديوهان دوليان عن توطينهما في المملكة هما “GameEarly”، الذي سيطلق قطبا جهويا بالرباط قبل نهاية 2026، و”Pixoul Gaming” الذي يفتح فرعا بالدار البيضاء في أفق 2027.

    “MGE”.. الرافعة الإفريقية

    لم يكن الإعلان عن المشاركة في “غيمزكوم 2026” صدفة زمنية، فقد جاء على هامش الدورة الثالثة من “Morocco Gaming Expo”، أكبر معرض للغيمينغ في إفريقيا الذي احتضنته الرباط بين 20 و24 ماي 2026 تحت شعار “الموهبة المغربية”.

     دورة قياسية على أكثر من صعيد، فأكثر من 80 ألف زائر، و24 دولة ممثلة، و100 عارض مغربي موزّعون على سبع فئات، و48 مستثمرا دوليا، و86 متدخلا في المنتديات وفضاء “MGE Talks”، و70 مؤتمرا في المجموع، و32 لعبة عرضت في فضاء “PlayTest” مع 27 مطوّرا في العروض التجريبية، وهي أرقام تثبّت “MGE” في مقام الموعد المرجعي لصناعة “الغيمينغ” في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

    وتلخّص نسرين السويسي، مديرة تطوير صناعة “الغيمينغ” بالوزارة، الرهان في أن المغرب “قرّر أن يصبح، في أفق 2032، قطبا لصناعة الغيمينغ الإفريقية، والحضور في غيمزكوم لأول مرة بأحد عشر استوديو وبجناح وطني مرحلة حاسمة في هذا المسار”.

    وتضيف نسرين السويسي أن “الأمر يتجاوز مجرد الترويج لمشاريع، لأن مشاركتنا هذه تهدف إلى تسريع تدويل الاستوديوهات وتسهيل إدماجها في سلاسل القيمة العالمية لصناعة الغيمينغ”.

    11 استوديو تحمل ألوان المغرب في كولونيا

    ينقسم المشاركون في الجناح الوطني إلى مجموعتين، ثمانية استوديوهات فائزة ببرنامج “Video Game Incubator”؛  ست منها من دفعة 2025-2026 واثنان من دفعة 2024-2025، من بينها استوديو واحد توّج بجائزة “Challenge Startup Gamification by MJCC & Inwi” في الدورة الثالثة لـ”MGE”، وثلاثة استوديوهات فائزة في مسابقة “Morocco Gaming Expo 2026” في فئة “الإعلان في أول عرض”، وأنواع متعدّدة تتراوح بين “الروغلايك” و”البازل” التنافسي والألعاب التربوية والتجارب السردية و”سيتي بيلدر” التكتيكي، وجميعها طوّرت في المغرب وتستهدف جمهورا يتجاوز حدود المملكة.

    RENOVATUM في قلب المعمار المغربي

    ومن بين الألعاب المشاركة “RENOVATUM” لـ”June Studio” الذي أسّسه إلياس بلعبد في الدار البيضاء في السادس من يونيو 2023، قبل أن ينتقل إلى القنيطرة، وهو استوديو مستقل يجمع فريقا متعدد الاختصاصات من ثلاثة إلى أربعة أشخاص، بدأ نشاطه في مجال حلول التصوير المجسّم  قبل أن يتحوّل ابتداء من أبريل 2024 إلى تطوير الألعاب.

    ومنذ يناير 2026 يعمل الاستوديو على لعبة “RENOVATUM”، وهي لعبة “روغلايك أكشن” بضمير الفاعل الثالث، موجّهة إلى لاعبي الحاسوب وعشّاق الألعاب المتطلّبة على غرار “Risk of Rain”، تدمج مؤثرات بصرية مستوحاة من المعمار المغربي، ويلخّص المؤسس، بلعبد المشاركة في “غيمزكوم” قائلا: “خطوة صغيرة للمغرب، وخطوة عملاقة لاستوديونا”.

    Mathpunk Chronicles.. الرياضيات بطريقة مختلفة

    وتعود لعبة “Mathpunk Chronicles” لاستوديو “Kiddo Education” الذي أسّسته كوثر جليلي سنة 2024، ويجمع اليوم فريقا محوريا من ثمانية أشخاص، إضافة إلى متخصّصين خارجيين حسب الحاجة، مع تطوير في الهند، وأنيميشن في فرنسا، ومتعاونين أوروبيين ودوليين في السرد والصوت.

    المؤسسة، كوثر جليلي مهندسة معلومياتية ومطوّرة سابقة في “يوبيسوفت الدار البيضاء”، انتقلت لاحقا إلى التدريس في جامعة الأخوين وثم K-12 حيث درست الرياضيات والعلوم، ومن هذه التجربة المزدوجة ولدت اللعبة مغامرة ألغاز تجعل من الرياضيات الميكانيك الذي يغيّر العالم لا مادة تحفظ، وينتظر إصدارها على منصة الألعاب “Steam” في نونبر 2026.

    Futurocco Casablanca 2121.. الدار البيضاء الديستوبية

    ويشارك في المعرض أيضا استوديو “BJR Pixels Agency” بلعبة “Futurocco Casablanca 2121″،وهو استودية من تطوان تأسّس في يوليوز 2025 على يد يونس بجريت، الفنان والرسّام والمخرج ومطوّر الألعاب.

    ويطور الاستوديو تريلر خيال علمي في الدار البيضاء الديستوبية سنة 2121، حيث يجسّد اللاعب دور عالم تلاحقه منظمة عملاقة، ويمكن لعب هذه اللعبة من منظور الشخص الأول والثالث، وتعتمد على حرية الأسلوب والإدارة الدقيقة للموارد، وتقدم جمالية فريدة من نوعها “موروكان بانك”، تدمج العمارة التقليدية المغربية والحرف المحلية واللغة الدارجة داخل شفرات السايبربانك، بمحرك “Unreal Engine 5″،

    يقول المؤسّس، يونس بجريت، عن المشاركة في المعرض الدولي بألمانيا: “هذا الحضور هو تتويج لرؤية يعبر فيها الفن البصري والثقافة المغربية الحدود”.

    Ard Games.. لعبة من فن الزليج والفسيفساء المغربية

    أما لعبة”Ard Games” ، فهي لـ”Za-id”، الاستوديو الذي أسّسه سعد خودمي بحيّ بنجدية في الدار البيضاء سنة 2024، وهو مهندس معلومياتي بخمس عشرة سنة من الخبرة في التقنيات، وعمل في “راكوتن” و”يوروسبورت” و”إير بي إن بي” و”بيريال”.

    ولعبة “Za-id” مستوحاة من فن الزليج والفسيفساء المغربية، بنظام “سكور-أتاك” ذو تقدّم تراكمي، موجّه إلى الجمهور الواسع، وقد برمجت النسخة التجريبية للربع الأخير من سنة 2026، والنسخة الكاملة للربع الأول من 2027، وستكون متاحة أيضا على منصة “Steam” لألعاب الحاسوب والهواتف أيضا.

    Letterland.. اللعب بالحروف

    أما لعبة “Letterland”، فهي منتوج لاستوديو “AtlaStudio” من بنسليمان، الذي أسس نتيجة صداقة عمر بين المهدي الدير وإبراهيم إجلابن، ورسّم رسميا سنة 2025.

    ويعمل الفريق عن بعد، ويتكوّن من شخصين بدوام كامل، المؤسس، مطوّر VR/AR سبق أن اشتغل في استوديوهات دولية ببريطانيا والولايات المتحدة، ويطوّر منذ 2025 لعبة “Letterland”، وهي “بازل بلاتفورمر” تتحوّل فيها الحروف إلى أداة لعب حقيقية لا مجرد وسيلة لتشكيل كلمات، وستصدر على “Steam” في الربع الأول من 2027.

    CNAFA.. منتوج مغربي خالص

     وتعد لعبة “CNAFA” منتوجا 100 في المئة للكفاءات المغربية، مقدمة من استوديو “EVEN GAMES” الذي تأسس رسميا سنة 2026 على يد حسام خيران، ذو تكوين في الهندسة المعمارية ومصمّم رسوم مستقلّ، ومتدرّب في البرنامج الاستراتيجي مع بنجامان أنسوم.

    و”CNAFA” لعبة “روغلايك دنجن كراولر” تدور حول البقاء والقوة وقلب الأعداء ضد أنفسهم، إذ تكون للاعب القدرة على التقاط أعدائه ليستخدمهم أسلحة، ويبني منظومات تفاعل قاتلة، ومن المتوقع أن تصدر لـ”Steam” و”Itch.io” في 2027.

    GEMMA.. قتال بالتناوب

    أما لعبة “GEMMA” التي يشرف على تطويرها “KELBOX STUDIO”، فتمزج بين “بازل” الكتل الملوّنة ونظام قتال بالتناوب وتقدّم على شكل نظام لعب “روغلايت”، وقد تمت برمجة النسخة التجارية الأولى لـ2027 على “Steam”، مع احتمال الامتداد إلى “الكونسول”.

    ويشرف على الاستوديو رشيد لنصاري ومروان بعوت، والأول ليس وافدا جديدا فهو مؤسّس “Moroccan Retro Gamers” منذ 2008، وأحد مؤسّسي “الجمعية المغربية لألعاب الفيديو” سنة 2013، ومبادر مشروع الذاكرة “CARTEmémoire” منذ 2015 والممثّل الوحيد للمغرب وللقارة الإفريقية في بطولة العالم لـ”PES” في ميلانو 2016.

    Kasbah.. تجربة استكشاف تأملية في قلب الثقافة المغربية

    أيضا هناك لعبة “Kasbah” لاستوديو “RIBAT STUDIO”، الذي أسس في فبراير 2026 بالرباط، والمكون من فريق من ست أشخاص عن بعد، يقوده عمر السويسي، مصمّم ثلاثي الأبعاد سبق أن اشتغل على مشاريع “Unreal Engine 5”.

    وولدت لعبة “Kasbah” من صورة قصر مهجور في قاع واد صحراوي، تغطّي جدرانه نقوش لم يعد أحد يعرف قراءتها، ويجسّد اللاعب فيها دور خطاط يتعلّم فكّ رموزها ليتقدّم، في تجربة استكشاف تأملية بضمير الفاعل الأول بلا قتال، بلا مخزون بلا علامات المهام.

    وفي اللعبة، الثقافة المغربية ليست ديكورا، بل قلب نظام اللعب عبر عمارة القصور والقصبات، والنقوش الزخرفية، والأضرحة التي تشير إلى نقاط الماء وتصلح بوصلات للتنقّل، حتى القربة كعلاقة جسدية بالماء في الصحراء، ويتوقع إصدارها بين 2030 و2029.

    Cazafonia.. شوارع من الذكريات بريشة الموسيقى

    ويشارك استوديو “Dizzy Gaming” بـ”Cazafonia: Between Cities”، وهي لعبة عالم مفتوح.

    وتأسّست “Dizzy Gaming” بالدار البيضاء سنة 2026 على يد الفنّان عمر السهيلي، الشهير بـ”ديزي دروس”، أحد أعمدة الراب المغربي، ويعد الاستوديو أوّل تجربة مغربية لنقل عالم فنّان موسيقي مباشرة إلى الفيديو غايم في “Cazafonia”، وهي عالم مفتوح سردي، تصبح فيها شوارع الدار البيضاء والذكريات والموسيقى ميكانيكا بعدا 15 سنة من صدور أغنية عمر السهلي “كازافونيا”.

    وقدّم الاستوديو مشروعه إلى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن خلال “Morocco Gaming Expo 2026″، وكما يقول المؤسّس، عمر السهلي: “فهذا دليل أنّه بالإمكان الانطلاق من الدار البيضاء، رواية حكايتنا، وحمل المغرب إلى أكبر المنصات العالمية للغيمينغ”.

    RivalDom.. عائشة قنديشة تدخل عالم الألعاب

    وتضم لائحة سفراء المغرب لمعرض “غيمزكوم” أيضا لعبة “RivalDom”، لـ”QasbahLabs”، الذي تأسّس في فرنسا سنة 2024، قبل فتح فرع مغربي في 2025.

    ويقود الاستوديو يونس بخويا، مهندس نظم معلوماتية متخرّج من جامعة باريس 1 بانتيون-سوربون، والذي يشغل حاليا منصب مهندس تطبيقي في مجموعة “SATEC”، ويضم فريقه اليوم قرابة ثلاثة عشر متعاونا موزّعين بين المغرب (الأغلبية) وفرنسا وأوكرانيا.

    وتعد “RivalDom” لعبة استراتيجية بالتناوب متعدّدة اللاعبين، مصممة أساسا للهاتف iOS وAndroid مع امتداد نحو “Steam” و”Epic Games Store” و”نينتندو سويتش”.

    وتحضر اللمسة المغربية في اللعبة من خلال بطاقات مستوحاة من شخصيات أسطورية مغربية مثل عائشة قنديشة، بوغطاط، لالة الشافية، وزينب النفزاوية.

    ومنذ إطلاقها في “Early Access” في فبراير 2026، سجّلت اللعبة قرابة أربعة آلاف مباراة متعدّدة اللاعبين، ومجتمعا على “ديسكورد” يقارب ألفي عضو، وتقييم 4.8/5 على “Google Play Store”، من المقرر إصدارها رسميا في الربع الأول من سنة 2027.

    Rogue Fantasy.. نوستالجيا كلاسيكيات الألعاب

    وآخر الألعاب الممثلة للمغرب في المغرب، هي “Rogue Fantasy: Ever-Shifting Worlds”، من تطوير “Ivalice Studio”، الذي تأسّس في الرباط سنة 2025، بقيادة بنجامان أنسوم، مطوّر ومنتج فرنسي مخضرم أسّس سابقا استوديو “Sushee” في لانّيون بفرنسا سنة 2010، ثم “TA Publishing” في 2018.

    اختيار المغرب بحسب بنجامان أنسوم هو “خيار مهني قوي”، جذبته إليه الإرادة السياسية للمملكة في دعم صناعة الغيمينغ.

    وتعد “Rogue Fantasy” مزيج بين “JRPG” و”روغلايك” و”أوتو-باتلر”، بجمالية بيكسل تستحضر كلاسيكيات الألعاب مثل “Final Fantasy” و”Chrono Trigger” و”Breath of Fire”.

    اللعبة متوفّرة سلفا على “Steam” مع تريلر رسمي، وسبق أن كانت في المرشحين النهائيين لجائزة أفضل لعبة مستقلّة في “غيمزكوم آسيا” بسنغافورة، علما أن الإصدار في “Early Access” مبرمج لسنة 2026 مع تعديل نحو مطلع 2027، والنسخة الكاملة في 2027.

    ويقول أنسوم في هذا السياق: “بهذا الجناح الأول، يمكن للمغرب أن يطمح إلى دخول مصاف الكبار، إلى جانب الدول ذات التقاليد الراسخة في هذا المجال، والرسالة واضحة: يجب أخذنا بعين الاعتبار”.

     المغرب يخطو بثبات

    ويبدو جليا انتقال صناعة كانت قبل خمس سنوات نشاطا هامشيا، إلى صناعة مهيكلة برأسمال بشري وبتشريع مؤطر وبمنتج ثقافي يتجاوز الفلكلور والاستشراق الرقمي، إذ يظهر ذلك جليّا في الخيارات الفنية للاستوديوهات الأحد عشر.

    فبينما تختار بعضها إذابة الهوية المغربية داخل شفرات عالمية دون الإفصاح عنها في السطح، كما هو حال “Kelbox Studio” ولعبته “GEMMA” ذات الجمالية اليابانية بروح مغربية، أو “Kiddo Education” ولعبته “Mathpunk Chronicles” التي لا تبرز مغربيتها إلا من خلال هوية صانعتها، تختار أخرى وضع الثقافة المغربية في قلب نظام اللعب ذاته، إذ يحول “Ribat Studios” الأضرحة والقربة إلى ميكانيكات، ويدرج “BJR Pixels” الدارجة في السايبربانك، ويجعل “Ard Games” من الزليج نظام لعب، ويحول “QasbahLabs” عائشة قنديشة إلى بطاقة استراتيجية، و”Dizzy Gaming” شوارع الدار البيضاء إلى عالم مفتوح مسكون بذكريات “الراب”.

    وبين هذه التصورات، تتشكّل ملامح لغة سردية جديدة، تحاول المملكة أن تصدّرها إلى العالم دون أن تسقط في مطب التمركز الغربي، ولا في مطبّ الاختزال الفلكلوري، وهي لغة تصفها وزارة الشباب والثقافة والتواصل بأنّها “خيار المغرب أن يكون مبدعا ومصدّرا للحكايات، لا مجرد مستهلك”.