التصنيف: رئيسيّة

  • بين السكن والاستثمار.. “وزارة المنصوري” تراهن على تعزيز ثقة مغاربة العالم

    بين السكن والاستثمار.. “وزارة المنصوري” تراهن على تعزيز ثقة مغاربة العالم

    تشكل عودة مغاربة العالم إلى المملكة خلال فصل الصيف محطة سنوية تتكثف خلالها حاجياتهم المرتبطة بالخدمات والإدارة، خصوصا في ما يتصل بالملفات التي تتطلب معرفة دقيقة بالمساطر أو تعاملا مع أكثر من مؤسسة.

    وبينما تختصر فترة الإقامة في المغرب بالنسبة إلى عدد كبير منهم في أسابيع محدودة، تظل بعض المشاريع والقرارات التي يشتغلون عليها ممتدة طوال السنة، من اقتناء السكن والعقار إلى البناء وإطلاق مشاريع استثمارية.

    ويكتسي قطاع التعمير والإسكان أهمية خاصة ضمن هذه العلاقة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بجزء مهم من مشاريع مغاربة العالم داخل المملكة، لأن الحصول على المعلومة التعميرية، ومعرفة وضعية العقار، وتحديد المساطر والوثائق المطلوبة، ثم مواكبة إجراءات الاقتناء أو البناء والاستثمار، كلها مراحل قد تتحول فيها المسافة بين بلد الإقامة والإدارة المغربية إلى عائق عملي، خصوصا عندما تكون الحاجة إلى الحضور مرتبطة بآجال محدودة.

    وفي هذا السياق، أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قافلة “التعمير والإسكان في خدمة مغاربة العالم”، واضعة قطاعها ومؤسساته في واجهة مواكبة أفراد الجالية خلال فترة وجودهم بالمغرب، مع توسيع نطاق الخدمات والمعلومات المتاحة لهم.

    الجالية في قلب التعبئة

    لا تنفصل التعبئة التي تقودها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن التحول الأوسع الذي تعرفه السياسة العمومية الموجهة لمغاربة العالم.

    فقد دعا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء، إلى إحداث تحول جديد في مجال تدبير شؤون الجالية المغربية بالخارج، يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بها والتجاوب مع حاجياتها الجديدة.

    ووضع جلالة الملك تبسيط ورقمنة المساطر الإدارية والقضائية التي تهم المغاربة المقيمين بالخارج ضمن أبرز التحديات المطروحة، إلى جانب مواكبة أصحاب المبادرات والمشاريع وفتح آفاق جديدة أمام استثمارات أبناء الجالية داخل وطنهم.

    وتكتسب مبادرة الوزارة أهميتها من هذا السياق، باعتبارها تنقل جزءا من هذه التوجيهات إلى قطاع يرتبط مباشرة بمصالح شريحة واسعة من مغاربة العالم، عبر تقريب خدمات السكن والتعمير وتسهيل الولوج إلى البرامج والمعلومة.

    تقوم القافلة على تعبئة مختلف مكونات وزارة إعداد التراب الوطني، خاصة المصالح اللاممركزة والوكالات الحضرية، إلى جانب المؤسسات التابعة للقطاع، بهدف توفير مواكبة أقرب، سواء تعلق الأمر بالحصول على المعلومات المرتبطة بالتعمير أو السكن، أو الاستفسار عن المساطر والوثائق، أو تتبع الملفات والمشاريع.

    وتكتسي هذه المواكبة أهمية بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج بالنظر إلى خصوصية وضعهم، إذ غالبا ما ترتبط معاملاتهم داخل المملكة بفترة زمنية محدودة، ما يجعل سرعة الوصول إلى المعلومة وتحديد الإدارة المعنية ومعرفة وضعية الملف عناصر أساسية في علاقتهم بالخدمة العمومية.

    ومن هنا، تراهن المبادرة على جعل فترة العودة الصيفية مناسبة لتقريب الإدارة من الجالية، مع العمل بالتوازي على الخدمات الرقمية التي تسمح باستمرار هذه العلاقة بعد عودة أفرادها إلى بلدان الإقامة.

    من الاستقبال إلى المواكبة

    وتتجاوز العملية مفهوم الاستقبال الإداري التقليدي، لتشمل التعريف بمختلف الخدمات التي يقدمها قطاع التعمير والإسكان، وتوجيه أفراد الجالية بحسب طبيعة طلباتهم.

    ففي مجال التعمير، يتعلق الأمر أساسا بتوفير المعلومات المرتبطة بوثائق التعمير والمساطر المتعلقة بالبناء والمشاريع العقارية، إلى جانب توجيه أصحاب المشاريع نحو المصالح المختصة.

    أما في مجال السكن، فتشمل المواكبة التعريف بالبرامج العمومية المتاحة، وفي مقدمتها برنامج الدعم المباشر للسكن، إلى جانب الخدمات والمنتجات التي توفرها المؤسسات التابعة للقطاع.

    وتتيح هذه المقاربة لأفراد الجالية الحصول على صورة أوضح حول المساطر قبل الانخراط في مشروع لاقتناء مسكن أو بناء عقار أو الاستثمار، بدل توزيع البحث عن المعلومة بين عدد من الإدارات والمتدخلين.

    من السكن إلى الاستثمار

    ويأتي القافلة في وقت يتوسع فيه النقاش حول الدور الاقتصادي لمغاربة العالم، فقد أعاد منتدى طنجة حول التحويلات وقطاع الصرف طرح مسألة الانتقال من النظر إلى الجالية أساسا من زاوية الأموال التي تحولها سنويا إلى تعزيز حضورها في الاستثمار والمشاريع المنتجة.

    وتجاوزت تحويلات مغاربة العالم 122 مليار درهم خلال سنة 2025، وفق معطيات رسمية، فيما سبق لجلالة الملك أن سجل أن مساهمة أبناء الجالية في حجم الاستثمارات الوطنية الخاصة لا تزال في حدود 10 في المئة، داعيا إلى فتح آفاق جديدة أمام استثماراتهم.

    وفي أحدث الأرقام، كشف مكتب الصرف أن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بلغت 61.48 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 9.9 في المئة، بينما بلغت ودائعهم لدى البنوك 221.9 مليار درهم في نهاية 2025، وفق بنك المغرب، بارتفاع 7.1 في المئة.

    ووفق رأي للمجلس الاقتصادي حول “تمتين الرباط الجيلي لمغاربة العالم”، الذي أنجز سنة 2022، فإن تمثلات مغاربة العالم بشأن الإكراهات التي تحول دون مساهمتهم في تنمية البلاد تتجلة في الفساد والمحسوبية (78.32 في المائة)، والطابع المعقد والبطيء للخدمات الإدارية (76.98 في المئة)، ثم جاء عدم وضوح الرؤية بشأن فرص الاستثمار في المرتبة الثالثة بنسبة 53.55 في المئة من الإجابات، تليه محدودية الوصول إلى المعلومات (50.42 في المئة).

    فرص مهدورة

    ورغم الثقل المالي المتزايد لمغاربة العالم، لا تتيح المعطيات الرسمية المنشورة حتى غشت 2026 رقما سنويا محيّنا يحدد القيمة الإجمالية لاستثمارات المغاربة المقيمين بالخارج داخل المملكة.

    ويظل أحدث مرجع رسمي تفصيلي في هذا المجال دراسة أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط في دجنبر 2022، بالاستناد إلى المسح الوطني للهجرة الدولية 2018-2019، الذي شمل 15.076 أسرة، وأظهرت أن 2.9 بالمئة فقط من المهاجرين المغاربة المقيمين بالخارج صرحوا بإنجاز مشاريع استثمارية في المغرب، بنسبة بلغت 3.4 في المئة لدى الرجال و1.8 في المئة لدى النساء، فيما ارتفعت النسبة إلى 14 في المئة لدى المهاجرين العائدين إلى المغرب، موزعة بين 16.7 بالمئة للرجال و7.1 في المئة للنساء.

    وتكشف تركيبة هذه الاستثمارات عن استمرار هيمنة الأنشطة العقارية، إذ استحوذ العقار بمعناه الضيق على 40.7 في المئة من مشاريع أفراد الجالية الذين صرحوا بالاستثمار، مقابل 19 في المئة للفلاحة و16.6 في المئة للبناء و6 في المئة للخدمات و5.5 في المئة للتجارة و4.5 في المئة للمطاعم والمقاهي و3.6 في المئة للصناعة.

    وباحتساب البناء واقتناء الأراضي غير الفلاحية، تصل حصة العقار بمعناه الواسع إلى 60.4 في المئة من مجموع المشاريع، وهو ما يعكس استمرار توجيه جزء كبير من استثمارات الجالية نحو حفظ القيمة وامتلاك السكن أو الأرض، بدل توجيهها إلى أنشطة إنتاجية أكثر تنوعا وقدرة على خلق فرص الشغل.

    وتؤكد معطيات المسح محدودية تحول تحويلات الجالية إلى استثمار منتج؛ فقد كان تمويل الاستثمار هو الاستخدام الرئيسي المصرح به للأموال المحولة إلى الأسر في 1.3 في المئة فقط من الحالات، مقابل 3.3 في المئة للادخار و87.1 في المئة للنفقات العادية، خصوصا الغذاء والملابس والصحة والتعليم والسكن.

    أما أسباب عدم الاستثمار، فتصدّرها نقص رأس المال بنسبة 38.9 في المئة، ثم تعقيد المساطر الإدارية بنسبة 14 في المئة، وضعف الدعم المالي والتحفيزات الجبائية بنسبة 8.6 في المئة، والفساد أو المحسوبية بنسبة 7.5 في المئة، وضعف الخبرة والتكوين بنسبة 5.5 في المئة. وبجمع تعقيد الإجراءات والفساد، يتبين أن العوائق المرتبطة بالمناخ الإداري والمؤسساتي تمثل 21.5 في المئة من أسباب العزوف المصرح بها.

    حصة الأسد للعقار

    يشكل العقار أحد المداخل التي يظهر فيها ارتباط مغاربة العالم بالاقتصاد الوطني بوضوح، إذ يستقطب 70 في المئة من استثمارات الجالية، كما أن نسبة 24 في المئة من المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن من مغاربة العالم.

    وسنة 2023، كشفت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، أن 70 في المئة من استثمارات أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج مرتبطة بقطاع العقار.

    وأوضحت المنصوري أن وزارتها اتخذت إجراءات لتسهيل ولوج مغاربة العالم إلى الإدارة ومواكبتهم في عمليات اقتناء السكن أو العقار المخصص للاستثمار، إذ نُظمت خلال صيف 2022 أول حملة لمواكبة الجالية، امتدت من أواخر يوليوز إلى 10 غشت، وشملت إحداث فضاءات للاستقبال في المطارات والموانئ وباحات الاستراحة، بهدف توفير الخدمات والمعلومات التي تقدمها الوكالات الحضرية وتقريبها من أفراد الجالية خلال مقامهم الصيفي بالمغرب.

    وشكلت الرقمنة محورا أساسيا في هذه المواكبة، إذ خصصت الوكالات الحضرية نوافذ إلكترونية لمغاربة العالم تتيح طلب مذكرات المعلومات التعميرية، ومعالجة الشكايات عن بعد، والاطلاع على العروض الترابية الموجهة للاستثمار.

    وبحسب الأرقام التي قدمتها الوزيرة، مكنت هذه الإجراءات خلال سنة 2022 من دراسة 3667 ملفا، حظي 2853 منها بالموافقة، أي بنسبة قبول بلغت 78 في المئة، كما جرى تسليم 645 مذكرة للمعلومات التعميرية، كان 32 في المئة منها رقميا.

    وفي ما يتعلق بالعرض السكني، أفادت المنصوري بأن مجموعة العمران تنظم سنويا معارض عقارية في عدد من العواصم الأجنبية، إلى جانب أيام مفتوحة في المدن المغربية، للتعريف بالمنتجات السكنية وتقريبها من أفراد الجالية وتسهيل المساطر الإدارية ومساطر الاقتناء.

    مغاربة العالم في قلب دعم السكن

    ويشكل برنامج الدعم المباشر للسكن أحد أبرز البرامج التي تستهدف القافلة التعريف بها لدى مغاربة العالم، خاصة أن الاستفادة منه لا تقتصر على المغاربة المقيمين داخل المملكة.

    فالبرنامج يتيح للمغاربة المقيمين بالخارج الاستفادة من الدعم المباشر المخصص لاقتناء السكن، متى استوفوا الشروط المحددة، وهو ما جعل أفراد الجالية حاضرين بشكل لافت ضمن المستفيدين منذ انطلاق البرنامج.

    وتكشف أحدث المعطيات المقدمة حول البرنامج أن المغاربة المقيمين بالخارج يمثلون 24 في المئة من مجموع المستفيدين، أي ما يقارب مستفيدا واحدا من كل أربعة.

    وتمنح هذه النسبة بعدا خاصا للقافلة التي تقودها وزارة إعداد التراب الوطني، لأنها تظهر أن علاقة مغاربة العالم بقطاع السكن لا تقتصر على الاهتمام أو الاستفسار، بل تترجم إلى حضور فعلي ضمن المستفيدين من أحد أبرز البرامج العمومية المرتبطة بالقطاع، إضافة إلى الحفاظ على مكانة السكن في موقع متقدم ضمن المشاريع التي ينجزها مغاربة العالم داخل المملكة، سواء بهدف امتلاك مسكن شخصي أو الحفاظ على ارتباط مادي واجتماعي بوطنهم.

    وتعيد نسبة 24 في المئة طرح طبيعة العلاقة بين مغاربة العالم والسوق العقارية، خاصة أن اقتناء السكن ظل تاريخيا أحد أبرز أوجه توجيه مدخرات الجالية داخل المملكة.

     في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن ارتباط مغاربة العالم بالقطاع العقاري يجد جزءا من تفسيره في طبيعة الهجرة المغربية خلال مراحلها الأولى، إذ اتجه الجيل الأول من المهاجرين، الذي انطلق جزء منه من أوضاع اجتماعية محدودة، إلى اقتناء العقار باعتباره وسيلة لضمان الاستقرار عند العودة إلى المغرب والحفاظ على ارتباطه بالوطن.

    ويشير الفينة في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إلى أن هذا التوجه بدأ يعرف تحولا تدريجيا، مع دخول استثمارات مغاربة العالم إلى قطاعات أخرى، من بينها السياحة والخدمات، غير أنها تظل في الغالب استثمارات محدودة الحجم مقارنة بالإمكانات التي تتوفر عليها الجالية.

    ويعتبر أن رفع مساهمة مغاربة العالم في الاستثمار يظل مرتبطا بمعالجة العراقيل التي تواجه المستثمرين، وفي مقدمتها تعقيد بعض المساطر الإدارية، رغم الإصلاحات التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة.

    ويرى الخبير الاقتصادي أن تشجيع الجالية على توسيع استثماراتها يتطلب توفير “تسهيلات وتحفيزات ومواكبة”، ضمن رؤية واضحة تسمح بتعبئة الإمكانات المالية والكفاءات المغربية بالخارج، وتحويل جزء أكبر منها نحو مشاريع واستثمارات داخل المملكة.

    إقبال يعكس الفرص

    وفي قراءته لهذا الإقبال، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن وصول حصة مغاربة العالم إلى 24 في المئة من المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن يعكس تحول هذه الفئة إلى مكون مهم داخل الطلب على السكن، بعدما ظل حضورها لسنوات مرتبطا أساسا بفترة الصيف وباقتناء العقار لأغراض عائلية أو استثمارية.

    وأوضح رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المهنيين يلمسون هذا الطلب بشكل أكبر خلال فترات عودة الجالية إلى المغرب، حيث ترتفع الاستفسارات حول المشاريع المتاحة والأسعار وشروط الاستفادة من الدعم، إلى جانب إمكانية استكمال جزء من إجراءات الاقتناء بعد العودة إلى بلد الإقامة.

    وبحسب المتحدث، فإن الطلب لا يتجه إلى منتوج واحد؛ فهناك أسر تبحث عن شقق متوسطة المساحة قريبة من العائلة والخدمات الأساسية، بينما يهتم جزء من الشباب والأجيال الجديدة بمساكن داخل المدن الكبرى ومحيطها، سواء بهدف التملك أو الاستثمار، كما تظل مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة والقنيطرة، إلى جانب المدن التي تنحدر منها أسر أفراد الجالية، حاضرة ضمن اختيارات هذه الفئة.

    واعتبر رحال أن هذا التطور يفرض على السوق العقارية مواكبة الطلب؛ ليس فقط من حيث توفير السكن المناسب، وإنما أيضا عبر تقديم معلومات واضحة حول المشاريع وتسهيل التواصل والإجراءات عن بعد، بالنظر إلى أن فترة وجود المغربي المقيم بالخارج داخل المملكة تكون في الغالب محدودة.

    الرقمنة تقلص الهوة

    بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، تشكل المساطر والوقت اللازم لإنجاز المعاملات جزءا أساسيا من قرار اقتناء العقار أو إطلاق مشروع، ما يجعل البعد الرقمي حاضرا ضمن الخدمات الموجهة للجالية، سواء عبر الحصول على المعلومات أو الولوج إلى المنصات والخدمات التي تسمح بإنجاز وتتبع عدد من الإجراءات عن بعد.

    ويكتسي هذا الجانب أهمية بالنظر إلى أن أفراد الجالية لا يوجدون بالمغرب طوال السنة، وبالتالي فإن ربط المعاملات العقارية والإدارية حصرا بالحضور الشخصي يمكن أن يشكل عائقا أمام إتمام المشاريع.

    وشكل الهاجس الرقمي محورا أساسيا في مواكبة وزارة إعداد التراب الوطني، إذ خصصت الوكالات الحضرية نوافذ إلكترونية لمغاربة العالم تتيح طلب مذكرات المعلومات التعميرية، ومعالجة الشكايات عن بعد، والاطلاع على العروض الترابية الموجهة للاستثمار.

    ووفي الحصيلة التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني سنة 2023، فقد مكنت هذه الإجراءات خلال سنة 2022 من دراسة 3667 ملفا، حظي 2853 منها بالموافقة، أي بنسبة قبول بلغت 78 في المئة، كما جرى تسليم 645 مذكرة للمعلومات التعميرية، كان 32 في المئة منها رقميا.

    وفي جانب آخر، فبرنامج الدعم المباشر للسكن نفسه يقوم على منصة رقمية مخصصة لتدبير طلبات الاستفادة، بما يسمح للمواطن ببدء وتتبع جزء مهم من مسار الاستفادة إلكترونيا.

    ويراهن المغرب على الرقمنة للانتقال من مواكبة ترتبط أساسا بفترة العودة الصيفية إلى خدمة يمكن أن تستمر طوال السنة، بحيث يستطيع المغربي المقيم بالخارج الوصول إلى المعلومة وتتبع ملفه من بلد إقامته.

  • النساء في انتخابات 2026.. بين تطور التمثيلية وحسابات الدوائر المحلية

    النساء في انتخابات 2026.. بين تطور التمثيلية وحسابات الدوائر المحلية

    قُبيل أسابيع من الانتخابات التشريعية، حضرت المناصفة بقوة في خطابات الأحزاب السياسية، وتعددت البرامج واللقاءات الموجهة لتأهيل النساء للمشاركة السياسية، بالتوازي مع مقترحات لرفع تمثيليتهن داخل مجلس النواب وتوسيع حضورهن في مواقع القرار.

    لكن الاختبار الفعلي لهذا الخطاب بدأ مع توزيع التزكيات، فبعيدا عن الدوائر الجهوية التي عززت حضور النساء داخل البرلمان، تضع الدوائر المحلية الأحزاب أمام حساب انتخابي مختلف: كم امرأة حصلت فعلا على فرصة قيادة لائحة والدخول في منافسة مباشرة على مقعد برلماني؟

    وإلى حدود الترشيحات المعلنة، بدأت الإجابة تتشكل من خلال الأرقام، فحزب الأصالة والمعاصرة حسم سبع تزكيات نسائية في الدوائر المحلية، فيما أعلن التقدم والاشتراكية عن ست نساء ضمن قائمة أولية شملت 80 دائرة، ووضع الاتحاد الاشتراكي 5 نساء ضمن لائحة مرشحيه، بينما زكى العدالة والتنمية 4 نساء، ومثلهن بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، فيما لم تكشف باقي الأحزاب عن اللوائح الكاملية لمرشحيها.

    ورغم أن الخريطة الكاملة لترشيحات الأحزاب لم تكتمل بعد، لكنها تسمح بنقل النقاش من عدد النساء الحاضرات في الأحزاب إلى موقعهن داخل المنافسة نفسها، لاختبار مواقف المغاربة من القيادة السياسية للنساء.

    أحكام مسبقة وأزمة أعمق

    كشف الباروميتر العربي في مارس الماضي عن مفارقة في مواقف المغاربة من القيادة السياسية للنساء، فقد وافق 57 في المئة من المستجوبين على المقولة التي تفيد بأن الرجال، عموما في المئة، أفضل من النساء في القيادة السياسية.

    ولا تمثل هذه النسبة مجرد استمرار لموقف سابق، بل ارتفاعا بثماني نقاط مقارنة بسنة 2022، حين بلغت 49 في المئة، وبـ22 نقطة مقارنة بسنة 2018، حين لم تتجاوز 35 في المئة، كما تظهر النتائج فجوة كبيرة بين الجنسين، إذ إن 68 في المئة من الرجال وافقوا على المقولة، مقابل 46 في المئة من النساء.

    لكن الميل إلى تفضيل القيادة الذكورية لا يقترن برفض مماثل للآليات القانونية الداعمة لحضور النساء، فقد أيد 71 في المئة تخصيص حصة للنساء في البرلمان، وأيد 70 في المئة “كوطا” نسائية داخل الحكومة، فيما اعتبر 73 في المئة أن وجود النساء في مواقع القيادة يساهم في النهوض بحقوق النساء، وترتفع هذه النسبة إلى 84 في المئة لدى النساء، مقابل 61 في المئة لدى الرجال.

    توحي هذه الأرقام بوجود فصل في الوعي العام بين الصورة النمطية عن «القائد السياسي الأفضل» وبين القبول بضرورة ضمان تمثيل النساء مؤسساتيا في المئة. فجزء من المواطنين قد يشكك في كفاءة القيادة النسائية بصورة مجردة، لكنه يرى في الكوتا وسيلة مشروعة لتصحيح الاختلال القائم. وقد يفسر ذلك استمرار الحاجة إلى اللوائح المخصصة للنساء، مقابل الصعوبات التي تواجهها المرشحات في المنافسات المحلية المباشرة، حيث يمكن للأحكام المسبقة أن تصبح أكثر تأثيرا في المئة.

    أُنجز البحث ميدانيا بين 11 دجنبر 2023 و30 يناير 2024، وشمل 2,411 مواطنا في المئة ومواطنة من مختلف جهات المغرب، عبر مقابلات مباشرة وعينة احتمالية متعددة المراحل ممثلة وطنيا في المئة، بهامش خطأ قدره نقطتان مئويتان.

    لذلك تقيس النتيجة اتجاهات عامة في الرأي، ولا تعني أن 57 في المئة سيرفضون بالضرورة التصويت لامرأة بعينها، كما أنها ليست مقياسا لمواقف الناخبين خلال حملة انتخابات 2026.

    سبع مرشحات ومسارات مختلفة لاختبار واحد

    تضم خريطة الترشيحات المحلية لحزب الأصالة والمعاصرة سبع نساء موزعات على أكثر من جهة، هن فاطمة الزهراء المنصوري بدائرة المدينة-سيدي يوسف بن علي بمراكش، ونجوى كوكوس بالدار البيضاء-أنفا، ومنال بديل ببرشيد، وإيمان الماوي بورزازات، وحنان الماسي بتارودانت الشمالية، وزينب السيمو بالعرائش، وبشرى الوردي بتيفلت-الرماني.

    ولا تأتي الأسماء السبعة من المسار السياسي نفسه، إذ تجمع بينها تجارب في القيادة الحزبية والتدبير المحلي والعمل البرلماني والحضور الميداني، لكنها تلتقي عند موقع واحد، هو قيادة اللائحة المحلية وتحمل مسؤولية المنافسة المباشرة داخل الدائرة.

    فالمنصوري تدخل الاستحقاق من موقعها منسقة للقيادة الجماعية للحزب ورئاسة مجلس جماعة مراكش، فيما تنتقل كوكوس، رئيسة المجلس الوطني، إلى المنافسة في دائرة أنفا بالدار البيضاء، وتدخل منال بديل السباق من تجربة في التدبير المحلي ببرشيد، بينما تحمل بشرى الوردي معها تجربة في رئاسة المجلس الإقليمي للخميسات.

    وفي العرائش وورزازات وتارودانت، تدخل زينب السيمو وإيمان الماوي وحنان الماسي المنافسة بعد تجربة برلمانية خلال الولاية الحالية، ما يضع أمامهن اختبارا آخر لتحويل الرصيد المؤسساتي والميداني الذي راكمنه إلى منافسة مباشرة أمام الناخبين.

    هل أصبحت “الكوطا” منصة إقلاع؟

    تظهر أهمية هذا الانتقال عند العودة إلى نتائج انتخابات 2021، التي أفرزت ذلك الاستحقاق وصول 96 امرأة إلى مجلس النواب من أصل 395 عضوا، أي ما يقارب ربع تركيبة المجلس، غير أن توزيع المقاعد يكشف صورة مختلفة، إذ وصلت 90 امرأة عبر الدوائر الجهوية، مقابل ست نساء فقط استطعن الفوز عبر الدوائر المحلية.

    بمعنى آخر، مقابل كل امرأة وصلت إلى البرلمان من دائرة محلية، وصلت 15 امرأة عبر الدوائر الجهوية.

    ولا يقلل هذا الفارق من وظيفة آليات التمييز الإيجابي في رفع التمثيلية النسائية، لكنه يفتح سؤال المرحلة التالية، فالمرأة التي تدخل البرلمان عبر دائرة جهوية وتقضي ولاية كاملة في التشريع والرقابة والترافع، يفترض أن تخرج منها برصيد سياسي يمكن اختباره لاحقا في دائرة محلية، غير أن هذا الاختبار ما يزال يثير توجس الأحزاب، التي تكتفي ترشيحات قليلة في اللوائح المحلية.

    2021.. حين انتهت المنافسة المحلية بست فائزات

    إذا كانت التزكيات تكشف اختيارات الأحزاب، فإن نتائج 2021 تظهر حجم الصعوبة التي تبدأ بعد الحصول عليها.

    فالنساء الست اللواتي فزن عبر الدوائر المحلية في ذلك الاستحقاق توزعن على ثلاثة أحزاب فقط، أربع منهن كن مرشحات باسم الأصالة والمعاصرة، تتزعمهن فاطمة الزهراء المنصوري بمراكش، وبديعة الفيلالي بوجدة أنجاد، وخديجة حجوبي بفاس الشمالية، وفاطمة الزهراء بنطالب بمراكش أيضا، فيما فازت مريم وحساة باسم التقدم والاشتراكية في بني ملال، وحنان عدباوي باسم حزب الاستقلال في تيزنيت.

    وهكذا، لم يكن الفارق بين النساء والرجال موجودا فقط عند توزيع التزكيات، بل ظهر بصورة أكبر عند إعلان النتائج، بعدما انتهت المنافسة المحلية على الصعيد الوطني بست نائبات فقط.

    وبالنسبة للأصالة والمعاصرة، تنتقل الخريطة في 2026 من أربع وكيلات للوائح المحلية في الاستحقاق السابق إلى سبع هذه المرة، مع عنصر إضافي يتمثل في دخول برلمانيات راكمن تجربة خلال الولاية الحالية إلى المنافسة المحلية.

    التزكية ليست فرصة متساوية

    غير أن عدد وكيلات اللوائح لا يكفي وحده لقياس موقع النساء في المنافسة، فالدوائر المحلية ليست متساوية في وزنها ولا في فرص الفوز بها.

    وتختلف القيمة السياسية للتزكية بين دائرة يتوفر فيها الحزب على حضور انتخابي وتنظيمي متراكم، وأخرى يدخلها من موقع أضعف، يضاف إلى ذلك تدخل في الحساب قوة المرشحة نفسها، وعلاقتها بالدائرة، وحضورها الميداني، وهوية المنافسين الذين ستواجههم.

    وتتوزع الأسماء النسائية السبعة في حالة الأصالة والمعاصرة بين مراكش والدار البيضاء والعرائش وبرشيد وتيفلت-الرماني وورزازات وتارودانت، وهي دوائر تختلف في تركيبتها وتوازناتها، كما تختلف المواقع التي تدخل منها كل مرشحة إلى المنافسة.

    وقبل الوصول إلى مرحلة التزكيات، يكاد الخطاب الحزبي يلتقي حول ضرورة توسيع مشاركة النساء في السياسة ورفع حضورهن داخل المؤسسات المنتخبة، لكن توزيع الدوائر ينقل هذا الالتزام إلى مستوى آخر.

    الخريطة الحالية ترتيبا نهائيا، لكنها تقدم أول اختبار قابل للقياس للمسافة بين ما أعلنته الأحزاب بشأن المناصفة وبين اختياراتها عند توزيع فرص المنافسة.

    أما الاختبار الثاني فسيأتي يوم 23 شتنبر، عندما تنتقل الأرقام من عدد النساء اللواتي حصلن على وكالة لائحة إلى عدد اللواتي استطعن تحويل هذه الفرصة إلى مقعد برلماني.

    بارومتر لقياس التمثيلية السياسية للنساء

    وأمام الانتقادات التي توجه للفرص التي تمنح للنساء في مشهد سياسي يغلب عليه الطابع الذكوري، أطلقت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، في يوليوز المنصرم، “بارومتر التمثيلية السياسية للنساء”، باعتباره آلية لرصد أداء الأحزاب وقياس مدى ترجمتها لخطاب المساواة والمناصفة إلى ممارسات تنظيمية وانتخابية ملموسة.

    ولا يتعلق الأمر باستطلاع للرأي، بل بأداة تقييم تجمع بين مؤشرات كمية وأخرى نوعية، يفترض أن تفضي إلى تقرير وطني وترتيب علني للأحزاب بحسب درجة التزامها بالتمكين السياسي للنساء.

    ويرتكز البارومتر على خمسة محاور، يتعلق الأول بالالتزام السياسي للحزب، من خلال حصيلته في تمثيل النساء، وبرامجه ومواقفه من الإصلاحات القانونية المرتبطة بالمناصفة.

    ويختبر المحور الثاني حكامة الترشيحات، سيما نسبة النساء في الدوائر المحلية، وشفافية معايير الاختيار، والانفتاح على القيادات النسائية، وإعادة ترشيح البرلمانيات والمنتخبات اللواتي راكمن تجربة سياسية، في حين يقيس المحور الثالث ما تحصلت عليه المرشحات من دعم مالي ولوجستي وتكويني، ومدى تكافؤ شروط الحملة بينهن وبين المرشحين الرجال.

    ويرصد المحور الرابع حضور النساء والقيادات النسائية في الخطاب السياسي والإعلامي للأحزاب، بينما يتناول الخامس آليات الوقاية من العنف السياسي ضد النساء والتبليغ عنه والتكفل بضحاياه، سواء داخل التنظيمات الحزبية أو خلال الانتخابات.

  • قانونان يعيدان رسم خريطة التعمير بالمغرب.. وكالات جهوية وضوابط التجزئات تدخل حيز التنفيذ

    قانونان يعيدان رسم خريطة التعمير بالمغرب.. وكالات جهوية وضوابط التجزئات تدخل حيز التنفيذ

    صدر في الجريدة الرسمية عدد 7533 إصلاحان تشريعيان يحملان تغييرات عميقة في تدبير المجال العمراني والاستثمار العقاري بالمغرب، يتعلق أولهما بالقانون رقم 64.23 المحدث للوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، والثاني القانون رقم 34.21 المغير والمتمم للقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.

    ولا يقتصر الإصلاحان على إعادة ترتيب بعض المساطر الإدارية، بل يؤسسان لتحول مزدوج، يعيد بناء المؤسسة المكلفة بالتخطيط العمراني على مستوى الجهة، ويضبط آجال إنجاز التجزئات ومسؤولية الأوراش وحماية المشترين، ويفتح الباب أمام عمليات تهيئة كبرى ذات نفع عام.

    جهوية في المجال ومركزية في القيادة

    يقضي القانون رقم 64.23 بإحداث وكالة جهوية للتعمير والإسكان في كل جهة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، ويطابق نفوذها الترابي حدود الجهة، وسيكون مقرها في العمالة أو الإقليم الذي يشكل مركز الجهة، مع إمكانية إحداث تمثيليات على مستوى العمالات والأقاليم عند الحاجة.

    ويضع القانون بذلك حدا لتعدد الوكالات الحضرية داخل الجهة الواحدة، من خلال تجميعها في مؤسسة جهوية موحدة، ما يساعد على تجاوز التفاوت في الرؤى والوثائق بين المدن والأقاليم، وإدماج التعمير والإسكان والتنمية القروية ضمن تصور ترابي واحد.

    وتتجاوز اختصاصات الوكالات الجديدة إعداد وثائق التعمير ودراستها، إذ أسند إليها القانون إنجاز الدراسات الاستراتيجية والاستشرافية، وتتبع وثائق التعمير وتقييمها ومراجعتها، وإبداء رأي ملزم في ملفات طلبات الأذون والرخص، والمساهمة في إعداد العرض الترابي الجهوي، ووضع برامج تنمية المناطق القروية، وتنفيذ سياسات الولوج إلى السكن ومحاربة السكن غير اللائق.

    وستتولى الوكالات رصد التحولات المجالية، وجمع المؤشرات والمعطيات وتحليلها ونشرها، وإعداد تقارير دورية حول وضعية التعمير والإسكان بكل عمالة أو إقليم، الأمر الذي سينقل المؤسسة من دور تقني يتركز أساسا على دراسة الملفات إلى دور أوسع يشمل التخطيط والتنفيذ والتقييم وإنتاج المعلومة الترابية.

    ويرأس مجلس إدارة الوكالة رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية التي يفوض إليها ذلك، ويضم المجلس الولاة والعمال ورئيس مجلس الجهة وعددا من رؤساء الجماعات وممثلي الإدارات والمؤسسات العمومية.

    جهة البيضاء بوكالتين

    تقدم المادة 23 استثناء خاصا لجهة الدار البيضاء، إذ نص على أنه تمارس الوكالة الجهوية مهامها في عمالات وأقاليم جهة الدار البيضاء – سطات باستثناء المجال التابع للوكالة الحضرية للدار البيضاء، التي تظل خاضعة لظهيرها الخاص لسنة 1984، وبذلك ستعمل داخل الجهة نفسها بنيتان قانونيتان: وكالة جهوية من جهة، ووكالة حضرية خاصة من جهة أخرى.

    هذا الاستثناء، بينت وزيرة إعداد الترابي الوطنية وسياسة المدينة والتعمير، فاطمة الزهراء المنصوري، أن وكالة الدار البيضاء هي أول وكالة حضرية أحدثت سنة 1984، ولها مجموعة من الاختصاصات لا تمتلكها الوكالات الأخرى، مبرزة عدم إمكانية تقليص هذه الاختصاصات لأن ذلك سينعكس على أهميتها، مبرزة أن تعميمها يتطلب إعادة النظر في عدد من النصوص القانونیة وفي اختصاصات عدد من الهیآت.

    وأشارت الوزيرة، خلال مناقشة مشروع القانون بلجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب، أن مدينة الدار البيضاء ستتوفر على وكالة جهوية لها الاختصاصات المنصوص عليها في هذا النص، باستثناء ما يدخل في اختصاص الوكالة الحضرية للدار البيضاء المحدثة طبقا للظهير الشريف للقانون رقم 1-84-188 المؤرخ في 9 أکتوبر 1984.

    وأكدت الوزيرة أن الوكالات الحضرية الحالية سيتم إدماجها وفق ما سطره نص القانون قید الدرس، وسیتم إحداث وکالات جهوية ستمكن من خلق انسجام ترابي في إطار الجهوية المتقدمة، مشيرة إلى أهمية الانسجام الترابي في خلق سياسة عمومية منسجمة.

    وأبرزت المسؤولة الحكومية أن الوكالات الجهوية يمكنها إعادة النظر في عدد من الملفات التي درستها الوکالات، الأمر الذي سيمكن من تدارك عدد من الإشكالات التي قد تعرفها بعض الملفات المتعلقة بالتعمیر أو توضيح موقف الوكالة الحضرية في الملف.

    المجال القروي لم يعد هامشا

    ونص القانون الجديد على إعداد استراتيجيات وبرامج لتأهيل وتنمية المجالات القروية في إطار مشاريع مندمجة تضمن تناسق واستدامة التدخلات بين الحضري والقروي، لمعالجة واقع تتجاوز فيه الضواحي والأنشطة الاقتصادية والسكن حدود المدينة الإدارية.

    ونصت المادة 3 من القانون رقم 64.23 على المساهمة في إعداد الاستراتيجيات والبرامج المتعلقة بتأهيل وتنمية المجالات القروية وبلورتها في إطار مشاريع مندمجة من أجل ضمان تناسق واستدامة التدخلات بالمجالين الحضري والقروي.

    وتدعم هذا التوجه مقتضيات أخرى في المادة 2، التي حددت النفوذ الترابي للوكالة إلى كامل تراب الجهة، بما يشمل الجماعات والمناطق القروية، مع إمكانية إحداث تمثيليات على مستوى العمالات أو الأقاليم، كما حددت مهامها في المساهمة في إعداد التصورات المتعلقة بالعرض الترابي الجهوي وبرمجة تنفيذه، وإعداد ومراجعة وثائق التخطيط والتنمية الترابية، وتقديم الدعم التقني للجماعات الترابية، ورصد الديناميات المجالية وجمع المعطيات وإعداد تقارير دورية عن وضعية التعمير والتخطيط بكل إقليم.

    زيادة على ذلك، تعمل الوكالات الجهوية على المساهمة في برامج تيسير الولوج إلى السكن ومحاربة السكن غير اللائق، وهي برامج تشمل الوسط القروي، زيادة على جرد التراث المعماري والمشهدي الجهوي والمحلي وحمايته وتثمينه.

    آجال جديدة لإنجاز التجزئات

    أما القانون رقم 34.21، فقد أعاد ضبط العلاقة بين مساحة التجزئة والمدة القانونية الممنوحة لإنجاز أشغال التجهيز، وحدد صلاحية الإذن في ثلاث سنوات للتجزئات التي لا تتجاوز مساحتها 20 هكتارا، وخمس سنوات للمساحات التي تفوق 20 هكتارا ولا تتجاوز 100 هكتار، وسبع سنوات للمساحات بين 100 و250 هكتارا، وعشر سنوات للمساحات بين 250 و400 هكتار، وخمس عشرة سنة للتجزئات التي تفوق مساحتها 400 هكتار.

    ويستجيب هذا التدرج لواقع المشاريع الكبرى التي يصعب إخضاعها للأجل نفسه المطبق على التجزئات الصغيرة، غير أن الإذن يسقط إذا انتهت مدته من دون إتمام أشغال التجهيز، مع إمكانية وقف سريان الأجل في حالات التوقف الاضطراري الناتج عن ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع.

    ولهذه الغاية، أحدث القانون لجنة خاصة تدرس طلب وقف الأجل داخل خمسة عشر يوما، وتحيل محضرها خلال ثلاثة أيام، على أن يتخذ رئيس مجلس الجماعة قراره في أجل أقصاه سبعة أيام، ويجب أن يكون قرار الرفض معللا.

    ومنح القانون معالجة انتقالية للمشاريع القديمة، إذ إن المشاريع التي كانت آجالها ما تزال سارية عند نشر القانون تستفيد من الآجال الجديدة بحسب مساحتها، بينما يمكن للمشاريع التي انتهت آجالها من دون استكمال الأشغال الحصول على مهلة إضافية تحددها لجنة تقنية وفق مساحة المشروع ونسبة الأشغال المنجزة ووثائق التعمير المعمول بها.

    الصمت الإداري بضوابط جديدة

    كرّس القانون، في الحالات المحددة فيه، مبدأ اعتبار سكوت الإدارة داخل الآجال القانونية بمثابة موافقة، حيث أصبح الإذن ممنوحا لطلبات تقسيم العقارات، إذا لم يبت رئيس مجلس الجماعة في الطلب داخل ثلاثين يوما، وفق المساطر التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

    وفي المقابل، شدد القانون مسؤولية أصحاب التجزئات، إذ أوجب تعيين مهندس معماري أو مهندس مختص أو مهندس مساح طبوغرافي بصفته “منسقا للورش”، ويتولى تتبع الأشغال والتأكد من مطابقتها للوثائق التي صدر الإذن على أساسها، كما يوقع شهادة تثبت مطابقة الأشغال عند التصريح بانتهائها.

    وإذا كشفت لجنة التسلم المؤقت عن مخالفات أو نقائص، تمنح صاحب المشروع ومنسق الورش أجلا إضافيا لتصحيحها، من دون إلزامهما بتقديم طلب جديد لمجرد انتهاء مدة الإذن.

    وفي حال لم تتم التسوية، أجاز القانون تفعيل مساطر المراقبة والزجر، كما خول للجماعة إنجاز الأشغال الضرورية وتحصيل تكلفتها وفق قواعد استخلاص الديون العمومية.

    ضمانات أقوى للاستثمار

    من أبرز مستجدات القانون منع بيع البقع أو كرائها أو تقسيمها قبل حصول الجماعة على التسلم المؤقت لأشغال التجهيز، ومنع على الموثقين والعدول والمحافظين على الأملاك العقارية تحرير العقود أو تسجيلها من دون الإدلاء بمحضر التسلم المؤقت أو بشهادة تثبت أن العملية لا تدخل ضمن نطاق قانون التجزئات.

    ويعتبر القانون كل عملية بيع أو إيجار منجزة قبل التسلم المؤقت مخالفة مستقلة، ويقرر البطلان المطلق للعقود المخالفة، بهدف الحد من بيع بقع داخل مشاريع لم تستكمل طرقها وشبكات الماء والكهرباء والتطهير، وحماية المشترين من تحمل مخاطر تعثر التجهيز.

    ويترتب على التسلم المؤقت أيضا انتقال طرق التجزئة وشبكات الماء والكهرباء والتطهير والمساحات غير المبنية والمغروسة إلى الملك العام للجماعة بقوة القانون، مع تقييد هذا الانتقال في السجل العقاري تلقائيا ومجانا بناء على محضر التسلم المؤقت.

    التجهيز التدريجي وعمليات التهيئة الكبرى

    سمح القانون، بصورة استثنائية، بإنجاز أشغال تجهيز بعض التجزئات تدريجيا عندما يتعلق الأمر بعمليات استعجالية لإعادة إسكان المتضررين من الكوارث الطبيعية، أو محاربة السكن غير اللائق، أو تحقيق منفعة عامة، بشرط أن تنجز هذه المشاريع من طرف الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية، مع توفير الحد الأدنى من شروط الصحة والسلامة والسكن اللائق.

    ونص القانون في هذه الحالات المحدودة على إمكانية تسليم رخص البناء للمستفيدين قبل استكمال جميع أشغال التجهيز، شريطة وجود برنامج واضح للأشغال والتمويل والتتبع.

    واستحدث النص كذلك إطارا خاصا لعمليات “التهيئة الكبرى ذات النفع العام”، ويتعلق الأمر بمشاريع مندمجة لا تقل مساحتها، من حيث الأصل، عن 400 هكتار، مع إعفاء المشاريع التي تكون الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية صاحبة لها من شرط المساحة.

    ونص القانون على إعلان العملية ذات نفع عام بمرسوم، بعد دراسة جدواها الاقتصادية والمالية والبيئية، وتحديد مجالها وآجال إنجازها والجهة المكلفة بتدبيرها، مع وضع تصميم خاص للتهيئة تسري أحكامه بالأولوية على وثائق التعمير والتصاميم القطاعية، باستثناء مخططات الوقاية والحماية من أخطار الكوارث.

    ومنح القانون هيئة مدبرة مهمة استقبال طلبات المستثمرين في إطار شباك وحيد، بينما يمنح العامل أو الوالي الرخص بحسب المجال الترابي للمشروع، وتظل أيضا مسؤولة عن صيانة التجهيزات والطرق والشبكات وحماية البيئة إلى حين استكمال العملية، ولمدة لا تقل عن عشرين سنة من تاريخ الإعلان عنها.

    متى يبدأ التدبير الجهوي؟

    ومن المنتظر، بعد تفعيل القانون رقم 64.23، أن تنتقل عمليا الأدوار التي يسندها قانون التجزئات إلى الوكالات الحضرية نحو الوكالات الجهوية الجديدة، بالنظر إلى حلولها محل الوكالات السابقة داخل نطاقها، مع مراعاة الاستثناء المتعلق بوكالة الدار البيضاء.

    ويدخل القانون رقم 64.23 حيز التنفيذ، وفق مادته الـ24، فور تعيين المدير العام للوكالة وانعقاد مجلسها الإداري، كما تنسخ جميع المقتضيات التشريعية المخالفة لهذا القانون، ابتداء من التاريخ نفسه، سيما الظهير الشريف رقم 1.93.51 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون المتعلق بإحداث الوكالات الحضرية، والقانون رقم 19.88 المتعلق بإحداث الوكالة الحضرية لفاس وإنقاذ مدينة فاس، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.89.224 ، والقانون رقم 20.88 المتعلق بإحداث الوكالة الحضرية لأكادير، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.89.225.

    أما القانون رقم 34.21 بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام، فيدخل حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

    وأبرزت المادة السادسة من القانون أن الأحكام التي تستلزم صدور النصوص التنظيمية، تدخل حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشرها، كما ألزمت بإصدار النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيق هذا القانون داخل أجل سنة ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

  • السلطات تحبط محاولة عبور نحو سبتة وتطوق تحركات مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء

    السلطات تحبط محاولة عبور نحو سبتة وتطوق تحركات مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء

    واصلت السلطات المغربية، منذ الساعات الأولى من صبيحة اليوم السبت، رفع درجة التأهب بمدينة الفنيدق والمناطق المحاذية لسبتة المحتلة، في محاولة لتطويق أي تحركات ميدانية مرتبطة بالدعوات التي انتشرت خلال الأيام الماضية على منصات التواصل الاجتماعي، وحددت هذا التاريخ موعدا لمحاولة عبور جماعي غير قانوني نحو المدينة المحتلة.

    ووفق معطيات ميدانية حصلت عليها “AM+ MEDIA “من مصادر أمنية، فإن الوضع ظل، إلى حدود الساعة تحت السيطرة في ظل انتشار أمني مكثف ومراقبة للمحاور والمسالك المؤدية إلى المنطقة الحدودية، بالتوازي مع تدخلات استباقية لمنع تجمع المرشحين للهجرة غير النظامية قبل وصولهم إلى محيط السياج الحدودي.

    وقال مصدر أمني لـ”AM+ MEDIA” إن “الأمور تحت السيطرة إلى حدود الساعة، والأجهزة الأمنية تواصل مراقبة الوضع والتعامل مع أي تحركات مرتبطة بمحاولات العبور غير القانوني”، مشيرا إلى استمرار حالة اليقظة في مختلف النقاط الحساسة بالمنطقة.

    ويأتي هذا الانتشار بعد أيام من الاستعدادات الأمنية التي شهدتها الفنيدق ومحيط باب سبتة، وشملت تعزيز حضور القوات العمومية وتشديد المراقبة على مداخل المدينة والطرق والمسالك المؤدية إلى المنطقة الحدودية.

    وكانت وزارة الداخلية، قبل أيام قد رفعت مستوى الجاهزية ووضعت وحدات متخصصة في حفظ النظام ومكافحة الشغب ضمن التدابير المتخذة لمواجهة أي محاولة عبور جماعي.

    وتزامن التأهب الأمني صباح اليوم السبت أيضا، مع تسجيل تحركات لمهاجرين غير نظاميين من جنوب الصحراء أغلبهم في مناطق قريبة من الفنيدق وفق ما كشفه زكرياء الزروقي، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية المهتم بقضايا الهجر في تصريح لـ”AM+ MEDIA”.

    الزروقي، الموجود في عين المكان، لفت إلى أن ساكنة حي المرجة بالفنيدق استيقظوا على وقع محاولة تسلل شارك فيها، وفق تقديراته الميدانية، حوالي 500 مهاجر ينحدر أغلبهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب عدد محدود من مهاجرين من جنسيات أخرى.

    وبحسب المصدر نفسه، تدخلت السلطات الأمنية والقوات العمومية لمنع تقدم المجموعة، قبل الدخول في مفاوضات مع أفرادها، مضيفا أن عددا كبيرا منهم سلموا أنفسهم للسلطات.

    وتكتسي هذه التحركات أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت في اليوم نفسه الذي حددته منشورات ورسائل متداولة رقميا موعدا لمحاولة عبور جماعية جديدة، ما دفع السلطات إلى التعامل مع أي تجمع أو تحرك في الغابات والمسالك المحيطة بالفنيدق باعتباره مصدر خطر محتمل يستوجب التدخل الاستباقي.

    وما يجري على الأرض سبقته على مدى أيام، حملة رقمية واسعة روجت لموعد 15 غشت باعتباره تاريخا لمحاولة جديدة للعبور نحو سبتة ومليلية.

    وتداولت حسابات ومجموعات على شبكات التواصل الاجتماعي رسائل تدعو إلى التوجه شمالا، بينما امتد النقاش بشأن الموعد إلى منصات مثل فيسبوك وواتساب.

    التعبئة الرقمية لم تتعامل معها السلطات المغربية باعتبارها مجرد نقاش افتراضي، خصوصا بعد أحداث أواخر يوليوز وما أظهرته من قدرة الشائعات والمعلومات المضللة المتداولة على الشبكات الاجتماعية على التحول، خلال فترة قصيرة، إلى تحركات بشرية واسعة على الأرض.

    ولهذا انتقلت المقاربة هذه المرة إلى مرحلة استباقية، تجاوزت تأمين السياج والمناطق المحاذية له إلى مراقبة محاور الوصول إلى الشمال كما سجل حضورا أمنيا بمحطات للنقل في عدد من المدن، من بينها الرباط والدار البيضاء وفاس وسلا والقنيطرة في سياق الإجراءات المتخذة لمواجهة احتمال توجه مجموعات نحو سبتة ومليلية استجابة للدعوات الرقمية.

    كما عززت السلطات نقاط المراقبة المؤدية إلى الفنيدق، في وقت شملت فيه الإجراءات مناطق أخرى بالشمال، وفق تقارير ميدانية نشرت عشية الموعد المتداول رقميا.

    وقبل ثلاثة أيام من الموعد الذي روجت له الحسابات، خرجت وزارة الداخلية بموقف رسمي حازم، معلنة أن مصالحها رصدت تداول منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحرض على تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو سبتة ومليلية.

    وأكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية رشيد الخلفي، أن السلطات تتابع الوضع عن كثب وأن التدابير الضرورية اتخذت للتصدي لمحاولات العبور غير القانوني، مع اتخاذ الإجراءات القانونية في حق كل من يثبت تورطه في أعمال مخالفة للقانون، بمن فيهم مروجو الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي كما أعلنت السلطات توقيف أشخاص للاشتباه في تورطهم في أعمال تحريضية مرتبطة بهذه الدعوات.

    البلاغ وضع بذلك خطا فاصلا بين الهجرة باعتبارها قضية اجتماعية وإنسانية، وبين تحويل منصات التواصل إلى وسيلة للتعبئة من أجل عمليات عبور جماعي قد تعرض المشاركين فيها للخطر، كما لم يكن التحذير مرتبطا فقط بمسألة خرق الحدود، إذ شددت الداخلية على المخاطر الجدية التي تحملها مثل هذه الدعوات على سلامة الأشخاص، وعلى أن توظيف قضية الهجرة في أعمال تحريضية يجرمه القانون.

    في مقابل تعزيزات الجاهزية المغربية، عززت إسبانيا بدورها انتشارها الأمني في سبتة قبل حلول السبت، على خلفية الرسائل نفسها المتداولة عبر شبكات التواصل.

    وأكدت وكالة “رويترز” عشية 15 غشت، أن إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في سبتة تحسبا لمحاولة عبور جماعي جديدة، بعد أسبوعين فقط من موجة أواخر يوليوز.

  • اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا.. لماذا تلوّح الرباط بتعليقها؟

    اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا.. لماذا تلوّح الرباط بتعليقها؟

    تدرس الحكومة المغربية إمكانية تعليق العمل باتفاقية تسليم المطلوبين المبرمة بين الرباط ومدريد، وفق ما أكده وزير العدل عبد اللطيف وهبي.

    وقال وهبي في تصريحات لوكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”: “نناقش حاليا في وزارة العدل إمكانية تعليق العمل باتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا”، مرجعا ذلك إلى مشكلات مرتبطة بعدم تنفيذ مدريد لطلبات المغرب تسليم أشخاص مطلوبين أمام محاكمه.

    وأوضح وهبي أنه توجد حالات تقوم فيها إسبانيا في البداية بإيقاف الشخص المطلوب، ثم تحدد موعدا لتنفيذ عملية تسليمه، قبل ألا تتم عملية التسليم في نهاية المطاف، مشددا على أن المغرب يطبق الإجراء ذاته، لكننا نسلم بالفعل جميع الأشخاص الذين يطلب الإسبان تسليمهم”.

    ودعا وزير العدل إسبانيا إلى التعامل بالجدية اللازمة مع إجراءات تسليم المطلوبين، منبها إلى أن المغرب “لم يعد يقبل الانخراط في عمليات تسليم لا يتم تنفيذها في نهاية المطاف”.

    لكن قبل أن تلوّح الرباط بإمكانية تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، كانت جهة رسمية إسبانية قد سجلت بالفعل وجود صعوبات في هذا المسار، وهو ما يمنح تصعيد لهجة الخطاب المغربي تجاه جاره الشمالي بعدا يتجاوز التوتر الظرفي المرتبط بأزمة الهجرة الحالية.

    رد إسباني

    لم يتأخر رد الحكومة الإسبانية، حيث استبعد وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، أمس الخميس في زيارة لسبتة المحتلة، احتمال أن يؤدي تهديد الرباط إلى تعليق الاتفاقية.

    وقال مارلاسكا ردا على سؤال حول تصريحات وهبي: “لا أتوقع أي مشكلة تتعلق بما تقولونه”، مؤكدا أن “التعاون والتنسيق في مسائل تسليم المطلوبين مع المملكة المغربية، وكذلك في التعاون القضائي، كان ولا يزال وسيظل استثنائيا“.

    أكد وزير الداخلية أن العلاقة بين البلدين تقوم على “الثقة والولاء” اللذين تعززا خلال السنوات القليلة الماضية، مبرزا أن”العلاقات الثنائية في جميع المجالات وثيقة للغاية وقائمة على الولاء… أنا على دراية تامة بالتعاون القائم دائما مع المغرب”.

    وتكشف معطيات رسمية قدمتها الحكومة الإسبانية في 29 يونيو الماضي، رفض ما مجموعه 574 طلب تسليم سنة 2025، وتصدر المغرب لائحة الدول صاحبة الطلبات المرفوضة بـ92 حالة، تلته بيرو والمكسيك، في وقت لم تحدد مدريد أسباب الرفض، التي قد ترتبط بأسباب مختلفة ينص عليها التشريع الإسباني.

    إقرار إسباني بصعوبات أحادية الجانب

    أقر “تقرير قضاة الارتباط لسنة 2024” الصادر عن المديرية العامة للتعاون القانوني الدولي التابعة لوزارة العدل الإسبانية، بوجود بعض التحديات، بشكل خاص في عمليات “التسليم السلبي” نحو المغرب، أي الحالات التي تطلب فيها السلطات المغربية من إسبانيا تسليم أشخاص موجودين على الأراضي الإسبانية.

    ووصف التقرير، في القسم المخصص لوضعية تسليم المطلوبين مع المغرب، التعاون القضائي بأنه سلس عموما ودون عقبات كبيرة، لكنه يميز في المقابل بين طلبات التسليم الإسبانية إلى المغرب، والتي يقول إنها لا تواجه عادة مشاكل كبيرة، وبين تلك التي تقدمها السلطات المغربية لنظيرتها الإسبانية، حيث يسجل استمرار تحديات خاصة.

    ولم يقف التقرير عند تسجيل الصعوبات، بل ربط جانبا منها بالتطور الذي عرفه الاجتهاد القضائي الإسباني، مشيرا في هذا الصدد إلى حكم المحكمة الدستورية الإسبانية رقم 17/2024  الصادر في 31 يناير 2024، الذي رفض طعنا تقدم به مواطن مغربي ضد قرار قضائي أجاز تسليمه إلى المغرب.

    وأكدت المحكمة الدستورية في قرارها أن الوثائق المقدمة من السلطات المغربية تضمنت معطيات كافية حول الوقائع والأسانيد، ولم تجد انتهاكا للحقوق الأساسية، لكن الحكم أوضح المعايير التي يتعين على القضاء الإسباني مراعاتها عند فحص طلبات التسليم، سيما ما يتعلق بكفاية المعطيات التي تبرر تبرر طلب التسليم، ومدى استيفائه معايير الضرورة والتناسب.

    هذا التعقيد في المساطر يعد جوهر الشكاوى المغربية بشأن بعض الملفات التي يتم فيها توقيف المطلوب في إسبانيا، ثم تحديد ترتيبات تسليمه، قبل أن تتعثر العملية في مرحلة التنفيذ، وهي المشكلات التي تحدث عنها وزير العدل عبد اللطيف وهبي في مرحلة التسليم الفعلي رغم استكمال إجراءات الطلب.

    ويفسر الإقرار الإسباني بوجود عقبات في أحد اتجاهي التعاون القضائي، إلى جانب تصريحات وهبي، تحول ملف تسليم المطلوبين إلى نقطة توتر في العلاقات القضائية بين البلدين.

    ماذا تقول اتفاقية التسليم بين الرباط ومدريد؟

    يتوفر المغرب وإسبانيا على اتفاقية ثنائية لتسليم المطلوبين، تحدد الشروط التي يمكن بموجبها للبلدين طلب تسليم أشخاص مبحوث عنهم من طرف سلطاتهما القضائية.

    وقد حل الاتفاق الحالي الموقع في يونيو 2009، والذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر 2012، محل اتفاقية سنة 1997، وتم وضعه بهدف تعزيز التعاون القضائي بين البلدين، وتحديد قيود على عمليات التسليم، من بينها عدم تسليم أي من الطرفين مواطنيه.

    وتنص الاتفاقية على التزام الطرفين بتسليم الأشخاص الموجودين في أراضي أحدهما والملاحقين قضائيا أو المحكوم عليهم في الدولة الأخرى، وفق شروط محددة، من بينها أن تكون الأفعال موضوع المتابعة معاقبا عليها في قانوني البلدين بعقوبة حبسية لا تقل عن سنتين، أو أن يكون قد صدر حكم بعقوبة حبسية لا تقل عن ستة أشهر.

    وتضع الاتفاقية عددا من القيود على التسليم، من أبرزها عدم تسليم أي من البلدين مواطنيه، مع إمكانية تولي الدولة التي يحمل الشخص جنسيتها محاكمته، بناء على طلب الدولة الأخرى والوثائق القضائية ذات الصلة.

    وتنظم الاتفاقية إجراءات الاعتقال المؤقت وطلبات التسليم، وتتيح في الحالات المستعجلة اللجوء إلى قنوات مثل الإنتربول، إلى جانب مسطرة للتسليم المبسط عندما يوافق الشخص المطلوب صراحة أمام السلطة المختصة على تسليمه.

    وتكتسي المادة 13 أهمية خاصة في مرحلة تنفيذ التسليم، إذ تنص على تحديد مكان وتاريخ العملية بعد الموافقة عليها، وعلى استعداد الدولة الطالبة لتسلم الشخص بواسطة أعوانها خلال أجل أقصاه 45 يوما من التاريخ المحدد للتسليم.

    وإذا لم يتم التسليم خلال هذه المهلة، يفرج عن الشخص، مع إمكانية تحديد موعد جديد في حال وجود ظروف استثنائية حالت دون تنفيذ العملية، شريطة إبلاغ الطرف الآخر بذلك قبل انتهاء الأجل.

    أما بشأن مستقبل الاتفاقية، فإن المادة 27 تنص على أنها أبرمت لمدة غير محددة، لكنها تتيح لأي من الطرفين إنهاءها عبر إشعار كتابي يوجه بالطريق الدبلوماسي، على أن يصبح الإنهاء نافذا بعد سنة من تاريخ الإشعار، بينما يظل “التعليق” أو “التجميد” إجراء مختلفا من حيث الأثر والأساس القانوني، ولم تتطرق إليه الاتفاقية.

    صعوبات أم مماطلة؟

    في أبريل 2024، شاركت وزارة العدل المغربية في الاجتماع السادس للجنة المشتركة المغربية الإسبانية في المجال الجنائي، الذي احتضنته العاصمة مدريد، في محطة كان يفترض أن تعطي دفعة جديدة للتعاون القضائي بين البلدين.

    بلاغ للوزارة، اتفق الجانبان خلال الاجتماع على “اتخاذ التدابير اللازمة لضمان وتسهيل عملية نقل وتسليم الأشخاص”، إلى جانب مراجعة اتفاقية المساعدة القضائية في المادة الجنائية واعتماد آليات للتبادل الإلكتروني لطلبات التعاون القضائي ومآلات تنفيذها.

    وجاء تسهيل عمليات التسليم ضمن الملفات العملية المطروحة خلال الاجتماع لتعزيز التعاون الجنائي بين الرباط ومدريد، بما يفترض أن يجعل انتقال طلب التسليم من مرحلة المراسلات والإجراءات القضائية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي أكثر سلاسة، زيادة على الاتفاق على تتبع مآلات طلبات التعاون القضائي إلكترونيا، وهو ما كان يفترض أن يحد من حالات التعثر ويتيح للسلطات المعنية معرفة مصير الملفات والمرحلة التي بلغتها كل عملية.

    لكن ما ورد لاحقا في “تقرير قضاة الارتباط لسنة 2024” الصادر عن المديرية العامة للتعاون القانوني الدولي التابعة لوزارة العدل الإسبانية، يشير إلى أن الصعوبات التي كان يفترض أن تعالجها تلك التدابير ظلت قائمة، ففي الوقت الذي اتفق فيه الطرفان على اتخاذ إجراءات لتسهيل وتسريع عمليات نقل وتسليم الأشخاص، كان التقرير الإسباني نفسه يسجل استمرار الصعوبات في الاتجاه المعاكس، أي عندما يكون المغرب الدولة الطالبة للتسليم.

    ملف القاصرين.. صفحات من التعثر

    تأتي رغبة المغرب في إعادة النظر في اتفاقية تسليم المطلوبين في سياق توتر بين الرباط ومدريد عقب أحداث سبتة نهاية يوليوز الفائت، لكنها تستند، بحسب وزير العدل، إلى إشكالات قائمة في مسار تسليم المطلوبين.

    ولا يأتي ملف القاصرين منفصلا عن هذا السياق، إذ تحمل الرباط الجارة الشمالية مسؤولية الإخفاق في تدبير الوضع على الحدود في 30 و31 يوليوز، بعدما انساق الآلاف وراء تأويل مضلل لحكم المحكمة العليا الإسبانية على منصات التواصل الاجتماعي، يفيد بسحب سلطة الإعادة الفورية للمهاجرين الواصلين إلى سبتة بحرا.

    بَيْدَ أن 95 في المئة من المشاركين في محاولات العبور غير النظامي عادوا إلى المغرب، فيما ما تزال السلطات الإسبانية تحاول تسريع إجراءات الترحيل للباقين.

    وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، كان قد حمل السلطات الإسبانية مسؤولية عرقلة عودة القاصرين المغاربة، الذين تسللوا إلى سبتة المحتلة عبر الهجرة غير النظامية.

    وشدد وهبي على أن ملف إعادة القاصرين المغاربة مطروح بين الرباط ومدريد منذ أكثر من خمس سنوات، وليس وليد أحداث سبتة الأخيرة، مبرزا أن نقطة الخلاف تبدأ بعد التأكد من أن القاصر مغربي، إذ تتأخر السلطات الإسبانية في تنفيذ الإعادة، وتبرر ذلك أحيانا بهروب القاصرين من مراكز الإيواء وعدم إمكانية استمرار احتجازهم.

    وتساءل الوزير عن سبب عدم إعادة القاصر بمجرد استكمال إجراءات التحقق من هويته، مؤكدا أن المغرب يطالب بتسريع المسطرة ومستعد لاستقبالهم وإعادتهم إلى أسرهم، في وقت تقف المساطر الإدارية والقضائية بمدريد حجر عثرة أمام عودتهم إلى أسرهم.

    وفي جوهر هذا الخلاف، تبرز مسألة المعاملة بالمثل باعتبارها الاختبار المستقبلي للتعاون القضائي بين الرباط ومدريد، لأن المغرب، وفق ما يؤكده وزير العدل، لا يعترض على مبدأ التعاون أو على تسليم المطلوبين، وإنما على استمرار وضع يرى فيه أن طلباته لا تنتهي دائما إلى التسليم الفعلي، رغم استكمال مراحلها، في مقابل تأكيده تنفيذ الطلبات الإسبانية.

  • بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما قطع مسارا تشريعيا طويلا بين غرفتي البرلمان، عاد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى نقطة الصفر في مسار الرقابة الدستورية الذي كان يفترض أن يشكل محطته الأخيرة قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    ولم تفحص المحكمة الدستورية مادة واحدة من مواد القانون، ولم تقل كلمتها في مدى مطابقة مقتضياته للدستور، بعدما تبين لها أن ملف الإحالة المقدم من رئيس مجلس النواب لا يتضمن الصيغة النهائية للنص كما وافق عليها البرلمان.

    وأصبح قانون “أصحاب البذلة السوداء” عالقا بين مسار تشريعي اكتمل داخل البرلمان ورقابة دستورية لم تبدأ فعليا، ما يعيد مسار فحصه الدستوري إلى نقطة الانطلاق، ويجعل أي نظر في مضمونه رهين إحالة جديدة تتضمن الصيغة النهائية المعتمدة.

    من الحكومة إلى البرلمان

    بدأ المسار المؤسساتي لمشروع القانون رقم 66.23 في 8 يناير 2026، عندما تداول فيه مجلس الحكومة وصادق عليه، بعد تقديمه من طرف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مع الأخذ بعين الاعتبار، بحسب البلاغ الحكومي، مجموعة من الملاحظات المثارة بشأنه.

    وانتقل المشروع بعد ذلك إلى البرلمان، وسط نقاش مهني رافق مضامينه منذ البداية، قبل أن يصل إلى أول محطة حاسمة داخل مجلس النواب. ففي 19 ماي 2026، صادق مجلس النواب بالأغلبية على المشروع في قراءة أولى، بـ163 صوتا مقابل 57 معارضا، دون تسجيل أي امتناع.

    وفي اليوم الموالي، 20 ماي، ورد النص على مجلس المستشارين، وأحيل في 22 ماي على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس المستشارين حجم النقاش الذي رافق هذه المرحلة، إذ تقدمت مكونات المجلس بـ266 تعديلا، وأسفرت أشغال اللجنة الفرعية عن إدخال 48 تعديلا همت 35 مادة، قبل أن يوافق مجلس المستشارين على المشروع معدلا خلال جلسته العامة المنعقدة في 23 يونيو 2026.

    وأعادت هذه التعديلات المشروع إلى مجلس النواب في إطار قراءة ثانية، ليدخل خلال الأسبوع الأول من يوليوز مرحلته التشريعية الأخيرة، ليصادق مجلس النواب في 6 يوليوز 2026 على النص في قراءة ثانية بعد تعديله وإعادة ترتيب عدد من مواده، في جلسة سبقتها محاولات من المعارضة لإعادة المشروع إلى لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان قبل التصويت عليه.

    وبسبب التعديلات التي أدخلها مجلس النواب، عاد النص مرة أخرى إلى مجلس المستشارين في 7 يوليوز، وأحيل في اليوم نفسه على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، التي وافقت عليه بالأغلبية، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين في قراءة ثانية خلال جلسة عامة عقدت في التاريخ نفسه.

    وبهذه المصادقة، اكتمل المسار التشريعي للنص داخل غرفتي البرلمان، وانتقل القانون من مرحلة المناقشة والتعديل إلى المرحلة التي تسبق إصدار الأمر بتنفيذه، لكن قبل ذلك فتح أمامه مسار آخر يتعلق بالرقابة الدستورية.

    جدل قانون المهنة أمام المحكمة الدستورية

    بعد يوم واحد من مصادقة مجلس المستشارين في القراءة الثانية، سجلت الأمانة العامة للمحكمة الدستورية، في 8 يوليوز 2026، رسالة إحالة من رئيس مجلس النواب، يطلب بموجبها البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور.

    ويتيح الفصل 132 من الدستور إحالة القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، على المحكمة الدستورية من طرف الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، كما يمكن أن تتم الإحالة من طرف خمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين.

    ولم تكن إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية مرحلة إلزامية في مساره، باعتباره قانونا عاديا وليس قانونا تنظيميا يخضع وجوبا للرقابة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    لكنها جاءت في إطار الرقابة الدستورية القبلية والاختيارية التي يتيحها الفصل 132 من الدستور، والذي يمنح لرئيس مجلس النواب، إلى جانب جهات أخرى، صلاحية إحالة القوانين على المحكمة قبل إصدار الأمر بتنفيذها، قصد البت في مدى مطابقتها للدستور.

    وفي حالة القانون المنظم لمهنة المحاماة، استعمل رئيس مجلس النواب هذه الصلاحية وأحال النص على المحكمة في 8 يوليوز 2026، غداة استكمال المصادقة عليه داخل البرلمان، سيما بعد الجدل الكبير الذي أثاره القانون، وسلسلة إضرابات المحامين الرافضين للنص الذين يعتبرونه “مساسا باستقلالية” المهنة.

    هل يمكن إعادة الإحالة؟

    بعد صدور القرار، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بسبب توقف الرقابة الدستورية، وإنما بالخطوة التي يمكن أن تليه. فهل يمكن تقديم إحالة جديدة مرفقة هذه المرة بالنص النهائي المطابق للأصل؟ وهل يعني تعبير “على حالها” أن المانع مرتبط بالإحالة كما قدمت، وليس بإمكانية مراقبة القانون من حيث المبدأ؟

    في قراءة قانونية للقرار، توضح محامية بهيئة الرباط، فضلت عدم ذكر اسمها، أن التصريح بـ”تعذر البت” يفترض وجود مانع إجرائي حال دون انتقال المحكمة الدستورية إلى مرحلة النظر في مدى مطابقة النص للدستور من الناحية الموضوعية.

    وتوضح أن هذا الوضع يختلف عن قرار تفصل من خلاله المحكمة في دستورية المقتضيات المعروضة عليها، سواء انتهت إلى عدم دستوريتها أو إلى مطابقتها للدستور.

    وبحسب المحامية، فإن القرار رقم 277/26 ركز على الجانب الإجرائي الذي أحيل به النص، ولم ينتقل إلى بحث مدى توافق مقتضيات القانون رقم 66.23 مع الدستور من حيث الجوهر.

    وترى أنه، من هذه الزاوية، “يظل من الممكن، من حيث المبدأ، أن تتم إحالة النص من جديد على المحكمة الدستورية متى استوفت الإحالة شروطها الدستورية والإجرائية، وتوفرت المحكمة على الصيغة النهائية المعتمدة من البرلمان”.

    من يستطيع إعادة القانون للميزان الدستوري؟

    لا يحصر الفصل 132 إمكانية إحالة القوانين في رئيس مجلس النواب، فإلى جانب الملك، يمنح الدستور هذه الصلاحية لرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، كما يمنحها لخمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، شريطة أن تتم الإحالة قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون.

    وبالتالي، فإن النقاش لا يرتبط فقط بإمكانية تحرك رئيس مجلس النواب من جديد، بل بإمكانية تقديم إحالة جديدة من إحدى الجهات المخول لها دستوريا ذلك، متى ظلت شروط الرقابة السابقة متوفرة.

    وفي هذا الصدد، تؤكد المحامية أن الجهات المخولة دستوريا بالإحالة مطالبة بمراعاة الشروط والضوابط الشكلية والإجرائية عند ممارسة هذا الاختصاص، حتى لا يتكرر المانع الذي حال دون نظر المحكمة في الموضوع.

    وتشدد على أن رقابة المحكمة لا تنصب على مجرد نسخة من النص موجودة لدى أحد مجلسي البرلمان، وإنما على الصيغة النهائية التي أقرها البرلمان بمجلسيه، مضيفة أن التحقق من هذه الصيغة يعد أساسيا قبل الانتقال إلى فحص المضمون، لأن عدم توفر المحكمة على النص الذي يمثل التعبير النهائي عن الإرادة التشريعية للبرلمان قد يحول دون ممارسة الرقابة الموضوعية عليه.

    عامل الزمن يدخل المعادلة

    يأتي قرار المحكمة بعد استكمال مراحل المصادقة البرلمانية على القانون، وفي وقت تقترب فيه الولاية الانتدابية الحالية من نهايتها، ما يطرح سؤال الزمن المتاح أمام أي إحالة جديدة.

    ويحدد الفصل 132 للمحكمة الدستورية أجل شهر للبت في القوانين المحالة عليها، ابتداء من تاريخ الإحالة، ويمكن خفض هذا الأجل إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة، كما تؤدي الإحالة إلى وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ إلى حين بت المحكمة.

    أما انتهاء الولاية الانتدابية، فإن المهام الانتدابية لمجلس النواب تظل سارية حتى الانتخابات المقبلة، بعد افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية في أكتوبر القبل. ويبقى الشرط الأساسي في أي إحالة جديدة أن تتم قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، وهو شرط سبق للمحكمة الدستورية أن تحققت منه عند نظرها في إحالات لقوانين عادية أخرى.

  • إسبانيا تضاعف التعزيزات الأمنية  بسبتة وتعتمد خطة جديدة لإعادة المهاجرين للمغرب

    إسبانيا تضاعف التعزيزات الأمنية  بسبتة وتعتمد خطة جديدة لإعادة المهاجرين للمغرب

    دخل تعامل الحكومة الإسبانية مع أزمة الهجرة التي اندلعت في سبتة مرحلة جديدة، بعد عودة غالبية الأشخاص الذين دخلوا المدينة خلال موجة أواخر يوليوز.

    وينصب التركيز حاليا في الثغر المغربي المحتل على تدبير أوضاع المهاجرين غير النظاميين الذين ما زالوا داخل المدينة، وتسريع الإجراءات الإدارية لإعادتهم إلى المغرب.

    وأعلن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، تعزيز الفرق المكلفة بشؤون الأجانب والحدود، بهدف تسريع عمليات تحديد هويات المهاجرين ودراسة ملفاتهم وتنفيذ إجراءات العودة.

    وتقوم الخطة الجديدة، وفق ما كشفته تقارير إسبانية، على نقل البالغين المنتشرين في شوارع المدينة إلى فضاءات مؤقتة للمراقبة، خصوصا في منطقة تاراخال، ثم تحديد هوياتهم ودراسة وضعهم القانوني بشكل فردي.

    وتعتزم السلطات، وفق المصادر ذاتها، استخدام أحد هذه الفضاءات كمركز للاستقبال المؤقت للأجانب  “CATE”، يتولى عمليات التعرف على الهوية والتوثيق وتقديم المساعدة الأولية وتوجيه الأشخاص إلى الموارد المناسبة في مدة زمنية لا ينبغي أن تتجاوز 72 ساعة.

    وبعد تحديد الهوية، تتحقق الشرطة من الجنسية والسن والوضع الإداري والسوابق، مع التأكد أولا من أن المعنيين بالغون، أما القاصرون، خصوصا الأجانب غير المصحوبين، فيخضعون لنظام حماية خاص ولا يدخلون ضمن هذا المسار.

    غير أن طلب اللجوء يشكل حجر عثرة في تسريع ملفات الترحيل، إذ إن احتجاز المهاجر في مركز مؤقت لا يعني صدور قرار تلقائي بترحيله، حيث يتعين تحديد وضعه القانوني، وضمن ذلك رغبته في طلب الحماية الدولية من عدمها.

    وفي حال تقديم طلب لجوء بشكل رسمي، تتوقف إجراءات الإعادة في الحالات التي ينص عليها القانون إلى حين البت في الطلب أو تحديد ما إذا كان سيُقبل للمعالجة، وفي حال القبول، يمكن أن يحصل طالبه على إذن بالدخول والإقامة المؤقتة في إسبانيا.

    أما من لا يطلب اللجوء، ولا تتوفر لديه ظروف قانونية تمنع عودته، فيمكن للسلطات مباشرة الإجراء المناسب، سواء تعلق الأمر بالإعادة أو بالطرد، بحسب وضع كل حالة.

    تسريع الملفات تمهيدا للعودة

    وأشارت التقارير ذاتها إلى أن المشكلة الأساسية للسلطات الإسبانية في سبتة المحتلة تتمثل في قدرة الإدارة على معالجة آلاف الملفات بسرعة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تعزيز وحدات شؤون الأجانب والحدود بموظفين وعناصر إضافية لتسريع عمليات التوثيق وإجراءات العودة.

    وتراهن مدريد على التعاون مع المغرب لتنفيذ عمليات الإعادة، بعدما أكدت أن غالبية الأشخاص الذين دخلوا سبتة خلال موجة أواخر يوليوز عادوا بالفعل إلى المغرب.

    وتقوم المرحلة الجديدة على ترحيل عبر مسار إداري متدرج، يبدأ من تجميع مؤقت، ثم تحديد الهوية، ودراسة الوضع القانوني، ومعالجة طلبات الحماية عند وجودها، وصولا إلى تنفيذ العودة عندما تتوافر شروطها القانونية.

     أرقام جديدة متضاربة

    تتضارب الأرقام الرسمية بشأن عدد القاصرين غير المرافقين الموجودين في سبتة المحتلة؛ فبينما كشفت مصادر حكومية، أول أمس الأربعاء، عن تسجيل 1694 طفلا ومراهقا حتى 12 غشت، رفع وزير الداخلية، فرناندو غراندي مارلاسكا، العدد أمس الخميس إلى 1898 قاصرا، وفق تقارير صحفية إسبانية.

    ومر نحو أسبوعين منذ بدء موجة العبور من المغرب إلى سبتة المحتلة في 30 و31 يوليوز الفائت، عبر ساحل تراخال، والتي بلغ عدد المشاركين فيها نحو 41 ألف شخص وفق المعطيات الرسمية المغربية،  72 ألف شخص وفق الأرقام الإسبانية.

    وما تزال الأسئلة تطرح في سبتة المحتلة عن عدد الأشخاص الذين دخلوا المدينة يومي 30 و31 يوليوز، ومن ظلوا في المدينة، إذ كشف آخر تقدير رسمي أعلنته الحكومة الإسبانية، والبالغ 72 ألفا، عبر وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، يوم الثلاثاء 4 غشت، آخر معطى في هذا الباب، في وقت تصر حكومة سبتة على رفع الحصيلة إلى نحو 80 ألف شخص، وهو عدد يقترب من مجموع سكان المدينة، البالغ 84.435 نسمة في فاتح يوليوز 2026، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء الإسباني.

    وإذا كان العدد الإجمالي للوافدين غير محسوم، فإن عدد الذين عادوا إلى المغرب لا يزال بدوره مجهولا،  وفق ما تشير إليه تقارير إسبانية، إذ أكدت وزارة الداخلية في 4 غشت، أن نحو 70 ألف شخص غادروا طوعا، أي أكثر من 95 في المئة من مجموع الوافدين.

    وفي هذا السياق، أفادت وزارة الداخلية الإسبانية، أول أمس الأربعاء، بوجود ما بين 2500 و3000 مهاجر في وضع غير نظامي، موضحة أن التقدير يستند إلى معطيات الشرطة الوطنية والحرس المدني، ويشمل الأشخاص الذين كانوا موجودين في المدينة قبل أحداث سبتة الأخيرة.

    في المقابل، تقدم سلطات سبتة أرقاما أعلى بكثير، إذ كشف رئيس الحكومة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، في 8 غشت الجاري، أن عدد الموجودين يتراوح بين 8000 و11000 شخص، في حين غيرت الحكومة الإسبانية أرقامها أمس الخميس، بحديث وزير الداخلية غراندي مارلاسكا عن تقدير جديد وصل نحو 5000 مهاجر غير نظامي ظلوا في المدينة منذ أحداث 30 يوليوز الفارط.

    القاصرون ولغز العدد الحقيقي

    ويتكرر تضارب الأرقام بشأن القاصرين غير المرافقين، الذين يتمتعون بحماية خاصة بموجب قانون الأجانب، إذ كشفت وزارة الداخلية، أول أمس الأربعاء، لوسائل إعلام إسبانية، أن عدد الحالات الموثقة غير المحين بلغ 1342 حالة، في وقت كان وزير الرئاسة، فيليكس بولانيوس، قد أعلن الثلاثاء رقما أعلى بلغ 1527 قاصرا.

    غير أن أحدث رقم رسمي للحكومة الإسبانية قدمه مارلاسكا اليوم الخميس، بعدما تحدث عن وجود 1898 قاصرا بمراكز الإيواء، دون تقديم أي تفاصيل عن جنسياتهم، في حين أن رئيس حكومة سبتة يتحدث عن 4 آلاف قاصر في وضع غير قانوني في المدينة المحتلة.

    وبخصوص طلبات اللجوء، فكشفت الداخلية الإسبانية أن أزيد من 400 ملف قيد المعالجة، من دون تحديد عدد الطلبات التي لا تزال تنتظر بدء الإجراءات.

    سلطات سبتة تطالب بترحيل فوري

    وطالب رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، يوم أمس، الحكومة الإسبانية بالإسراع في إعادة جميع من دخلوا المدينة خلال أزمة الهجرة التي بدأت في 30 يوليوز، والذين ما زالوا يقيمون فيها، إلى المغرب.

    وقدم فيفاس هذا الطلب خلال اجتماع مع وزير الداخلية، فرناندو غراندي مارلاسكا، الذي زار سبتة للمرة الثانية منذ بدء تدفق المهاجرين قبل أسبوعين.

    وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، كشف عن تعزيز الأطر التابعة لإدارة الهجرة والحدود لتسريع إجراءات البت في الملفات وتسريع عملية العودة، بشكل خاص للمهاجرين البالغين الذين ما زالوا في سبتة.

    يقظة مغربية مستمرة

    من الجانب المغربي، رصدت وزارة الداخلية تداول منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي، تحرض على تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية، واتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لأي محاولة للعبور غير القانوني، واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من ثبت تورطه في أفعال مخالفة للقانون، بما في ذلك المروجين لمثل هذه الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي.

    وأعلنت وزارة الداخلية المغربية أن السلطات أوقفت مجموعة من الأشخاص يشتبه في قيامهم بأعمال تحريضية، حيث تم إخضاعهم لمسطرة البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

    وشددت على أن جاهزية السلطات الأمنية ليست مرتبطة بموعد معين، وإنما تندرج ضمن منظومة يقظة مستمرة، لا سيما بالمناطق القريبة من معابر سبتة ومليلية، يتم تعزيزها وتكييفها بصورة دائمة وفق تطورات الوضع وطبيعة المخاطر المسجلة.

    وذكرت “أم الوزارات” بأن مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر لا يمكن أن تقوم على جهود طرف واحد، وإنما تقتضي تحمل مختلف الأطراف لمسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها، في إطار تقاسم المسؤولية.

    ودعت في هذا السياق السلطات الإسبانية، في إطار التنسيق والتعاون القائم بين البلدين، إلى تحمل مسؤولياتها والعمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المرفوقين الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم بالمغرب، بما يحفظ مصلحتهم الفضلى، مع العمل على تجاوز العراقيل الإدارية والقضائية التي تحول دون عودتهم في أقرب الآجال.

    وأكدت الوزارة الأهمية المحورية لآلية الإعادة الفورية التي أبانت التجارب السابقة عن نجاعتها وإسهامها الفعلي في مواجهة التحديات المطروحة وتعزيز التدخلات الميدانية.

    استنفار أمني بسبتة

    ورفعت سلطات سبتة درجة اليقظة والاستنفار منذ أحداث يوليوز المنصرم، سيما في ظل تداول رسائل تحريضية عبر منصات التواصل الاجتماعي من أجل تكرار محاولة العبور الجماعي في 15 غشت الجاري.

    بلغ حجم الانتشار الأمني الاستثنائي، وفق ما كشفته تقارير إسبانية نقلا عن وزارة الداخلية، 270 شرطيا و240 عنصرا من الحرس المدني.

    وتم إرسال عناصر من الشرطة الوطنية من مدن إسبانية مختلفة إلى سبتة، زيادة على نشر فريق يضم 12 متخصصا؛ و06 من المديرية العامة للأجانب والحدود، ومثلهم من المديرية العامة للمعلومات، للمساعدة في عمليات التسجيل والتوثيق.

    أما الحرس المدني، فتم تعزيز وحدة الاحتياط والأمن في سبتة، المكلفة بمراقبة الحدود، بثلاث فصائل جديدة تضم في مجموعها 60 عنصرا، إضافة إلى ضم 160 عنصرا آخر إلى وحدة الأمن العام، فيما يقدم لهم الدعم نحو ألفي عسكري من أفراد القوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع.

    وتشمل قائمة التعزيزات، وفق ما كشفته الصحافة الإسبانية، ثمانية غواصين وسفينة ومروحية ووحدة للطائرات المسيرة.

  • كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    تحولت الداخلة، بعد 47 سنة على استرجاع إقليم وادي الذهب، إلى واحدة من أبرز واجهات الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تعكس المشاريع الكبرى والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية مسارا انتقل من تجهيز المجال وتعزيز ارتباطه بباقي التراب الوطني إلى تثمين موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

    وتعكس الأرقام جزءا من هذا التحول، ففي جهة يبلغ عدد سكانها نحو 220 ألف نسمة، وصل الناتج الداخلي الإجمالي إلى 20.288 مليار درهم سنة 2024، وسجل الاقتصاد نموا بـ7 في المئة، مقابل 4.4 في المئة على المستوى الوطني، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للفرد 92 ألفا و904 دراهم، وهو أعلى مستوى بين جهات المملكة.

    ولا يتعلق الأمر بمؤشرات اقتصادية معزولة، بل بمسار تدعمه مشاريع مهيكلة جاءت في إطار الرؤية الملكية السامية لتنمية الأقاليم الجنوبية، من المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي، إلى الطاقة والقطاعات المنتجة والاستثمارات الجديدة.

    وتتقاطع في جهة الداخلة-وادي الذهب، هذه المشاريع التنموية مع موقع جغرافي يفتح الجهة على المحيط الأطلسي من جهة، وعلى موريتانيا وغرب إفريقيا من جهة أخرى، لتصبح التنمية المحلية جزءا من امتداد اقتصادي أوسع للمملكة نحو القارة.

    من استرجاع الإقليم إلى بناء قطب اقتصادي

    شكل استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979 محطة أساسية في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، لتدخل المنطقة بعد ذلك مرحلة أخرى عنوانها البناء والتجهيز وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي في محيطها الوطني.

    وأخذ هذا المسار دفعة جديدة مع إطلاق جلالة الملك محمد السادس، في نونبر 2015، النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ضمن برنامج تنموي مندمج بغلاف مالي يتجاوز 77 مليار درهم، بهدف إطلاق دينامية اقتصادية واجتماعية وخلق فرص الشغل والاستثمار وتوفير البنيات التحتية والمرافق الضرورية.

    وشمل هذا التوجه مجموعة من الأوراش الكبرى، من الطريق والربط الكهربائي والطاقات المتجددة إلى تثمين منتجات الصيد البحري وميناء الداخلة الأطلسي، ضمن رؤية تجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية وتطوير القطاعات المنتجة.

    وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2022، أن الصحراء المغربية شكلت عبر التاريخ صلة وصل إنسانية وروحية وحضارية واقتصادية بين المغرب وعمقه الإفريقي، معتبرا أن العمل التنموي يروم ترسيخ هذا الدور وجعله أكثر انفتاحا على المستقبل.

    وعلى هذا الأساس، برزت الداخلة-وادي الذهب باعتبارها واحدة من المناطق التي تتجسد فيها هذه الرؤية الملكية بشكل واضح، بالنظر إلى مواردها البحرية والفلاحية والطاقية، وإلى موقعها على الواجهة الأطلسية وعلى المحور البري الممتد نحو إفريقيا.

    اقتصاد بمؤشرات تتجاوز المتوسط الوطني

    تكشف الحسابات الجهوية لسنة 2024، التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط خلال صيف 2026، عن دينامية واضحة في اقتصاد جهة الداخلة-وادي الذهب.

    فقد ارتفع الناتج الداخلي الإجمالي للجهة، بالأسعار الجارية، من 18.444 مليار درهم سنة 2023 إلى 20.288 مليار درهم في 2024، لترتفع مساهمتها في الناتج الداخلي الإجمالي الوطني من 1.2 إلى 1.3 في المئة.

    وفي الوقت نفسه، سجل اقتصاد الجهة نموا حقيقيا بلغ 7 في المئة خلال سنة 2024، مقابل 4.4 في المئة للاقتصاد الوطني.

    أما نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، فبلغ 92 ألفا و904 دراهم، مقابل 43 ألفا و891 درهما وطنيا، لتحتل الداخلة-وادي الذهب المرتبة الأولى بين جهات المملكة وفق هذا المؤشر.

    وتكشف بنية الاقتصاد المحلي أيضا عن تحول تدريجي في الأنشطة؛ فإلى جانب الوزن الذي يحتفظ به الصيد البحري، ارتفعت بالقيمة الجارية خلال 2024 أنشطة البناء بـ14 في المئة، والنقل والتخزين بـ49.6 في المئة، والفنادق والمطاعم بـ39.7 في المئة، والصناعة التحويلية بـ7.2 في المئة.

    ويرى محمد أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أن هذه المؤشرات تعكس تحولا فعليا في البنية الاقتصادية للجهة.

    ويقول سامي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن “الداخلة انتقلت تدريجيا من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الصيد البحري والأنشطة الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعا، تدخل فيه اللوجستيك والصناعة والطاقات المتجددة والخدمات المرتبطة بالتجارة والنقل”، موضحا أن “هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بالمشاريع الكبرى التي عرفتها الجهة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والمحور الطرقي تيزنيت-الداخلة”.

    أكثر من ملياري درهم من الاستثمارات في سنة

    تظهر الدينامية نفسها في أرقام الاستثمار بالجهة، حيث تمت خلال سنة 2024، المصادقة على 118 مشروعا استثماريا بقيمة إجمالية تفوق ملياري درهم، يرتقب أن تساهم في إحداث 2707 مناصب شغل مباشرة، وفق المعطيات الرسمية لوزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية.

    وتتوزع مؤهلات الجهة بين الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، والفلاحة والسياحة والخدمات والطاقات المتجددة، فيما توسع البنيات الكبرى مجالات الاستثمار باتجاه الصناعة واللوجستيك والتجارة.

    وبهذا الصدد، يرى محمد أمين سامي أن قيمة المشاريع الكبرى التي تعرفها الداخلة “لا تقاس فقط بكلفتها المالية، وإنما بما أنتجته وما ستنتجه حولها من أنشطة اقتصادية جديدة”، مسترسلا “مثلا، ميناء الداخلة لا يمثل مجرد منشأة لاستقبال السفن، بل قاعدة لاستقطاب وحدات صناعية ولوجستية، وتثمين المنتجات المحلية وربط المستثمرين والأسواق”.

    وتابع بالقول: “التحول الذي تحقق على مستوى البنية التحتية وفر للجهة قاعدة قوية لاستثمارات منتجة وفرص شغل وقيمة مضافة محلية، وهو ما يعزز انتقال الداخلة نحو منظومة اقتصادية أكثر تكاملا”.

    ميناء الداخلة بوابة بحرية على الأطلسي

    في قلب هذه المنظومة يبرز ميناء الداخلة الأطلسي، باعتباره واحدا من أبرز المشاريع المهيكلة التي تجسد المرحلة الجديدة من تنمية الأقاليم الجنوبية، وركيزة لتطوير قطب يجمع بين أنشطة التجارة والصيد البحري والصناعة واللوجستيك، ويرتبط بمنطقة مخصصة للأنشطة الاقتصادية، بما يسمح باستقطاب استثمارات جديدة وتثمين جزء أكبر من موارد المنطقة محليا.

    ويكتسب المشروع أهميته من موقعه المطل على المحيط الأطلسي وبالقرب من محور بري يمتد نحو موريتانيا وغرب إفريقيا، ما يمنح البنية المينائية وظيفة تتجاوز حاجيات السوق الجهوية إلى دعم المبادلات الوطنية والقارية.

    وكان المشروع ضمن الأوراش التي وضعها البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية في صلب التحول الاقتصادي للمنطقة، إلى جانب الطريق والطاقات المتجددة والربط بالشبكة الكهربائية الوطنية.

    ومع تواصل أشغاله خلال سنة 2026، يضيف الميناء إلى الوظيفة البرية للداخلة امتدادا بحريا، ويعزز تشكل منظومة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتصدير.

    1055 كيلومترا تعزز الربط بين الشمال والجنوب

    وإذا كان ميناء الداخلة الأطلسي يعزز الواجهة البحرية للجهة، فإن المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة رسخ ارتباطها البري بباقي المملكة.

    ويمتد المشروع على 1055 كيلومترا، في واحد من أكبر الأوراش الطرقية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، ويجمع بين الطريق السريع تيزنيت-العيون وتوسيع وتقوية الطريق الوطنية رقم 1 في المقطع الرابط بين العيون والداخلة.

    وأكدت وزارة التجهيز والماء في يونيو 2026 أن هذا المحور يشكل شريانا استراتيجيا للربط بين شمال المملكة وجنوبها ودعم الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ولا تقتصر أهميته على تحسين تنقل الأشخاص، بل تمتد إلى حركة البضائع والمنتجات وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، وتقليص أثر المسافات الطويلة التي كانت تمثل أحد تحديات الاستثمار في المنطقة.

    ومن الداخلة، يستمر الامتداد البري عبر الكركرات نحو موريتانيا ودول غرب إفريقيا، ما يمنح المحور وظيفة تتجاوز الربط الداخلي للمملكة.

    من ثروة الصيد البحري إلى التثمين

    ويظل الصيد البحري أحد أبرز مرتكزات اقتصاد الداخلة-وادي الذهب، وفق ما تؤكده أحدث الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط.

    وارتفعت القيمة المضافة للقطاع بالجهة من 2.542 مليار درهم سنة 2023 إلى 2.968 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 16.8 في المئة بالأسعار الجارية.

    ومثلت الداخلة-وادي الذهب خلال السنة نفسها 33.8 في المئة من القيمة المضافة الوطنية لقطاع الصيد البحري، ما يعكس الوزن الذي تحتله الجهة داخل الاقتصاد البحري للمملكة.

    غير أن التحول الذي تعرفه المنطقة لم يعد يقوم فقط على استغلال هذه الثروة، بل على تثمينها محليا عبر التحويل والتبريد والتخزين والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية، ما يسمح بربط الموارد البحرية بالصناعة والنقل والتصدير، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الجهة، إلى جانب توسيع أثر القطاع على الاستثمار والتشغيل.

    وسيعزز ميناء الداخلة الأطلسي والمناطق الاقتصادية المرتبطة به هذا المسار، من خلال توفير بنية قادرة على ربط الإنتاج البحري بالتصنيع والأسواق الوطنية والخارجية.

    الهيدروجين الأخضر يوسع خريطة الاستثمار

    وإلى جانب القطاعات التي راكمت فيها الداخلة حضورا اقتصاديا، بدأت مجالات جديدة تدخل خريطة الاستثمار في الجهة.

    ففي يونيو 2026، وقفت لجنة تتبع مشروع مندمج لإنتاج الهيدروجين الأخضر بجهة الداخلة-وادي الذهب على مدى تقدم المشروع، وصادقت على أولى مخرجات الدراسات الجارية، في إطار تنزيل “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر.

    ويضيف هذا المشروع بعدا جديدا للاقتصاد المحلي، ويربط الموارد الطاقية التي تتوفر عليها المنطقة بالتحول الذي يعرفه المغرب في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما يعكس استمرار الدينامية الاستثمارية إلى غاية سنة 2026، وانتقال الجهة من القطاعات التقليدية إلى أنشطة جديدة ذات ارتباط بالتحول الطاقي والأسواق الدولية.

    حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

    شكلت المسافة التي تفصل الداخلة عن المراكز الاقتصادية الكبرى للمملكة، في مراحل سابقة، أحد تحديات الاستثمار وحركة السلع، لكن تطوير البنيات التحتية أعاد تدريجيا صياغة هذه المعادلة.

    وأصبحت الداخلة توجد اليوم في نقطة اتصال بين السوق الوطنية شمالا وموريتانيا وغرب إفريقيا جنوبا، بينما تمنحها واجهتها الأطلسية منفذا على حركة التجارة البحرية.

    ويؤكد ذلك الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي محمد أمين سامي، موضحا أن “الداخلة توجد اليوم في نقطة تقاطع استراتيجية بين ثلاثة مجالات: السوق المغربية شمالا، والعمق الإفريقي جنوبا، والمسارات البحرية على الواجهة الأطلسية غربا. والمشاريع التي تم إنجازها والجاري استكمالها حولت هذه الجغرافيا إلى ميزة تنافسية حقيقية”س.

    ويضيف سامي أن “محور تيزنيت-الداخلة عزز حركة الأشخاص والبضائع داخل المملكة، بينما سيمنح ميناء الداخلة الأطلسي هذا الامتداد منفذا بحريا كبيرا، والتكامل بين الطريق والميناء والمناطق الصناعية واللوجستية يجعل الداخلة منصة طبيعية للتجارة والاستثمار والربط مع الأسواق الإفريقية”.

    الداخلة.. بوابة المغرب نحو إفريقيا

    اكتسب هذا الموقع بعدا أكبر مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء سنة 2023، حين أكد الملك محمد السادس أن الواجهة الأطلسية هي بوابة المغرب نحو إفريقيا، ودعا إلى استكمال المشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية وتعزيز البنيات التحتية والنقل واللوجستيك.

    وفي الخطاب نفسه، أطلق الملك المبادرة الدولية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مع إعلان استعداد المغرب لوضع بنياته التحتية الطرقية والمينائية والسككية رهن إشارة هذه الدول.

    ويمنح هذا التوجه للمشاريع المنجزة والجارية في الأقاليم الجنوبية وظيفة تتجاوز التنمية المحلية، إذ تصبح البنيات الطرقية والمينائية جزءا من رؤية أوسع للربط الاقتصادي مع إفريقيا.

    وفي هذا السياق، رسخت الداخلة موقعها كإحدى البوابات الرئيسية للمغرب نحو عمقه الإفريقي، بما تتوفر عليه من اتصال بري مع موريتانيا وغرب القارة، وواجهة أطلسية، وموارد واستثمارات ومشاريع لوجستية وصناعية.

    ويقول محمد أمين سامي لـ”AM+ MEDIA” إن الداخلة “أصبحت اليوم جزءا فعليا من الرؤية الاقتصادية المغربية تجاه إفريقيا، فالموقع والبنية التحتية والاستثمارات لم تعد عناصر منفصلة، وإنما مكونات لمنظومة تربط المغرب بغرب إفريقيا ودول الساحل، وتفتح أمام المنطقة فرصا أكبر في التجارة واللوجستيك والصناعة”.

    وهكذا، تحمل ذكرى 14 غشت، إلى جانب رمزيتها الوطنية المرتبطة باسترجاع وادي الذهب واستكمال الوحدة الترابية، صورة مسار تنموي متواصل على الأرض، تعكسه الطرق والموانئ والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية، وتشهد على الانتقال من استرجاع المجال إلى تثمينه، ومن تعزيز ارتباطه إلى ترسيخ موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي وواجهته الأطلسية.

  • استرجاع وادي الذهب.. يوم ربطت حنكة الملك شمال المغرب بجنوبه

    استرجاع وادي الذهب.. يوم ربطت حنكة الملك شمال المغرب بجنوبه

    لم يكن يوم 14 غشت 1979 مجرد تاريخ أضيف إلى رزنامة الأعياد الوطنية، ولا مجرد انتقال إداري لإقليم من وضع إلى آخر، ففي الذاكرة المغربية، يمثل استرجاع وادي الذهب لحظة التقت فيها روابط البيعة الموروثة، وإرادة سكان الإقليم، والتضحيات العسكرية، بجهود استكمال الوحدة الترابية للمملكة.

    ولا تكتمل قراءة هذه الذكرى من خلال مشهد البيعة الذي احتضنه القصر الملكي بالرباط وحده، بل ينبغي وضعها ضمن تسلسل تاريخي انطلق من انسحاب موريتانيا من الإقليم، ومعركة بئر أنزران في 11 غشت 1979، فبيعة وفود قبائل وادي الذهب للملك الحسن الثاني في 14 غشت، ثم إدماج الإقليم في التنظيم الإداري للمملكة وزيارة الملك الراحل الحسن الثاني للداخلة سنة 1980.

    حلقة في مسار استكمال الاستقلال

    تنظر الذاكرة الوطنية المغربية إلى استرجاع وادي الذهب باعتباره حلقة ضمن مسار طويل لم ينته بحصول المغرب على استقلاله سنة 1956، حيث استُرجعت طرفاية في 15 أبريل 1958، ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، قبل أن تفتح المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975 الطريق أمام إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء.

    وسبق المسيرة الخضراء صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975، والذي أقر بوجود روابط قانونية من البيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الصحراء، ما اعتبرته الرباط إقرارا بروابط البيعة وتثبيتا لعنصر أساسي في الحجة التاريخية المغربية.

    وفي اليوم نفسه أعلن الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء باعتبارها وسيلة سلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية. “محكمة العدل الدولية.

    وأفضت اتفاقية مدريد الموقعة في 14 نونبر 1975 إلى إنهاء الوجود الإسباني وتقاسم إدارة الإقليم بين المغرب وموريتانيا، فأصبحت الساقية الحمراء تحت الإدارة المغربية، بينما تولت موريتانيا إدارة الجزء الجنوبي المعروف بوادي الذهب.

    غير أن التطورات السياسية والعسكرية التي عرفتها موريتانيا دفعتها، في مطلع غشت 1979، إلى إنهاء وجودها في وادي الذهب.

    وفي أعقاب هذا الانسحاب، أبرمت السلطات الموريتانية اتفاقا مع ميليشيا البوليساريو في الجزائر، تخلت بموجبه عن مطالبها في الجزء الذي كانت تسيطر عليه، وهو ما فتح الباب أمام تحول جديد في وضع وادي الذهب.

    وبعد الانسحاب الموريتاني، اعتبر المغرب أن تخلي نواكشوط عن الإقليم لصالح البوليساريو يخلق وضعا يهدد مصالحه ووحدته الترابية، فتدخلت القوات المغربية في غشت 1979 وبسطت سيطرتها على المنطقة بعد انسحاب موريتانيا.

    الانسحاب الموريتاني وخطاب الحسم

    وتطرق الملك الحسن الثاني إلى الانسحاب الموريتاني من الصحراء ووضع وادي الذهب بوضوح في خطاب ألقاه خلال افتتاح الدروس الحسنية يوم 2 غشت 1979، أي بعد أسابيع قليلة من “الانقلاب” في موريتانيا وقبل تقديم وفود وادي الذهب بيعتها له.

    موقف الملك الراحل كان أن على موريتانيا عدم تجاهل الالتزامات الدولية والاتفاقيات التي أبرمتها، وقال إن الاتفاقيات الدولية تلزم الدول الموقعة عليها، مضيفا أن نواكشوط لا يمكنها اتخاذ تشريع داخلي يتجاهل الاتفاقات المبرمة مع المغرب.

    والأهم أنه ربط احتمال تخلي موريتانيا عن التزاماتها بمسؤولية المغرب في الدفاع عن مصالحه، قائلا إن المغرب سيكون عندها أمام “المسؤولية الوحيدة الضرورية الواجبة، وهي مسؤولية الدفاع عن البقاء”.

    وبعد استرجاع وادي الذهب، عاد الملك الراحل الحسن الثاني إلى الموضوع في ندوة صحافية بفاس يوم 19 غشت 1979، وصف فيها ما سمي بـ”اتفاق الجزائر”، الذي أنهى الوجود الموريتاني في المنطقة، بأنه “بطاقة تافهة وقعت في لحظة عابرة”، عادا أن الاتفاق جعل وادي الذهب “أرضا خلاء” من الناحية القانونية لأنه أراد تسليمها إلى جهة لا يعترف بوجودها، أي الجبهة الانفصالية البوليساريو.

    وشدد الحسن الثاني على أن توجه المغرب إلى الداخلة واستقباله سكانها كان دفاعا عن المشروعية وعن قرار محكمة العدل الدولية.

    معركة السلاح دفاع عن الوحدة الترابية

    قبل ثلاثة أيام فقط من احتفال المغرب باسترجاع وادي الذهب، شهدت منطقة بئر أنزران، في 11 غشت 1979، واحدة من أبرز المعارك في تاريخ القوات المسلحة الملكية بالصحراء.

    فقد تعرض الموقع العسكري المغربي لهجوم واسع نفذته مرتزقة البوليساريو، وكان الهدف منه السيطرة على بئر أنزران وقطع الطريق أمام تثبيت الحضور المغربي في وادي الذهب.

    وتدخل في المعركة الطيران المغربي، وغار فيها على قافلة من 500 سيارة مصفحة للعدو، واستشهد فيها 125 جنديا مغربيا، وتركت ميليشيا الجبهة الانفصالية ما يفوق 500 قتيل بالإضافة إلى خسائره في العتاد والذخيرة الحربية.

    وبعد هذه المعركة دخل الجيش المغربي إلى إقليم وادي الذهب، وضمه إلى أقاليم المملكة، وأطلق على هذا الدخول “عملية قدر”.

    لذلك، تحتل المعركة مكانة خاصة في الذاكرة العسكرية المغربية لأنها جاءت في لحظة حاسمة، كان يتقرر فيها مصير الإقليم بعد الانسحاب الموريتاني، ولهذا لا يمكن فصل استرجاع وادي الذهب عن تضحيات الجنود المغاربة الذين دافعوا عن بئر أنزران.

    تجديد البيعة ووصل الجنوب بالشمال

    في 14 غشت 1979، استقبل الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي في الرباط وفدا ضم علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب.

    وجاء الوفد ليعلن تجديد البيعة للملك، مستحضرا روابط البيعة التي جمعت قبائل المنطقة بسلاطين المغرب عبر التاريخ.

    ووقع وثيقة البيعة ممثلو قبائل أولاد دليم، والرقيبات أولاد الشيخ، وسكارنا، وآيت لحسن، وفيلالا، وآيت با عمران، وأولاد تيدرارين، والشيخ ماء العينين، وال محمد سالم، وتندغة.

    وضمت أيضا لائحة الموقعين كلا من آل بارك الله، ويكوت، والميراكن، والرقيبات أولاد داود، والعروسيين، والزرفيين، والرقيبات السواعد، وأولاد اللب، وإد يقب، والمناصير.

    ولخص الملك الراحل الحسن الثاني دلالة اللحظة مخاطبا علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب: “إننا قد تلقينا منكم اليوم البيعة، وسوف نرعاها ونحتضنها كأثمن وأغلى وديعة. فمنذ اليوم، بيعتنا في أعناقكم ومنذ اليوم، من واجباتنا الذود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوما إلى إسعادكم، وإننا لنشكر الله سبحانه وتعالى أغلى شكر وأغزر حمد على أن أتم نعمته علينا فألحق الجنوب بالشمال ووصل الرحم وربط الأواصر”.

    وقام الملك الراحل بتوزيع السلاح رمزيا على ممثلي القبائل، في إشارة إلى أن البيعة تقترن بمسؤولية مشتركة في الدفاع عن الوحدة الترابية وحماية الإقليم، في مشهد جمع رمزية العرش، وتمثيلية القبائل، وإرادة الانتماء، وواجب الدفاع عن الأرض.

    حضور مؤسساتي ورسائل لأعداء الوحدة الترابية

    لم تتوقف عملية استرجاع إقليم وادي الذهب عند مراسم البيعة، إذ في اليوم نفسه، صدر المرسوم رقم 2.79.430 الذي أدرج وادي الذهب ضمن التقسيم الإداري للمملكة باعتباره الإقليم السادس والثلاثين.

    ثم صدر في 20 غشت 1979 المرسوم رقم 2.79.659 المتعلق بتنظيم الدوائر والقيادات والجماعات التابعة للإقليم. وتكشف هذه الدقة الزمنية أن الدولة المغربية أرادت تحويل الدلالة التاريخية والسياسية للبيعة إلى حضور إداري ومؤسساتي مباشر. “التسلسل القانوني لأحداث سنة 1979.

    وفي مارس 1980، انتقل الملك الحسن الثاني إلى الداخلة، حيث احتفل بعيد العرش وأقيمت مراسم الولاء، لتكون هذه الزيارة بمثابة تثبيت رمزي لوجود الدولة في الإقليم، ورسالة لأعداء الوحدة الترابية أن الداخلة لم تعد منطقة بعيدة عن مركز القرار، بل أصبحت فضاء يحتضن أحد أهم الطقوس السياسية في الدولة المغربية.

    وبعد سبعة وأربعين عاما، يظل 14 غشت حاضرا في الوعي المغربي باعتباره اليوم الذي انتقلت فيه وادي الذهب من منطقة مهددة بالفراغ إلى عنوان لاستكمال الوحدة الترابية.

    غير أن قصة الداخلة لم تتوقف عند لحظة الاسترجاع، فـ”لؤلؤة الجنوب”، التي دخلت التاريخ الوطني من بوابة الوحدة الترابية، أصبحت اليوم في قلب تحول اقتصادي وجيوسياسي أوسع، تقوده مشاريع الميناء الأطلسي والطريق السريع والطاقات المتجددة، إلى جانب المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.

    وإذا كان عام 1979 قد حسم سؤال الانتماء، فإن التحولات الجارية تطرح سؤال الوظيفة، وكيف انتقلت الداخلة من رمز تاريخي للوحدة إلى قطب اقتصادي وبوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي.

  • البام يراهن على تجديد النخب المحلية بالخميسات ويضع الشباب في الواجهة

    البام يراهن على تجديد النخب المحلية بالخميسات ويضع الشباب في الواجهة

    اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يضع الشباب وتجديد هياكله في صلب تحركه التنظيمي بإقليم الخميسات، بالتوازي مع توسيع صفوفه بعدد من المنتخبين والفعاليات المحلية، وهو التوجه الذي برز خلال اللقاء التواصلي الذي نظمته الأمانة الإقليمية للحزب اليوم الخميس، والذي تحول إلى محطة للإعلان عن التحاقات جديدة، ومناقشة موقع الشباب داخل التنظيم وفي المؤسسات المنتخبة، وربط ذلك بالتحديات التنموية التي تواجه المدينة والإقليم.

    اللقاء، الذي حضره رشيد العبدي وسمير بلفقيه عضوا المكتب السياسي، وصلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب محمد اشرورو الأمين الإقليمي للحزب بالخميسات ومنتخبين وفعاليات محلية، انعقد في سياق وصفه المتدخلون بالاستثنائي بالنظر إلى سرعة الإعداد له، لكنه كشف في المقابل عن تحركات تنظيمية سبقت انعقاده بأشهر، خصوصا ما يتعلق بالمشاورات مع عدد من المنتخبين والكفاءات التي أعلنت التحاقها بالحزب من بوابة إعادة ترتيب البيت المحلي للحزب وتوسيع قاعدته، بالتوازي مع خطاب واضح حول التشبيب وإدخال جيل جديد إلى مواقع المسؤولية.

    وفي مقدمة الأسماء المعلن عن التحاقها زهير العلوي اليزيدي، نائب رئيس مجلس جماعة الخميسات، إلى جانب عبد العزيز صديقي وأحمد بوشيخي، العضوين بالمجلس الجماعي، فضلا عن منتخبين وفعاليات جمعوية ومهنية أخرى.

    اشرورو.. من توسيع التنظيم إلى استعادة الثقة

    محمد اشرورو لم يتجنب في مداخلته الحديث عن حجم اللقاء، بل توقف عند ما قد يثيره من تساؤلات بالنظر إلى عدد الحاضرين، قبل أن ينقل النقاش من “الكم” إلى “الكيف”، معتبرا أن أهمية المحطة تكمن في كونها مخصصة لمدينة الخميسات وفي طبيعة المشاركين فيها.

    ووضع اشرورو للقاء ثلاثة عناوين مترابطة في مقدمتها وضع المدينة وتحدياتها التنموية، ودور الشباب في المرحلة المقبلة، واستعادة الثقة في العمل السياسي بما يسمح بتوسيع انخراط المواطنين في الشأن العام.

    ومن هذه الزاوية، قدم الالتحاقات الجديدة باعتبارها نتيجة مسار سابق من التواصل والمشاورات، وليس عملية ظرفية فرضها اقتراب الانتخابات، مشيرا إلى أن الاتصالات مع عدد من الكفاءات امتدت لأكثر من سنة ونصف قبل الوصول إلى الإعلان الحالي.

    وتحدث الأمين الإقليمي عن الشباب وتجديد النخب المحلية، فبالنسبة إليه أفرزت التجربة الانتخابية السابقة جيلا من المنتخبين الذين دخل عدد منهم السياسة للمرة الأولى، وهو رصيد يرى أن المطلوب اليوم ليس تركه عند حدود تجربة انتخابية واحدة، وإنما الاستثمار فيه وتأطيره وتطويره.

    العبدي يرفض اختزال الوافدين في “الاستقطاب”

    رشيد العبدي اختار التوقف عند المفهوم نفسه الذي يستخدم عادة لوصف انتقال المنتخبين والفاعلين بين الأحزاب “الاستقطاب”.

    بالنسبة لعضو المكتب السياسي لـ”البام”، فإن المصطلح لا يعكس في نظره، طبيعة ما يحدث، بل قد يبخس الحزب والملتحقين به في الوقت نفسه، لأن المسألة، كما قدمها، تتعلق بأشخاص وجدوا تقاطعا بين قناعاتهم والتوجه السياسي الذي يعرضه الحزب.

    وقال العبدي إن الحزب أصبح، بعد التجارب التي راكمها، يتوفر على تصور بشأن الأولويات التي يطرحها المجتمع في قطاعات مختلفة، من الصحة والتعليم إلى الاقتصاد والصناعة، معتبرا أن وجود أطر وكفاءات داخل التنظيم سمح ببلورة قراءة للحاجيات وترتيبها.

    وحاول العبدي نقل النقاش من منطق “من التحق بمن؟” إلى سؤال ما الذي يمكن أن ينتجه هذا الالتحاق محليا، خصوصا في إقليم بحجم الخميسات.

    فالإقليم، كما وصفه، يجمع بين شساعة ترابية كبيرة ومظاهر للهشاشة، وهي معادلة تجعل قدرة المنتخب الفردية محدودة مهما كان حضوره، وتفرض عملا جماعيا وتنسيقا بين مستويات مختلفة من المسؤولية.

    ودافع العبدي عن حاجة المنتخب المحلي إلى إطار سياسي يوفر له المواكبة والترافع، مع التشديد على أن المسؤولية بعد الانتخابات لا تميز بين من صوت للمنتخب ومن اختار منافسه، لأن تدبير الشأن العام، وفق العبدي، يفرض التعامل مع حقوق المواطنين على قدم المساواة.

    عبقري يرفع سقف التشبيب: الخميسات تحتاج إلى وجه شاب يقود مجلسها

    صلاح الدين عبقري ذهب بخطاب التشبيب خطوة أبعد، فرئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة لم يكتف بالدعوة إلى مشاركة الشباب في الانتخابات أو منحهم مواقع داخل التنظيم، بل عبر عن تطلعه إلى رؤية وجه شاب يتولى مستقبلا مسؤولية رئاسة مجلس مدينة الخميسات.

    ويرى عبقري أن المدينة تحتاج إلى “شحنة شابة” في تدبيرها، بالنظر إلى حجم التحديات التنموية التي ما تزال مطروحة عليها رغم المشاريع والمجهودات التي شهدتها.

    ووضع المتحدث التأطير السياسي للشباب في مقدمة ما ينبغي الاشتغال عليه، معتبرا أن فتح المؤسسات الحزبية أمام الأجيال الجديدة يجب أن ينتهي إلى حضور فعلي داخل مواقع القرار، لا أن يبقى مقتصرا على الأنشطة الموازية أو التنظيمات الشبابية.

    كما استحضر تدخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل في تأهيل دار الشباب بالمدينة، مقدما إياه مثالا على التصور الذي يدافع عنه بشأن تدبير الشأن العام.

    بلفقيه: المنتخب المحلي لن يشتغل بمفرده

    بدوره، تناول سمير بلفقيه الموضوع من زاوية ماذا سيجد المنتخب الذي يلتحق بالحزب؟ وأكد عضو المكتب السياسي أن الحزب يضع هياكله التنظيمية وإمكاناته في خدمة منتخبيه ومسؤوليه المحليين، مقدما لقاء الخميسات باعتباره، إلى جانب الترحيب بالوافدين، مناسبة لشرح العرض السياسي الذي يريد “البام” تقديمه خلال المرحلة المقبلة.

    واستحضر بلفقيه تجربة الحزب في المعارضة ثم مشاركته في الحكومة، معتبرا أن “البام” أصبح يتوفر على مشروع سياسي ومجتمعي يرتبط بطموح انتقال المغرب إلى مصاف الدول الصاعدة، لكنه شدد في المقابل على أن هذا الطموح لا ينفصل عن معالجة المشاكل الاجتماعية التي تظل حاضرة في الحياة اليومية للمواطنين.

    وتوقف في هذا السياق عند ملفات الفلاحة والسقي والتعليم والصحة، معتبرا أن لكل منطقة أولوياتها وخصوصياتها، وبالتالي فإن العرض الوطني للحزب يحتاج إلى ترجمة محلية وجهوية تستند إلى معرفة دقيقة بالمجال.

    العلوي اليزيدي.. الالتحاق بحثا عن سند للمشاريع المحلية

    زهير العلوي اليزيدي، نائب رئيس مجلس جماعة الخميسات، كان الأكثر وضوحا في تفسير هذا الاختيار، فالتحاقه بـ”الجرار” كما قال، لم يبدأ يوم الإعلان عنه، وإنما سبقته لقاءات متعددة مع ممثلي الحزب، سمحت له ولمجموعة من المنتخبين باختبار إمكانية الاشتغال المشترك قبل اتخاذ القرار.

    وقال العلوي اليزيدي إن الممارسة السياسية لا يمكن أن تتم بشكل فردي، وإن المنتخب يحتاج إلى “السند والمواكبة” حتى يستطيع تحويل المشاريع التي يدافع عنها إلى قرارات وتمويلات وشراكات.

    ووضع العلوي اليزيدي البطالة والبنية التحتية في مقدمة الملفات التي يرى أنها تستحق الأولوية بمدينة الخميسات، معتبرا أن معالجة هذه القضايا ستكون ضمن أول ما ينبغي الاشتغال عليه.