التصنيف: رئيسيّة

  • تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    رسم تقرير حقوق مغربي صورة قاتمة بشواطئ مدينة سبتة المحتلة، خلال موجات العبور غير القانوني الأخيرة، التي تحولت إلى مخيمات بدائية مفتوحة يبيت فيها مهاجرون وافدون من جنسيات مختلفة، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة والكرامة الإنسانية.

    وكشفت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ضمن تقريرها بشأن عمليات العبور إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 30 و31 يوليوز و15 غشت 2026، استنادا إلى زيارة ميدانية نفذتها يوم 8 غشت، وشملت أحياء سارشار، والمضربة، والبرنسيبي، وروساليس، وخادو، وبلايا بينيتيز، وبليونش “كورطاديو”، إضافة إلى وسط المدينة وغاباتها.

    أوضاع مأساوية بسبتة

    وعاين أعضاء المنظمة خلال الزيارة أوضاعا إنسانية واجتماعية وصفتها بالمأساوية، تطال بصورة خاصة الأطفال والقاصرين غير المرفقين والنساء والفتيات.

    وجمعت المنظمة شهادات بشأن انتهاكات ومخاطر أمنية وصحية يتعرض لها الأشخاص الموجودون في وضعية عبور.

    وبحسب التقرير، يعاني عدد كبير من الوافدين، وبينهم مغاربة ومصريون ويمنيون وسودانيون ومهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب.

    وزاد قرار إغلاق عدد من المحلات التجارية من حدة الأزمة، فيما أدى تطويق متاجر كبرى بعناصر من الجيش والحرس المدني إلى الحد من قدرة الوافدين على اقتناء حاجياتهم الأساسية.

    أمام هذا الوضع، يوضح التقرير أن كثيرين اضطروا إلى المبيت في الشوارع والأزقة أو داخل فضاءات مكتظة، في ظل غياب مأوى كاف توفره السلطات المحلية، وتحمل سكان محليون من مسلمي ومغاربة سبتة جانبا كبيرا من عبء الاستجابة، إذ فتح بعضهم فضاءات خاصة لإيواء النساء والقاصرات والأطفال.

    وسجلت الوثيقة ذاتها أنه بوصول إمكانات المبادرات المدنية إلى حدودها القصوى، أعلن أحد الفاعلين المحليين، في 13 غشت، عدم قدرته على مواصلة إيواء الوافدين وإطعامهم، بسبب رفض الإدارة المحلية، وفق إفادته، توفير المواد الغذائية والأفرشة والأغطية.

    ويؤوي الفضاء الذي يشرف عليه الفاعل المحلي في حي سيدي امبارك نحو 300 شخص، غالبيتهم من القاصرات والنساء وأطفالهن، ما يثير مخاوف جدية من تعرضهم للتشرد أو الاستغلال والاعتداء.

    وأشارت المنظمة إلى أن صباح دودوح، بدورها، تقدم مساعدة سكان حيها، نحو ألف وجبة يوميا للوافدين من مختلف الجنسيات، كما فتحت منزلها أمام الفتيات من أجل الاغتسال، وتعمل جمعية “لونا بلانكا” بدورها على توفير وجبات غذائية، بالاعتماد على تبرعات شخصيات محلية وموارد الجمعية الذاتية.

    وأشار المصدر ذاته إلى أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تكفي لسد حاجات الأعداد الموجودة في المدينة، إذ رصدت المنظمة تحول عدد من الشواطئ إلى تجمعات عشوائية للإيواء، من دون مرافق صحية أو حماية من الأخطار، بينما ينام آخرون في الغابات أو الفضاءات العامة.

    وضع صحي مقلق وتحريض عنصري

    ويصف التقرير الوضع الصحي بأنه “مقلق جدا”، نتيجة غياب شروط النظافة والسلامة والرعاية الصحية الكافية، وتشمل الفئات الأكثر عرضة للخطر الأطفال والقاصرين غير المرفقين، والنساء والفتيات، والأشخاص الذين يعانون أمراضا أو اضطرابات نفسية، فضلا عمن لا يتوفرون على أي موارد لتأمين الطعام أو المأوى.

    وتزداد قتامة الوضع، وفق التقرير، مع شهادات متقاطعة بشأن تعرض نساء وفتيات لاعتداءات، بعضها ذو طبيعة جنسية.

    ووفق التقرير، جرى الإعلان رسميا عن خمس حالات، قبل أن تتحدث وسائل إعلام محلية في 14 غشت عن 12 حالة.

    وأكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أنها استمعت إلى شهادة تتحدث عن احتمال وصول العدد إلى 30 حالة، لكنها شددت على أنها لم تتمكن من التحقق من صحة هذا الرقم.

    وبالتوازي مع الأزمة الإنسانية، سجلت المنظمة توافد عناصر تنتمي إلى اليمين الإسباني المتطرف، من بينها مجموعة مرتبطة بتنظيم “النواة الوطنية”، إلى جانب زيارة زعيم حزب “فوكس”.

    وبحسب التقرير، ساهمت هذه التحركات في تأجيج خطاب عنصري ضد المهاجرين والأشخاص الموجودين في وضعية عبور، بينما تصدى لها عدد من السكان المحليين من مسلمي ومغاربة سبتة.

    ولم تقتصر التضييقات المرصودة على المهاجرين، فقد أفادت المنظمة بمنع طاقم القناة الثانية المغربية من ممارسة عمله الصحفي داخل المدينة، وحجز معداته ومحاصرته واستفزاز أفراده من طرف عناصر الحرس المدني، مع تسجيل تعرض مراسل موقع “هبة بريس” لاعتداء جسدي، أظهرته صور متداولة.

    تضليل رقمي ووضع اجتماعي معقد

    ووفق المنظمة، فلا تنفصل المأساة الإنسانية داخل سبتة عن حجم موجة العبور التي شهدتها المنطقة في نهاية يوليوز الفائت، فقد تراوحت التقديرات بين نحو 70 ألف شخص، وفق السلطات الإسبانية، و40 ألفا بحسب تصريح لوزارة الداخلية المغربية.

    وبحسب تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ساهم الانتشار الواسع لمقاطع مصورة توثق وصول مهاجرين إلى سبتة في تشجيع أعداد إضافية على خوض المحاولة.

    ولفت إلى تداول حسابات وصفحات عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية وتطبيقات التراسل الفوري محتويات تحث على العبور، بالتزامن مع شائعات عن إمكانية تسوية الوضعية القانونية لمن يصلون سباحة إلى الأراضي الإسبانية.

    ويشير التقرير إلى أن بعض المنشورات قدمت قراءة مضللة لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، وروجت لفكرة أن الواصلين بحرا لن يتعرضوا للإعادة الفورية، ما خلق لدى كثيرين انطباعا بأن الوصول إلى سبتة يمثل طريقا مضمونا نحو الإقامة في إسبانيا.

    غير أن المنظمة أكدت أن العامل الرقمي لا يفسر الظاهرة وحده، إذ إن الرغبة في العبور تغذيها أوضاع اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية معقدة، إلى جانب الصورة الجذابة التي تقدمها المنصات الرقمية عن الحياة في أوروبا، وما تثيره من تطلعات إلى “مستقبل أفضل”، خصوصا لدى الشباب والأشخاص الذين يعيشون أوضاعا هشة.

    أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي

    وتفيد معطيات التقرير بأن أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي من جنسيات مختلفة ربما شاركوا في محاولات العبور إلى سبتة، ينحدرون من السودان واليمن والجزائر وتونس وفلسطين وأفغانستان وبنغلاديش، إضافة إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الساحل.

    وتربط المنظمة استمرار الهجرة غير النظامية بتشديد السياسات الأوروبية لمسارات الهجرة القانونية، وتحويل الحدود إلى فضاءات أمنية مغلقة، إلى جانب الضغوط التي تمارسها أوروبا على دول الضفة الجنوبية للمتوسط والمحيط الأطلسي من أجل حراسة الحدود ومنع المهاجرين من الوصول.

    وتنتقدت ما تعتبره تنصلا أوروبيا من الالتزامات الدولية المرتبطة بحماية حقوق الإنسان على الحدود، وحظر الطرد الجماعي، وتوفير مسارات قانونية وآمنة ومنظمة للهجرة، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للأشخاص الأكثر هشاشة، انسجاما مع الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية المعتمد سنة 2018.

    وفي مواجهة الخطاب الإسباني الذي وصف موجة العبور بأنها “غزو”، يشدد التقرير على أن محاولات الوصول إلى سبتة ومليلية ليست ظاهرة جديدة، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شكلت المدينتان وجهة لمحاولات عبور متكررة انتهى عدد منها بسقوط ضحايا وانتهاك الحق في الحياة.

    ويستحضر التقرير مأساة معبر تراخال سنة 2014، حين توفي 14 مهاجرا خلال محاولة الوصول إلى سبتة، في واقعة ارتبطت باستخدام الحرس المدني الإسباني وسائل ردع ضد الموجودين في البحر، وأثارت حينها جدلا حقوقيا واسعا بشأن مسؤولية السلطات الإسبانية.

    حواجز جديدة ومسارات أخطر

    بعد موجة العبور الأخيرة، أقامت إسبانيا، وفق التقرير، حواجز عائمة قبالة معبر تراخال تمتد لنحو 500 متر، بهدف عرقلة محاولات الوصول سباحة، امتدادا لسياسة تشييد الأسوار وتركيب كاميرات المراقبة وأنظمة الإنذار على الحدود وفي المسارات المؤدية إلى جزر الكناري.

    غير أن هذه الإجراءات لم توقف عمليات العبور، فمنذ أحداث سبتة وحتى تاريخ إعداد التقرير، تمكن مئات المهاجرين من بلوغ الأراضي الإسبانية بطرق غير نظامية؛ بعضهم انطلق من السواحل الجزائرية في اتجاه جزر البليار، فيما سلك آخرون طريق الأطلسي نحو جزر الكناري، انطلاقا من سواحل جنوب المغرب أو من دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل.

    وتحذر المنظمة من أن تشديد المراقبة وإقامة المزيد من الأسوار والحواجز لا يؤديان بالضرورة إلى تراجع الهجرة، بل يدفعان المهاجرين وشبكات التهريب إلى البحث عن مسالك أطول وأكثر خطورة، بما يرفع احتمالات الغرق والموت في البحر.

    من تشخيص الأزمة إلى المطالبة بالتدخل

    وانتقل تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان من تشخيص الأزمة إلى تقديم حزمة من التوصيات، انطلاقا من اعتبار الهجرة والعبور قضية حقوق إنسان في المقام الأول، وليست مجرد ملف أمني أو تدبير ظرفي للحدود.

    وفي مقدمة التوصيات، دعت المنظمة إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لمنع فقدان الأرواح خلال محاولات العبور أو أثناء التدخلات الميدانية، مع الالتزام الصارم بمبدأي “الضرورة والتناسب” عند استعمال القوة.

    وشددت على ضرورة توفير آليات فعالة وسريعة للإنقاذ والإغاثة والاستجابة الإنسانية، مع تحديث نقاط التدخل قرب مراكز العبور وتنويعها، بما يسمح بالوصول السريع إلى الأشخاص المعرضين للغرق أو الإصابة.

    وخصص التقرير حيزا مهما للأطفال والقاصرين غير المرفقين، باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضا للخطر، وطالب بتوفير حماية عاجلة لهم، وضمان استفادتهم من الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية.

    ودعا إلى حمايتهم من جميع أشكال الاستغلال والاتجار بالبشر، واحترام مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” في كل القرارات المرتبطة بوضعيتهم، بما يشمل حق الطفل في الاستماع إليه، والطعن في القرارات التي تمسه، والاستفادة من الرعاية الاجتماعية والنفسية الملائمة.

    وطالبت المنظمة كذلك بوضع برامج لإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي، شريطة أن تستند إلى تقييم فردي يحفظ سلامة الطفل ومصلحته الفضلى، بدل اعتماد الإعادة الآلية حلا وحيدا.

    تحقيقات مستقلة وجبر ضرر الضحايا

    على مستوى المساءلة القانونية، دعت المنظمة إلى فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات الوفاة والإصابة، وفي الادعاءات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، سواء في الجانب المغربي أو في سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية.

    وشددت على ضرورة الإعلان عن نتائج هذه التحقيقات للرأي العام، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة والإنصاف، فضلا عن جبر الأضرار وفق المعايير القانونية والحقوقية المعمول بها.

    وطالبت المنظمة باحترام جميع الضمانات القانونية والإجرائية عند اتخاذ قرارات الإرجاع أو الإعادة، وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان والتشريعين المغربي والإسباني.

    وأوصت بتمكين الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية من الوصول إلى إجراءات اللجوء، وتوفير المساعدة القانونية والترجمة والمواكبة الحقوقية لهم، مع دراسة كل حالة بصورة فردية وعدم اللجوء إلى الطرد الجماعي أو الإعادة القسرية.

    ملاحقة شبكات الاتجار والتهريب

    وحذرت المنظمة من احتمال استغلال شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين للأشخاص الموجودين في أوضاع هشة، داعية السلطات المغربية والإسبانية إلى تعزيز التعاون من أجل تفكيك هذه الشبكات وملاحقة المتورطين فيها قضائيا.

    وفي مقابل المقاربة الزجرية، طالبت بإطلاق برامج وقائية وحملات إعلامية تشرح مخاطر العبور غير الآمن والهجرة غير النظامية، وتقدم معلومات دقيقة بعيدا عن التخويف أو الوصم.

    واعتبرت المنظمة أن المحتويات الرقمية المضللة أدت دورا مباشرا في تغذية موجة العبور، خصوصا في أوساط الشباب والقاصرين، موصية بإطلاق حملات توعوية تستند إلى معلومات واضحة وموثوقة، وتعزيز التربية الرقمية وقدرة الشباب على التحقق من الأخبار والمقاطع المتداولة.

    ودعت إلى إشراك المجتمع المدني والمؤسسات الرقمية ووسائل الإعلام الوطنية في جهود الوقاية، بما يساعد على تفكيك الشائعات والوعود الزائفة التي تقدم العبور باعتباره رحلة سهلة أو طريقا مضمونا نحو الإقامة القانونية في أوروبا.

    معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية

    وترى المنظمة أن أي معالجة لا تتجاوز الحلول الأمنية والظرفية ستجعل موجات العبور الجماعي حدثا قابلا للتكرار، ولهذا طالبت بمكافحة الهدر المدرسي وضمان التعليم الجيد، وتوفير فرص الشغل للشباب، واعتماد سياسات عمومية تعزز العدالة الاجتماعية والمجالية.

    وأوصت بوضع برامج اقتصادية موجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، مع قياس أثرها الفعلي على حياتها، وإطلاق برامج تنموية استعجالية لفائدة النساء والشباب في مدينتي الفنيدق والناظور، باعتبارهما من أكثر المناطق ارتباطا بمسارات العبور نحو سبتة ومليلية.

    ودعت إلى تبني مقاربة شمولية تعالج الأبعاد الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية للهجرة الخطرة، بدل اختزالها في إجراءات مراقبة الحدود.

    أولوية الغذاء والمأوى والحماية

    أما في ما يخص الوضع داخل مدينة سبتة المحتلة، فقد طالبت المنظمة بتدخل عاجل لتوفير الغذاء ومياه الشرب والإيواء والاحتياجات الأساسية لجميع الموجودين في وضعية عبور، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والفتيات.

    ودعت إلى ضمان الولوج العادل والفعلي إلى الرعاية الصحية والنفسية والخدمات الطبية، واتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والأطفال والقاصرين من العنف والاستغلال والاتجار المحتمل بالبشر.

    كما طالبت بفتح تحقيق قضائي مستقل بشأن جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف والاعتداءات الجنسية وغير الجنسية، خاصة الحالات الموثقة. ودعت أيضا إلى التحقيق في مضمون الشهادات المتقاطعة التي تحدثت عن إغلاق محلات تجارية بصورة متعمدة ومنسقة بهدف حرمان الوافدين من الغذاء والماء.

    وفي مواجهة تصاعد الخطاب العنصري، دعت المنظمة إلى وقف الحملات الدعائية التي تغذي التمييز والكراهية تجاه المهاجرين والأشخاص الذين عبروا إلى سبتة ومليلية، ومواجهة التحركات التي تستغل الأزمة الإنسانية للتحريض ضدهم.

    وطالبت الجهات المشرفة على التدبير الإداري لمدينة سبتة بتقديم دعم عاجل للجمعيات والفعاليات المدنية المحلية التي تحملت عبء الإيواء والتغذية والرعاية، بما يضمن استمرار خدماتها وعدم انهيار المبادرات التطوعية بسبب نقص الموارد.

    وشددت على ضرورة فتح مراكز إيواء كافية وآمنة لاستقبال النساء والأطفال والقاصرين، سيما غير المرفقين منهم، في ظروف تحفظ كرامتهم وتحميهم من التشرد والعنف والاستغلال.

  • غيوم فوق العلاقات المغربية الإسبانية.. شراكة المصالح في مواجهة اهتزاز الثقة

    غيوم فوق العلاقات المغربية الإسبانية.. شراكة المصالح في مواجهة اهتزاز الثقة

    أضرت أزمة سبتة بشكل كبير بالثقة المتبادلة بين المغرب وإسبانيا، وأعادت ملفات السيادة والهجرة والتعاون القضائي إلى الواجهة، لكن المصالح الاقتصادية والأمنية تجعل استمرار التوتر أو الأزمة الصامتة خيارا بالغ الكلفة.

    وبصرف النظر عن الأسباب المباشرة وغير المباشرة لما حدث، يوشك تاريخ 30 يوليوز 2026 أن يحتل موقعا بارزا ضمن أكثر المحطات قتامة في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية في السنوات الأخيرة، بعد مشاهد العبور الجماعي نحو سبتة، والتي أضحى من الصعب القول إن العلاقات بين البلدين ستعود سريعا إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.

    وسيكون المغرب وإسبانيا مطالبين بالبحث عن سبل للتفاهم، بحكم تقارب حدودهما، وتشابك مصالحهما الاقتصادية والأمنية، وحجم الروابط البشرية بينهما، فضلا عن التزامهما بتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 إلى جانب البرتغال.

    وأظهرت الأزمة الأخيرة أن ما كان يوصف بـ”وسادة المصالح” لم يكن كافيا لمنع التوتر، غير أن فشل هذه المصالح في منع الأزمة لا يعني أنها فقدت دورها في احتوائها، فالدولتان والمؤسسات الاقتصادية على ضفتي المضيق ستواصل التعاون، حتى في ظل مرحلة يغلب عليها الحذر.

    من العالم الافتراضي إلى ملعب السياسة

    وفق التقديرات الإسبانية، دخل بين 72 و80 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي، بينما تحدثت وزارة الداخلية المغربية عن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات الوصول إلى سبتة.

    أما الحصيلة البشرية، فظلت متحركة، فحتى 15 غشت، بلغ عدد الوفيات المؤكدة وفق السلطات والإسبانية أكثر من 80 وفاة على الأقل، و14 وفاة وفق آخر تحديث رسمي مغربي، بينما قدمت منظمات غير حكومية تقديرات أعلى، وبحلول 14 غشت، كان بين 3 و5 آلاف شخص، وفق الرواية الإسبانية، لا يزالون داخل سبتة، بعدما عاد أغلب الذين عبروا إلى المغرب.

    وقدمت الرباط تفسيرا متعدد العوامل لما حدث؛ ففي أول موقف رسمي مفصل، ربطت وزارة الداخلية المغربية التحركات بالاستغلال المكثف للفضاء الرقمي، وانتشار معلومات مضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لقرارات قضائية وإدارية إسبانية.

    ويأتي في مقدمة تلك القرارات حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، قضى بعدم جواز تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، بسبب عدم عبورهم حاجزا حدوديا ماديا.

    وانتشرت على شبكات التواصل قراءات مضللة للحكم، قدمته باعتباره فتحا فعليا للحدود البحرية، ما ساهم في رفع أعداد الراغبين في العبور، كما كشفت تحقيقات صحفية لاحقة أن الأجهزة الإسبانية تلقت تحذيرات مسبقة من نقابات أمنية بشأن تصاعد محاولات الوصول عبر البحر، لكنها لم تتوقع الحجم الاستثنائي الذي بلغته التحركات يومي 30 و31 يوليوز.

    ويؤكد نبيل دريوش، مؤلف كتاب “العلاقات المغربية – الإسبانية: الجوار الحذر”، أن الأزمة الحالية مؤشر على تحول في طريقة التنظيم للهجرة في حد ذاته، إذ إن الوسائل الرقمية والشبكات الاجتماعية أضحت تلعب دورا في تعبئة المرشحين للهجرة غير النظامية في ظرف ساعات قليلة.

    ما يميز الأحداث الأخيرة بالنسبة لدريوش أن الدعوة كانت سريعة وكذلك الاستجابة عكس الدعوات السابقة التي كانت تتطلب أياما وتمنح فرصة للأجهزة الأمنية لإحباطها، وأعداد المتقاطرين على الحدود مع سبتة كانت كبيرة بدورها بسبب فترة الصيف ووجود أعداد كبيرة منهم بالشريط الساحلي في التوقيت نفسه، ما أعطى لهذه الأحداث زخما خاصا.

    ويبرز في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الحادث يكشف لنا مرة أخرى أن المغرب يواجه حربا رقمية خارجية هدفها المس باستقراره والإضرار بصورته الخارجية، مضيفا أن هذه الجهات كانت متحفزة ودخلت على الخط في توقيت معين لمزيد من الترويج للخبر المضلل، الذي حمل الناس على الدخول إلى سبتة المحتلة على اعتبار أن الحدود  مع المدينة مفتوحة.

    أزمة هجرة أم أزمة سياسية؟

    رغم الطبيعة الظاهرة للأحداث والمتمثلة في الهجرة، فإن تداعياتها سرعان ما اكتسبت طابعا سياسيا ودبلوماسيا، فقد وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ما وقع بأنه انتهاك لوحدة وسلامة الأراضي الإسبانية، متعهدا بتعبئة موارد الدولة لضمان الأمن في سبتة، غير أن مدريد حرصت في الأيام الأولى على الإشادة بالتعاون المغربي في إعادة أغلب الوافدين واحتواء الوضع.

    ويلخص هذا التداخل بين خطاب الإدانة والإشادة بالتعاون طبيعة العلاقة بين البلدين، والتي تتسم بتوتر سياسي عند الأزمات، يقابله إدراك سريع بأن تجاوزها لا يمكن أن يتم من دون التنسيق بين الرباط ومدريد.

    وجاءت أحداث سبتة في سياق دبلوماسي إقليمي دقيق، ففي 20 يوليوز، أي قبل الأزمة بعشرة أيام، زار سانشيز الجزائر لإعادة تنشيط العلاقات السياسية والاقتصادية والطاقية بين مدريد والجزائر، في أول خطوة بهذا المستوى منذ أزمة العلاقات التي اندلعت سنة 2022 بسبب موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية.

    بالنسبة إلى الرباط، لا يمثل تحسين العلاقات بين إسبانيا والجزائر مشكلة في حد ذاته، ما دام لا يتم على حساب المصالح المغربية أو الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، لكن تزامن الزيارة مع الأزمة أعاد طرح أسئلة حول التوازن الذي تسعى مدريد إلى بنائه في المنطقة المغاربية.

    ويرى دريوش أن وصف المسؤولون الإسبان القضية بـ”الهجوم على السيادة”، كان اتهاما مبطنا للمغرب، الذي رد بدوره بتشبثه بمطالبه التاريخية بالمدينتين (سبتة ومليلية)، مؤكدا أن هذا التصعيد “نقلنا سريعا إلى مواجهة سياسية بين البلدين عوض تدبير تدفق مهاجرين عبر الحدود”.

    سبتة ومليلية في الواجهة

    بعد أيام من الأزمة، أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي طرح مطالبة المغرب بالسيادة على سبتة ومليلية، مؤكدا أن الرباط تثير هذا الملف في حواراتها مع مدريد وتسعى إلى معالجته عبر الحوار الهادئ على المدى الطويل.

    وردت الحكومة الإسبانية بأن وضع المدينتين وسيادتها عليهما غير قابلين للنقاش، وأعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية أن أي مساس بسبتة أو مليلية سيعد مساسا بإسبانيا بكاملها.

    ولا يعني تجدد الجدل أن أزمة السيادة دخلت مرحلة تفاوض فعلي، لكنه يكشف أن أحداث 30 يوليوز أعادت أحد أكثر الملفات حساسية إلى صدارة الخطاب السياسي في البلدين، بعدما ظل في السنوات الأخيرة بعيدا نسبيا عن التصريحات الرسمية المباشرة.

    وإلى جانب ملف السيادة، أعلن وهبي أن وزارة العدل تدرس إمكانية تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا، بسبب ما تعتبره الرباط اختلالا في مبدأ المعاملة بالمثل وتعثر تنفيذ بعض طلبات التسليم المغربية.

    ويوضح صاحب كتاب “العلاقات المغربية الإسبانية: الجوار الحذر”، أن القراءة الإسبانية لأحداث 30 يوليوز قادت سريعا للتوتر، لاسيما أن الإعلام الإسباني شن حملة قوية ضد المغرب منذ اللحظة الأولى، وروج للكثير من السيناريوهات التي تدور كلها في فلك المؤامرة.

    ويؤكد دريوش أن التعامل غير اللائق مع فريق القناة الثانية كان تعبيرا عن أزمة ورفض إسباني لوجود كل ما هو رسمي مغربي بسبتة، والخوف وعقلية المؤامرة تحكمت في تصرف الإسبان، لذلك لم يلق منع فريق القناة الثانية أي اعتراض من طرف الإعلام الإسباني، ليرد المغرب بالمثل عبر طرد القنوات الرسمية الإسبانية ممثلة في وكالة “إيفي” والتلفزيون الرسمي.

    ويشدد على أن هذا الوضع يؤشر على أننا أمام أزمة سياسية عميقة لم تتخذ شكل أزمة دبلوماسية لأن الطرفين فضلا الإبقاء على شعرة معاوية لحسابات خاصة بكل طرف منهما.

    لا قطيعة ولا عودة سريعة

    على الرغم من ارتفاع حدة الخطاب، ظلت قنوات الاتصال الرسمية مفتوحة، وتعاون البلدان في تنظيم عودة أغلب الذين عبروا، كما أعلن المغرب استعداده، بناء على تعليمات ملكية، للتعاون في تحديد هويات القاصرين غير المصحوبين ودراسة إعادتهم وفق الإجراءات القانونية.

    وتحولت الأزمة بذلك إلى اختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة البلدين على احتواء التداعيات الأمنية والإنسانية، واختبار لمتانة الشراكة التي قدمتها الحكومتان خلال السنوات الأخيرة باعتبارها نموذجا للاستقرار.

    ففي دجنبر 2025، انتهى الاجتماع المغربي الإسباني الثالث عشر رفيع المستوى بتوقيع 14 اتفاقا للتعاون، وتعد إسبانيا منذ سنة 2012 الشريك التجاري الأول للمغرب.

    ويتجاوز حجم المبادلات التجارية بين البلدين 22.5 مليار يورو سنويا، كما توجد في المغرب أكثر من 350 شركة إسبانية تنشط في مجالات الصناعة والطاقة والبنيات التحتية والأبناك والتكنولوجيا.

    ويضاف إلى ذلك وجود جالية مغربية كبيرة في إسبانيا، وتشابك التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وترابط سلاسل الإنتاج، فضلا عن التنظيم المشترك مع البرتغال لـ”كأس العالم 2030″.

    ولا تمنع هذه المصالح نشوب الأزمات، لكنها تجعل القطيعة مكلفة للطرفين. ومن المرجح لذلك أن تتحول العلاقات خلال المرحلة المقبلة من خطاب الشراكة المتفائل إلى إدارة أكثر حذرا وبراغماتية، تقوم على التفاوض الصعب بدل الاطمئنان إلى استقرار دائم.

    وفي قراءة لهذا الوضع المتأرجح، يقول دريوش في حديث للجريدة: “قبل عشر سنوات عنونت كتابي الأول حول هذا الموضوع بـ”الجوار الحذر” لأنه بعد سنوات طويلة من الاشتغال على هذا الموضوع والعيش بين إسبانيا والمغرب أدركت أن العلاقات بين البلدين أصبحت تنقسم إلى دائرتين، دائرة التعاون والتي تطورت بشكل كبير منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وانضافت إليها ملفات جديدة وقتها مثل الهجرة ثم الإرهاب وانفتاح المقاولات الإسبانية على محيطها الخارجي وصولا لتنظيم مشترك للمونديال المقبل، وملفات للصراع ما زالت مفتوحة منها قضية الصحراء التي كانت سببا في أزمة 2021 وملف سبتة ومليلية والجزر المتوسطية التي كانت سببا في أزمتي 2002 و2007″.

    وذكر المتحدث عينه بأن ملفات التعاون كانت تتحول في بعض اللحظات إلى ملفات للصراع مثل الهجرة أو الصيد البحري، وأحيانا تكون مجرد أوراق ضغط لتليين المواقف في ملفات الصراع، موضحا “لذلك قلت أن هذا الوضع يخلق لنا نوعا من الحذر الدائم”.

    غير أن نبيل دريوش يشدد على أن الأمر الأساسي هو تذويب الملفات الخلافية في شبكات قوية من المصالح، مسترسلا “طبعا هذا يتطلب وقتا طويلا، وأظن أن المغرب عليه إيلاء أهمية أكبر للتواصل داخل إسبانيا، فلحدود الساعة لم تنجز أمور كثيرة في هذا الباب، وفق ما أعتقده”.

    التقارب المغربي الأمريكي وقلق مدريد

    يعد المغرب حليفا رئيسيا لواشنطن من خارج حلف شمال الأطلسي، ويرتبط معها بخريطة للتعاون الدفاعي تمتد إلى سنة 2030، فيما تمثل مناورات “الأسد الإفريقي” أبرز تجليات التنسيق العسكري بين البلدين.

    وإلى جانب البعد الأمني، جددت واشنطن في يوليوز 2026 اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمها لمقترح الحكم الذاتي، بما يوفر للرباط سندا سياسيا لا تمنحه لها أي قوة غربية أخرى بالمستوى نفسه.

    ومن زاوية مغربية، يوسع هذا التقارب هامش الحركة الدبلوماسية للرباط ويقلص حاجتها إلى المرور عبر العواصم الأوروبية لتثبيت مواقفها.

    أما قلق مدريد، فلا يصدر عن وجود تحالف أمريكي موجه ضد إسبانيا، بل عن تغير ميزان النفوذ في غرب المتوسط؛ فالمغرب أصبح يدخل الملفات الإقليمية والخلافية بوزن تفاوضي أكبر، بينما تخشى إسبانيا تراجع دورها التقليدي باعتبارها أحد أهم جسور الرباط نحو أوروبا.

    وقد أسهم الاعتراف الأمريكي بالصحراء في تشكيل البيئة الإقليمية التي تحرك داخلها لاحقا الموقف الإسباني، عندما اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”لتسوية النزاع، من دون وجود دليل معلن على أن هذا التحول جاء نتيجة ضغط مباشر من واشنطن.

    في هذا السياق، يسجل دريوش الانزعاج الكبير لليمين الإسباني من التقارب بين الرباط وواشنطن، الذي يراه تهديدا مباشرا لإسبانيا، وعبر عن ذلك في عدة مناسبات، مع تحميل مسؤولية ذلك للحكومة الاشتراكية التي اصطفت ضد الحرب على إيران وحرب إسرائيل بقطاع غزة، ما جعلها تواجه تيارات اليمين المتطرف في العالم الغربي.

    ويؤكد الخبير أن المغرب شكل بديلا بالنسبة للإدارة الأمريكية التي لوحت بطريقة غير مباشرة بإمكانية نقل القواعد العسكرية الأمريكية بجنوب إسبانيا إلى المغرب، ولا يجب أن ننسى أن المغرب هو الحارس الجنوبي لمضيق جبل طارق”.

    بالصدد ذاته، أشار المتحدث إلى أن الكونغرس أشهر أوراق تهديد ناعمة لإسبانيا باستعمال ورقة سبتة ومليلية في عدة مناسبات، رغم أن الإدارة الإمريكية في ذروة الأزمة الأخيرة أعادت التأكيد على سيادة إسبانيا على سبتة وميليلة، مشددا على أنه “في اعتقادي، فإنها فعلت ذلك إرضاء لليمين المتطرف بإسبانيا وليس للحكومة الإسبانية”.

    ما بعد الأزمة

    لن تنتهي العلاقات المغربية الإسبانية بسبب أزمة سبتة، لكنها لن تعود بسهولة إلى خطاب “المرحلة الذهبية” الذي طبع السنوات الأخيرة، سيما بعدما تضررت الثقة، وعادت ملفات السيادة والتعاون القضائي والهجرة إلى الواجهة، وأصبح كل قرار تتخذه مدريد خاضعا لتدقيق أكبر في الرباط.

    وفي المقابل، ستراقب إسبانيا عن كثب كل تحول في تدبير الحدود والخطاب المغربي بشأن سبتة ومليلية، وستكون مهمة الدبلوماسية في البلدين منع هذه الملفات من الاندماج في أزمة واحدة يصعب التحكم فيها.

    وتفرض المرحلة المقبلة إعادة بناء آليات التنسيق الأمني والإنذار المبكر، وتوضيح التزامات كل طرف في ملفات الهجرة والقاصرين وتسليم المطلوبين، والحفاظ على قنوات سياسية قادرة على احتواء الخلافات قبل انتقالها إلى المجال العام.

    ويؤكد نبيل دريوش أن الأزمة الحالية مست شيئا مهما تقوم عليه العلاقات  الثنائية، وهو الثقة، التي أصبحت مهتزة الآن، وصورة المغرب بإسبانيا اليوم سيئة، ويجب أن نعترف بذلك، مثلما أن الخطاب المغربي أضحى شبه مرفوض في وسائل الإعلام الاسبانية مقابل منح مساحات كبيرة لخصوم المغرب ليمرروا المغالطات، وهو واقع مؤسف لا يمكن إلا أن نلوم أنفسنا عليه”.

    وشدد الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية أنه وجب اليوم الاشتغال بجد ووضع استراتيجية واضحة المعالم لإغلاق هذا الجرح المفتوح واستعادة الثقة المفقودة، وأعتقد أنه مازال هناك هوامش للقيام بذلك.

  • قانون الحيوانات الضالة في المغرب.. ماذا يفرض القانون 19.25 ولماذا يواجه الرفض؟

    قانون الحيوانات الضالة في المغرب.. ماذا يفرض القانون 19.25 ولماذا يواجه الرفض؟

    ظل تدبير الحيوانات الضالة في المغرب مرتبطا بما يحدث بعد وصولها إلى الشارع، من شكايات انتشار الكلاب، ومخاوف من العض والأمراض، غير أنه في الجهة المقابلة تبرز مبادرات فردية وجمعوية لإطعام الحيوانات وعلاجها والدفاع عن حمايتها من القتل والإيذاء.

    وتغيرت المعادلة اليوم إذ لم يعد التدبير يبدأ بالحيوان الموجود في الشارع فقط، بل يعود إلى مالكه، ويمتد إلى المواطن الذي يتعامل معه والجمعيات والجماعات ومراكز الرعاية، ضمن منظومة جديدة تحاول الانتقال من معالجة وجود الحيوانات الضالة بعد انتشارها إلى التحكم في مصادر الظاهرة وتكاثرها وتتبعها.

    هذا التحول يحمله القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، الذي صدر في العدد 7533 من الجريدة الرسمية، بعد استكمال مساره التشريعي.

    ويجمع النص بين مستويين؛ الأول وقائي، يقوم على التصريح بالحيوانات المملوكة وترقيمها ومنع شرودها، والثاني يتعلق بما يحدث بعد وصول الحيوان إلى الفضاء العام، من الجمع والرعاية والتلقيح والتعقيم إلى إمكانية إعادته إلى وسط ملائم وتتبع وضعيته رقميا، وفي المقابل، يرتب مسؤوليات وعقوبات على المالك والمواطن ومراكز الرعاية، ويجرم القتل غير المبرر والتعذيب والإيذاء.

    غير أن هذه المقاربة أثارت بدورها نقاشا، خصوصا حول تنظيم إطعام الحيوانات الضالة وعلاجها وإيوائها، وحدود تدخل المواطنين والمتطوعين.

    الإطعام لم يمنع مطلقا لكنه لم يعد خارج التنظيم

    كانت المادة الخامسة من القانون رقم 19.25 من أكثر مقتضيات النص إثارة للنقاش، بالنظر إلى ارتباطها بممارسات يومية يقوم بها مواطنون ومتطوعون وجمعيات، من إطعام القطط والكلاب الضالة إلى علاج الحيوانات المصابة أو إيوائها.

    وتنص الصيغة النهائية للمادة على أنه لا يجوز لأي شخص رعاية حيوان ضال، سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه، إلا وفق أحكام القانون ونصوصه التطبيقية.

    والتمييز هنا ضروري، لأن القانون لا يقرر منعا مطلقا لإطعام الحيوانات الضالة أو علاجها وإيوائها، وإنما يخضع هذه الممارسات لإطار قانوني.

    ويرتب القانون في المقابل، غرامة تتراوح بين 500 و2000 درهم عندما تتم في الفضاءات العامة خلافا لأحكامه.

    كما أن الصيغة النهائية جاءت بعد نقاش تشريعي حول المقتضى، انتهى بإضافة عبارة “إلا وفق أحكام هذا القانون ونصوصه التطبيقية”، بعدما كانت الصيغة السابقة أكثر تشددا في منع الرعاية والإيواء والإطعام والعلاج.

    وفي الاتجاه المقابل، لا يتعامل النص مع الحيوان الضال باعتباره مصدر خطر فقط، بل ينص صراحة على حمايته من الأمراض الخطيرة أو المعدية، ومن القتل غير المبرر والتعذيب والعنف والإيذاء بكل أشكاله. كما يسمح بالتبليغ عن وجوده، خصوصا عندما يكون في وضع يهدد صحته أو صحة المواطنين وسلامتهم.

    المالك أول حلقة في التدبير

    أحد أبرز التحولات التي يحملها القانون هو نقل جزء من المسؤولية إلى مرحلة تسبق تحول الحيوان إلى حيوان ضال.

    ويعرف القانون الحيوان الضال باعتباره كل حيوان يوجد في أحد الفضاءات العامة، بشكل دائم أو مؤقت، دون سيطرة ورقابة مالكه أو حارسه، وهو تعريف يجعل فقدان السيطرة على الحيوان عنصرا أساسيا في تحديد وضعيته.

    وانطلاقا من ذلك، يلزم المالك باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحيوان ومنع أسباب شروده أو وجوده في الفضاء العام دون مراقبة، ويفرض عليه التوفر على دفتر صحي والتصريح بكل حيوان يوجد في ملكيته عبر منصة إلكترونية.

    ويمنح الحيوان بعد التصريح رقما تعريفيا يسمح بالتعرف عليه وعلى مالكه، مع إلزام الأخير باتخاذ التدابير الضرورية لضمان حمل الحيوان لهذا الرقم بصورة دائمة.

    ولا يتعلق الأمر بإجراء إداري ينتهي بمجرد التسجيل، إذ يفرض القانون تحيين المعلومات المرتبطة بالحيوان، والتصريح بانتقال ملكيته إلى شخص آخر داخل 24 ساعة، كما يلزم المالك بالتصريح بفقدانه داخل أجل أقصاه ثلاثة أيام، ثم تحيين بياناته إذا تم العثور عليه.

    ويظهر أثر هذه المنظومة عندما يصل الحيوان المفقود إلى أحد مراكز الرعاية، فإذا تبين أنه مصرح به، يتم إشعار مالكه لاسترجاعه داخل أجل عشرة أيام، مع تحمله تكاليف رعايته خلال فترة الإيواء، وإذا لم يتسلمه داخل الأجل المحدد، يعتبر الحيوان متخلى عنه.

    أما التخلي الإرادي، فيخضع بدوره لمسار محدد، إذ يتعين على المالك إيداع الحيوان لدى أحد مراكز الرعاية مقابل وصل، بدل تركه في الشارع.

    ويحاول هذا المسار معالجة أحد مصادر الظاهرة من بدايته، عبر ربط الحيوان بمالكه، وتتبع انتقاله أو فقدانه، وترتيب المسؤولية عندما يترك دون رقابة أو يتم التخلي عنه.

    من جمع الحيوانات إلى التحكم في التكاثر

    إذا كانت مسؤولية المالك تمثل المستوى الأول من التدخل، فإن المستوى الثاني يبدأ عندما يصبح الحيوان ضالا، وهنا يمنح القانون مراكز الرعاية دورا يتجاوز جمع الحيوانات وإبعادها عن الشوارع.

    وتتولى المراكز المحدثة على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة رصد الحيوانات الضالة وجمعها ونقلها، ثم ترقيمها وتقييم حالتها الصحية والسلوكية، إلى جانب إطعامها وعلاجها وتلقيحها ضد الأمراض الخطيرة أو المعدية.

    غير أن المقتضى الأكثر ارتباطا بالتحكم في أعداد الحيوانات يوجد في إلزام هذه المراكز باعتماد أساليب علمية ومبتكرة للحد من التكاثر، خصوصا بالنسبة إلى القطط والكلاب.

    ويتيح القانون إرجاع الحيوانات، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى وسط آخر ملائم، لا سيما بعد تعقيمها وتلقيحها وترقيمها، كما يمكن تسليم الحيوان الذي يأويه المركز إلى شخص يرغب في رعايته، بعوض أو بدون عوض، بعد التأكد من قدرته على التكفل به.

    وفي الحالات التي لا يرجى فيها شفاء الحيوان من مرض أو عجز، أو عندما يشكل وجوده خطرا على صحة المواطنين أو سلامتهم أو على صحة حيوان آخر، يسمح القانون باللجوء إلى القتل الرحيم تحت إشراف طبيب بيطري.

    مستغفر: المطلوب تنظيم التضامن مع الحيوان لا تجريمه

    بالنسبة إلى هند مستغفر، الناشطة المغربية في مجال الرفق بالحيوان، يشكل وجود إطار قانوني ينظم الملف خطوة مهمة، خاصة مع إدراج التعقيم والتلقيح والرعاية وتجريم القتل غير المبرر والتعذيب، لكنها تربط نجاح هذه المقتضيات بالطريقة التي ستطبق بها على أرض الواقع.

    وقالت مستغفر لـ”AM+ MEDIA” إن “المبدأ بالنسبة إلينا ليس الاختيار بين سلامة المواطن وحماية الحيوان، لأن الاثنين يمكن أن يتحققا في الوقت نفسه. نحن بحاجة إلى تدبير يقلص أعداد الحيوانات الضالة ويحمي المواطنين من الأمراض والمخاطر، لكن عبر حلول مستدامة وإنسانية تقوم أساسا على التعقيم والتلقيح والتتبع، وليس على جعل الحيوان نفسه مشكلة يجب التخلص منها”.

    وتضع الناشطة في مجال الرفق بالحيوان المادة الخامسة في قلب النقاش الذي رافق القانون، معتبرة أن “تنظيم الإطعام والرعاية يمكن فهمه عندما تكون الغاية حماية الصحة العامة وضمان شروط سليمة، لكن ينبغي ألا يتحول التطبيق إلى معاقبة شخص قدم الماء أو الطعام لحيوان جائع أو حاول إنقاذ حيوان مصاب”، مضيفة أن “المطلوب هو تنظيم التضامن مع الحيوان وليس تجريمه، وهنا ستكون النصوص التطبيقية وطريقة تنزيل القانون حاسمتين”.

    وترى أن فعالية المقاربة الجديدة ستظل مرتبطة بتوفير البدائل التي ينص عليها القانون، مضيفة أن “التعقيم والتلقيح وإعادة الحيوانات المؤهلة إلى محيطها، إلى جانب التبني المسؤول ومراقبة التخلي عن الحيوانات، ويمكن أن يشكل مسارا أكثر استدامة، لكن ذلك يتطلب مراكز مجهزة وأطباء بيطريين وموارد مالية وتعاونا حقيقيا مع الجمعيات التي راكمت تجربة ميدانية في هذا المجال”.

    الجماعات أمام اختبار المراكز والموارد

    ينقل القانون جزءا مهما من مسؤولية التنفيذ إلى الجماعات، بالنظر إلى أن مراكز رعاية الحيوانات الضالة يفترض إحداثها على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة.

    وتعمل هذه المراكز تحت إشراف طبيب بيطري تابع للمكتب الجماعي، وفي حالة عدم وجوده، يمكن إسناد المهمة إلى طبيب بيطري من القطاع الخاص ينتدبه رئيس المجلس الجماعي بموجب عقد.

    ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير فضاء لإيواء الحيوانات، لأن الاختصاصات التي يحددها القانون تشمل الجمع والنقل والتقييم الصحي والعلاج والتلقيح والتعقيم والترقيم وإمكانية الإرجاع أو التسليم للرعاية، وهو ما يجعل توفر الموارد البشرية والبيطرية والتجهيزات جزءا أساسيا من قابلية النموذج للتطبيق.

    ويتيح النص للجماعات الاستعانة بجمعيات المجتمع المدني في بعض اختصاصات المراكز، شريطة أن تكون في وضعية قانونية سليمة، وأن يكون من أغراضها رعاية الحيوانات، وأن تتوفر على الموارد البشرية والمالية والخبرة اللازمة، وتحدد اتفاقية الشراكة طبيعة المهام وآليات المراقبة وكيفية تقديم الخدمات.

    كما يفتح المجال أمام أشخاص القانون الخاص لإنشاء مراكز للرعاية وتدبيرها بترخيص من الجماعة ووفق دفتر تحملات، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، مع إخضاع هذه المراكز للمراقبة وإمكانية سحب الترخيص عند عدم تصحيح الاختلالات المسجلة.

    ومن هذا المنطلق، يوسع القانون دائرة المتدخلين، لكنه يبقي الجماعة في قلب المنظومة باعتبارها الجهة التي ستتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تحويل المقتضيات القانونية إلى خدمات فعلية.

    العقوبات توزع المسؤولية

    إلى جانب تنظيم الرعاية، يعتمد القانون على منظومة زجرية تتدرج بحسب طبيعة المخالفة والجهة المسؤولة عنها.

    ويعرض إيواء حيوان ضال أو إطعامه أو علاجه في الفضاء العام خلافا لأحكام القانون صاحبه لغرامة بين 500 و2000 درهم، بينما تتراوح الغرامة بين ألف و5 آلاف درهم بالنسبة إلى مالك لا يصرح بحيوانه أو لا يتوفر على دفتره الصحي.

    ويرفع القانون الغرامة إلى ما بين 10 و20 ألف درهم بالنسبة إلى من يتسبب عمدا في شرود حيوان أو تركه في الفضاء العام دون سيطرة ورقابة، فيما تصل العقوبة إلى ما بين 50 و300 ألف درهم بالنسبة إلى إحداث أو تدبير مركز لرعاية الحيوانات الضالة دون ترخيص.

    وفي المقابل، يضع النص عقوبات لحماية الحيوان نفسه، إذ يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 5 آلاف إلى 20 ألف درهم، أو بإحدى العقوبتين، من يتعمد قتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذاءه، باستثناء القتل الرحيم الذي يتم وفق الشروط القانونية. وفي حالة العود، ترفع العقوبات إلى الضعف.

    من تدبير الأعداد إلى تتبع الحالات

    لا تكتمل المنظومة الجديدة بالمراكز والعقوبات، إذ يراهن القانون أيضا على الانتقال من التعامل مع الحيوانات الضالة كأعداد موجودة في الشارع إلى تتبع وضعية كل حيوان يدخل مسار الرعاية.

    ولهذا يحدث قاعدة بيانات رقمية خاصة بالحيوانات الضالة، تتولى الإدارة تدبيرها وتقييد وتجميع وحفظ وتحيين البيانات الموجودة فيها.

    وتهدف القاعدة إلى منح رقم تعريفي لكل حيوان ضال، وتتبع وضعيته وتدابير الحماية التي خضع لها، وتحديد المركز المكلف برعايته، فضلا عن توفير البيانات الضرورية لتطوير التدابير الموجهة للحد من انتشار الحيوانات وتكاثرها.

    وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تسمح، من حيث المبدأ، بالانتقال من تدخل منفصل في كل مرة يظهر فيها الحيوان في الشارع إلى بناء معطيات حول مساره: جمعه، حالته الصحية، تلقيحه وتعقيمه، والمركز الذي تكفل به.

    وبجمع هذه المقتضيات، يتضح أن التحول الذي يحمله القانون 19.25 لا يقتصر على فرض غرامات أو تنظيم إطعام الحيوانات الضالة، بل يقوم على محاولة إعادة بناء سلسلة التدبير كاملة، من منع التخلي والشرود من المصدر، وتحديد مسؤولية المالك، وتنظيم الرعاية، والتحكم في التكاثر بالتعقيم، والحد من المخاطر بالتلقيح، إلى ترقيم الحيوانات وتتبعها.

    لكن الجزء الأصعب، وفق متتبعين، يبدأ بعد صدور القانون، فعدد من تفاصيل هذه المنظومة أحيل على نصوص تنظيمية، بما فيها كيفيات منح الرقم التعريفي وحمله ومعايير إنشاء مراكز الرعاية وقواعد الصحة والسلامة المطبقة عليها، لذلك، لن يتحدد أثر القانون فقط بما يتضمنه من التزامات وعقوبات، بل بقدرة الجماعات على توفير المراكز والأطباء البيطريين والموارد اللازمة، وبكيفية تنظيم تدخل الجمعيات والمواطنين، ومدى تحول التعقيم والتلقيح والترقيم من مقتضيات قانونية إلى ممارسة منتظمة.

  • جيل فقد الثقة في الأحزاب.. هل تنجح الشبيبات في إعادته إلى السياسة؟

    جيل فقد الثقة في الأحزاب.. هل تنجح الشبيبات في إعادته إلى السياسة؟

    في انتخابات 2021، كان ثلث الشباب بين 18 و24 سنة فقط مسجلا في اللوائح الانتخابية أي ما يقارب 33.6 في المئة، مقابل أغلبية بقيت خارجها، وهو رقم يتحدث عن علاقة مأزومة بين جيل يتابع السياسة ويناقشها ويحتج على قراراتها، وبين أحزاب لم تعد بالنسبة إلى جزء واسع منه الطريق الطبيعي للمشاركة فيها.

    بدر العيساوي واحد من هذا الجيل، يتابع ما يجري، يناقش القرارات التي تمس مستقبله، ويغضب مثل كثيرين من أبناء سنه، لكنه يتوقف عند عتبة الحزب وصندوق الاقتراع، فهو لا يتبنى خطاب المقاطعة ولا يقدم نفسه خصما للسياسة، فيما حجته أبسط من ذلك هي أنه يؤمن بأنه لن يرى أثرا كافيا لصوته، ولا يجد في البرامج المطروحة ما يقنعه بأن انخراطه سيغير شيئا في حياته أو في حياة جيله.

    خلف موقف بدر، تختبئ فجوة أوسع لشباب حاضر في النقاش العام، لكنه أقل حضورا داخل التنظيمات التي يفترض أن تحول هذا النقاش إلى قرار، شباب يكتب مواقفه على المنصات، ينتقد الحكومة والأحزاب والمنتخبين، ويتفاعل مع كل قضية تمس التعليم والشغل والسكن والحريات، ثم يغيب جزء كبير منه عندما تنتقل السياسة من الشاشة إلى المقر ومن التعليق إلى صندوق الاقتراع.

    هذه هي المفارقة التي تدخل بها الأحزاب انتخابات 2026، لجيل لم يهجر السياسة بقدر ما هجر قنواتها التقليدية، وهنا يصبح الرهان على الشبيبات الحزبية أكثر صعوبة من مجرد استقطاب منخرطين جدد، فيما المطلوب إقناع شباب مثل بدر بأن الحزب يمكن أن يكون مكانا للتأثير وأن العضوية تمنح صوتا فعليا وأن الطريق إلى القرار لا ينتهي دائما عند الوجوه نفسها.

    اللوائح تكشف ما يُؤجَّل في الخطاب

    جيل “زد” ليس جيلا غائبا عن الشأن العام، فهو على المنصات يتابع الأحداث لحظة وقوعها، يناقش السياسات، ويرفع مطالبه من غير وسيط وحين قرر التعبير عن غضبه، لم يطلب من الأحزاب أن تتحدث باسمه غير أن هذا الحضور يتقلص كلما اقترب الموعد من التسجيل أو من يوم الاقتراع.

    وبالفعل، في استحقاق 2021 لم تتجاوز نسبة المسجلين في اللوائح الانتخابية لدى الفئة بين 18 و24 سنة 33.6 في المئة أما الرقم فقد صدر ومرّ، ثم استقر في التقارير كمعطى يُستعاد عند الحاجة.

    ويقدر فاروق المهداوي، المحامي بهيئة الرباط، حضور الشباب في الأصوات المعبر عنها بنحو 8 في المئة، التسجيل عتبة، التصويت عتبة ثانية والجيل يتوقف قبل العتبتين معا في أحيان كثيرة.

    ويقدم المهداوي معطى آخر أقل تداولا، إذ لا توجد شبيبات حزبية إلا لدى نحو 22 حزبا من أصل 35، أي ثلث الخريطة الحزبية تقريبا بلا إطار شبابي أصلا، متسائلا: كيف يُطلب من شاب أن يقترب من تنظيم لم يبنِ له مكانا؟

    المهداوي لا يحمّل الشباب وحدهم وزر هذا الابتعاد، فالأحزاب في تقديره، لم تنجح بما يكفي في تجديد نُخبها ولا في فتح الطريق أمام جيل جديد نحو مواقع القيادة والسلم نفسه يُعاد استعماله، الوجوه نفسها تطول إقامتها، والشاب الذي يدخل التنظيم سرعان ما يكتشف أن حضوره ينتهي عند العمل التنظيمي أو عند تعبئة مناسبة، من غير أن يمتد إلى صناعة القرار.

    الخطاب يصل بعد أن يكون النقاش قد انتهى

    جيل اليوم لا ينتظر النشرة ولا بيان المكتب السياسي، يعيش مع الهاتف ومع المنصات ومع الذكاء الاصطناعي ويصل إلى المعلومة بالسرعة التي تقع بها، يقرأ، ويعلّق، ويقارن، وفي الجهة الأخرى، يصل إليه الخطاب السياسي في الغالب متأخرا؛ مهرجان، أو ذكرى، أو أسبوع حملة، أو لغة ثقيلة، وإيقاع بطيء، وموعد لا يشبه مواعيده.

    النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة نادية بوزندوفة ترى أن الشباب لا يتواصل بسهولة مع الأحزاب لأن التواصل يظل مناسباتيا.

    ترى البرلمانية البامية أن المسؤولية مشتركة والأحزاب مطالبة بأن تكون حاضرة في القضايا التي تشغل هذا الجيل، لا في مواسم الانتخابات وحدها أما الحضور الذي يظهر أسابيع قبل الاستحقاق ثم ينسحب لا يبني ثقة، إنما هذه الأخيرة تُصنع في الأيام العادية أو لا تُصنع.

    وتذهب بوزندوفة إلى أبعد من لغة التواصل، فالشباب في نظرها، يجب أن يكون قوة اقتراح وضغط تدفع الأحزاب إلى إدراج انتظاراته ضمن برامجها وأولوياتها أي أن المطلوب ليس أن يُستدعى الجيل ليصفق بل أن يفرض أجندته غير أن تعديل الخطاب، وحده، لا يكفي إذا بقي التنفيذ على حاله.

    عبقري: ليست فجوة هذا خندق

    صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، يرفض الكلمة الخفيفة، فالحديث عن “فجوة” بين الشباب والسياسة، في تقديره، لا يصف المسافة كما هي فالأمر أقرب إلى “خندق” والأحزاب والسياسيون يتحملون قسطا كبيرا منه.

    الشباب يسمع، يقول عبقري خطابات رنانة ووعودا وبرامج لكنهم لا يرون دائما ما يكفي من النتائج، ومع كل وعد لا يتحقق ومع كل برنامج لا يجد طريقه إلى التنفيذ يتعمق الشك وتتراجع الرغبة في الانخراط وهذا الجيل يقيس السياسة بما وقع، لا بما أُعلن.

    احتجاجات جيل “زد” جاءت على هذه الخلفية، فالابتعاد عن الأحزاب لم يكن ابتعادا عن الشأن العام سيما وأن المطالب كانت هناك، والرغبة في التعبير أيضا لكن خارج المقرات جزء من هذا الجيل وجد في الشارع وفي المنصات مساحة أقرب إلى لغته، وأسرع في نقل ما يريد قوله.

    من بقي في الشارع ومن دخل المقر

    محمد المنصوري من جانبه، يرفض وضع الاحتجاج والانتماء الحزبي على طرفي نقيض، فقد شارك في احتجاجات وهو منخرط في شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، من دون أن يرى في ذلك تناقضا يحتاج إلى تبرير، فبالنسبة إليه الحزب ليس عقد ولاء يمنع الاعتراض، والشارع ليس إعلان قطيعة مع المؤسسات.

    يقول إنه نزل للاحتجاج خلال فترة انخراطه، ولم يتلق عتابا من الحزب، ولم يتصل به أحد لمساءلته عن وجوده هناك، وبالنسبة إليه كان الأمر امتداداً لحقه في اتخاذ موقف من قضايا لا يتفق معها، لا تمرداً على التنظيم الذي ينتمي إليه.

    تجربة المنصوري تضع اليد على واحدة من الصور التي أضرت طويلا بعلاقة الشباب بالأحزاب، أن الدخول إلى التنظيم يعني الدفاع عنه في كل الأحوال، وأن النقد يبدأ خارجه وينتهي بمجرد الحصول على بطاقة العضوية.

    قبل المنصوري بسنوات، انتقل عبدالله عيد من حركة 20 فبراير إلى العمل الحزبي، ولم يكن ذلك بالنسبة إليه تخليا عن فكرة التغيير بل تغييرا في موقع الاشتغال عليها؛ من الشارع، حيث يرتفع المطلب سريعا إلى المؤسسة، حيث يمر عبر التنظيم والتفاوض وموازين القوة قبل أن يجد طريقه إلى القرار.

    مر أكثر من عقد ونصف على احتجاجات 2011، وتراجعت موجة وظهرت أخرى، وانتقل جزء كبير من النقاش السياسي إلى الهواتف، لكن المسافة بين الاحتجاج والتنظيم ظلت قائمة.

    شباب كثيرون وجدوا في المنصات مساحة أرحب من المقرات، وفي التعبير الفردي حرية أكبر من الانضباط التنظيمي، وآخرون مثل عيد والمنصوري اختبروا طريقا أصعب هو حمل الاعتراض معهم إلى داخل الحزب.

    الانتقال من الشارع إلى المقر لا يطفئ الغضب بالضرورة، لكنه يغير شروط التعبير عنه، ففي الشارع تكفي لافتة واضحة ومطلب مباشر داخل الحزب، يدخل المطلب في مسار أطول، تحكمه الهياكل والبرامج والتوافقات وموازين القرار وهنا لا يعود التحدي أن يرفع الشاب صوته، بل أن يجد لصوته أثرا.

    بعد البطاقة يبدأ الامتحان

    لهذا لا تبدأ أزمة الأحزاب مع الشباب عند باب الانخراط، ولا تنتهي عندما يملأ الشباب قاعة لقاء حزبي، فاستقطابهم هو الجزء الأسهل من معادلة أكثر تعقيدا والأصعب يبدأ في اليوم التالي، عندما تنتهي صور النشاط ويعود التنظيم إلى اشتغاله العادي.

    سلمى أبلحساين، رئيسة المجلس الوطني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تضع تأطير الشباب ومواكبتهم في صلب إعداد نخبة سياسية جديدة.

    وفي تصورها، لا يكفي انتقاد الواقع من خارجه، لأن جزءا من تغييره يمر عبر المشاركة في المؤسسات والتنظيمات التي تنتج القرار، وتقول إن منظمة شباب الحزب تواكب نحو 25 ألف شاب وشابة ممن سجلوا في اللوائح الانتخابية، مع طموح إلى توسيع هذه القاعدة.

    ورغم كل هذه المبادرات، منحت المنصات الرقمية هذا الجيل ما لم يكن متاحا للأجيال السابقة بالقدر نفسه، وهي مساحة للتعبير من دون وسيط حزبي وقدرة على النقد من دون المرور عبر تنظيم وإمكانية بناء جمهور من خارج المؤسسات.

    لذلك لم يعد الحزب يحتكر التأطير ولا النقاش ولا حتى إنتاج الخطاب السياسي، ما بقي في يده هو شيء أكثر صعوبة يكمن في تحويل المشاركة إلى أثر، وفتح الطريق من الرأي إلى القرار.

  • “البام” ينزل بثقله في سيدي سليمان.. والمنصوري: هدفنا ليس المقاعد بل رفع الحيف عن العالم القروي

    “البام” ينزل بثقله في سيدي سليمان.. والمنصوري: هدفنا ليس المقاعد بل رفع الحيف عن العالم القروي

    أبدت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة دعما قويا لمرشح الحزب بإقليم سيدي سليمان، لحسن عواد، خلال اللقاء التواصلي الذي نظم اليوم الإثنين بجماعة زغار، بعدما حرصت فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفوزي لقجع، إلى جانب عدد من قيادات الحزب ومنتخبيه، على الحضور الميداني ومساندة المرشح، في رسالة تؤكد الرهان على كفاءته وقدرته على الدفاع عن قضايا الإقليم وإيصال صوت ساكنته، سيما في العالم القروي.

    وحملت مداخلات القيادات رسائل سياسية قوية، إذ شددت منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، على أن هدف الحزب “ليس البحث عن المقاعد فقط، بل قيادة الحكومة لتغيير الممارسات غير المقبولة ومحاربة الريع ورفع الحيف عن العالم القروي، مؤكدة أن التزامه تجاه المغاربة “ماشي نفاق”.

    وأكدت المنصوري أن “البام” بنى مصداقيته بفضل مناضليه والعمل الدائم والقرب ونزاهته طيلة 18 سنة، وهو ما أعطاه القوة بمختلف الأقاليم، مشيدة بخصال لحسن عواد ونضاله من أجل إقليم سيدي سليمان؛ وهو الإقليم الذي لم يكن مستفيدا من سياسة المدينة، مبرزة أن الإقليم كان أولوية.

    وأوضحت أن “الجرار” قوي بمشروعه وأطره ونضال كوادره الذين يشتغلون ليلا ونهارا بالرغم من الصراعات والهجومات التي عاشها الحزب، مؤكدة أن حب الوطن أقوى من الضربات التي يتلقاها الحزب، وأن التزام الحزب “ماشي نفاق للمغاربة”، والحزب يولي أهمية بالغة للعالم القروي.

    واستعرضت المنصوري بعضا من منجزات الحكومة في مجال العالم القروي، منها تراخيص البناء، وغيرها من برامج التنمية بمحتلف الأقاليم؛ خصوصا القروية.

    وعدّت المنسقة الوطنية للحزب أن المشترك بين قيادات الحزب ومناضليه هو حب الوطن، والهدف ليس البحث عن المقاعد فقط، وإنما قيادة الحكومة لتغيير ممارسات حالية لا تنال رضى الجميع، منها الريع ورفع الحيف عن العالم القروي، وأن التزام مرشحي الحزب ما بعد الانتخابات هو التجاوب مع المواطنات والمواطنين والتواصل الدائم.

    أما عضو القيادة الجماعية، محمد مهدي بنسعيد، فأبرز أن مرشح الحزب بإقليم سيدي سليمان، لحسن عواد، ظل طوال خمس سنوات يترافع عن مشاكل الإقليم ويخدم ساكنته رغم أنه لم يكن نائبا برلمانيا.

    وشدد بنسعيد على أن دعم الساكنة لمرشح “البام” سيمكنه من إيصال صوتها إلى جميع عضوات وأعضاء الحكومة عبر البرلمان.

    من جانبه، دعا عوض المكتب السياسي، فوزي لقجع، إلى تجاوز واقع “مغرب بسرعتين” وبناء مغرب يسير “بسرعة واحدة فائقة السرعة”، انطلاقا من تشخيص دقيق للمشاكل وإشراك الساكنة في صياغة الحلول.

    أكد لقجع أن تشخيص المشاكل في مجموعة من الأقاليم ضروري لمواجهة تحديات “مغرب بسرعتين”، وأن المسؤول بمختلف رتبته يجب أن يشخص المشاكل ويأتي بحلول للوصول إلى مغرب يسير بسرعة واحدة، فائقة السرعة، وأن المغاربة بـ “معقولهم” وأخلاقهم قادرون على تجاوز هذه المشاكل، مع تأكيد ضرورة مشاركة الساكنة في التشخيص وصياغة الحلول لمختلف المشاكل.

    أما رشيد العبدي، رئيس جهة الرباط-سلا-القنيطرة، فاستعرض عددا من المنجزات التي تحققت طيلة السنوات الماضية، مؤكدا أن ساكنة سيدي سليمان تستحق مشاريع تنموية خصوصا في العالم القروي، وأن مجلس الجهة الذي يترأسه قدم عددا من المشاريع، وهي الديناميكية التي ستتواصل بفضل الدعم والرؤية الاستراتيجية لتنمية العالم القروي.

    وأجمع المتدخلون خلال اللقاء التواصلي على الدعم الكامل والتام لترشيح لحسن عواد، مشيدين بمؤهلاته ومساره الميداني في خدمة القضايا التنموية للإقليم.

    وتم أيضا تأكيد التزام حزب الأصالة والمعاصرة بمواكبة الانتظارات المحلية للساكنة القروية، وتنزيل أوراش تنموية حقيقية بالمنطقة ترتكز على مبادئ القرب والعدالة المجالية، معربين عن افتخارهم بالمشاريع التي أطلقها وزراء الحزب على مستوى إقليم سيدي سليمان.

    واختتم اللقاء بتأكيد مرشح الحزب لحسن عواد الاستمرار في النهج الميداني والتواصل المستمر مع مختلف جماعات الإقليم، معربا عن اعتزازه بهذه الثقة القيادية والتفاف الساكنة المحلية حول مشروع الحزب للتنمية والنهوض بالبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية بجهة الرباط-سلا-القنيطرة.

    وإلى جانب حضور قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، شارك في اللقاء التواصلي رئيس قطب التنظيم سمير كودار، ورئيس مجلس جهة الرباط-سلا-القنيطرة رشيد العبدي وصلاح الدين عبقري رئيس منظمة الشباب.

    ويعكس هذا الحضور الثقيل الأهمية الخاصة التي توليها القيادة الوطنية للحزب لإقليم سيدي سليمان ودعم كفاءاته.

  • بعد أزمة سبتة.. مدريد ترفض أي تغيير باستراتيجية الهجرة مع الرباط

    بعد أزمة سبتة.. مدريد ترفض أي تغيير باستراتيجية الهجرة مع الرباط

    تستبعد الحكومة الإسبانية إدخال أي تغيير على سياستها تجاه المغرب، رغم أزمة العبور الجماعي إلى سبتة واستمرار الملفات التي تطرحها الرباط في العلاقات الثنائية وفق معطيات نشرتها صحيفة “إل باييس”.

    وأوضحت الصحيفة، نقلا عن مصادر حكومية، أن مدريد لا تعتزم تعديل أسس تعاونها مع المغرب أو مقاربتها للهجرة أو النبرة العامة لسياستها الخارجية.

    ويشمل الموقف الإسباني الاستمرار في إدارة القضايا القائمة داخل الآليات الحالية، من دون الإعلان عن مبادرة جديدة بشأن مطالب المغرب، فيما تمنح الأولوية في الفترة الحالية لإنهاء تداعيات أزمة سبتة والمحافظة على التعاون مع الرباط.

    وتواصل السلطات الإسبانية جمع المعطيات بشأن دخول نحو 80 ألف شخص إلى سبتة في نهاية يوليوز، وفق الأرقام التي أوردتها الصحيفة، وبشأن ما جرى على الجانب المغربي خلال الساعات الحرجة.

    غير أن مصادر حكومية إسبانية تؤكد لـ”إل باييس” أنه لا توجد حتى الآن أدلة على ارتكاب الرباط خطأ متعمدا، وأن السماح بالمرور لساعات جاء لتفادي مزيد من الوفيات، قبل أن تستعيد السلطات المغربية السيطرة وتمنع محاولات جديدة وتشارك في إعادة عشرات الآلاف.

    لا تغيير في الاستراتيجية أو الخطاب

    ونقلت “إل باييس” عن مصدر من رئاسة الحكومة الإسبانية أن تشخيص ما وقع لم يكتمل بعد، وأن عددا من عناصر الأزمة ما يزال قيد الفحص، غير أن الحكومة الإسبانية لا تتوقع تغييرا في استراتيجيتها، وأن هدفها سيبقى الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من التعاون مع المغرب.

    وتستند مدريد في قرارها إلى ما تعتبره نتائج مباشرة لاستراتيجيتها الحالية، إذ سمح التعاون مع المغرب بمغادرة أكثر من 70 ألف شخص سبتة خلال ساعات قليلة، كما ساعدت السلطات المغربية لاحقا في منع محاولات عبور جديدة وفي عمليات الإعادة السريعة.

    وتصف استراتيجية العمل الخارجي الإسباني للفترة 2025-2028 العلاقات مع المغرب بأنها تمر بـ”أفضل لحظاتها”، على الرغم من أن أزمة سبتة أعادت فتح النقاش داخل إسبانيا.

    وتؤكد “إل باييس” أن رئاسة الحكومة ووزارتي الخارجية والداخلية لا تعتزمان تغيير هذا التوصيف أو اعتماد نبرة أكثر تشددا في المرحلة الحالية.

    الرباط تطلب مساطر أسرع

    أعلنت الرباط استعدادها للعمل مع إسبانيا على تحديد هوية القاصرين غير المصحوبين تمهيداً لإعادتهم إلى المغرب، تنفيذاً لتعليمات ملكية موجهة إلى وزارتي الداخلية والخارجية للتعاون مع الشركاء الإسبان والأوروبيين في هذا الملف.

    وفي الوقت نفسه، دعت الرباط شركاءها، وعلى رأسهم إسبانيا، إلى معالجة العوائق التي تفرضها تشريعاتهم ومساطرهم الإدارية والقضائية.

    ويمتد المطلب المغربي إلى القاصرين الذين تتطلب إعادتهم ملفات فردية، وإلى البالغين الذين ما زالوا في سبتة وتخضع عودتهم لإجراءات تحديد الهوية أو لفحص طلبات اللجوء.

    وكان المغرب قد حمل إسبانيا مسؤولية أحداث سبتة الأخيرة، معتبرا أن قرار المحكمة العليا الإسبانية بشأن رفض إعادة الوافدين سباحة إلى سبتة ومليلية يضعف أحد عناصر التعاون في مراقبة الهجرة.

    وترى الرباط أن الحد من الإعادة المباشرة يقلص أثرها الردعي، فيما ردت وزارة الخارجية الإسبانية بأن الحكم لا يمنع العودة، بل يحدد المسطرة الواجب اتباعها ولا يفتح طريقاً قانونياً للبقاء في إسبانيا.

    مدريد تتمسك بالقواعد القائمة

    أعلن وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن كل من دخل سبتة بصورة غير نظامية ولا يملك حق البقاء سيعود إلى المغرب، كما قال وزير الرئاسة فيليكس بولانيوس إن الأولوية هي تمكين القاصرين من الرجوع إلى أسرهم، غير أن هذه التصريحات لم تقترن بإعلان تغيير المساطر أو اختصار الضمانات التي تسبق القرار.

    وتقول مصادر حكومية إسبانية إن الاستراتيجية الحالية أثبتت فعاليتها لأنها أتاحت عودة أكثر من سبعين ألف شخص في وقت قصير، بمشاركة السلطات المغربية، ثم ساعدت على منع محاولات دخول أخرى.

    ونقلت “إل باييس” عن مصدر في رئاسة الحكومة أن تشخيص ما وقع في نهاية يوليو لم يكتمل، لكن النتيجة المتوقعة لا تتضمن تحولاً في السياسة، وحددت المصادر الإسبانية هدفها في بلوغ أعلى مستوى ممكن من التعاون مع المغرب، مع الحفاظ على مقاربة الهجرة والنبرة الدبلوماسية من دون تغيير.

    القاصرون الملف الأكثر تعقيدا

    تمثل إعادة القاصرين الجزء الأكثر تعقيداً في المطلب المغربي، فالاتفاق الثنائي الموقع سنة 2007، والنافذ منذ 2012، ينص على التعاون في الوقاية والحماية والعودة، لكنه يجعل المصلحة الفضلى للقاصر أساس كل قرار، ويوجب ضمان إعادته إلى أسرته بصورة فعلية أو تسليمه إلى مؤسسة رعاية في بلد الأصل.

    وتستند مدريد أيضاً إلى حكم المحكمة العليا الصادر في يناير 2024، الذي أكد عدم قانونية إعادة قاصرين من سبتة إلى المغرب في غشت 2021 بسبب عدم اتباع المسطرة المنصوص عليها في قانون الأجانب.

    وبموجب هذا الإطار، يجب الاستماع إلى كل قاصر، وتمكينه من المعلومات والمساعدة القانونية، وفحص وضعه الأسري ومصلحته قبل اتخاذ قرار الإعادة.

    وقالت وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو إن العمل لا يمكن إنجازه بصورة جماعية، وإن كل طفل يحتاج إلى مقابلة فردية لمعرفة ظروفه، الأمر الذي يظهر لماذا لا تتبنى مدريد إعادة تلقائية للقاصرين، حتى مع إعلان المغرب استعداده لتسلمهم، ولا يظهر في الموقف الحكومي اتجاه إلى تعديل هذه القاعدة استجابة إلى طلب التسريع، وفق ما تؤكده تقارير إسبانية متطابقة.

    التعاون يمنع القطيعة

    بالنسبة للحكومة الإسبانية فإن استمرار التعاون مع المغرب ضروري لاستكمال معالجة الوضع في سبتة بعد عودة أكثر من 70 ألف شخص، إضافة إلى مغاربة يعودون بمعدل يتراوح بين 50 و100 شخص يوميا، وفق بيانات الحكومة إسبانية.

    ويضع هذا الوضع ضغطا كبيرا على الخدمات العامة في سبتة، ويدفع الحكومة إلى تجنب أي مواجهة دبلوماسية قد تؤثر في عمليات الإعادة أو في مراقبة الحدود خلال الأسابيع المقبلة، ولهذا لا تتوقع المصادر الإسبانية تغييرا في السياسة أو اللهجة قبل إغلاق الملف الميداني للأزمة.

    وتشدد مصادر قريبة من رئاسة الحكومة لـ”إل باييس” على أن إسبانيا لا تستطيع تحمل قطيعة مع المغرب، باعتباره شريكا أساسيا في الهجرة ومكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات، مضيفة أن المغرب لا يستطيع بدوره الاستغناء عن إسبانيا، بالنظر إلى الروابط الاقتصادية والطاقة والاتصالات والاستثمار.

    وبحسب معطيات رسمية لوزارة الخارجية الإسبانية، بلغ حجم التجارة الثنائية 22.7 مليار يورو سنة 2024، وكان المغرب الشريك التجاري الأول لإسبانيا في إفريقيا، فيما كانت إسبانيا الشريك الأول للمغرب موردا وزبونا، ويضاف إلى ذلك الاستثمار والطاقة والاتصالات والنقل، ثم التحضير المشترك لكأس العالم 2030.

  • القانون الجديد للتدريب من أجل الإدماج.. تحفيزات وفرص أوسع للباحثين عن الشغل

    القانون الجديد للتدريب من أجل الإدماج.. تحفيزات وفرص أوسع للباحثين عن الشغل

    ظل التدريب من أجل الإدماج، على مدى سنوات، واحدا من المداخل التي تتيح للباحثين عن الشغل اكتساب تجربة أولى داخل المقاولات، وتساعدهم على الانتقال من مرحلة البحث عن فرصة إلى الاحتكاك المباشر بسوق الشغل، مقابل استفادة المنشآت من تحفيزات مرتبطة باستقبال المتدربين وتكوينهم، ضمن إطار قانوني تعود قواعده الأساسية إلى سنة 1993.

    لكن الآلية التي ارتبطت في الأصل بحاملي بعض الشهادات، وسمحت لاحقا بفترة تدريب تصل إلى 24 شهرا، تدخل اليوم مرحلة جديدة، بعدما وسع القانون الجديد دائرة المستفيدين لتشمل الحاصلين وغير الحاصلين على شهادات، وقلص المدة القصوى للتدريب إلى 12 شهرا غير قابلة للتجديد، كما أقر سقفا لعدد المتدربين داخل المنشآت، إلى جانب مقتضيات تؤطر طبيعة المهام والحماية من المخاطر المهنية.

    ويتعلق الأمر بالقانون رقم 51.25، المنفذ بالظهير الشريف رقم 1.26.54 الصادر في 28 يوليوز 2026، والذي غير وتمم الظهير الشريف رقم 1.93.16 الصادر في 23 مارس 1993، المتعلق بتحديد تدابير لتشجيع المنشآت التي تقوم بالتدريب قصد التكوين من أجل الإدماج.

    ولا يقدم القانون، الذي نشر في الجريدة الرسمية عدد 7533، تعديلا معزولا لمقتضى واحد، بل يعيد ترتيب عدد من مراحل هذه الآلية، بدءا بمن يمكنه الاستفادة منها، مرورا بالمدة والمنحة والمهام والحماية، وصولا إلى عدد المتدربين الذين يمكن أن تستقبلهم المنشأة، بهدف توسيع باب الولوج إلى التكوين من أجل الإدماج لفئات أكبر من الباحثين عن الشغل، وتأطير أكبر للفترة التي يقضيها المستفيد داخله ولطريقة استعمال عقود التدريب من طرف المنشآت.

    من نظام لحاملي الشهادات إلى قاعدة أوسع

    وضع الإطار القانوني للتدريب من أجل الإدماج سنة 1993، وكان عنوان الظهير نفسه يحيل على المنشآت التي تقوم بتدريب “الحاصلين على بعض الشهادات”، بما يعكس طبيعة الفئات التي استهدفتها الآلية عند إحداثها.

    وخلال السنوات اللاحقة، خضع النظام لمجموعة من التعديلات التي مست مدة التدريب والامتيازات المرتبطة به، ومن أبرزها القانون رقم 39.06 لسنة 2006، الذي رفع مدة التدريب من 18 إلى 24 شهرا، كما رفع السقف المرتبط بالتعويض الشهري للتدريب من 4500 إلى 6000 درهم.

    أما التحول نحو توسيع قاعدة المستفيدين، فقد بدأ مع قانون المالية لسنة 2025، الذي فتح المجال أمام غير الحاصلين على شهادات للاستفادة من التدريب من أجل الإدماج ابتداء من فاتح يناير من السنة نفسها.

    ويأتي القانون 51.25 ليكرس هذا التوجه داخل الإطار القانوني المنظم للآلية، فقد شمل التغيير حتى في عنوان ظهير 1993، بعدما حذفت منه عبارة “الحاصلين على بعض الشهادات”، قبل أن تنص المادة الثانية، بصيغتها الجديدة، صراحة على اختيار المتدربين من بين الأشخاص الحاصلين على شهادات أو غير الحاصلين عليها، شريطة التسجيل لدى الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”.

    ويغير هذا المقتضى قاعدة الولوج إلى البرنامج، لأن عدم الحصول على شهادة لم يعد، في حد ذاته، سببا للبقاء خارجه، ليصبح التدريب من أجل الإدماج متاحا، من حيث المبدأ، لفئات أوسع من المسجلين لدى الوكالة، بمن فيهم أشخاص لا ترتبط مؤهلاتهم المهنية بالضرورة بشهادة دراسية.

    غير أن توسيع دائرة المستفيدين لا يمنع توجيه الآلية، عند الحاجة، نحو فئات محددة، إذ يسمح القانون، خلال مدة معينة وبعد استطلاع رأي اللجنة الوطنية المشتركة بين الوزارات، بقصر التدريب على الأشخاص الذين تعترض إدماجهم في الحياة النشيطة صعوبات، ما يتيح الانتقال من معيار الشهادة وحده إلى منطق يأخذ بعين الاعتبار أيضا صعوبة الولوج إلى سوق الشغل.

    تقليص مدة التدريب لتسريع عقود الشغل

    في مقابل توسيع دائرة المستفيدين، يعيد القانون تحديد الزمن الذي يمكن أن يقضيه الشخص في وضعية متدرب، إذ أصبحت مدة التدريب محددة في 12 شهرا غير قابلة للتجديد، بعدما كانت تصل، في النظام السابق، إلى 24 شهرا.

    ولا يسمح الانتقال إلى منشأة أخرى، في الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك، ببدء احتساب مدة جديدة، إذ يمكن للمتدرب استكمال الفترة المتبقية فقط، دون أن يتجاوز مجموع فترات التدريب سقف السنة الواحدة.

    ويجعل هذا المقتضى مدة التدريب مرتبطة بمسار المستفيد نفسه، وليس بعدد العقود أو المنشآت التي يمكن أن يمر منها، بما يمنع تمديد وجوده في وضعية التدريب عبر الانتقال من عقد إلى آخر، ويقلص إلى النصف الفترة القصوى التي يمكن أن يقضيها داخل هذه الآلية.

    ولا يتعلق التغيير فقط بتقليص المدة من 24 إلى 12 شهرا، بل بإعادة تحديد الزمن المخصص للبرنامج نفسه، فالتدريب يفترض أن يكون مرحلة لاكتساب الكفاءات والتجربة تمهد للانتقال إلى سوق الشغل، وليس وضعية يمكن أن تستمر لفترة طويلة دون حسم المرحلة التي تليها.

    تحفيزات للتدريب وربط التكوين بالإدماج

    يمنح القانون الجديد مجموعة من التحفيزات لفائدة المقاولات الصناعية والتجارية والحرفية والعقارية والخدماتية، فضلا عن الاستغلالات الفلاحية والغابوية، إلى جانب الجمعيات والتعاونيات التي تنظم تداريب بهدف التكوين والإدماج، ولا سيما لفائدة غير الحاصلين على شهادات، وذلك ابتداء من يناير 2025.

    وتشمل هذه التحفيزات الإعفاء من المستحقات الاجتماعية ورسم التكوين المهني خلال فترة التدريب، في حدود منحة شهرية لا تتجاوز 6 آلاف درهم، مع تحمل الدولة للاشتراكات المستحقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي برسم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.

    وتتحمل الدولة أيضا حصة المشغل من الاشتراكات لدى الصندوق لمدة 12 شهرا في حال تشغيل المتدرب بشكل نهائي خلال فترة التدريب أو عند انتهائها.

    ويمتد الدعم إلى الجانب الجبائي، من خلال إعفاء منحة التدريب، في حدود 6 آلاف درهم شهريا، من الضريبة على الدخل، فضلا عن منح إعفاء من الضريبة على الدخل لمدة 24 شهرا عند إبرام عقد شغل غير محدد المدة مع المتدرب، شريطة ألا يتجاوز راتبه الشهري الإجمالي 10 آلاف درهم.

    وتسعى وزارة الإدماج الاقتصادي من خلال هذه التحفيزات إلى جعل التدريب مدخلا مباشرا إلى التشغيل، عبر تخفيف كلفة التكوين على المقاولات وتشجيعها على تحويل فرص التدريب إلى عقود شغل مستقرة، بما يعكس انتقالا من معالجة ظرفية للبطالة إلى الاستثمار في قابلية التشغيل والإدماج المستدام في سوق الشغل.

    ضوابط جديدة لعدد المتدربين

    إذا كان القانون قد وسع قاعدة الأشخاص الذين يمكنهم الاستفادة، فإنه وضع، في المقابل، قيدا على عدد المتدربين الذين يمكن للمنشأة استقبالهم، وهو من أبرز المقتضيات الجديدة بالنظر إلى علاقته بطريقة استعمال هذه العقود داخل المقاولات.

    وتنص المادة الثانية الجديدة على ألا يتجاوز عدد المستفيدين من التدريب قصد التكوين من أجل الإدماج نسبة معينة من إجمالي عدد أجراء المنشأة، ليصبح عدد المتدربين مرتبطا بحجم التشغيل الفعلي داخل كل مقاولة، بدل أن يظل منفصلا عن عدد العاملين لديها.

    ويعني ذلك، من الناحية العملية، أن المنشأة محدودة العدد من الأجراء لن يكون بإمكانها استقبال عدد من المتدربين بمعزل عن حجمها، كما أن المنشآت الأكبر ستخضع بدورها للنسبة المحددة بحسب عدد أجرائها.

    غير أن القانون لم يحدد هذه النسبة مباشرة، وأحالها إلى نص تنظيمي، ما يعني أن المشرع حسم مبدأ وجود سقف دون أن يحسم مستواه داخل القانون نفسه، وستكون النسبة التي يقرها القانون التنظيمي حاسمة في تحديد الأثر العملي لهذا المقتضى، لأنها ستحدد فعليا حجم الاعتماد الممكن على عقود التدريب مقارنة بعدد الأجراء.

    جودة التكوين ومستقبل المتدرب

    لا يكتفي القانون بتحديد المستفيد والمدة والعدد، بل يتدخل أيضا في طبيعة الأعمال التي يمكن إسنادها إلى المتدرب، إذ تنص المادة الثالثة على عدم تكليفه إلا بأعمال من شأنها أن تتيح تكوينه من أجل الإدماج، مع الحفاظ على سلامته وصحته طبقا للتشريع الجاري به العمل.

    ويربط هذا المقتضى المهام التي يؤديها المستفيد بالغاية التي أبرم من أجلها العقد، لأن وجود المتدرب داخل المنشأة لا يفترض أن يتحول إلى مجرد وسيلة لأداء مهام مرتبطة بحاجياتها اليومية، وإنما ينبغي أن تمكنه الأعمال المسندة إليه من اكتساب تجربة وكفاءات تساعده على الانتقال لاحقا إلى الحياة المهنية.

    ويظهر هذا التوجه أيضا عند انتهاء التدريب، إذ يتعين أن تتضمن الوثيقة المسلمة للمستفيد، بوجه خاص، مدة التدريب ونوع المهام التي قام بتنفيذها والكفاءات التي اكتسبها.

    ويمنح هذا المقتضى فترة التدريب مضمونا يمكن تتبعه، لأن الهدف لا يقتصر على إدخال الباحث عن الشغل إلى المقاولة لمدة محددة، بل يمتد إلى ربط هذه المدة بكفاءات وتجربة يمكن أن تساعده في خطوته المهنية التالية.

    الحماية من حوادث الشغل والأمراض المهنية

    إلى جانب تأطير طبيعة المهام، يضع القانون حماية المستفيد من المخاطر المهنية ضمن القواعد التي تحكم فترة التدريب، إذ تنص المادة الثالثة على استفادة المتدربين، طوال هذه المدة، من الحماية ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية، طبقا للتشريع الجاري به العمل.

    ويكتسب هذا المقتضى أهميته من الوضعية الخاصة للمتدرب، الذي يوجد فعليا داخل فضاء العمل ويمارس مهاما مرتبطة بتكوينه، ويمكن بالتالي أن يتعرض لمخاطر مرتبطة بالعمل داخل المنشأة.

    ويمتد التأطير إلى مراقبة تطبيق المقتضيات وتتبع العقود، إذ يتولى الأعوان المؤهلون من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالتشغيل مهمة المراقبة، فيما تبلغ المعطيات المتعلقة بعقود التدريب إلى المصالح المركزية للقطاع، التي تتولى إحالتها إلى المصالح المختصة بالمالية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات.

    العقود القديمة والجديدة.. من يخضع للقواعد الجديدة؟

    لا يعني نشر القانون 51.25 انتقال جميع عقود التدريب القائمة مباشرة إلى النظام الجديد، إذ ميز المشرع بين وضعيات مختلفة بحسب تاريخ إبرام العقد وصفة المستفيد.

    وتسري أحكام القانون الجديد، من حيث الأصل، على عقود التدريب التي تبرم ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، كما تمتد إلى عقود تدريب غير الحاصلين على شهادات التي أبرمت خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2025 إلى تاريخ نشر القانون، استنادا إلى المقتضيات التي فتحت أمام هذه الفئة باب الاستفادة.

    أما عقود تدريب الحاصلين على الشهادات المبرمة قبل نشر القانون، فتبقى خاضعة لأحكام ظهير 1993 بصيغته السابقة على تعديل 2026.

    ويجنب هذا الترتيب تغيير الشروط القانونية للعقود القديمة أثناء سريانها بالنسبة لحاملي الشهادات، فيما يدمج عقود غير الحاصلين على شهادات المبرمة منذ بداية 2025 ضمن الإطار الجديد الذي كرس استفادتهم من هذه الآلية.

    هل تجعل القواعد الجديدة التدريب أقرب إلى الإدماج؟

    يوسع القانون 51.25 باب الاستفادة من التدريب ليشمل فئات أكبر من الباحثين عن الشغل، لكنه في المقابل يقلص زمن الاستفادة، ويضع سقفا لعدد المتدربين، ويؤطر طبيعة المهام والحماية التي ترافق وجودهم داخل المنشآت.

    ولا تجعل هذه المقتضيات التشغيل النهائي نتيجة تلقائية، لكنها تعيد رسم المرحلة التي تسبقه، فالمستفيد لن يقضي أكثر من سنة في التدريب، والمنشأة لن يكون بإمكانها استقبال عدد من المتدربين بمعزل عن حجم أجرائها، فيما يفترض أن ترتبط المهام المسندة إليهم بالتكوين الذي يساعد على الإدماج.

    ويصبح السؤال، في هذه الحالة، أقل ارتباطا بعدد عقود التدريب التي سيتم توقيعها، وأكثر ارتباطا بمآل المستفيدين بعد نهاية السنة. فإذا كان الهدف من الآلية هو التكوين من أجل الإدماج، فإن انتقال المستفيدين فعليا إلى سوق الشغل سيظل من أهم المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس أثر التغيير.

  • رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    بعد أسبوعين من موجة العبور غير المسبوقة نحو سبتة، ما زال ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين عالقا بين استعداد معلن من الرباط لاستقبالهم، ومساطر إدارية وقضائية إسبانية ترفض أي إعادة جماعية.

    وفي وقت تقدم مدريد هذه الإجراءات باعتبارها ضمانات قانونية لحماية الأطفال، ترى الرباط أنها تحولت عمليا إلى عراقيل تؤخر عودتهم وتبقيهم داخل مراكز إيواء مكتظة وفي ظروف هشة.

    وبدأ التصعيد في ملف إعادة القاصرين عقب أحداث 30 و31 يوليوز الفائت، عندما تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين نحو سبتة المحتلة، سباحة أو عبر المعابر والسياج الحدودي.

    وتراوحت التقديرات الإسبانية لأعداد الوافدين بين 72 ألفا و80 ألف شخص، فيما قدر المغرب عدد المشاركين في عمليات العبور غير القانوني في أزيد من 41 ألفا بقليل، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها المدينة، بينما حصيلة الوفيات الرسمية ما تزال غير محددة حتى الآن.

    وعاد معظم المهاجرين غير النظاميين إلى المغرب خلال الأيام التالية، إما بصورة طوعية أو عبر عمليات نفذتها السلطات الإسبانية، لكن ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص ظلوا في سبتة، وفق تقديرات إسبانية، وبينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين.

    وفي الأيام الأولى للأزمة، قدّرت حكومة سبتة عدد القاصرين بنحو 1100، فيما أعلنت الشرطة الإسبانية تحديد هوية 528 طفلا ووضعهم رهن إشارة سلطات المدينة لتولي رعايتهم، ثم ظهرت تقديرات إسبانية لاحقة رفعت العدد المحتمل للقاصرين الذين يمكن أن تشملهم إجراءات الحماية إلى 1898  قاصرا بمراكز الإيواء.

    عودة “سريعة” للبالغين ومسار معقد للقاصرين

    بخلاف البالغين، لا تسمح التشريعات الإسبانية بإعادة القاصرين غير المصحوبين بصورة تلقائية أو إخضاعهم لعمليات الطرد الفوري، إذ بمجرد التأكد من سن القاصر، تصبح سلطات سبتة مسؤولة عن رعايته، ويسجل في السجل الخاص بالقاصرين الأجانب غير المصحوبين.

    ويتطلب قرار إعادته فتح ملف إداري مستقل، والتحقق من هويته وظروف أسرته، والاستماع إليه، والحصول على رأي النيابة العامة ومصالح حماية الطفولة، ثم التأكد من أن عودته إلى أسرته أو إلى مؤسسة استقبال في المغرب لا تعرضه لأي خطر.

    هذه الضمانات تستند إلى قانون الهجرة الإسباني، إضافة إلى الاتفاق المغربي الإسباني الموقع سنة 2007 بشأن الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم بصورة منسقة، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2012، غير أن هذه المسطرة أفرزت بطءا شديد في عمليات الإعادة، حتى عندما يعلن المغرب استعداده لاستقبال القاصرين، وفق ما أكده وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في تصريحات صحفية سابقة.

    التعقيدات الإدارية الإسبانية تعرقل الإعادة

    الرباط أكدت، من خلال تصريحات وهبي، أنها مستعدة لاستقبال جميع القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا إلى سبتة في نهاية يوليوز.

    وأكد الوزير المغربي أن تحديد هوية القاصرين لا يشكل عائقا، وأن المشكلة تكمن في الإجراءات الإدارية والقرارات القضائية داخل إسبانيا.

    وبحسب الموقف المغربي، توجد تعليمات ملكية واضحة للعمل على إعادة هؤلاء القاصرين، كما أن التزام الرباط لا يعود إلى الأزمة الحالية، بل سبق تأكيده في بيان مشترك لوزارتي الداخلية في البلدين في يونيو 2021.

    وصعّد وزير العدل معلنا أن المملكة تطالب باستعادة القاصرين، وحمّل السلطات الإسبانية مسؤولية استمرار وجودهم بعيدا عن أسرهم، وما يواجهه بعضهم من ظروف معيشية صعبة داخل سبتة ومراكز الإيواء الإسبانية.

    وترفض الرباط، في هذا السياق، تحميلها مسؤولية تعثر عمليات العودة، معتبرة أن إسبانيا تمتلك الموافقة المغربية والآلية الثنائية اللازمة، لكنها لم تنجح في تحويلهما إلى إجراءات عملية وسريع بسبب تعقيد المساطر الإدارية.

    كابوس أزمة 2021

    الحذر الإسباني الحالي يرتبط إلى حد كبير بما وقع عقب أزمة سبتة في ماي 2021، عندما دخل أكثر من ثمانية آلاف شخص خلال يومين، بينهم أكثر من ألف قاصر.

    في غشت من العام نفسه، شرعت السلطات الإسبانية في إعادة مجموعات من القاصرين المغاربة، وتم ترحيل 55 منهم تقريبا قبل تدخل القضاء وتعليق العملية.

    وأكدت المحكمة العليا الإسبانية في يناير 2024 أن تلك الإعادات كانت غير قانونية، بسبب عدم فتح ملفات فردية وعدم الاستماع إلى القاصرين أو إشراك النيابة العامة وتقييم أوضاعهم الأسرية.

    واعتبرت “المحكمة العليا أن السلطات الإسبانية تجاهلت بصورة كاملة الضمانات التي يفرضها قانون الهجرة، وأن حقوق القاصرين في السلامة الجسدية والمعنوية تعرضت لـ”الانتهاك”.

    وتعزز هذا المسار في شتنبر 2025، عندما أدينت مسؤولة سابقة في الحكومة الإسبانية وأخرى في حكومة سبتة بسبب دورهما في تلك الإعادات السريعة، ما جعل هذه السابقة تعامل أي مسؤول مع ملف القاصرين تحت رقابة قضائية مشددة.

    جمعيات القضاة ترفض الحلول الجماعية

    وفي خضم الأزمة الحالية، طالب رئيس سبتة خوان خيسوس فيفاس الحكومة الإسبانية برفض طلبات اللجوء وإعادة المهاجرين إلى المغرب دون استثناءات أو تسويات لاحقة.

    وحظي طلب فيفاس بدعم قيادة الحزب الشعبي، التي اعتبرت الإجراء ضروريا لحماية المدينة وردع استخدام الهجرة وسيلة للضغط السياسي.

    لكن جمعيات القضاة في إسبانيا رفضت هذا المقترح، مؤكدة أن الدخول بصورة غير نظامية لا يلغي حق الشخص في طلب الحماية الدولية، وأن كل طلب يجب أن يخضع لدراسة مستقلة.

    ووفق الموقف الذي نقلته “الصحافة الإسبانية، يمكن تشديد إجراءات اللجوء وتسريعها في الحدود، لكن لا يجوز تقرير الرفض الجماعي مسبقا.

    ولا تخص هذه القاعدة القاصرين وحدهم، لكنها تزيد تعقيد ملفاتهم، فالقاصر الذي يطلب الحماية الدولية لا يمكن إعادته قبل البت في طلبه، أما القاصر الذي لا يتقدم بطلب لجوء، فيظل خاضعا بدوره لمسار فردي مستقل تحكمه قاعدة “المصلحة الفضلى للطفل”.

    ما بعد الرشد.. عندما تبدأ سنوات الضياع

    لا تتوقف تداعيات تعثر معالجة ملف القاصرين عند حدود مراكز الإيواء أو إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم، بل تمتد إلى المرحلة التي تلي بلوغهم سن الرشد، حين يفقد كثير منهم مظلة الحماية من دون أن يمتلكوا وثائق إقامة أو سكنا أو شبكة اجتماعية تساعدهم على الاندماج.

    وفي غشت 2025، أعادت وفاة شاب مغربي يبلغ 19 عاما في مدينة خاين هذا الملف إلى واجهة النقاش في إسبانيا، بعدما عثر على الشاب “م.أ.أ”، ميتا يوم 17 غشت في موقف للسيارات أسفل مركز الرعاية الصحية الجديد “لا ألاميدا”، بعد إصابته بضربة في إثر سقوطه، وأُعيد جثمانه لاحقا إلى أسرته في مدينة الفنيدق.

    وبحسب ما كشفته الصحافة الإسبانية، وصل الشاب إلى إسبانيا عندما كان قاصرا، وأقام في أحد مراكز حماية الطفولة إلى أن بلغ سن الثامنة عشرة، لكن خروجه من المركز مثّل بداية مرحلة جديدة من الهشاشة، إذ حرم من الاستفادة من عدد من الموارد الرسمية بسبب عدم امتلاكه وثائق قانونية، كما لم تكن لديه أسرة أو شبكة دعم مستقرة، لينتهي به الأمر إلى العيش في الشارع.

    وكان الشاب قد وصل إلى خاين قبل وفاته بشهرين، بعد تنقله بين بلباو وفالدبيناس وأليكانتي. وخلال وجوده في المدينة، كان يتردد على مركز جمعية “بوبلادو موندو” للحصول على الطعام وخدمات النظافة والمواكبة الاجتماعية، ووصفه العاملون في المركز بأنه شاب ودود ومحبوب، لكنه كان يعاني مشكلات مرتبطة بالإدمان والصحة النفسية، في وقت حال غياب الوثائق دون حصوله على سكن مستقر أو رعاية متواصلة.

    وترى الجمعية أن حالته ليست استثناء، بل نموذجا لمسار يعيشه عدد من الشباب المهاجرين بعد مغادرة مؤسسات حماية القاصرين، نظرا لغياب الوثائق والسكن والرعاية النفسية ما يدفعهم إلى دائرة من التشرد وتعاطي المخدرات والاحتكاك بالقانون، فيما يعيش كثير منهم داخل مبان وأكواخ مهجورة ويعتمدون على الجمعيات لتغطية احتياجاتهم الأساسية بعدما يتحولون إلى أشخاص “غير مرئيين، بلا حقوق وبلا خيارات” بعد بلوغ سن الرشد.

  • الاستقرار يرفع ثقة المغاربة في الدولة والأمن والاقتصاد يضغط على الأسر

    الاستقرار يرفع ثقة المغاربة في الدولة والأمن والاقتصاد يضغط على الأسر

    برز المغرب ضمن الدول الأكثر تسجيلا لمستويات الثقة في المؤسسات الأمنية، في استطلاع إقليمي حديث يكشف في الوقت نفسه عن موقع متقدم للمملكة في تقييم مسار البلاد والنظرة إلى الاقتصاد والتفاؤل بالمستقبل، مقارنة بعدد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

    ووفق تقرير مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية، عبر 95 في المئة من المغاربة عن ثقتهم في الأجهزة الأمنية، فيما سجلت مؤسسات أخرى بدورها مستويات مرتفعة من الثقة.

    ولا يقف الحضور المغربي في مقدمة المؤشرات عند الجانب المؤسساتي، إذ يرى 81 في المئة أن أوضاع البلاد أصبحت أفضل مقارنة بما كانت عليه قبل 2011، ويقيم 60 في المئة الوضع الاقتصادي إيجابيا، بينما يتوقع 83 في المئة تحسنه خلال السنوات المقبلة.

    وتكشف مقارنة المغرب مع نتائج مصر والأردن وتونس ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، عن تفاوت واضح في نظرة شعوب المنطقة إلى دولها واقتصاداتها ومستقبلها، في سياق إقليمي طبعته خلال السنوات الأخيرة الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية.

    ويربط التقرير الحالة المغربية بمسار من الاستقرار والإصلاح التدريجي والنمو الاقتصادي وتزايد الاستثمار الأجنبي في مقابل تحديات مرتبطة بتقييم الاقتصاد الوطني وقدرة دخل الأسر على تغطية المصاريف.

    الأمن في المقدمة.. 95% يثقون في المؤسسات الأمنية

    تظهر الثقة في المؤسسات الأمنية كأحد أبرز المؤشرات المسجلة في المغرب، إذ عبر 95 في المئة من المستجوبين عن ثقتهم في مؤسسة الأمن، لتأتي المملكة ضمن الدول التي تسجل مستويات مرتفعة في هذا الجانب.

    وتبلغ النسبة 99 في المئة في الأردن و94 في المئة في مصر و92 في المئة في سوريا، بينما تنخفض إلى 86 في المئة في لبنان و76 في المئة في الأراضي الفلسطينية.

    وتسجل مؤسسات أخرى في المغرب مستويات مرتفعة، إذ تصل الثقة في الجيش إلى 89 في المئة، وفي القضاء إلى 84 في المئة، بينما تبلغ 95 في المئة بالنسبة للمؤسسات الدينية المحلية.

    ولا يفصل التقرير هذه النتائج عن السياق الذي أُنجز فيه الاستطلاع، إذ جاءت المقابلات في ظرف إقليمي أعادت فيه الحروب والتوترات الأمنية قضايا الاستقرار إلى مقدمة الاهتمامات، ما يدعو أيضا إلى قراءة مستويات الثقة المرتفعة في ضوء الظرف الذي كانت تعيشه المنطقة.

    المغاربة الأكثر إيجابية تجاه مسار بلادهم

    يتجاوز موقع المغرب الثقة في المؤسسات الأمنية عندما ينتقل الاستطلاع إلى تقييم الوضع العام للبلاد، إذ يعتبر 81 في المئة من المغاربة أن الأوضاع أصبحت أفضل مقارنة بما كانت عليه قبل سنة 2011، وهي أعلى نسبة بين المجتمعات السبعة المشمولة في تقرير “كونراد أديناور”، مقابل 68 في المئة في مصر و64 في المئة في سوريا، فيما تتراجع إلى 34 في المئة في تونس و30 في المئة في الأردن، ثم إلى مستويات أدنى في لبنان والأراضي الفلسطينية.

    ويمنح اختلاف المسارات خلال خمسة عشر عاما معنى لهذه الفوارق، فبينما دخلت بعض دول المنطقة في حروب أو واجهت أزمات سياسية ومالية ممتدة، يربط التقرير النتيجة المغربية بالإصلاحات السياسية التدريجية والنمو الاقتصادي وتزايد الاستثمار الأجنبي، باعتبارها عوامل ساهمت في تشكيل إحساس بالتقدم لدى المستجوبين.

    تراجع الثقة في الأحزاب

    تظهر الصورة أكثر تركيبا عند الانتقال من مؤسسات الدولة إلى مؤسسات التمثيل السياسي؛ فالثقة في الحكومة تصل إلى 81 في المئة في المغرب، مقابل 76 في المئة سنة 2020، بينما تبلغ 66 في المئة بالنسبة للبرلمان، لكن النسبة تنخفض إلى 56 في المئة عند الأحزاب السياسية.

    ورغم أن المغرب يسجل بذلك واحدة من أعلى نسب الثقة في الأحزاب ضمن العينة، فإن الفارق بينها وبين الحكومة أو المؤسسات الأمنية يظل قائما، وهي فجوة يعتبرها التقرير من الملامح السياسية البارزة على المستوى الإقليمي، حيث لا تنتقل الثقة في الدولة بالدرجة نفسها إلى قنوات الوساطة والتمثيل الحزبي.

    الاقتصاد المغربي ثانيا

    يقدم الاقتصاد مؤشرا آخر على اختلاف الحالة المغربية، إذ يأتي المغرب ثانيا ضمن البلدان المشمولة من حيث التقييم الإيجابي للوضع الاقتصادي.

    فقد وصف 60 في المئة من المغاربة الاقتصاد بالجيد أو الجيد جدا، مقابل 70 في المئة في مصر، فيما تنخفض النسبة إلى 32 في المئة في الأردن و24 في المئة في سوريا و16 في المئة في تونس، قبل أن تتراجع أكثر في الأراضي الفلسطينية ولبنان.

    ومقارنة مع سنة 2020، كان 39 في المئة من المغاربة يقيمون الاقتصاد إيجابيا، قبل أن ترتفع النسبة إلى 60 في المئة سنة 2026، أي بزيادة 21 نقطة مئوية.

    ويستحضر التقرير، ضمن تفسيره للحالة المغربية، تطور الاستثمار الأجنبي، بما في ذلك الاستثمارات الصينية في صناعات السيارات والبطاريات، في وقت توسعت فيه خلال السنوات الأخيرة مشاريع صناعية واستثمارية في عدد من القطاعات.

    من تقييم الحاضر إلى انتظار الأفضل

    لا يتوقف التفاؤل عند تقييم الوضع الاقتصادي الحالي، بل يصبح أكثر وضوحا عندما يسأل الاستطلاع عن السنوات المقبلة، فقد توقع 83 في المئة من المغاربة أن يتحسن الاقتصاد خلال السنوات القليلة المقبلة، وهي ثاني أعلى نسبة مسجلة بعد سوريا بنحو 90 في المئة، ومتقدمة على مصر والأردن وتونس ولبنان والأراضي الفلسطينية.

    هذا التفاؤل، بالنسبة للمغرب، يرفع سقف الانتظارات من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الملفات الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية، من التشغيل إلى الدخل والقدرة الشرائية.

    أبو الذهب: الاستقرار والإصلاحات يفسران جزءا من النتائج

    وفي قراءته لنتائج الاستطلاع، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المؤشرات التي سجلها المغرب لا يمكن فصلها عن المسار الذي راكمته المملكة خلال السنوات الماضية، خاصة على مستوى الاستقرار المؤسساتي واستمرارية الإصلاحات، إلى جانب التحولات الاقتصادية وتوسع الاستثمارات في عدد من القطاعات.

    وأوضح أبو الذهب في تصريح لـ”AM+ MEDIA” أن مقارنة المغرب بعدد من دول المنطقة التي عاشت حروبا أو أزمات سياسية واقتصادية متتالية، تظهر أهمية الاستقرار واستمرارية المؤسسات والسياسات العمومية في تشكيل نظرة المواطنين إلى مسار بلادهم، وهو ما يمكن أن يفسر جزءا من ارتفاع منسوب الثقة والتفاؤل الذي رصده الاستطلاع.

    وأضاف أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة رضا مطلقا عن مختلف الأوضاع، بقدر ما تعكس ثقة في الاتجاه العام وانتظارا لتحقيق تقدم أكبر خلال السنوات المقبلة، لافتا إلى المفارقة بين تحسن تقييم الاقتصاد الوطني وتراجع نسبة الأسر التي تقول إن دخلها يغطي مصاريفها.

    واعتبر أبو الذهب أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذا الرصيد من الثقة والتفاؤل إلى نتائج أكثر وضوحا على مستوى التشغيل والدخل والقدرة الشرائية، بما يجعل أثر التحولات الاقتصادية أكثر حضورا في الحياة اليومية للمواطنين.

    شراكات بمنطق المصالح

    يمتد الاستطلاع إلى نظرة المغاربة للقوى الدولية والإقليمية، حيث تكشف النتائج عن انفتاح على شركاء ينتمون إلى مواقع وتحالفات مختلفة.

    وعبر 64 في المئة من المغاربة عن نظرة إيجابية تجاه الولايات المتحدة، بارتفاع قدره 15 نقطة مئوية مقارنة بسنة 2020، وهو تحول يربطه التقرير بالموقف الأمريكي الداعم للسيادة المغربية على الصحراء.

    كما تحظى الإمارات بنظرة إيجابية لدى 79 في المئة من المغاربة، بزيادة 16 نقطة مقارنة بسنة 2020، فيما تبلغ النظرة الإيجابية إلى روسيا 61 في المئة.

    من الاقتصاد إلى جيب الأسرة.. هنا تظهر حدود التفاؤل

    لكن المؤشر الذي يعيد ترتيب الصورة يظهر عندما ينتقل الاستطلاع من تقييم اقتصاد البلاد إلى الوضع المالي للأسرة، إذ في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة المغاربة الذين يقيمون الاقتصاد إيجابيا من 39 في المئة سنة 2020 إلى 60 في المئة سنة 2026، قال 44 في المئة فقط إن دخل أسرهم يغطي مصاريفهم، بعدما كانت النسبة تقارب 65 في المئة قبل ست سنوات.

    والمفارقة أن التغيرين حدثا بالحجم نفسه وفي اتجاهين متعاكسين، أي 21 نقطة إضافية في التقييم الإيجابي للاقتصاد، مقابل تراجع بـ21 نقطة في قدرة دخل الأسر على تغطية المصاريف.

    ومع ذلك، تظل نسبة 44 في المئة المسجلة في المغرب الأعلى بين البلدان المشمولة، وهو ما يجعل المقارنة مزدوجة بين تقدم على بقية العينة، وتراجع مقارنة بوالضع المسجل سنة 2020.

    ويتوقف التقرير نفسه عند هذه المفارقة، معتبرا أن تحسن نظرة المواطنين إلى الاقتصاد الوطني لا يعني بالضرورة تحسنا موازيا في أمنهم الاقتصادي الشخصي.

  • كيف أحبط المغرب موجة جديدة للعبور لسبتة قادها مهاجرون من جنوب الصحراء؟

    كيف أحبط المغرب موجة جديدة للعبور لسبتة قادها مهاجرون من جنوب الصحراء؟

    أبقت السلطات المغربية حالة التأهب قائمة في محيط الفنيدق ومعبر باب سبتة، بعدما نجحت السلطات العمومية، يوم أمس السبت، في احتواء عدة تحركات لمرشحين للهجرة غير النظامية قبل وصولهم إلى السياج الفاصل مع مدينة سبتة المحتلة، عقب دعوات مضللة لعبور جماعي للحدود في 15 غشت الجاري.

    وصباح اليوم الأحد، كشفت تقارير إسبانية أنه لم تسجّل أي حوادث على حدود سبتة، مع تفعيل الأجهزة الأمنية، إذ ظلت حدود سبتة ومحيطها الحدودي بالكامل بلا حوادث، مشددة على أن التدابير الأمنية مفعلة وجاهزة لأي طارئ.

    وأبرز وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” أن وفدا حكوميا تجنب تقديم بيانات عن عدد الأفراد المنتشرين، على الرغم من تأكيده أن قوات الأمن ما تزال نشطة ومستعدة للتدخل في حالة حدوث أي طارئ.

    وبحسب ما نقلته “إيفي” عن مصادر أمنية، فإن المراقبة مستمرة في المنطقة المجاورة مباشرة لمعبر تراخال الحدودي وعلى طول المحيط وفي نقاط أخرى من المحتمل أن تسجل تحركات الأشخاص.

    مقاربة مغربية صارمة

    ولم تُسجّل، أمس السبت، محاولة عبور جماعي جديدة بالحجم الذي كانت تدعو إليه منشورات انتشرت خلال الأيام السابقة على شبكات التواصل الاجتماعي، غير أن الهدوء الذي بدا على مستوى المعبر كان حصيلة عملية أمنية واسعة بدأت على بعد عشرات الكيلومترات من باب سبتة، وشملت الطرق والمحطات والمناطق الجبلية والساحل.

    ووفق حصيلة تداولتها وسائل إعلام مغربية وإسبانية نقلا عن مصادر أمنية، اعترضت السلطات المغربية 294 شخصا كانوا يحاولون الاقتراب من سبتة بطريقة غير نظامية، 248 شخصا منهم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء و46 مواطنا من شمال إفريقيا، بينهم مغاربة وجزائريين وموريتانيين.

    ولم تنتظر السلطات المغربية يوم أمس السبت وصول المجموعات إلى السياج أو إلى معبر باب سبتة، واعتمدت استراتيجية استباقية تقوم على منع التجمعات قبل تشكلها بالقرب من الشريط الحدودي.

    وأقيمت نقاط للمراقبة والتفتيش على المحاور المؤدية إلى الفنيدق، خصوصا الطرق القادمة من تطوان وطنجة، وشملت المراقبة أيضا حافلات وسيارات خاصة، بحثا عن أشخاص يُشتبه في توجههم إلى المنطقة للمشاركة في محاولة عبور جماعية، ما قلل، زيادة على الانتشار الواسع لقوات الأمن، من احتمال تجمع مئات الأشخاص على بعد أمتار من السياج.

    التضاريس الوعرة ملاذ للاختباء

    وجرى التعامل في المحاولة الجديدة، التي قادها مهاجرون من جنوب الصحراء، مع مجموعات صغيرة ومتفرقة في البداية قبل أن تتحول إلى كتلة بشرية واحدة، وفق تقارير إسبانية.

    وتركزت أبرز التحركات في مناطق جبلية وضواح قريبة من الفنيدق، حيث كان مئات الأشخاص مختبئين أو متجمعين في انتظار فرصة للتقدم نحو سبتة، إذ وصلت بعض المجموعات إلى مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات من المحيط الحدودي.

    وتقدمت وحدات من القوات المساعدة وعناصر مكافحة الشغب باتجاه هذه التجمعات لإجبار الأشخاص على التراجع والتفرق، كما شاركت عناصر الدرك الملكي في عمليات التمشيط والمراقبة الجوية، باستخدام طائرات مسيرة ومروحية تابعت تحركات المجموعات داخل التضاريس الوعرة.

    وبدل وجود خط أمني واحد أمام السياج، تحول المجال المحيط بالفنيدق إلى طبقات متتالية من المراقبة، بدءا من حواجز على الطرق، وفرق منتشرة في الجبال ووحدات للتدخل، ثم مراقبة من الجو، ثم طوق أخير بالقرب من المعبر والسياج.

    زوارق سريعة وحاجز جديد قرب الحدود

    امتد الانتشار المغربي إلى الواجهة البحرية، بالنظر إلى إمكانية محاولة بعض المرشحين للهجرة الالتفاف حول السياج عن طريق السباحة أو استعمال قوارب صغيرة.

    وتحدثت تقارير صحفية إسبانية عن نشر البحرية الملكية ستة زوارق مطاطية سريعة قبالة الساحل المحاذي لسبتة، بالتوازي مع الدوريات البرية والمراقبة الجوية، وظلت هذه الوحدات في حالة استعداد لمنع محاولات الاقتراب بحرا وإنقاذ الأشخاص الذين قد يتعرضون لخطر الغرق.

    كما عززت المنطقة البرية بحاجز حديدي يبلغ ارتفاعه نحو أربعة أمتار بمحاذاة الطريق التي تربط الفنيدق بمعبر باب سبتة، فضلا عن تجهيزات إضافية في الجزء الأخير المؤدي إلى الحدود، ضمن خطة هدفها منع الاندفاع المباشر نحو المعبر.

    وفي الجانب الآخر، عززت السلطات الإسبانية انتشار الحرس المدني والشرطة والجيش داخل سبتة، غير أن التدخل الحاسم جرى داخل الأراضي المغربية؛ إذ بقيت القوات الإسبانية في الخط الثاني بعدما تم تفريق المجموعات الرئيسية قبل وصولها إلى المعبر.

    حملات مضللة عن 15 غشت

    وسبقت العملية الأمنية الموجهة إلى الأشخاص الموجودين في الجبال والطرق المؤدية إلى الفنيدق، مراقبة مكثفة للدعوات الرقمية التي حددت 15 غشت موعدا لمحاولة عبور جماعية نحو سبتة.

    وانتشرت قبل الموعد منشورات ورسائل تزعم أن المعبر سيفتح مؤقتا، أو أن الوصول إلى سبتة عن طريق السباحة سيمنع السلطات الإسبانية من إعادة المهاجرين، على غرار ما حدث في إحداث 30 و31 يوليوز الفائت.

    وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد خلص، في متابعة سابقة لتحركات نهاية يوليوز، إلى أن المنصات الرقمية لعبت دورا محوريا في نشر معلومات مضللة حول قرار قضائي إسباني، وتبادل مسارات الوصول ونقاط التجمع ومستلزمات السباحة ومواقع المراقبة.

    وقال المجلس إنه راقب 23 مجموعة رقمية تضم مجتمعة أكثر من مليون عضو، وتنتج نحو 1400 منشور يوميا.

    وفي سياق عملية 15 غشت، تمكن المغرب من توقيف 61 شخصا للاشتباه في تحريضهم أو ترويجهم لمحاولات الهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    ما بعد الأحداث

    أظهرت عملية أمس السبت أن المغرب يمتلك قدرة كبيرة على التحكم في المجال الذي يسبق السياج الحدودي، الأمر الذي يفسر الموقع الحساس الذي يحتله التعاون في مجال الهجرة في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ تستطيع مدريد تعزيز وجود الحرس المدني وإقامة حواجز داخل سبتة، لكنها لا تملك سلطة التدخل في الكيلومترات السابقة للحدود التي تشكل المرحلة الحاسمة في القدرة على تطويق وردع محاولات الهجرة غير النظامية.

    هذا الوضع المتكرر كشف محدودية النموذج الحالي للتعاون في ملف الهجرة، إذ تتحمل المملكة كلفة بشرية وأمنية ومالية كبيرة لمراقبة الطرق والسواحل وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، بينما تتخذ جهات أوروبية وإسبانية قرارات قانونية وسياسية قد تؤثر في فعالية هذا التدبير من دون تنسيق مسبق مع الرباط.

    ويرى المغرب، وفق مواقفه الأخيرة من الأزمة الحالية، أن مطالبته وحده باحتواء التدفقات، ثم تحميله مسؤولية أي اختلال، يجعل التعاون غير متوازن ويختزل قضية معقدة في بعدها الأمني.

    وعلى هذا الأساس، شدد المغرب على أنه “ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا، بل شريك ذو سيادة”، مشددا على أن المغرب يحمي أراضيه ويؤدي نصيبه من المسؤولية، لكنه لا يتولى حراسة الحدود الأوروبية بالنيابة، مشيرا إلى أن التمويلات وحدها لا تكفي، وأن الهجرة لا تعالج بالحواجز والانتشار الأمني فقط.

    ودعا المغرب إلى مقاربة جديدة تعيد صياغة قواعد التعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي على أساس المسؤولية المشتركة والتوازن والالتزام المتبادل، تتحمل فيها مدريد مسؤوليتها في تدبير العبور وإعادة القاصرين وفق الضمانات القانونية، وتكون الرباط شريكا كاملا في وضع السياسات والقرارات، لا مجرد “دركي” مكلف بمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا.