كيف أحبط المغرب موجة جديدة للعبور لسبتة قادها مهاجرون من جنوب الصحراء؟

أبقت السلطات المغربية حالة التأهب قائمة في محيط الفنيدق ومعبر باب سبتة، بعدما نجحت السلطات العمومية، يوم أمس السبت، في احتواء عدة تحركات لمرشحين للهجرة غير النظامية قبل وصولهم إلى السياج الفاصل مع مدينة سبتة المحتلة، عقب دعوات مضللة لعبور جماعي للحدود في 15 غشت الجاري.

وصباح اليوم الأحد، كشفت تقارير إسبانية أنه لم تسجّل أي حوادث على حدود سبتة، مع تفعيل الأجهزة الأمنية، إذ ظلت حدود سبتة ومحيطها الحدودي بالكامل بلا حوادث، مشددة على أن التدابير الأمنية مفعلة وجاهزة لأي طارئ.

وأبرز وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” أن وفدا حكوميا تجنب تقديم بيانات عن عدد الأفراد المنتشرين، على الرغم من تأكيده أن قوات الأمن ما تزال نشطة ومستعدة للتدخل في حالة حدوث أي طارئ.

وبحسب ما نقلته “إيفي” عن مصادر أمنية، فإن المراقبة مستمرة في المنطقة المجاورة مباشرة لمعبر تراخال الحدودي وعلى طول المحيط وفي نقاط أخرى من المحتمل أن تسجل تحركات الأشخاص.

مقاربة مغربية صارمة

ولم تُسجّل، أمس السبت، محاولة عبور جماعي جديدة بالحجم الذي كانت تدعو إليه منشورات انتشرت خلال الأيام السابقة على شبكات التواصل الاجتماعي، غير أن الهدوء الذي بدا على مستوى المعبر كان حصيلة عملية أمنية واسعة بدأت على بعد عشرات الكيلومترات من باب سبتة، وشملت الطرق والمحطات والمناطق الجبلية والساحل.

ووفق حصيلة تداولتها وسائل إعلام مغربية وإسبانية نقلا عن مصادر أمنية، اعترضت السلطات المغربية 294 شخصا كانوا يحاولون الاقتراب من سبتة بطريقة غير نظامية، 248 شخصا منهم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء و46 مواطنا من شمال إفريقيا، بينهم مغاربة وجزائريين وموريتانيين.

ولم تنتظر السلطات المغربية يوم أمس السبت وصول المجموعات إلى السياج أو إلى معبر باب سبتة، واعتمدت استراتيجية استباقية تقوم على منع التجمعات قبل تشكلها بالقرب من الشريط الحدودي.

وأقيمت نقاط للمراقبة والتفتيش على المحاور المؤدية إلى الفنيدق، خصوصا الطرق القادمة من تطوان وطنجة، وشملت المراقبة أيضا حافلات وسيارات خاصة، بحثا عن أشخاص يُشتبه في توجههم إلى المنطقة للمشاركة في محاولة عبور جماعية، ما قلل، زيادة على الانتشار الواسع لقوات الأمن، من احتمال تجمع مئات الأشخاص على بعد أمتار من السياج.

التضاريس الوعرة ملاذ للاختباء

وجرى التعامل في المحاولة الجديدة، التي قادها مهاجرون من جنوب الصحراء، مع مجموعات صغيرة ومتفرقة في البداية قبل أن تتحول إلى كتلة بشرية واحدة، وفق تقارير إسبانية.

وتركزت أبرز التحركات في مناطق جبلية وضواح قريبة من الفنيدق، حيث كان مئات الأشخاص مختبئين أو متجمعين في انتظار فرصة للتقدم نحو سبتة، إذ وصلت بعض المجموعات إلى مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات من المحيط الحدودي.

وتقدمت وحدات من القوات المساعدة وعناصر مكافحة الشغب باتجاه هذه التجمعات لإجبار الأشخاص على التراجع والتفرق، كما شاركت عناصر الدرك الملكي في عمليات التمشيط والمراقبة الجوية، باستخدام طائرات مسيرة ومروحية تابعت تحركات المجموعات داخل التضاريس الوعرة.

وبدل وجود خط أمني واحد أمام السياج، تحول المجال المحيط بالفنيدق إلى طبقات متتالية من المراقبة، بدءا من حواجز على الطرق، وفرق منتشرة في الجبال ووحدات للتدخل، ثم مراقبة من الجو، ثم طوق أخير بالقرب من المعبر والسياج.

زوارق سريعة وحاجز جديد قرب الحدود

امتد الانتشار المغربي إلى الواجهة البحرية، بالنظر إلى إمكانية محاولة بعض المرشحين للهجرة الالتفاف حول السياج عن طريق السباحة أو استعمال قوارب صغيرة.

وتحدثت تقارير صحفية إسبانية عن نشر البحرية الملكية ستة زوارق مطاطية سريعة قبالة الساحل المحاذي لسبتة، بالتوازي مع الدوريات البرية والمراقبة الجوية، وظلت هذه الوحدات في حالة استعداد لمنع محاولات الاقتراب بحرا وإنقاذ الأشخاص الذين قد يتعرضون لخطر الغرق.

كما عززت المنطقة البرية بحاجز حديدي يبلغ ارتفاعه نحو أربعة أمتار بمحاذاة الطريق التي تربط الفنيدق بمعبر باب سبتة، فضلا عن تجهيزات إضافية في الجزء الأخير المؤدي إلى الحدود، ضمن خطة هدفها منع الاندفاع المباشر نحو المعبر.

وفي الجانب الآخر، عززت السلطات الإسبانية انتشار الحرس المدني والشرطة والجيش داخل سبتة، غير أن التدخل الحاسم جرى داخل الأراضي المغربية؛ إذ بقيت القوات الإسبانية في الخط الثاني بعدما تم تفريق المجموعات الرئيسية قبل وصولها إلى المعبر.

حملات مضللة عن 15 غشت

وسبقت العملية الأمنية الموجهة إلى الأشخاص الموجودين في الجبال والطرق المؤدية إلى الفنيدق، مراقبة مكثفة للدعوات الرقمية التي حددت 15 غشت موعدا لمحاولة عبور جماعية نحو سبتة.

وانتشرت قبل الموعد منشورات ورسائل تزعم أن المعبر سيفتح مؤقتا، أو أن الوصول إلى سبتة عن طريق السباحة سيمنع السلطات الإسبانية من إعادة المهاجرين، على غرار ما حدث في إحداث 30 و31 يوليوز الفائت.

وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد خلص، في متابعة سابقة لتحركات نهاية يوليوز، إلى أن المنصات الرقمية لعبت دورا محوريا في نشر معلومات مضللة حول قرار قضائي إسباني، وتبادل مسارات الوصول ونقاط التجمع ومستلزمات السباحة ومواقع المراقبة.

وقال المجلس إنه راقب 23 مجموعة رقمية تضم مجتمعة أكثر من مليون عضو، وتنتج نحو 1400 منشور يوميا.

وفي سياق عملية 15 غشت، تمكن المغرب من توقيف 61 شخصا للاشتباه في تحريضهم أو ترويجهم لمحاولات الهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ما بعد الأحداث

أظهرت عملية أمس السبت أن المغرب يمتلك قدرة كبيرة على التحكم في المجال الذي يسبق السياج الحدودي، الأمر الذي يفسر الموقع الحساس الذي يحتله التعاون في مجال الهجرة في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ تستطيع مدريد تعزيز وجود الحرس المدني وإقامة حواجز داخل سبتة، لكنها لا تملك سلطة التدخل في الكيلومترات السابقة للحدود التي تشكل المرحلة الحاسمة في القدرة على تطويق وردع محاولات الهجرة غير النظامية.

هذا الوضع المتكرر كشف محدودية النموذج الحالي للتعاون في ملف الهجرة، إذ تتحمل المملكة كلفة بشرية وأمنية ومالية كبيرة لمراقبة الطرق والسواحل وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، بينما تتخذ جهات أوروبية وإسبانية قرارات قانونية وسياسية قد تؤثر في فعالية هذا التدبير من دون تنسيق مسبق مع الرباط.

ويرى المغرب، وفق مواقفه الأخيرة من الأزمة الحالية، أن مطالبته وحده باحتواء التدفقات، ثم تحميله مسؤولية أي اختلال، يجعل التعاون غير متوازن ويختزل قضية معقدة في بعدها الأمني.

وعلى هذا الأساس، شدد المغرب على أنه “ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا، بل شريك ذو سيادة”، مشددا على أن المغرب يحمي أراضيه ويؤدي نصيبه من المسؤولية، لكنه لا يتولى حراسة الحدود الأوروبية بالنيابة، مشيرا إلى أن التمويلات وحدها لا تكفي، وأن الهجرة لا تعالج بالحواجز والانتشار الأمني فقط.

ودعا المغرب إلى مقاربة جديدة تعيد صياغة قواعد التعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي على أساس المسؤولية المشتركة والتوازن والالتزام المتبادل، تتحمل فيها مدريد مسؤوليتها في تدبير العبور وإعادة القاصرين وفق الضمانات القانونية، وتكون الرباط شريكا كاملا في وضع السياسات والقرارات، لا مجرد “دركي” مكلف بمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *