الكاتب: AM+ Media

  • الدبلوماسية الروحية.. القوة الناعمة ترسخ الحضور المغربي في قلب إفريقيا

    الدبلوماسية الروحية.. القوة الناعمة ترسخ الحضور المغربي في قلب إفريقيا

    لم تكن عودة المغرب القوية إلى إفريقيا خلال العقود الأخيرة رهانا اقتصاديا أو دبلوماسيا فحسب، بل استندت أيضا إلى رصيد تاريخي وروحي ظل حاضرا في وجدان عدد من شعوب القارة على مدى قرون.

    نسج المغرب، من الزوايا والطرق الصوفية إلى حركة العلماء والقوافل التجارية، شبكة من الروابط الدينية والثقافية التي تجاوزت الحدود الجغرافية، قبل أن تتحول، في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى أحد أبرز مكونات القوة الناعمة للمملكة وأداة موازية للدبلوماسية السياسية والاقتصادية.

    وخلال سبعة وعشرين عاما، لم يكتف المغرب بالحفاظ على هذا الإرث، بل عمل على مأسسته عبر مبادرات ومؤسسات دينية، وتوسيع مجالات حضوره في القارة من خلال تكوين الأئمة، وتعزيز التعاون بين العلماء، وترسيخ نموذج ديني قائم على الاعتدال والوسطية.

    وأصبحت الدبلوماسية الروحية إحدى الركائز التي دعمت الشراكات المغربية الإفريقية، وأسهمت في بناء الثقة وتهيئة الأرضية لتعاون سياسي واقتصادي وتنموي أكثر عمقا واستدامة.

    ويعكس هذا التوجه ارتباط المغرب التاريخي بإفريقيا، وهو ما سبق أن عبر عنه الملك الراحل الحسن الثاني بقوله إن “المغرب شجرة تمتد جذورها المغذية امتدادا عميقا في التراب الإفريقي، وتتنفس بفضل أوراقها التي يقويها النسيم الأوروبي”، في إشارة إلى رسوخ الانتماء الإفريقي للمملكة وتعدد دوائر ارتباطها.

    وقد اكتسب هذا البعد زخما أكبر بعد اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، إذ تعززت من خلال زياراته المتعددة وتقوت أكثر من خلال مبادراته في القارة.

    الدبلوماسية الروحية في الخطابات الملكية

    اضطلع المغرب تاريخيا بدور مهم في نشر الإسلام وتعزيز التعليم الديني في أجزاء واسعة من إفريقيا، خصوصا في منطقة غرب القارة، من خلال حركة العلماء والفقهاء والتجار، وشبكات التجارة والقوافل التي ربطت شمال إفريقيا ببلدان الجنوب.

    ولم يقتصر هذا التفاعل على انتقال الأفكار والممارسات الدينية، بل أسهم في نشوء انصهار حضاري وثقافي بين المغرب ومحيطه الإفريقي، وأوجد روابط تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.

    وينعكس البعد الروحي والديني للدبلوماسية الروحية تجاه إفريقيا في الخطابات التي تعد تمهيدا وتأسيسا للتوجه المغربي تجاه إفريقيا، وقد انعكس هذا البعد في الخطابات الملكية الموجهة إلى الشعوب والبلدان الإفريقية، وفي الزيارات الملكية المتعددة إلى عدد من دول القارة، التي أتاحت للرباط توظيف المشترك الديني والثقافي باعتباره مدخلاً لتعزيز الثقة والتقارب.

    ومنذ بداية عهده، حرص الملك محمد السادس على التأكيد في خطاباته الإفريقية على أن المغرب تجمعه روابط تاريخية وروحية عميقة بالقارة، ففي خطاب تنصيب المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2016، ربط جلالة الملك محمد السادس صراحة بين المؤسسة و”عمق الأواصر الروحية العريقة” التي تجمع الشعوب الإفريقية جنوب الصحراء بملك المغرب وأمير المؤمنين، مستحضرا وحدة العقيدة والمذهب والتراث الحضاري المشترك.

    ويتضح ذلك أيضا في الخطاب الملكي أمام القمة الإفريقية سنة 2017، حين استُحضر الانتماء الإفريقي للمغرب باعتباره عودة إلى بيته بعد طول الغياب، بالتوازي مع إبراز حصيلة الاتفاقيات والشراكات والمشاريع التي عززت حضور المملكة في القارة.

    وتوضح هذه الإشارات أن الدبلوماسية الروحية لم تُطرح في الخطاب الملكي باعتبارها بعدا دينيا منفصلا عن السياسة الخارجية، وإنما ضمن تصور أوسع للعلاقات المغربية الإفريقية، يجمع بين الروابط الروحية والتاريخية من جهة، والتعاون السياسي والاقتصادي والتنموي من جهة أخرى.

    وتكتسب الزيارات الملكية أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط باعتبارها محطات لتعزيز العلاقات الثنائية، وإنما باعتبارها فرصة لاستحضار المشترك الديني والثقافي والروحي مع عدد من الدول الإفريقية، إذ جعل الملك محمد السادس من الزيارات إلى دول جنوب الصحراء، منذ بداية عهده، إحدى آليات تكريس القرب والتضامن والتعاون، وهو ما تزامن مع بناء شبكة واسعة من الاتفاقيات والشراكات متعددة المجالات.

    وبذلك، تكشف الخطابات والزيارات الملكية خلال الفترة الممتدة من 1999 إلى 2026 عن تطور تدريجي في توظيف البعد الروحي ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، بحيث انتقل من استحضار الروابط التاريخية والدينية المشتركة، إلى مأسسة التعاون الديني، ثم توسيع نطاقه ليشمل قضايا الأمن والاستقرار والتضامن والتنمية والشراكة متعددة الأبعاد.

    الدبلوماسية الروحية.. قوة ناعمة تجاه إفريقيا

    وتكتسب الدبلوماسية الروحية أهمية خاصة في الحالة المغربية، بالنظر إلى عمق الروابط التاريخية والدينية التي تجمع المملكة بعدد من البلدان الإفريقية، سيما في غرب القارة، بحيث لم تتشكل هذه الروابط حديثا، وإنما تعود إلى قرون من التفاعل الحضاري والتبادل الثقافي والديني، حيث أسهم المغرب، عبر طرق التجارة والعلم ورحلات العلماء وانتشار الزوايا والطرق الصوفية، في ترسيخ روابط روحية امتدت إلى مجتمعات إفريقية متعددة.

    ومع عودة المغرب بقوة إلى الفضاء الإفريقي، لم تعد هذه الروابط مجرد إرث تاريخي أو علاقات دينية عابرة للحدود، بل تحولت تدريجيا إلى أداة مؤسساتية ضمن منظومة القوة الناعمة المغربية.

    وعمل المغرب في هذا السياق على مأسسة حضوره الديني في إفريقيا من خلال تكوين الأئمة والمرشدين، وتعزيز التعاون بين العلماء، وإحداث مؤسسات متخصصة، فضلاً عن استثمار الروابط الصوفية والثقافية في توطيد علاقاته مع عدد من الدول الإفريقية.

    وإلى جانب دور الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب في نقل الممارسات الدينية إلى دول إفريقية، فهي تساهم أيضا في تشكيل روابط روحية وثقافية عابرة للحدود، إذ كان لها حضور في بناء أنماط من الهوية الدينية والاجتماعية في عدد من المجتمعات الإفريقية، ما حافظ على امتداد الروابط الروحية بين المغرب وعمقه الإفريقي عبر الزمن.

    وفي هذا السياق، أكد عبد اللطيف التواصلي، باحث مهتم بمؤسسة إمارة المؤمنين والشأن الديني بالمغرب وإفريقيا، أن الدبلوماسية الروحية تعد من أبرز تجليات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، لأنها تعتمد على التأثير من خلال القيم المشتركة والروابط الثقافية والدينية وليس عبر وسائل الضغط أو الإكراه.

    وأكد التواصلي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المغرب استطاع أن يوظف ما راكمه عبر تاريخه من شرعية دينية ومؤسسات علمية عريقة وخبرة في تدبير الشأن الديني، ليقدم أنموذجا يحظى بالقبول والثقة لدى العديد من الدول الإفريقية.

    وأضاف المتحدث أن خصوصية القوة الناعمة المغربية تتجلى في كونها لا تنفصل عن مقاربة تنموية وإنسانية شاملة، إذ تتكامل الدبلوماسية الروحية مع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، بما يعزز مصداقية الحضور المغربي في القارة ويمنحه قدرة أكبر على الاستمرارية والاستدامة.

    ومن جانبه، أكد عبد الوهاب رفيقي، الباحث في الفكر الديني، في تصريح خص به جريدة “AM+ MEDIA”، أن الدبلوماسية الروحية هي اليوم واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، وربما أكثرها استدامة.

    ويشير رفيقي في معرض حديثه عن أهمية الدبلوماسية الروحية إلى أن الاقتصاد قد يتأثر بالأزمات، والتحالفات السياسية قد تتغير، أما الروابط الدينية والثقافية فتتمتع بقدرة أكبر على الاستمرار، لافتا إلى أن المغرب لم يبن حضوره الروحي في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، بل استند إلى تاريخ طويل من العلاقات التي صنعتها الزوايا والطرق الصوفية والعلماء والقوافل التجارية.

    بناء على ذلك، أبرز المتحدث ذاته أن المغرب لم يكن يصدّر نموذجاً جديداً، وإنما أعاد إحياء رصيد تاريخي كان موجوداً أصلاً، لا يقوم على الهيمنة ولا على تصدير الإيديولوجيا، بل على تكوين الأئمة، وتأهيل القيادات الدينية، وترسيخ قيم الاعتدال، وهو ما جعل عدداً من الدول الإفريقية تنظر إلى التجربة المغربية باعتبارها شريكاً في تحقيق الأمن الروحي، وليس مجرد فاعل ديني.

    ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها أحد مكونات القوة الناعمة المغربية، لا باعتبارها بديلا عن الأدوات السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يفسر استمرار حضور البعد الروحي في السياسة الإفريقية للمغرب، وانتقاله خلال “العهد الجديد” من روابط تاريخية متجذرة إلى تعاون مؤسساتي أكثر انتظاماً، ضمن رؤية أوسع للعلاقات مع القارة.

    مكانة الدبلوماسية الروحية في السياسة الخارجية المغربية

    وتحتل الدبلوماسية الروحية مكانة خاصة ضمن أدوات السياسة الخارجية المغربية، نظرا لارتباطها برصيد تاريخي وديني وثقافي تشكل عبر قرون من التفاعل بين المغرب وبلدان إفريقيا، سيما في منطقة غرب إفريقيا.

    وأسهمت هذه الروابط في الحفاظ على قنوات للتواصل والتقارب بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية، قبل أن تكتسب خلال العقود الأخيرة أبعادا أكثر حضورا ضمن السياسة الخارجية للمملكة.

    وفي عهد الملك محمد السادس، اكتسب هذا البعد حضورا أكبر ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، في سياق تعزيز انخراط المملكة في القارة وتوسيع علاقاتها مع دولها، إذ أصبح توظيف الرصيد الديني والروحي قائما على مقاربة أكثر مؤسساتية، تستند إلى خصوصية النموذج الديني المغربي المرتكز على المذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المؤمنين، وتقدم هذه العناصر باعتبارها إطارا لترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والتعايش.

    ويكشف هذا التوجه عن انتقال تدريجي من الحفاظ على روابط دينية وروحية تاريخية إلى بناء قنوات مؤسساتية للتعاون الديني، مما جعل الدبلوماسية الروحية أحد مكونات الحضور المغربي في إفريقيا.

    ولم يعد التواصل يقتصر على العلاقات الرسمية بين الحكومات، بل امتد إلى العلماء والأئمة وشيوخ الطرق الصوفية والطلبة والمؤسسات الدينية، وهو ما أتاح للمغرب بناء شبكة من العلاقات ذات طبيعة دينية وثقافية واجتماعية.

    وتُوج هذا المسار بإحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” سنة 2015، التي شكلت نقلة نوعية في مأسسة الدبلوماسية الروحية المغربية، حيث نص الظهير المحدث لها على أهمية الروابط الدينية والتاريخية والثقافية التي تجمع المغرب بإفريقيا، وجعل من توحيد جهود العلماء المغاربة والأفارقة، والتعريف بقيم الإسلام السمحة، وتشجيع البحث والدراسة في الفكر والثقافة الإسلامية، من بين أهدافها الأساسية.

    وفي هذا السياق، حرص الملك محمد السادس، منذ توليه العرش، على مواصلة وتعزيز الروابط مع الطريقة التيجانية، سيما في السنغال، من خلال تنظيم اللقاءات وتوجيه الرسائل إلى ملتقياتها واحتضان شيوخها وزعمائها.

    وحافظت هذه الروابط على حضورها باعتبارها إحدى قنوات التواصل الروحي التي تجمع المغرب بعدد من المجتمعات الإفريقية، حيث تحظى مؤسسة إمارة المؤمنين بمكانة خاصة لدى شيوخ ومقدمي الزوايا التيجانية في السنغال.

    كما ارتبطت الدبلوماسية الروحية المغربية خلال السنوات الأخيرة برهانات تتجاوز المجال الديني، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية التي تواجه عدداً من مناطق القارة، فقد جعل المغرب من نشر خطاب ديني قائم على الاعتدال ومواجهة التطرف أحد مداخل تعاونه مع شركائه الأفارقة، من خلال تكوين الأئمة والمرشدين وتعزيز التعاون بين العلماء.

    بهذا الصدد، تؤكد أمينة الغوباشي، باحثة في العلاقات الدولية، على أهمية الروابط الروحية التي تمتد لجذور لقرون، حيث ساهمت الطرق الصوفية مثل الزاوية التيجانية والقادرية، إلى جانب العلاقات العلمية، في بناء فضاء ديني وثقافي مشترك بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية. وقد وفرت هذه الروابط رصيدا من الثقة سهل تطوير العلاقات في مجالات متعددة وساهم في توطيد الحوار والتعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية.

    تجليات المبادرات الملكية في الدبلوماسية الروحية

    وفي عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عملت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تعزيز حضورها الديني في إفريقيا، بتأسيس رابطة علماء المغرب والسنغال في 3 يونيو 1985، في إطار جهود المغرب للتعريف بالإسلام الوسطي في القارة الإفريقية، وبالتنسيق مع مختلف القطاعات والهيئات الوطنية والدولية المعنية.

    ومن خلال هذه الرابطة، نظمت المملكة مجموعة من الأنشطة الدينية والفكرية، شملت إرسال بعثات من العلماء إلى عدد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب المساهمة في بناء وترميم المساجد، خاصة في السنغال وغينيا وبنين ومالي، فضلاً عن بناء عدد من المراكز الإسلامية.

    كما شملت هذه الجهود توفير نسخ من المصحف الشريف والكتب والمنشورات الإسلامية للمساجد والمدارس القرآنية والجمعيات الإسلامية في عدد من البلدان الإفريقية، من بينها السنغال وكوت ديفوار ومالي. وامتد التعاون كذلك إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة خطباء الجمعة القادمين من بعض الدول الإفريقية، بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية وتكوينية لفائدة بعثات الدول الإفريقية في مجال تنظيم الحج.

    وفي السياق ذاته، حرص المغرب على تعزيز التواصل المباشر مع العلماء والفقهاء الأفارقة، من خلال توجيه دعوات دائمة ومتواصلة لهم للمشاركة في الدروس الحسنية الرمضانية، فضلا عن حضورهم في الندوات واللقاءات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بما أسهم في ترسيخ قنوات للتعاون والتبادل الديني والعلمي بين المغرب وبلدان القارة.

    وتبرز تجليات الدبلوماسية الروحية أيضا بشكل خاص مع إنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات الذي دشنه جلالة الملك في مارس 2015، إلى جانب مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تأسست في يونيو 2015، والتي يترأسها أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وعلى رأس أولوياتها توحيد الجهود في خدمة القيم الدينية المشتركة ومواجهة التطرف وتعزيز الاعتدال.

    كما عمل المغرب على توسيع مجالات التعاون مع المؤسسات الدينية الإفريقية، ففي سنة 2016، مثلا، وقع المغرب وتشاد اتفاقية للتعاون الإسلامي وبروتوكولا بشأن تكوين الأئمة، في إطار إعطاء دفعة جديدة للتعاون بين المغرب والدول الإفريقية في المجال الديني.

    وفي هذا الإطار، أشار رفيقي إلى أن المغرب استطاع أن يحول الرأسمال الديني والتاريخي إلى سياسة عمومية متكاملة، من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة، وتوسيع حضور مؤسسة العلماء الأفارقة، وإعادة تأهيل الروابط مع الزوايا والمرجعيات الدينية في عدد من الدول، ما منح المغرب مصداقية لا تتوفر لكثير من القوى الإقليمية التي حاولت الحضور في إفريقيا عبر المال أو الخطاب الإيديولوجي.

    من جانبها، أكدت الغوباشي، الباحثة في العلاقات الدولية، أن هذه المؤسسات ساهمت في الانتقال من مبادرات دينية متفرقة إلى سياسة عمومية ذات بعد مؤسساتي دبلوماسي تعتمد على التكوين والتنسيق، وبناء شبكات علمية عابرة للحدود، ما عزز استمرارية هذا التوجه داخل السياسة الخارجية المغربية وجعله فاعلا إقليميا مهما.

    عبد اللطيف التواصلي بدوره يؤكد أن التجربة المغربية أظهرت خلال السنوات السبع والعشرين الماضية أن الدبلوماسية الروحية ليست بديلا عن الدبلوماسية السياسية أو الاقتصادية، وإنما رافعة مكملة لها، تسهم في بناء الثقة وتعميق الشراكات، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان والقيم المشتركة يظل من أنجع السبل لترسيخ علاقات إفريقية قائمة على التعاون والتضامن والتنمية المشتركة.

    من التقارب الروحي إلى الشراكات التنموية

    وساهمت الدبلوماسية الروحية في الحفاظ على روابط تاريخية وثقافية ودينية بين المغرب وعدد من البلدان الإفريقية، لا تتوقف أهميتها بالنسبة للسياسة الخارجية المغربية عند حدود المجال الديني، بل تعد منطلقا لبناء علاقات أكثر اتساعا، وانتقلت تدريجيا من التقارب الروحي والثقافي إلى التعاون السياسي والاقتصادي، ثم إلى إطلاق مشاريع واستثمارات ذات أبعاد تنموية.

    وتعد العلاقات المغربية السنغالية من أبرز النماذج التي يمكن من خلالها رصد تداخل البعد الروحي مع الأبعاد السياسية والاقتصادية، فإلى جانب الروابط التاريخية والدينية، سيما الصلات المتجذرة مع الطريقة التيجانية، تطورت العلاقات بين البلدين إلى شراكة تشمل مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والفلاحة والصيد والتكوين.

    وفي نونبر 2025، أكدت الرباط وداكار أن علاقاتهما تقوم على روابط “تاريخية وروحية وإنسانية” استثنائية، وربطتا هذه العلاقات بتعزيز التعاون في التنمية البشرية والتجارة والاستثمار والنقل والسياحة والفلاحة والصحة والطاقة والبنية التحتية.

    وأشارت الغوباشي في هذا الإطار، إلى أن هذه الروابط الروحية ليست العامل الوحيد في توطيد العلاقات المغربية الإفريقية، فنجاحها يرتبط بالتعاون الاقتصادي، والشراكات التنموية مثل المبادرة الأطلسية، والاستقرار السياسي، واحترام خصوصيات كل دولة.

    ومن جانبه، يرى الباحث في الفكر الديني، عبد الوهاب رفيقي، أنه ينبغي ألا ننظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها إنجازاً مكتملًا، بل مشروعاً يحتاج إلى تجديد دائم.

    ويوضح وجهة نظره بالقول إن “إفريقيا اليوم تتغير بسرعة، وتعيش تحولات ديموغرافية ورقمية عميقة، كما أن المنافسة لم تعد فقط بين الدول، بل أيضاً بين المنصات الرقمية والشبكات العابرة للحدود والتيارات الدينية الجديدة، لذلك فإن نجاح الدبلوماسية الروحية في المستقبل سيكون رهيناً بقدرتها على مخاطبة الأجيال الجديدة، وربط البعد الروحي بقضايا التنمية والتعليم والرقمنة، حتى تبقى قوة ناعمة فاعلة وليست مجرد رصيد تاريخي”.

  • المغرب يدين بأشد العبارات الهجوم على منشآت بترولية بالسعودية

    المغرب يدين بأشد العبارات الهجوم على منشآت بترولية بالسعودية

    أدانت المملكة المغربية بأشد العبارات الهجمات بطائرات مسيرة التي استهدفت منشآت بترولية بالمملكة العربية السعودية الشقيقة.

    وذكر بلاغ لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، اليوم الأربعاء، أن المملكة المغربية “تعتبر هذه الهجمات انتهاكا صارخا لسيادة المملكة العربية السعودية، ومساسا خطيرا بأمنها القومي، وتهديدا مرفوضا لأمن واستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط بأسره”.

    وتابع البلاغ أن المملكة المغربية تعبر عن تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية في مواجهة هذه العدوان الغاشم.

    وأضاف المصدر ذاته أن “المملكة المغربية تؤكد وقوفها المطلق إلى جانب المملكة العربية السعودية الشقيقة في كل الإجراءات المشروعة التي تتخذها للدفاع عن سيادتها، وحماية أمنها، وضمان سلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها”.

  • توفر أغلب الشباب على السكن.. بين الحقيقة والتضليل

    توفر أغلب الشباب على السكن.. بين الحقيقة والتضليل

    تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو نسب إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، مرفقا بادعاء يفيد بأنها صرحت بأن “أغلب الشباب المغربي الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة يمتلكون منازل”.

    وتم تداول الادعاء عقب استضافة المنصوري في إحدى حلقات بودكاست “تاويل تالكس”، إذ تم نشر مقطع فيديو قصير مجتزأ من حديثها، مرفوقا بعنوان مضلل “المنصوري.. أغلب الشباب أقل من 30 سنة يملكون اليوم منزلا بفضل دعم الحكومة”، فُهِم منه أن وزيرة إعداد التراب الوطني أكدت امتلاك أغلب الشباب المغاربة دون سن الثلاثين لمنازلهم بفضل برنامج دعم السكن، وهو ما أثار موجة من الانتقادات والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي.

    غير أن مراجعة التصريح الكامل، تُبيِّن أن المقطع المتداول اقتُطع من سياقه، والعنوان الذي رافقه جانب الصواب، إذ لم تكن المنصوري تقدم معطيات أو إحصائيات حول نسبة الشباب المغاربة الذين يمتلكون مساكن، وإنما كانت تتحدث عن برنامج “جواز الشباب” ومدى مساهمته في التشجيع على اقتناء السكن، ضمن دينامية تواكب دعم تملك المغاربة للسكن.

    وقالت المنصوري في حديثها: “برنامج جواز الشباب شجع بشكل كبير الشباب على اقتناء السكن، وفي إطار دعم السكن، انتقلنا من دعم المنعشين العقاريين إلى دعم المواطن مباشرة، وتوسيع الاستفادة لتشمل مناطق لم تستفد من البرامج السابقة”، مؤكدة أن مساهمة الدولة تصل إلى ثلث سعر العقار، وهو دعم غير مسبوق عالميا.

    وبالعودة إلى آخر المعطيات الرسمية الخاصة ببرنامج الدعم المباشر للسكن، فقد بلغت نسبة المستفيدين من الدعم المباشر للسكن 100.367 وفق الحصيلة المرحلية للوزارة، وبنسبة نساء مستفيدات تصل إلى 47,43 في المئة، فيمل تصل نسبة استفادة المغاربة المقيمين بالخارج 24 في المئة .

    وبلغت نسبة المستفيدين من البرنامج الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة 52 بالمئة، وهو ما يعكس إقبالا ملحوظا من فئة الشباب على الاستفادة من هذا الدعم.

    ويشار إلى أن دعم السكن تصل قيمته 100 ألف درهم بالنسبة للمساكن التي لا يتجاوز ثمنها 300 ألف درهم، فيما يصل إلى 70 ألف درهم للمساكن التي يتراوح ثمنها بين 300 و700 ألف درهم.

  • الجمعية الصحراوية للتنمية: جهة الداخلة تجني ثمار الرؤية الملكية

    الجمعية الصحراوية للتنمية: جهة الداخلة تجني ثمار الرؤية الملكية

    أكد رئيس الجمعية الصحراوية للتنمية المستدامة وتشجيع الاستثمار، أحمد حرمة الله، أن جهة الداخلة-وادي الذهب باتت تترسخ اليوم كقطب تنموي مدمج منفتح على محيطه الإقليمي، بفضل الأوراش الكبرى التي أطلقت بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس.

    وأبرز السيد حرمة الله، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة عيد العرش المجيد، أن الجهة شهدت طفرة غير مسبوقة، ما جعلها تتحول إلى قطب جاذب يستفيد من دينامية تنموية شاملة في مختلف المجالات.

    وأشار إلى أن هذا التحول هو ثمرة النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه صاحب الجلالة سنة 2015، ليشكل بذلك منعطفا حقيقيا في مسار تنمية المنطقة من خلال تحفيز الاستثمار، وتحقيق النمو الاقتصادي، وتحديث البنيات التحتية.

    وأضاف أن الأوراش المهيكلة الكبرى، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي، والطريق السريع تيزنيت-الداخلة، ومشاريع الربط الكهربائي، وتقوية البنيات التحتية الأساسية، عززت بشكل ملحوظ جاذبية الجهة لدى المستثمرين المغاربة والأجانب.

    وتابع أن هذه المشاريع مكنت أيضا من خلق فرص شغل لفائدة الشباب، وتشجيع إطلاق مشاريع ضخمة، ولا سيما في مجالات الطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بها.

    وأكد السيد حرمة الله أن الرؤية الملكية جعلت من التنمية المستدامة دعامة أساسية للنمو الاقتصادي، من خلال تشجيع استثمارات منتجة، تخلق الثروة، وتحترم البيئة.

    وأوضح أن هذه المقاربة مكنت جهة الداخلة-وادي الذهب من استقطاب مشاريع كبرى في مجالي السياحة والطاقات النظيفة، مما جعل منها منصة واعدة للاستثمار الأخضر.

    وأضاف أن هذه الدينامية تندرج في إطار الرؤية الملكية الرامية إلى جعل الداخلة بوابة المغرب نحو عمقه الإفريقي، مع ترسيخ دورها كقطب اقتصادي قادر على جذب الاستثمارات وتحفيز التنمية.

    من جهة أخرى، اعتبر السيد حرمة الله أن المجتمع المدني يشكل شريكا أساسيا في مواكبة مختلف أوراش التنمية، لا سيما من خلال تنظيم لقاءات وطنية ودولية تروم التعريف بالمؤهلات الاقتصادية للجهة، واستقطاب المستثمرين، وتشجيع إدماج الشباب والنساء في دينامية الاستثمار.

    وبالنسبة للسيد حرمة الله، فإن مجموع هذه المشاريع والبنيات التحتية يرسخ موقع جهة الداخلة-وادي الذهب كمنصة تتطلع بثبات نحو المستقبل، ومنفتحة على محيطها الإقليمي والدولي.

  • مبادرة “أنا كاين”… حين يتحول التسجيل في اللوائح الانتخابية إلى فعل مواطنة

    مبادرة “أنا كاين”… حين يتحول التسجيل في اللوائح الانتخابية إلى فعل مواطنة

    في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، تبرز الحاجة اليوم إلى مبادرات ميدانية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن ومجالات المشاركة العمومية، خاصة في صفوف الشباب. ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة “أنا كاين” باعتبارها خطوة مواطنة تسعى إلى ترسيخ ثقافة الانخراط الإيجابي في الحياة العامة، عبر التحسيس بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية باعتباره مدخلا أساسيا للمشاركة في صناعة القرار والمساهمة في بناء المستقبل.

    إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في بعدها التنظيمي أو التواصلي، بل في الرسالة الرمزية التي تحملها؛ فهي تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة في الآن ذاته، مفادها أن المواطن لا يمكن أن يطالب بالتغيير وهو خارج دائرة الفعل والمشاركة. فالتسجيل في اللوائح الانتخابية ليس إجراء تقنيا معزولا، بل إعلان ضمني عن الحضور داخل المجال العمومي، وتأكيد على أن المواطن معني بمستقبل وطنه وبالاختيارات التي ترسم ملامحه السياسية والتنموية.

    وتكتسي هذه المبادرة بعدا وطنيا مهما، لأنها اختارت أن تضع مسافة واضحة بين واجب التسجيل في اللوائح الانتخابية وبين حرية الاختيار السياسي. فالدعوة إلى التسجيل لا تعني توجيه المواطنين نحو حزب معين أو توجه سياسي محدد، بل هي دعوة صادقة لترسيخ وعي ديمقراطي يعتبر أن المشاركة حق دستوري وواجب وطني، بينما يظل التصويت واختيار الانتماء أو التوجه السياسي قرارا شخصيا وسياديا يعود لكل مواطن وفق قناعاته الخاصة.

    ولعل ما يمنح المبادرة مصداقية أكبر هو أن منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة اختارت بوعي ومسؤولية ألا تضع رمز الشبيبة أو الحزب في الحملة، في إشارة واضحة إلى أن الهدف الأساسي ليس تحقيق مكاسب سياسية ضيقة، بل ترسيخ ثقافة المشاركة المواطنة وتشجيع الشباب المغربي على التسجيل في اللوائح الانتخابية باعتباره واجبا وطنيا قبل أي اعتبار حزبي أو انتخابي. وهي رسالة سياسية ناضجة تؤكد أن الديمقراطية القوية تبدأ أولا من توسيع دائرة المشاركة، لا من توجيه اختيارات المواطنين.

    كما أن تعميم المبادرة على مختلف أقاليم المملكة يمنحها بعدا مجتمعيا شاملا، ويؤكد أن الرهان اليوم لم يعد محصورا في المدن الكبرى فقط، بل يشمل أيضا العالم القروي والمناطق البعيدة التي تحتاج بدورها إلى تأطير سياسي ومدني يعزز الإحساس بالمواطنة والانتماء. فالتنمية الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق إلا حين يشعر كل مواطن، أينما كان، أن صوته له قيمة وأن مشاركته يمكن أن تحدث الفرق.

    وتأتي هذه المبادرة أيضا في لحظة تحتاج فيها الحياة السياسية إلى خطاب جديد أكثر قربا من المواطنين، خطاب يبتعد عن التخويف أو المزايدات، ويتجه نحو استعادة الثقة بلغة بسيطة وواقعية. فالشباب المغربي اليوم لا يرفض السياسة في جوهرها، بقدر ما يبحث عن نماذج ومبادرات تمنحه الإحساس بأن مشاركته ذات معنى وأن صوته قادر على التأثير في السياسات العمومية وفي مستقبل مجتمعه.

    وفي الأخير، فإن نجاح مثل هذه المبادرات يبقى رهينا بقدرتها على الوصول إلى الناس بلغة صادقة وبعيدا عن الحسابات الضيقة، لأن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط رفع نسب التسجيل، بل بناء جيل جديد يؤمن بأن المشاركة ليست امتيازا، وإنما مسؤولية جماعية تساهم في حماية المسار الديمقراطي وتعزيز استقرار الوطن وتقدمه.

  • بنك المغرب يصدر قطعة نقدية تذكارية في عيد العرش

    بنك المغرب يصدر قطعة نقدية تذكارية في عيد العرش

    أصدر بنك المغرب قطعة نقدية تذكارية فضية من فئة 250 درهما، وذلك تخليدا للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، على عرش أسلافه المنعمين.

    وأوضح بنك المغرب، في بلاغ له، بأن وجه القطعة النقدية يحمل صورة صاحب الجلالة الملك محمد السادس وعبارات “محمد السادس”، “المملكة المغربية – ⵜⴰⴳⵍⴷⵉⵜ ⵏ ⵍⵎⵖⵔⵉⴱ” بالحروف العربية وبحروف تيفيناغ مع الإشارة إلى سنة الإصدار : ” 1448-2026″.

    وأضاف المصدر ذاته أنه في وسط ظهر القطعة يبرز شعار المملكة وشهب نارية على شكل نجوم، بالإضافة إلى الرقم 27 إشارة إلى الذكرى المحتفى بها.

    وكتب على ظهر القطعة النقدية التذكارية في الأعلى عبارة “الذكرى السابعة والعشرون لتربع جلالة الملك على العرش” مع ترجمتها الفرنسية في الأسفل : 27ème ANNIVERSAIRE DE L’INTRONISATION DE S.M. LE ROI MOHAMMED VI “، بالإضافة إلى قيمتها الإسمية بالأرقام “250” والحروف العربية “مائتان وخمسون درهما”.

    وفي ما يخص الخصائص التقنية للقطعة، خلص البلاغ، إلى أنها تتكون من مزيج الفضة ‰925 والنحاس ‰75 وتزن 28,28 غراما بقطر يصل إلى 38,61 ميليمترا.

  • مركز تفكير إفريقي: المغرب مرجع لإفريقيا في التحول الصناعي

    مركز تفكير إفريقي: المغرب مرجع لإفريقيا في التحول الصناعي

    أكد رئيس مركز التفكير “مبادرة السياسات من أجل التنمية الاقتصادية” (PIED Africa)، دانييل أماتيي أنيم-بريمبيه، أن المغرب يفرض نفسه كـ”مرجع لإفريقيا” في مجال التحول الصناعي.

    وأوضح الخبير الغاني البارز، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء بأكرا، أن الاستثمارات الاستراتيجية التي باشرها المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من أجل تسريع وتيرة تحول اقتصاده، ولاسيما في مجال التصنيع، تشكل “نموذجا متميزا يجدر أن تستلهم منه بلدان القارة الإفريقية”.

    ولفت الاقتصادي المرموق الانتباه إلى أن هذا التحول الصناعي العميق هو ثمرة تخطيط طويل الأمد تم تنفيذه على نحو متواصل وفقا للرؤية الملكية المتبصرة.

    وأضاف “إننا نرحب في مركز PIED Africa، بكون المغرب بات أول قطب لصناعة السيارات في القارة الإفريقية”.

    واعتبر أن “النجاح الاستثنائي” للتجربة المغربية يتيح لباقي البلدان الإفريقية، ولاسيما غانا، فرصة لاستخلاص “دروس قيمة” وإقامة شراكة استراتيجية مع المملكة، قصد الاستفادة من نموذجها في تنفيذ سياسات تطوير صناعة السيارات.

    كما أبرز الخبير الغاني التطور الملفت لقطاع صناعة الطيران بالمغرب، الذي تمكن من بناء إحدى أكثر الصناعات تقدما في إفريقيا في هذا المجال، واستقطاب كبرى الشركات الدولية.

    وسجل، من جهة أخرى، أن المغرب عبأ استثمارات مهمة مكنته اليوم من التموقع ضمن البلدان الإفريقية الرائدة في مجالات الطاقات المتجددة، والبنيات التحتية الصناعية واللوجستية، والتحول الرقمي، والرياضة، مبرزا أن المملكة تشكل، بالفعل، “بوابة استراتيجية حقيقية نحو إفريقيا”.

    وفي هذا السياق، أشاد مركز (PIED Africa) بالرؤية المغربية الرامية إلى إرساء بيئة سياسية مواتية، وتعبئة مختلف الفاعلين المعنيين لإنجاح هذا التحول الاقتصادي والصناعي الكبير.

    وتابع السيد دانييل أماتيي أنيم-بريمبيه أن المركز يدعو، في هذا الصدد، باقي اقتصادات القارة إلى تطوير مبادلاتها مع المغرب وإقامة شراكات استراتيجية مع المملكة، بما يعزز قدرتها التنافسية ويعود بالنفع على القارة الإفريقية برمتها.

    وخلص الخبير الغاني إلى أن المملكة برهنت للقارة الإفريقية أن التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في الرأسمال البشري، وتطوير البنيات التحتية، والانفتاح على الشراكات الدولية، تشكل الدعامات الأساسية لإنجاح أي تحول اقتصادي وصناعي.

  • من 46 إلى 182 مليار دولار.. كيف تضاعف الاقتصاد المغربي أربع مرات في 27 سنة؟

    من 46 إلى 182 مليار دولار.. كيف تضاعف الاقتصاد المغربي أربع مرات في 27 سنة؟

    في 30 يوليوز 1999، حين ألقى الملك محمد السادس خطابه الأول من جامع فاس الكبير، كان المغرب اقتصادا هشا بالمقاييس الدولية بمعدل 46 مليار دولار فقط كناتج داخلي إجمالي، وبطالة تلامس 14 في المئة، وفقر يطال أكثر من مغربي واحد من كل سبعة.

    سبعة وعشرون عاما بعد ذلك، تُعد المملكة اليوم أول مصدّر للسيارات في إفريقيا، وقطبا صناعيا للطيران، وموطنا لأكبر ميناء حاويات في القارة، وسوقا استقطبت رقما قياسيا من السياح تجاوز 19.8 مليون زائر سنة 2025.

    وبين هذين المشهدين، تروي الأرقام الرسمية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومكتب الصرف المغربي حكاية تحول اقتصادي عميق، لكنها حكاية لم تخل من تفاوتات وتحديات اجتماعية لا تزال قائمة، أبرزها بطالة تقاوم كل محاولات الإصلاح، وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى 27 لعيد العرش، وضعت “AM+ MEDIA” محطات هذا التحول تحت المجهر.

    اقتصاد تضاعف حجمه أربع مرات

    الرقم الأكثر دلالة على حجم التحول هو الناتج الداخلي الإجمالي، فمن 46.27 مليار دولار سنة 1999 إلى 182.37 مليار دولار سنة 2025، أي ما يقارب أربعة أضعاف قيمته الأصلية خلال ثلاثة عقود، وقد ورافق هذا التوسع ارتفاع نصيب الفرد من الثروة الوطنية من 1635 إلى 4672 دولارا، ما يعني أن المغربي العادي يملك اليوم قدرة شرائية تقارب ثلاثة أضعاف ما كان يملكه جيل والديه عند مطلع الألفية.

    لكن وتيرة هذا النمو لم تكن خطا مستقيما صاعدا، بل رحلة تخللتها فترات ازدهار وانكسار، فقد سجل الاقتصاد الوطني أعلى معدلات نموه في العشرية الأولى من العهد، بمتوسط بلغ 4.9 في المئة سنويا بين 2000 و2007، قبل أن تتباطأ الوتيرة إلى 3.69 في المئة بين 2008 و2019 تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، ثم تتلقى صدمة قاسية سنة 2020 حين انكمش الاقتصاد بنسبة 7.18 في المئة جراء جائحة كوفيد-19 وتوالي سنوات الجفاف.

    بيد أن المفاجأة جاءت في السنوات الأخيرة، حين استعاد الاقتصاد عافيته بقوة، محققا نموا بلغ 4.6 في المئة سنة 2025 حسب تقديرات البنك الدولي، في إشارة إلى أن المغرب ربما يكون قد طوى صفحة سنوات الجفاف المتتالية وبدأ يجني ثمار استثماراته الصناعية.

    حين يصبح المغرب وجهة للمستثمرين

    لم يكن هذا التوسع الاقتصادي ممكنا دون تحول جذري في نظرة المستثمرين الأجانب إلى المملكة، فقد قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصافية من 827 مليون دولار فقط سنة 1999 إلى رقم قياسي غير مسبوق بلغ 3.32 مليارات دولار سنة 2025، وهو رقم يعكسه أيضا مكتب الصرف الذي رصد مداخيل استثمار أجنبي إجمالية بلغت 56.05 مليار درهم سنة 2025، بقفزة قدرها 28 في المئة مقارنة بسنة 2024.

    هذه الثقة المتنامية انعكست مباشرة على حجم المبادلات التجارية للمملكة مع العالم، فصادرات السلع التي لم تكن تتجاوز 4.87 مليارات دولار سنة 1999 بلغت 43.72 مليار دولار سنة 2025، أي تضاعفت تسع مرات، فيما تضخمت الواردات بالوتيرة نفسها تقريبا من 8.15 إلى 77.18 مليار دولار حسب البنك الدولي، ورغم أن هذا التوسع لم يُفلح بعد في سد الفجوة التجارية، التي بلغت 152.5 مليار درهم سنة 2025 بمعدل تغطية للواردات بالصادرات لم يتجاوز 82.6 في المئة، فحجم التبادل التجاري في حد ذاته يعكس اقتصادا بات أكثر اندماجا في السلاسل الصناعية العالمية.

    من الصفر إلى قائد إفريقيا في صناعة السيارات والطائرات

    لعل القصة الأكثر إثارة في هذه الحصيلة هي قصة نجاح قطاع صناعة السيارات، التي لم يكن لها وجود يُذكر في المغرب عند مطلع الألفية، ففي سنة 2004 فقط، لم يتجاوز إنتاج المركبات في المملكة 13 ألف وحدة سنويا وهو رقم هامشي بكل المقاييس، فيما اليوم، يخرج من المصانع المغربية أكثر من نصف مليون سيارة سنويا، بعدما بلغ الإنتاج رقما قياسيا وصل إلى 559.645 وحدة سنة 2024، قبل أن يستقر عند 501.965 وحدة سنة 2025.

    نقطة التحول الحاسمة جاءت مع افتتاح مصنع “رونو” العملاق بطنجة (مليوسة) سنة 2012، تلاه افتتاح مصنع “ستيلانتيس” (بيجو-سيتروين سابقا) بالقنيطرة سنة 2019، هذان المصنعان صدّرا معا 539.362 مركبة سنة 2024، ليحتل المغرب مرتبة الدولة الإفريقية الأولى في تصدير السيارات، مستحوذا على 58 في المئة من إجمالي الصادرات القارية ومتجاوزا جنوب إفريقيا، القوة الصناعية التاريخية في القارة.

    ولم يعد القطاع مجرد وحدات تجميع، إذ باتت صادراته تبلغ 157.59 مليار درهم سنة 2024، أي أكثر من ثلث صادرات السلع الوطنية بأكملها، ليتصدر بذلك قائمة القطاعات المصدّرة قبل الفوسفاط نفسه، أما الطموح المغربي فهو لا يتوقف عند هذا الحد، بطاقة إنتاجية حالية تبلغ 700 ألف وحدة سنويا، يسعى المسؤولون إلى رفعها إلى مليون سيارة في السنوات المقبلة.

    بالتوازي مع السيارات، نما قطاع صناعة الطيران من الصفر تقريبا إلى أن أصبح المغرب يُعرف اليوم بـ”القطب الإفريقي الأول” في هذا المجال الحساس والدقيق.

    القطاع الذي انطلق فعليا سنة 2001 مع تأسيس شركة “ماتيس” في شراكة بين عملاق الطيران الأمريكي بوينغ ومجموعة سافران والخطوط الملكية الجوية، لم يكن يضم آنذاك سوى نحو عشر شركات و300 موظف.

    أما اليوم، يوظف القطاع أكثر من 26 ألف شخص موزعين على نحو 150 شركة، بمعدل اندماج صناعي محلي بلغ 42 في المئة، وحقق صادرات بقيمة 29.09 مليار درهم سنة 2025، بعد ارتفاع تجاوز 14 في المئة سنة 2024.

    شمس الصحراء تضيء المزيج الطاقي

    في بلد يستورد جزءا كبيرا من احتياجاته من الطاقة الأحفورية، شكّل الرهان على الطاقات المتجددة أحد أكثر الخيارات الاستراتيجية جرأة خلال العهد الجديد، واليوم تشكل الطاقات النظيفة أكثر من 46 في المئة من المزيج الكهربائي الوطني، بطاقة مركبة بلغت 4851 ميغاواط في نهاية 2025، موزعة بين الريح (2452 ميغاواط) والشمس (1086 ميغاواط) والمياه (1306 ميغاواط)، أي ضعف ما كانت عليه القدرة المركبة سنة 2016 فقط.

    ويبقى مركب “نور” ورزازات، الذي دشّنه الملك شخصيا في فبراير 2016 باستثمار فاق 24 مليار درهم، رمزا لهذا الرهان بطاقة إنتاجية تبلغ 580 ميغاواط تكفي لتزويد نحو مليوني مغربي بالكهرباء، والهدف المعلن اليوم هو بلوغ 52 في المئة من المزيج الطاقي من مصادر متجددة بحلول 2030، أي موعد استضافة كأس العالم لكرة القدم.

    سياحة تكسر كل الأرقام القياسية

    في القطاع السياحي أيضا تروي الأرقام قصة نجاح لافتة، فقد انتقل عدد الزوار الوافدين على المغرب من 4.09 ملايين سنة 1999 إلى رقم تاريخي بلغ 19.8 مليون زائر سنة 2025، بارتفاع 14 في المئة مقارنة بسنة 2024 التي شهدت بدورها 17.4 مليون وافد.

    ولم تقتصر هذه الطفرة على عدد الزوار فحسب، بل امتدت إلى العائدات المالية التي بلغت 138.1 مليار درهم سنة 2025، أي أعلى بنسبة 75 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة سنة 2019، ما يمنح المغرب زخما إضافيا وهو يستعد لاستضافة تظاهرات رياضية كبرى، أبرزها كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

    على الصعيد الاجتماعي، تحمل الحصيلة وجهين متناقضين، فمن جهة سجل معدل الفقر تراجعا لافتا من 15.3 في المئة ما بين 2000 و2001 إلى 3.9 في المئة فقط سنة 2022 وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط والبنك الدولي، كما تراجع الفقر متعدد الأبعاد من 11.9 في المئة سنة 2014 إلى 6.8 في المئة سنة 2024، رغم أن ثلاثة أرباع هؤلاء الفقراء لا يزالون يتركزون في العالم القروي.

    وارتقى المغرب في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة من 0.528 نقطة سنة 2000 إلى 0.710 نقطة سنة 2023، ليدخل للمرة الأولى في تاريخه نادي الدول ذات “التنمية البشرية المرتفعة”، محتلا المرتبة 120 من أصل 193 دولة، وهو إنجاز توَّج به مسارا طويلا من الإصلاحات.

    الحماية الاجتماعية للجميع.. حلم يقترب من التحقق

    من أكبر الأوراش الاجتماعية التي طبعت السنوات الأخيرة من العهد الجديد، برز مشروع تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2021، واليوم، بات أكثر من 32 مليون مغربي؛ 88 في المئة من سكان المملكة، مستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، مقابل تغطية لم تكن تتجاوز 42 في المئة من السكان قبل انطلاق الإصلاح في واحد من أكبر أوراش العدالة الاجتماعية التي عرفتها المملكة في تاريخها الحديث.

    ولم يكن هذا التحول بلا كلفة مالية، فقد بلغ الدين العمومي للخزينة 67.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 (أي 1163 مليار درهم)، مع عجز في الميزانية بلغ 60.5 مليار درهم، ما يعادل 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض هذه النسبة تدريجيا إلى 60.5 في المائة بحلول أفق 2031، في ظل التزام الحكومة بمسار للتقشف المتدرج والإصلاح الضريبي.

    بنية تحتية غيّرت جغرافيا البلاد

    من الصعب الحديث عن حصيلة 27 سنة دون التوقف عند البنية التحتية التي أعادت رسم الخريطة الاقتصادية للمملكة، فميناء طنجة المتوسط، الذي دخل الخدمة سنة 2007، تحوّل خلال أقل من عقدين إلى أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا وحوض المتوسط، بعدما عالج 11.1 مليون حاوية مكافئة سنة 2025 وحدها (بارتفاع 8.4 في المئة)، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 9 ملايين حاوية موزعة على أربع محطات تربط 180 ميناء في 70 دولة حول العالم.

    وفي مجال النقل السككي، أصبح القطار فائق السرعة “البراق”، الذي يربط طنجة بالقنيطرة منذ سنة 2018 بكلفة بلغت 22.9 مليار درهم، رمزا للحداثة، بعدما نقل 5.6 مليون مسافر سنة 2025 وحدها، فيما انطلقت في أبريل 2025 أشغال توسعة الخط ليصل مراكش على مسافة 430 كيلومترا إضافيا بكلفة 53 مليار درهم، استعدادا لموسم رياضي حافل. أما شبكة الطرق السيارة، فقد توسعت من نحو 400 كيلومتر فقط سنة 1999 إلى ما يقارب 1800 كيلومتر اليوم، لتحتل المرتبة الثانية إفريقيا، مع هدف الوصول إلى 3000 كيلومتر بحلول 2030.

    وهذا التحول البنيوي انعكس بشكل مباشر على نظرة المؤسسات الدولية إلى مناخ الأعمال بالمملكة، فقد قفز ترتيب المغرب في مؤشر “ممارسة أنشطة الأعمال” التابع للبنك الدولي من المرتبة 128 من أصل 183 دولة سنة 2010 إلى المرتبة 53 من أصل 190 دولة سنة 2020، أي تقدم بواقع 75 مرتبة خلال عقد واحد فقط، ليواصل تقدمه في المؤشر الخلَف لسنة 2025 بنقطة 63.44 من أصل 100، محتلا المرتبة الثانية على المستويين الإفريقي والعربي .

    أي أفق اقتصادي بانتظار المغرب؟

    وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، تختلف توقعات المؤسسات الاقتصادية بخصوص وتيرة النمو المرتقبة لسنة 2026، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نموا بنسبة 4.4 في المئة بينما تراهن المندوبية السامية للتخطيط على 5.0 في المئة، في حين يذهب بنك المغرب إلى توقع أكثر تفاؤلا بلغ 5.6 في المئة، بينما يبقى البنك الدولي أكثر تحفظا بتوقع لا يتجاوز 4.2 في المائة.

    وهذا التباين في التقديرات، الذي يعكسه بشكل رئيسي عاملان أساسيان هما حجم المحصول الفلاحي المرتقب وحجم استثمارات البنية التحتية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، يلخص في حد ذاته طبيعة التحدي الذي لا يزال الاقتصاد المغربي يواجهه، بما فيه اقتصاد أصبح أكثر تنوعا وصناعة من أي وقت مضى، لكنه لا يزال إلى حد بعيد رهين تقلبات الطبيعة والمناخ.

    سبعة وعشرون عاما بعد ذلك الخطاب الأول، يبدو المغرب اليوم بلدا مختلفا تماما، أكثر انفتاحا على العالم وأكثر تصنيعا، وأكثر ربطا ببنية تحتية حديثة.

  • من البنية التحتية إلى القوة الجيو-اقتصادية.. رؤية ملكية تصنع مغرب المستقبل

    من البنية التحتية إلى القوة الجيو-اقتصادية.. رؤية ملكية تصنع مغرب المستقبل

    لم تكن البنية التحتية في المغرب، خلال العقود الماضية، مجرد قطاع من قطاعات الاستثمار العمومي، بل تحولت إلى أحد أبرز أعمدة المشروع التنموي الذي قاده الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش في 30 يوليوز 1999.

    ومنذ السنوات الأولى للعهد الجديد، برز توجه واضح نحو بناء اقتصاد أكثر تنافسية، يقوم على تحديث شبكات النقل، وتوسيع الموانئ والمطارات، وتأهيل البنيات المائية، وربط مختلف جهات المملكة بشبكة متكاملة من التجهيزات الكبرى.

    هذا التوجه لم يتشكل دفعة واحدة، بل تدرج عبر خطابات ملكية، ومجالس وزارية، وجلسات عمل، قبل أن يترجم إلى مشاريع مهيكلة غيرت الخريطة الاقتصادية للمغرب، وجعلته اليوم من بين الدول الإفريقية الأكثر استثمارا في البنية التحتية. ولم تعد هذه المشاريع تقاس بعدد الكيلومترات أو المنشآت التي أنجزت، وإنما بقدرتها على استقطاب الاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستيكي يربط أوروبا بإفريقيا.

    سنة 2000.. التنمية الاقتصادية مدخل لبناء المغرب الجديد

    بعد أقل من سنة على اعتلاء العرش، وضع الملك محمد السادس أولى ملامح هذه الرؤية في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2000، حين أكد أن التنمية الاقتصادية تشكل أساس الإصلاح الشامل، قائلا: “إنه لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية، مما يستوجب بناء اقتصاد جديد، قادر على مواكبة العولمة، ورفع تحدياتها.”

    ذا التوجيه رسم الإطار العام الذي ستنبثق منه مختلف الأوراش الكبرى خلال السنوات اللاحقة، لأن بناء اقتصاد قادر على المنافسة كان يقتضي توفير بنية تحتية حديثة، تسمح بتنقل الأشخاص والسلع في ظروف أفضل، وتخفض كلفة الإنتاج، وتجعل المغرب أكثر جاذبية للمستثمرين.

    ومنذ تلك المرحلة، بدأت الدولة رفع وتيرة الاستثمار في الطرق السيارة، وتأهيل الموانئ، وتطوير المطارات، إلى جانب إطلاق برامج لفك العزلة عن العالم القروي، في إطار تصور يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة المجالية.

    من الرؤية إلى التنفيذ.. بداية الأوراش المهيكلة

    مع مطلع الألفية الجديدة، انتقل المغرب من مرحلة وضع التصورات إلى مرحلة إطلاق المشاريع الكبرى، فخلال خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية لسنة 2003، جدد الملك تأكيد ضرورة تحسين مناخ الاستثمار وتطوير التجهيزات الأساسية، باعتبارها أحد الشروط الرئيسية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    وفي السنة نفسها، تكثفت الدراسات المتعلقة بأحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ المملكة، وهو ميناء طنجة المتوسط، الذي خضع لسلسلة من جلسات العمل الملكية قبل إعطاء انطلاقة الأشغال في فبراير 2003، ليصبح لاحقا أبرز نقطة في السياسة اللوجستية للمغرب.

    ولم يكن اختيار طنجة اعتباطيا، فموقعها عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وعلى مقربة من مضيق جبل طارق، منحها مؤهلات طبيعية جعلت المشروع يتجاوز فكرة إنشاء ميناء جديد، إلى بناء منصة قادرة على إعادة تموقع المغرب داخل سلاسل التجارة العالمية.

    لكن أهمية المشروع لا تكمن في الميناء وحده، بل في المنظومة الاقتصادية التي نشأت حوله. فقد واكبت الدولة إنجازه بإحداث مناطق صناعية ولوجستيكية، وربطه بالطرق السيارة والسكك الحديدية، مما جعل طنجة تستقطب استثمارات صناعية كبرى، خاصة في قطاعي السيارات والطيران، وأسهم في تحول الجهة إلى أحد أهم مراكز التصدير بالمملكة.

    وبهذا الانتقال، لم يعد الميناء مجرد فضاء لعبور السفن، بل أصبح محورا اقتصاديا متكاملا، يجسد الفلسفة التي طبعت سياسة البنية التحتية خلال العهد الجديد: مشاريع مترابطة تخدم الاستثمار، وتعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمغرب.

    وفي موازاة ذلك، واصلت الدولة توسيع شبكة الطرق السيارة، بهدف ربط أهم الأقطاب الاقتصادية للمملكة، وتقليص زمن التنقل بين المدن، وهو ما شكل بداية تحول نوعي في طريقة تدبير البنية التحتية، إذ لم تعد المشاريع تنجز بشكل منفصل، بل ضمن رؤية تجعل كل ورش يكمل الآخر.

    الطرق السيارة.. ربط الجهات قبل جذب المستثمرين

    عند بداية العهد الجديد، كانت شبكة الطرق السيارة بالمغرب لا تزال محدودة، وهو ما كان ينعكس على حركة نقل البضائع والأشخاص، ويرفع كلفة اللوجستيك بالنسبة للمقاولات.

    ومنذ سنة 2000، شهد هذا القطاع دينامية متسارعة، حيث جرى إطلاق وإنجاز محاور استراتيجية ربطت الدار البيضاء بطنجة، ثم توسعت الشبكة نحو مراكش وأكادير ووجدة، مع إطلاق مشاريع للطرق السريعة لفك العزلة عن عدد من الجهات الداخلية.

    ولم يكن الهدف مجرد اختصار زمن السفر، بل خلق فضاء اقتصادي أكثر اندماجا، يسمح بانتقال السلع بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والموانئ في وقت أقل، ويعزز جاذبية المناطق الصناعية الجديدة.

    وتشير معطيات الشركة الوطنية للطرق السيارة إلى أن الشبكة أصبحت تمتد على نحو 1800 كيلومتر، لتعد من بين الأكبر على الصعيد الإفريقي، بينما تجاوزت مشاريع الطرق السريعة آلاف الكيلومترات الإضافية، في إطار سياسة تستهدف تحسين الربط الترابي بين مختلف جهات المملكة.

    وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الاستثمار في الطرق السيارة لم يكن هدفا في حد ذاته، بل كان جزءا من سياسة اقتصادية أوسع جعلت البنية التحتية رافعة لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني

    “عندما نستثمر في الطرق السيارة، فنحن لا نبني فقط مسالك للتنقل، بل نخفض الكلفة اللوجستيكية، ونختصر آجال نقل البضائع، ونرفع إنتاجية المقاولات، يؤكد جدري، الذي أبرز أن المستثمر، سواء كان مغربيا أو أجنبيا، يبحث أولا عن سهولة الولوج إلى الموانئ والأسواق ومناطق الإنتاج.

    وأشار إلى أن توسع الشبكة الطرقية ساهم في إعادة توزيع الاستثمار على عدد من الجهات، ولم يعد النشاط الاقتصادي متمركزا فقط في محور الدار البيضاء، كما أن الربط بين الطرق السيارة والمناطق الصناعية والموانئ خلق منظومة متكاملة، انعكس أثرها على تنافسية الصادرات، وسهّل اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية.

    وشدد الخبير على أن العائد الاقتصادي للبنية التحتية لا يقاس بعدد الكيلومترات المنجزة، وإنما بحجم الاستثمارات وفرص الشغل والقيمة المضافة التي تخلقها.

    البراق.. مشروع نقل أم خيار استراتيجي؟

    مع بداية العقد الثاني من الألفية، دخل المغرب مرحلة جديدة في تطوير بنياته التحتية، انتقل فيها من توسيع الشبكات الطرقية والمينائية إلى الاستثمار في النقل السككي عالي السرعة.

    وفي 29 شتنبر 2011، أشرف جلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي على إعطاء الانطلاقة الرسمية لأشغال الخط فائق السرعة بين طنجة والقنيطرة، وهو مشروع أثار آنذاك نقاشا واسعا حول أولوياته وكلفته، قبل أن يتحول بعد سنوات إلى أحد أبرز رموز تحديث منظومة النقل بالمملكة.

    وبعد سبع سنوات من الأشغال، دشن الملك محمد السادس في 15 نونبر 2018 قطار “البراق”، أول قطار فائق السرعة في إفريقيا، مؤكدا في كلمته بالمناسبة أن المشروع “ليس غاية في حد ذاته، وإنما يندرج ضمن رؤية شاملة تروم تطوير المنظومة الوطنية للنقل.”

    هذا التوجيه يعكس فلسفة مختلفة في تدبير البنية التحتية، تقوم على اعتبار كل مشروع جزءا من شبكة متكاملة، وليس ورشا معزولا، فالبراق لم يقتصر أثره على تقليص زمن الرحلة بين طنجة والدار البيضاء، بل ساهم في تعزيز الربط بين ميناء طنجة المتوسط والمراكز الاقتصادية الكبرى، ورفع جاذبية المدن الواقعة على مساره، وتحسين تنقل رجال الأعمال والسياح، ودعم التكامل بين مختلف وسائل النقل.

    خريطة اقتصادية جديدة تتشكل

    ولم يقتصر أثر ميناء طنجة المتوسط وقطار البراق على تطوير البنية التحتية للنقل، بل امتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمملكة، من خلال تعزيز التكامل بين الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية.

    وفي هذا الإطار، يرى مدير المرصد للعمل الحكومي، محمد جدري، أن هذه المشاريع تعكس تحولا في فلسفة الاستثمار العمومي، موضحا أن “ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تعتمد على إنجاز مشاريع منفصلة، بل على بناء منظومة لوجستيكية متكاملة”.

    فميناء طنجة المتوسط لم ينجح لأنه ميناء حديث فقط، وإنما لأنه ارتبط بشبكة طرق سيارة، وسكك حديدية، ومناطق صناعية ولوجستيكية، ما خفض كلفة النقل وسهل اندماج المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج العالمية، يؤكد الخبير الاقتصادي.

    ويضيف بأن الأمر نفسه ينطبق على قطار البراق، الذي عزز الربط بين الأقطاب الاقتصادية، ورفع من جاذبية محور طنجة-القنيطرة-الرباط-الدار البيضاء بالنسبة للمستثمرين.

    2015.. الصحراء في قلب الرؤية التنموية

    شكل خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، في 6 نونبر 2015، محطة مفصلية في مسار البنية التحتية بالمغرب، بعدما أعلن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، باعتباره رؤية متكاملة تهدف إلى تحويل الصحراء إلى قطب اقتصادي استراتيجي.

    ومما جاء في الخطاب الملكي في هذا الصدد: “إن تطبيق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، يجسد وفاءنا بالتزاماتنا تجاه المواطنين بأقاليمنا الجنوبية، بجعلها نموذجا للتنمية المندمجة.. كما نريده دعامة لترسيخ إدماجها، بصفة نهائية في الوطن الموحد، وتعزيز إشعاع الصحراء كمركز اقتصادي، وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي”.

    ولم يقتصر الخطاب على تحديد الأهداف، بل أعلن عن برنامج استثماري ضخم تجاوز 77 مليار درهم، شمل مشاريع في الطرق والموانئ والطاقة والماء والتكوين والصناعة والخدمات الاجتماعية.

    ويعتبر هذا الخطاب نقطة تحول، لأنه نقل البنية التحتية من منطق الربط الداخلي إلى منطق التموضع الجيو-اقتصادي، حيث أصبحت المشاريع الكبرى تخدم أيضا الحضور الاقتصادي للمغرب في القارة الإفريقية.

    ولم تبق هذه التوجيهات في حدود التصور، بل تحولت إلى أوراش ميدانية أعادت رسم ملامح الأقاليم الجنوبية، فقد تم إنجاز الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، الذي أطلق عليه المغرب اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو الطريق الذي وفر محورا استراتيجيا يربط شمال المملكة بجنوبها، وساهم في تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين مختلف الجهات.

    وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعد من أكبر المشاريع المينائية بالمغرب، ويُرتقب أن يشكل منصة لوجستيكية موجهة نحو إفريقيا، بما يعزز مكانة المملكة في سلاسل التجارة البحرية، ويدعم قطاعات الصيد البحري والصناعة والخدمات.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الرؤية الملكية التي أعلن عنها في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2015 تجاوزت مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز، حيث تحولت الأقاليم الجنوبية إلى ورش تنموي مفتوح، أصبحت فيه البنية التحتية أداة لتعزيز الاندماج الوطني، وتقوية الحضور الاقتصادي للمغرب في عمقه الإفريقي.

    الماء.. من سياسة السدود إلى الأمن المائي

    إذا كانت السنوات الأولى من العهد الجديد قد تميزت بتوسيع الطرق والموانئ، فإن السنوات الأخيرة عرفت انتقال الاهتمام إلى تحدٍ لا يقل أهمية، وهو الأمن المائي.

    ففي ظل توالي سنوات الجفاف، ترأس الملك محمد السادس عدة جلسات عمل خصصت لتتبع وضعية الموارد المائية، كان أبرزها جلسة العمل المنعقدة في 13 يناير 2020، التي خُصصت لإطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، والذي رصدت له اعتمادات مالية مهمة لإنجاز السدود، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، وتحسين شبكات نقل المياه.

    وتعزز هذا التوجه في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2023، عندما أكد الملك أن “إشكالية الماء ليست ظرفية، ولا مرتبطة فقط بتأخر التساقطات، وإنما أصبحت تحديا بنيويا”، موجها الحكومة إلى “التسريع بإنجاز السدود المبرمجة، ومشاريع تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية.”

    وبذلك انتقلت السياسة المائية من التركيز على بناء السدود فقط إلى اعتماد مقاربة أشمل تقوم على تنويع مصادر المياه، من بينها محطات التحلية، التي أصبح المغرب يتوفر على 17 محطة لتحلية مياه البحر بقدرة إنتاجية تصل إلى 350 مليون م³ في السنة، إضافة إلى 4 مشاريع أخرى قيد الإنجاز بقدرة إنتاجية تصل إلى 567 مليون م³ في السنة.

    من إنجاز البنيات إلى بناء مغرب 2030

    شكل إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم، يوم 4 أكتوبر 2023، اختيار الملف المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، لحظة مفصلية في مسار المملكة، غير أن الرؤية الملكية تعاملت مع هذا الإنجاز بمنطق يتجاوز تنظيم تظاهرة رياضية عالمية.

    فمنذ الإعلان الرسمي، برز توجه واضح يقوم على جعل كأس العالم رافعة لتسريع إنجاز مشاريع مهيكلة كانت المملكة قد شرعت في إطلاقها، مع توسيعها وتسريع وتيرتها حتى تتحول إلى إرث تنموي دائم يخدم المواطنين والاقتصاد الوطني لعقود مقبلة.

    ويعكس هذا المسار، الممتد من إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية إلى الأوراش المرتبطة بمونديال 2030، تطورا في فلسفة الاستثمار العمومي بالمغرب، حيث لم تعد البنية التحتية تقتصر على توفير التجهيزات الأساسية، بل أصبحت أداة لتعزيز التنافسية الاقتصادية والاندماج الترابي وترسيخ مكانة المملكة إقليميا وقاريا.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن ما يميز التجربة المغربية هو اعتماد رؤية متكاملة تقوم على ترابط مختلف المشاريع، موضحا أن “الطرق السيارة والموانئ والسكك الحديدية لم تُنجز باعتبارها مشاريع مستقلة، وإنما كأجزاء من منظومة لوجستيكية واقتصادية واحدة”.

    وأكد جدري أنه مع إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، اكتسب هذا التوجه بعدا جيو-اقتصاديا من خلال تعزيز الربط مع العمق الإفريقي، فيما فرضت التحولات المناخية إدماج الأمن المائي ضمن أولويات التنمية.

     وأشار إلى أوراش مونديال 2030 تشكل امتدادا لهذه الرؤية، لأنها تسرّع إنجاز مشاريع النقل والمطارات والتهيئة الحضرية، وتترك إرثا تنمويا يتجاوز الحدث الرياضي نفسه. فالقيمة الحقيقية لهذه الأوراش لا تُقاس بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بقدرتها على رفع تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز جاذبية مختلف جهات المملكة للاستثمار.”

    الملاعب.. إرث تنموي يتجاوز المنافسات

    انسجاما مع هذه الرؤية، يشهد المغرب أكبر برنامج لتحديث البنيات الرياضية في تاريخه، لا باعتبارها منشآت مخصصة للمنافسات فقط، وإنما كجزء من مشروع أشمل لتأهيل المدن.

    وفي هذا الإطار، تم خلال سنة 2025 تدشين المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط بعد إعادة تشييده بالكامل وفق أحدث المعايير الدولية، ليصبح إحدى أبرز المنشآت الرياضية بالقارة الإفريقية، والتي استضافت افتتاح ونهائي كأس إفريقيا للأمم سنة 2025.

    وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، الذي سيكون أكبر الملاعب في العالم بسعة 115 ألف متفرج، فيما شهدت ملاعب طنجة، ومراكش، وفاس، وأكادير برامج واسعة للتأهيل والتحديث استعدادا للاستحقاقات القارية والعالمية.

    غير أن هذه المشاريع لا تقتصر على الملاعب، بل تشمل إعادة تهيئة محيطها، وإنجاز محاور طرقية جديدة، وتحسين الولوج إليها، وتطوير شبكات النقل الجماعي، بما يجعلها مشاريع حضرية متكاملة تترك أثرا دائما بعد انتهاء المنافسات.

    السكك الحديدية.. جيل جديد من النقل في أفق 2030

    بعد نجاح تجربة القطار فائق السرعة “البراق”، دخل المشروع السككي المغربي مرحلة جديدة أكثر طموحا.

    فقد أشرف الملك محمد السادس سنة 2025 على إعطاء انطلاقة أشغال الخط فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، وهو مشروع استراتيجي سيقلص مدة السفر بين شمال المملكة ووسطها، ويعزز الربط بين أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية، كما يهيئ لمرحلة لاحقة تمتد نحو الجنوب.

    ولم يتوقف هذا الورش عند الخطوط عالية السرعة، إذ أشرف جلالته يوم 24 شتنبر 2025 على إطلاق مشاريع سككية مهيكلة باستثمار يبلغ 20 مليار درهم.

    وتشمل هذه المشاريع إنجاز 260 كيلومترا من السكك المكهربة الجديدة، وبناء وتوسعة 50 منشأة فنية، وإنشاء 11 محطة فرعية كهربائية، وتشييد 10 محطات جديدة لخدمات القرب، وتأهيل 5 محطات، وبناء 3 محطات كبرى من الجيل الجديد، إضافة إلى إحداث مركزين وخمس ورشات للصيانة، واقتناء 48 قطارا مخصصا لخدمات القرب والنقل الجهوي.

    وتعكس هذه الأوراش انتقال الرؤية الملكية من ربط المدن الكبرى فقط، إلى تطوير منظومة نقل حديثة تخدم التنقل اليومي للمواطنين، وتخفف الضغط على الطرق، وتواكب النمو الحضري، وتدعم التنمية الاقتصادية في أفق 2030.

    مطارات وطرق تستعد لمغرب 2030

    وبالموازاة مع الأوراش الرياضية والسككية، تشهد المملكة برنامجا غير مسبوق لتوسعة وتحديث مطاراتها، بهدف رفع طاقتها الاستيعابية وتحسين جودة خدماتها، بما يواكب النمو المتواصل لحركة المسافرين ويعزز مكانة المغرب كمنصة جوية بين إفريقيا وأوروبا.

    كما تتواصل مشاريع الطرق السيارة، والطرق السريعة، والتهيئة الحضرية، وربط المدن بالموانئ والمطارات، بما يضمن انسيابية أكبر في حركة الأشخاص والبضائع، ويقوي جاذبية مختلف الجهات للاستثمار.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الاستعداد لكأس العالم 2030 لم يقتصر على تشييد الملاعب، بل تحول إلى ورش وطني شامل لتحديث البنية التحتية ورفع تنافسية المملكة.

    مشاريع مختلفة… ورؤية ملكية واحدة

    بعد سبعة وعشرين عاما من الأوراش المتواصلة، لم تعد البنية التحتية مجرد حصيلة من الطرق والموانئ والسكك الحديدية والملاعب، بل أصبحت أحد أبرز تجليات الرؤية الملكية التي جعلت من الاستثمار في التجهيزات الأساسية مدخلا لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز مكانة المغرب قاريا ودوليا.

    ومن ميناء طنجة المتوسط إلى ميناء الداخلة الأطلسي، ومن البراق إلى الخط فائق السرعة نحو مراكش، ومن مشاريع النقل الجهوي إلى برامج الأمن المائي، ومن تحديث المطارات إلى تأهيل الملاعب استعدادا لكأس العالم 2030، يتواصل بناء مغرب جديد، قوامه التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في المستقبل، وفق رؤية ملكية تجعل من البنية التحتية رافعة للتنمية الشاملة، وليست مجرد مشاريع عمرانية.

  • خبير سنغالي: المغرب يرسخ ريادته التنموية بالقارة

    خبير سنغالي: المغرب يرسخ ريادته التنموية بالقارة

    قال الخبير والمستشار الدولي في التنمية المستدامة، عبدو فال، إن المغرب أحدث، خلال العقدين الماضيين، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، تحولا حقيقيا يشكل مصدر إلهام للعديد من البلدان الإفريقية.

    وأكد فال، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد، أن هذا المسار التصاعدي يظهر بشكل ملحوظ في العديد من القطاعات، من بينها على الخصوص، البنيات التحتية، والتصنيع، والانتقال الطاقي، والفلاحة، وتحديث الإدارة، والتنمية الاجتماعية، والجاذبية الاقتصادية والإشعاع الدبلوماسي.

    ووفقا للخبير السنغالي، فإن المغرب يؤكد اليوم، بفضل هذه المنجزات، مكانته كأحد الاقتصادات الأكثر هيكلة ودينامية وتنوعا في القارة الإفريقية.

    وأشار، في هذا الصدد، إلى أن الاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية للطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والطاقة والاتصالات والمنصات اللوجستية ساهمت بشكل كبير في تعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي وزيادة جاذبية المملكة لدى المستثمرين الوطنيين والأجانب.

    وسجل فال، الذي شغل عدة مناصب وزارية، أن هذا التحول هو ثمرة تنزيل رؤية استراتيجية طويلة الأمد ترتكز خصوصا على استمرارية السياسات العمومية، والدور الاستراتيجي للدولة، وتنمية الرأسمال البشري، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، وانفتاح الاقتصاد المغربي، والدبلوماسية الاقتصادية الفاعلة التي تتوجه نحو القارة الإفريقية.

    وبعدما سلط الضوء على البعد الإفريقي للمقاربة المغربية، أكد فال أن المغرب يساهم بشكل كبير في تعزيز الاندماج الاقتصادي للقارة.

    وخلص عبدو فال إلى أن “التطور ليس بمعجزة ولا نتاج صدفة. إنه قبل كل شيء نتيجة لرؤية، وإرادة سياسية ثابتة، ومؤسسات قوية، وجهد جماعي متواصل على المدى الطويل”.