الكاتب: AM+ Media

  • حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    في ظرف ساعات، تحولت سبتة المحتلة إلى إحدى أكثر النقاط سخونة، بعد موجة عبور غير مسبوقة قدّرتها وزارة الداخلية الإسبانية بنحو 49 ألف شخص خلال 24 ساعة فقط، وهو رقم يفوق بأضعاف أزمة ماي 2021 التي شهدت دخول ما بين 8 و10 آلاف مهاجر خلال يومين، ووضع كل من  الرباط ومدريد أمام اختبار ميداني جديد.

    وفي وقت انشغل الرأي العام بالأرقام والصور، تبرز أسئلة أعمق تتعلق بأسباب ما جرى، وحدود التنسيق الأمني بين المغرب وإسبانيا، فضلا عن انعكاسات الأزمة على مستقبل الشراكة بين الرباط والاتحاد الأوروبي.

    ما الذي وقع فعلا؟

    صباح الخميس 30 يوليوز، تدفقت حشود كبيرة من المهاجرين، أغلبهم شبان مغاربة، سباحة ومشيا على الأقدام نحو سبتة المحتلة عبر الالتفاف حول الحاجز البحري بمحاذاة معبر تراخال، قادمين أساسا من مدينة الفنيدق، فيما العبور تواصل طيلة الليل، ولم يقتصر على الشبان بل شمل نساء وشيوخا، وأطفالا ورضع وعائلات كاملة.

    ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن السلطات الإسبانية أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى 34 قتيلا على الأقل، بينهم أشخاص لقوا حتفهم غرقا وآخرون في حوادث تدافع خلال محاولات العبور، إضافة إلى مفقودين لا تزال عائلاتهم تبحث عن معلومات بشأن مصيرهم وفق ما نقلته وكالة “فرنس برس”، أما مراكز الاستقبال، خاصة تلك المخصصة للقاصرين غير المرافَقين، تجاوزت طاقتها الاستيعابية، ما ترك آلاف الوافدين دون مأوى في الشوارع والحدائق العامة.

    على الجانب المغربي، سُجلت مواجهات واحتراق مركبات في بني أنصار قرب الحدود مع مليلية المحتلة، فيما عمدت السلطات المغربية إلى إغلاق المعبر ونشر شاحنات مزودة بمدافع مياه.

    أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، فقد توجه شخصيا إلى سبتة المحتلة برفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، وعبر اليوم الجمعة، عن أسفه لارتفاع حصيلة الضحايا فى الأحداث الأخيرة، مثمنا استعداد السلطات المغربية للتعاون فى ملف إعادة المهاجرين.

    من جانبها، رفضت الحكومة المركزية طلب رئيس حكومة سبتة المحتلة خوان خيسوس فيباس إعلان “حالة طوارئ وطنية”، معتبرة أن الهجرة لا تندرج ضمن الإطار القانوني الذي يبرر هذا الإعلان، واكتفت بإعلان تعزيزات أمنية وعسكرية إضافية.

    برز في الساعات الأولى للأزمة أكثر من تفسير لمحاولة فهم أسباب موجة العبور، غير أن أيا منها لم يحظ، إلى حدود كتابة هاته الأسطر بما يكفي من المعطيات التي تسمح باعتباره تفسيرا حاسما.

    في الرواية التي تبنتها السلطات الإسبانية ونقلتها وسائل إعلام محلية، ارتبطت الموجة بحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز، قضى بعدم جواز “الإعادة الفورية” للمهاجرين الذين تعترضهم السلطات في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية، بينما يظل هذا الإجراء ممكنا بالنسبة لمن يعبرون الحدود برا.

    وترى مدريد أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت هذا القرار وروجت لتأويلات مضللة أوحت للمهاجرين بإمكانية البقاء في حال الوصول بحرا، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف ما جرى بأنه “اعتداء على السيادة الإسبانية”، متهما تلك الشبكات بتوظيف مضمون الحكم لاستقطاب مزيد من الراغبين في الهجرة.

    في المقابل، دعت قراءات أخرى إلى تجنب اختزال ما حدث في عامل قانوني واحد، ويستند هذا التوجه إلى أن موجة العبور شملت أشخاصا قدموا من مناطق مختلفة داخل المغرب، وفي ظروف اجتماعية متباينة، وهو ما يجعل من الصعب تفسيرها بحكم قضائي إسباني وحده، وفق ما يراه عدد من الفاعلين الحقوقيين المغاربة.

    وإلى جانب التفسير القانوني، برزت فرضية أخرى تداولتها مصادر ميدانية وأمنية، من بينها نقابة الحرس المدني الإسباني وفاعلون حقوقيون، تحدثت عن تراجع في مستوى المراقبة ببعض النقاط الحدودية خلال الساعات الأولى للأزمة، معتبرة أن ذلك قد يكون أسهم في وصول أعداد أكبر إلى الساحل.

    غير أن هذه الفرضية، شأنها شأن باقي القراءات المتداولة، لا تستند إلى تأكيد رسمي من السلطات المغربية التي لم تصدر، إلى حدود إعداد هذه المادة توضيحا بشأن ملابسات ما جرى أو العوامل التي أفضت إلى هذه الموجة.

    الشرخ الأوروبي

    من جهة ثانية، الأزمة لم تبق حبيسة الحدود المغربية الإسبانية، بل تحولت سريعا إلى مادة خلاف داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ذلك أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وصفت المشاهد القادمة من سبتة بأنها دليل على أن “الهجرة غير النظامية غير المنضبطة تشكل تهديدا حقيقيا لأمن حدود أوروبا”، معلنة استعداد بلادها “للتدخل بإجراءات استثنائية”، من بينها تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا.

    أما وزير خارجيتها أنطونيو تاياني فقد ذهب أبعد من ذلك، رابطا الأزمة بقرار مدريد الأخير تسوية أوضاع أكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، واصفا القرار بأنه “خاطئ جدا ويشجع على الاتجار بالبشر” .

    الرد الإسباني جاء حازما، من وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، الذي وصف تصريحات روما بأنها “لا تليق بوزير خارجية بلد شريك وصديق”، واعتبرها “مزايدة سياسية حزبية” لا تضامنا، معلنا استدعاء السفير الإيطالي للاحتجاج.

    فرنسا بدورها لم تقف على الحياد، فوزير داخليتها لوران نونيز أعلن تفعيل “قوة التدخل السريع الحدودية” وتعزيز فوري للمراقبة عند الحدود.

    و في السياق نفسه، اعتبرت وزيرة داخلية فنلندا ماري رانتانن أن “إسبانيا فشلت تماما في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن”، داعية دول الاتحاد لدعم موقف إيطاليا، فيما وصف رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون الوضع بأنه يستوجب من إسبانيا “استعادة السيطرة بسرعة والوفاء بالتزاماتها ضمن التعاون الأوروبي المشترك”.

    هذا التصعيد المتبادل بين عواصم أوروبية كبرى كشف هشاشة بنيوية أعمق، تفيد بأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل شبه كامل على المغرب كـ “حارس” فعلي لحدوده الجنوبية عند سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما المعبر البري الوحيد بين القارتين الأوروبية والإفريقية، وبالتالي فإن أي تذبذب في هذا الدور مهما كان سببه، يتحول فورا إلى أزمة سياسية داخل الاتحاد نفسه، تتجاوز حدود الملف الإنساني إلى صراع نفوذ بين تيارات سياسية أوروبية متعارضة حول ملف الهجرة.

    المغرب.. خط الدفاع الأول لأوروبا

    واختزال ما جرى في سبتة في مشاهد التدافع وحدها يغفل سياقا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالدور الذي يضطلع به المغرب منذ سنوات باعتباره أحد أبرز خطوط الدفاع الأولى للاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجرة غير النظامية.

     فخلال العقد الأخير، لم يعد التعاطي المغربي مع الظاهرة يقتصر على حماية حدوده الوطنية، بل تحول إلى منظومة أمنية وعملياتية متكاملة تقوم على المراقبة البحرية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر وتعزيز التنسيق الاستخباراتي والعملياتي مع إسبانيا والشركاء الأوروبيين.

    واكتسب هذا التعاون زخما أكبر منذ سنة 2022، في أعقاب استئناف العلاقات المغربية الإسبانية على أسس جديدة، حيث ارتفع مستوى التنسيق الميداني بين أجهزة البلدين، وتوسع تبادل المعلومات والعمليات المشتركة، قبل أن يتعزز باتفاقات التعاون الموقعة سنة 2023 في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

    وتعكس المؤشرات الرسمية الإسبانية حجم الأثر الذي خلفته هذه المقاربة، فقد سجلت إسبانيا خلال سنة 2025 انخفاضا إجماليا بنسبة 42.6 في المئة في عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى أراضيها، بعدما تراجع العدد من 64,019 إلى 36,775 شخصا، وفق بيانات وزارة الداخلية الإسبانية.

    وكان الانخفاض أكثر وضوحا في مسار جزر الكناري، الذي يمثل أخطر طرق الهجرة نحو أوروبا وأكثرها نشاطا خلال السنوات الأخيرة، إذ تقلص عدد الوافدين بنسبة قاربت 62 في المئة، من 46,850 إلى 17,800 شخص.

    ولم يكن هذا التراجع ظرفيا، إذ استمرت المؤشرات الإيجابية خلال النصف الأول من سنة 2026، مع انخفاض إضافي بلغ 25 في المئة في إجمالي الوافدين إلى إسبانيا، و61 في المئة عبر مسار الكناري، وفق ما أوردته صحيفة “لوموند” استنادا إلى المعطيات الرسمية الإسبانية.

    ولم تتوقف هذه الجهود حتى مع اندلاع أحداث سبتة الأخيرة، ففي الوقت الذي كانت فيه صور محاولات العبور الجماعي تتصدر وسائل الإعلام، كانت البحرية الملكية المغربية والحرس المدني الإسباني ينفذان عمليات مشتركة لاعتراض قوارب وإنقاذ مهاجرين في عرض البحر قبالة سواحل الفنيدق، بينما عززت السلطات المغربية انتشارها الأمني عند المحاور المؤدية إلى المدينة، واستخدمت وسائل تفريق الحشود لمنع تكرار محاولات الاقتحام الجماعي، في استمرار لنهج يقوم على احتواء التدفقات قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية.

    لكن هذه الحصيلة تبرز في الآن نفسه مفارقة معروفة في أدبيات إدارة الهجرة، فكلما نجحت السلطات في تضييق أحد مسارات العبور، تميل شبكات التهريب إلى إعادة توزيع نشاطها نحو منافذ أخرى أقل إحكاما أو أقل كلفة.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التراجع الكبير في المسار الأطلسي ترافق مع تصاعد الضغط على بعض المعابر البرية، وفي مقدمتها سبتة التي ارتفعت فيها محاولات العبور بنسبة 42 في المئة خلال سنة 2025، من 2,386 إلى 3,396 محاولة بحسب الإحصاءات الإسبانية.

    ولا يكفي هذا المؤشر وحده لتفسير موجة يوليوز 2026، التي تداخلت فيها عوامل قانونية وأمنية واجتماعية وشبكات تهريب البشر، لكنه يؤكد أن ما وقع لا يمثل قطيعة مع ما سبقه، بقدر ما يندرج ضمن إعادة تشكل مستمرة لمسارات الهجرة كلما تغيرت موازين الرقابة على الأرض والبحر.

  • الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    لم تعرف المنظومة الانتخابية بالمغرب، خلال أكثر من ربع قرن، تحولات مرتبطة فقط بتعديل القوانين أو باحترام المواعيد الدستورية للاستحقاقات، بل مرت عبر مسار إصلاحي متدرج قادته رؤية ملكية جعلت من بناء المؤسسات، وتعزيز الثقة في الانتخابات، وترسيخ سيادة القانون، مرتكزات أساسية لتطوير الممارسة الديمقراطية.

    فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999، لم تعد الانتخابات تُقرأ باعتبارها محطة دورية لفرز الأغلبية والمعارضة فقط، بل باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لإنتاج مؤسسات قوية، قادرة على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والتنموية التي تعرفها المملكة.

    وفي سياق الاحتفال بعيد العرش، يبرز هذا المسار باعتباره أحد تجليات التحول المؤسساتي الذي عرفه المغرب، حيث ارتبط تطوير الانتخابات برؤية ملكية متدرجة جعلت من بناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية، مرتكزات أساسية لتقوية المؤسسات المنتخبة.

    ويكشف تتبع الخطب الملكية والمحطات الدستورية الكبرى أن إصلاح المنظومة الانتخابية لم يكن منفصلا عن باقي الأوراش التي أطلقت خلال العهد الجديد، بل تزامن مع إصلاحات مست القضاء، والإدارة، والجهوية، واللاتمركز، والحكامة، بما يعكس تصورا يعتبر أن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع، وإنما تقوم على وضوح القواعد، وحياد المؤسسات، وثقة المواطنين في المسار السياسي.

    “العهد الجديد”.. بناء المؤسسات قبل إصلاح الانتخابات

    عندما اعتلى الملك محمد السادس العرش سنة 1999، كان المغرب مقبلا على مرحلة جديدة عنوانها تحديث الدولة وتعزيز فعالية مؤسساتها، ففي أول خطاب للعرش، رسم جلالته الملامح العامة لهذا التوجه، من خلال تأكيد مواصلة بناء دولة المؤسسات، وخدمة المواطن، وربط ممارسة المسؤولية بالاستجابة لتطلعات المجتمع.

    ولم يتضمن خطاب 1999 توجيهات مباشرة مرتبطة بالانتخابات، لكنه وضع الإطار السياسي العام الذي ستندرج ضمنه الإصلاحات اللاحقة، إذ إن تطوير العملية الانتخابية لا ينفصل عن تحديث الإدارة، وتقوية المؤسسات، وترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.

    وفي هذا السياق، جاءت أول انتخابات تشريعية في العهد الجديد يوم 27 شتنبر 2002، باعتبارها أول اختبار سياسي في مرحلة جديدة. ورغم أنها جرت في ظل دستور 1996، فإنها دشنت مسارا متدرجا لمراجعة القواعد المنظمة للحياة السياسية، وتطوير آليات تدبير العمليات الانتخابية، وتأهيل المؤسسات المنتخبة لمواكبة الأوراش الكبرى التي انطلقت مع بداية الألفية الثالثة.

    ولم يعد الرهان مقتصرا على تنظيم الانتخابات في موعدها، بل أصبح مرتبطا أيضا بإرساء قواعد تنافس أكثر وضوحا، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع، وهو ما جعل الإصلاح الانتخابي ورشا مفتوحا في “العهد الجديد” مع جلالة الملك مع يتطور مع تطور الحياة السياسية.

    2003.. ترسيخ الديمقراطية كخيار استراتيجي

    في خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 بتاريخ 10 أكتوبر 2003، أكد جلالة الملك محمد السادس أن بناء المؤسسات المنتخبة يندرج ضمن مسار إصلاحي متواصل، قائلا: “إننا، بافتتاح هذه الدورة البرلمانية، نستكمل تجديد المؤسسات الدستورية، مجسدين إرادتنا الملكية الراسخة، في إعطاء المسار الديمقراطي طريقه القويم، كخيار لا رجعة فيه، مهما تكن دقة التحديات الوطنية والدولية.”

    وشدد جلالته على أن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل ممارسة يومية ومسؤولية جماعية، مضيفا: “ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق وطويل، وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع، بل هي مواطنة ملتزمة، وممارسة لا محيد عنها، لحسن تدبير الشأن العام”.

    وربط الخطاب بين الانتخابات وتحقيق التنمية، معتبرا أن شرعية الاقتراع تكتمل بتحويل نتائجها إلى سياسات عمومية تستجيب لتطلعات المواطنين، عندما تساءل جلالة الملك: “هل يعد الانتخاب غاية في حد ذاته، ونهاية المطاف؟”، قبل أن يجيب ” كلا، فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي نبذ عقلية ديمقراطية المقاعد، والالتزام بفضيلة ديمقراطية التنمية”، مبرزا أن الجماعات المحلية تمثل “ديمقراطية القرب والمشاركة”، داعيا المنتخبين إلى “طي صفحة المنافسة الانتخابية العابرة، وفتح الأوراش الحيوية للعمل الجماعي”، ومؤكدا أن الديمقراطية المحلية هي “تواصل دائم مع المواطنين، وليست مجرد لحظة انتخابية موسمية”.

    ولم يقتصر خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 على الدعوة إلى المشاركة السياسية، بل ربطها بالحكامة الجيدة واحترام القانون، فقد أكد جلالة الملك “وجوب التزام هذه السلطات باليقظة والحزم والمراقبة الدائمة، لنهوض المجالس المنتخبة على الوجه الأكمل، بصلاحياتها الواسعة، طبقا للقانون”، محذرا من سوء تدبير الشأن العام، قائلا: “ومع تحذيرنا من الإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير، ولو كان صادرا عن منتخب بأغلبية واسعة”، وهي توجيهات كرست منذ بداية العهد الجديد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.

    خطاب 9 مارس 2011.. لحظة مفصلية في البناء الديمقراطي

    ويشكل خطاب 9 مارس 2011 إحدى أبرز المحطات السياسية في تاريخ المغرب الحديث، لأنه لم يقتصر على الإعلان عن مراجعة دستورية، بل قدم تصورا جديدا للعلاقة بين المؤسسات، ولمكانة الانتخابات داخل البناء الديمقراطي.

    وقال جلالة الملك في هذا الخطاب “قررنا إجراء تعديل دستوري شامل”، وهي عبارة دشنت ورشا دستوريا واسعا أفضى إلى اعتماد دستور جديد، أعاد توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وعزز مكانة الحكومة والبرلمان، ورسخ استقلال السلطة القضائية، وربط ممارسة السلطة بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.

    كما أكد جلالة الملك في الخطاب نفسه على ضرورة: “توطيد دولة الحق والمؤسسات”، وهو توجه لم يكن منفصلا عن المنظومة الانتخابية، إذ نص الفصل الـ11 من دستور 2011 على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، لتصبح نزاهة الانتخابات مبدأ دستوريا ملزما، لا مجرد مطلب سياسي أو إجراء إداري مرتبط بموعد انتخابي محدد.

    وأعاد دستور 2011 تحديد موقع الأحزاب السياسية داخل النظام المؤسساتي، باعتبارها مؤسسات تؤطر المواطنات والمواطنين، وتساهم في التعبير عن إرادتهم، وتشارك في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتداول الديمقراطي.

    ومن هنا، لم تعد الانتخابات مجرد وسيلة لتوزيع المقاعد، بل أصبحت مصدر الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخبة، وجزءا أساسيا من العلاقة بين الاختيار الشعبي وممارسة المسؤولية.

    الجهوية المتقدمة.. الانتخابات برهانات تنموية جديدة

    بعد اعتماد دستور 2011، انتقل المغرب إلى مرحلة جديدة مع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي وضع إعادة تنظيم الدولة ترابيا في صلب الإصلاح المؤسساتي.

    ومع تنظيم انتخابات الرابع من شتنبر 2015، لم تعد الانتخابات الترابية تقتصر على اختيار مجالس جماعية أو إقليمية، بل أصبحت تحدد أيضا من يقود التنمية على المستوى الجهوي، بعدما منحت الجهات اختصاصات أوسع في مجالات التخطيط والاستثمار والتجهيز والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    وأدى هذا التحول إلى توسيع معنى الاختيار الديمقراطي، إذ أصبح الناخب يساهم، من خلال صوته، في اختيار المسؤولين عن تنفيذ جزء مهم من السياسات العمومية على المستوى الترابي، لتكتسب الانتخابات الجهوية بعدا يتجاوز التدبير المحلي، لتصبح آلية لتقريب القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الترابي، وإعطاء الجهات دورا أكبر في بلورة وتنفيذ البرامج التنموية.

    من خطاب 2016 إلى تعليمات 2021.. النزاهة أساس الثقة

    إذا كان دستور 2011 قد وضع الأساس الدستوري لنزاهة الانتخابات، فإن المرحلة اللاحقة اتجهت نحو تعزيز الضمانات العملية الكفيلة بحماية الاقتراع وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.

    وقبل الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وجه جلالة الملك رسالة واضحة إلى مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، مفادها أن نجاح الاستحقاق لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بنتائج صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بمدى احترام قواعد النزاهة والشفافية.

    وأكد جلالته في خطاب العرش لسنة 2016 ضرورة “ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي”، وهو توجيه شكل آنذاك مرجعا لعمل الإدارة المشرفة على الانتخابات، إذ رسخ مبدأ حيادها باعتبارها الجهة المكلفة بالسهر على احترام القانون وتكافؤ الفرص، لا طرفا في المنافسة السياسية.

    وحمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن مصداقية المؤسسات المنتخبة تبدأ من سلامة المسار الذي أفرزها، وأن أي ممارسات تمس بحرية اختيار الناخبين أو تؤثر في المنافسة السياسية يجب أن تواجه في إطار القانون.

    ومع اقتراب انتخابات الثامن من شتنبر 2021، انتقلت هذه الرؤية من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الإجراءات المؤسساتية، إذ أصدر جلالة الملك تعليماته السامية إلى كل من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، قصد السهر على نزاهة العمليات الانتخابية والتصدي لكل الممارسات المخالفة للقانون، سيما استعمال المال أو أي وسائل غير مشروعة للتأثير على الناخبين.

    ولم تبق هذه التعليمات في حدود التوجيه، بل ترجمت إلى آليات عملية، من خلال تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم ممثلين عن وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب إحداث لجان جهوية وإقليمية لتلقي الشكايات وتتبع المخالفات، وتعزيز التنسيق بين السلطات الإدارية والقضائية.

    وأتاح هذا التنسيق توسيع نطاق المراقبة ليشمل مختلف مراحل العملية الانتخابية، من الترشيح والحملة إلى يوم الاقتراع وإعلان النتائج، بما يضمن التطبيق الصارم للقانون والتدخل عند تسجيل أي إخلالات.

    وفي السياق نفسه، كثفت وزارة الداخلية لقاءاتها مع الأحزاب السياسية، وحرصت على توفير الشروط التنظيمية واللوجستية لإجراء الانتخابات، مع إصدار توجيهات للسلطات الترابية تؤكد ضرورة الالتزام بالحياد، وضمان المساواة بين جميع المرشحين، وتأمين ممارسة الحقوق التي يكفلها القانون خلال الحملة الانتخابية.

    خطاب العرش 2025.. الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع

    إذا كانت محطة 2016 قد ركزت على حياد الإدارة، وعززت تعليمات 2021 آليات حماية نزاهة الاقتراع، فإن خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025 نقل النقاش إلى مستوى أكثر تقدما، يقوم على اعتبار أن نجاح الانتخابات يبدأ قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت.

    وفي هذا السياق، قال جلالة الملك “ونحن على بعد سنة تقريبا من إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، في موعدها الدستوري والقانوني العادي، نؤكد على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية”.

    ويحمل هذا التوجيه دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، إذ يؤكد ضرورة أن تكون القواعد القانونية المنظمة للانتخابات معروفة ومستقرة قبل وقت كاف من موعد الاقتراع، بما يسمح للأحزاب السياسية والمرشحين والإدارة والناخبين بالاستعداد وفق مرجعية واضحة.

    ولم يكتف الخطاب بوضع هذا التوجه العام، بل حدد آلية تنزيله، حين قال جلالة الملك “وفي هذا الإطار، أعطينا توجيهاتنا السامية لوزير الداخلية، من أجل الإعداد الجيد، للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين”.

    2026.. تنزيل عملي للتوجيهات الملكية

    وتنفيذا لهذه التوجيهات، باشرت وزارة الداخلية مشاورات مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، همت مراجعة عدد من النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بانتخابات مجلس النواب.

    وتركزت هذه المشاورات على تهيئة الإطار التشريعي للاستحقاقات قبل موعدها بوقت كاف، بما يضمن وضوح القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، ويتيح للفاعلين السياسيين الاستعداد على أساس قانوني مستقر.

    كما تواصل الإعداد للجوانب التنظيمية واللوجستية المرتبطة بالانتخابات، إلى جانب تفعيل آليات التتبع والتنسيق بين المؤسسات المكلفة بالسهر على احترام القانون.

    وفي قراءته للاستعدادات الجارية لانتخابات 2026، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من منطق تدبير الاستحقاقات الانتخابية عند اقتراب موعدها إلى منطق الإعداد المؤسساتي المبكر، انسجاما مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025.

    وأوضح بلغيث في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن فتح المشاورات مع الأحزاب السياسية، وتهيئة الإطار القانوني والتنظيمي للاستحقاقات، يعكسان توجها نحو ترسيخ الاستقرار التشريعي وتوفير قواعد واضحة للمنافسة السياسية، بما يعزز الثقة في المسار الانتخابي.

    وأضاف أن الرهان في انتخابات 2026 لا يقتصر على تنظيم اقتراع يحترم القانون، بل يتمثل أيضا في توفير جميع الضمانات التي تجعل مختلف الفاعلين يخوضون المنافسة في إطار من الوضوح، وتكافؤ الفرص، واحترام الإرادة الحرة للناخبين، وهو ما يعكس تطورا نوعيا في تدبير الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب.

    مسار إصلاحي يقوم على التراكم

    وتكشف العودة إلى أبرز المحطات الانتخابية خلال عهد الملك محمد السادس أن الإصلاح لم يكن عبارة عن قرارات منفصلة، بل جاء في إطار رؤية تراكمية أضافت في كل مرحلة لبنة جديدة إلى البناء الديمقراطي.

    ففي بداية العهد الجديد، كان الرهان منصبا على تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة فيها، ثم جاء دستور 2011 ليمنح الانتخابات سندا دستوريا واضحا، قبل أن توسع الجهوية المتقدمة رهانات الاختيار الديمقراطي على المستوى الترابي.

    وفي سنة 2016، برز حياد الإدارة باعتباره أحد شروط مصداقية الاستحقاقات، بينما عززت تعليمات 2021 آليات التنسيق والرقابة والتصدي للممارسات غير المشروعة. أما خطاب العرش لسنة 2025، فنقل النقاش إلى مرحلة الإعداد المسبق، واستقرار القواعد القانونية، وفتح المشاورات السياسية قبل موعد الاقتراع.

    ويعكس هذا التسلسل تصورا يعتبر أن الديمقراطية ليست محطة انتخابية عابرة، وإنما عملية مؤسساتية متواصلة تتطلب تحديث التشريعات، وتأهيل الفاعلين، وتطوير آليات الرقابة، وضمان احترام القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية.

  • المغرب يراكم التحولات واقتصاد جديد يطرق أبواب الريادة الإقليمية

    المغرب يراكم التحولات واقتصاد جديد يطرق أبواب الريادة الإقليمية

    رسم خطاب العرش بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش ملامح مرحلة جديدة في المسار التنموي للمغرب، تنطلق من حصيلة سنوات من التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

    ويكشف التحول الاقتصادي خلال أكثر من ربع قرن عن أحد أبرز وجوه الحصيلة التي استند إليها الخطاب الملكي السامي، كون المغرب لم يعد يعتمد على عدد محدود من القطاعات التقليدية، بل عمل تدريجيا على بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا، تجمع بين الصناعة والسياحة والخدمات والطاقات الجديدة والصناعات ذات القيمة المضافة.

    وفي قراءة الخبير الاقتصادي ورئيس مرصد العمل الحكومي، محمد جدري، للخطاب الملكي، يبرز الاعتزاز بما تحقق من تحول في الاقتصاد المغربي خلال أكثر من ربع قرن، مستحضرا في هذا السياق انتقال الناتج الداخلي الخام من حوالي 50 مليار دولار في نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 170 مليار دولار اليوم، معتبرا أن تضاعف حجم الاقتصاد بأكثر من ثلاث مرات يعكس، في نظره، عمق التحولات التي عرفتها البنية الاقتصادية الوطنية

    وأضاف جدري في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الاقتصاد المغربي في نهاية التسعينيات كان يعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة والفوسفاط الخام والسياحة، بينما أصبح اليوم أكثر تنوعا بفضل الأوراش الكبرى وظهور ما يسمى بـ”المهن العالمية” للمغرب.

    ويستند في ذلك إلى مجموعة من القطاعات التي أصبحت، بحسب قراءته، ركائز جديدة للاقتصاد الوطني، ولعل أبرزها صناعة السيارات والطيران، إلى جانب الصناعات الغذائية والإلكترونية والميكانيكية والنسيج والألبسة والجلد والصناعات التقليدية والخدمات.

    وأشار جدري إلى أن صناعة السيارات تعتبر اليوم إحدى أبرز مظاهر هذا التحول، مشيرا إلى قدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وإلى رقم معاملات تجاوز 153 مليار درهم في السنة الماضية؛ وهي الصورة نفسها التي حضرت بقوة في الخطاب الملكي، حيث أكد جلالته أن “المملكة اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا”، مشيراً إلى أن قدرتها الإنتاجية تقارب مليون سيارة سنوياً.

    ولا يقف هذا التحول، في قراءة جدري، عند صناعة السيارات، بل يمتد إلى قطاع الطيران، حيث يرى أن المغرب ينتقل تدريجيا من مرحلة تركيب أجزاء الطائرات إلى بناء قاعدة صناعية أكثر تكاملا، تشمل مصانع متخصصة في محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، الأمر الذي ينسجم مع تأكيد جلالته أن المغرب دخل “النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات”.

    وأبرز جدري أن الفوسفاط أيضا يوجد ضمن عناصر القوة الاقتصادية الجديدة، ليس فقط باعتباره موردا تقليديا، وإنما من خلال ارتباطه، وفق تعبيره، بمعادلة الأمن الغذائي العالمي.

    من تنويع الاقتصاد إلى تعزيز السيادة

    وركز خطاب العرش على أن التحول الاقتصادي لا يرتبط بتوسيع قاعدة الإنتاج وتنويع القطاعات فحسب، وإنما يتصل أيضا برهان تعزيز قدرة المغرب على تأمين حاجياته الأساسية وبناء قدرات وطنية في قطاعات استراتيجية.

    وفي هذا السياق، يقرأ جدري مضامين الخطاب السامي من زاوية الأمل والتفاؤل، مستنداً في ذلك إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، وإلى قدرة المملكة على الحفاظ على توازناتها الاقتصادية، رغم السياق الدولي الذي يطبعُه قدر كبير من التقلبات والضغوط.

    ويشير إلى معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال السنة الماضية، مع توقع بلوغ حوالي 5.2 أو 5.3 في المئة خلال السنة الحالية، معتبراً أن هذه المؤشرات تعطي أساساً موضوعياً لقراءة متفائلة للمسار الاقتصادي.

    وأشار رئيس مرصد العمل الحكومي، إلى ما وصفه الخطاب الملكي بكون الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي ما يقارب 80 في المئة من الحاجيات الوطنية، مع توجه المملكة نحو بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.

    وبذلك، يتحول مفهوم السيادة في قراءة الخطاب من مجرد تأمين الحاجيات الأساسية إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرته على الصمود، وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار.

    من تحصين المكتسبات إلى استشراف المستقبل

    ويشكل استشراف المستقبل المستوى الثالث في قراءة جدري لخطاب العرش، حيث ينتقل الخطاب من تقييم حصيلة المسار التنموي إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وما تفرضه من أهداف ورهانات جديدة تتجاوز ما تحقق إلى توسيع المكتسبات وتعزيز مسار النمو.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، أن النموذج التنموي الجديد بات واضح المعالم، وأن المغرب مقبل على مرحلة تستهدف الانتقال إلى اقتصاد أكبر وأكثر قدرة على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل، واضعا ضمن هذه الرؤية هدف الانتقال من ناتج داخلي خام في حدود 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار في أفق 2035، إلى جانب الرفع من مستوى الدخل الفردي للمغاربة.

    ولا يتوقف هذا الاستشراف عند المؤشرات الاقتصادية، إذ يربطه جدري بمجموعة من الأهداف القطاعية، من بينها الوصول إلى إنتاج مليوني سيارة، وبلوغ 26 مليون سائح في أفق 2030، ومواصلة بناء المستشفيات الجامعية، وتوسيع ورش الحماية الاجتماعية، إلى جانب مواصلة تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها احتضان المغرب لنهائيات كأس العالم 2030.

    وفي هذا السياق، يبرز أيضا رهان التمويل باعتباره أحد شروط المرحلة المقبلة، فقد خصص الخطاب الملكي للذكرى الـ27 لعيد العرش حيزاً مهماً لدور القطاع المالي الوطني، داعياً إلى مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وتوسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصنيع والتصدير، مع تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.

    وبالنسبة لجدري، فإن هذه الرهانات تتجاوز هدف تحقيق الازدهار الاقتصادي في حد ذاته، لتتجه نحو طموح أكبر يتمثل في جعل المغرب “قوة اقتصادية إقليمية” في شمال إفريقيا وغرب إفريقيا ومحيطه المتوسطي.

    وخلص جدري إلى أن المسار التنموي للمغرب أصبح “واضح المعالم”، تقوده رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك، معتبرا أن الهدف خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مواصلة هذا المسار إلى أبعد مدى، بما يسمح بتحقيق الأهداف المرسومة في أفق 2035.

  • “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    مساء أول أمس الأربعاء، أطلّ جلالة الملك محمد السادس على شعبه بخطاب العرش السابع والعشرين، في لحظة اختزلت مفارقة جديرة بالتأمل فملف الصحراء المغربية، الذي ظل لعقود أولوية دبلوماسية قصوى استوجبت تعبئة دائمة لكل مقدرات الدولة، فيما تحوّل اليوم إلى الرافعة الأولى لمكانة المغرب الخارجية بل وأيضا إلى محكّ حقيقي تُقاس عليه جدّية أي طرف يريد بناء شراكة فعلية مع الرباط.

    لم تُغيّر سبعة وعشرون عاما من الحكم البوصلة الاستراتيجية قيد أنملة، غير أنها حوّلت “الصبر الاستراتيجي” الذي كثيرا ما وُصف به النهج الملكي من خطاب انتظار إلى رصيد سياسي ملموس لا يُقاس اليوم بلغة الشعارات بل بلغة الوقائع التي ترجمتها قرارات أممية متعاقبة، واتفاقيات ثنائية ودولية، وقنصليات مفتوحة في العيون والداخلة تعكس اعترافا متصاعدا بواقع أضحى ثابتا من ثوابت الدبلوماسية الدولية.

    هذا التحول، من موقع الترافع الدبلوماسي الدؤوب إلى موقع المبادرة وقيادة الأجندة، هو ما يمنح خطاب العرش لهذا العام بعدا يتجاوز الطقس الاحتفالي المعتاد، ليصير مناسبة لقراءة حصيلة أكثر من عقدين ونصف من إعادة تموضع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

    الصحراء المغربية من ملف نزاع مفتعل إلى مرجعية أممية

    لطالما وصف جلالة الملك محمد السادس قضية الصحراء بأنها “منظار” يُقاس من خلاله جدية أي علاقة خارجية للمملكة، وما كان في السابق موقفا سياديا مغربيا صِرفا بات اليوم موقفا تتبناه أعلى هيئة أممية.

    الحدث المفصلي الأول جاء في دجنبر 2020 حين اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية، اعترافٌ لم يكن عابرا كما حاول خصوم الوحدة الترابية تصويره، بل تأكّد مجددا في 19 يوليوز عندما أكدت الإدارة الأمريكية الجديدة حينها التي ترأسها جو بايدن على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر، أن بلاده اتخذت بالفعل خطوة الاعتراف بمغربية الصحراء وأن هذا الموقف لم يتغير رغم تغير الإدارة من ترامب إلى بايدن، وفي 8 أبريل 2025 في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة، شددت على ذلك أيضا ليصبح موقفا أمريكيا ثابتا عابرا للتقلبات الحزبية في واشنطن.

    هذا الزخم انتقل إلى الشريك الأوروبي التاريخي الأول أي فرنسا، ففي يوليوز اعترفت باريس بمغربية الصحراء، ثم في أكتوبر 2024، وخلال زيارة دولة قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط، جددت تأكيدها رسميا بسيادة المغرب على صحرائه، لتُختم هذه الدينامية بعقد الاجتماع المغربي-الفرنسي الرفيع المستوى الخامس عشر في يوليوز 2026 بالرباط، الذي أفرز توقيع 14 اتفاقية في الطاقة والنقل والأمن والدفاع، إضافة إلى الشروع في صياغة “معاهدة صداقة” تُعدّ الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وهو ما يعكس حجم الأولوية التي أصبح المغرب يحتلها في السياسة الخارجية الفرنسية، إذ لا تزال باريس، بحكم هذه العلاقة التاريخية المتجددة، أكبر مستثمر أجنبي في المغرب، باستثمارات مباشرة بلغت 8.4 مليارات يورو.

    أما الذروة المؤسساتية لهذا المسار، فتحققت في 31 أكتوبر 2025، حين تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 2797، بأغلبية 11 صوتا مقابل صفر، وامتناع ثلاث دول فقط (روسيا والصين وباكستان)، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    القرار لم يقتصر على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)، بل اعتبر صراحة “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية” أساسا أكثر واقعية لحل النزاع، وأحال الأطراف إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب منذ 2007 بوصفها القاعدة الوحيدة الجادة والموثوقة للمفاوضات، والأهم من ذلك، أن القرار سمّى الجزائر صراحة كطرف أساسي في النزاع، ودعاها إلى الانضمام إلى طاولة المفاوضات، في تحوّل قانوني وسياسي غيّر بشكل صريح وواضح معادلة “المغرب في مواجهة البوليساريو” إلى معادلة “المغرب والجزائر” الحقيقية التي حاولت الجزائر التهرّب منها لعقود.

    هذا الإجماع الدولي المتصاعد ترجمته أيضا وقائع جغرافية على الأرض، فمدينتا العيون والداخلة، عاصمتا الأقاليم الجنوبية، تحوّلتا إلى مركزين دبلوماسيين فعليين يستضيفان اليوم 12 قنصلية عامة في العيون و17 قنصلية عامة في الداخلة، أغلبها لدول إفريقية وعربية وكاريبية اختارت أن تترجم موقفها السياسي إلى تمثيل دائم على الأرض، بدل بيانات الدعم الخطابية.

    توازن الكبار.. دبلوماسية لا تراهن على معسكر واحد

    من أهمّ ما يميز دبلوماسية جلالة الملك محمد السادس أنها لا تختزل نفسها في علاقة تبعية لأي قوة كبرى، بل تحرص على تعدّد الشراكات مع الحفاظ على مسافة استراتيجية متساوية، يواصل من خلالها المغرب تعميق شراكته التاريخية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، في الوقت ذاته الذي يوسّع فيه علاقاته مع الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج، وهذا التوازن ليس شعارا بل ممارسة يومية.

    فحين تصاعد التوتر بين مدريد وواشنطن حول موقفي كل منهما من قضايا الشرق الأوسط، حرص المغرب على تجنّب الانحياز لأي طرف، حفاظا على شراكته مع كليهما دون الدخول في مواجهة مع الجارة الإسبانية التي يربطه بها ملف حساس يتعلق بسبتة ومليلية، وأيضا الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والعلاقات المتميزة سيما عقب اعتراف هذه الأخيرة هي الأخرى بمغربية الصحراء.

    وفي أزمة أوكرانيا، اختار المغرب موقفا متوازنا يدعو إلى احترام السلامة الترابية لكل الدول، دون الانخراط في خطاب عدائي تجاه موسكو، بما يعكس عقيدة دبلوماسية تفضّل المصلحة الوطنية طويلة المدى على المكاسب السياسية السريعة.

    وعلى الصعيد الأمني، يظل المغرب الشريك الجنوبي الأكثر التزاما مع حلف شمال الأطلسي، بقيادته المشتركة لتدريبات “الأسد الإفريقي” الأكبر من نوعها في القارة، ومساهمته الفاعلة في مهام الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وهو ما تصفه مراكز بحثية أوروبية بأنه “قيمة عملياتية مستدامة” ينبغي أن تُترجم إلى شراكة بنيوية أكثر رسوخا داخل هياكل الحلف .

    من “العودة إلى البيت” إلى قيادة المشروع الإفريقي

    ولا يمكن فهم الدبلوماسية الملكية دون العودة إلى لحظة 30 يناير 2017، حين صوّتت 39 دولة من أصل 54 عضوا في الاتحاد الإفريقي لصالح إعادة انضمام المغرب إلى المنظمة القارية، بعد غياب دام 33 عاما، ليصبح العضو الخامس والخمسين فيها.

    في خطابه أمام قمة أديس أبابا، اختار جلالة الملك محمد السادس عبارة بقيت خالدة في الذاكرة الجماعية المغربية هي أن المغرب “عائد إلى بيته”، ولم تكن تلك العودة انتقاما من الخصوم، بقدر ما كانت تجسيدا لفلسفة ملكية معلنة قوامها أن “الجسم المريض يُعالَج من الداخل أفضل من علاجه من الخارج”.

    منذ تلك اللحظة، تحوّلت العلاقة مع إفريقيا من موقف سياسي إلى مشروع تنموي متكامل، فالملك محمد السادس قام بأكثر من 50 زيارة رسمية إلى أكثر من 30 دولة إفريقية منذ توليه العرش، ووقّع خلالها ما يقارب ألف اتفاقية تعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

    على الصعيد الاقتصادي، تقود مجموعة “المكتب الشريف للفوسفاط” ما يوصف بـ”دبلوماسية الفوسفاط”، عبر استثمارات تفوق 13 مليار دولار حتى 2027 لتوسيع الطاقة الإنتاجية للأسمدة من 12 إلى 20 مليون طن، مع تخصيص جزء كبير من هذا الإنتاج لتلبية أكثر من 90% من حاجيات دول مثل إثيوبيا ونيجيريا من الأسمدة، ما يجعل من الأمن الغذائي الإفريقي ركنا أساسيا في السياسة الخارجية المغربية

    وفي البعد الأمني والتنموي لمنطقة الساحل، أطلق الملك محمد السادس أواخر 2023 “المبادرة الأطلسية” لتمكين دول الساحل غير الساحلية -مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد- من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ضمن مبادرة تُرجمت عمليا في أبريل 2025 حين استقبل الملك في القصر الملكي بالرباط وزراء خارجية دول تحالف الساحل لتسريع تنفيذها.

    وبلغت هذه الرؤية محطتها الأبرز في 20 يوليوز 2026، حين وقّعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون على الاتفاق الحكومي الدولي لمدّ أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، مشروع بقيمة 25 مليار دولار وطول يناهز 6900 كيلومتر، انطلقت فكرته من زيارة الملك التاريخية إلى نيجيريا في دجنبر 2016، بمشاركة ودعم 13 دولة إفريقية على طول الساحل الأطلسي.

    ولا يكتمل الحديث عن الحضور المغربي في إفريقيا دون التوقف عند البعد الديني، الذي يستحضر مكانة الملك بصفته أميرا للمؤمنين، فمنذ إحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفريقيين” في يونيو 2015، التي تضم أكثر من 200 عالم دين من مختلف الدول الإفريقية، إلى تأسيس “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” في الرباط سنة 2015، رسّخ المغرب حضوره الروحي في القارة عبر نشر قيم الإسلام الوسطي المالكي المتسامح، بوصفه سدا في مواجهة التطرف، وامتدادا طبيعيا للروابط الصوفية التاريخية التي تجمع المغرب بغرب إفريقيا والساحل .

    الجزائر، الجار الذي لم يُغلق الملك الباب أمامه

    على النقيض من هذا المسار التصاعدي، ظلت العلاقة مع الجزائر نقطة ظل في العلاقات المغربية الخارجية، ليس بسبب أي تصلّب مغربي بل بفعل عداء جزائري متجدد ظل الملك محمد السادس يقابله بخطاب اليد الممدودة في كل خطب عيد العرش المتعاقبة، فالحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994، وأغلقت الجزائر مجالها الجوي مع المغرب سنة 2021، إضافة إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل في نفس السنة.

    ومع ذلك، فإن قرار مجلس الأمن 2797 الذي سمّى الجزائر طرفا في النزاع، وطالبها رسميا بالانضمام إلى مباحثات الطاولة المستديرة، وضع الجارة الشرقية أمام عزلة دبلوماسية متصاعدة، في وقت يستمر فيه المغرب بخطاب الانفتاح تجاه “الشعب الجزائري الشقيق”، بحسب التعبير الملكي المتكرر في خطب العرش الأخيرة.

    نظّارة الصحراء التي لم تتغير

    سبعة وعشرون عاما من الحكم لم تُغيّر زاوية النظر الملكية إلى العالم، بل عمّقتها وحوّلتها إلى عقيدة دبلوماسية متكاملة بين صبر استراتيجي في ملف الصحراء أثمر إجماعا أمريكيا فرنسيا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وأمميا غير مسبوق، وتوازن دقيق بين واشنطن وباريس وبكين وموسكو يجنّب المغرب فخّ الاستقطاب.

    ولم يعد الحضور المغربي في إفريقيا عنوانا لعودة دبلوماسية فحسب، بل أصبح مشروعا متكاملا تُترجمه الاستثمارات، وتدعمه الشراكات، وتمنحه الروابط الروحية عمقا استراتيجياً متجذرا في التاريخ، رسخ جلالة الملك محمد السادس في قلبه نموذجاً دبلوماسياً يقوم على منطق الإنجاز وعلى أثر المبادرات؛ وهو ما جعل من التجربة المغربية إحدى أبرز قصص التحول في القارة خلال العقود الأخيرة.

  • 27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    على امتداد 27 عاما من حكم جلالة الملك محمد السادس، انتقلت الرياضة في المغرب من قطاع يغلب عليه منطق الرعاية والدعم العمومي إلى أحد مكونات المشروع التنموي وأدوات التموقع الدولي للمملكة.

    وكان التحول أوضح في كرة القدم، حيث تراكم الاستثمار في التكوين والمنشآت والمنتخبات، بالتوازي مع توظيف التظاهرات الكبرى في تعزيز الحضور المغربي داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

    في هذا المسار، رسم جلالة الملك التوجهات الكبرى، عبر إطلاق المشاريع الاستراتيجية أو رعايتها ودعم ترشيحات المغرب للتظاهرات الدولية.

    ويؤكد زكرياء لحرش، الدكتور في العلوم الرياضية، أن الرياضة الوطنية عرفت تطورا وازدهارا ملحوظا منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين، حيث كرست عديد القرارات السيادية معرفة المؤسسة الملكية الدقيقة بالرياضة الوطنية ومقوماتها وكذلك مشاكلها.

    ويرى لحرش، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتوجهها نحو تنمية الرياضة، إضافة إلى تحيين أهداف الصندوق الوطني لتنمية الرياضة، ثم الرسالة الملكية السامية خلال المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008، وصولا إلى إقرار الرياضة كحق دستوري بنص صريح في دستور 2011، جعلت من الرياضة قاطرة أريد لها النهوض بدورها الاجتماعي سواء من حيث أهدافها العامة في تكوين مواطن مغربي متشبع بقيم وأخلاق المملكة المغربية، فاعل وواعي بدوره داخل المجتمع، أو من خلال أهدافها الخاصة المتجلية في الممارسة الرياضية الفعالة.

    التحول في “العهد الجديد”.. منعطف الصخيرات وبناء المؤسسات

    بين 1999 و2007، حضرت الرياضة أساسا داخل مشاريع التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي، وفي برامج منشآت القرب، خصوصا بعد إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، في وقت واصل المغرب، برعاية ملكية، ترشيحاته لتنظيم كأس العالم، واستثمر في بناء المنشآت الكبرى وتحديثها، إلى جانب دعم رياضة النخبة والمنتخبات الوطنية.

    وجاء التحول الأبرز في “العهد الجديد” مع الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة، المنعقدة بالصخيرات يومي 24 و25 أكتوبر 2008، قدم خلالها تشخيصا صريحا تحدث عن الارتجال وضعف النتائج وغموض المسؤوليات وقلة تجديد النخب المسيرة، فضلا عن اختلالات الشفافية في التدبير.

    ولم تقف الرسالة عند التشخيص، بل وضعت مرتكزات سياسة رياضية جديدة تقوم على الموازنة بين رياضة النخبة والرياضة الجماهيرية، وتأهيل الرياضة المدرسية والجامعية، وتحديث التشريع، واحتراف الأندية، وتنويع التمويل، وإخضاع الدعم للتدقيق والمحاسبة.

    وشددت على توسيع الولوج إلى الممارسة لفائدة النساء وسكان المناطق المحرومة والأشخاص ذوي الإعاقة، وإشراك الجماعات الترابية والقطاع الخاص وقطاعات التعليم والصحة والسياحة، لتصبح ممارسة الرياضة، في التصور الملكي، حقا أساسيا ورافعة للتنمية البشرية والتماسك الاجتماعي، لا مجرد نشاط تنافسي أو ترفيهي.

    من التشخيص إلى الفعل.. استراتيجية الرياضة ودستور 2011

    ومن هذه المرجعية انبثقت استراتيجية الرياضة 2008-2020، قبل أن يصدر القانون 30-09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة في 24 غشت 2010.

    واعتبر القانون الأنشطة الرياضية ذات منفعة عامة، وجعل تطويرها جزءا من مهمة الخدمة العمومية، ونظم الرياضة المدرسية والجامعية، والجمعيات والعصب والجامعات، وعقود الرياضيين المحترفين، وإحداث الشركات الرياضية، وتكوين رياضيي المستوى العالي وتأهيلهم الاجتماعي والمهني.

    وتعزز البناء المؤسساتي في دستور 2011، الذي نص على دعم الرياضة وتيسير الولوج إليها وتشجيع إدماج الشباب، ثم بصدور القانون 97-12 المتعلق بمكافحة المنشطات سنة 2017 ومرسومه التطبيقي سنة 2019، قبل إحداث الوكالة المغربية لمكافحة المنشطات في يناير 2021.

    وهكذا أسست مرحلة 2008-2020 مرجعية قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبيا. إلا أن تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للحسابات سجلت أن جزءا مهما من أهداف الاستراتيجية لم يتحقق، وأن أكثر من نصف أوراشها الهيكلية كان ما يزال غير منجز قبل سنة من نهايتها، مع استمرار صعوبات تطبيق القانون وضعف معايير منح بعض الإعانات وآليات التتبع والتقييم. لذلك كانت الحصيلة قوية على مستوى بناء المرجعيات، وأقل تجانسا عند التنفيذ.

    ويبرز لحرش في هذا السياق أن التطور المسجل في “العهد الجديد” المتجلي في الاستثمار في المنشآت الرياضية والترسانة القانونية وكذلك في الرأسمال البشري، جعل من الرياضة أداة فعالة حولت المغرب إلى نموذج يحتذى به في مجال التكوين الرياضي وكذلك تنظيم التظاهرات الرياضية الدولية.

    وشدد على أن الرياضة في عهد جلالة الملك محمد السادس أصبحت أيضا “أداة دبلوماسية ناعمة وفعالة، تذكرنا بما قاله الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عندما يتعلق الأمر بالرياضة فان المغرب يعرف بنوال المتوكل وسعيد اعويطة أكثر مما يعرف بالحسن الثاني”، لافتا إلى أن هذا اعتراف ضمني بأن الرياضة الوطنية كانت أداة دبلوماسية مهمة، أصبحت اليوم في عهد الملك محمد السادس أكثر تطورا وإنجازا.

    غير أن لحرش شدد على أن الرسالة الملكية السامية لسنة 2008، التي كانت بمثابة خارطة طريق للرياضة الوطنية عامة، لم تلتقط بشكل كاف من طرف جميع الفاعلين والمسؤولين الرياضيين، حيث إن عددا من الجامعات الوطنية ما تزال تتخبط في مشاكل تسييرية عميقة.

    ويشرح في هذا السياق أنه إذا كانت حصيلة إنجازات المنتخبات الوطنية لكرة القدم إيجابية إلى حد بعيد، فهذا ما يزال لا ينعكس بالشكل المنتظر على البطولة الوطنية وأنديتها، مشددا على أنه “إذا كانت الرسالة الملكية قد قامت بتشخيص معمق لمشاكل الرياضة الوطنية، فإن أهدافها ما زالت تستوجب تغييرا في الوعي التسييري الرياضي لبعض الفاعلين الرياضيين لتتناسق مختلف الرياضات مع الأهداف العامة للرياضة كما سطرتها مختلف المبادرات الملكية في هذا الباب”.

    أكاديمية محمد السادس.. أساس النهضة الكروية

    وفي خضم هذه الدينامية، برزت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي دشنها جلالة الملك سنة 2010، مشروعا يؤسس لتحول بعيد المدى في مقاربة التكوين الكروي بالمغرب، إذ بدلاً من الاكتفاء باستقطاب المواهب بعد بروزها أو الاعتماد أساساً على اللاعبين المكونين خارج البلاد، راهنت الأكاديمية على اكتشاف اللاعب في سن مبكرة، وتأمين مسار يجمع بين الدراسة والتكوين الرياضي والإقامة والتأطير الطبي والنفسي.

    وشُيدت الأكاديمية بضواحي سلا على مساحة تقارب 18 هكتاراً، باستثمار قدره 140 مليون درهم، وجهزت وفق معايير مراكز التكوين الاحترافية.

    ويوضح الخبير الرياضي ذاته أنه يمكننا أن نقول إن كرة القدم اليوم استطاعت أن تضع المغرب في مصاف كبريات الدول كرويا وكذلك على مستوى المنشآت والتجهيزات الرياضية والبنيات التحتية المحيطة بها، مشيرا إلى أن أهم هذه المنشآت التي تعنى بالتكوين هي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، والتي ساهمت منذ إنشائها في تكوين عدد من اللاعبين بمواصفات احترافية عالية، كرستها الإنجازات الأخيرة للمنتخبات الوطنية لكرة القدم بمختلف فئاتها السنية.

    وساهمت الأكاديمية، ضمن كتيبة قادها الناخب الوطني وليد الركراكي في مونديال قطر 2022، في جعل المغرب أول بلد إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، قبل إنهاء البطولة في المركز الرابع.

    وتجاوز أثر الأكاديمية المنتخب الأول إلى الفئات العمرية، فقد شارك تسعة من خريجيها ضمن قائمة المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة التي بلغت نهائي كأس إفريقيا سنة 2023، كما ساهم خريجوها في تتويج المنتخب الأولمبي بكأس إفريقيا لأقل من 23 سنة والتأهل إلى أولمبياد باريس، فيما الإنجاز الأكبر جاء بعدما قاد حسام الصادق، وياسر زابيري، وياسين خليفي، ومحمد طه مجني، وفؤاد الزهواني المنتخب المغربي لأقل من 20 عاما للتتويج بكأس العالم للشباب سنة 2025.

    وإلى جانب التكوين، اكتملت الرؤية الاجتماعية بإحداث مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين سنة 2011، بهدف مواكبة الأبطال السابقين وأسرهم صحياً واجتماعياً، ومساعدتهم خلال مرحلة ما بعد الاعتزال.

    إصرار ملكي على حلم المونديال

    لم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم في 11 دجنبر 2024، بإسناد تنظيم كأس العالم 2030 إلى المغرب وإسبانيا والبرتغال، نجاحاً مفاجئاً أو منفصلاً عن سياقه، فقد جاء تتويجاً لمسار امتد لعقود.

    وخلال عهد جلالة الملك محمد السادس، مر هذا المسار بثلاث محطات رئيسية، هي 2006، 2010، و2026، انتهت كلها بتأجيل الحلم استضافة كأس العالم، غير أن زكرياء لحرش أكد أن هذه المرحلة شكلت حافزا للمسؤولين على كرة القدم وعلى رأسهم جلالة الملك، لتسريع وتيرة التنمية الرياضية بالمملكة عبر عدد من الملاعب وتأهيل عديد منها ليصل العدد اليوم إلى 12 ملعبا معترفا بمواصفاتها من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.

    ولم تنه خسارة 2026 أمام الملف الأمريكي الكندي المكسيكي الحلم المغربي، فبعد إعلان النتيجة مباشرة، صدرت تعليمات ملكية بإعداد ترشيح المغرب لمونديال 2030، لتنتقل الخيبة من نهاية لمحاولة خامسة؛ إذ سبق العهد الجديد محاولتان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني سنتي 1994 و1998، في التاريخ المغربي، ورابعة خلال العهد الجديد، إلى نقطة انطلاق لمحاولة جديدة.

    وجاءت المحاولة السادسة في تاريخ المغرب، والرابعة في عهد جلالة الملك محمد السادس، مغايرة، بالانتقال من الترشيح المنفرد إلى شراكة مع إسبانيا والبرتغال، تجمع بين إفريقيا وأوروبا وتستند إلى القرب الجغرافي والتكامل في المنشآت والخبرات والأسواق.

    وفي رسالة ملكية إلى حفل جوائز التميز للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم في كيغالي يوم 14 مارس 2023، أعلن جلالة الملك أن المغرب قرر، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تقديم ترشيح مشترك لمونديال 2030، وقدم الملف باعتباره ترشيحاً للوصل بين إفريقيا وأوروبا، وشمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه، والعوالم الإفريقية والعربية والأورو-متوسطية.

    وفي 4 أكتوبر 2023 زف جلالة الملك نبأ اعتماد مجلس فيفا الملف الثلاثي ترشيحاً وحيداً، قبل أن يقر مؤتمر فيفا الاستثنائي، في 11 دجنبر 2024، اختيار المغرب وإسبانيا والبرتغال بالتزكية لاستضافة كأس العالم، مع إقامة 3 مباريات في كل من الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، احتفاء بالذكرى المئوية للمسابقة.

    مونديال 2030.. تتويج للسياسة الرياضية الملكية

    ويؤكد زكرياء لحرش أن تنظيم المغرب لتظاهرة رياضية ككأس العالم لكرة القدم، يمكن اعتباره تتويجا للسياسة الرياضية في عهد الملك محمد السادس، فمن منظوره الخاص هذا التنظيم يعد؛ إضافة إلى كونه تتويجا رياضيا وسياسيا، بداية مرحلة جديدة لتطور في التسيير الرياضي لكرة القدم الوطنية، حيث وجب ابتكار نموذج تسييري جديد يتماشى مع التطورات الحالية ويشكل قطيعة مع نظام كلاسيكي أو حتى هجين يجمع بين انتظار الدعم المادي العام وبعض المبادرات التسييرية المؤسساتية.

    وأبرز المتحدث ذاته أن هذا التغيير الحديث سواء على مستوى التدبير اليومي والحكامة الرياضية للأندية الوطنية، لا يمكن أن يكون فعالا إلا بالانخراط الإيجابي للفاعلين الرياضيين بمختلف تخصصاتهم، ومشاربهم، ووعيهم العام والخاص بأهمية التكوين الرياضي، واستثمار المقاربات العلمية في إقرار نموذج تنموي مستدام يمكن تنزيله داخل مختلف جهات المملكة عبر دراسة مميزات كل جهة جغرافيا، اجتماعيا واقتصاديا، لتساهم كل منها في تطوير الرياضة المحلية ثم الوطنية.

    وأشار إلى أن كأس العالم ستكون بالفعل فرصة استثمارية ليس فقط على مستوى التجهيزات ولكن أيضا على مستوى الخبرات الميدانية والتجارب المقارنة.

    وقبل كأس العالم المرتقبة بعد أربع سنوات، راكم المغرب سجلاً تنظيمياً استخدمه لإثبات قدرته على استضافة البطولات الكبرى، فنظم كأس العالم للأندية في نسخ 2013 و2014 و2022، كما استضاف بطولة إفريقيا للاعبين المحليين سنة 2018، وكؤوس إفريقيا لكرة القدم النسوية، ونسختي كأس إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة في 2020 و2024، إلى جانب بطولات الفئات العمرية، ومنها كأس إفريقيا لأقل من 23 سنة 2023 وكأس إفريقيا لأقل من 17 سنة 2025.

    وفي محطة ذات حجم أكبر، استضاف المغرب كأس إفريقيا للأمم 2025 بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، عبر تسعة ملاعب موزعة على ست مدن هي الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش وأكادير.

    وتعزز هذا التراكم بمنح المغرب حق تنظيم خمس نسخ سنوية متتالية من كأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة، من 2025 إلى 2029.

    مغرب جديد.. كرة القدم في قلب التنمية

    إذا كان المغرب قد بنى خلال العقود الماضية جزءا كبيرا من تنافسيته على الاستثمار في البنيات التحتية، فإن تنظيم كأس العالم 2030 يمثل محطة جديدة لتسريع هذا المسار، ليس فقط على مستوى تشييد الملاعب أو تأهيل الفضاءات الرياضية، بل بإطلاق حزمة واسعة من المشاريع المهيكلة في مجالات النقل والسكك الحديدية والمطارات والطرق والموانئ والبنيات الرقمية، بما يجعل المونديال رافعة لتسريع أوراش كانت مبرمجة ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

    وتتجلى هذه الدينامية في عدد من المشاريع الكبرى التي دخلت مرحلة الإنجاز، من بينها تمديد خط القطار فائق السرعة نحو مراكش، وتوسعة المطارات الدولية، وتعزيز شبكات النقل الحضري، إلى جانب تحديث البنيات الفندقية والخدمات اللوجستية.

    وتستهدف هذه الاستثمارات، التي تعبئ عشرات المليارات من الدراهم، الاستجابة لمتطلبات الحدث الرياضي، لكنها تؤسس في الوقت نفسه لإرث اقتصادي طويل الأمد، من خلال تحسين ربط مختلف جهات المملكة وتعزيز جاذبيتها للاستثمار والسياحة.

    ويرى عدد من الاقتصاديين أن الأثر الحقيقي لكأس العالم لن يقاس بعدد المباريات التي سيستضيفها المغرب، وإنما بقدرته على تسريع وتيرة الاستثمار العمومي والخاص، وتحفيز قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وخلق فرص جديدة للشغل، فضلا عن رفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    ويشكل تنظيم المغرب لمونديال 2030، إلى جانب شريكين الإبيريين، امتدادا للرؤية الملكية التي جعلت من البنية التحتية ركيزة للتحول الاقتصادي خلال السنوات السبع والعشرين الماضية، إذ ينتظر أن يشكل هذا الحدث العالمي مرحلة جديدة لتعزيز الاندماج الترابي، وترسيخ مكانة المغرب منصة لوجستية وصناعية وسياحية بين أوروبا وإفريقيا، بما يحول المونديال من موعد رياضي محدود زمنيا إلى محرك تنموي يمتد أثره لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.

  • فرقة المسيرة الخضراء تزين سماء المضيق في احتفالات عيد العرش

    فرقة المسيرة الخضراء تزين سماء المضيق في احتفالات عيد العرش

     تحولت سماء شاطئ المضيق، اليوم الخميس، إلى فضاء للاحتفال والجمال، حين حلقت طائرات فرقة “المسيرة الخضراء” للطيران الاستعراضي التابعة للقوات الملكية الجوية، مقدمة عرضا جويا باهرا، احتفاء بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين.

    وكعادتها رسمت الطائرات، السبع من طراز “كاب 232″، في كبد السماء لوحات فنية آسرة، بتشكيلات جوية دقيقة وحركات متناسقة، امتزج فيها الإبداع بالدقة والانضباط، لتمنح ساكنة المدينة وزوارها لحظات من الدهشة والانبهار.

    وقد توافدت حشود غفيرة من المواطنين والمصطافين إلى شاطئ مدينة المضيق، مترقبين العرض الجوي الذي أصبح علامة مميزة لسماء مدينة المضيق، تتزين به في كل مناسبة وطنية، فما ان حلقت أولى الطائرات في السماء حتى اشرأبت الاعناق، انبهارا بدقة الأداء وجمالية الحركات.

    ونفذت الفرقة، التي تأسست عام 1984، مناورات دقيقة على مستوى منخفض، جسدت من خلالها براعة الطيارين ومهارتهم العالية، المستندة إلى تكوين عسكري صارم وتجربة ميدانية واسعة.

    وكان من بين أبرز لحظات العرض تشكيلات مثل “الانشطار”، و”الانهيار الثلجي”، و”انزلاق الذيل”، و”الدائرة العاكسة”، وهي حركات سجلت باسم الفرقة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية أواخر الثمانينات من القرن الماضي.

    وتواصل العرض، الذي دام حوالي 20 دقيقة، برسم تشكيلات رمزية معبرة، أبرزها “النجمة الشريفة” التي ترمز إلى قلب العلم الوطني، و”القلب المزدوج” الذي يجسد حب وارتباط أفراد القوات الملكية الجوية بالعرش العلوي المجيد، إضافة إلى تشكيلات أخرى مثل “النخلة” و”التقاطع المتعدد” و”التقاطع وجها لوجه”.

    كما تنوعت الحركات المقدمة لتشمل “دوران التردد”، و”الجرس”، و”الدوران المنفرد مع الانعطاف المزدوج”، و”مرور الاعصار”، مما زاد من حماسة الجمهور وإعجابه بالأداء العالي للفرقة.

    وفي ختام هذا العرض الجوي الرائع، قامت الفرقة برسم الرقم 27 في سماء مدينة مرتيل، تخليدا للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد على عرش أسلافه الميامين، في لحظة احتفالية مؤثرة ألهبت مشاعر الحضور. هذا وقد تأسست فرقة الطيران البهلواني “المسيرة الخضراء”، التابعة للقوات الملكية الجوية، سنة 1984 بأمر من المغفور له الملك الحسن الثاني، وتعهدها وريث سره صاحب الجلالة الملك محمد السادس بسابغ عنايته ودعمه المولوي الكريم.

  • نيويورك تايمز: المسرح الملكي تجسيد للعناية الملكية السامية بالفن والثقافة

    نيويورك تايمز: المسرح الملكي تجسيد للعناية الملكية السامية بالفن والثقافة

    كتبت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، أن المسرح الملكي بالرباط، المعلمة الأيقونية التي تجسد العناية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بالفن والثقافة، يشكل “تحفة معمارية حقيقية” تضع عاصمة المملكة ضمن مجموعة نخبوية من “الوجهات الثقافية العالمية التي لا غنى عن زيارتها”.

    وسلطت الصحيفة الأمريكية واسعة الانتشار، الضوء على هذا الصرح الذي صممته المهندسة المعمارية العراقية البريطانية الراحلة، زها حديد، حيث يبرز بمنحنياته الفريدة وهندسته المتطورة على ضفاف نهر أبي رقراق مثل “موجة تتضخم وتتدفق فوق قاعات العرض، قبل أن تنحدر نحو مدخل ينفتح على قاعات تشبه جدران الأودية”.

    ووصف كاتب المقال، جوزيف جيوفانيني، التصميم الداخلي للمسرح الملكي الرباط، بسلالمه المتداخلة التي تتخذ شكل شرائط ترتقي جدرانا بارتفاع أربعة طوابق، مضيفا أن مقصورات الأوبرا تطل على قاعة عرض تحاكي شكل البلورة، وهو تصميم يجعل “السينوغرافيا تمتد إلى ما وراء خشبة المسرح”.

    وأشارت “نيويورك تايمز”، نقلا عن نائب المدير العام والمدير الفني للمسرح الملكي الرباط، إبراهيم المزند، إلى أن هذه المعلمة، وتماشيا مع الرؤية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، “تعكس الالتزام الراسخ للمغرب لفائدة الثقافة والصناعات الإبداعية كمحرك للتنمية، مع تعزيز التبادل الثقافي مع إفريقيا وبقية العالم”.

    وأكدت الصحيفة أن المسرح يسعى إلى أن يكون منصة دولية مخصصة للموسيقى والرقص والمسرح المغربي والعربي والإفريقي، بالإضافة إلى الإنتاجات العالمية الكبرى.

    وبذلك، تضيف “نيويورك تايمز”، تنضم هذه المؤسسة الثقافية إلى القائمة النخبوية من صروح العرض العالمية -على غرار متحف غوغنهايم للمهندس فرانك جيري في بيلباو، أو داري الأوبرا في سيدني وأوسلو- “التي تساهم في ترسيخ مكانة مدنها بشكل دائم على الخريطة الثقافية العالمية”.

    وأبرز كاتب المقال أن المغرب، الشهير بهندسته المعمارية التقليدية الرفيعة، أضحى اليوم “أكثر تجذرا في القرن الحادي والعشرين”، مشيرا، في هذا الصدد، إلى استخدام برمجيات التصميم والنمذجة ثلاثية الأبعاد المتقدمة، التي مكنت من إنجاز المنحنيات المعقدة لهذا المبنى الضخم.

    وخلص المقال إلى أن الراحلة زها حديد، وهي أول سيدة تنال جائزة “بريتزكر” المرموقة للهندسة المعمارية، قد صممت المسرح الملكي الرباط في أوج مسيرتها المهنية، حيث أبدعت فيه فضاءات عرض داخلية وخارجية تشكل “ذروة إبداع فني سمح تطوره التكنولوجي بإعطاء مظهر محيط منحوت بأنامل برانكوزي لهذا المبنى فائق التقنية”، وهو أحد أكثر النحاتين تأثيرا في القرن العشرين وأحد رواد الحداثة.

  • عميد السلك الدبلوماسي الأوروبي: ما يحققه المغرب ثمرة رؤية ملكية

    عميد السلك الدبلوماسي الأوروبي: ما يحققه المغرب ثمرة رؤية ملكية

    أكد عميد السلك الدبلوماسي الأوروبي، سفير الهيئة السيادية العسكرية لمالطا، جوليان فانسون بروني، اليوم الخميس، أن الإنجازات التي حققتها المملكة هي ثمرة الرؤية الطموحة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس من أجل تنمية المغرب.

    وفي تصريح للصحافة عقب حفل الاستقبال الذي ترأسه جلالة الملك بمناسبة عيد العرش المجيد، أبرز بروني التقدم الذي أحرزته المملكة في مختلف المجالات، بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك.

    كما سلط الدبلوماسي المالطي، الذي يشغل منصبه منذ سنة 2007، الضوء على الميزة الكبرى المتمثلة في الاستقرار الذي ينعم به المغرب، والذي أشار إليه جلالة الملك في خطاب العرش باعتباره أحد المؤشرات الإيجابية للمملكة.

  • جلالة الملك يترأس بالمضيق حفل استقبال بمناسبة عيد العرش المجيد

    جلالة الملك يترأس بالمضيق حفل استقبال بمناسبة عيد العرش المجيد

    ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد بعد زوال اليوم الخميس بساحة عمالة المضيق-الفنيدق، بمدينة المضيق، حفل استقبال بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.

    وفي مستهل هذا الحفل، جرت تحية العلم على نغمات النشيد الوطني، بينما كانت المدفعية تطلق 21 طلقة.

    إثر ذلك، تقدم للسلام على جلالة الملك وتهنئته بهذه المناسبة السعيدة عدد من الشخصيات المغربية والأجنبية.

    وهكذا، تقدم للسلام على جلالته السادة عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، وراشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، ومحمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين.

    وتقدم للسلام على جلالته، أيضا، كل من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والرئيس الأول لمحكمة النقض، السيد محمد عبد النباوي، والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، السيد هشام بلاوي، ورئيس المحكمة الدستورية، السيد محمد أمين بنعبد الله، والرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، السيدة زينب العدوي، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، السيد عبد القادر اعمارة، والأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، السيد اليزيد الراضي، ورئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، السيدة رحمة بورقية، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السيدة آمنة بوعياش.

    وتقدم للسلام على جلالة الملك وسيط المملكة، السيد حسن طارق، ورئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، السيدة لطيفة أخرباش، ورئيس مجلس المنافسة، السيد أحمد رحو، ورئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، السيد محمد بنعليلو، ورئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، السيد ادريس اليزمي، ورئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، السيد خليهن ولد الرشيد، ووالي جهة طنجة- تطوان- الحسيمة، عامل عمالة طنجة- أصيلة، السيد يونس التازي، ورئيس مجلس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة، السيد عمر مورو.

    إثر ذلك، تقدم للسلام على جلالة الملك الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والفريق أول محمد هرمو، قائد الدرك الملكي، واللواء عز الدين خليد، رئيس المكتب الثالث، والفريق الجوي محمد كديح، مفتش القوات الملكية الجوية، واللواء البحري محمد الطحين، مفتش البحرية الملكية، واللواء عبد الغني محب، المفتش العام للقوات المساعدة (المنطقة الشمالية)، واللواء مصطفى احديود، المفتش العام للقوات المساعدة (المنطقة الجنوبية)، والسيد عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، والسيد محمد ياسين المنصوري، المدير العام للدراسات والمستندات.

    كما تقدم للسلام على جلالته عميد السلك الدبلوماسي الإفريقي سفير جمهورية الكاميرون، السيد محمدو يوسيفو، وعميد السلك الدبلوماسي العربي سفير مملكة البحرين، السيد خالد بن سلمان جبر المسلم، وعميد السلك الدبلوماسي الأوروبي، سفير الهيئة السيادية العسكرية لمالطا، السيد جوليان فانسون بروني، وعميدة السلك الدبلوماسي الآسيوي سفيرة جمهورية كازاخستان، السيدة ساوليكول سايلاوكيزي، وسفير جمهورية الباراغواي- نائب عميد السلك الدبلوماسي الأمريكي، السيد فيكتور هوغو رامون بانياغوا فريطيس.

    وتقدم للسلام على جلالة الملك، أيضا، المونسينيور إميليو روشا غراندي، أسقف طنجة، والقسيسة كارين طوماس سميث، رئيسة الكنيسة الإنجيلية بالمغرب، والمونسينيور ماكسيم ماسالتين، رئيس الكنيسة الأورثوذوكسية الروسية، والسيد يوسف إسرائيل، الحاخام الأكبر للدار البيضاء.

    إثر ذلك، تقدم للسلام على جلالة الملك رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، السيد جياني إنفانتينو.

    ويشكل تخليد الشعب المغربي، في هذا اليوم، للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين، مناسبة متجددة لكافة مكونات الأمة لتجديد ولائها وإخلاصها، والتعبير عن تشبثها المتين بأهداب العرش العلوي المجيد.

  • رشيد ساري لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي رسم معادلة ثلاثية الأبعاد.. اقتصاد صاعد وحماية اجتماعية وحكامة مؤسساتية

    رشيد ساري لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي رسم معادلة ثلاثية الأبعاد.. اقتصاد صاعد وحماية اجتماعية وحكامة مؤسساتية

    قال رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، حمل ثلاثة أبعاد رئيسية، الأولى ذات بعد اقتصادي، والثانية بعد اجتماعي، وبعد مؤسساتي وسياسي، وقد شكلت مجتمعة قراءة شاملة لمسار المغرب التنموي ومكانته الإقليمية والدولية.

    البعد الاقتصادي: من صناعة السيارات إلى الهيدروجين الأخضر

    في تحليله للبعد الاقتصادي من الخطاب، أوضح رشيد ساري أن جلالة الملك محمد السادس تناول المسار المتميز الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن صناعة السيارات باتت اليوم تحقق عائدات تتجاوز تلك المحققة من الصناعة الاستخراجية للفوسفاط، وهو مؤشر بحسب المتحدث، على “التحول العميق الذي يعرفه النموذج الاقتصادي المغربي”.

    وأضاف الخبير الاقتصادي في حديثه لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك تطرق أيضا إلى المسار التنموي في مجالات متعددة، على رأسها الطاقات المتجددة وبالخصوص ورش الهيدروجين الأخضر الذي بات يحتل موقعا استراتيجيا ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

    كما أشار ساري إلى أن الخطاب الملكي تطرق في شقه الاقتصادي إلى صناعة الأسلحة التي ولج إليها المغرب حديثا، إضافة إلى الصناعات الدوائية، موضحا أن صاحب الجلالة أكد أن المغرب أصبح اليوم يؤمّن حاجياته من الأمن الصحي بنسبة تفوق 80 في المائة، وهو ما اعتبره المتحدث “مؤشرا جد مهم” على مستوى السيادة الدوائية للبلاد.

    وتوقف رشيد ساري كذلك عند إشارة جلالة الملك إلى معدلات النمو الاقتصادي، التي من المرتقب أن تتجاوز 5 في المائة خلال سنة 2026، معتبرا أن الخطاب سلط الضوء على الكيفية التي استطاع بها المغرب بفضل سياساته واستراتيجياته أن يصبح صاحب دور ريادي على المستوى الإفريقي، مسجلا أن المملكة أصبحت اليوم أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، ما يجعل المغرب ينضم إلى نادي الدول المصغّرة في صناعة السيارات على الصعيد العالمي.

    وفي هذا الإطار، لفت الخبير إلى نقطة اعتبرها جوهرية أثارها جلالة الملك، تتعلق بحاجة هذه المشاريع الكبرى إلى تمويلات، مشددا على أن البلاد في حاجة إلى انخراط أكبر للأبناك والمؤسسات المالية في تمويل هذه الأوراش التنموية.

    البعد الاجتماعي: تعميم الحماية الاجتماعية والعدالة المجالية

    انتقالا إلى البعد الثاني، أوضح رشيد ساري لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك محمد السادس تطرق إلى نقطة جد مهمة تتعلق بالشق الاجتماعي، من خلال التركيز على الحماية الاجتماعية عبر تعميم التغطية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة.

    كما لفت المتحدث إلى أن الخطاب الملكي تناول أيضا محور العدالة الاجتماعية والمجالية، وكذا التنمية البشرية، من خلال التأكيد على ضرورة مواصلة تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل جميع الجهات دون استثناء.

    وأضاف ساري أن جلالة الملك، حين تحدث عن العدالة المجالية، ركز على ضرورة تقليص الفوارق بين المناطق وضمان شمولية المشاريع التنموية لكل ربوع المملكة، مذكّرا بأن الخطاب لم يغفل الإشارة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والأدوار المحورية التي تلعبها في هذا المسار.

    البعد المؤسساتي والسياسي: الاستقرار “عملة نادرة” ومكانة دولية متنامية

    وفي محور البعد المؤسساتي والسياسي، أكد رشيد ساري أن جلالة الملك أشار بوضوح إلى الاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة، معتبرا إياه “عملة نادرة” في محيط إقليمي ودولي يطبعه الاضطراب.

    كما تطرق صاحب الجلالة، بحسب تحليل الخبير إلى ضرورة انسجام وتكامل المؤسسات وهو ما من شأنه حسب المتحدث، أن يعزز نجاعة الدولة في مواجهة التحديات والأزمات المختلفة.

    وأضاف ساري أن الخطاب تناول أيضا المكانة الدولية المتنامية التي بات يحتلها المغرب، باعتباره فاعلا اقتصاديا وشريكا موثوقا، وذلك بفضل سياساته الاقتصادية والبنيات التحتية التي يتوفر عليها خاصة على المستوى الصناعي إضافة إلى التنويع الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، والذي لم يعد يقتصر على المجالات الصناعية والسياحية والفلاحية فقط بل امتد ليشمل الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة، مع الدعوة إلى طرح عروض شراكات جديدة ومتوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.

    مكاسب “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني

    وشدد رشيد ساري على نقطة اعتبرها ذات بعد استراتيجي عميق في تفكير الدولة، تتمثل في حديث جلالة الملك عن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، موضحا أن الأمر يتعلق اليوم بـ”سياسة دولة” بالمعنى الكامل للكلمة.

    وخلص المتحدث في هذا الصدد، إلى أن المغرب في حاجة اليوم إلى أحزاب قوية وحكومة قوية، قادرة على استكمال مسار التنمية الذي جعل المملكة تنضم إلى مصاف الدول الصاعدة.

    وفي ختام تصريحه، أكد رشيد ساري أن ما وصل إليه المغرب من مكتسبات ومنجزات هو نتيجة استراتيجيات ومتابعة دقيقة، أساسها تغليب مصلحة المواطن على المصلحة الشخصية، على غرار ما أشار إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه، الذي أكد أنه لم يكن يوما يبحث عن إنجاز أو مكسب شخصي، بل كان همه الأول والأخير هو المواطن المغربي.