الكاتب: AM+ Media

  • معهد السياسات العالمية: استقرار المغرب يعزز جاذبيته الاقتصادية

    معهد السياسات العالمية: استقرار المغرب يعزز جاذبيته الاقتصادية

     أكد رئيس مركز التفكير الأمريكي “معهد السياسات العالمية”، باولو فون شيراتش، أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي للمملكة يشكل “مكسبا رئيسيا” يعزز جاذبية المغرب لدى المستثمرين والشركات العالمية الكبرى، ويساهم في الدينامية التنموية الاقتصادية والاجتماعية.

    وأبرز رئيس “معهد السياسات العالمية”، الذي يوجد مقره بواشنطن، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الخطاب الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة عيد العرش يسلط الضوء، بموضوعية تامة، على الاستقرار السياسي والمؤسساتي للمملكة باعتباره “المكسب الإستراتيجي الرئيسي”، في ظل سياق إقليمي ودولي يتسم باضطرابات وتوترات متعددة.

    وأوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ”جامعة باي أتلانتيك” في واشنطن، أن هذا الاستقرار يمثل في السياق الراهن “مكسبا وطنيا أساسيا”، يجعل من المملكة المغربية “ملاذا للهدوء والسلام والحكمة”.

    وأضاف أن المغرب، تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك، نجح في ترسيخ مناخ أعمال ملائم، وتمكن من التموقع كوجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية.

    وفي هذا الصدد، أبرز الخبير الأمريكي التقدم الذي حققته المملكة على الصعيد الاقتصادي، مشيرا، على الخصوص، إلى الأداء المحقق في قطاعات إستراتيجية مثل صناعة السيارات والطيران، بالإضافة إلى التطور المسجل في مجالات البنية التحتية، والسياحة، والطاقات المتجددة، والصناعات التحويلية.

  • المغرب يمد جسور الثقة مع بوغوتا

    المغرب يمد جسور الثقة مع بوغوتا

    أكدت سفيرة المغرب بكولومبيا، فريدة لوداية، أن العلاقات بين المغرب وكولومبيا، التي تستمد قوتها من مكتسبات نحو نصف قرن من الصداقة، مدعوة إلى استعادة حيويتها الكاملة وبعدها الاستراتيجي.

    وأوضحت السيدة لوداية، في كلمة خلال حفل استقبال نظم أول أمس الخميس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، أن هذه الصداقة تشكل “قاعدة صلبة” لإعطاء دينامية جديدة للعلاقات بين الرباط وبوغوتا، للتطلع معا نحو آفاق جديدة من التعاون.

    وأبرزت أن صفحة جديدة تفتح اليوم بين البلدين، بفضل الإرادة القوية التي أعرب عنها مؤخرا قائدا البلدين، مشيرة إلى أن هذه المرحلة يجب أن “تراعي بشكل كامل مصالح كل طرف، وتكون فيها الثقة المتبادلة هي العنوان الأساسي”.

    وأضافت السيدة لوداية أن الحكومة الكولومبية ستجد في المملكة حليفا استراتيجيا وشريكا مخلصا، مستعدا لإعطاء مضمون ملموس لهذه المرحلة الجديدة في العلاقات الثنائية.

    كما ذكرت بأن الشراكات الدائمة تقوم على الوضوح واحترام المبادئ الأساسية التي تتمسك بها كل أمة بشكل مشروع، وفي مقدمتها السيادة، والوحدة الوطنية، والوحدة الترابية.

    واغتنمت السفيرة هذه المناسبة، لتسليط الضوء على مجالات التعاون المتعددة التي تشكل فضاء طبيعيا للتقارب بين البلدين، ومن بينها الأمن الغذائي، والطاقات المتجددة، والسياحة، والتعليم العالي، واللوجستيك، والاستثمار، والتبادلات الاقتصادية.

    وفي معرض إبرازها لدينامية التحول والتقدم الذي حققته المملكة على مدى السنوات السبع والعشرين الماضية، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أكدت أن المغرب اليوم هو “بلد منخرط بالكامل في عصره، يبتكر ويستبق دون أن يتخلى عن هويته ولا عن القيم المؤسسة لتفرده”.

    كما سلطت السيدة لوداية الضوء على دعائم العمل الدولي للمملكة، والذي يستند على الوضوح في المبادئ والسعي نحو شراكات قائمة على الثقة والاحترام المتبادلين.

    وقد تميز هذا الاستقبال بحضور مسؤولين كولومبيين سامين، وممثلي السلطات المدنية والعسكرية، وكذا برلمانيين، وسفراء معتمدين بكولومبيا، وشخصيات من عالم الأعمال والإعلام والثقافة والمجتمع المدني، فضلا عن عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بهذا البلد الواقع بأمريكا الجنوبية.

  • “فيفا” يرضخ للضغوط ويتخلى عن بيع حقوقه التجارية

    “فيفا” يرضخ للضغوط ويتخلى عن بيع حقوقه التجارية

    أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، اليوم السبت، تخلي الاتحاد عن خطته لبيع جزء من حقوقه التجارية، وذلك عقب موجة من الانتقادات والاعتراضات التي أبدتها اتحادات قارية.

    وأوضح إنفانتينو، في بيان، أنه “بعد الاستماع بعناية إلى كافة وجهات النظر، بات من الواضح أن المشروع أحدث انقسامات لم تعد تخدم الهدف الأساسي الذي أطلق من أجله”.

    وأضاف رئيس الاتحاد في هذا الصدد “كان هدفنا دائما، وسيظل، توحيد الصفوف والدفع باللعبة نحو الأمام، ولهذا السبب لن يتم اعتماد هذا المقترح”.

    يشار إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم كان قد كشف، يوم الثلاثاء الماضي وبشكل مفاجئ، عن خطة تروم الرفع من تمويل تطوير كرة القدم إلى 10 ملايير دولار أمريكي خلال السنوات الأربع المقبلة، غير أنها قوبلت بانتقادات حادة، سواء من حيث مضمونها أو آلية طرحها.

    وكان إنفانتينو يعتزم إحداث شركة تحت مسمى “فيفا فوروارد إنتربرايز”، تفتح أبوابها أمام مستثمرين من القطاع الخاص، وتتولى إدارة الأنشطة التجارية والفعاليات الكبرى التابعة للاتحاد، ما أثار مخاوف واسعة من المساس بطبيعة البطولات الكروية وتحويل اللعبة إلى نشاط تجاري محض.

  • الجالية المغربية بمدريد تحتفي بعيد العرش

    الجالية المغربية بمدريد تحتفي بعيد العرش

     احتفت الجالية المغربية المقيمة بجهة مدريد، مساء الجمعة، في أجواء طبعتها مشاعر الفخر والاعتزاز، بالذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين.

    والتأم المئات من أفراد الجالية المغربية، من جامعيين ومحامين ورجال أعمال وأطر وتجار ورياضيين وفاعلين جمعويين، بمدينة بارلا، بضواحي مدريد، للاحتفاء بهذه المناسبة وتجديد التعبير عن تعلق الجالية ووفائها للعرش العلوي المجيد.

    وأكد القنصل العام للمملكة بمدريد، كمال أريفي، في كلمة بالمناسبة، البعد التاريخي والرمزي لعيد العرش، باعتباره مناسبة تجسد الروابط الوثيقة التي تجمع العرش بالشعب، وتعكس اعتزاز الأمة المغربية بتاريخها العريق وإرادتها الراسخة في مواصلة مسيرة التقدم.

    وأشار إلى أن هذا الاحتفاء يخلد أكثر من ربع قرن من الإصلاحات الكبرى والأوراش الهيكلية التي أطلقت تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بهدف تحديث البلاد، وتعزيز التنمية السوسيو-اقتصادية، وترسيخ دولة المؤسسات. وبعد أن أبرز المقومات الاستراتيجية للمملكة، واستقرارها السياسي، ودينامية نموها، أكد الدبلوماسي أن المغرب أضحى اليوم شريكا قاريا ودوليا موثوقا، يحظى بالاحترام والتقدير.

    كما أشاد القنصل العام بالجالية المغربية المقيمة بإسبانيا، منوها بنجاح اندماجها، ودورها كجسر ثقافي بين البلدين الصديقين، وتعبئتها المتواصلة لخدمة القضايا الوطنية للمملكة. وفي تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، عبر عدد من أفراد الجالية المغربية عن اعتزازهم بالمشاركة في هذا الاحتفال، مجددين تشبثهم الراسخ بالوطن الأم وبالعرش العلوي المجيد.

    كما نوهوا بالمنجزات الكبرى التي حققتها المملكة، معربين عن تقديرهم للعناية الموصولة التي ما فتئ صاحب الجلالة يوليها للمغاربة المقيمين بالخارج. وتخللت الأمسية فقرات موسيقية متميزة، أحيتها الفنانة سناء مرحاتي إلى جانب فرق فنية مغربية أخرى، حيث أدت باقة من الأغاني الوطنية التي أضفت على الحفل أجواء احتفالية مفعمة بروح الانتماء.

    كما تميز الحفل بتسليم شهادات تقديرية لعدد من أفراد الجالية المغربية، تقديرا لمساراتهم المتميزة ونجاحاتهم المهنية والجمعوية والأكاديمية بإسبانيا.

  • “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    هدفٌ واحد يجمع كل هذا الضجيج: ضرب الوضوح، وتشويه المعنى، وخلط السياسي بالقضائي، والفكري بالتشهيري.

    نفس العبارات، نفس الإيقاع، نفس الاتهامات تُعاد وتُدوَّر بلا خجل، كأن غرفةً مظلمة وزّعت الأدوار ثم أعطت إشارة الانطلاق. هذا ليس اختلافًا في الرأي، بل هجومٌ منسّق، يعرف ماذا يريد ويعرف ممّن يخاف.

    في العمق، نحن أمام التعبير الأكثر فجاجة عمّا نُبِّه إليه منذ عقود: مقاومة البنيات التقليدية لكل مشروع تحديثي واضح. فكلما ظهر خطاب سياسي يقطع مع الالتباس ويصرّ على الوضوح، تحرّكت تلقائيًا جيوب مقاومة التغيير. لا لأنها تملك مشروعًا بديلًا، بل لأنها تدرك أن أخطر ما يهدد امتيازاتها ليس الخصومة، بل الوضوح نفسه.

    من هذا المنظور، لا يُستهدف حزب الأصالة والمعاصرة لأنه أخطأ، بل لأنه رفض المنطقة الرمادية. والمجتمعات التي تطمح إلى التقدم لا تتقدم بتدبير التناقضات إلى ما لا نهاية، بل بالحسم الفكري والسياسي، حتى وإن كان هذا الحسم مكلفًا. فالإصلاح لا يُرضي الجميع، والوضوح لا يُكافَأ بالتصفيق، بل بالمقاومة.

    وحين يعجز جبروت المال عن استيعاب منطق الدولة الحديثة، يتحول من قوة اقتصادية محتملة إلى أداة تعطيل سياسي. فالخلط بين النفوذ الاقتصادي والشرعية السياسية يُنتج تشوهًا في الوعي العام، ويحوّل السياسة من صراع برامج إلى ساحة ابتزاز وتشهير. وعندما يفشل المال في فرض منطقه، يستدعي لغته البديلة: التشكيك، والتخوين، والمسّ بالسمعة.

    أما الجانب المظلم في الحياة السياسية، فلا يُواجَه بالشعارات الأخلاقوية ولا بالمزايدات، بل بإصلاح مؤسسي هادئ، وبالاعتراف بأن الانتقال إلى الحداثة مسارٌ صراعي، لا نزهة توافقية. لا تقدم دون صدام مع العادات السياسية القديمة، ولا إصلاح دون إزعاج من يستفيدون من استمرارها.

    من هنا، لا ينتظر حزب الأصالة والمعاصرة صكوك غفران من أحد. لأن منطق الإصلاح التقدمي واضح: لا شرعية خارج العمل، والاختيار، وتحمل المسؤولية. النقد مشروع وضروري، لكن تحويل النقاش السياسي إلى محكمة أخلاقية شعبوية ليس تقدمًا، بل نكوص وردّة عن منطق الدولة الحديثة.

    والجميل في حزب الأصالة والمعاصرة — وهنا بيت القصيد — أنه اختار الصدق بدل الالتباس، والوضوح بدل الغموض، والالتزام بدل الشعبوية. ليست هذه شعارات، بل شروط أولية لأي مشروع إصلاحي جاد. ولهذا يُهاجَم، لا لأنه استثناء أخلاقي، بل لأنه كسر قاعدة مريحة: قاعدة اللعب في الظل.

    البام ليس حزبًا معصومًا، لكنه حزب قرر أن يكون واضحًا في زمن يُكافئ الضبابية.

    وهذا ليس خطأ… بل الثمن الطبيعي لكل محاولة جادة لتغيير التاريخ بدل التعايش معه.

  • من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    على امتداد 27 سنة، انتقلت الأمازيغية في المغرب من مرحلة المطالبة بالاعتراف بمكانتها ضمن الهوية الوطنية، إلى لغة رسمية بنص الدستور، ثم إلى ورش مؤسساتي وقانوني يستهدف إدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة.

    هذا التحول يعكس مسارا متدرجا لإعادة صياغة مفهوم الهوية المغربية في العهد الجديد، على أساس تعدد روافدها وتكامل مكوناتها، بما جعل الأمازيغية تنتقل من مستوى الاعتراف بمكانتها الثقافية إلى ترسيخ حضورها ضمن البناء الدستوري والمؤسساتي للدولة.

    فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخلت الأمازيغية مرحلة جديدة اتسمت بانتقال التعامل معها من مستوى الاعتراف الثقافي إلى بناء مسار مؤسساتي للنهوض بها، توالت ضمنه محطات أساسية شملت خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم الاعتراف الدستوري بها لغة رسمية، وصولا إلى وضع إطار قانوني لتفعيل هذا الطابع الرسمي وإدماجها في مجالات الحياة العامة.

    وفي “العهد الجديد”، لم تعد الأمازيغية موضوعا ثقافيا فحسب، بل أصبحت جزءا من السياسة اللغوية للدولة، ومسارا مؤسساتيا يرتبط بالتعليم والإدارة والقضاء والإعلام وغيرها من مجالات الحياة العامة.

    خطاب أجدير.. تأكيد الاعتراف باللغة الأمازيغية

    شكل خطاب أجدير الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، محطة مفصلية في تاريخ المغرب، إذ مهد لمرحلة جديدة مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، حاملا دعوة واضحة إلى بناء وعي يقوم على الاعتراف بتعدد مكونات الهوية المغربية وتكاملها.

    وتجاوز خطاب أجدير التعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية لغوية أو ثقافية محددة، ليضعها في صلب الهوية الوطنية المشتركة، وجعل “تيفيناغ” جزءا أصيلا من الهوية المغربية الجامعة.

    وأكد جلالته في خطابه أن “الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء”، في تأكيد لموقعها ضمن الهوية المغربية الجامعة، وهو التوجه الذي تُرجم مؤسساتيا بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في أكتوبر 2001، ليشكل إطارا مؤسساتيا للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين.

    وفي هذا السياق، أكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن خطاب أجدير شكل منعطفا تاريخيا حاسما في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”.

    فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”، يؤكد بادو.

    وأضاف أن “هذا الخطاب أسس لمرحلة “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حدا للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني”.

    المعهد الملكي ركيزة النهوض بالأمازيغية

    منذ تأسيسه، اضطلع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بدور محوري في النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وإدماجهما تدريجيا في مجالات حيوية، من قبيل التربية والتعليم والإعلام والثقافة، مستندا في ذلك إلى شبكة من الشراكات مع مؤسسات عمومية وقطاعات حكومية.

    وبعد مرور أكثر من عقدين على إحداثه، راكم المعهد حصيلة واسعة في مجالات البحث اللساني والإنساني، والتعليم والترجمة والنشر والإعلام، بما أسهم في بناء أدوات معرفية ولغوية مهدت للانتقال بالأمازيغية من مرحلة الاعتراف إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.

    ووفق المعطيات التي قدمها المعهد بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لخطاب أجدير، تجاوز إنتاجه المعرفي 500 إصدار في الترجمة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وغيرها، إلى جانب تنظيم نحو 75 ندوة خلال 24 سنة، بما يعكس حجم العمل المؤسساتي الذي واكب مسار النهوض بالأمازيغية منذ سنة 2001.

    وفي هذا المسار، برزت محطات مؤسساتية ورمزية أخرى عززت مكانة الأمازيغية، إذ تم سنة 2003 اعتماد حرف “تيفيناغ” لكتابة وتدريس اللغة الأمازيغية، في قرار ملكي جاء استجابة لرأي المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

    وشكل القرار خطوة في مسار بناء منظومة لغوية مكتوبة لها أدواتها ومعاييرها الخاصة، وهو ما واكبته جهود المعهد في تنميط الحرف وتهيئة اللغة وإعداد المعاجم والموارد التعليمية.

    اعتراف يكرسه الدستور والقانون التنظيمي

    وإذا كان خطاب أجدير قد أطلق المسار المؤسساتي، فإن دستور 2011 شكل لحظة التحول الكبرى من الاعتراف السياسي والمؤسساتي إلى الاعتراف الدستوري بتنصيص الفصل الخامس على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء، وأحال إلى قانون تنظيمي يحدد كيفيات إدماج اللغة الأمازيغية في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وبذلك، لم تعد مكانة الأمازيغية مرتبطة فقط بإرادة سياسية أو ببرامج ومؤسسات للنهوض بها، وإنما أصبحت التزاما دستوريا على الدولة، الأمر الذي يمثل أحد أبرز التحولات التي طبعت تدبير اللغة الأمازيغية، إذ انتقل المسار من سؤال “الاعتراف” إلى سؤال “كيفيات الترسيم”.

    وهو ما أكده بادو بقوله إن “الاعتراف الدستوري لسنة 2011 أحدث تحولا جذريا في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحورا حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها”، مبرزا أنه “من خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16”.

     ويوضح عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية أن وضع الدستور حدا قانونيا لـ”مرحلة التجاهل”، وجعل من الأمازيغية مكونا بنيويا في الشخصية المغربية، نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    القانون التنظيمي رقم 26.16.. ترجمة الالتزام الدستوري

    ويأتي القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، ليترجم هذا الالتزام الدستوري إلى إطار قانوني يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم ومختلف مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وأدخل القانون التنظيمي الورش مرحلة جديدة لم يعد فيها التحدي الأساسي هو تثبيت مكانة الأمازيغية، وإنما توفير الشروط البشرية والمؤسساتية والمالية والتقنية اللازمة لتحويل الترسيم إلى ممارسة فعلية.

    ويوضح بادو أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011 نقل مركز النقاش من المطالبة بالاعتراف إلى البحث في كيفية تفعيل طابعها الرسمي، ثم من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى التزام دستوري صريح بموجب الفصل الخامس، بما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية مرتبطة بالتخطيط والميزانية والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي رقم 26.16.

    وفي الوقت نفسه، يضيف المتحدث، وضع الاعتراف الدستوري حدا لمرحلة تجاهل أو إقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين، ورسخ التعامل معهما باعتبارهما مكونا بنيويا في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    وانعكس هذا التحول تدريجيا على الحضور في القطاعات الحيوية، حيث تعزز حضور الأمازيغية وتزايد الاهتمام بها، لتنتقل من موقع محدود إلى مكون أكثر حضورا في قطاع التعليم، الإدارة، والمشهد الإعلامي الوطني.

    حضور الأمازيغية في القطاعات الأساسية

    لم يعد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية مرتبطا فقط بالنصوص القانونية، بل بدأ ينعكس تدريجيا على عدد من المجالات التي تلامس الحياة اليومية للمواطن.

    ويحدد القانون التنظيمي رقم 26.16 مجالات واسعة لهذا الإدماج، تشمل التعليم والإعلام والإدارات والمرافق العمومية والتقاضي والفضاءات العمومية.

    ففي مجال التدريس، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من مرحلة الإدماج المحدود إلى توسيع نطاق تدريسها في التعليم الابتدائي، في إطار مخطط يستهدف تعميمها على مختلف المؤسسات التعليمية.

    وأشار الناشط الأمازيغي ذاته إلى أن الوضع انتقل من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32 بالمئة من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16.530 قسما.

    وفي مجال الإدارة، بدأ التفعيل ينتقل من وضع الإطار القانوني إلى توفير خدمات فعلية باللغة الأمازيغية، من خلال الاستقبال والتوجيه والإرشاد، ومراكز الاتصال، وترجمة بعض اللوحات وعلامات التشوير، وإدماج الأمازيغية في المواقع والخدمات الرقمية.

    وفي قطاع الإعلام، بعدما كان حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي يقتصر على مساحات زمنية أكبر، فإن تأسيس القناة الأمازيغية سنة 2010، وفر فضاء لإنتاج الأخبار والبرامج الثقافية والوثائقية والدرامية والرياضية بالأمازيغية.

    ومنذ انطلاقتها، راكمت القناة إنتاجا متنوعا يشمل البرامج الإخبارية والثقافية والترفيهية والوثائقية، بمختلف روافد اللغة الأمازيغية، وأسهمت في تثمين التراث والثقافة الأمازيغيين وتعزيز حضور اللغة في الفضاء الإعلامي الوطني، كما أتاحت للناطقين بها متابعة مضامين إعلامية بلغتهم، لتشكل إحدى أولى صور الحضور المنتظم للأمازيغية داخل المرفق الإعلامي العمومي.

     2023.. زخم متواصل

    واكتسب مسار تفعيل الأمازيغية زخما جديدا، بعد القرار الملكي الصادر في ماي 2023 بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر، على غرار رأس السنة الميلادية وفاتح محرم.

    وقد حمل القرار دلالة تتجاوز الجانب الاحتفالي، باعتباره إدماجا لمناسبة مرتبطة بالثقافة والتاريخ الأمازيغيين ضمن الأجندة الوطنية الرسمية، بما يعكس الانتقال من الاعتراف بالأمازيغية كمكون من مكونات الهوية إلى جعل رموزها حاضرة في الحياة العامة للمغاربة.

  • ترامب لجلالة الملك: سيادة المغرب على الصحراء ثابتة والنزاع يجب أن ينتهي الآن ووجهت فريقي لتعزيز التنمية فيها

    ترامب لجلالة الملك: سيادة المغرب على الصحراء ثابتة والنزاع يجب أن ينتهي الآن ووجهت فريقي لتعزيز التنمية فيها

    عاد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ج. ترامب، لتأكيد موقف بلاده من قضية الصحراء المغربية، مجددا الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ودعم واشنطن لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع.

    وجاء ذلك في برقية توصل بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من الرئيس الأمريكي، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد.

    وقال ترامب في برقيته إلى جلالة الملك: “الولايات المتحدة واضحة: نحن نعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وندعم المقترح المغربي للحكم الذاتي الجاد، وذي المصداقية والواقعي باعتباره الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم”.

    وشدد الرئيس الأمريكي على ضرورة إنهاء النزاع، مضيفا أن “أي مسار آخر من شأنه أن يطيل أمد الوضع القائم، وهو أمر غير مقبول”، قبل أن يؤكد أن “هذا النزاع يجب أن ينتهي الآن، وستواصل الولايات المتحدة الدفع نحو إحراز تقدم لتحقيق هذا الهدف”.

    250 عاما من العلاقات المغربية الأمريكية

    وتضمنت البرقية إشادة بعمق العلاقات التاريخية بين المغرب والولايات المتحدة، إذ نقل الرئيس الأمريكي تهانيه إلى جلالة الملك، نصره الله، وإلى الشعب المغربي بمناسبة عيد العرش.

    وأكد ترامب أن “هذه السنة، نحتفل بمرور 250 عاما من التاريخ الأمريكي والصداقة الدائمة مع المغرب وهي علاقة صيغت على أساس الثقة والاحترام المتبادل”.

    كما أشاد الرئيس الأمريكي بقيادة جلالة الملك محمد السادس، مؤكدا أن “القيادة الحكيمة لجلالتكم تشكل ركيزة للاستقرار”.

    وأضاف أن التزام المغرب المستمر بالعمل من أجل السلام، ومكافحة التطرف، وحماية أمن الأمريكيين والمغاربة، بما في ذلك من خلال دوره المحوري في اتفاقيات أبراهام، يعكس شراكة ذات قيمة بالنسبة للولايات المتحدة.

    وفي البعد الأمني والإقليمي لهذه الشراكة، أكد الرئيس الأمريكي أن البلدين سيعملان معا من أجل ضمان أمن منطقة الساحل.

    واشنطن تعتزم دعم التنمية في الصحراء المغربية

    ولم تقتصر البرقية الرئاسية الأمريكية على المواقف السياسية والأمنية، بل تناولت أيضا مستقبل التعاون الاقتصادي بين البلدين.

    وفي هذا السياق، أكد ترامب لجلالة الملك أن “رؤيتكم للنمو تفتح آفاقا للازدهار لشعبينا واقتصادينا”

    ولم يقتصر الموقف الأمريكي على تجديد الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي، بل امتد إلى البعد التنموي والاقتصادي، إذ أبلغ الرئيس دونالد ترامب جلالة الملك محمد السادس بأنه وجّه فرقه للعمل على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما يشمل منطقة الصحراء.

    وقال ترامب في برقيته: “لقد كلفت فرقي بالعمل من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما في ذلك في منطقة الصحراء الغربية”.

    ويمنح هذا الموقف بعدا اقتصاديا للشراكة التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي في برقيته، خصوصا أنه حدد مجالات استراتيجية للتعاون خلال المرحلة المقبلة تشمل الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.

    الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع

    وحدد الرئيس الأمريكي في برقيته عددا من المجالات الاستراتيجية التي يرتقب أن تشكل محاور للتعاون بين الرباط وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.

    وأكد أن التكنولوجيا والابتكار الأمريكيين سيواصلان العمل باعتبارهما شريكين للمغرب خلال الـ250 عاما المقبلة، خصوصا في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.

    وتكشف البرقية بذلك عن امتداد مجالات الشراكة المغربية الأمريكية، من العلاقات السياسية والأمنية إلى التعاون الاقتصادي والتكنولوجي في قطاعات استراتيجية.

    واختتم الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب برقيته إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بالتأكيد على التطلع إلى مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، قائلا: “معا سنبني عهدا جديدا، يضع مصالح شعبينا في المقام الأول”.

  • ارتفعت إلى 67 قتيلا.. إسبانيا تعلن انحسار أزمة سبتة وعودة عشرات الآلاف إلى المغرب طوعا

    ارتفعت إلى 67 قتيلا.. إسبانيا تعلن انحسار أزمة سبتة وعودة عشرات الآلاف إلى المغرب طوعا

    ارتفعت حصيلة ضحايا موجة الهجرة غير النظامية التي شهدتها سبتة المحتلة إلى 67 قتيلا، وفق ما أعلنه اليوم السبت، وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا، في وقت أعلنت فيه مدريد انحسار الأزمة وعودة الغالبية الساحقة ممن دخلوا المدينة إلى المغرب، بالتوازي مع تشديد الإجراءات الأمنية عند معبر تاراخال واستمرار التنسيق مع السلطات المغربية.

    وحمل وزير الداخلية الإسباني شبكات تهريب المهاجرين مسؤولية الأحداث التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية، معتبرا أن ما جرى شكل “هجوما لا يمكن قبوله على سيادة بلادنا”، ومؤكدا أن الدخول غير النظامي إلى سبتة لن يفتح أمام أصحابه إمكانية الحصول على تسوية قانونية لوضعيتهم داخل إسبانيا.

    وتأتي الحصيلة الجديدة بعدما كانت الأرقام المعلنة خلال الساعات الأولى للأزمة أقل بكثير، في ظل استمرار عمليات البحث وانتشال الضحايا وتحديد هوياتهم، ما جعل عدد الوفيات يتغير بصورة متسارعة منذ اندلاع موجة العبور.

    نحو 50 ألف شخص عبروا إلى سبتة

    وبالتزامن مع تحديث حصيلة الضحايا، كشفت وزارة الداخلية الإسبانية عن أرقام جديدة بشأن حجم موجة العبور، مقدرة عدد الأشخاص الذين دخلوا سبتة منذ بداية الأزمة بنحو 50 ألف شخص.

    وبحسب الوزارة، عاد 48 ألفا و300 شخص منهم طوعا إلى المغرب، فيما بقي أقل من ألفي شخص داخل المدينة، وهي معطيات تشير إلى تراجع سريع في حجم الضغط الذي تعرضت له سبتة خلال ذروة الأزمة.

    غير أن تقديرات عدد الداخلين والعائدين تختلف باختلاف المصادر الإسبانية، فقد نقلت إذاعة “راديو ناسيونال” عن بيانات حكومية أن نحو 50 ألف مهاجر دخلوا المدينة بطريقة غير نظامية خلال الأيام الأخيرة، بينما قدر رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس العدد بما قد يصل إلى 60 ألف شخص.

    وفي المقابل، نقلت وكالة الأناضول عن مصادر أمنية إسبانية رقما أعلى للعائدين، مشيرة إلى عودة أكثر من 53 ألف مهاجر غير نظامي طوعا من سبتة. ويعني هذا التفاوت أن الحصيلة النهائية لأعداد الذين دخلوا المدينة ثم غادروها لم تستقر بعد على رقم موحد بين مختلف المصادر.

    ألباريس: الأزمة انتهت فعليا

    سياسيا، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، مساء أمس الجمعة، أن الأزمة انتهت “فعليا”، مؤكدا أن جميع الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة تقريبا عادوا إلى المغرب.

    وتعزز هذه التصريحات الرواية الرسمية الإسبانية بشأن انحسار الأزمة بعد أيام من الضغط غير المسبوق على المدينة، والذي تجاوز قدرات مرافق الاستقبال وأثار مخاوف داخل مدريد وعواصم أوروبية من انتقال جزء من الوافدين إلى البر الإسباني وباقي دول فضاء شنغن.

    وعلى الجانب المغربي، شهدت المنطقة حركة عودة عكسية لآلاف المغاربة من سبتة نحو الفنيدق، بعد أيام قضاها عدد منهم في ظروف صعبة داخل المدينة، بحسب ما أورده مراسل قناة الجزيرة في المنطقة.

    كما سجلت محيطات الحدود مواجهات وأضرارا مادية، بينها سيارات محترقة قرب معبر تاراخال، بينما أعادت السلطات المغربية فتح المعبر أمام الحركة القانونية، ولا سيما للمغاربة القادمين من أوروبا لقضاء العطلة الصيفية بالمملكة.

    حواجز جديدة في تاراخال

    وبالتوازي مع تراجع أعداد الموجودين داخل سبتة، بدأت السلطات الإسبانية في تعزيز البنية الأمنية على الحدود تحسبا لتكرار محاولات العبور.

    ووفق مصادر بوزارة الداخلية الإسبانية، فإن القوات شرعت في تركيب حواجز احتواء عند معبر تاراخال الحدودي، في خطوة ترمي إلى تعزيز القدرة على ضبط المنطقة ومواجهة أي موجات جديدة.

    ويأتي الإجراء ضمن حزمة أمنية اعتمدتها مدريد منذ بداية الأزمة، شملت تعزيز انتشار قوات الأمن في سبتة ورفع مستوى التأهب، في وقت حرصت فيه الحكومة الإسبانية على التأكيد أن إدارة التطورات تتم بالتنسيق مع الجانب المغربي.

    سانشيز يشكر المغرب على التعاون

    وفي خضم الأزمة، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ما وقع في سبتة بأنه “هجوم ضد السيادة الوطنية”، متعهدا بتسخير إمكانيات الدولة للدفاع عنها.

    وفي الوقت نفسه، حرص رئيس الحكومة الإسبانية على الفصل بين تقييمه لموجة العبور وموقفه من التعاون مع الرباط، مؤكدا استمرار التنسيق مع المغرب لمحاربة منظمات تهريب المهاجرين.

    كما عبر سانشيز عن أسفه لسقوط الضحايا، ووجه الشكر إلى السلطات المغربية على استعدادها للتعاون في إعادة المهاجرين.

    وتكتسب هذه الإشارة أهمية سياسية بالنظر إلى القراءات التي رافقت الأزمة بشأن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، إذ حافظ الخطاب الرسمي لمدريد على التأكيد على التعاون مع الرباط، بدل تحميل السلطات المغربية مسؤولية مباشرة عن موجة العبور.

    الأزمة تصل إلى قلب أوروبا

    ولم تبق تداعيات ما جرى محصورة في العلاقة بين الرباط ومدريد، إذ انتقلت الأزمة بسرعة إلى داخل الاتحاد الأوروبي وأعادت ملف حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن إلى واجهة الخلاف بين عدد من العواصم الأوروبية.

    وتصدرت إيطاليا المواقف الأكثر تشددا، إذ أعلنت وزارة داخليتها، بحسب المعطيات الواردة، إغلاق الحدود البحرية والجوية مع إسبانيا وتعليق العمل بنظام شنغن بين البلدين بصورة مؤقتة، على خلفية المخاوف من انتقال الوافدين من سبتة إلى باقي الأراضي الأوروبية.

    كما أيدت فنلندا الموقف الإيطالي، حيث اتهمت وزيرة الداخلية ماري رانتانن مدريد بالفشل في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن، ودعت بقية الدول الأوروبية إلى مساندة المقترح الإيطالي.

    أما فرنسا، فاتخذت موقفا يجمع بين التضامن السياسي مع مدريد وتشديد الإجراءات الأمنية على حدودها. وأعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إصدار تعليمات لتعزيز عمليات الرقابة والتفتيش على الحدود مع إسبانيا، فيما عبر الرئيس إيمانويل ماكرون عن تضامنه مع سانشيز وعرض تقديم المساعدة اللازمة لاحتواء الأزمة.

    مدريد تدافع عن حماية فضاء شنغن

    أمام هذه الانتقادات، دافعت الحكومة الإسبانية عن طريقة إدارتها للأزمة، مؤكدة أنها حافظت على سلامة فضاء شنغن.

    وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس إن الوصول من سبتة إلى البر الإسباني لم يكن ممكنا دون إثبات الهوية، في رد مباشر على المخاوف التي عبرت عنها دول أوروبية من تحول المدينة إلى بوابة مفتوحة نحو بقية فضاء حرية التنقل الأوروبي.

    ويكشف هذا السجال أن أزمة سبتة تجاوزت خلال أيام قليلة بعدها الحدودي والإنساني لتتحول إلى اختبار سياسي وأمني لمنظومة شنغن نفسها، في ظل اختلاف واضح بين الدول الأوروبية بشأن كيفية التعامل مع موجات الهجرة المفاجئة ومسؤولية دول الحدود الخارجية في احتوائها.

    من ذروة الأزمة إلى تحدي ما بعدها

    ومع عودة عشرات الآلاف إلى المغرب وإعلان مدريد انتهاء المرحلة الأكثر حدة من الأزمة، ينتقل النقاش من احتواء موجة العبور إلى تدبير تداعياتها.

    فارتفاع حصيلة القتلى إلى 67 شخصا يضع الكلفة الإنسانية في صدارة الملف، بالتوازي مع استمرار الحاجة إلى تحديد هويات الضحايا والمفقودين، بينما يفتح الحجم الاستثنائي لموجة العبور نقاشا أوسع بشأن قدرة آليات المراقبة الحالية على استباق تحركات بهذا الحجم، ودور شبكات تهريب البشر في تعبئة المرشحين للهجرة وتوجيههم نحو مسارات بعينها.

    وفي المقابل، أظهرت الأيام الأخيرة استمرار قنوات التعاون المغربي الإسباني حتى في ذروة الأزمة، سواء في إعادة الوافدين أو مكافحة شبكات التهريب وضبط الحدود، وهو ما أكدته تصريحات سانشيز ومسؤولين إسبان.

  • الصعود الاقتصادي.. قراءة في الرؤية الاقتصادية التي حملها خطاب العرش

    الصعود الاقتصادي.. قراءة في الرؤية الاقتصادية التي حملها خطاب العرش

    لم يأت الشق الاقتصادي في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش على شكل عرض لحصيلة حكومية أو قراءة ظرفية لمؤشرات الاقتصاد الوطني، بل حمل ملامح رؤية متكاملة لمرحلة جديدة من التنمية.

    ومن خلال تسلسل مضامين خطاب العرش، يتضح أنه يبني تصورا اقتصاديا يبدأ بالاستقرار السياسي والمؤسساتي باعتباره أساس الثقة، ثم ينتقل إلى النمو بوصفه نتيجة لتراكم الإصلاحات، قبل أن يركز على التصنيع باعتباره المدخل الرئيسي لتعزيز السيادة الاقتصادية، وصولا إلى التمويل كشرط لاستمرار هذا التحول.

    الاستقرار.. منطلق الرؤية الاقتصادية

    استهل جلالة الملك الشق الاقتصادي بالتأكيد أن ما يميز المغرب اليوم هو ما ينعم به من أمن واستقرار ونجاعة في عمل المؤسسات، قبل أن يربط ذلك مباشرة بالأداء الاقتصادي، قائلا إن “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”.

    وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي إدريس الفينة أن الشق الاقتصادي في الخطاب الملكي يمثل إعلانا عن دخول المغرب مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، قوامها الانتقال من بناء البنى التحتية والمؤسسات إلى بناء اقتصاد ذي سيادة وقادر على المنافسة العالمية.

    ويعتبر الفينة في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن جعل الاستقرار السياسي والمؤسساتي في مقدمة الأولويات يعكس كونه أصبح أهم رأسمال اقتصادي للمغرب، والعنصر الحاسم في جذب الاستثمار وتعزيز الثقة، خاصة في ظل عالم يشهد تزايد المخاطر الجيوسياسية.

    ويكشف هذا الربط أن الاستقرار لم يعد يقدم باعتباره معطى سياسيا فقط، بل تحول إلى عنصر اقتصادي يحدد قدرة الدول على استقطاب الاستثمارات والحفاظ على تنافسيتها في بيئة دولية تعرف تغيرات متسارعة.

    النمو.. ثمرة سنوات من التراكم

    بعد وضع هذا الإطار، انتقل الخطاب إلى المؤشرات الاقتصادية، حيث أعلن الملك أن الاقتصاد الوطني سجل معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال سنة 2025، مع توقع الحفاظ على هذا المستوى أو تجاوزه خلال السنة الجارية.

    غير أن الخطاب لا يتعامل مع هذا الرقم باعتباره إنجازا ظرفيا، بل يربطه بمسار طويل من الإصلاحات، حين أكد أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

    وفي السياق نفسه، توقف الملك عند الموسم الفلاحي، مشيرا إلى أن التساقطات المطرية المهمة والموسم الجيد ساهما في تعزيز الأمن المائي والغذائي، وهو ما يعكس توسيع مفهوم التنمية ليشمل قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية في ظل التغيرات المناخية والاضطرابات التي تعرفها الأسواق العالمية.

    الصناعة.. التحول الأكبر في الاقتصاد المغربي

    إذا كان النمو يمثل نتيجة للمسار التنموي، فإن الصناعة تشكل، وفق الخطاب الملكي، عنوان المرحلة المقبلة، فجلالة الملك لم يكتف بالإشادة بالأداء الصناعي، بل اعتبر أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جذب الاستثمارات أو خلق الثروة وفرص الشغل.

    وأبرز الخطاب الملكي السامي أن المغرب أصبح اليوم أول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، قبل أن يؤكد أن صادرات السيارات والطيران أصبحت تمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة على صادرات الفوسفاط.

    ويرى إدريس الفينة بهذا الصدد أن الخطاب الملكي يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر.

    ويبرز الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من مجرد منصة للإنتاج إلى فاعل صناعي قادر على المنافسة في القطاعات الاستراتيجية.

    ويعزز هذا التحول إعلان الملك دخول المغرب إلى دائرة الدول التي تتوفر على مراكز صناعية متخصصة في صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات، وهو ما يعكس انتقال الصناعة المغربية إلى مستويات أكثر تقدما من حيث التكنولوجيا والخبرة الصناعية، ويؤكد أن الرهان لم يعد يقتصر على التجميع، بل أصبح يشمل تصنيع مكونات عالية التعقيد تدخل في الصناعات الأكثر تطورا عالميا.

    من صناعة اليوم إلى اقتصاد المستقبل

    ولم يكتف الخطاب بإبراز ما حققه المغرب في الصناعات التقليدية، بل انتقل إلى رسم ملامح القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة في ظل التحولات التي يشهدها العالم نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة، إذ أكد جلالة الملك أن تطوير قطاع البطاريات الكهربائية “يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية”.

    ويكشف اختيار عبارة “استباق التحولات” أن الرهان لم يعد يقتصر على مواكبة التطورات الدولية، بل أصبح يقوم على التموقع المبكر داخل الصناعات التي ستحدد مستقبل الاقتصاد العالمي. فالدول لم تعد تتنافس فقط على جذب الاستثمارات، وإنما على احتلال مواقع متقدمة داخل سلاسل القيمة الأكثر تطورا.

    ويمتد هذا التوجه إلى قطاع الطاقة، حيث شدد الملك على أن المشاريع الكبرى في مجال الطاقات المتجددة تهدف إلى جعلها “ركيزة للأمن الطاقي، ورافعة لجذب الصناعات، التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون”.

    وفي هذا السياق، يرى الفينة أن خطاب العرش يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، ما يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الإنتاج التقليدي إلى اقتصاد قائم على الابتكار والصناعة المتقدمة.

    السيادة الاقتصادية توحد الأوراش

    بعد عرض مؤشرات النمو والتصنيع، انتقل الخطاب إلى المفهوم الذي يجمع مختلف هذه الاختيارات، وهو السيادة الاقتصادية، بتأكيد جلالته أنه “في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية”.

    ويؤكد إدريس الفينة أن الخطاب وسّع مفهوم السيادة الوطنية، فلم يعد يقتصر على بعدها السياسي أو الأمني، بل أصبح يشمل الأمن الغذائي والطاقي والدوائي والصناعي والدفاعي، انسجاما مع التحولات الدولية التي أصبحت تعطي الأولوية لتأمين سلاسل الإنتاج وتقليص التبعية الخارجية.

    وانتقل الخطاب الملكي السامي إلى الحديث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا التحول، وفي مقدمتها التمويل مؤكدا أن “مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة”، داعيا القطاع المالي الوطني إلى مواصلة مواكبة الاستثمار والابتكار والتصنيع والتصدير، مع “توسيع الولوج إلى التمويلات، خاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية”.

    ويرى الخبير الاقتصادي ذاته أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة أكبر للادخار الوطني، وتطوير أدوات التمويل لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار، لأن تمويل الاستثمار سيصبح أحد مفاتيح النمو خلال السنوات المقبلة، بما يفرض انخراطا أكبر للمؤسسات المالية في مواكبة التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة.

    ويوضح إدريس الفينة أن الرسالة الاقتصادية الأساسية للخطاب تتمثل في أن المغرب انتقل من مرحلة وضع الاستراتيجيات إلى مرحلة تنفيذها، وأن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون على صياغة رؤى جديدة، بل على تحسين الحكامة، وتسريع الإنجاز، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل ذات جودة وتحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين.

  • يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    حين تحولت سبتة المحتلة خلال 48 ساعة فقط، إلى مسرح لعبور عشرات الآلاف من الشباب المغربي، طرح كثيرون سؤالا أمنيا بامتياز مفاده من فتح الحدود؟ في وقت أن السؤال الأعمق والأكثر إزعاجا وهو لماذا كان هناك أصلا عشرات الآلاف من الشباب جاهزين للمخاطرة بحياتهم سباحة نحو ضفة أخرى؟

    الجواب لا يوجد في تحليل ساعات الأزمة بل في عقدين على الأقل من سياسات عمومية للتعليم والصحة والتشغيل لم تفلح في احتواء جيل كامل، تاركة إياه فريسة سهلة، ليس فقط لليأس بل لشبكات التهريب والاتجار في البشر، التي حوّلت هذا اليأس إلى تجارة منظمة.

    صورة الهارب.. من هم هؤلاء الشباب؟

    خلافا للصورة النمطية التي تحصر العابرين في شباب مدن الشمال وحدها، كشفت معطيات جمعيات حقوقية بالمغرب أن الوافدين إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة قدموا من مدن متفرقة داخل المغرب، من القنيطرة والدار البيضاء إلى الجديدة، إلى جانب قاصرين ونساء وحتى عائلات كاملة حاولت العبور سباحة.

    هذا الاتساع الجغرافي للظاهرة يفنّد أي تفسير يختزلها في خصوصية محلية لمدن الحدود، ويؤشر بدل ذلك على أزمة وطنية الطابع، عنوانها “شبان أرسلتهم مدنهم البعيدة عن الحدود بحثا عن أفق لم يجدوه في محيطهم القريب”.

    وقد حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من تحول سواحل الفنيدق وسبتة إلى بؤرة لـ”كارثة إنسانية” تتكرر فصولها مع كل موجة هجرة جديدة.

    ويأتي هذا التحذير في وقت تظهر فيه المعطيات الرسمية الإسبانية تصاعد الضغط على المدينة المحتلة، إذ بلغ عدد الواصلين إليها بطريقة غير نظامية 2826 شخصا منذ بداية سنة 2026 إلى غاية 15 يوليوز، بزيادة تقارب 150 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ما يجعل سبتة نقطة العبور الأكثر ضغطا على الحدود الجنوبية لإسبانيا خلال هذه الفترة.

    ولا تقتصر خطورة الوضع على ارتفاع أعداد الوافدين، بل تمتد إلى الكلفة الإنسانية لهذه المحاولات، فوفق المعطيات التي جمعتها وسائل إعلام محلية اعتمادا على تدخلات الحرس المدني الإسباني، ارتفع عدد الجثث التي انتُشلت من سواحل سبتة خلال سنة 2026 إلى 56 جثة مع نهاية يوليوز، فيما تتحدث منظمات حقوقية عن مفقودين لا يزال مصيرهم مجهولا، في ظل صعوبات مرتبطة بتحديد الهويات وإبلاغ الأسر واستكمال إجراءات التعرف على الضحايا.

    وترى الجمعية أن ما تشهده المنطقة يتجاوز كونه أزمة حدود أو تحديا أمنيا ظرفيا، ليعكس تراكما لاختلالات اجتماعية واقتصادية تدفع شبابا بينهم قاصرون، إلى اعتبار البحر آخر منفذ ممكن نحو الضفة الأخرى.

    ولذلك دعت إلى اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على تشديد المراقبة أو تفكيك شبكات التهريب، بل تربط حماية الحق في الحياة بفتح تحقيقات بشأن المفقودين، وتمكين عائلاتهم من الوصول إلى المعلومات، بالتوازي مع معالجة الأسباب البنيوية للهجرة، وفي مقدمتها الهشاشة الاجتماعية، والانقطاع المبكر عن الدراسة، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وضعف آليات الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ظاهرة “النيت”.. جيل خارج كل المنظومات

    يحمل هؤلاء الشباب في الغالب سمة مشتركة ترصدها الإحصائيات الرسمية منذ سنوات وهي فئة “NEET”، أي الشباب الذين لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين.

    وتكشف دراسة مشتركة بين المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية، صدرت في أكتوبر 2025 بتمويل من الاتحاد الأوروبي، أن 2.9 مليون شاب مغربي يوجدون في هذه الوضعية، الأخطر أن الخطر يتفاقم مع التقدم في العمر فبين سن 25 و29 سنة، يصل معدل الشباب في وضعية “NEET” إلى 50 بالمئة، بعدما كانت المرحلة الانتقالية بين 24 و29 سنة توصف بأنها “سن حرج للدخول” في هذه الوضعية بشكل دائم.

    كما أن 76 بالمئة من هذه الفئة لا يحملون أي شهادة تأهيلية، وأكثر من 70 بالمئة منهم إناث، غالبيتهن ربات بيوت غير نشيطات اقتصاديا، ما يكشف بعدا جندريا إضافيا للظاهرة يختلف عن ملف الهجرة من حيث الحدة لكنه يشترك معه في الجذر البنيوي نفسه.

    في السياق نفسه، رصدت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قدّمت سنة 2023 وجود 1.5 مليون شاب بين 15 و24 سنة خارج منظومتي الدراسة والعمل بشكل كامل، وفق إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2022.

    هذا الخزان البشري الضخم، المحروم من أفق دراسي أو مهني، هو بالضبط ما يجعل عرض “العبور نحو أوروبا” مغريا، مهما كانت مخاطره، فحين لا يكون أمام الشاب لا مقعد دراسي يعود إليه ولا وظيفة تنتظره، تصبح كلفة المخاطرة بالحياة في البحر أقل إيلاما، من منظوره، من كلفة الاستمرار في الانتظار.

    إرث الحكومات المتعاقبة.. مليارات الدراهم ونتائج غائبة

    المفارقة أن هذا الوضع لم ينشأ من غياب السياسات العمومية بل رغم تعددها، فمنذ حكومة ادريس جطو وإلى حكومة سعد الدين العثماني، أُطلقت برامج “إدماج” و”تأهيل” و”تحفيز” بوعد تجاوز 100 ألف إدماج سنويا، كما أعلنت الحكومة السابقة عن إحداث أكثر من 212 ألف منصب شغل بين 2017 و2021، ورغم أنها اعتبرت الحصيلة “مشرفة” ، فمعدل البطالة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة بقي مرتفعا عند 30.2 بالمئة سنة 2022، رغم كل هذه البرامج.

    الحكومة الحالية بدورها ضخّت استثمارات مماثلة، على غرار برنامج “أوراش” بميزانية 2.25 مليار درهم لخلق أكثر من 250 ألف فرصة عمل مؤقتة، وبرنامج “فرصة” بـ1.25 مليار درهم لدعم 10 آلاف حامل مشروع، وبرنامج “انطلاقة” بغلاف يناهز 8 مليارات درهم لتمويل مقاولات ذاتية وصغرى، خاصة في الوسط القروي، ومع ذلك، أظهر استطلاع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول هذه البرامج تحديدا أن 71.57 بالمئة من المشاركين لم يسبق لهم الاستفادة من أي برنامج موجه للشباب على الإطلاق، وأن 49 بالمئة ممن أبدوا رأيا اعتبروها غير فعالة.

    النتيجة أن حوالي 1.7 مليون شاب مغربي ينتهي بهم المطاف في القطاع غير المهيكل أو التشغيل الذاتي الهش، منهم 88 بالمئة بلا عقد عمل ولا حماية اجتماعية تُذكر.

    هذا التراكم من الإحباط الذي يمتد لأكثر من 10 سنوات لا يبقى حبيس الإحصائيات، فبحسب البحث الوطني حول الهجرة الدولية (2018-2019) الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، عبّر 40.3 بالمئة من الشباب المغربي بين 15 و29 سنة عن رغبة قوية في مغادرة التراب الوطني لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية، أي قبل سنتين من موجة سبتة الأولى في ماي 2021، قبل أن تتكرر مجددا في اليومين الأخيرين، لكن بحدة أكبر. وبعبارة أخرى، كانت “الرغبة في الرحيل” جاهزة ومكتومة منذ سنوات، وما احتاجه الأمر فقط هو ثغرة ميدانية لتتحول من رغبة كامنة إلى فعل جماعي.

    وفي هذا السياق، وضع حزب الأصالة والمعاصرة الملف في سياق يتجاوز التدبير الأمني الآني، معتبرا أن موجة العبور الأخيرة تعكس تحديات بنيوية تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب.

    وفي هذا الإطار، كشفت فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية للحزب، عن استعداد المكتب السياسي لعقد اجتماع استثنائي سيخصص لتدارس تطورات ما شهدته سبتة المحتلة، معتبرة أن ما وقع “لا يمكن اختزاله في قراءة بسيطة”، بل يفرض نقاشا وطنيا واسعا حول الأسباب العميقة التي دفعت مئات الشباب، ومن بينهم قاصرون، إلى المخاطرة بحياتهم.

    وربطت المنصوري بين هذه التطورات وبين عدد من الأوراش المرتبطة بالسياسات العمومية، وفي مقدمتها التعليم والتكوين والإدماج الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة، معتبرة أن استعادة ثقة الشباب في المستقبل تقتضي تسريع وتيرة الإصلاحات، والانتقال من تدبير تداعيات الظاهرة إلى معالجة أسبابها البنيوية.

    كما شددت على أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حماية النظام العام، بل تستدعي التوازي الإنصات إلى انتظارات الشباب وفتح فضاء لحوار وطني يشارك فيه مختلف الفاعلين، بما يسمح بصياغة حلول أكثر استدامة واستجابة للتحولات الاجتماعية التي تعرفها المملكة.

    وفي السياق ذاته، عبرت المنصوري عن تقديرها للمجهودات التي بذلتها مختلف المصالح الأمنية خلال تدبير الأحداث، مشيرة إلى أن ما رافقها من أعمال عنف وإحراق للممتلكات يظل سلوكا مرفوضا، مؤكدة أن حماية الأمن العمومي ينبغي أن تتوازى مع سياسات تعزز الإدماج وتعيد الأمل إلى فئة واسعة من الشباب.

    وختمت بالتأكيد أن ما تشهده المملكة من أوراش إصلاحية وتنموية يشكل قاعدة يمكن البناء عليها، غير أن نجاحها يظل رهينا بقدرتها على الوصول إلى الشباب، وتعزيز شعورهم بالانتماء، وترجمة ثمار التنمية إلى فرص ملموسة تحفظ الكرامة وتحد من دوافع الهجرة غير النظامية.

    المافيا.. من يستثمر في يأس الشباب؟

    مع تشديد المراقبة الأمنية على طريق جزر الكناري الأطلسي الذي كان يُعد الممر الأخطر والأكثر استخداما للهجرة نحو أوروبا، أعادت شبكات تهريب المهاجرين توجيه نشاطها تدريجيا نحو سبتة، التي تحوّلت إلى ما يشبه “محطة لوجستية” وسيطة ضمن مسارات جديدة للهجرة غير النظام.

    ولم يعد الأمر يقتصر على تسهيل عبور فردي، بل أصبح عملا منظما على مراحل، بما فيها إدخال المهاجرين إلى سبتة بحرا، ثم إيواؤهم في شقق وبيوت آمنة تستأجرها الشبكات داخل المدينة، قبل التخطيط لنقلهم في مرحلة لاحقة نحو مدن جنوب إسبانيا، في عمليات تهدف إلى تمويه المراقبة الأمنية.

    العمليات الأمنية المتكررة خلال 2026 توثّق هذا التحول، ففي يوليوز نفّذ الحرس المدني الإسباني حملة واسعة بدعم من طائرات مسيّرة أسفرت عن اعتقال 6 أشخاص من سكان سبتة للاشتباه في انتمائهم لشبكة تهريب، فيما شهد شهر أكتوبر عملية مماثلة اعتُبرت الأكبر منذ عملية “باركيرا” السابقة، أدت أيضا إلى توقيف 6 مشتبه بهم آخرين.

    ولا تقتصر شبكة “زبائن” هذه المافيات على المغاربة وحدهم، بل تشمل مرشحين للهجرة من دول المغرب الكبير وإفريقيا جنوب الصحراء، بل ومن مناطق نزاع في الشرق الأوسط، ما يمنح هذه الشبكات قاعدة بشرية واسعة تستغلها مقابل مبالغ مالية.

    كلفة هذا التوسع في نشاط المافيا تُقاس بالأرواح، فقد سجلت سبتة وحدها 40 حالة وفاة على الأقل خلال 2025، وهو أعلى رقم يُسجَّل في السنوات الأخيرة على هذا المسار تحديدا، إضافة إلى 9 حالات وفاة أخرى مسجلة في 2026 قبل اندلاع أزمة يوليوز الأخيرة.

    الإطار المؤسسي والمالي

    ولا يقتصر التعاون المغربي الأوروبي في محاربة شبكات التهريب على تصريحات ظرفية، بل يستند إلى بنية مؤسسية ممتدة منذ سنوات، فبموجب الإعلان المشترك بين المغرب والاتحاد الأوروبي لسنة 2019، اعتُبر المغرب “شريكا رئيسيا” في تدبير الهجرة، بتمويل أوروبي منتظم لتعزيز قدرات المملكة في هذا المجال.

    وفي يوليوز 2022، أطلقت المفوضية الأوروبية أولى “شراكات التشغيل لمكافحة التهريب” مع المغرب والنيجر، في إطار خطة عمل الاتحاد الأوروبي المتجددة لمكافحة تهريب المهاجرين (2021-2025).

    وفي دجنبر من العام نفسه، أطلق الاتحاد الأوروبي “مبادرة أوروبا الموحدة” الخاصة بالمسار الأطلسي والمتوسط الغربي، بتعبئة 908 ملايين يورو لدعم التعاون مع المغرب وعدد من دول غرب إفريقيا في مجالات الحدود ومكافحة التهريب والهجرة القانونية.

    وبشكل أكثر تحديدا، خصص الاتحاد الأوروبي برنامجا بقيمة 152 مليون يورو موجها حصريا لتعزيز قدرات المغرب في إدارة الحدود ومحاربة شبكات التهريب، إلى جانب دعم الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء وبرامج العودة الطوعية.

    منعطف مأساة مليلية 2022

    تعزز هذا التعاون بشكل خاص بعد مأساة معبر مليلية في 24 يونيو 2022، التي خلّفت 23 قتيلا على الأقل، فبعد أسبوعين فقط من الحادثة، عقد اجتماع في الرباط جمع المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون، ووزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، ووزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، اتفقوا خلاله على تحديث آليات التعاون لمواجهة “الأساليب التشغيلية الجديدة” التي تعتمدها شبكات التهريب، بما في ذلك تعزيز التعاون الشُّرطي وإطلاق تحقيقات مشتركة.

    وأكد البيان المشترك الصادر عن هذا اللقاء أن جهود المغرب “تمنع عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين من الهجرة سرا إلى أوروبا”، مع تفكيك ما يقارب 100 شبكة إجرامية للاتجار بالبشر خلال تلك الفترة، معتبرا الاستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء (SNIA) “من أكثر نماذج إدارة الهجرة تقدما” على المستويين التشريعي والمؤسسي.

    وبحسب مصادر إسبانية رسمية، فقد سمحت الآليات المشتركة الجديدة آنذاك بإيقاف نحو 40 بالمئة من حركات الهجرة غير النظامية، وهو ما ترجم أيضا، بحسب التقدير نفسه، إلى تراجع بنسبة 40 بالمئة في تعريض الأرواح للخطر.

    الحصيلة الرقمية الأحدث

    تظهر بيانات وزارة الداخلية المغربية، أن هذا التعاون يترجم إلى نتائج ميدانية متجددة سنويا، فخلال 2025 وحدها أحبطت السلطات المغربية 73.640 محاولة هجرة غير نظامية، وفككت أكثر من 300 شبكة تهريب نشطة، وأنقذت 13.595 مهاجرا في عمليات تدخل بعرض البحر شملت مساعدة طبية وإيواء وتوجيها، فيما استفاد 4.372 مهاجرا من برامج العودة الطوعية الكريمة إلى بلدانهم بالتنسيق مع ممثلياتهم الدبلوماسية.

    غير أن الوزارة نفسها أقرت بأن هذا التراجع في المحاولات “لا يعني نهاية الظاهرة”، بل يعكس “إعادة تموقعها جغرافيا” نحو مناطق أخرى في غرب إفريقيا وجنوب المتوسط، وهو بالضبط ما يفسر، من منظور هذه المادة، انتقال الضغط نحو سبتة تحديدا حين ضاقت مسارات أخرى.

    وكانت عملية نفذها الدرك الملكي المغربي، انطلقت من بني ملال وامتدت دوليا، تقدم مثالا دالا، حيث تمكنت التحقيقات من تفكيك شبكة كانت تُهرّب مرشحين للهجرة عبر ليبيا نحو إيطاليا، وتحتجزهم هناك لابتزاز عائلاتهم ماليا، فيما استُخدم نظام “الحوالة” لتحويل الأموال بشكل غير مشروع، بواقع نحو 3000 عملية مالية منذ 2015 تراوحت قيمتها بين 500 و100,000 درهم للعملية الواحدة، قبل أن تحجز السلطات مبلغا ماليا ناهز 2.57 مليون درهم.

    هذا النوع من العمليات يكشف أن الشبكات لم تعد تكتفي بتهريب الأشخاص، بل طوّرت اقتصادا ماليا موازيا قائما على الابتزاز وتبييض الأموال عبر الحدود، وهو ما يفسر تمويل الاتحاد الأوروبي برنامجا إقليميا خاصا بقيمة 15 مليون يورو، عبر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، لتعزيز قدرات المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر تحديدا في التحقيق ومقاضاة قضايا تهريب البشر والاتجار به.