الكاتب: رشيد الخروبي

  • الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    رصد المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز استمرار وضع متباين في مدينة سبتة، خلال الفترة الممتدة من ظهر 17 غشت الجاري إلى مساء 21 من الشهر ذاته (أول أمس الجمعة)، إذ تزامن نقل مئات المهاجرين غير النظاميين من أماكن الإقامة الهشة مع تصاعد خطابات الكراهية والوصم، وظهور ممارسات أثارت مخاوف مرتبطة بالتمييز والحق في الخصوصية.

    وأفاد المجلس، في “نقطة اليقظة رقم 9” الصادرة عن معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، بأن السلطات الإسبانية شرعت في اتخاذ تدابير لإخراج عدد من الأشخاص من الظروف الصعبة التي كانوا يعيشون فيها في شاطئ “ترامبولين”، غير أن المناخ العام ظل مشحونا بخطابات معادية للهجرة، إلى جانب تسجيل وقائع مرتبطة باستهداف أشخاص بناء على مظهرهم أو أصلهم المفترض.

    تصاعد الخطاب المعادي للهجرة

    ووفق التقرير، أظهر رصد منصات التواصل الاجتماعي انتشارا متزايدا لمضامين تقدم المهاجرين باعتبارهم مصدر تهديد للمجتمع المستقبِل، مشيرا إلى أن من بين العبارات المتداولة جملة منسوبة إلى المستشار السياسي الأمريكي ستيفن ميلر، مفادها أنه “إذا استوردت العالم الثالث، فإنك تتحول إلى العالم الثالث”.

    واعتبر المجلس أن تداول هذه العبارة في سياق أحداث سبتة يتجاوز انتقاد السياسات العمومية المتعلقة بالهجرة، إذ يربط وجود أشخاص قادمين من دول مصنفة ضمن “العالم الثالث” بتدهور المجتمع المستقبِل.

    وحذر التقرير من أن هذا النوع من الخطاب يرسخ تقابلا بين “نحن” التي يجري تقديمها باعتبارها متقدمة وشرعية، و”هم” التي تُصوَّر على أنها مصدر للتراجع، بما يساهم في تجريد المهاجرين من إنسانيتهم وتحويل وجودهم إلى تهديد مفترض.

    ونبه أيضا إلى خطورة تطبيع هذا الخطاب، خصوصا عندما تعيد نشره أو تضخمه حسابات تحظى بمتابعة واسعة، لما لذلك من أثر في إضفاء المشروعية على المضامين التمييزية وتعميق التوتر بين السكان.

    الاعتداء على صحفي بسبب مظهره “المغربي”

    وتوقف التقرير عند واقعة الاعتداء على صحفي يعمل في منبر “إل بويبلو دي سبتة”، الإثنين الماضي، أثناء تغطيته احتجاجا تزامن مع زيارة وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز.

    ونقلا عن معطيات نشرتها وسائل إعلام، قال المجلس إن أحد المشاركين في الاحتجاج ظن أن الصحفي مهاجرا مغربيا، وطالبه بـ”العودة إلى بلده”، قبل أن يوجه إليه ضربة أدت إلى سقوط معداته.

    واعتبر التقرير أن استهداف الصحفي، رغم وجود مهنيين آخرين في المكان، يبرز كيف يمكن للمظهر الجسدي أو الأصل والدين المفترضين أن تؤدي إلى تصنيف شخص باعتباره مهاجرا، بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه الحقيقي أو انتمائه إلى المجتمع المحلي.

    مهاجرون ممنوعون من دخول المتاجر

    ورصد المجلس، يومي 20 و21 غشت، وقوف أشخاص من أصول مغربية ممن عبروا إلى سبتة في طوابير طويلة أمام عدد من المتاجر، مع فرض قيود على دخولهم لشراء المواد الغذائية.

    ودعا إلى التمييز بين الإجراءات العامة لتنظيم تدفق الزبائن، التي قد تستند إلى اعتبارات موضوعية مرتبطة بالأمن أو الاكتظاظ، وبين الممارسات التي تحد من دخول الأشخاص بسبب أصلهم أو جنسيتهم أو وضعهم المفترض في مجال الهجرة.

    وأكد ضرورة مواصلة توثيق هذه الحالات لتحديد طبيعة القيود ومبرراتها، وما إذا كانت تطبق على الجميع أو تستهدف فئات بعينها.

    نقل المهاجرين بلا ضمانات

    وفي الجانب الإنساني، وصف التقرير شروع السلطات، يوم 20 غشت الجاري، في نقل الأشخاص المقيمين بشاطئ “ترامبولين” إلى مرافق استقبال مؤقتة، بأنه تطور إيجابي من حيث المبدأ.

    وتشير المعطيات إلى نقل أكثر من 1200 شخص نحو مواقع من بينها “لوما مارغاريتا” ومنطقة الاستقبال في “لوما كولمينار”، فيما تحدثت مصادر أخرى عن أعداد أكبر تبعا لطريقة احتساب المستفيدين.

    وأكد المجلس المدني الإسباني لمناهضة جميع أشكال التمييز أن النقل ينبغي أن يقترن بضمانات فعلية تشمل الأمن والإيواء والتغذية والرعاية الصحية والوصول إلى المعلومات، إلى جانب توفير حماية خاصة للنساء والأطفال والقاصرين غير المصحوبين وغيرهم من الأشخاص في أوضاع هشة.

    ولاحظ التقرير أن عودة بعض الأشخاص إلى الشاطئ بعد عمليات النقل، وتنظيمهم احتجاجا في وقت لاحق، تظهر أن تغيير مكان وجودهم لا يشكل بمفرده حلا مستداما.

    وطالب السلطات بنشر بيانات مفصلة ومجهلة الهوية حول أعداد المنقولين، وتوزيعهم حسب الجنس والعمر والجنسية، وأعداد القاصرين غير المصحوبين، والحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية، والراغبين في تقديم طلبات اللجوء أو الاستفادة من أشكال أخرى للحماية.

    احتجاجات ضد المهاجرين

    وأثارت إقامة مركز استقبال في “لوما كولمينار” احتجاجات شارك فيها بعض سكان الحي، رافعين شعار “نحن مواطنون من الدرجة الثانية”.

    وقال المجلس إن للسكان الحق في التعبير سلميا عن مخاوفهم المتعلقة بالخدمات العمومية والأمن وظروف العيش، لكنه شدد على أن هذه المخاوف لا ينبغي أن تتحول إلى ترهيب أو تمييز أو تهديد لسلامة الأشخاص المستقبَلين.

    ودعا السلطات إلى تعزيز التدابير الأمنية والوقائية حول مراكز الإيواء، مع إيلاء اهتمام خاص لسلامة النساء والأطفال، وفتح حوار منظم مع سكان الأحياء المعنية للحيلولة دون تحول المخاوف المحلية إلى وصم أو رفض للمهاجرين.

    تساؤلات حول دفن جثامين مجهولة الهوية

    وأثار التقرير تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة من طرف السلطات الإسبانية لتحديد ديانة الأشخاص المتوفين خلال محاولات العبور، بعدما بدأت السلطات الإسبانية، في 21 غشت، التحضير لدفن غالبية الجثامين في المقبرة الإسلامية “سيدي امبارك”.

    وأورد المجلس، استنادا إلى مصادر إعلامية، أن 76 جثمانا مجهول الهوية كانت ضمن الجثامين المقرر دفنها، في حين جرى التعرف على ستة فقط من أصل 82 ضحية جرى انتشال جثامينهم.

    ورحب التقرير بالموارد التي عبأتها السلطات الطبية والقضائية للتعرف على الضحايا، بما فيها الاستعانة بأطباء شرعيين وتقنيين من مناطق إسبانية مختلفة، لكنه أشار إلى أن المعلومات المعلنة لا توضح الأسس التي اعتمدت لتحديد ديانة الجثامين مجهولة الهوية.

    وطالب المجلس بتوضيح ما إذا كان تحديد المعتقد الديني يستند إلى نتائج الفحوص الطبية الشرعية، أو الأغراض والعلامات الدينية الموجودة مع الضحايا، أو المعلومات السابقة للوفاة، أو إفادات العائلات والسلطات المغربية والأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا على معرفة بالضحايا.

    ودعا التقرير السلطات الإسبانية إلى شرح المنهجية المعتمدة، بصورة عامة ومن دون كشف بيانات شخصية، للتأكد من أن اختيار الشعائر الجنائزية يستند إلى معطيات كافية ويحترم، قدر الإمكان، هوية المتوفين وقناعاتهم وكرامتهم.

    الأحوال الجوية تزيد الطين بلّة

    وفي سياق متصل، حذر المجلس من هشاشة ظروف النساء والأطفال والقاصرين الذين ما زالوا يعيشون في مخيمات عشوائية، خصوصا في منطقتي “برينسيبي” و”سيدي امبارك”.

    وأوضح أن الأمطار الأولى التي شهدتها سبتة أثرت في الأغطية البلاستيكية وبعض الأغراض الشخصية للقاصرين، مشيرا إلى أن هذه الوسائل البدائية لا توفر حماية مناسبة من التقلبات الجوية.

    وطالب بإدراج تطورات الطقس ضمن الأولويات المرتبطة بالتخطيط لمراكز الاستقبال، وتسريع نقل الأشخاص الموجودين في المخيمات المؤقتة إلى مرافق آمنة وملائمة.

    وشدد التقرير على أن تحسين الإيواء لا يكفي وحده لمعالجة الوضع، إذ يتعين أن ترافقه ضمانات تحمي السلامة والكرامة والحياة الخاصة، وتكفل الوصول غير التمييزي إلى المواد الأساسية، إلى جانب التصدي لخطابات الكراهية والممارسات القائمة على الأصل أو المظهر أو الوضع المفترض في مجال الهجرة.

  • أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن المغرب يرفض تسلم الجثامين المرتبطة بأزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 و31 يوليوز الماضي، مؤكدا أن النقاش بين الرباط ومدريد لم يصل إلى نتائج حتى الآن، مجدد استعداد الرباط لاستعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة.

    وقال وهبي، اليوم السبت في أثناء حلوله ضيفا على قناة “العربية” السعودية، إن موقف المغرب من الجثامين يستند أولا إلى غياب المعطيات التي تسمح بتحديد هوية أصحابها وأصولهم، موضحا: “لم نرفض هكذا بشكل عبثي، بل لأننا لم نتوصل بالملفات الطبية والملفات التعرف على هذه الجثث، فلا يمكن أن تسلم لنا الجثث دون معرفة من هؤلاء الأشخاص”.

    وأضاف أن الرباط سبق أن طالبت بإعادة القاصرين غير المصحوبين الأحياء، غير أن هذا الطلب لم يجد استجابة من الجانب الإسباني، في وقت يجري فيه الحديث عن تسليم الجثامين، مضيفا “طالبنا بالأحياء ورفضوا تسليمهم، ويتكلمون الآن عن الجثث، لكننا لا نفصل بين الأموات والأحياء، نريد إعادتهم كلهم”، متسائلا “لماذا هذا الفصل؟ يرتكون عندهم القاصرين الأحياء ويطلبون أن نقبل الأموات، وهذا منطق غير منطقي”.

    وفي رسالة مباشرة إلى الجانب الإسباني، جدد وزير العدل استعداد المغرب لاستقبال القاصرين قائلا: “ونقول لهم للمرة الأخيرة: نحن مستعدون لقبول القاصرين بل مستعدون لبعث الحافلات لإعادتهم للمغرب، فهل هناك تعبير أوضح من هذا؟”.

     المغرب يرفض تسلم الجثامين.. ما الأسباب؟

    ويرتبط رفض المغرب، وفق وهبي، بمسألة عدم التوصل بعد بالمعطيات التي تسمح بالتأكد من هويات الضحايا وجنسياتهم، مبرزا أن الحديث عن جثامين مجهولة الهوية يجعل من الصعب على السلطات المغربية تحديد عدد المغاربة من بين الضحايا أو التأكد من انتمائهم إلى عائلات مغربية.

    وتابع موضح “إذا كانت الجثامين مجهولة الهوية كيف سنعرف عددهم؟”، مؤكدا أن من سيعرف عددهم هم الإسبان الذي قضوا عندهم، مشددا على أن المغرب “ليس لدينا رقم، ولم تصلنا بعد تصريحات بالوفاة من طرف العائلات، ولم يحل علينا الإسبان تقارير حول هذا الموضوع”، مضيفا “نريد أن نعرف هل هم مغاربة أم من جنوب الصحراء أو من دول عربية أخرى، يجب أن نضبط كل شيء حتى يمكننا تسيير الأمور بشكل جيد”.

    ولا يعتبر المسؤول الحكومي أن القضية مرتبطة بإعلان النوايا، بل بضرورة إنشاء إطار إجرائي واضح بين البلدين، يحدد المسؤوليات والوثائق والخطوات التي تسبق نقل الجثامين، مسترسلا: “ليس التعبير عن النوايا هو المطروح، خلق مساطر محددة ومضبوطة بيننا وبين إسبانيا هي التي ستحل الإشكال”.

    وفي سياق حديث إسبانيا عن صوعوبات تحديد هويات الجثامين، وعدم تعاون المغرب، أكد وزير العدل أنه “منذ سنوات موضوع الحمض النووي مطروح، وعندما يحدثون ملفا صحيا وطبيا، ويحددون الحمض النووي ويبعثون الملفات إلينا، سنقوم نحن آن ذاك بعملية البحث في هؤلاء الأشخاص وصورهم لنتأكد من عائلاتهم أنهم مغاربة، وآن ذاك سنكون مستعدين لاستقبالهم، لأنهم أبناؤنا وينتمون لعائلات مغربية، ولا مانع في استقبالهم”.

    ويرى المتحدث أن المسؤولية عن إثبات هوية الجثامين تقع أولا على الجانب الإسباني باعتباره الجهة التي عاينت الوفيات وتوجد لديها الجثامين والملفات المرتبطة بها، مؤكدا أنه “لا يمكن أن يبعثوا لنا جثثا لا نعرف من هم وما هي أصولهم، ثم يلقون الإثبات علينا، فالإثبات عليهم”.

    لا لتجزئة ملف القاصرين والجثامين

    ويصر عبد اللطيف وهبي على أن المغرب لا يريد التعامل مع الجثامين والقاصرين باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما ضمن أزمة واحدة تتطلب حلا شاملا، وصرح بالقول: “لا يمكننا أن نسمح لأي جثة أن تدخل بدون حل الإشكال ككل، لا ندخل في الجزئيات، يجب أن نتفق ونضع مسطرة وتصورا”، مردفا “ليس كل من نقل جثة إلى الحدود يقول لنا هذا مغربي ونقبل بدخوله، يجب أن تتم الأمور وفق اتفاق مع الإسبان ومسطرة محددة، وفي إطار التزامات كل طرف على حدة”.

    وأضاف: “لا يمكن أن يُزايِد علينا أحد بالكلام، ومستعدون لاستقبال القاصرين، ولكن كيف يفصلون بين الأموات والأحياء؟ إذا كان الموضوع كاملا نحله كاملا بأحياء والأموات”.

    لا اتفاق مع مدريد حتى الآن

    ويكشف هذا الموقف عن استمرار غياب اتفاق عملي بين الرباط ومدريد بشأن تدبير ملف القاصرين والضحايا الذين سقطوا خلال أزمة سبتة، إذ يؤكد وزير العدل أن البلدين لم يتوصلا، حتى الآن، إلى تفاهم يحدد آلية التعامل مع هذه الملفات.

    وقال وهبي صراحة: “لم نصل حتى الآن لأي تفاهم، وأعتقد أنه سيكون في القريب العاجل، لأن إسبانيا والمغرب دولتان صديقتان وستصلان إلى حل في الموضوع”.

    وفي الوقت الذي تشدد فيه السلطات الإسبانية على وجود قيود قانونية وإجراءات قضائية تحكم إعادة القاصرين، يرى المسؤول المغربي أن المطلوب أولا هو وضوح الموقف الإسباني وتطابق الأقوال مع الأفعال، مشيرا إلى أن “كل ما نطلبه من السلطات الإسبانية هو الوضوح، وأن تكون الأفعال كالأقوال، أعطونا القاصرين والملفات الطبية للجثامين ونحن مستعدون لاستقبالهم”.

    وربط وزير العدل الخلاف بغياب سياسة هجرة مشتركة وواضحة بين المغرب وإسبانيا، إذ لا يمكن للمغرب أن يتحمل مسؤولية منع الهجرة في الوقت الذي يرى فيه أن جزءا من المهاجرين يجدون إمكانية للعبور والاستقرار في إسبانيا.

    وأوضح موقف المغرب بالقول: “لا يمكن أن يكون هناك ردع من طرفنا وتنازل عن الردع بحكم قضائي من طرفهم (إسبانيا)، يجب أن نعالج هذا المشكل، ليس كل مرة نعالج هذه الجزئيات والنتائج، يجب أن نعالج المشكل من أصله”، مضيفا “لا يمكن أن نمنع نحن الهجرة وهم يقبلونها، ثم يتهموننا في ما بعد، وهذا خطأ وليس صحيحا في العلاقات بين الدول، ونحن نعتبرهم أصدقاء ويمكن أن نتعاون”.

    واقترح وهبي أن يكون تدبير الهجرة قائما على سياسة مشتركة بين البلدين، قائلا: “لنتفق على سياسة الهجرة بشكل مشترك، إذا أرادوا أن يفتحوا الباب نفتحه نحن كذلك، ولكن إذا أرادوا أن يمنعوا سنمنعه نحن كذلك، ولكن أن نمنعه نحن ويفتحونه هم فهناك إشكال”.

     إسبانيا تتمرد على الاتحاد الأوروبي

    ويمتد الخلاف مع إسبانيا، بحسب وهبي، إلى ما يعتبره تناقضا بين الموقف الأوروبي من إعادة القاصرين وموقف مدريد الذي يستند إلى عوائق قانونية وقضائية.

    وأكد وهبي في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي أصدر قرار بإرجاع القاصرين، غير أنه سجل باستغراب تلكؤ الإسبان في تنفيذه، مفيدا أنه “لا يمكن فصل الملف، أي نعطيكم الجثامين وبعدها سنرى موضوع القاصرين، وعندما يموت بعض من الأحياء ترسل لنا وعلينا استقبالها، أي نحن سنستقبل القاصرين كجثث فقط ولا نقبلهم أحياء، وهذا منطق غير مقبول”.

    وجاءت تصريحات وهبي ردا على انتقادات وجهها رئيس لجنة الحريات المدنية والعضو في البرلمان الأوروبي بشأن إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين، مقابل التشكيك في المسافة بين الموقف المعلن والممارسة العملية، وإثارة مخاوف بشأن سلامة هؤلاء القاصرين في حال إعادتهم.

    ورد الوزير بالتشكيك في حياد الموقف الأوروبي، قائلا: “أولا عضو في الاتحاد الأوروبي سيدافع عن الاتحاد الأوروبي ولن يدافع عن عضو في الاتحاد الإفريقي”، مؤكدا أن الملف، في جوهره “يتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية، والاتحاد الأوروبي طرف فيه، ويريدوننا أن نرجع القاصرين وليس لدينا إشكال، فقط لنتفق على المسطرة والملفات”.

    وأشار إلى أن القاصرين الموجودين في إسبانيا لا ينحدرون جميعا من المغرب، بل بينهم أشخاص ينتمون إلى دول عربية أخرى وإلى دول جنوب الصحراء، وهو ما يجعل تحديد الهوية والجنسية والوضعية الأسرية، شرطا أساسيا قبل أي عملية إعادة.

     مدريد تحتبئ وراء الأحكام القضائية

    وانتقد وزير العدل ما يعتبره لجوء الجانب الإسباني إلى الأحكام القضائية لتبرير عدم إعادة القاصرين، داعيا إلى معالجة الملف عبر المؤسسات والاتفاقات بين الدول قائلا: “يقولون إنهم سيسلموننا وفي الأخير لا يسلموننا القاصرين بل الجثث”، متسائلا “لماذا يقدمون الجثث في الحدود ولا يسلمون القاصرين، لماذا لا يأتون بالأحياء؟”.

    واسترسل بالقول: “يبررون ذلك بأن هناك حكما قضائيا ومانعا قانونيا ويدخلون في متاهات الإجراءات، ونحن لا نفهم هل الإسبان يريدون المهاجرين أو لا يريدونهم، لذلك لا يجب أن يختفوا وراء أحكام قضائية، فنحن نتعامل مع دولة صديقة ونتعاون معها، ونريد أن يكون هناك وضوح”.

    واعتبر وهبي أن الاستناد إلى الموانع القانونية لا ينبغي أن يحول دون البحث عن حل سياسي ومؤسساتي متفق عليه، قائلا: “إذا كان لديه مانع قانوني لفتح الأبواب نحن لدينا مانع أخلاقي إذا أردنا الذهاب في هذا المنطق، ولا يمكن أن يكون هناك ازدواجية في الخطاب؛ الاتحاد الأوروبي يقرر إعادة القاصرين وإسبانيا تخالف ذلك”.

    وربط الوزير هذا الخلاف بحكم قضائي إسباني حال دون إعادة من يدخلون البر الإسباني سباحة، متسائلا عن كيفية معالجة الوضع في ظل الموقع الجغرافي للبلدين.

    القاصر لا يقرر مصيره بمفرده

    وفي جانب آخر من تصريحاته، رفض وهبي التعامل مع رغبة القاصر في الهجرة باعتبارها وحدها المحدد لمصيره، معتبرا أن الطفل لا يمتلك الأهلية القانونية لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبله.

    وأبرز المسؤول الحكومي في حديثه أن “الطفل ليس لديه الشخصية القانونية ليقرر في حياته، الدولة والأسرة هما من لهما صلاحية القرار، وجميع هؤلاء الأطفال كانوا أمام الإغراءات، لأن المغرب تعرض لهجمة إلكترونية أغرت كثيرا من الشباب للذهاب إلى إسبانيا”.

    وربط أزمة العبور الأخيرة بما اعتبره حملات رقمية للتأثير في الشباب، مشيرا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في الترويج لفكرة الهجرة إلى إسبانيا، موضحا “”في كأس إفريقيا التي نظمت بالمغرب وصل الهجوم على المملكة 300 ألف تغريدة من أجل إفشال كأس إفريقيا، وقبل أيام من حملة الهجرة الأخيرة قامت الآلاف إن لم أقل مئات الآلاف من التغريدات والصور داخل وسائل التواصل الاجتماعي بإغراء الشباب للذهاب إلى هناك”.

    وحذر عبداللطيف وهبي من أن الصورة التي تقدمها شبكات التواصل الاجتماعي عن الحياة في أوروبا لا تعكس بالضرورة واقع المهاجرين بعد الوصول، مشيرا إلى أن هناك الآن في سبتة “شباب اغتصب ومن مات ومن اختفى ومن يتعرض للاضطهاد يوميا”، متسائلا “هل هذه الأشياء أفضل من المغرب؟”.

    وتابع “أما القاصر أو المراهق عندما يرى وسائل التواصل الاجتماعي وتكون لديه الإغراءات، فطبعا سيريد أن يهاجر من أجل الأفضل في تصوره، لكنه أنه حينما يصل إلى هناك سيجد عالما آخر، لن يجد الفردوس الموعود بل المفقود”.

     كيف أدار المغرب أزمة يوليوز؟

    واستعاد وهبي، في حديثه، ظروف أزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 يوليوز الفارط، مؤكدا أنه كان حاضرا في شمال المغرب خلال الأحداث، وأن السلطات تعاملت مع الوضع بحذر لتجنب سقوط ضحايا.

    وأبرز الوزير أن السلطات ما تزال تحقق في ما حدث نهاية يوليوز الفارط، كاشفا أنه “كنت هناك في الشمال عندما حدث الأمر، ورأيت الشباب وكثيرا من الأطفال والمراهقين يتجهون إلى سبتة، ولو دخلنا في مواجهة معهم لكنا أمام ضحايا شباب ومراهقين مغاربة كثيرين، لأنهم سيردون على أي محاولة منا، لذلك كنا ندير الأزمة بذكاء ودهاء وببرودة أعصاب ورصانة”.

    وأوضح بخصوص إغلاق الطرق المؤدية إلى الفنيدق أن “الشاب يقول لنا أنا أسافر في المغرب وحقي الدستوري أن أسافر في المغرب، وهناك من قال لنا أريد أن أدخل سبتة لأنها مغربية، فكيف لي أمنعه؟”، مضيفا “عندما وصلوا الحدود منعناهم، وذهبوا عن طريق البحر، لأننا نؤمن كذلك أن الحل الأمني ليس حلا مستداما”.

    وأكد وهبي أن معالجة أزمة الهجرة لا يمكن أن تستمر من خلال التدخلات الأمنية الظرفية، وإنما تتطلب اتفاقا نهائيا بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي حول قواعد واضحة للمنع والقبول وإعادة القاصرين وتدبير الحدود، مشيرا إلى أن المغرب “يعزز المراقبة في الحدودي ويستفر الشرطة والسلطات والأمن، لكنهم (في إسبانيا) يستقبلون كل من استطاع أن يتغلب على الحدود ويقفز ويصل إليهم، وهذا موقف متناقض”.

    وزاد شارحا “هذا الوضع يضع المغرب أمام تساؤلات من مهاجرين من دول جنوب الصحراء حول سبب منعهم من العبور، في الوقت الذي يرون أن إسبانيا مستعدة لاستقبالهم، مضيفا “يسألوننا مادام الإسبان يقبلوننا لماذا أنتم تمنعوننا؟ أنتم ضد إفريقيا؟ في حين نحن نريد الحفاظ على حدودنا ونقوم بدورنا كدولة ونحمي سيادتنا”.

    وشدد وهبي على أن إدارة الأزمة ليست الغاية، لأن “المشكل ليس إدارة الأزمة، بل حل الأزمة، والحل هو قرارات نهائية تحد من هذه الهجرة”، موجها دعوة للأوربيين: “نقول لإسبانيا مستعدون لنجلس ونتخذ قرارات ونضع القوانين، ونقول للاتحاد الأوروبي يوم تقتنعون بأنه يجب وضع حد نهائي لهذه الهجرة تعالوا نجلس ونتفق”.

  • بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    يتجه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة التمويل المخصص للمغرب في مجالات مراقبة الحدود وإدارة الهجرة، بالتزامن مع مساعي بروكسل والرباط لإبرام شراكة استراتيجية وشاملة قبل نهاية العام، في خطوة تعكس تنامي أهمية التعاون في الملف الأمني والهجروي داخل العلاقات بين الجانبين.

    وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، في تصريحات نقلتها قناة “يورونيوز”، إن المغرب يستفيد بالفعل من دعم مالي أوروبي مخصص لإدارة الهجرة، مشيرا إلى التزام الاتحاد بتقديم 222 مليون يورو خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024.

    وبحسب المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”، فإن المفوضية الأوروبية تتوقع تقديم 190 مليون يورو إضافية للمغرب حتى نهاية دورة الميزانية الحالية في 2027.

    ودخل نحو 72 ألف شخص، وفق الأرقام الإسبانية، إلى سبتة المحتلة بشكل غير نظامي خلال أزمة يوليوز الماضي، بينما أسفرت الأحداث عن عشرات الوفيات، في واحدة من أخطر أزمات الحدود التي شهدها الثغر المحتل.

    ورغم أن الأزمة لم تدفع، وفق مسؤولين أوروبيين، إلى تقديم موعد الشراكة الاستراتيجية، فإنها ساهمت في تعزيز التوجه نحو تخصيص موارد إضافية للأمن والهجرة وإدارة الحدود، بعدما دعا المغرب الاتحاد الأوروبي وإسبانيا إلى نقاش جاد وفعال للاتفاق على حل جذري ونهائي لمشكل الهجرة غير النظامية.

    وأوضحت القناة الأوروبية أن بروكسل تراهن، من خلال الشراكة المرتقبة مع الرباط، على بناء إطار أوسع للتعاون، لا يقتصر على تدبير تدفقات الهجرة، وإنما يشمل أيضا الاستثمار والتنمية والاستقرار الإقليمي.

    وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية تستحضر في هذا السياق النموذج الذي اعتمدته مع مصر سنة 2024، عندما أطلقت حزمة تمويل واستثمار بقيمة 7.4 مليارات يورو، تضمنت دعما للاقتصاد المصري وتعاونا في مجال الهجرة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

    غير أن مسار المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لم يكن مستقرا خلال السنوات الأخيرة، إذ تأخر التوصل إلى صيغة متقدمة للشراكة، قبل أن تعود الاتصالات إلى الواجهة في يناير 2026، عقب اجتماع بين الجانبين في بروكسل ساهم في إعادة تحريك الملف.

    ولا تبدو الزيادة المرتقبة في التمويل مجرد استجابة ظرفية لأزمة سبتة، بقدر ما تعكس تحولا في طريقة تعاطي الاتحاد الأوروبي مع المغرب باعتباره شريكا رئيسيا في إدارة حدوده الجنوبية، سيما أن الرباط أكدت، عقب أحداث سبتة الأخيرة، أنها ليست حارسا لحدود أحد، وشددت على أن تدبير أمن الحدود لا يقتصر على الجانب المالي فقط.

    غير أن بروكسل تربط بشكل متزايد بين التعاون في مجال الهجرة وبين الدعم المالي والأمني، في وقت أصبح فيه التحكم في طرق العبور نحو الأراضي الأوروبية أحد الملفات الأكثر حساسية في علاقاتها مع دول جنوب المتوسط.

    رفض جديد لفتح باب عودة القاصرين

    رغم المطالب المغربية المتكررة بتسريع إعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين الذين وصلوا إلى سبتة خلال أزمة العبور الجماعي الأخيرة، أغلقت النيابة العامة الإسبانية الباب أمام أي عملية إعادة تلقائية، مؤكدة أن عودة أي قاصر لا يمكن أن تتم إلا بعد دراسة وضعه بشكل فردي، والتحقق من ظروفه الأسرية وضمان عدم تعرضه لانعدام الحماية في بلده الأصلي.

    ويأتي هذا المواقف في وقت جدد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يوم أمس الجمعة، مطالبة مدريد بتسليم القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، بالتوازي مع دعوته إلى فتح حوار بشأن مستقبل سبتة ومليلية.

    وأكدت المدعية العامة المكلفة بالقاصرين، تيريزا غيسبرت، أمس الجمعة في تصريحات صحفية، أن إعادة القاصرين لا يمكن أن تكون “فورية أو مباشرة”، موضحة أن دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026 فرض مجموعة من الضمانات والإجراءات التي يتعين احترامها، وتشمل إجراء مقابلة شخصية مع كل قاصر، والاستعانة بمترجم عند الحاجة، ودراسة وضعه الشخصي والأسري، إلى جانب التحقق من ظروف الحماية المتوفرة في بلد المنشأ.

    وبحسب غيسبرت، فإن الإطار القانوني لا ينظر إلى هؤلاء الوافدين باعتبارهم مهاجرين في وضعية غير نظامية، وإنما باعتبارهم قاصرين، وهو ما يجعل مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” أساسا لأي قرار بشأن مستقبلهم، موضحة أنه في حال وجود خلاف بين الإدارة والقاصر حول إعادته، يتعين، وفق النيابة العامة، توفير الضمانات القانونية اللازمة وتعيين مدافع قضائي.

    وتربط النيابة العامة الإسبانية أي عودة محتملة بتوفر شروط محددة في بلد المنشأ، إذ أبرزت غيسبرت أن إعادة القاصر تتطلب معرفة وضعه الأسري والتأكد من أنه لن يجد نفسه في حالة انعدام حماية، وهو ما يستدعي تعاون القنصلية والسلطات في بلده الأصل.

    وتواجه سبتة المحتلة ضغطا كبيرا على منظومة حماية القاصرين، بعدما كانت تضم نحو 800 قاصر تحت الحماية قبل أزمة 30 يوليوز، وهي أعداد كانت تتجاوز قدرتها الاستيعابية.

    ومع وصول أعداد جديدة خلال الأزمة الأخيرة، تحولت مسألة نقل القاصرين إلى شبه الجزيرة لأحد أبرز الملفات المطروحة على السلطات الإسبانية.

    وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة الإسبانية عن تخصيص موارد إضافية لنقل مئات القاصرين إلى شبه الجزيرة، بينما تستمر الضغوط السياسية المطالبة بإعادتهم إلى المغرب.

    بدورها، تواجه النيابة العامة الإسبانية ضغطا متزايدا بسبب حجم الملفات، إذ كشفت غيسبرت أن نيابة سبتة تعمل بثمانية مدعين عامين من أصل تسعة، في وقت تضاعفت فيه المهام المرتبطة بتحديد أعمار القاصرين وإجراء المقابلات ودراسة أوضاعهم، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من المترجمين، باعتبار أن المقابلات الفردية تمثل جزءا أساسيا من المسار القانوني للإعادة.

    دفن 18 مهاجرا

    ولم تتوقف تداعيات الأزمة الأخيرة عند التدبير الأمني والحدودي، بل امتدت إلى ملف الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال موجة الدخول الجماعي، فبعد ثلاثة أسابيع من الأحداث، دفن أمس الجمعة 18 مهاجرا في المقبرة الإسلامية بالمدينة، فيما تواصل السلطات الإسبانية إجراءات تحديد هويات الضحايا الذين عثر عليهم عقب الأزمة.

    وفق تقارير إسبانية، وضعت أرقام على القبور لتسهيل التعرف على أصحابها مستقبلا في حال تقدم أفراد أسرهم للمطالبة بالرفات، بينما تتواصل عملية تحديد الهوية وسط مطالب من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوقف عمليات الدفن إلى حين استكمال إجراءات التعرف على الجثث وإعادتها إلى المغرب.

    الوضع الصحي مقلق

    بينما تحاول السلطات الإسبانية استكمال عمليات تحديد هوية الضحايا، بدأت تداعيات الأزمة تظهر أيضا داخل صفوف الأجهزة الأمنية التي تولت عمليات الاحتواء والاستقبال والنقل، في وقت تئن فيه المدينة تحت وطأت وضع مأساوي يعيشه المهاجرون كل يوم.

    وأعلنت الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني “AUGC” تسجيل أول حالة جرب بين أفراد الحرس المدني المنتشرين في سبتة منذ 30 يوليوز، مطالبة باتخاذ إجراءات وقائية لتفادي تسجيل إصابات إضافية.

    وحذرت الجمعية من المخاطر الصحية التي يمكن أن يتعرض لها عناصر الأمن خلال عمليات احتواء الوافدين وتحديد هوياتهم واحتجازهم ونقلهم وتقديم الرعاية لهم، مشيرة إلى احتمال التعرض للجرب والطفيليات الخارجية، إضافة إلى أمراض معدية أخرى، من بينها السل والتهاب الكبد والتهاب السحايا وبعض أنواع العدوى البكتيرية.

    وطالبت بإجراء تقييم خاص للمخاطر، وتوفير معدات الحماية الشخصية، وتعزيز عمليات تنظيف وتعقيم المرافق والمركبات، إلى جانب تشديد المراقبة الصحية على أفراد الحرس المدني ووضع بروتوكول للتعامل مع حالات التعرض المحتملة للعدوى.

    وأثارت الجمعية مسألة نقل بعض عناصر الأمن لملابسهم الرسمية إلى منازلهم لغسلها، معتبرة أن هذه الممارسة قد ترفع مستوى المخاطر الصحية على أفراد أسرهم.

    الضغط ينتقل إلى محيط المساكن

    لم ينجح تغيير موقع مخيم إيواء المهاجرين بسبتة في إنهاء التوتر في حي لوما كولمنار، إذ ظل مئات الأشخاص منتشرين في محيط المباني السكنية، بينما تشكلت طوابير طويلة أمام مركز الإيواء الجديد في إمبولساميينتو، وفق ما كشفته تقارير صحفية إسبانية.

    وأكدت المصادر ذاتها أنه في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية للمخيم، بقي العشرات أو المئات خارج المنشأة، بعضهم ينام في المناطق المشتركة ومداخل المباني، ما دفع السكان إلى الاحتجاج يومين متتاليين للمطالبة بحل لا ينقل المشكلة من مكان إلى آخر.

    وأشارت إلى أن تشغيل مركز الإيواء لم يبدد الضغط عن الحي، بل نقل جزءا منه إلى الشوارع المحيطة به، فقد اضطرّت الشرطة إلى التدخل لتنظيم طوابير الدخول والسيطرة على حالة الازدحام، فيما سجلت احتكاكات بين المنتظرين بسبب محاولات تجاوز الطابور.

    نفايات ونيران وسط خطر الحرائق

    لا تقتصر تداعيات أزمة الهجرة في سبتة على محيط مراكز الإيواء والأحياء السكنية، بل امتدت إلى المناطق الغابوية، حيث يواصل مئات المهاجرين العيش في ملاجئ عشوائية أقيمت باستخدام البلاستيك والبطانيات والكرتون والأخشاب، في ظل غياب بدائل للإقامة.

    وكشفت صحيفة “سوتا” إثر جولة ميدانية في محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين CETI” انتشار مخلفات الطعام والملابس والأكياس والعبوات بين الأشجار وعلى المسالك وفي محيط أماكن النوم.

    وأكدت أن حدة الوضع تزداد مع تسجيل آثار نيران مشتعلة وسط الغطاء النباتي الجاف، إذ يستخدم المهاجرون النيران للطهي والتدفئة والإنارة، بينما يحذر المشهد من احتمال تحول أي شرارة إلى حريق في ظل ارتفاع درجات الحرارة وجفاف النباتات خلال شهر غشت، وقد اضطر رجال الإطفاء بالفعل إلى التدخل لإخماد حرائق صغيرة في مناطق غابوية خلال الأسابيع الأخيرة.

  • المنهجية الديمقراطية الجديدة.. من شرعية الاختيار إلى الحق في الفرصة

    المنهجية الديمقراطية الجديدة.. من شرعية الاختيار إلى الحق في الفرصة

    حين تحدث الراحل عبد الرحمن اليوسفي عن “المنهجية الديمقراطية”، لم يكن يدافع فقط عن موقع حزب أو عن أحقية سياسية مرتبطة بنتائج انتخابات بعينها، بقدر ما كان يطرح سؤالا سيظل حاضرا في التجربة السياسية المغربية: كيف نجعل لاختيار المواطن معنى، وكيف نحافظ على ثقته في السياسة وفي قدرتها على التأثير في مسار حياته ومستقبل بلاده؟

    لقد تغير المغرب كثيرا منذ تلك المرحلة، وتغير المجتمع وتبدلت انتظاراته، لكن جوهر السؤال لم يتغير. بل ربما أصبح اليوم أكثر إلحاحا، لأننا لم نعد أمام إشكالية احترام الاختيار الديمقراطي فقط، وإنما أمام تحدٍّ أكبر يتعلق بقدرة الفاعل السياسي نفسه على استعادة ثقة المجتمع، وخصوصا ثقة جيل جديد ينظر إلى السياسة بعين مختلفة.

    لقد قطع المغرب خلال العقود الأخيرة أشواطا مهمة في بناء المؤسسات وتطوير البنيات التحتية وتوسيع الحماية الاجتماعية وجذب الاستثمار وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي. وهذه مكتسبات لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها. لكن قوة الدول لا تقاس فقط بما تنجزه من طرق وموانئ ومشاريع كبرى، وإنما أيضا بقدرتها على جعل مواطنيها يشعرون بأنهم جزء من قصة النجاح، وأن لكل واحد منهم مكانا وفرصة داخل المشروع الوطني. وهنا تحديدا يظهر أحد أكبر تحديات المرحلة المقبلة: الهوة المتزايدة بين جزء من الشباب وبين الفعل السياسي، وبين سرعة التحولات التي يعرفها المغرب وبين قدرة السياسة على تحويل هذه التحولات إلى أمل ملموس في الحياة اليومية.

    هذه الهوة لا يمكن اختزالها في ضعف التواصل، ولا في القول إن الشباب لم يعد يهتم بالشأن العام. ربما العكس هو الصحيح. الشباب اليوم أكثر اتصالا بالعالم، وأكثر قدرة على المقارنة، وأشد حساسية تجاه التفاوتات والامتيازات وعدم تكافؤ الفرص. يرى كيف يعيش الآخرون، ويتابع تجارب النجاح في كل مكان، ويقارن بين ما يسمعه من خطابات وما يلمسه في واقعه. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه ليس فقط: ماذا أنجز المغرب؟ بل أيضا: ما نصيبي أنا من هذا التقدم؟ أين مكاني في هذا التحول؟ وهل أملك، بغض النظر عن أصلي الاجتماعي أو الجغرافي وعن شبكة علاقاتي، فرصة حقيقية لكي أتعلم وأعمل وأبادر وأتقدم؟

    وهنا تبدأ مسؤولية الفاعل السياسي. فعندما يترسخ لدى الناس الانطباع بأن السياسة تدار لحساب نخبة محدودة، أو أن بعض الفاعلين السياسيين أصبحوا أكثر انشغالا بحماية المواقع والمصالح من الدفاع عن المصلحة العامة، يتغير سلوك المواطن تجاه المجال العام. فالمجتمعات لا تطلب من أفرادها التضحية والانخراط بمجرد رفع الشعارات؛ التضحية تحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى العدالة. وعندما يشعر الفرد بأن قواعد اللعبة ليست واحدة بالنسبة للجميع، يصبح من الطبيعي أن ينتقل تدريجيا من سؤال “ماذا يمكنني أن أقدم لوطني؟” إلى سؤال “كيف أحمي مصلحتي ومستقبلي؟”، وعندما ينتشر هذا المنطق، لا نخسر فقط الثقة في السياسة، بل نخسر شيئا أعمق: القدرة على بناء أمل جماعي.

    لهذا أعتقد أن المعركة السياسية الحقيقية في مغرب السنوات المقبلة ستكون معركة الأمل والكرامة. الأمل بمعناه الملموس، أي أن يشعر الشاب بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا، وأن الاجتهاد ما زال طريقا ممكنا للارتقاء. والكرامة بمعناها العميق، أي أن يشعر المواطن بأن قيمته لا تتحدد باسم عائلته أو علاقاته أو موقعه الاجتماعي، وإنما بما يملكه من كفاءة وعمل واستحقاق. فالكرامة ليست فقط حماية اجتماعية أو دخلا أو خدمة عمومية، على أهميتها جميعا؛ الكرامة أيضا أن تقف أمام باب الفرصة وأنت تعرف أنك لن تحتاج إلا إلى كفاءتك لكي تنافس عليها.

    من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو مغرب الاستحقاق. المغرب الذي لا يسأل أبناءه من تعرفون، بل ماذا تعرفون وماذا تستطيعون أن تقدموا. مغرب لا يلغي الفوارق الطبيعية في النتائج، ولكنه يرفض أن تكون نقطة الانطلاق محددة سلفا بحسب الأصل الاجتماعي أو المجال الترابي أو شبكة العلاقات. فنحن لا نستطيع أن نعد جميع المغاربة بالنتيجة نفسها، لكننا نستطيع، ويجب علينا، أن نضمن لهم الحق نفسه في المحاولة. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نعطيه اليوم لمفهوم الحق في الفرصة.

    إن العدالة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بإعادة توزيع الدخل والثروة، بل أصبحت مرتبطة أيضا بعدالة توزيع الفرص: فرصة التعليم الجيد، وفرصة الشغل، وفرصة الاستثمار، وفرصة الولوج إلى المسؤولية، وفرصة أن يفشل الإنسان ثم يبدأ من جديد. حين يشعر الشاب بأن الطريق مفتوح أمامه، يصبح النجاح الفردي جزءا من النجاح الوطني. أما حين يعتقد أن الأبواب موزعة مسبقا، فإن أول ما يبحث عنه ليس كيف يساهم في تطوير المجتمع، بل كيف يجد لنفسه منفذا خارج قواعده.

    ومغرب الاستحقاق لا يمكن أن يقوم دون مغرب الشفافية. فالشفافية ليست شعارا أخلاقيا ولا مجرد أداة لمحاربة الفساد، بل هي شرط لبناء الثقة. المواطن يحتاج إلى أن يعرف كيف تُتخذ القرارات، وكيف توزع الفرص، ولماذا استفاد هذا المشروع ولم يستفد الآخر، ولماذا اختير هذا المسؤول دون غيره. كلما كانت القواعد واضحة، تقلصت مساحة الشك والإشاعة والإحساس بالحيف. وكلما كانت المعلومة متاحة، أصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين النجاح والفشل، وبين المسؤولية والادعاء، وبين السياسة التي تنتج النتائج والسياسة التي تنتج الخطابات.

    ولا معنى للشفافية إذا لم تقترن بمبدأ آخر أقره دستور 2011 بوضوح، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حان الوقت لكي يصبح هذا المبدأ ثقافة سياسية وليس مجرد مقتضى دستوري. من يتولى المسؤولية يجب أن يقبل بأن يُسأل عن حصيلته، ومن يقدم وعدا يجب أن يقبل بأن يُقاس بما أنجز منه، ومن يفشل ينبغي أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بذلك وتحمل نتائجه. لا يمكن أن نبني الثقة عندما تصبح المسؤولية امتيازا بينما تظل المحاسبة احتمالا بعيدا. السياسة التي نحتاجها في أفق 2030 هي سياسة تقول للمواطن بوضوح: هذه التزاماتنا، وهذه آجالها، وهذه مؤشرات قياسها، وحاسبونا عليها.

    وهنا يمكن أن نستعيد مفهوم “المنهجية الديمقراطية” ونمنحه امتدادا يتناسب مع أسئلة مغرب اليوم. بالأمس كان السؤال الذي طرحه اليوسفي مرتبطا أساسا باحترام الإرادة التي تعبر عنها صناديق الاقتراع. واليوم يجب أن نضيف إليه أسئلة أخرى: هل نحترم المواطن بين انتخابين؟ هل نضمن له الحق في الفرصة؟ هل نجعل الكفاءة والاستحقاق طريقا للارتقاء؟ هل يعرف من المسؤول عن القرار حتى يستطيع محاسبته؟ وهل يشعر بأن السياسة تخدم المصلحة العامة قبل أن تخدم مصالح الفاعلين فيها؟

    هذه في تقديري هي المنهجية الديمقراطية الجديدة التي يحتاجها المغرب: ديمقراطية لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، بل تبدأ منه؛ ديمقراطية تجعل من الانتخابات عقدا للمحاسبة وليس موعدا موسميا للوعود، وتجعل من المسؤولية التزاما أمام المواطن وليس امتيازا لصاحبها.

    ليس المطلوب إضافة خطاب شبابي جديد إلى الخطابات الموجودة، ولا التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية يجب استمالتها. الرهان الحقيقي هو إعادة السياسة إلى المستقبل، وإعادة جيل كامل إلى السياسة باعتباره شريكا في صناعة ذلك المستقبل. جيل لا يطلب امتيازا، بل يطالب بالحق في الفرصة؛ لا يريد حماية خاصة، بل قواعد عادلة؛ لا ينتظر من السياسة أن تضمن له النجاح، بل أن تضمن له ألا يكون النجاح محجوزا مسبقا لغيره.

    إن المغرب مقبل على استحقاقات وتحولات كبرى، وما تحقق إلى اليوم يمنحنا أسبابا حقيقية للثقة، لكنه يضع علينا أيضا مسؤولية أكبر. لأن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بسرعة القطارات أو عدد الملاعب والمشاريع الكبرى، بل سيقاس أيضا بقدرتنا على جعل شاب في قرية أو حي هامشي أو مدينة صغيرة يؤمن بأن له مكانا في مغرب 2030، وأن مستقبله لا يوجد بالضرورة في مكان آخر، وأن وطنه قادر على أن يمنحه فرصة عادلة ليصنع مصيره بكرامة.

    أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تجربة سياسية ليس أن ينتقدها الشباب، فالانتقاد دليل على أن السياسة ما زالت تعني لهم شيئا. الخطر الحقيقي يبدأ يوم لا ينتظرون منها شيئا، ويصبح الانسحاب أو اللامبالاة أو البحث الفردي عن الخلاص هو الخيار الأكثر عقلانية في نظرهم. لذلك فإن معركة الثقة ليست معركة تواصل، بل معركة سياسات وممارسات وقواعد جديدة.

    إنها معركة الانتقال من منطق الامتياز إلى مغرب الاستحقاق، ومن الغموض إلى مغرب الشفافية، ومن المسؤولية دون تبعات إلى مغرب ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن انتظار الفرصة إلى ضمان الحق في الفرصة. وفوق كل ذلك، هي معركة إعادة الأمل والكرامة إلى قلب العمل السياسي.

    ربما يكون هذا هو الامتداد الأكثر وفاء اليوم لدرس عبد الرحمن اليوسفي: أن تكون لإرادة المواطن قيمة، ولصوته أثر، وللكفاءة مكان، وللمسؤولية ثمن. لأن الديمقراطية ليست فقط أن يعرف المواطن من يحكمه، بل أن يقتنع بأن المؤسسات السياسية تعمل من أجله أيضا، وأن يشعر بأن نجاح وطنه يمكن أن يكون نجاحه هو كذلك.

    مغرب 2030 الذي نطمح إليه يجب ألا يكون مغرب الامتياز، بل مغرب الاستحقاق؛ وألا يكون مغرب الوعود، بل مغرب النتائج؛ وألا يكون مغرب الفرص المغلقة، بل مغرب الحق في الفرصة. مغرب يصنع الأمل ويحفظ الكرامة، لأن الوطن الذي يمنح أبناءه الأمل هو الوطن الذي يكون أبناؤه مستعدين لبذل الكثير من أجله.

    لكن علينا أن ندرك أن نافذة التغيير لن تبقى مفتوحة إلى الأبد؛ فالثقة ليست رصيدا دائما، والأمل ليس موردا لا ينضب. وكل فرصة نضيعها اليوم لإصلاح السياسة، وتوسيع دائرة الاستحقاق، وفتح أبواب الفرص أمام جيل جديد، ليست مجرد موعد يمكن تأجيله إلى الغد، بل رقعة من الأمل قد نفقدها إلى الأبد. فالخطر الحقيقي ليس أن ينتقد الشباب السياسة، بل أن يتوقفوا عن انتظار أي شيء منها. لذلك فإن معركة استعادة الثقة هي أيضا معركة مع الزمن، ومسؤوليتنا اليوم أن نجعل للشباب سببا حقيقيا للإيمان بأن لهم مكانا وفرصة ومستقبلا في وطنهم.

    عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة (*)

  • عبداللطيف وهبي: مستعدون لبعث حافلات لإعادة القاصرين من إسبانيا ونتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية

    عبداللطيف وهبي: مستعدون لبعث حافلات لإعادة القاصرين من إسبانيا ونتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي في سبتة ومليلية

    جدد المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي من أجل إيجاد حل نهائي لملف القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة المحتلة، معلنا أن الرباط مستعدة حتى لإرسال حافلات لنقلهم إلى المغرب، بالتوازي مع تمسكها بفتح نقاش سياسي حول سبتة ومليلية وعودتهما إلى المغرب.

    وجاء ذلك على لسان وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي شدد أثناء حلوله ضيفا القناة الثانية زوال اليوم الجمعة، على أن ملف الهجرة والقاصرين يعرف “الكثير من التأويلات السياسية”، مشددا على أن المغرب لا يعتمد في تدبيره لهذا الملف على ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإنما على التواصل الرسمي المباشر مع إسبانيا.

    وأوضح الوزير أن “هناك عدة قنوات تتعامل مع هذا الموضوع لتوظيفه لمصالحها أو لسياسة معينة”، مضيفا أن المغرب “يتعامل مع الموضوع وفق التواصل المباشر مع إسبانيا، وكل ما يكتب في منصات التواصل الاجتماعي وما ينشر بشكل غير رسمي لا يهمنا ولا نهتم به، لأن ما ينشر غير صحيح، والصحيح ما يتم بين الجهازين الرسميين المغربي الإسباني”.

    وأكد أن التواصل بين الرباط ومدريد سيستمر، مبرزا أنه “كما قلت سابقا فإن التواصل بين البلدين مستمر وسيستمر وسنعالج الموضوع ولن نخضع لوسائل التواصل الاجتماعي وما يقال، بل سنخضع لعلاقة الثقة التي تجمعنا بإسبانيا”.

    المغرب مستعد لإرسال الحافلات لإعادة القاصرين

    ويتمسك المغرب بضرورة تسريع ملف عودة القاصرين المغاربة في إسبانيا، والتي يضعها على رأس أولوياته في النقاش الجاري مع مدريد والاتحاد الأوروبي، إذ جدد وهبي التأكيد أن “المغرب يريد عودة قاصريه، بل أكثر من ذلك نحن مستعدون لنبعث الحافلات لنقلهم إلى المغرب، ونحن مستعدون للتعاون مع الإسبان لإعادتهم”.

    ويربط وهبي هذا الموقف بضرورة إيجاد معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف، مشددا على أن “هذا الموضوع يهمنا نحن وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب أن نتعاون من أجل إيجاد حل لهذا المشكل، ليس حلا جزءيا أو ظرفيا بل حلا طويل الأمد ونهائيا للتعامل مع هذا الموضوع وإيقافه، لأنه يؤدي إلى مآس إنسانية واجتماعية”.

    وأضاف أن الحوار بين الأطراف المعنية يمكن أن يقود إلى نتائج عملية، مسترسلا بالصدد ذاته “نؤكد أن اللقاءات والحوارات التي تتم بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي ستعطي في المستقبل القريب نتائج إيجابية لإيجاد حل لهذا الموضوع، وندعوهم إلى تعميق النقاش وبناء تصور مشترك، لأن الدبلوماسية هي خلق الحلول وليس إثارة الأزمات”.

    153  ألف محاولة للهجرة خلال عامين

    وذكر وزير العدل بالدور المحوري للمغرب في مكافحة الهجرة غير النظامية، مستندا في حديثه إلى حجم الجهد في المعابر الحدودية، وقال: “المغرب أحبط 79 ألف محاولة للهجرة غير النظامية سنة 2024، وفي 2025 أحبط 74 ألف محاولة، وفككنا 632 شبكة لتهريب المهاجرين، وأنقذنا 32 ألف شخص في البحر خلال الفترة نفسها”، مؤكدا أن “كل هذا الجهد الذي نقوم به شمال المملكة لإنقاذ الأطفالنا ومراهقينا”.

    وأبرز المسؤول الحكومي أن اختلاف حسابات الأطراف الثلاثة لا ينبغي أن يحول دون الوصول إلى حل مشترك، موضحا: “الاتحاد الأوروبي له حساباته ومدريد لها حساباتها ونحن لنا حساب واحد هو إيجاد حل للمشكل”، مردفا “ليست هناك ضبابية في التعامل معهما بل هناك عقدة أو أزمة مطروحة بحدة ويجب إيجاد حل لها، وأعتقد أن هناك إرادة من الطرفين، فقط يجب أن نصل إلى حل مشترك متفق عليه يم تنفيذه”.

    مسطرة إعادة القاصرين معقدة

    وفي الوقت الذي يؤكد فيه المغرب استعداده لاستعادة القاصرين، يقر وزير العدل بأن العملية نفسها تخضع لمساطر قانونية وإدارية تجعلها أكثر تعقيدا من مجرد نقل من دولة إلى دولة، موضحا أن “مسطرة إعادة القاصرين معقدة وليست سهلة، أولا يجب التأكد من أن القاصرين مغاربة، ثم تحديد وضعيتهم ثانيا، ثم نقلهم إلى المغرب ثالثا”.

    وأضاف مؤكدا استعداد الرباط للتعامل مع العملية: “ونحن مستعدون كما قلت لنبعث الحافلات لإحضارهم إلى المغرب”، مشددا على أن القاصرن المغاربة غير المصحوبين الموجودين بإسبانيا “يعتبرهم المغرب ضحايا وليسوا مجرمين، هم أطفال قاصرون وليس لهم المسؤولية الجنائية مقارنة مع البالغين”.

    وفي هذا السياق، أكد وهبي أن الرباط لا تعارض تسوية الوضعية القانونية للمغاربة المقيمين في إسبانيا، بل تعتبرها أمرا إيجابيا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتحسين ظروف الإقامة ولم شمل الأسر، مشيرا إلى أن “المواطنين المغاربة الذين سووا وضعيتهم الآن في إسبانيا هم المستهدفون حتى يفشلوا هذه العملية، لكننا في المغرب نؤيدها، لأن تسوية الوضعية وتحسين وضعية المغاربة في إسبانيا، ولم شملهم مع أسرهم أمر مؤيده، وفقا للإرادة والسيادة الإسبانيتين”.

    وفي المقابل، يميز الوزير بين هؤلاء وبين القاصرين، قائلا: “أما القاصرون فليس لهم قرار قانوني، بل لدى العائلة والدولة، والدولة تقول مرة أخرى وأخيرة نحن نريد أن نعيدهم”.

    الرباط متمسكة باستعادة سبتة ومليلية وفتح الحوار

    وبالتوازي مع ملف القاصرين، أعاد وزير العدل طرح ملف سبتة ومليلية المحتلتين باعتباره قضية لا تريد الرباط أن تبقى خارج أجندة الحوار مع إسبانيا، وقال “أما قضية سبتة ومليلية فستبقى موضوع حوار مع إسبانيا، وسنتمسك بحقنا التاريخي والجغرافي، وستكون وسائل الحوار في هذا الموضوع”.

    ودعا إلى إحداث إطار مؤسساتي للحوار بشأن المدينتين، مضيفا: “وأعتقد أن خلق مجال وهيئة للحوار في هذا الموضوع يجب أن تكون حاضرة، لأنه لا يمكن السكوت عن هذا الموضوع، فهو ليس في صالح المستبقل أو الحاضر أن يتم السكوت عن هذا الموضوع، بل يجب مناقشته لإيجاد حل نهائي للحد من هذه الوضعية، وضعية عودة سبتة ومليلية إلى حضن الوطن”.

    ويضع وهبي هذه الملفات في سياق تاريخي أوسع للعلاقات المغربية الإسبانية، التي عرفت أزمات متكررة لكنها شهدت أيضا فترات من التعاون والحلول، لافتا إلى أن المغرب وإسبانيا تجمعهما “علاقات تاريخية وكان فيها أزمات وحلول، والأجيال المقبلة أتمنى أن تكون لها علاقات جيدة أفضل مما كانت ولا يحكم فيها الماضي على المستقبل”.

    وأضاف موجها الدعوة إلى مدريد وبروكسيل: “وندعو إسبانيا والاتحاد الأوروبي إلى الجلوس لمناقشة هذا الموضوع وإيجاد حل نهائي، فنحن نريد حلا نهائيا”.

  • بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، ابتداء من اليوم الخميس، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026.

    ونص الظهير على تنفيذ القانون ونشره كما وافق عليه مجلسا النواب والمستشارين، وذلك بعد الاطلاع على قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026، والذي صرحت بموجبه بـ”تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها”.

    وكانت المحكمة قد سجلت أن رسالة الإحالة الموجهة إليها من رئيس مجلس النواب أُرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وبنسخة من المشروع كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، من دون إرفاق النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز.

    واعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص المراد فحص دستوريته يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية، وبذلك كان “قرار المحكمة الدستورية” إجرائيا، ولم يتضمن حكما موضوعيا بشأن دستورية مقتضيات القانون.

    دخول فوري واستثناءات تنظيمية

    ونصت المادة 146 من القانون الجديد على دخوله حيز التنفيذ في تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي ابتداء من 20 غشت 2026، غير أن المشرع استثنى من النفاذ الفوري مقتضيات المواد 12 و39 والبند 11 من المادة 121، إذ لن تدخل هذه الأحكام حيز التنفيذ إلا بعد صدور النصوص التنظيمية الضرورية لتطبيقها ونشرها بدورها في الجريدة الرسمية.

    وبموجب القانون الجديد، ينسخ ابتداء من 20 غشت 2026 القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، غير أن القانون أقر مجموعة من المقتضيات الانتقالية لضمان استمرارية المؤسسات والمساطر المهنية.

    وفي هذا الإطار، ستستمر أجهزة هيئات المحامين القائمة حاليا في أداء المهام المسندة إليها، إلى حين تولي الأجهزة الجديدة مهامها، إثر انتخابها خلال شهر دجنبر الموالي لتاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، كما تتولى الأجهزة الحالية اتخاذ الإجراءات الضرورية لتنظيم هذه الانتخابات.

    ويستمر العمل بمقتضيات القانون رقم 28.08 في ما يتعلق بشروط الترشح لمهنة المحاماة والحصول على شهادة الأهلية، إلى حين شروع معهد تكوين المحامين في ممارسة مهامه بصورة فعلية.

    وحافظ القانون على الوضعية القانونية للمترشحين الحاصلين على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة قبل 20 غشت 2026، شريطة ألا يتجاوز سنهم 50 سنة عند تقديم طلب التسجيل في لائحة المحامين المتمرنين لدى إحدى هيئات المحامين.

    ويستفيد هؤلاء من مقتضيات القانون السابق في ما يخص التمرين والتسجيل في جدول الهيئة، بما يحول دون تأثر مراكزهم القانونية بالقواعد الجديدة بعد حصولهم على شهادة الأهلية في ظل التشريع المنسوخ.

    وتشمل المقتضيات الانتقالية كذلك المتابعات التأديبية التي تم تحريكها قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إذ يستمر تطبيق القانون رقم 28.08 عليها إلى حين صدور قرارات نهائية بشأنها.

    أيضا، تظل النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق قانون 2008 سارية المفعول إلى حين تعويضها بنصوص جديدة، تفاديا لأي فراغ قانوني أو مؤسساتي خلال المرحلة الانتقالية.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

  • تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    رسم تقرير حقوق مغربي صورة قاتمة بشواطئ مدينة سبتة المحتلة، خلال موجات العبور غير القانوني الأخيرة، التي تحولت إلى مخيمات بدائية مفتوحة يبيت فيها مهاجرون وافدون من جنسيات مختلفة، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة والكرامة الإنسانية.

    وكشفت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ضمن تقريرها بشأن عمليات العبور إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 30 و31 يوليوز و15 غشت 2026، استنادا إلى زيارة ميدانية نفذتها يوم 8 غشت، وشملت أحياء سارشار، والمضربة، والبرنسيبي، وروساليس، وخادو، وبلايا بينيتيز، وبليونش “كورطاديو”، إضافة إلى وسط المدينة وغاباتها.

    أوضاع مأساوية بسبتة

    وعاين أعضاء المنظمة خلال الزيارة أوضاعا إنسانية واجتماعية وصفتها بالمأساوية، تطال بصورة خاصة الأطفال والقاصرين غير المرفقين والنساء والفتيات.

    وجمعت المنظمة شهادات بشأن انتهاكات ومخاطر أمنية وصحية يتعرض لها الأشخاص الموجودون في وضعية عبور.

    وبحسب التقرير، يعاني عدد كبير من الوافدين، وبينهم مغاربة ومصريون ويمنيون وسودانيون ومهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب.

    وزاد قرار إغلاق عدد من المحلات التجارية من حدة الأزمة، فيما أدى تطويق متاجر كبرى بعناصر من الجيش والحرس المدني إلى الحد من قدرة الوافدين على اقتناء حاجياتهم الأساسية.

    أمام هذا الوضع، يوضح التقرير أن كثيرين اضطروا إلى المبيت في الشوارع والأزقة أو داخل فضاءات مكتظة، في ظل غياب مأوى كاف توفره السلطات المحلية، وتحمل سكان محليون من مسلمي ومغاربة سبتة جانبا كبيرا من عبء الاستجابة، إذ فتح بعضهم فضاءات خاصة لإيواء النساء والقاصرات والأطفال.

    وسجلت الوثيقة ذاتها أنه بوصول إمكانات المبادرات المدنية إلى حدودها القصوى، أعلن أحد الفاعلين المحليين، في 13 غشت، عدم قدرته على مواصلة إيواء الوافدين وإطعامهم، بسبب رفض الإدارة المحلية، وفق إفادته، توفير المواد الغذائية والأفرشة والأغطية.

    ويؤوي الفضاء الذي يشرف عليه الفاعل المحلي في حي سيدي امبارك نحو 300 شخص، غالبيتهم من القاصرات والنساء وأطفالهن، ما يثير مخاوف جدية من تعرضهم للتشرد أو الاستغلال والاعتداء.

    وأشارت المنظمة إلى أن صباح دودوح، بدورها، تقدم مساعدة سكان حيها، نحو ألف وجبة يوميا للوافدين من مختلف الجنسيات، كما فتحت منزلها أمام الفتيات من أجل الاغتسال، وتعمل جمعية “لونا بلانكا” بدورها على توفير وجبات غذائية، بالاعتماد على تبرعات شخصيات محلية وموارد الجمعية الذاتية.

    وأشار المصدر ذاته إلى أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تكفي لسد حاجات الأعداد الموجودة في المدينة، إذ رصدت المنظمة تحول عدد من الشواطئ إلى تجمعات عشوائية للإيواء، من دون مرافق صحية أو حماية من الأخطار، بينما ينام آخرون في الغابات أو الفضاءات العامة.

    وضع صحي مقلق وتحريض عنصري

    ويصف التقرير الوضع الصحي بأنه “مقلق جدا”، نتيجة غياب شروط النظافة والسلامة والرعاية الصحية الكافية، وتشمل الفئات الأكثر عرضة للخطر الأطفال والقاصرين غير المرفقين، والنساء والفتيات، والأشخاص الذين يعانون أمراضا أو اضطرابات نفسية، فضلا عمن لا يتوفرون على أي موارد لتأمين الطعام أو المأوى.

    وتزداد قتامة الوضع، وفق التقرير، مع شهادات متقاطعة بشأن تعرض نساء وفتيات لاعتداءات، بعضها ذو طبيعة جنسية.

    ووفق التقرير، جرى الإعلان رسميا عن خمس حالات، قبل أن تتحدث وسائل إعلام محلية في 14 غشت عن 12 حالة.

    وأكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أنها استمعت إلى شهادة تتحدث عن احتمال وصول العدد إلى 30 حالة، لكنها شددت على أنها لم تتمكن من التحقق من صحة هذا الرقم.

    وبالتوازي مع الأزمة الإنسانية، سجلت المنظمة توافد عناصر تنتمي إلى اليمين الإسباني المتطرف، من بينها مجموعة مرتبطة بتنظيم “النواة الوطنية”، إلى جانب زيارة زعيم حزب “فوكس”.

    وبحسب التقرير، ساهمت هذه التحركات في تأجيج خطاب عنصري ضد المهاجرين والأشخاص الموجودين في وضعية عبور، بينما تصدى لها عدد من السكان المحليين من مسلمي ومغاربة سبتة.

    ولم تقتصر التضييقات المرصودة على المهاجرين، فقد أفادت المنظمة بمنع طاقم القناة الثانية المغربية من ممارسة عمله الصحفي داخل المدينة، وحجز معداته ومحاصرته واستفزاز أفراده من طرف عناصر الحرس المدني، مع تسجيل تعرض مراسل موقع “هبة بريس” لاعتداء جسدي، أظهرته صور متداولة.

    تضليل رقمي ووضع اجتماعي معقد

    ووفق المنظمة، فلا تنفصل المأساة الإنسانية داخل سبتة عن حجم موجة العبور التي شهدتها المنطقة في نهاية يوليوز الفائت، فقد تراوحت التقديرات بين نحو 70 ألف شخص، وفق السلطات الإسبانية، و40 ألفا بحسب تصريح لوزارة الداخلية المغربية.

    وبحسب تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ساهم الانتشار الواسع لمقاطع مصورة توثق وصول مهاجرين إلى سبتة في تشجيع أعداد إضافية على خوض المحاولة.

    ولفت إلى تداول حسابات وصفحات عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية وتطبيقات التراسل الفوري محتويات تحث على العبور، بالتزامن مع شائعات عن إمكانية تسوية الوضعية القانونية لمن يصلون سباحة إلى الأراضي الإسبانية.

    ويشير التقرير إلى أن بعض المنشورات قدمت قراءة مضللة لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، وروجت لفكرة أن الواصلين بحرا لن يتعرضوا للإعادة الفورية، ما خلق لدى كثيرين انطباعا بأن الوصول إلى سبتة يمثل طريقا مضمونا نحو الإقامة في إسبانيا.

    غير أن المنظمة أكدت أن العامل الرقمي لا يفسر الظاهرة وحده، إذ إن الرغبة في العبور تغذيها أوضاع اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية معقدة، إلى جانب الصورة الجذابة التي تقدمها المنصات الرقمية عن الحياة في أوروبا، وما تثيره من تطلعات إلى “مستقبل أفضل”، خصوصا لدى الشباب والأشخاص الذين يعيشون أوضاعا هشة.

    أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي

    وتفيد معطيات التقرير بأن أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي من جنسيات مختلفة ربما شاركوا في محاولات العبور إلى سبتة، ينحدرون من السودان واليمن والجزائر وتونس وفلسطين وأفغانستان وبنغلاديش، إضافة إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الساحل.

    وتربط المنظمة استمرار الهجرة غير النظامية بتشديد السياسات الأوروبية لمسارات الهجرة القانونية، وتحويل الحدود إلى فضاءات أمنية مغلقة، إلى جانب الضغوط التي تمارسها أوروبا على دول الضفة الجنوبية للمتوسط والمحيط الأطلسي من أجل حراسة الحدود ومنع المهاجرين من الوصول.

    وتنتقدت ما تعتبره تنصلا أوروبيا من الالتزامات الدولية المرتبطة بحماية حقوق الإنسان على الحدود، وحظر الطرد الجماعي، وتوفير مسارات قانونية وآمنة ومنظمة للهجرة، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للأشخاص الأكثر هشاشة، انسجاما مع الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية المعتمد سنة 2018.

    وفي مواجهة الخطاب الإسباني الذي وصف موجة العبور بأنها “غزو”، يشدد التقرير على أن محاولات الوصول إلى سبتة ومليلية ليست ظاهرة جديدة، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شكلت المدينتان وجهة لمحاولات عبور متكررة انتهى عدد منها بسقوط ضحايا وانتهاك الحق في الحياة.

    ويستحضر التقرير مأساة معبر تراخال سنة 2014، حين توفي 14 مهاجرا خلال محاولة الوصول إلى سبتة، في واقعة ارتبطت باستخدام الحرس المدني الإسباني وسائل ردع ضد الموجودين في البحر، وأثارت حينها جدلا حقوقيا واسعا بشأن مسؤولية السلطات الإسبانية.

    حواجز جديدة ومسارات أخطر

    بعد موجة العبور الأخيرة، أقامت إسبانيا، وفق التقرير، حواجز عائمة قبالة معبر تراخال تمتد لنحو 500 متر، بهدف عرقلة محاولات الوصول سباحة، امتدادا لسياسة تشييد الأسوار وتركيب كاميرات المراقبة وأنظمة الإنذار على الحدود وفي المسارات المؤدية إلى جزر الكناري.

    غير أن هذه الإجراءات لم توقف عمليات العبور، فمنذ أحداث سبتة وحتى تاريخ إعداد التقرير، تمكن مئات المهاجرين من بلوغ الأراضي الإسبانية بطرق غير نظامية؛ بعضهم انطلق من السواحل الجزائرية في اتجاه جزر البليار، فيما سلك آخرون طريق الأطلسي نحو جزر الكناري، انطلاقا من سواحل جنوب المغرب أو من دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل.

    وتحذر المنظمة من أن تشديد المراقبة وإقامة المزيد من الأسوار والحواجز لا يؤديان بالضرورة إلى تراجع الهجرة، بل يدفعان المهاجرين وشبكات التهريب إلى البحث عن مسالك أطول وأكثر خطورة، بما يرفع احتمالات الغرق والموت في البحر.

    من تشخيص الأزمة إلى المطالبة بالتدخل

    وانتقل تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان من تشخيص الأزمة إلى تقديم حزمة من التوصيات، انطلاقا من اعتبار الهجرة والعبور قضية حقوق إنسان في المقام الأول، وليست مجرد ملف أمني أو تدبير ظرفي للحدود.

    وفي مقدمة التوصيات، دعت المنظمة إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لمنع فقدان الأرواح خلال محاولات العبور أو أثناء التدخلات الميدانية، مع الالتزام الصارم بمبدأي “الضرورة والتناسب” عند استعمال القوة.

    وشددت على ضرورة توفير آليات فعالة وسريعة للإنقاذ والإغاثة والاستجابة الإنسانية، مع تحديث نقاط التدخل قرب مراكز العبور وتنويعها، بما يسمح بالوصول السريع إلى الأشخاص المعرضين للغرق أو الإصابة.

    وخصص التقرير حيزا مهما للأطفال والقاصرين غير المرفقين، باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضا للخطر، وطالب بتوفير حماية عاجلة لهم، وضمان استفادتهم من الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية.

    ودعا إلى حمايتهم من جميع أشكال الاستغلال والاتجار بالبشر، واحترام مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” في كل القرارات المرتبطة بوضعيتهم، بما يشمل حق الطفل في الاستماع إليه، والطعن في القرارات التي تمسه، والاستفادة من الرعاية الاجتماعية والنفسية الملائمة.

    وطالبت المنظمة كذلك بوضع برامج لإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي، شريطة أن تستند إلى تقييم فردي يحفظ سلامة الطفل ومصلحته الفضلى، بدل اعتماد الإعادة الآلية حلا وحيدا.

    تحقيقات مستقلة وجبر ضرر الضحايا

    على مستوى المساءلة القانونية، دعت المنظمة إلى فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات الوفاة والإصابة، وفي الادعاءات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، سواء في الجانب المغربي أو في سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية.

    وشددت على ضرورة الإعلان عن نتائج هذه التحقيقات للرأي العام، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة والإنصاف، فضلا عن جبر الأضرار وفق المعايير القانونية والحقوقية المعمول بها.

    وطالبت المنظمة باحترام جميع الضمانات القانونية والإجرائية عند اتخاذ قرارات الإرجاع أو الإعادة، وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان والتشريعين المغربي والإسباني.

    وأوصت بتمكين الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية من الوصول إلى إجراءات اللجوء، وتوفير المساعدة القانونية والترجمة والمواكبة الحقوقية لهم، مع دراسة كل حالة بصورة فردية وعدم اللجوء إلى الطرد الجماعي أو الإعادة القسرية.

    ملاحقة شبكات الاتجار والتهريب

    وحذرت المنظمة من احتمال استغلال شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين للأشخاص الموجودين في أوضاع هشة، داعية السلطات المغربية والإسبانية إلى تعزيز التعاون من أجل تفكيك هذه الشبكات وملاحقة المتورطين فيها قضائيا.

    وفي مقابل المقاربة الزجرية، طالبت بإطلاق برامج وقائية وحملات إعلامية تشرح مخاطر العبور غير الآمن والهجرة غير النظامية، وتقدم معلومات دقيقة بعيدا عن التخويف أو الوصم.

    واعتبرت المنظمة أن المحتويات الرقمية المضللة أدت دورا مباشرا في تغذية موجة العبور، خصوصا في أوساط الشباب والقاصرين، موصية بإطلاق حملات توعوية تستند إلى معلومات واضحة وموثوقة، وتعزيز التربية الرقمية وقدرة الشباب على التحقق من الأخبار والمقاطع المتداولة.

    ودعت إلى إشراك المجتمع المدني والمؤسسات الرقمية ووسائل الإعلام الوطنية في جهود الوقاية، بما يساعد على تفكيك الشائعات والوعود الزائفة التي تقدم العبور باعتباره رحلة سهلة أو طريقا مضمونا نحو الإقامة القانونية في أوروبا.

    معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية

    وترى المنظمة أن أي معالجة لا تتجاوز الحلول الأمنية والظرفية ستجعل موجات العبور الجماعي حدثا قابلا للتكرار، ولهذا طالبت بمكافحة الهدر المدرسي وضمان التعليم الجيد، وتوفير فرص الشغل للشباب، واعتماد سياسات عمومية تعزز العدالة الاجتماعية والمجالية.

    وأوصت بوضع برامج اقتصادية موجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، مع قياس أثرها الفعلي على حياتها، وإطلاق برامج تنموية استعجالية لفائدة النساء والشباب في مدينتي الفنيدق والناظور، باعتبارهما من أكثر المناطق ارتباطا بمسارات العبور نحو سبتة ومليلية.

    ودعت إلى تبني مقاربة شمولية تعالج الأبعاد الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية للهجرة الخطرة، بدل اختزالها في إجراءات مراقبة الحدود.

    أولوية الغذاء والمأوى والحماية

    أما في ما يخص الوضع داخل مدينة سبتة المحتلة، فقد طالبت المنظمة بتدخل عاجل لتوفير الغذاء ومياه الشرب والإيواء والاحتياجات الأساسية لجميع الموجودين في وضعية عبور، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والفتيات.

    ودعت إلى ضمان الولوج العادل والفعلي إلى الرعاية الصحية والنفسية والخدمات الطبية، واتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والأطفال والقاصرين من العنف والاستغلال والاتجار المحتمل بالبشر.

    كما طالبت بفتح تحقيق قضائي مستقل بشأن جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف والاعتداءات الجنسية وغير الجنسية، خاصة الحالات الموثقة. ودعت أيضا إلى التحقيق في مضمون الشهادات المتقاطعة التي تحدثت عن إغلاق محلات تجارية بصورة متعمدة ومنسقة بهدف حرمان الوافدين من الغذاء والماء.

    وفي مواجهة تصاعد الخطاب العنصري، دعت المنظمة إلى وقف الحملات الدعائية التي تغذي التمييز والكراهية تجاه المهاجرين والأشخاص الذين عبروا إلى سبتة ومليلية، ومواجهة التحركات التي تستغل الأزمة الإنسانية للتحريض ضدهم.

    وطالبت الجهات المشرفة على التدبير الإداري لمدينة سبتة بتقديم دعم عاجل للجمعيات والفعاليات المدنية المحلية التي تحملت عبء الإيواء والتغذية والرعاية، بما يضمن استمرار خدماتها وعدم انهيار المبادرات التطوعية بسبب نقص الموارد.

    وشددت على ضرورة فتح مراكز إيواء كافية وآمنة لاستقبال النساء والأطفال والقاصرين، سيما غير المرفقين منهم، في ظروف تحفظ كرامتهم وتحميهم من التشرد والعنف والاستغلال.

  • غيوم فوق العلاقات المغربية الإسبانية.. شراكة المصالح في مواجهة اهتزاز الثقة

    غيوم فوق العلاقات المغربية الإسبانية.. شراكة المصالح في مواجهة اهتزاز الثقة

    أضرت أزمة سبتة بشكل كبير بالثقة المتبادلة بين المغرب وإسبانيا، وأعادت ملفات السيادة والهجرة والتعاون القضائي إلى الواجهة، لكن المصالح الاقتصادية والأمنية تجعل استمرار التوتر أو الأزمة الصامتة خيارا بالغ الكلفة.

    وبصرف النظر عن الأسباب المباشرة وغير المباشرة لما حدث، يوشك تاريخ 30 يوليوز 2026 أن يحتل موقعا بارزا ضمن أكثر المحطات قتامة في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية في السنوات الأخيرة، بعد مشاهد العبور الجماعي نحو سبتة، والتي أضحى من الصعب القول إن العلاقات بين البلدين ستعود سريعا إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.

    وسيكون المغرب وإسبانيا مطالبين بالبحث عن سبل للتفاهم، بحكم تقارب حدودهما، وتشابك مصالحهما الاقتصادية والأمنية، وحجم الروابط البشرية بينهما، فضلا عن التزامهما بتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 إلى جانب البرتغال.

    وأظهرت الأزمة الأخيرة أن ما كان يوصف بـ”وسادة المصالح” لم يكن كافيا لمنع التوتر، غير أن فشل هذه المصالح في منع الأزمة لا يعني أنها فقدت دورها في احتوائها، فالدولتان والمؤسسات الاقتصادية على ضفتي المضيق ستواصل التعاون، حتى في ظل مرحلة يغلب عليها الحذر.

    من العالم الافتراضي إلى ملعب السياسة

    وفق التقديرات الإسبانية، دخل بين 72 و80 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي، بينما تحدثت وزارة الداخلية المغربية عن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات الوصول إلى سبتة.

    أما الحصيلة البشرية، فظلت متحركة، فحتى 15 غشت، بلغ عدد الوفيات المؤكدة وفق السلطات والإسبانية أكثر من 80 وفاة على الأقل، و14 وفاة وفق آخر تحديث رسمي مغربي، بينما قدمت منظمات غير حكومية تقديرات أعلى، وبحلول 14 غشت، كان بين 3 و5 آلاف شخص، وفق الرواية الإسبانية، لا يزالون داخل سبتة، بعدما عاد أغلب الذين عبروا إلى المغرب.

    وقدمت الرباط تفسيرا متعدد العوامل لما حدث؛ ففي أول موقف رسمي مفصل، ربطت وزارة الداخلية المغربية التحركات بالاستغلال المكثف للفضاء الرقمي، وانتشار معلومات مضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لقرارات قضائية وإدارية إسبانية.

    ويأتي في مقدمة تلك القرارات حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، قضى بعدم جواز تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، بسبب عدم عبورهم حاجزا حدوديا ماديا.

    وانتشرت على شبكات التواصل قراءات مضللة للحكم، قدمته باعتباره فتحا فعليا للحدود البحرية، ما ساهم في رفع أعداد الراغبين في العبور، كما كشفت تحقيقات صحفية لاحقة أن الأجهزة الإسبانية تلقت تحذيرات مسبقة من نقابات أمنية بشأن تصاعد محاولات الوصول عبر البحر، لكنها لم تتوقع الحجم الاستثنائي الذي بلغته التحركات يومي 30 و31 يوليوز.

    ويؤكد نبيل دريوش، مؤلف كتاب “العلاقات المغربية – الإسبانية: الجوار الحذر”، أن الأزمة الحالية مؤشر على تحول في طريقة التنظيم للهجرة في حد ذاته، إذ إن الوسائل الرقمية والشبكات الاجتماعية أضحت تلعب دورا في تعبئة المرشحين للهجرة غير النظامية في ظرف ساعات قليلة.

    ما يميز الأحداث الأخيرة بالنسبة لدريوش أن الدعوة كانت سريعة وكذلك الاستجابة عكس الدعوات السابقة التي كانت تتطلب أياما وتمنح فرصة للأجهزة الأمنية لإحباطها، وأعداد المتقاطرين على الحدود مع سبتة كانت كبيرة بدورها بسبب فترة الصيف ووجود أعداد كبيرة منهم بالشريط الساحلي في التوقيت نفسه، ما أعطى لهذه الأحداث زخما خاصا.

    ويبرز في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الحادث يكشف لنا مرة أخرى أن المغرب يواجه حربا رقمية خارجية هدفها المس باستقراره والإضرار بصورته الخارجية، مضيفا أن هذه الجهات كانت متحفزة ودخلت على الخط في توقيت معين لمزيد من الترويج للخبر المضلل، الذي حمل الناس على الدخول إلى سبتة المحتلة على اعتبار أن الحدود  مع المدينة مفتوحة.

    أزمة هجرة أم أزمة سياسية؟

    رغم الطبيعة الظاهرة للأحداث والمتمثلة في الهجرة، فإن تداعياتها سرعان ما اكتسبت طابعا سياسيا ودبلوماسيا، فقد وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ما وقع بأنه انتهاك لوحدة وسلامة الأراضي الإسبانية، متعهدا بتعبئة موارد الدولة لضمان الأمن في سبتة، غير أن مدريد حرصت في الأيام الأولى على الإشادة بالتعاون المغربي في إعادة أغلب الوافدين واحتواء الوضع.

    ويلخص هذا التداخل بين خطاب الإدانة والإشادة بالتعاون طبيعة العلاقة بين البلدين، والتي تتسم بتوتر سياسي عند الأزمات، يقابله إدراك سريع بأن تجاوزها لا يمكن أن يتم من دون التنسيق بين الرباط ومدريد.

    وجاءت أحداث سبتة في سياق دبلوماسي إقليمي دقيق، ففي 20 يوليوز، أي قبل الأزمة بعشرة أيام، زار سانشيز الجزائر لإعادة تنشيط العلاقات السياسية والاقتصادية والطاقية بين مدريد والجزائر، في أول خطوة بهذا المستوى منذ أزمة العلاقات التي اندلعت سنة 2022 بسبب موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية.

    بالنسبة إلى الرباط، لا يمثل تحسين العلاقات بين إسبانيا والجزائر مشكلة في حد ذاته، ما دام لا يتم على حساب المصالح المغربية أو الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، لكن تزامن الزيارة مع الأزمة أعاد طرح أسئلة حول التوازن الذي تسعى مدريد إلى بنائه في المنطقة المغاربية.

    ويرى دريوش أن وصف المسؤولون الإسبان القضية بـ”الهجوم على السيادة”، كان اتهاما مبطنا للمغرب، الذي رد بدوره بتشبثه بمطالبه التاريخية بالمدينتين (سبتة ومليلية)، مؤكدا أن هذا التصعيد “نقلنا سريعا إلى مواجهة سياسية بين البلدين عوض تدبير تدفق مهاجرين عبر الحدود”.

    سبتة ومليلية في الواجهة

    بعد أيام من الأزمة، أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي طرح مطالبة المغرب بالسيادة على سبتة ومليلية، مؤكدا أن الرباط تثير هذا الملف في حواراتها مع مدريد وتسعى إلى معالجته عبر الحوار الهادئ على المدى الطويل.

    وردت الحكومة الإسبانية بأن وضع المدينتين وسيادتها عليهما غير قابلين للنقاش، وأعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية أن أي مساس بسبتة أو مليلية سيعد مساسا بإسبانيا بكاملها.

    ولا يعني تجدد الجدل أن أزمة السيادة دخلت مرحلة تفاوض فعلي، لكنه يكشف أن أحداث 30 يوليوز أعادت أحد أكثر الملفات حساسية إلى صدارة الخطاب السياسي في البلدين، بعدما ظل في السنوات الأخيرة بعيدا نسبيا عن التصريحات الرسمية المباشرة.

    وإلى جانب ملف السيادة، أعلن وهبي أن وزارة العدل تدرس إمكانية تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا، بسبب ما تعتبره الرباط اختلالا في مبدأ المعاملة بالمثل وتعثر تنفيذ بعض طلبات التسليم المغربية.

    ويوضح صاحب كتاب “العلاقات المغربية الإسبانية: الجوار الحذر”، أن القراءة الإسبانية لأحداث 30 يوليوز قادت سريعا للتوتر، لاسيما أن الإعلام الإسباني شن حملة قوية ضد المغرب منذ اللحظة الأولى، وروج للكثير من السيناريوهات التي تدور كلها في فلك المؤامرة.

    ويؤكد دريوش أن التعامل غير اللائق مع فريق القناة الثانية كان تعبيرا عن أزمة ورفض إسباني لوجود كل ما هو رسمي مغربي بسبتة، والخوف وعقلية المؤامرة تحكمت في تصرف الإسبان، لذلك لم يلق منع فريق القناة الثانية أي اعتراض من طرف الإعلام الإسباني، ليرد المغرب بالمثل عبر طرد القنوات الرسمية الإسبانية ممثلة في وكالة “إيفي” والتلفزيون الرسمي.

    ويشدد على أن هذا الوضع يؤشر على أننا أمام أزمة سياسية عميقة لم تتخذ شكل أزمة دبلوماسية لأن الطرفين فضلا الإبقاء على شعرة معاوية لحسابات خاصة بكل طرف منهما.

    لا قطيعة ولا عودة سريعة

    على الرغم من ارتفاع حدة الخطاب، ظلت قنوات الاتصال الرسمية مفتوحة، وتعاون البلدان في تنظيم عودة أغلب الذين عبروا، كما أعلن المغرب استعداده، بناء على تعليمات ملكية، للتعاون في تحديد هويات القاصرين غير المصحوبين ودراسة إعادتهم وفق الإجراءات القانونية.

    وتحولت الأزمة بذلك إلى اختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة البلدين على احتواء التداعيات الأمنية والإنسانية، واختبار لمتانة الشراكة التي قدمتها الحكومتان خلال السنوات الأخيرة باعتبارها نموذجا للاستقرار.

    ففي دجنبر 2025، انتهى الاجتماع المغربي الإسباني الثالث عشر رفيع المستوى بتوقيع 14 اتفاقا للتعاون، وتعد إسبانيا منذ سنة 2012 الشريك التجاري الأول للمغرب.

    ويتجاوز حجم المبادلات التجارية بين البلدين 22.5 مليار يورو سنويا، كما توجد في المغرب أكثر من 350 شركة إسبانية تنشط في مجالات الصناعة والطاقة والبنيات التحتية والأبناك والتكنولوجيا.

    ويضاف إلى ذلك وجود جالية مغربية كبيرة في إسبانيا، وتشابك التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وترابط سلاسل الإنتاج، فضلا عن التنظيم المشترك مع البرتغال لـ”كأس العالم 2030″.

    ولا تمنع هذه المصالح نشوب الأزمات، لكنها تجعل القطيعة مكلفة للطرفين. ومن المرجح لذلك أن تتحول العلاقات خلال المرحلة المقبلة من خطاب الشراكة المتفائل إلى إدارة أكثر حذرا وبراغماتية، تقوم على التفاوض الصعب بدل الاطمئنان إلى استقرار دائم.

    وفي قراءة لهذا الوضع المتأرجح، يقول دريوش في حديث للجريدة: “قبل عشر سنوات عنونت كتابي الأول حول هذا الموضوع بـ”الجوار الحذر” لأنه بعد سنوات طويلة من الاشتغال على هذا الموضوع والعيش بين إسبانيا والمغرب أدركت أن العلاقات بين البلدين أصبحت تنقسم إلى دائرتين، دائرة التعاون والتي تطورت بشكل كبير منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وانضافت إليها ملفات جديدة وقتها مثل الهجرة ثم الإرهاب وانفتاح المقاولات الإسبانية على محيطها الخارجي وصولا لتنظيم مشترك للمونديال المقبل، وملفات للصراع ما زالت مفتوحة منها قضية الصحراء التي كانت سببا في أزمة 2021 وملف سبتة ومليلية والجزر المتوسطية التي كانت سببا في أزمتي 2002 و2007″.

    وذكر المتحدث عينه بأن ملفات التعاون كانت تتحول في بعض اللحظات إلى ملفات للصراع مثل الهجرة أو الصيد البحري، وأحيانا تكون مجرد أوراق ضغط لتليين المواقف في ملفات الصراع، موضحا “لذلك قلت أن هذا الوضع يخلق لنا نوعا من الحذر الدائم”.

    غير أن نبيل دريوش يشدد على أن الأمر الأساسي هو تذويب الملفات الخلافية في شبكات قوية من المصالح، مسترسلا “طبعا هذا يتطلب وقتا طويلا، وأظن أن المغرب عليه إيلاء أهمية أكبر للتواصل داخل إسبانيا، فلحدود الساعة لم تنجز أمور كثيرة في هذا الباب، وفق ما أعتقده”.

    التقارب المغربي الأمريكي وقلق مدريد

    يعد المغرب حليفا رئيسيا لواشنطن من خارج حلف شمال الأطلسي، ويرتبط معها بخريطة للتعاون الدفاعي تمتد إلى سنة 2030، فيما تمثل مناورات “الأسد الإفريقي” أبرز تجليات التنسيق العسكري بين البلدين.

    وإلى جانب البعد الأمني، جددت واشنطن في يوليوز 2026 اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمها لمقترح الحكم الذاتي، بما يوفر للرباط سندا سياسيا لا تمنحه لها أي قوة غربية أخرى بالمستوى نفسه.

    ومن زاوية مغربية، يوسع هذا التقارب هامش الحركة الدبلوماسية للرباط ويقلص حاجتها إلى المرور عبر العواصم الأوروبية لتثبيت مواقفها.

    أما قلق مدريد، فلا يصدر عن وجود تحالف أمريكي موجه ضد إسبانيا، بل عن تغير ميزان النفوذ في غرب المتوسط؛ فالمغرب أصبح يدخل الملفات الإقليمية والخلافية بوزن تفاوضي أكبر، بينما تخشى إسبانيا تراجع دورها التقليدي باعتبارها أحد أهم جسور الرباط نحو أوروبا.

    وقد أسهم الاعتراف الأمريكي بالصحراء في تشكيل البيئة الإقليمية التي تحرك داخلها لاحقا الموقف الإسباني، عندما اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”لتسوية النزاع، من دون وجود دليل معلن على أن هذا التحول جاء نتيجة ضغط مباشر من واشنطن.

    في هذا السياق، يسجل دريوش الانزعاج الكبير لليمين الإسباني من التقارب بين الرباط وواشنطن، الذي يراه تهديدا مباشرا لإسبانيا، وعبر عن ذلك في عدة مناسبات، مع تحميل مسؤولية ذلك للحكومة الاشتراكية التي اصطفت ضد الحرب على إيران وحرب إسرائيل بقطاع غزة، ما جعلها تواجه تيارات اليمين المتطرف في العالم الغربي.

    ويؤكد الخبير أن المغرب شكل بديلا بالنسبة للإدارة الأمريكية التي لوحت بطريقة غير مباشرة بإمكانية نقل القواعد العسكرية الأمريكية بجنوب إسبانيا إلى المغرب، ولا يجب أن ننسى أن المغرب هو الحارس الجنوبي لمضيق جبل طارق”.

    بالصدد ذاته، أشار المتحدث إلى أن الكونغرس أشهر أوراق تهديد ناعمة لإسبانيا باستعمال ورقة سبتة ومليلية في عدة مناسبات، رغم أن الإدارة الإمريكية في ذروة الأزمة الأخيرة أعادت التأكيد على سيادة إسبانيا على سبتة وميليلة، مشددا على أنه “في اعتقادي، فإنها فعلت ذلك إرضاء لليمين المتطرف بإسبانيا وليس للحكومة الإسبانية”.

    ما بعد الأزمة

    لن تنتهي العلاقات المغربية الإسبانية بسبب أزمة سبتة، لكنها لن تعود بسهولة إلى خطاب “المرحلة الذهبية” الذي طبع السنوات الأخيرة، سيما بعدما تضررت الثقة، وعادت ملفات السيادة والتعاون القضائي والهجرة إلى الواجهة، وأصبح كل قرار تتخذه مدريد خاضعا لتدقيق أكبر في الرباط.

    وفي المقابل، ستراقب إسبانيا عن كثب كل تحول في تدبير الحدود والخطاب المغربي بشأن سبتة ومليلية، وستكون مهمة الدبلوماسية في البلدين منع هذه الملفات من الاندماج في أزمة واحدة يصعب التحكم فيها.

    وتفرض المرحلة المقبلة إعادة بناء آليات التنسيق الأمني والإنذار المبكر، وتوضيح التزامات كل طرف في ملفات الهجرة والقاصرين وتسليم المطلوبين، والحفاظ على قنوات سياسية قادرة على احتواء الخلافات قبل انتقالها إلى المجال العام.

    ويؤكد نبيل دريوش أن الأزمة الحالية مست شيئا مهما تقوم عليه العلاقات  الثنائية، وهو الثقة، التي أصبحت مهتزة الآن، وصورة المغرب بإسبانيا اليوم سيئة، ويجب أن نعترف بذلك، مثلما أن الخطاب المغربي أضحى شبه مرفوض في وسائل الإعلام الاسبانية مقابل منح مساحات كبيرة لخصوم المغرب ليمرروا المغالطات، وهو واقع مؤسف لا يمكن إلا أن نلوم أنفسنا عليه”.

    وشدد الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية أنه وجب اليوم الاشتغال بجد ووضع استراتيجية واضحة المعالم لإغلاق هذا الجرح المفتوح واستعادة الثقة المفقودة، وأعتقد أنه مازال هناك هوامش للقيام بذلك.

  • وسيط المملكة: المراقبة الطبية المضادة بـ”OFPPT” مشروعة بضوابط

    وسيط المملكة: المراقبة الطبية المضادة بـ”OFPPT” مشروعة بضوابط

     أكدت مؤسسة وسيط المملكة أن اعتماد آلية للمراقبة الطبية المضادة بمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل لا يتعارض، من حيث المبدأ، مع القواعد المنظمة للرخص المرضية، شريطة أن يستند إلى أساس قانوني أو تنظيمي واضح، وأن ترتبط بغاية مشروعة تتمثل في ضمان حسن سير المرفق العام، وأن تمارس في إطار من المشروعية والتناسب والموضوعية واحترام الحقوق والحريات القانونية.

    وأوضحت المؤسسة، في رأي استشاري أصدرته في إطار ممارسة اختصاصها الاستشاري المنصوص عليه في المادة 45 من القانون رقم 14.16 المتعلق بمؤسسة وسيط المملكة، بناء على طلب تقدم به مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، بشأن إمكانية اعتماد آلية للمراقبة الطبية المضادة للرخص المرضية قصيرة الأمد التي يدلي بها مستخدمو المكتب، أن هذا الرأي يندرج في سياق سعي المؤسسة إلى إرساء مقاربة متوازنة تضمن حسن تدبير الغياب لأسباب صحية، والحفاظ على انتظام سير المرفق العام، وصون الحقوق الأساسية للمستخدمين في الوقت نفسه، وفي مقدمتها الحق في الكرامة والخصوصية والسر الطبي وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

    وأبرز بلاغ لوسيط المملكة أن المؤسسة انطلقت في معالجتها لهذا الطلب من المرجعيات الدستورية والقانونية الوطنية، ومن المبادئ الدولية المؤطرة للحكامة الجيدة والإدارة العمومية.

    وأكد الرأي الاستشاري أن مشروعية هذه الآلية لا تقوم على مجرد إقرارها، وإنما على الضمانات التي تؤطر ممارستها، وفي مقدمتها استقلال الطبيب المراقب، والفصل بين التقدير الطبي والقرار الإداري، واحترام السر الطبي وحماية المعطيات الصحية، وتمكين المستخدم من ممارسة حقوقه في الإعلام والتوضيح والتظلم قبل ترتيب أي أثر على وضعيته الإدارية أو المالية، مع التأكيد على أن نتائج المراقبة الطبية لا تنتج آثارا قانونية بصورة تلقائية، وإنما في الحدود التي يسمح بها القانون وبعد استيفاء جميع الضمانات المسطرية.

    كما اعتبر أن المراقبة الطبية المضادة ينبغي أن تندرج ضمن سياسة مؤسساتية متكاملة لتدبير الغياب لأسباب صحية، تقوم على الوقاية وتحليل أسباب الغياب وتحسين ظروف العمل وتعزيز الثقة بين الإدارة والمستخدمين، بهدف جعلها أداة للحكامة الجيدة وحسن التدبير، وليس مجرد وسيلة للرقابة أو الجزاء.

    وحسب المصدر ذاته، اختتم الرأي الاستشاري بإحدى عشرة توصية عملية، توزعت على أربعة محاور رئيسية همت التأطير التنظيمي، والشروط المسطرية، وحماية الحقوق، وآليات التتبع والتقييم، بهدف إرساء إطار قانوني ومؤسساتي متوازن لتفعيل المراقبة الطبية المضادة، يعزز الأمن القانوني، ويحمي حقوق المستخدمين، ويرتقي بجودة تدبير المرافق العمومية وفق مبادئ الحكامة الجيدة.

  • رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    بعد أسبوعين من موجة العبور غير المسبوقة نحو سبتة، ما زال ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين عالقا بين استعداد معلن من الرباط لاستقبالهم، ومساطر إدارية وقضائية إسبانية ترفض أي إعادة جماعية.

    وفي وقت تقدم مدريد هذه الإجراءات باعتبارها ضمانات قانونية لحماية الأطفال، ترى الرباط أنها تحولت عمليا إلى عراقيل تؤخر عودتهم وتبقيهم داخل مراكز إيواء مكتظة وفي ظروف هشة.

    وبدأ التصعيد في ملف إعادة القاصرين عقب أحداث 30 و31 يوليوز الفائت، عندما تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين نحو سبتة المحتلة، سباحة أو عبر المعابر والسياج الحدودي.

    وتراوحت التقديرات الإسبانية لأعداد الوافدين بين 72 ألفا و80 ألف شخص، فيما قدر المغرب عدد المشاركين في عمليات العبور غير القانوني في أزيد من 41 ألفا بقليل، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها المدينة، بينما حصيلة الوفيات الرسمية ما تزال غير محددة حتى الآن.

    وعاد معظم المهاجرين غير النظاميين إلى المغرب خلال الأيام التالية، إما بصورة طوعية أو عبر عمليات نفذتها السلطات الإسبانية، لكن ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص ظلوا في سبتة، وفق تقديرات إسبانية، وبينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين.

    وفي الأيام الأولى للأزمة، قدّرت حكومة سبتة عدد القاصرين بنحو 1100، فيما أعلنت الشرطة الإسبانية تحديد هوية 528 طفلا ووضعهم رهن إشارة سلطات المدينة لتولي رعايتهم، ثم ظهرت تقديرات إسبانية لاحقة رفعت العدد المحتمل للقاصرين الذين يمكن أن تشملهم إجراءات الحماية إلى 1898  قاصرا بمراكز الإيواء.

    عودة “سريعة” للبالغين ومسار معقد للقاصرين

    بخلاف البالغين، لا تسمح التشريعات الإسبانية بإعادة القاصرين غير المصحوبين بصورة تلقائية أو إخضاعهم لعمليات الطرد الفوري، إذ بمجرد التأكد من سن القاصر، تصبح سلطات سبتة مسؤولة عن رعايته، ويسجل في السجل الخاص بالقاصرين الأجانب غير المصحوبين.

    ويتطلب قرار إعادته فتح ملف إداري مستقل، والتحقق من هويته وظروف أسرته، والاستماع إليه، والحصول على رأي النيابة العامة ومصالح حماية الطفولة، ثم التأكد من أن عودته إلى أسرته أو إلى مؤسسة استقبال في المغرب لا تعرضه لأي خطر.

    هذه الضمانات تستند إلى قانون الهجرة الإسباني، إضافة إلى الاتفاق المغربي الإسباني الموقع سنة 2007 بشأن الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم بصورة منسقة، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2012، غير أن هذه المسطرة أفرزت بطءا شديد في عمليات الإعادة، حتى عندما يعلن المغرب استعداده لاستقبال القاصرين، وفق ما أكده وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في تصريحات صحفية سابقة.

    التعقيدات الإدارية الإسبانية تعرقل الإعادة

    الرباط أكدت، من خلال تصريحات وهبي، أنها مستعدة لاستقبال جميع القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا إلى سبتة في نهاية يوليوز.

    وأكد الوزير المغربي أن تحديد هوية القاصرين لا يشكل عائقا، وأن المشكلة تكمن في الإجراءات الإدارية والقرارات القضائية داخل إسبانيا.

    وبحسب الموقف المغربي، توجد تعليمات ملكية واضحة للعمل على إعادة هؤلاء القاصرين، كما أن التزام الرباط لا يعود إلى الأزمة الحالية، بل سبق تأكيده في بيان مشترك لوزارتي الداخلية في البلدين في يونيو 2021.

    وصعّد وزير العدل معلنا أن المملكة تطالب باستعادة القاصرين، وحمّل السلطات الإسبانية مسؤولية استمرار وجودهم بعيدا عن أسرهم، وما يواجهه بعضهم من ظروف معيشية صعبة داخل سبتة ومراكز الإيواء الإسبانية.

    وترفض الرباط، في هذا السياق، تحميلها مسؤولية تعثر عمليات العودة، معتبرة أن إسبانيا تمتلك الموافقة المغربية والآلية الثنائية اللازمة، لكنها لم تنجح في تحويلهما إلى إجراءات عملية وسريع بسبب تعقيد المساطر الإدارية.

    كابوس أزمة 2021

    الحذر الإسباني الحالي يرتبط إلى حد كبير بما وقع عقب أزمة سبتة في ماي 2021، عندما دخل أكثر من ثمانية آلاف شخص خلال يومين، بينهم أكثر من ألف قاصر.

    في غشت من العام نفسه، شرعت السلطات الإسبانية في إعادة مجموعات من القاصرين المغاربة، وتم ترحيل 55 منهم تقريبا قبل تدخل القضاء وتعليق العملية.

    وأكدت المحكمة العليا الإسبانية في يناير 2024 أن تلك الإعادات كانت غير قانونية، بسبب عدم فتح ملفات فردية وعدم الاستماع إلى القاصرين أو إشراك النيابة العامة وتقييم أوضاعهم الأسرية.

    واعتبرت “المحكمة العليا أن السلطات الإسبانية تجاهلت بصورة كاملة الضمانات التي يفرضها قانون الهجرة، وأن حقوق القاصرين في السلامة الجسدية والمعنوية تعرضت لـ”الانتهاك”.

    وتعزز هذا المسار في شتنبر 2025، عندما أدينت مسؤولة سابقة في الحكومة الإسبانية وأخرى في حكومة سبتة بسبب دورهما في تلك الإعادات السريعة، ما جعل هذه السابقة تعامل أي مسؤول مع ملف القاصرين تحت رقابة قضائية مشددة.

    جمعيات القضاة ترفض الحلول الجماعية

    وفي خضم الأزمة الحالية، طالب رئيس سبتة خوان خيسوس فيفاس الحكومة الإسبانية برفض طلبات اللجوء وإعادة المهاجرين إلى المغرب دون استثناءات أو تسويات لاحقة.

    وحظي طلب فيفاس بدعم قيادة الحزب الشعبي، التي اعتبرت الإجراء ضروريا لحماية المدينة وردع استخدام الهجرة وسيلة للضغط السياسي.

    لكن جمعيات القضاة في إسبانيا رفضت هذا المقترح، مؤكدة أن الدخول بصورة غير نظامية لا يلغي حق الشخص في طلب الحماية الدولية، وأن كل طلب يجب أن يخضع لدراسة مستقلة.

    ووفق الموقف الذي نقلته “الصحافة الإسبانية، يمكن تشديد إجراءات اللجوء وتسريعها في الحدود، لكن لا يجوز تقرير الرفض الجماعي مسبقا.

    ولا تخص هذه القاعدة القاصرين وحدهم، لكنها تزيد تعقيد ملفاتهم، فالقاصر الذي يطلب الحماية الدولية لا يمكن إعادته قبل البت في طلبه، أما القاصر الذي لا يتقدم بطلب لجوء، فيظل خاضعا بدوره لمسار فردي مستقل تحكمه قاعدة “المصلحة الفضلى للطفل”.

    ما بعد الرشد.. عندما تبدأ سنوات الضياع

    لا تتوقف تداعيات تعثر معالجة ملف القاصرين عند حدود مراكز الإيواء أو إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم، بل تمتد إلى المرحلة التي تلي بلوغهم سن الرشد، حين يفقد كثير منهم مظلة الحماية من دون أن يمتلكوا وثائق إقامة أو سكنا أو شبكة اجتماعية تساعدهم على الاندماج.

    وفي غشت 2025، أعادت وفاة شاب مغربي يبلغ 19 عاما في مدينة خاين هذا الملف إلى واجهة النقاش في إسبانيا، بعدما عثر على الشاب “م.أ.أ”، ميتا يوم 17 غشت في موقف للسيارات أسفل مركز الرعاية الصحية الجديد “لا ألاميدا”، بعد إصابته بضربة في إثر سقوطه، وأُعيد جثمانه لاحقا إلى أسرته في مدينة الفنيدق.

    وبحسب ما كشفته الصحافة الإسبانية، وصل الشاب إلى إسبانيا عندما كان قاصرا، وأقام في أحد مراكز حماية الطفولة إلى أن بلغ سن الثامنة عشرة، لكن خروجه من المركز مثّل بداية مرحلة جديدة من الهشاشة، إذ حرم من الاستفادة من عدد من الموارد الرسمية بسبب عدم امتلاكه وثائق قانونية، كما لم تكن لديه أسرة أو شبكة دعم مستقرة، لينتهي به الأمر إلى العيش في الشارع.

    وكان الشاب قد وصل إلى خاين قبل وفاته بشهرين، بعد تنقله بين بلباو وفالدبيناس وأليكانتي. وخلال وجوده في المدينة، كان يتردد على مركز جمعية “بوبلادو موندو” للحصول على الطعام وخدمات النظافة والمواكبة الاجتماعية، ووصفه العاملون في المركز بأنه شاب ودود ومحبوب، لكنه كان يعاني مشكلات مرتبطة بالإدمان والصحة النفسية، في وقت حال غياب الوثائق دون حصوله على سكن مستقر أو رعاية متواصلة.

    وترى الجمعية أن حالته ليست استثناء، بل نموذجا لمسار يعيشه عدد من الشباب المهاجرين بعد مغادرة مؤسسات حماية القاصرين، نظرا لغياب الوثائق والسكن والرعاية النفسية ما يدفعهم إلى دائرة من التشرد وتعاطي المخدرات والاحتكاك بالقانون، فيما يعيش كثير منهم داخل مبان وأكواخ مهجورة ويعتمدون على الجمعيات لتغطية احتياجاتهم الأساسية بعدما يتحولون إلى أشخاص “غير مرئيين، بلا حقوق وبلا خيارات” بعد بلوغ سن الرشد.