الكاتب: رشيد الخروبي

  • فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    تقف فوق كرسي بلاستيكي، وحولها عشرات الوجوه التي لم تنم منذ الليلة السابقة، وعيون تبحث عن إجابات أكثر مما تبحث عن وعود. بلا ميكروفونات، ولا كاميرات، ولا إجراءات بروتوكولية تمهد لها الطريق، فقط امرأة تحاول أن تجعل صوتها يصل إلى آخر الواقفين في مركز إيواء متضرري زلزال الحوز.

    كانت تلك المرأة هي فاطمة الزهراء المنصوري. في تلك اللحظة، تراجعت الوزيرة والعمدة، وبرز وجه آخر، امرأة تحمل هم مواطنين، في مشهد لم يكن مرتبا، ولم يكن هناك من يبحث عن التقاط صورة مناسبة تتصدر منصات “البوز”.

    لكن ما لم يظهر في الفيديو المتداول هو ما سبق تلك اللحظة قبل أيام قليلة ليلة الزلزال؛ مكالمة قلقة من الرباط، وقرار اتخذ في دقائق، ثم طريق طويلة نحو مدينة لم تكن قد استوعبت بعد حجم فاجعتها ودمارها.

    تقول سلمى بنزبير، الأمينة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة الرباط: “ليلة الزلزال كنا في الرباط، واتصلت بي المنصوري بعد دقائق من الهزة التي بلغ مداها العاصمة، ولم نكن نعرف بعد حجم ما وقع، وقالت لي بقلق: يا ربي ما يكونوش الناس تضرروا”.

    تواصل بنزبير بتأثر وهي تسترجع تفاصيل ليلة حزينة: “بعد نحو عشرين دقيقة، اتصلت بي مجددا وقالت لي: خصنا نكونوا فمراكش مع الناس”، مضيفة أن المنصوري توجهت وحيدة تلك الليلة إلى مراكش بسيارتها الخاصة.

    ربما لم يكن ذلك المشهد سوى مفتاح لفهم شخصية فاطمة الزهراء المنصوري، فخلف الملامح التي توحي بالحزم، تقيم امرأة يصعب عليها أن تنظر إلى السياسة بوصفها منصبا أو امتيازا، فبالنسبة إليها، تبدأ المسؤولية حين يحتاج الناس إلى من يكون بينهم.

    لذلك، لم يكن حضورها مقتصرا على المدينة الحمراء، بل حملها التزامها الإنساني قبل مسؤوليتها إلى القرى والدواوير التي خلف الزلزال فيها وجعا كبيرا، في الحوز وشيشاوة وتارودانت وورزازات وغيرها، بسيارتها الخاصة، وهناك، لم تكن المسافات ما يشغلها أو يؤرقها، بل تشابه الوجوه التي فقدت بيوتا وأقارب، وتشابه الحاجة إلى من يصغي ويطمئن قبل أن يعد.

    من القانون إلى السياسة

    ملامحها، للوهلة الأولى، توحي بشخصية صارمة، نظرة حادة يقابلها حضور هادئ وكلمات محسوبة، لكن هذه الصورة لا تكتمل إلا عندما تبتسم، أو عندما تتحدث عن مراكش التي تسكنها، أو عن الشباب، أو عن النساء، أو عن السياسة كما تتصورها هي.

    المقربون منها يؤكدون أن قوة المنصوري لا تستمدها من القسوة، بل من فرط حساسيتها تجاه ما تعتبره واجبا، ولهذا تؤكد سلمى بنزبير أن إنسانية المنصوري الكبيرة هي التي صنعت منها امرأة حديدية، وليس العكس، فقوتها تأتي من إحساسها العميق بمسؤوليتها تجاه الناس، وعندما تختار أن تحارب، فإنها تفعل ذلك دفاعا عن قضية أو عن مواطن، لا من أجل إثبات ذاتها.

    لم تبدأ علاقتها بالسياسة داخل مقر حزبي، بل في مكتبة منزل العائلة وحول مائدة كانت النقاشات العامة جزءا من تفاصيلها اليومية، فهناك تشكل وعيها الأول، قبل أن تصقل دراسة القانون هذا الميل إلى الاحتكام للعقل والحجة والأرقام أكثر من الانفعال.

    تروي المنصوري، المزدادة في الثالث من يناير 1976 بمراكش، أن النقاشات السياسية كانت حاضرة داخل الأسرة، وأن والدها سفير المغرب السابق بالإمارات وباشا مراكش ونقيب المحامين بالمدينة الحمراء، عبد الرحمان المنصوري، رحمه الله، زرع فيها الاهتمام بالشأن العام، فيما غذت قراءاتها للكتب السياسية في ريعان شبابها هذا الميل.

    بدأت مسارها المهني محامية متخصصة في قضايا العقار والأراضي، قبل أن تجد نفسها، سنة 2008، ضمن المؤسسين الأوائل لحزب الأصالة والمعاصرة، بعد تجربة “حركة لكل الديمقراطيين”، التي جاءت في سياق أزمة العزوف السياسي التي كشفتها انتخابات 2007.

    لذلك، بالنسبة إليها، لم تكن السياسة خيارا فرديا بقدر ما كانت استجابة لسؤال كيف يمكن إعادة الثقة للمغاربة في العمل السياسي؟

    “امرأة حديدية” ولكن..

    توصف فاطمة الزهراء المنصوري بـ”المرأة الحديدية”، لكنها غير متحمسة لهذا اللقب؛ فالمقربون منها يرون أن الصورة التي ترسمها ملامحها الهادئة ونظراتها الحادة لا تعكس بالضرورة شخصيتها اليومية، فهم يتحدثون عن امرأة بشخصية مرحة بالفطرة المراكشية.

    بالنسبة إليهم، لا تنبع قوتها من القسوة، بل من إحساس عميق بالمسؤولية، لأنها تجمع بين الحزم في اتخاذ القرار واللين في التعامل مع الناس، وبين الصرامة في تدبير الملفات والقدرة على الإصغاء لمختلف الآراء، وربما لهذا يصفها بعض رفاقها بأنها “امرأة حديدية” لكن بقلب حساس، إذ لا تدخل معركة لإثبات ذاتها، بقدر ما تدخلها عندما تعتقد أنها تدافع عن فكرة أو مؤسسة أو مواطن.

    في المغرب، حيث ما تزال النساء فيه يشققن طريقهن إلى مواقع القرار بصعوبة، تحولت تجربة المنصوري إلى مصدر إلهام بالنسبة إلى عدد من الشابات. فداخل منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، تقول كثيرات إن مسارها وحضورها كان من بين الأسباب التي شجعتهن على طرق باب العمل السياسي، ليس لأنها قدمت خطابا موجها لاستقطاب النساء، وإنما لأنها جسدت، في نظرهن، إمكانية الوصول إلى المسؤولية من خلال العمل والتدرج داخل المؤسسات.

    وتقول ياسمين، إحدى المناضلات الشابات بالحزب، إنها اختارت الانضمام إلى الأصالة والمعاصرة بعدما رأت في فاطمة الزهراء المنصوري وزميلاتها في الحزب نموذجا مختلفا للمرأة السياسية؛ نموذجا يقوم على الكفاءة والانخراط في النقاش، في حزب يتيح للنساء التعبير عن آرائهن والمشاركة في صناعة القرار.

    ولا تفصل المنصوري نجاحها الشخصي عن مسار النساء الأخريات، فهي تردد، في أكثر من مناسبة، أن حضور المرأة في مواقع القرار لا ينبغي أن يبقى حدثا استثنائيا أو مناسبة للاحتفاء، بل أن يصبح أمرا طبيعيا، تقاس فيه المسؤوليات بالكفاءة والقدرة على خدمة الشأن العام فقط.

    السياسة في اختبار المواقف

    من بين أكثر مواقفها لفتا للانتباه تلك التي رافقت احتجاجات “جيل زد” وأحداث التخريب التي عرفتها العديد من المدن المغربية، ومن بينها مراكش.

    لم تكتف بإدانة أعمال التخريب، وطرحت سؤالا قد يبدو محرجا لمن يتولى مسؤولية تدبير الشأن العام والمحلي، بمن فيهم هي: “كيف ولماذا وصل أطفال في الثانية عشرة من العمر إلى الشارع في ساعات متأخرة من الليل؟”.

     بالنسبة إليها، كما تؤكد في كثير من تصريحاتها، لم يكن الحدث مجرد انفلات أمني، بل رسالة اجتماعية تستحق وقفة تأمل للفهم، لذلك لا تجد حرجا في الاعتراف بأن المغرب حقق مكاسب مهمة خلال العقود الأخيرة، لكنها ترى في الوقت نفسه أن الغضب الذي يعبر عنه الشباب دليل على أن جزءا من السياسات لم يصل بعد إلى أثره المنشود.

    وعندما وجدت نفسها في قلب الجدل المرتبط بملف أراضي تسلطانت، لم تلذ بالصمت، ولم تختبئ خلف البيانات أو البلاغات، بل خرجت إلى الإعلام، وأجابت عن “القيل والقال”، لتقطع شعرة معاوية بالتأكيد أن الأرض موضع الجدل ورثتها عن أبيها، وصرحت بممتلكاتها قبل تولي أي مسؤولية، وأن المجلس الأعلى للحسابات يتوفر على جميع المعطيات، معلنة استعدادها الكامل لأي تحقيق.

    ولا تبدو هذه المواقف، على اختلاف سياقاتها، معزولة عن بعضها البعض، لأن خيطا ناظما يجمع بينها؛ الميل إلى البحث عن جذور المشكلات لاستئصالها، وعدم التردد في تحمل مسؤولية الإجابة عنها، ففي نظر المنصوري، لا تقاس السياسة بقدرتها على إنتاج الخطابات، وإنما بقدرتها على مواجهة الأسئلة الصعبة.

    في قاموسها السياسة بعيدة عن الحسابات الضيقة، فهي تقول إن السياسة، إذا فقدت معناها، فلن يبق منها سوى الاسم، وإن معناها الحقيقي هو خدمة الآخرين، وهو ما يفسر ابتعادها عن الصدامات الإعلامية، وحرصها على الحديث عن الملفات أكثر من الأشخاص، وعلى الدفاع عن المشاريع أكثر من الدخول في سجالات سياسية، لأنها تؤمن بأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن المعارضة ليست عداوة، وأن الضرب تحت الحزام لا يبني سياسة ولا مؤسسات.

    وترى سلمى بنزبير أن هذا الأسلوب يجد جذوره في تكوينها الأكاديمي، وتبين أن المحاماة حاضرة في طريقة تفكيرها وفي أسلوب حديثها، مضيفة أن المنصوري “تمتلك رؤيتها الخاصة، ولا تحتاج إلى تزيين كلامها أو تغليفه بعبارات فضفاضة، فهي تتحدث بوضوح، وتعد بما تعتقد أنها قادرة على إنجازه، وعندما يتعذر عليها تحقيق شيء تقول ذلك بصراحة”.

    طريق طويل إلى القيادة

    يكاد يجمع الذين رافقوا فاطمة الزهراء المنصوري في مسارها السياسي على أنها لم تكن من السياسيين الذين يلاحقون المناصب، فكل مسؤولية تقلدتها جاءت بعد سنوات من العمل داخل هياكل الحزب، لا عبر حملات شخصية أو منافسة على المواقع، وحتى عندما كان اسمها يتردد لتولي مناصب قيادية، كانت تميل إلى ترك الحسم للتوافقات الحزبية، معتبرة أن المسؤولية تكليف أكثر منها مكسبا.

    وتؤكد إيمان عزيزو، التي عملت إلى جانبها منذ سنة 2016 داخل المجلس الوطني، أن اختزال صعود المنصوري في اسمها العائلي أو في دعم من مراكز النفوذ لا يعكس حقيقة مسارها، وتقول: “لم يأت بها أحد، وليس اسمها العائلي هو الذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم، فهي مناضلة تدرجت داخل مؤسسات الحزب، من التأسيس إلى المجلس الوطني ثم المكتب السياسي، واشتغلت أيضا داخل الأمانة الجهوية بمراكش، قبل أن تصل إلى مواقع المسؤولية.”

    وتستحضر عزيزو سنوات البدايات لتؤكد أن الطريق لم يكن مفروشا بالامتيازات، بل بالعمل اليومي والمنافسة، فقد كانت المنصوري تنكب على إعداد وثائق الحزب، وتحضر أشغال البرلمان، وتشارك في أعمال اللجان، وهي عضوة في المكتب السياسي، قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم بعد مسار طويل من التدرج التنظيمي.

    ولعل أكثر ما يعكس علاقتها بالسلطة أنها لم تتعامل مع المسؤوليات باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل باعتبارها امتدادا لمسار من الالتزام الحزبي، لذلك، حين كانت تتقدم إلى الواجهة، كان ذلك غالبا في لحظات احتاج فيها الحزب إلى شخصية قادرة على جمع التوافقات أكثر من حاجته إلى زعامة تبحث عن الأضواء.

    تقول بنزبير “هي لا تحب أن تبقى أسيرة المكاتب، ولا تنجذب إلى بيروقراطية الاجتماعات أو الخطب المنمقة، وتميل إلى الميدان، وإلى لقاء المواطنين والاستماع مباشرة إلى مشاكلهم ومطالبهم، وربما لهذا تحب مراكش كثيرا؛ لأنها تمنحها فرصة الاحتكاك اليومي بالناس”.

    وتضيف “وقتها ليس ملكها، فجزء كبير منه موزع بين شؤون المدينة، والوزارة، والحزب، والناس الذين يلجؤون إليها، وهي من الشخصيات التي يصعب عليها أن تفصل بين المسؤولية وحياتها اليومية”.

    حارسة التوازنات

    إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد عرف، منذ تأسيسه، محطات من التجاذب والانقسام وتغيير القيادات، فإن اسم فاطمة الزهراء المنصوري ظل واحدا من الأسماء القليلة التي حافظت على حضورها بعيدا عن منطق الاصطفافات. فرغم تغير القيادات، وتعاقب الأزمات، واشتداد الخلافات في بعض المحطات، لكنها بقيت على رأس “برلمان الحزب”، في سابقة تعكس حجم الثقة التي راكمتها داخل التنظيم.

    خلال ترؤسها للمجلس الوطني لولايتين، عاصرت ثلاثة أمناء عامين؛ إلياس العماري، فحكيم بن شماش، ثم عبد اللطيف وهبي، قبل أن تقود تجربة القيادة الجماعية لـ”الجرار”.

    وفي ذروة الأزمة التنظيمية التي هددت بتفكك الحزب قبيل مؤتمره الرابع، لم تكن أكثر الوجوه حضورا أمام الكاميرات، لكنها كانت من أكثرها تأثيرا خلف الكواليس، فقد اختارت، كما يروي عدد من قياديي الحزب، أن تلعب دور الجامع أكثر من دور الطرف، وأن تنحاز إلى الحفاظ على تماسك الحزب بدل الانخراط في معارك الزعامة.

    ولعل أكثر ما يلفت في مسارها أنها لم تصل إلى رئاسة المجلس الوطني عبر معارك داخلية، بل أعيد انتخابها وسط توافق واسع، وحتى عندما طرح اسمها لقيادة الحزب سنة 2020، فضلت، وفق روايات متقاطعة داخل “البام”، البقاء في موقع ترى أنه أكثر خدمة للحزب في تلك المرحلة، لتفسح المجال أمام عبد اللطيف وهبي.

    وهبي، يصفها بـ”ضمير الحزب”، لأنها تجمع بين الصرامة في الدفاع عن مبادئها واللين الإنساني العميق، أما داخل الحزب، فيرى كثير من مناضليه أن “الرئيسة”، كما يفضلون مناداتها، كانت في أكثر من محطة صمام أمان ساهم في احتواء الخلافات وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما كان الحزب يمر بأصعب اختباراته.

    القناعات تصنع الخصوم

    لم تكن كل محطات صعود فاطمة الزهراء المنصوري هادئة، فداخل حزب الأصالة والمعاصرة، كما في مواقع المسؤولية التي تقلدتها، ارتبط اسمها أحيانا بقرارات أثارت الجدل.

    ثباتها على مواقفها لم يمر دائما من دون كلفة، فمنذ السنوات الأولى لمسارها داخل الحزب، وجدت نفسها في قلب محطات تنظيمية وسياسية معقدة.

    فبالرغم من أنها دعمت انتخاب إلياس العمري أمينا عاما سنة 2016، لم تتردد لاحقا في معارضة طريقة تدبير الأزمة التي أعقبت الانتخابات التشريعية لتلك السنة قبل استقالته من الأمانة العامة. وفي خضم تلك المرحلة، انسحبت من اللجنة المكلفة بتدبير المرحلة الانتقالية، وهو موقف وضعها في مواجهة مع قيادة الحزب آنذاك.

    ولم تكن تلك المحطة سوى محطة في مسار سياسي اتسم بالتمسك بما تعتبره أولوية للمؤسسة على الأشخاص؛ ففي أزمة الحزب سنة 2019، وجدت نفسها في قلب محطة أخرى معقدة، حين انخرطت في “تيار المستقبل”، الذي دعا إلى تجاوز الانقسام الداخلي وعقد مؤتمر وطني يعيد ترتيب البيت الحزبي.

     ذلك الخيار وضعها في مواجهة مع القيادة القائمة آنذاك، وعلى رأسها الأمين العام، حكيم بن شماش، قبل أن تنتهي الأزمة بتسوية رأبت الصدع داخل الحزب، وبانتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب.

    تستحضر عزيزو، التي اشتغلت معها لسنوات داخل الحزب، هذه السمة بوضوح، فتقول إن المنصوري كانت معروفة بأنها تعبر عن مواقفها داخل مؤسسات الحزب، لا في الكواليس أو “الصالونات”، وتضيف: “كانت تقول رأيها في الاجتماعات، ولهذا احترمها المناضلون، حتى عندما اختلفوا معها.”

    وترى أن هذا الأسلوب أكسبها لقب “ضمير الحزب” قبل أن يطلق عليها لقب “المرأة الحديدية”، لأنها “كانت تشهد بالحق، وتدافع عما تعتبره مصلحة الحزب، حتى إن لم يرض ذلك بعض أصحاب المصالح الشخصية”.

    ولعل أبرز اختبار لهذا النهج كان قرار تجميد عضوية صلاح الدين أبو الغالي من القيادة الجماعية للحزب، في خضم أزمة داخلية حظيت باهتمام واسع، فقد دافعت القيادة الثلاثية، وعلى رأسها المنصوري، عن القرار باعتباره مرتبطا باحترام ميثاق أخلاقيات الحزب، بينما اعتبره منتقدون قرارا سياسيا قاسيا.

    وبالنسبة إلى من يعرفونها، ممن تحدثوا للجريدة عن شخصية المنصوري، فلم يكن أسلوبها دائما الطريق الأيسر، لكنه كان جزءا من الطريقة التي اختارت بها ممارسة السياسة.

    وبعد نحو عقد من العمل إلى جانبها، تلخص إيمان انطباعها بعبارة واحدة: “فاطمة الزهراء المنصوري من السياسيات القليلات اللواتي ما زلن يمارسن السياسة بالأخلاق، ففي زمن أصبح فيه قول الحقيقة يعد جرأة، كانت هي تعتبره جزءا طبيعيا من نبل العمل السياسي”.

    قيادة خارج النموذج التقليدي

    اختارت المنصوري، في حزب عرف بتقلبات قيادته، أن تكون “حارسة” التنظيم أكثر من صانعة الزعامة، لذلك لم يكن اختيارها منسقة للقيادة الجماعية معزولا عن المسار الذي راكمته.

    داخليا، وحتى في أعين المنافسين، لم يكن الرهان سهلا، فقد شكك كثيرون في قدرة ثلاثة أشخاص على قيادة “جرار” واحد، وتوقع البعض أن تتحول القيادة الجماعية إلى مصدر جديد للخلافات، أو في أفضل الحالات إلى صيغة انتقالية سرعان ما ستنتهي بالعودة إلى منطق الزعيم الواحد.

    لكن مع دنو التجربة من عامها الثالث، تبدو الصورة مختلفة، فقد استمر الحزب في أداء أدواره التنظيمية والسياسية، وواصل هيكلته التنظيمية الجديدة، وقوى حضوره في الحكومة والبرلمان، حتى أضحت التكهنات تضعه على رأس المرشحين لتصدر استحقاقات 23 شتنبر المقبل.

    لكن ذلك لم يمنع ظهور صراعات وهزات داخلية اختبرت النموذج الجديد للقيادة، على رأسها تجميد عضوية صلاح الدين أبو غالي، الذي عوض لاحقا بفاطمة السعدي، وقضية “إسكوبار الصحراء”، التي سُلّت شوكة الاتهامات للحزب بتجميد قبلي لعضوية المتهمين في الملف المنتمين للحزب.

    خارج حدود الحزب

    حين كلفها الملك محمد السادس في نهاية أكتوبر 2024 برئاسة البعثة الشرفية المرافقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكن الاختيار يختزل في إتقان اللغات، بل في القدرة على تمثيل صورة المغرب في بعدها السياسي والثقافي والحضاري، فمثل هذه المناسبات لا تختبر فيها فقط المعرفة ببروتوكول الدولة، بل أيضا سعة الثقافة، والقدرة على إدارة حوار يتجاوز الملفات السياسية إلى التاريخ والمجتمع والفنون والهوية.

    لم يكن اختيار المنصوري لتكون أول امرأة يكلفها الملك محمد السادس لمرافقة رئيس دولة خلال زيارته الرسمية للمملكة مجرد إجراء بروتوكولي، بل محطة تعكس مسارا راكمت فيه ثقة داخل الحزب، ثم داخل الحكومة، وصولا إلى تمثيل الدولة في مناسبة دبلوماسية رفيعة.

    “عندما يتعلق الأمر بتمثيل المغرب، تظهر شخصية أخرى؛ أكثر رسمية، تستند إلى تكوينها القانوني، وإتقانها للفرنسية والإنجليزية، وثقافتها العامة الواسعة، فالنقاش في مثل هذه المناسبات لا يقتصر على السياسة أو الأحزاب، بل يمتد إلى الثقافة والمجتمع والتاريخ، وهي فضاءات تتحرك فيها بثقة”، تؤكد مقربة من المنصوري.

    وربما لهذا يصعب اختزالها في شخصية سياسية فقط؛ فهي تحمل في حديثها أثر المحامية، وفي قراراتها أثر المسيرة المحلية، وفي حضورها الخارجي أثر تكوين ثقافي جعلها تتحرك بين عوالم القانون والسياسة والثقافة بسلاسة.

    هل تكون امرأة المرحلة المقبلة؟

    في فبراير 2020، حملها مناضلو حزبها على الأكتاف عند انتخابها رئيسة للمجلس الوطني للمرة الثانية، ثم تكرر المشهد مع اختيارها منسقة للقيادة الجماعية، وبالنسبة إلى كثيرين داخل الحزب، لم تكن تلك مجرد لحظة احتفالية، بل إشارة إلى صعود سياسي متواصل، جعل اسمها يتردد كلما فتح النقاش حول الأجدر بقيادة الحكومة المقبلة.

    ويرى مقرب منها أن جمعها بين مسؤوليات ثلاث ثقيلة؛ وزيرة، وعمدة لمراكش، ومنسقة للقيادة الجماعية للحزب، جعلها نموذجا يثير، داخل عالم سياسي ذكوري، قدرا من التوجس لدى بعض الحريصين على مواقعهم، لأن نموذجا مماثلا للمنصوري لا يتكرر داخل الأحزاب الأخرى، حتى بين الرجال.

    ويؤكد أن شخصيتها متفردة في قدرتها على الجمع بين التدبير المحلي، والمسؤولية الحكومية، والقيادة الحزبية، من دون أن تتخلى عن طريقتها الخاصة في العمل، والحديث عن فرصها في ترؤس الحكومة لم يكن يوما من منظور مقاربة النوع، بل لأنها اليوم الأكفأ لتولي هذا المنصب.

    لكن المنصوري نفسها تتجنب استباق الأحداث، ولا تعلن طموحها، كما لا تبني خطابها على الوعود الشخصية، وتكتفي بالتأكيد أن الوطن أكبر من المناصب، وأن المسؤولية ليست غاية في ذاتها، وهي مستعدة لخدمة بلدها من أي موقع كان.

    ويجمع المقربون منها على عدم اختزالها في لقب “المرأة الحديدية”، فهي أقرب إلى سياسية تراهن على الهدوء أكثر من الشعبوية، وعلى المؤسسة أكثر من الشخص، وعلى القناعة أكثر من الطموح، واختارت أن تترك لمسارها، بكل ما فيه من نجاحات وانتقادات، مهمة التعريف بها. لذلك، ربما يكون أهم ما حققته فاطمة الزهراء المنصوري، حتى الآن، ليس المناصب التي تقلدتها، بل الصورة التي صنعتها، ليتحول السؤال من: من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟ إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا المسار السياسي؟

  • كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يعزف الشباب عن السياسة، بل كيف يمكن للأحزاب أن تستعيد قدرتها على مخاطبة جيل تغيرت اهتماماته ووسائل تواصله وتطلعاته. وبين الاحتجاج والانتخابات، وبين الفضاء الرقمي والعمل الحزبي، تتجدد النقاشات حول مستقبل الوساطة السياسية ودور الشبيبات الحزبية في إعادة بناء الثقة.

    في هذا الحوار، يقدّم كريم عايش، محلل سياسي وباحث في القانون والعلاقات الدوليين، قراءة في واقع العلاقة بين الشباب والأحزاب بالمغرب، ويتوقف عند أسباب تنامي أشكال التعبير الجديدة، وآفاق تجديد الخطاب الحزبي، ودور المجتمع المدني والشبيبات في ترسيخ المشاركة السياسية لدى الأجيال الصاعدة.

    في تقديري، لا يمكن القول إن الشباب المغربي ابتعد عن السياسة كليا، بل ابتعد عن الأشكال التقليدية لممارسة السياسة. هناك جيل يعيش يوميا ضغط التشغيل، التعليم، الصحة، السكن، والهجرة، ويريد أجوبة سريعة وواضحة. عندما نعرف أن معدل البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغ حوالي 37.2 بالمئة سنة 2025، لدى نستطيع ان نفهم لماذا أصبح جزء من الشباب يشعر بأن الخطاب الحزبي لا يلامس دائما واقعه اليومي. وهذا لا يعني أن الأحزاب فقدت دورها، بل يعني أن عليها أن تقترب أكثر من لغة الشباب ومن قضاياه الملموسة.

    الأحزاب في الأصل لها وظيفة مهمة جدا؛ الدستور المغربي ينص على أنها تؤطر المواطنات والمواطنين وتساهم في تكوينهم السياسي وفي التعبير عن إرادة الناخبين. لذلك، المشكل ليس في وجود الأحزاب وهياكلها، بل في طريقة حضورها وسط الشباب. الشاب اليوم لا يريد فقط أن يسمع وعودا في فترة الانتخابات، بل يريد تواصلا مستمرا، حضورا في الجامعة، في الأحياء، في المنصات الرقمية، ويريد أيضا أن يرى شبابا حقيقيين داخل مواقع القرار الحزبي، لا فقط في الصفوف الخلفية.

    يمكن اعتبار هذه الاحتجاجات مؤشرا على وجود ضعف في الوساطة السياسية، لكن يجب أن نقول ذلك بحذر. الاحتجاج ليس دائما ضد الأحزاب أو ضد الانتخابات، بل أحيانا يكون رسالة قوية تقول إن هناك مطالب لم تجد طريقها الطبيعي عبر المؤسسات والهيئات الوسيطة. خلال العقد الأخير رأينا احتجاجات اجتماعية في مناطق مختلفة، وآخرها احتجاجات “جيل زد” حول قضايا مثل التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وتم تنظيم جزء كبير منها عبر “تيكتوك”، و”إنستغرام” و”ديسكورد” وهذا معناه أن جزءا من الشباب أصبح يعتبر المنصات الرقمية أسرع من القنوات الحزبية والنقابية والجمعوية.

    لكن في المقابل، لا ينبغي أن نسقط في فكرة أن الاحتجاج بديل كامل عن الحوارات والنقاشات المؤسساتية. فالاحتجاج ينبه، يضغط، يطرح السؤال، لكنه لا يصوغ بالضرورة السياسات العمومية ولا يحول المطالب إلى قوانين وميزانيات وبرامج. وهنا تظهر أهمية الأحزاب والانتخابات؛ لأن الاقتراع هو الذي يفرز المجالس الجماعية والجهوية والبرلمان، وهذه المؤسسات هي التي تملك أدوات القرار والمراقبة والمساءلة. لذلك، المطلوب ليس معارضة الاحتجاج بالانتخابات، بل خلق جسر بينهما: مطالب الشارع يجب أن تجد من يصغي إليها داخل الأحزاب والمؤسسات.

    الشبيبات الحزبية يمكن أن تلعب دورا أساسيا، لأنها الأقرب عمريا ونفسيا إلى الشباب. دورها لا يجب أن يبقى محصورا في تعبئة انتخابية موسمية أو في ترديد خطاب القيادات. فالمطلوب أن تتحول إلى فضاء للتكوين والنقاش والاقتراح، وأن تفتح نقاشات صريحة حول التشغيل، التعليم، الصحة النفسية، الرقمنة، المقاولة، المشاركة المحلية، والبيئة. المغرب اليوم يضم أكثر من 36,8 مليون نسمة، وجزء كبير من النقاش العمومي يمر عبر الشباب والفضاء الرقمي، وبالتالي لا يمكن لأي حزب أن يتجدد دون تجديد علاقته بهذه الف ولا يمكنه مسايرة التغيرات المجتمعية دون العودة والانصات للشباب..

    كما أن الشبيبات مطالبة بأن تكون مدرسة سياسية حقيقية، لا مجرد واجهة تنظيمية. يجب أن تُكَوِّن الشباب في فهم الدستور، الجماعات الترابية، الميزانية، دور البرلمان، ودور المنتخب. كثير من الشباب ينتقد السياسة لأنه لا يرى نتائج مباشرة، لكن جزءا من المشكل أيضا هو ضعف الثقافة المؤسساتية. عندما نشرح للشباب كيف تُتخذ القرارات، وكيف يمكن التأثير فيها عبر التصويت، العرائض، الجمعيات، الإعلام، والمجالس المنتخبة، نكون قد بدأنا فعلا في إعادة بناء الثقة. الثقة لا تعود بالشعارات، بل بالممارسة والقرب والصد في الخطاب السياسي الذي يلامس الهموم والانتظارات ويبرز سبل الحل وكيفية تحقيقه.

    أكيد، لأننا أمام جيل رقمي بامتياز. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، حوالي 76.9 بالمئة من الشباب ما بين 15 و34 سنة يستعملون الإنترنت، وهذا رقم مهم جدا، ويعني أن الشاب لا ينتظر البلاغ الحزبي الطويل ولا الندوة التقليدية فقط؛ فهو يتابع فيديوها قصيرة، وبودكاست، ونقاشات مباشرة، وتدوينات، أو محتوى بصريا مبسطا. لذلك، فتجديد الخطاب لا يعني تبسيط السياسة إلى حد التفاهة، بل يعني شرح السياسة بلغة مفهومة ومباشرة ومرتبطة بحياة الناس.

    لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن الرقمنة ليست فقط نشر صور وأنشطة على مواقع التواصل، فالخطاب الرقمي الناجح هو خطاب يتفاعل، يجيب، يعترف بالأخطاء، ويشرح المواقف دون تعالٍ.

    الشباب اليوم يميز بسرعة بين التواصل الحقيقي والتسويق السياسي، لذلك، إذا أرادت الشبيبات أن تكون مؤثرة، فعليها أن تذهب نحو محتوى يشرح مثلا ماذا يفعل المستشار الجماعي؟ كيف تُصرف ميزانية الجماعة؟ لماذا نصوت؟ كيف نحاسب المنتخب؟ هنا يصبح الخطاب الرقمي أداة للتربية السياسية، وليس مجرد دعاية.

    أرى أن هذا التوجه يمكن أن يكون إيجابيا إذا تم باحترام واضح لمنطق التربية المدنية، وليس بمنطق الاستقطاب المبكر أو التوظيف الحزبي الضيق. فالتلاميذ، حتى لو لم يكونوا ناخبين اليوم، هم مواطنو الغد. تعريفهم بالدستور، بالمؤسسات، بالمشاركة، بالانتخابات، وبقيم الحوار والاختلاف، يمكن أن يخلق جيلا أكثر وعيا وأقل نفورا من السياسة. في دول كثيرة، التربية على المواطنة تبدأ قبل سن التصويت، وهذا أمر طبيعي إذا كان الهدف هو تكوين وعي ديمقراطي لا توجيه اختيارات حزبية مسبقة.

    على المدى البعيد، مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة إذا احترمت ثلاثة شروط: الشفافية، التعددية، والبعد التربوي. بمعنى ألا تتحول المدرسة إلى مجال للدعاية، بل إلى فضاء لفهم الحياة العامة، وهنا يمكن لكل الشبيبات الحزبية، وليس شبيبة حزب واحد فقط، أن تساهم في تأهيل النقاش العمومي، لأن العملية الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط؛ بل قبل ذلك بسنوات، عبر بناء الثقة، وتكوين المواطن، وتعليمه أن صوته له قيمة، وأن السياسة ليست صراعا فارغا، بل وسيلة لتنظيم الاختلاف وخدمة الصالح العام. في انتخابات 2021 مثلا، بلغت المشاركة 50.18 بالمئة، وهذا رقم مهم، لكنه يذكرنا أيضا بأن توسيع المشاركة يحتاج عملا مستمرا مع الشباب قبل موعد الانتخابات، لا أثناء الحملة فقط.

  • هل تملك الشبيبات الحزبية مفتاح إعادة ثقة الشباب في السياسة؟

    هل تملك الشبيبات الحزبية مفتاح إعادة ثقة الشباب في السياسة؟

    لم يعد السؤال المطروح اليوم هو لماذا يعزف الشباب المغربي عن السياسة، بل لما لم تعد السياسة، في صورتها الحزبية التقليدية، قادرة على إقناع الشباب بأنها فضاء قادر على إحداث التغيير، لأن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الانتقال المتسارع للنقاش العمومي نحو الفضاء الرقمي، كشفت أن أزمة المشاركة السياسية لم تعد ترتبط فقط بالمواعيد الانتخابية، وإنما أصبحت تعكس أزمة أعمق تمس وظيفة الوساطة التي يفترض أن تؤديها الأحزاب بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

    ويشخص المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في دراسة بعنوان “المشهد الحزبي والسياسي بالمغرب في أفق 2035” الخلل الحقيقي في أزمة ثقة في الفاعل الحزبي ذاته وليس في الديمقراطية في حد ذاتها، بعدما تراجعت قدرته على التأطير، واستقطاب النخب، وصياغة البرامج، وتحويل مطالب المواطنين إلى سياسات عمومية.

    وتكشف الأرقام التي تقدمها الدراسة أن من أصل 25.23 مليون مغربي مؤهل للتصويت، لم يشارك في انتخابات 2021 سوى 8.8 ملايين ناخب، بينما بلغت “الفئة الصامتة” نحو 16.4 مليون مواطن، أي ما يعادل 65.1 في المئة من المؤهلين للتصويت.

    ويسلط الباروميتر العربي 2023-2024 الضوء على معطى أكثر دلالة، ذلك أن الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 18 في المئة بالمغرب، وهو معطى يعكس أن أزمة المشاركة ليست مجرد تراجع في الإقبال على صناديق الاقتراع، وإنما تعبير عن فقدان الثقة في المؤسسات الحزبية وقدرتها على تمثيل المجتمع واستيعاب انتظاراته.

    الفضاء الرقمي ملاذ جديد

    ولم يكن هذا التراجع في الثقة وليد الأرقام الانتخابية وحدها، بل تجلى أيضا في طبيعة التعبيرات الاحتجاجية التي عرفها المغرب خلال العقد الأخير؛ فمن حراك الريف سنة 2016، إلى احتجاجات جرادة سنة 2018، مرورا بالاحتجاجات القطاعية المتلاحقة، انتهاء عند موجة الاحتجاجات التي قادها “جيل زد” من المنصات الرقمية إلى الفضاء العام، برزت ملامح تحول عميق في علاقة الشباب بالفعل السياسي.

    ويفسر المحلل السياسي، كريم عايش، هذا الانزياح صوب العالم الافتراضي بكونه مؤشرا على وجود ضعف في الوساطة السياسية، لكن بدرجة كبيرة من الحذر، على حد قوله، إذ يرى أن الاحتجاج ليس دائما ضد الأحزاب أو ضد الانتخابات، بل أحيانا يكون رسالة قوية تقول إن هناك مطالب لم تجد طريقها الطبيعي عبر المؤسسات والهيئات الوسيطة.

    لذلك، يرفض عايش، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” الحديث عن أن الشباب المغربي ابتعد عن السياسة كليا، لأن هذه الفئة ابتعدت عن الأشكال التقليدية لممارسة السياسة، موضحا أن هناك جيل يعيش يوميا ضغط التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، والهجرة، ويريد أجوبة سريعة وواضحة، وعندما نعرف أن معدل البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغ حوالي 37.2 بالمئة سنة 2025، نستطيع أن نفهم لماذا أصبح جزء من الشباب يشعر بأن الخطاب الحزبي لا يلامس دائما واقعه اليومي، مستدركا بالقول: “هذا لا يعني أن الأحزاب فقدت دورها، بل يعني أن عليها أن تقترب أكثر من لغة الشباب ومن قضاياه الملموسة”.

    وإذا كانت هذه المؤشرات تضع الأحزاب أمام مسؤولية مباشرة، فإنها تجعل الشبيبات الحزبية في قلب معركة استعادة الثقة، باعتبارها الواجهة الأقرب إلى الأجيال الجديدة والأقدر نظريا على مخاطبتها بلغتها وهمومها.

    أين الخلل؟

    المشكلة، إذن، ليست في غياب الوعي السياسي، وإنما في عجز الأحزاب عن استيعاب هذه الدينامية الجديدة وتحويلها إلى مشاركة مؤسساتية، وفق ما يؤكد رئيس منظمة شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، صلاح الدين عبقري.

    ويوضح عبقري لجريدة “AM+ MEDIA” أن استخدام “فجوة” لتوصيف الهوّة بين الشباب والسياسة “مصطلح ليّنٌ للغاية”، إذ يرى الأصح الحديث عن “خندق، أي مسافة كبيرة وهوة سحيقة بين الشاب والسياسي، ونحن السياسيون مسؤولون عن هذا الخندق”.

    ويبرز أن ما يسمعه الشباب في غالب الأوقات هو كلمات وخطابات رنانة لا تفهم، ووعود لا تطبق، وبرامج تظل معلقة، ما يزيد الهوة ويغيّب الثقة لدى الشباب.

    الأمر ذاته، خلص إليه المركز الإفريقي للدراسات، الذي أشار في دراسته إلى أن الأحزاب أصبحت، في كثير من الأحيان، أقرب إلى تحالفات انتخابية ظرفية منها إلى مؤسسات قادرة على إنتاج الأفكار وتكوين القيادات، وهو ما انعكس مباشرة على أداء الشبيبات نفسها، التي تحولت في عدد من الحالات إلى هياكل تنظيمية تقتصر وظيفتها على التعبئة خلال الاستحقاقات الانتخابية، بدل أن تكون مختبرا لإنتاج النخب وتجديد المشروع الحزبي.

    هذا الواقع، أقر به رئيس منظمة شباب “البام”، الذي يؤكد أن الشبيبات الحزبية تاريخيا كان لها دور كبير في صناعة النخب السياسية، وربما هذا الدور كُبِح لأسباب وأخرى، موضحا أن الانطباع السائد بأن الشبيبات مجرد تنظيمات موسمية لم يأت من فراغ لأن الأحزاب بصفة عامة رُبِطت بدور قاصر”.

    عبد الغني السرار، أستاذ كلية الحقوق بالجديدة، يؤكد بدوره أن الأسباب التي جعلت الشباب ينفر من العمل السياسي كثيرة، بيد أن الطريقة التي تُدبر وتُسير بها البيوت الداخلية للعديد من التنظيمات الحزبية، تعتبر في طليعة الأسباب التي جعلت الشباب يبحث عن فضاءات موازية وبديلة للتعبير عن مواقفه وآرائه من كيفية تدبير الشأن العام وفقدان الثقة في العمل السياسي.

    ومن هذا المنطلق، تبدو الشبيبات الحزبية مطالبة اليوم بدور يتجاوز الدفاع عن مواقف أحزابها أو الترويج لبرامجها إلى المساهمة في إصلاح الأحزاب من الداخل، عبر الدفع نحو تكريس الديمقراطية الداخلية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتجديد النخب، وإرساء ثقافة تقوم على تقييم الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    ويشير سرار بهذا الصدد إلى أن نفور الشباب من السياسة يمكن تفسيره كرد فعل على اعتبارهم مجرد أصوات انتخابية توظفهم الأحزاب في الاستحقاقات الانتخابية، ما يدفع فئات واسعة منهم للتوجه صوب المنصات الرقمية، التي تتيح لهم التعبير عن آرائهم ومواقفهم السياسية.

    الأمر ذاته يؤكده عبقري، مشددا على أن الشبيبة ليس دورها ملء القاعات أو الشعارات أو توزيع أوراق الانتخابات، رغم أن هذه المهام أمر عادي لأنه دور من أدوار المناضلين، ولكن عندما يصبح المناضل الشاب ناضجا سياسيا تكون سُبّة في حقه أن يظل محصورا في هذه الأدوار فقط، لذلك نعمل على تطوير هذا الجانب داخل الشبيبة إلى مستوى النقاش، لذلك أبرمنا اتفاقية مع أكاديمية البام للفكر السياسي للمساهمة في المجهود الفكري للحزب، وفي إعداد البرنامج الانتخابي.

    من جانبه، يشير السرار إلى عامل محوري في مسببات النفور من السياسة، إذ يرى أن تهميش الشباب كشف محدودية التدابير التي نص عليها القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، إذ إن مقتضيات مثل إلزام الأحزاب بتوسيع مشاركة الشباب وتحديد نسبتهم في الأجهزة القيادية ظلت مرتبطة أساسا بالتزامات أخلاقية غير ملزمة قانونيا، وهو ما جعل أثرها العملي محدودا في إدماج الشباب داخل الأحزاب.

    ويوضح أن المشرع اتجه في المقابل إلى اعتماد مقاربة أكثر إلزاما من خلال التعديلات القانونية الأخيرة التي ستشهدها الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر المقبل، حيث انتقل من تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية إدماج الشباب إلى تدخل الدولة عبر فرض نسب دنيا لتمثيلية الشباب عند تأسيس الأحزاب، وإقرار تحفيزات مالية لدعم ترشيحاتهم في الانتخابات وفق شروط محددة، بما يعكس توجها جديدا يروم تشجيع مشاركتهم السياسية والانتخابية بشكل أكثر فعالية.

    الشبيبات الحزبية في قلب المعادلة

    ويقتضي تحقيق التحول المرجو في المشهد السياسي، الذي يراد فيه أن يكون للشباب دور محوري، أولا مراجعة الدور الذي تؤديه الشبيبات داخل أحزابها، لأنها ارتبطت تاريخيا بإعداد القيادات المستقبلية، وتأطير الشباب، وصناعة النخب السياسية، وتنمية الوعي السياسي، غير أن هذه الوظائف تراجعت تدريجيا تحت تأثير ضعف الديمقراطية الداخلية، وتقارب البرامج السياسية.

    لذلك، يؤكد عبقري أن المنظمة تبنت أساليب جديدة في التواصل، وأطلقت في الحزب مبادرة “جيل 2030” كأسلوب مختلف، لأن تطور الشباب يسير بسرعة، والتجديد المستمر لمنظمة الشبيبة شيء ضروري، حسب تعبيره.

    بدوره، يشدد كريم عايش على أن الشبيبات الحزبية يمكن أن تلعب دورا أساسيا، لأنها الأقرب عمريا ونفسيا إلى الشباب، كما أن دورها لا يجب أن يبقى محصورا في تعبئة انتخابية موسمية أو في ترديد خطاب القيادات، لأن المطلوب حسبه أن تتحول إلى فضاء للتكوين والنقاش والاقتراح، وأن تفتح نقاشات صريحة حول التشغيل، التعليم، الصحة النفسية، الرقمنة، المقاولة، المشاركة المحلية، والبيئة

    من الشعارات إلى الميدان

    تظهر العديد من الدراسات أن الشباب لا يثقون بالأحزاب السياسية، التي غالبا ما تعتبر غير فعّالة في معالجة تحديات التوظيف والتعليم والصحة، غير أنه إذا كان الحديث عن تجديد العلاقة بين الشباب والفاعل السياسي لاستعادة الثقة يظل في كثير من الأحيان حبيس النقاشات النظرية، فإن بعض المبادرات بدأت تترجم هذا التوجه إلى برامج ميدانية تستهدف فئات عمرية مبكرة.

    واتجهت بعض الأحزاب السياسية إلى مراجعة مقاربتها في استقطاب الشباب، بعدما أدركت أن الرهان لم يعد يقتصر على الناخبين الشباب، بل يشمل أيضا الفئات التي لم تبلغ بعد سن التصويت، وبدأت في الاستثمار في مبادرات ذات طابع تربوي وتكويني تستهدف التلاميذ واليافعين، بهدف تنمية الوعي بالمواطنة وتعزيز الاهتمام بالشأن العام.

    ويرى الأستاذ الجامعي عبد الغني السرار أن هذا التحول أمر عادي ومنتظر، لأن الشبيبات في أصلها قناة من قنوات التعبئة السياسية والانتخابية، كانت وما زالت توظفها أغلب الأحزاب السياسية لخدمة أهدافها الدعائية سواء تعلق الأمر بقرب موعد الانتخابات أو بعدها.

    ويذهب المحلل ذاته إلى أن الشبيبات الحزبية؛ بالإضافة إلى كونها تعتبر إطارات للتنشئة السياسية والتثقيف الحزبي وتكوين أطر وقيادات حزبية في المستقبل، فوظيفتها في التعبئة السياسية والانتخابية تفوق وظيفتها في مجال التكوين السياسي والحزبي، شأنها في ذلك شأن التنظيمات الأخرى الموازية كالتنظيمات النقابية والجمعوية التي تتبع لتنظيمات سياسية، وتقوم بالوظيفة نفسها في التعبئة السياسية وتتبع تبعية مطلقة للحزب السياسي بغض النظر عن موقعه في المشهد السياسي، وبغض النظر عن ما إذا كانت في الأغلبية الحكومية أو خارجها.

    وجهة نظر يختلف معها المحلل كريم عايش، الذي أكد أن استهداف الفئات غير الناخبة يمكن أن يكون إيجابيا، لكن شرط أن يتم ذلك باحترام واضح لمنطق التربية المدنية، وليس بمنطق الاستقطاب المبكر أو التوظيف الحزبي الضيق.

    ويبرز المحلل ذاته أن التلاميذ، حتى لو لم يكونوا ناخبين اليوم، هم مواطنو الغد، وتعريفهم بالدستور، وبالمؤسسات، وبالمشاركة، وبالانتخابات، وبقيم الحوار والاختلاف، يمكن أن يخلق جيلا أكثر وعيا وأقل نفورا من السياسة، مضيفا أنه “على المدى البعيد، مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة إذا احترمت ثلاثة شروط: الشفافية، التعددية، والبعد التربوي. بمعنى ألا تتحول المدرسة إلى مجال للدعاية، بل إلى فضاء لفهم الحياة العامة”.

    في هذا السياق، يشرح رئيس منظمة شبيبة “البام” أن “ملتقى التلاميذ: طموح اليوم.. قيادة الغد”، الذي نظمته منظمة شباب الأصالة والمعاصرة نهاية يونيو الفارط بمشاركة أكثر من 300 تلميذ، باعتباره مبادرة تعد الأولى من نوعها باستهدافها المباشر لتلاميذ التعليم الثانوي التأهيلي، لم تقم على منطق الاستقطاب أو التعبئة الحزبية، بقدر ما راهنت على بناء وعي مدني وسياسي لدى التلاميذ، وتشجيعهم على النقاش الحر، واكتساب مهارات التعبير واتخاذ القرار، وربط المدرسة بمحيطها المجتمعي.

    ويوضح أن “قناعتنا أن الشباب فئات لها اهتمامات مختلفة، وهذه المرحلة مفصلية في حياتهم، مرت من تكوين له ما له وعليه ما عليه لتجد نفسها أما العديد من الأبواب المفتوحة والأخرى المغلقة، والهدف هو توفير فضاء للنقاش والاستفادة لهذه الفئة”.

    ويحبذ عبقري أن ينخرط الشباب في السياسة بشكل مبكر لأنه أمر أفيد للمشهد السياسي، “لأننا سنكون أمام فئة دخلت السياسة وعمرها 16 سنة أو أقل، واحتكت أكثر في الفضاء السياسي وفهمت اللعبة السياسية بشكل جيد”.

    طريق الألف ميل يبدأ بخطوة

    ولم يبق أثر المبادرة حبرا على الورقة التنظيمية للملتقى، بل انعكس أيضا على انطباعات التلاميذ المشاركين التي استقتها منصة “AM+”، سيما في صفوف غير المنتمين للحزب.

    وقالت نهيلة ديوشي، طالبة تدرس بـ”طاليس أنترناسيونال سكول” ببوزنيقة، إن الملتقى جعلها تكتشف أن “السياسة ليست فقط شأنا حزبيا، بل ترتبط أيضا بالمواطنة والحقوق والواجبات”، مؤكدة أنها شعرت للمرة الأولى بأن رأيها يحظى بالإنصات داخل فضاء مفتوح للنقاش.

    وأوضحت للجريدة أن “شبيبة الأصالة والمعاصرة أعطتنا فرصة للتعبير عن رأينا، لأننا كنا مهمشين، وكنت أعتقد أن التلميذ لا رأي له ولا يمكن أن يوصل صوته أو يعبر عنه، لكن في هذا الملتقى تفاجأت كثيرا، وتغيرت نظرتي لأشياء كثيرة، سواء دور التلميذ في محيطه، وأيضا أن هناك من هو مستعد للاستماع لنا”.

    وتؤكد نهيلة أنها غادرت الملتقى وهي تحمل رؤية مختلفة تماما عن تلك التي دخلت بها، موضحة: “وجهة نظري عن السياسة تغيرت كثيرا، كنت ألوم كثيرا المسؤولين، لكن الآن أصبحت أرى أن السياسة أخذ ورد، ويجب أن نساهم وننخرط في النقاش العمومي لكي نأخذ، ونعبر عن رأيننا ليعرف السياسيون ما نريده بالضبط”.

    أما عمر فاريق، وهو شاب في سن الـ18 يتحدر من حد السوالم، فيرى أن أهم ما ميز الملتقى الوطني الأول للتلاميذ هو أن شبيبة الأصالة والمعاصرة لم تنظمه لغرض حزبي ضيق لاستقطاب التلاميذ، مؤكدا أن “الغرض كان توجيهيا بالأساس، وحرصوا على تكويننا وتوجيهنا من أجل ضمان مستقبلنا الدراسي والمهني”.

    ويضيف الشاب شارحا وجهة نظره: “استفدنا بشكل كبير، خصوصا كيف ندبر توجيهنا الدراسي، لأن النجاح بتميز في البكالوريا لا يعني بالضرورة مستقبلا ناجحا، لأن صاحب نقطة متوسطة يمكن أن يكون مساره ناجحا بعد البكالوريا مقارنة بمن نال نقطة ممتازة بسبب توجيه أحسن”.

    فاريق أكد عدم اهتمامه بالسياسة بشكل قاطع لأنه يرى أن للسياسة أناسها القادرين على تحمل ضغوطها، لكنه شدد على أن الملتقى الوطني الأول للتلاميذ يشكل “مبادرة جيدة لتلاميذ أغلبيتهم لديهم فكرة سيئة عن السياسة، وصحح لهم منظورهم، وحفز بعضهم للاهتمام أكثر بالسياسة”.

    من جانبه، أوضح حسن بناني، طفل برلماني ورئيس المجلس التلاميذي، أن منظمة شبيبة الأصالة والمعاصرة كانت سباقة في أن تكون أول من تنظم ملتقى وطنيا للتلميذ، ليس بهدف سياسي، وإنما للتحبيب في العمل السياسي بشكل عام.

    وأكد بناني، في تصريح مماثل، أن “طموح الشباب اليوم يجب أن يكون ترك أثرا إيجابيا، وشبيبة البام قدمت لنا نموذجا مبتكرا وفعالا لتكون وسيطنا مع صناع القرار، ولنسير معا لنقوم بالتغيير الذي نريده لوطننا”.

    ويمكن القول إن الشبيبات الحزبية تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتغيير واقعها، شرط أن تتحول من مدارس لإعادة إنتاج النخب التقليدية إلى فضاءات لإنتاج قيادات جديدة، وتجديد الخطاب، وإعادة بناء الثقة بين الشباب والسياسة.