الكاتب: رشيد الخروبي

  • من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    لم يكن الدعم الحكومي الاستثنائي للصحافة والإعلام الذي انطلق منذ سنة 2020 مجرد آلية مالية لمواكبة المقاولات الإعلامية، بل جاء في سياق تسلم فيه محمد مهدي بنسعيد حقيبة وزارة الشباب والثقافة والتواصل في السابع من أكتوبر 2021، مثقلة بمشاكل واحدة من أصعب وأعقد مراحل القطاع منذ سنوات، لما خلفته جائحة كوفيد-19 من آثار عميقة على المقاولات الإعلامية، بعد تراجع مداخيل الإشهار، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتفاقم الهشاشة المالية لعدد من المؤسسات، ما جعل الحفاظ على استمرارية المقاولات وصون مناصب الشغل أولوية ملحة قبل الانخراط في أي ورش إصلاحي آخر.

    كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية المغربية، الذي كان يعاني من اختلالات متراكمة منذ سنوات.

    فقد سجلت الصحافة الورقية تراجعا مستمرا في المبيعات بفعل تغير عادات القراءة واتساع الفضاء الرقمي، حيث لم تعد الصحف المغربية مجتمعة تبيع سوى نحو 200 ألف نسخة يوميا، وهو رقم يظل محدودا مقارنة بعدد السكان ونسبة المتعلمين.

    وفي الوقت نفسه، كشف تقرير لجنة المنشأة الصحفية وتأهيل القطاع بالمجلس الوطني للصحافة سنة 2020 حول أثار جائحة كورونا على قطاع الصحافة وإجراءات الخروج من الأزمة، أن السوق الإعلانية واجه تحولا هيكليا أفقد الصحافة جزءا كبيرا من مواردها، بعدما تراجعت عائدات الإعلانات بنسبة 55 في المئة بين سنتي 2010 و2018، قبل أن يتفاقم هذا النزيف مع استمرار انتقال المعلنين نحو المنصات الرقمية.

    وعرفت مبيعات اليوميات والأسبوعيات والمجلات انخفاضا متواصلا، ما جعل عددا من المقاولات الإعلامية يدخل مرحلة الجائحة مثقلا بأزمة استدامة مالية.

    ويكشف المبيان عن تراجع هيكلي في العائدات الإعلانية للصحافة المغربية، بعدما انخفضت من 645 مليون درهم سنة 2010 إلى 290 مليون درهم سنة 2018، أي بخسارة تناهز 55 في المئة خلال ثماني سنوات.

    ويبرز المنحنى أن الانخفاض لم يكن ظرفيا، بل اتخذ مسارا تصاعديا ابتداء من سنة 2015، ما يعكس تحولا عميقا في سوق الإشهار مع انتقال جزء متزايد من الاستثمارات نحو المنصات الرقمية. وتؤشر هذه المعطيات إلى أن الأزمة المالية التي واجهتها المقاولات الصحفية سبقت جائحة كوفيد-19 بسنوات، وهو ما جعل القطاع يدخل الأزمة الصحية وهو يعاني أصلا من تآكل موارده التقليدية، خاصة في ظل تراجع المبيعات وانكماش سوق الإعلانات.

    هذا الوضع الذي امتدت ارتداداته إلى “زمن الجائحة”، دفع وزارة التواصل إلى تدخل سريع لإخراج القطاع من غرفة العناية المركزة، بدعم استثنائي لم يقتصر على تحويلات مالية ظرفية في حسابات المقاولات الصحفية، بل اعتمد مقاربة ذات بعد اقتصادي واجتماعي، استهدفت الحفاظ على النسيج الإعلامي الوطني وتفادي فقدان الكفاءات المهنية التي راكمها القطاع.

    وتم توجيه الدعم لتحمل جزء من أجور الصحافيين والعاملين الإداريين، وأداء اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتحمل الضريبة على الدخل، بما خفف الأعباء عن المقاولات الإعلامية وساعدها على المحافظة على استقرار مواردها البشرية في مرحلة اتسمت بارتفاع الضغوط المالية منذ بداية تفشي كوفيد-19 وتداعيات الحجر الصحي سنة 2020.

    وتجاوزت هذه المقاربة المؤسسات الصحفية إلى مختلف مكونات سلسلة الإنتاج الإعلامي، إذ شمل الدعم قطاع الطباعة وشبكات توزيع الصحف والإذاعات الخاصة للحفاظ على توازن المنظومة بأكملها، ليتحول الدعم العمومي من آلية لمواجهة تداعيات أزمة ظرفية إلى رافعة لضمان الاستقرار الاجتماعي داخل القطاع، والحفاظ على مناصب الشغل، بالتوازي مع إطلاق أوراش إصلاحية تروم تحديث المنظومة الإعلامية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية.

    وتؤكد أرقام الدعم العمومي، وفق المعطيات التي جمّعتها جريدة “AM+ MEDIA”، أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع التواصل، اختارت منذ بداية الولاية الحكومية اعتماد مقاربة تصاعدية لمواكبة قطاع الإعلام، انسجاما مع التحديات التي فرضتها مرحلة ما بعد الجائحة.

    وبالعودة إلى سنة 2021، فقد بلغ الدعم الموجه للصحافة ما يناهز 168 مليون درهم، ثم 189 مليون درهم عام 2022، قبل أن يسجل قفزة خلال سنتي 2023 و2024 ليبلغ حوالي 348 مليونا ثم أكثر من 361 مليون درهم تواليا، وهو أعلى مستوى للدعم خلال السنوات الخمس الفارطة.

    ورغم تراجع الغلاف المالي إلى حوالي 277 مليون درهم سنة 2025، فإنه ظل أعلى بكثير من مستواه عند انطلاق الولاية الحكومية.

    وبلغت الكلفة الإجمالية حتى سنة 2025 لدعم المؤسسات الصحافية مليارا و343 مليون درهم في خمس سنوات.

    يوضح المبيان تحول سياسة وزارة التواصل تجاه تمويل قطاع الصحافة، بعدما ظل الدعم مستقرا عند حدود 250 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن يعرف قفزة كبيرة ابتداء من سنة 2023، حيث تجاوز 400 مليون درهم، ليبلغ ذروته في 2024، ثم يتراجع بشكل نسبي في 2025 مع بقائه عند مستوى يفوق بكثير ما كان عليه قبل ثلاث سنوات.

    ويعكس هذا المنحى انتقال الدعم العمومي من آلية ظرفية لمواجهة تداعيات الأزمة إلى أداة هيكلية لتأهيل المقاولات الصحفية والحفاظ على استمرارية القطاع، في سياق استمرار الضغوط التي فرضها التحول الرقمي وتراجع الموارد التقليدية للصحافة.

    وبالموازاة مع ذلك، حافظت الوزارة على دعم باقي مكونات المنظومة الإعلامية وفق تطور احتياجاتها، إذ استقر الدعم المخصص لقطاع الطباعة عند 15 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن ينخفض إلى 9 ملايين درهم ابتداء من 2023 والسنوات الموالية، في ظل إعادة هيكلة آليات المواكبة مع التحولات التي يعرفها القطاع، وبلغت الكلفة الإجمالية 57 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    أما شبكات توزيع الصحف، فقد استفادت من دعم بلغ 35 مليون درهم سنة 2021، ثم 30 مليون درهم خلال السنوات اللاحقة، بما مجموعه 155 مليون درهم إلى حدود العام الفارط.

    وشمل الدعم الإذاعات الخاصة، التي استفادت من 40 مليون درهم سنة 2021، قبل أن يستقر في حدود 20 مليون درهم في السنوات التالية، ليصل مجموع ما توصلت به إلى حدود 120 مليون درهم سنة 2025.

    واستنادا إلى هذه المؤشرات، يظهر أن الدعم الاستثنائي لم يكتف بإنقاذ المؤسسات الإعلامية من آثار الأزمة، بل ساهم أيضا في الحفاظ على توازن المنظومة الإعلامية بمختلف مكوناتها، من الصحافة إلى الطباعة والتوزيع والإذاعات الخاصة، بما وفر شروطا أفضل لاستمرار النشاط الإعلامي وحماية الرأسمال البشري، بكلفة إجمالية بلغت مليارا و675 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    يوضح المبيان أن المؤسسات الصحفية استحوذت على 80.2 في المئة من إجمالي الدعم العمومي، مقابل 9.3 في المئة لشركات التوزيع، و7.2 في المئة للإذاعات، و3.4 في المئة لقطاع الطباعة.

    ويعكس هذا التوزيع توجها واضحا في السياسة العمومية نحو تركيز الموارد المالية على الحلقة الأكثر تأثرا بالأزمة، وهي المقاولات الصحفية، باعتبارها المنتج الأساسي للمحتوى الإخباري، بينما خصصت نسب أقل لباقي مكونات سلسلة الإنتاج والتوزيع.

    وتبنت وزارة محمد مهدي بنسعيد فلسفة جديدة للدعم العمومي السنوي، والتي نزلتها في المرسوم رقم 2.23.1041 الصادر في الجريدة الرسمية في يناير 2024، والذي نقل الدعم إلى مرحلة جديدة تقوم على منطق “الاستثمار في المقاولة الإعلامية”، لكن تنزيله ما يزال معلقا في انتظار انتهاء “وضع الاستثناء” الذي تتسمك به المقاولات الصحفية.

     ولم يكتف المشرع في المرسوم المذكور بتحديد مبالغ الدعم، بل أعاد بناء فلسفته على أسس الحكامة وربط التمويل بالأداء والالتزامات.

    ويتجلى هذا التحول في اشتراط احترام مجموعة من المعايير المهنية والمالية، من بينها انتظام التصريحات الجبائية والاجتماعية، واحترام أخلاقيات المهنة، وربط الاستفادة باتفاقية تلزم المؤسسة بالحفاظ على مناصب الشغل، وتوظيف الكفاءات، والرفع من الموارد الذاتية، والاستثمار في الرقمنة وتحديث وسائل الإنتاج.

    وأصبح صرف الدعم خاضعا لتقارير سنوية للتتبع والتقييم، مع نشر لوائح المستفيدين وإحالة التقرير السنوي على وزارة التواصل، التي تحيله بدورها على رئيس الحكومة، الأخير يرفعه إلى المجلس الأعلى للحسابات، بما يعزز الشفافية والمساءلة.

    ولم يقتصر الإصلاح على فلسفة الاستفادة، بل امتد إلى طريقة احتساب الدعم، حيث اعتمد القرار المشترك لوزير التواصل والوزير المنتدب المكلف بالميزانية رقم 2345.24 الصادر في نونبر 2024 نسبا مرتبطة بحجم المؤسسة وكلفة الأجور والإنتاج، مع تخصيص 80 في المئة من الدعم للتسيير و20 في المئة للاستثمار، من أجل تحقيق التوازن بين ضمان استمرارية المقاولات الإعلامية وتشجيعها على التطور والتحديث، بدل الاكتفاء بمنطق الدعم الظرفي.

    ورغم أن النظام الجديد للدعم ما يزال معلقا حتى إشعار آخر، فالفلسفة الجديدة للدعم العمومي انتقلت من مجرد آلية لإنقاذ المقاولات الإعلامية إلى أداة للرفع من تنافسية القطاع، وتحسين جودة الإنتاج الصحافي، وإرساء قواعد الحكامة وربط التمويل بالنتائج.

  • تحديد موعد انطلاق منصة مستحقات النسخ التصويري للصحفيين

    تحديد موعد انطلاق منصة مستحقات النسخ التصويري للصحفيين

    أعلن المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة أنه سيتم إطلاق البوابة الإلكترونية الخاصة بانخراط الصحفيين المهنيين العاملين في مجال الصحافة الورقية وناشري الصحف (المقاولات الصحفية الورقية)، والمعنيين بمستحقات النسخ التصويري، وكذا التصريح بمقالاتهم الصحفية المنشورة ورقيا، ابتداء من فاتح غشت 2026 وذلك عبر الرابط التالي”www.bmdav-repro.ma”.

    وذكر المكتب، في بلاغ له، أن إطلاق هذه البوابة الإلكترونية يأتي تفعيلا لنظام تدبير مستحقات النسخ التصويري، موضحا أنه تقرر اعتماد برمجة زمنية لتقديم طلبات الانخراط والتصريح بالمقالات الصحفية عن سنوات 2024 و2025 و2026، وذلك لتيسير عملية توزيع المستحقات الخاصة بكل سنة على حدة.

    وأضاف المصدر ذاته أنه تقرر أن تخصص الفترة من فاتح غشت 2026 إلى غاية 31 دجنبر 2026، للتصريح بالمقالات الصحفية المنشورة خلال سنة 2024، ومن فاتح يناير 2027 إلى غاية 30 يونيو 2027 يخصص للتصريح بالمقالات الصحفية المنشورة خلال سنة 2025، بينما تقرر تخصيص الفترة ابتداء من فاتح يوليوز 2027 للتصريح بالمقالات الصحفية المنشورة خلال سنة 2026.

    ولإنجاح هذا الورش الجديد، دعا المكتب كافة الصحفيين المهنيين وناشري الصحف إلى التقيد بهذه البرمجة الزمنية، والولوج إلى المنصة الإلكترونية قصد الانخراط بالمكتب والتصريح بالمقالات داخل الآجال المحددة أعلاه.

  • ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    تتجاوز ظاهرة شباب “NEET” في المغرب مسألة البطالة، لتكشف عن مسارات مترابطة من الانقطاع عن التعليم والتكوين والعمل، قد تدفع جزءا من الشباب إلى وضعيات ممتدة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

    وتتداخل في تشكيل هذه الوضعية عوامل متعددة، من بينها الهدر المدرسي، وصعوبة الانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، وعدم استقرار المسارات المهنية، إلى جانب تفاوتات مجالية واجتماعية وجندرية.

    وأمام هذه الوضعية، اتجهت السياسات العمومية نحو تنويع آليات التدخل للحد من الظاهرة، غير أن الرهان لا يرتبط بتوفير برامج جديدة فحسب، بل بمدى قدرتها على معالجة أسباب الانقطاع ومواكبة الشباب عبر مسار متصل، يتيح لهم العودة إلى التعليم أو التكوين والولوج إلى سوق الشغل، وصولا إلى تحقيق استقرار مهني واجتماعي مستدام.

    شباب NEET.. فئة خارج التعليم والتكوين والشغل

    رغم الجهود التي يبذلها المغرب للحد من البطالة ومحاربة الهدر المدرسي، ما تزال فئة من الشباب تعيش خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة دوليا بمصطلح “NEET” (Not in Employment, Education or Training).

    ويُعرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه الصادر سنة 2023، شباب NEET بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، الذين لا يشتغلون، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من أي تكوين، مما يجعلهم خارج المدرسة وخارج سوق الشغل وخارج مسارات التكوين.

    ويشير المجلس إلى أن هذه الفئة تعد من أكثر الفئات هشاشة، بالنظر إلى ما يترتب عن هذا الوضع من مخاطر الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي.

    وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أنه خلال سنة 2022 كان واحد من كل أربعة شباب مغاربة، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، في وضعية “NEET”، أي ما يقارب 1.5 مليون شاب وشابة، وهو ما جعل الظاهرة تتحول إلى إحدى القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تستدعي تدخلا.

    غير أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكد أن توسيع قاعدة الفئة السنية لشباب “NEET” من 15 إلى 34 سنة تنقل رقم هذه الفئة إلى 4.3 ملايين لا ينتمون إلى فئة التلاميذ أو الطلبة أو المتدربين في التكوين المهني، ويوجدون في وضعية بطالة أو خارج الساكنة النشيطة، أي لا يبحثون عن الشغل لسبب من الأسباب.

    وفي آخر إحصائيات صادرة في أكتوبر من العام الماضي، كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة هم في وضعية شباب “NEET” سنة 2023، وتشـكل النسـاء أكثـر مـن 72 بالمئة مـن مجمـوع هـذه الفئـة، كمــا أن احتمــال وجودهــن ضمن هذه الفئة يفــوق بثــاث مــرات تقريبــا احتمــال الرجــال.

    ولا تنظر الدراسات إلى هذه الفئة باعتبارها متجانسة، فقد خلصت الدراسة النوعية التي أجراها المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2020 إلى وجود خمس مجموعات رئيسية داخل هذه الفئة، تشمل ربات البيوت المنحدرات من الوسط القروي، والشباب المنحدر من الوسط الحضري الذي يعيش الإحباط والتهميش، ما يجعلهم عرضة بشكل كبير للانحراف والسلوكات الإدمانية، فضلا عن شباب يميلون إلى تغيير وظائفهم بشكل متكرر مما يقودهم إلى الدخول في فترات بطالة قصيرة الأمد.

    كما تضم الفئة شبابا اختاروا التوقف عن العمل أو الدراسة بإرادتهم، وعادة ما تكون دوافعهم مرتبطة بعدم وجود الحاجة للعمل بعد التخرج، خاصة بالنسبة للنساء، أو برغبتهم في البحث عن آفاق جديدة لا ترتبط بالضرورة بمهنة محددة، إضافة إلى شباب يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات تحول دون اندماجهم في الدراسة أو سوق الشغل.

    وتشكل النساء النسبة الأكبر ضمن شباب “NEET”، وهو ما يعكس استمرار العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من اندماجهن في التعليم والتكوين وسوق الشغل.

    ويوضح ياسين إيصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، في هذا السياق، أن ارتفاع نسبة النساء ضمن فئة “NEET” لا يرتبط بالبطالة فقط، بل تتداخل فيه عوامل اجتماعية وأسرية ومجالية، كما أن نسبة مهمة منهن تُصنّف ضمن فئة “غير النشيطات” وليس ضمن الباحثات عن عمل، وهو ما يجعلهن أقل استفادة من برامج التشغيل التقليدية.

    إيصبويا أبرز أن الشابات يحتجن إلى سياسات أكثر استهدافا، ليس بعزل قضاياهن عن باقي السياسات، وإنما بإزالة العوائق التي تحول دون استفادتهن منها، من خلال توفير خدمات حضانة ميسرة، وضمان النقل الآمن، خاصة في الوسط القروي، وإتاحة تكوينات مرنة وقريبة من أماكن السكن، إلى جانب دعم المقاولات النسائية والتعاونيات، وإدراج مؤشرات خاصة بقياس إدماج الشابات ضمن البرامج الحكومية.

    كيف تتشكل ظاهرة “NEET“؟

    يُؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالبطالة، وإنما هي نتيجة مسار متراكم من الانقطاعات التي تبدأ في سن مبكرة وتمتد إلى مرحلة الاندماج المهني.

    ويتمثل الانقطاع الأول في الهدر المدرسي، إذ يغادر نحو 331 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا، خاصة خلال الانتقال من التعليم الإعدادي إلى الثانوي، بسبب الرسوب، وصعوبة الولوج إلى المؤسسات التعليمية، لاسيما في الوسط القروي، وضعف العرض في مجال التكوين المهني، فضلا عن عوامل اجتماعية وثقافية، مثل الفقر، وتشغيل الأطفال، وزواج القاصرات، والإعاقة.

    أما الانقطاع الثاني، فيتعلق بالانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، حيث يصطدم الشباب الباحث عن أول فرصة عمل بعدم ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، وضعف خدمات الوساطة في التشغيل، وهو ما يجعل ستة من أصل عشرة عاطلين من الشباب يواجهون صعوبات كبيرة في ولوج سوق العمل، بينما تظل النساء الأكثر عرضة للبقاء في وضعية “NEET” نتيجة عوامل اجتماعية وأسرية إضافية.

    ويتمثل الانقطاع الثالث في عدم استقرار المسار المهني، إذ يفقد عدد من الشباب وظائفهم أو يغادرونها بحثا عن ظروف عمل أفضل، في ظل ضعف الأجور، وعدم احترام شروط العمل اللائق، مما يؤدي إلى عودتهم مجددا إلى دائرة البطالة.

    وتبرز هذه الانقطاعات أن إدماج شباب “NEET” لا يقتصر على توفير فرص الشغل، بل يطرح تحديات مرتبطة بفعالية السياسات العمومية وقدرتها على مواكبة هذه الفئة في مختلف مراحل الإدماج.

    وفي هذا الصدد، أشارت كريمة غانم، خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي، في تصريح خصّت به جريدة “AM+ MEDIA”، إلى أن مكامن الخلل تتمثل في ثلاثة مستويات أساسية.

    أولها، حسب غانم، غياب منظومة فعالة للإنذار المبكر تربط المدرسة بالأسرة والمجتمع المدني وجمعيات أمهات وآباء التلاميذ، إذ تسبق الهدر المدرسي مؤشرات مثل التعثر والغياب وفقدان الدافعية، يمكن رصدها والتدخل بشأنها مبكرا.

    غير أن ضعف التنسيق يجعل تدخلات مختلف الأطراف متفرقة، فتتدخل المدرسة بعد وقوع الانقطاع، بينما تظل الأسر محدودة القدرة على المواكبة، وتبقى مبادرات المجتمع المدني محدودة الارتباط بالمنظومة العمومية، تؤكد المصرحة ذاتها.

    فيما يتعلق المستوى الثاني باستمرار منطق التدخل القطاعي والمجزأ، مما يجعل الشاب الذي يغادر المدرسة عرضة للوقوع في فراغ مؤسساتي، دون أن يجد مسارا بديلا واضحا ومهيكلا.

    أما المستوى الثالث، فتوضح خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي أنه يرتبط بضعف معالجة الأبعاد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالظاهرة، فمع كون النساء يمثلن النسبة الأكبر من شباب “NEET”، فإن الإشكال يتجاوز غياب فرص التشغيل ليشمل عوائق مرتبطة بالتمثلات الاجتماعية حول أدوار المرأة، إلى جانب محدودية بنيات الرعاية الاجتماعية التي تمكن الشابات من التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمسار المهني، وهي تحديات لا يمكن لبرنامج تشغيل بمفرده معالجتها.

    وتخلص غانم إلى أن الرهان لا يكمن في إطلاق المزيد من البرامج بقدر ما يتمثل في بناء منظومة إدماج مندمجة تضع الشاب في صلبها، وتنسق بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية ضمن مسار واحد ومتصل، بما يحول دون سقوط الشباب في الفجوات الناتجة عن ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين.

    كيف تراهن الحكومة على إدماج شباب “NEET“؟

    اتجهت الحكومة الحالية إلى اعتماد مقاربة متعددة القطاعات لإعادة إدماج شباب “NEET”، تقوم على التدخل في مختلف مراحل مسارهم، بدءا من الحد من الهدر المدرسي، مرورا بالتأهيل والتكوين، وصولا إلى تسهيل الولوج إلى سوق الشغل، بانخراط عدة قطاعات حكومية.

    وقامت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتعزيز مدارس الفرصة الثانية – الجيل الجديد، التي تستهدف الشباب المنقطعين عن الدراسة، إذ توفر التأهيل التربوي والتكوين المهني والمواكبة قصد الإدماج الاجتماعي والمهني.

    وعززت الوزارة هذا البرنامج سنة 2025 عبر توقيع اتفاقيات مع 22 جمعية لتدبير مراكز جديدة لفائدة 1760 مستفيداً.

    وانخرط المغرب أيضا في مشروع “Youth NEET”، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية، بهدف تطوير نموذج الفرصة الثانية، وتحسين قابلية تشغيل الشباب وتعزيز التنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين.

    ومن جهتها، أطلقت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات برنامج “تدرج”، الذي يعتمد على التكوين داخل المقاولة لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات، بهدف تمكينهم من اكتساب مهارات عملية تتلاءم مع حاجيات سوق الشغل، إلى جانب برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات” الذي وسع لأول مرة برامج الإدماج لتشمل هذه الفئة، بعدما كانت موجهة أساسا لحاملي الشهادات.

    أما وزارة الشباب والثقافة والتواصل، فقد ركزت على تنمية المهارات وتعزيز الإدماج الاجتماعي من خلال برنامج “جواز الشباب”، الذي يتيح للشباب الولوج إلى خدمات وفرص في مجالات التكوين والثقافة والتنقل والتشغيل، إضافة إلى البرنامج الوطني للتطوع “متطوع”، الذي يهدف إلى تطوير المهارات الحياتية وتعزيز المشاركة المواطنة، بما يرفع من قابلية الشباب للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتمثل هذه البرامج تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني أساسا بالشهادة. فجزء كبير من شباب “NEET” غير حاصل على مؤهلات رسمية أو غادر الدراسة مبكرا وبالتالي كان خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    وفي تعليقه على هذه البرامج، يرى الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، أنها تمثل تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني بالحصول على شهادة، في حين أن جزءا كبيرا من شباب “NEET” غادروا الدراسة مبكرا أو لا يتوفرون على مؤهلات تعليمية، مما جعلهم خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    ويضيف أن برنامج “تدرج” يقوم على الربط بين التكوين النظري والتعلم داخل المقاولة، بما يسمح للشباب باكتساب كفاءات مهنية من خلال الممارسة، وليس فقط عبر الشهادات. ويبرز في هذا السياق أن وزارة الشباب أطلقت لقاءات جهوية لتنزيل البرنامج في إطار شراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي ووزارة الاقتصاد والمالية، فيما أعلنت الحكومة أن نظام التدرج المهني وفر خلال شهري غشت وشتنبر 2025 نحو 39 ألف فرصة عمل لدى 12 ألف مقاولة.

    أما برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات”، فيعتبره الباحث خطوة مهمة لأنه يتيح لهذه الفئة اكتساب أول تجربة مهنية داخل المقاولة في إطار مواكبة مهيكلة، وهو ما يعكس اعترافا بأن غياب الشهادة لا يعني غياب الكفاءة أو القدرة على التعلم.

    ويؤكد المتحدث أن مبادرات وزارة الشباب تكتسي بدورها أهمية خاصة، بالنظر إلى القرب الترابي والاجتماعي الذي تتمتع به دور الشباب والمؤسسات التابعة للقطاع، وهو ما يؤهلها للانتقال من مجرد فضاءات للأنشطة التربوية والترفيهية إلى منصات للتوجيه والتكوين الرقمي والمقاولاتية وربط الشباب بفرص التشغيل.

    ويبرز أن برامج الوزارة برسم سنة 2026 تتجه نحو تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي عبر التكوين، والتشغيل الذاتي، والمقاولاتية، إلى جانب تشجيع المشاركة المواطنة والعمل التطوعي.

    وخلص المتحدث إلى أن نجاح هذه المبادرات، لا يقاس بحجم المستفيدين أو عدد الدورات التكوينية المنجزة، بقدر ما يقاس بقدرتها على إحداث أثر فعلي ومستدام في حياة الشباب، من خلال انتقالهم إلى فرص شغل مستقرة وتحسن أوضاعهم الاجتماعية والمهنية بعد أشهر أو سنة من انتهاء الاستفادة

    ومن جهتها، أفادت كريمة غانم أن نجاح هذه البرامج لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المستفيدين أو الدورات التكوينية المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق إدماج مستدام، فالمؤشر الحقيقي، وفقها، يتمثل في قدرة المستفيد على الحصول على عمل لائق، أو مواصلة مسار تكويني تراكمي، أو إنشاء مشروع قابل للاستمرار بعد انتهاء البرنامج.

    وشددت غانم على أهمية تقييم جودة فرص الشغل، ومستوى الاستقرار المهني، ومدى توافق الوظائف مع مؤهلات الشباب وتطلعاتهم، مشيرة إلى أن 14 بالمئة فقط من الباحثين عن شغل المسجلين حديثا لدى أنابيك يستفيدون فعليا من خدماتها، وهو ما دفع الحكومة إلى إطلاق إصلاح شامل للوكالة.

    وتطرح هذه المعطيات، بحسب المتحدثة، سؤالا أكبر حول وضعية شباب “NEET” الذين لا يصلون أصلا إلى خدمات التسجيل.

    دور المجتمع المدني

    يساهم المجتمع المدني في نجاح برامج إدماج شباب “NEET” على تدخل القطاعات الحكومية، بل يظل رهينا أيضا بانخراط مختلف الفاعلين، باعتباره شريكا أساسيا في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة ومواكبتها نحو مسارات التكوين والإدماج.

    وفي هذا السياق، أكد ياسين إيصبويا أن المجتمع المدني يمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى الشباب في أماكن وجودهم وبناء الثقة معهم، خاصة أولئك الذين لا يسجلون في الوكالات العمومية أو لا يعتبرون أنفسهم مؤهلين للاستفادة من البرامج.

    وأضاف أن الجمعيات المحلية يمكن أن تضطلع بأدوار الرصد الميداني، والتوجيه، وتنمية المهارات، وربط الشباب بمؤسسات التكوين والتشغيل، باعتبارها تمثل الجسر الذي ينقلهم من العزلة والإحباط إلى الاستفادة الفعلية من البرامج.

    لكن حتى ينجح هذا الدور ينبغي الانتقال من شراكات ظرفية قائمة على تنظيم أنشطة متفرقة إلى تعاقدات ترابية متعددة السنوات تحدد الفئات المستهدفة والنتائج المنتظرة وآليات التتبع، كما ينبغي تمكين الجمعيات المعتمدة مع احترام حماية المعطيات الشخصية من المساهمة في بناء قواعد بيانات ترابية محدثة حول الشباب المنقطعين أو غير النشطين، وفق المتحدث عينه.

    تحديات التنزيل الفعلي

    تعكس المؤشرات الأخيرة بداية تحسن في وضعية شباب “NEET”، إذ انخفضت نسبتهم من 24.4 سنة 2024 إلى 23.2 سنة 2025، أي بتراجع بلغ 1.2 نقطة مئوية، وهو ما يعادل نحو 1.375 مليون شاب وشابة، لتسجل البرامج الجديدة أولى نتائجها، خاصة بعد توسيع الاستفادة لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، في محاولة لتجاوز محدودية المقاربات السابقة.

    ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التحديات ما تزال قائمة، بالنظر إلى استمرار الهدر المدرسي، وارتفاع نسبة البطالة، وضعف الملاءمة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، فضلا عن استمرار الفوارق المجالية والنوعية، خصوصا بالنسبة للنساء وسكان العالم القروي.

    لذلك، ترى كريمة غانم أن تعدد المبادرات والجهود لا يمنعنا من تسليط الضوء على تحديات هيكلية تحد من فعاليتها، في مقدمتها استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة، وإشكاليات تتعلق بالتنسيق الناجع بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    وأضافت غانم، في تصريحها، أن تعدد المبادرات والجهود لا يلغي استمرار تحديات هيكلية، في مقدمتها معدلات الهدر المدرسي، وإشكالية التنسيق بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    كما تبرز، وفق المتحدثة، أهمية البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي، إذ تشير معطيات التقرير المشترك للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي إلى أن 72 بالمئة من شباب “NEET” في المغرب هم من الإناث، وأن 82 بالمئة من هؤلاء يُصنَّفن ربات بيوت.

    ولا يعكس هذا المعطى مجرد تفاوت إحصائي، بل يكشف عن عوائق هيكلية مرتبطة بصعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والحياة المهنية، واستمرار أنماط ثقافية تحد من المشاركة الاقتصادية للنساء.

    ومن جهته، أشار ياسين إيصبويا، إلى أنه ينبغي قراءة هذا التراجع بنوع من الحذر، فهو مؤشر إيجابي لكنه لا يعني أننا تجاوزنا الطابع البنيوي للظاهرة. فبحسب دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل شباب “NEET” من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة من 35 بالمئة سنة 2017 إلى 33.6 بالمئة سنة 2023، لكنه ارتفع قليلا مقارنة بسنة 2022 التي سجلت 33 بالمئة. وهذا يعني أن جزءا من التحسن ارتبط باستعادة النشاط الاقتصادي بعد الجائحة بينما بقي المعدل شبه مستقر في السنوات الأخيرة. 

    وفي هذا السياق، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمقاربة دامجة لمعالجة ظاهرة شباب “NEET” وتسريع إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، تقوم على تعزيز رصد وتتبع أوضاعهم والفئات الهشة من الشباب، واعتماد تدابير وقائية تحول دون وقوعهم في وضعية “NEET”، إلى جانب إرساء منظومة موسعة للاستقبال والتوجيه تراعي اختلاف وضعياتهم.

    كما دعا المجلس إلى الارتقاء بخدمات وبرامج الإدماج من حيث العرض والجودة والفعالية، وتعزيز حكامة هذه البرامج عبر تحقيق التقائية وتكامل التدخلات وضمان التنسيق المستمر بين مختلف الفاعلين المعنيين.

     إدماج شباب NEET.. أولويات السياسات العمومية المقبلة

    وأمام استمرار هذه التحديات، يبرز السؤال حول الأولويات التي ينبغي أن توجه السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى مسارات إدماج أكثر استدامة، تراعي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، فضلا عن الاختلافات المجالية والاجتماعية داخل فئة شباب NEET.

    وفي هذا الإطار، أكدت كريمة غانم أن المرحلة المقبلة تتطلب نقلة نوعية من منطق البرامج المتفرقة إلى سياسة عمومية مندمجة واستشرافية تضع الشباب في صلب التنمية وتستحضر التحولات التكنولوجية.

    وحددت في هذا السياق خمس أولويات مترابطة، تبدأ بإعادة هندسة منظومة التعليم والتكوين بما يواكب اقتصاد المعرفة، من خلال الحد من الهدر المدرسي، وتعزيز الكفايات الرقمية والمهارات الناعمة، وتحديث التكوين المهني بما يستجيب لحاجيات القطاعات الواعدة، كصناعة السيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي.

    وتتمثل الأولوية الثانية في بناء جسور بين التحول الرقمي وإدماج شباب “NEET”، عبر تطوير كفايات رقمية قابلة للتوظيف وضمان وصولها إلى الوسط القروي والمناطق الهشة.

    أما ثالث الأولويات فتتمثل في معالجة البعد الجندري بشكل هيكلي، من خلال معالجة عوائق الرعاية الاجتماعية والحضانة ومرونة ظروف العمل، فيما تتعلق الأولوية الرابعة باعتماد مقاربة ترابية مُكيَّفة لأن التفاوتات بين الجهات تفرض سياسات محلية تراعي النسيج الاقتصادي والاجتماعي لكل جهة، بدلاً من سياسة وطنية موحدة.

    وأضافت غانم، أن الأولوية الخامسة تتجلى في ضرورة بناء منظومة استشرافية لتتبع المستفيدين وقياس أثر البرامج، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد إدماج مؤقت يحسن المؤشرات، بل بناء مسارات مهنية واجتماعية مستدامة.

    أما الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، فيضع البعد الترابي في صلب الأولويات، معتبرا أن البداية يجب أن تكون من الوقاية من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” عبر الحد من الهدر المدرسي، إذ شدد على ضرورة الحذر من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” من خلال الحد من الهدر المدرسي وتعزيز مدارس الفرصة الثانية وتطوير منظومة التوجيه الدراسي والمهني، وربطها بحاجيات سوق الشغل ومهن المستقبل.

    وأضاف المتحدث أنه من الضروري إرساء سياسات جهوية للشباب ضمن المخططات الجهوية للتنمية، باعتبار أن الظاهرة تختلف من جهة إلى أخرى ومن الوسط الحضري إلى القروي، بل حتى بين أقاليم الجهة نفسها.

    ولذلك، يدعو إلى إدراج محور خاص بالشباب ضمن هذه المخططات، بأهداف ومؤشرات وميزانيات واضحة، مع إشراك مجالس الجهات والجماعات الترابية والمقاولات والجامعات ومؤسسات التكوين والمجتمع المدني.

    كما اقترح إحداث مرصد جهوي للشباب بكل جهة، لتوفير معطيات دقيقة ومحيّنة تساعد على توجيه البرامج والاستثمارات وفق الحاجيات الفعلية لكل مجال ترابي، إلى جانب الانتقال من البرامج القطاعية إلى سياسة عمومية مندمجة تنسق بين التربية والتكوين والتشغيل والشباب والاستثمار والتضامن.

    ويضيف أن الاستثمار في الاقتصاد الجديد ومهن المستقبل، من خلال توسيع التكوين في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والصناعات الثقافية والإبداعية، ينبغي أن يواكبه دعم ريادة الأعمال والمقاولات الشبابية، وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني للوصول إلى الشباب الأكثر هشاشة ومواكبتهم.

     ويخلص إلى أن محاربة ظاهرة “NEET” لا ينبغي أن تعتمد على برامج وطنية موحدة فقط، بل على سياسات ترابية تجعل كل جهة مسؤولة عن إدماج شبابها ضمن رؤية تنموية شاملة، وبمؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.

  • التحول الرقمي.. حصيلة خمس سنوات من إصلاح الإدارة المغربية

    التحول الرقمي.. حصيلة خمس سنوات من إصلاح الإدارة المغربية

    لم يعد التحول الرقمي في المغرب مجرد ورش تقني يرتبط بإطلاق منصات إلكترونية أو رقمنة بعض الوثائق، بل أصبح مدخلا لإعادة بناء علاقة المواطن بالإدارة، وتحسين جاذبية الاقتصاد، ورفع نجاعة المرفق العمومي، وتعزيز قدرة الدولة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

    ومنذ سنة 2021، انتقل هذا الورش إلى صدارة الأولويات الحكومية، في سياق كانت فيه الإدارة المغربية تتوفر على مكتسبات رقمية مهمة، لكنها ظلت موزعة بين قطاعات ومؤسسات مختلفة، دون أن تنعكس دائما بالوضوح نفسه على تجربة المرتفق، فقد استمرت شكاوى المواطنين من تعدد الوثائق، وتكرار الإدلاء بالمعطيات نفسها، والتنقل بين الإدارات، في وقت كانت فيه الفوارق الرقمية والمجالية تحد من استفادة مختلف الفئات من الخدمات المتاحة عن بعد.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، أطلقت استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، ووسعت عدد الخدمات والمساطر الرقمية، كما تم تعزيز التشغيل البيني بين الإدارات، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات والبنيات التحتية والمقاولات الناشئة والذكاء الاصطناعي.

    وتحققت، وفق معطيات وزارة الانتقال الرقمي، نتائج ملموسة في عدد من الخدمات التي تقلصت آجالها ووثائقها، مقابل استمرار صعوبات مرتبطة بتشتت المنصات، وضعف التكامل بين بعض الأنظمة، واستمرار الجمع بين المسار الرقمي والورقي داخل عدد من الإدارات.

    وتطرح حصيلة السنوات الخمس الأخيرة سؤالا يتجاوز عدد المنصات والمشاريع المعلنة إلى سؤال إلى أي حد نجح المغرب في الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى إعادة هندسة الإدارة؟ وهل اقترب فعلا من بناء مرفق عمومي متكامل، آمن ومنصف مجاليا، يخفف الكلفة والزمن عن المواطن، ويجعل من الرقمنة رافعة للثقة والتنمية والسيادة الرقمية؟

    المغرب الرقمي قبل 2021.. مكتسبات بأثر محدود

    عند بداية الولاية الحكومية 2021-2026، لم يكن المغرب ينطلق من نقطة الصفر في مجال التحول الرقمي، فقد سبق للمملكة أن أطلقت عدة استراتيجيات رقمية متعاقبة، من أبرزها “المغرب الرقمي 2013” و”المغرب الرقمي 2020″، كما راكمت تجربة مهمة في تعميم الربط بالإنترنت عبر الشبكات المتنقلة، وأرست ترسانة قانونية وتنظيمية شملت قوانين حماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني وخدمات الثقة الرقمية وتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.

    وبدورها شهدت بعض القطاعات العمومية خطوات مهمة في مجال الرقمنة، خصوصا في مجالات الضرائب والجمارك والعدالة والحالة المدنية والتعمير، إلى جانب بروز المغرب كفاعل معترف به في قطاع ترحيل الخدمات.

    غير أن هذه المكتسبات لم تكن كافية لإحداث تحول رقمي شامل، إذ ظلت الجهود المبذولة متفرقة وغير قادرة على إرساء منظومة رقمية مندمجة تنعكس بشكل ملموس على علاقة المواطن بالإدارة.

    وأظهر التشخيص الذي أنجزته وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن المغرب كان يواجه عددا من التحديات البنيوية، في مقدمتها الخصاص في الكفاءات الرقمية، إذ لم يتجاوز عدد خريجي الشعب والمسارات الرقمية 8000 خريج سنويا، وهو رقم اعتُبر غير كاف لمواكبة الطلب المتزايد على المهارات الرقمية.

    واستمرت، وفق حصيلة الوزارة، الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات والبنيات التحتية الرقمية، حيث كانت بعض المناطق القروية والجبلية والنائية تعاني من ضعف التغطية بشبكات الاتصال والإنترنت، فضلا عن استمرار التفاوت في الاستفادة من الكفاءات والخدمات الرقمية بين مختلف الجهات والفئات السكانية، الأمر الذي حدّ من تحقيق إدماج رقمي شامل ومتوازن.

    واتسمت رقمنة الإدارة بطابع مجزأ، إذ عملت كل إدارة على تطوير خدماتها الرقمية بشكل منفصل، دون وجود تكامل كاف بين الأنظمة المعلوماتية أو مسارات موحدة تتيح للمواطن إنجاز إجراءاته الإدارية دون الحاجة إلى التنقل أو إعادة الإدلاء بالوثائق نفسها، كما ساهم غياب التنسيق المؤسسي والأجرأة المشتركة بين مختلف الإدارات في إضعاف فعالية هذه المبادرات والحد من أثرها على جودة الخدمات العمومية.

    وفي جانب آخر، كشفت جائحة كوفيد-19 بدورها حدود النموذج الرقمي القائم آنذاك، بعدما أبرز التشخيص الحاجة إلى إدارة أكثر مرونة وقدرة على ضمان استمرارية خدماتها عن بعد، لذلك، لم يكن الرهان المطروح سنة 2021 يتمثل فقط في إطلاق مشاريع رقمية جديدة، بل في الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى بناء منظومة رقمية مندمجة ومتماسكة، قادرة على إحداث تحول حقيقي في علاقة المواطن بالإدارة وتحسين جودة الخدمات العمومية.

    نحو تسريع التحول الرقمي وإصلاح الإدارة

    وانطلاقا من حصيلة الوزارة الوصية على القطاع، فقد تركزت الجهود، خلال الفترة الممتدة ما بين 2021 و2026، على إرساء تحول رقمي شامل يجعل من الرقمنة رافعة لتحديث الإدارة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    وتمحورت أهداف هذا الإصلاح حول تسريع رقمنة الخدمات العمومية وتحسين جودة المرفق العام، من خلال تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية وتقليص عدد الوثائق المطلوبة والتنقل بين الإدارات الذي يثقل كاهل المواطنين.

    واستهدفت الوزارة أيضا تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات العمومية بما يسمح بتبادل المعطيات بشكل آمن وفعال، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية والرقمية وضمان ولوج أوسع إلى الخدمات الرقمية لفائدة مختلف الفئات والجهات.

    وشملت هذه الأهداف أيضا تطوير الكفاءات والمهارات الرقمية الوطنية، وتعزيز السيادة الرقمية والأمن السيبراني، وجعل الرقمنة أداة لدعم التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمار.

    وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة إلى تهيئة المغرب لمواكبة التحولات المتسارعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، بما يمكنه من التموقع كفاعل رقمي إقليمي قادر على الاستفادة من الفرص التي تتيحها الثورة التكنولوجية الجديدة.

    وفي هذا السياق، يعتبر حسن خرجوج، خبير في الأمن السيبراني والتطور المعلوماتي، أن ورش الانتقال الرقمي شكل أحد أبرز الأوراش التي حققت فيها الحكومة حصيلة إيجابية خلال الولاية الحكومية الحالية.

    وأبرز خرجوج أن تدبير القطاع اتسم بالاستمرارية المؤسساتية بين مرحلة الوزيرة السابقة غيثة مزور والمرحلة الحالية بقيادة الوزيرة أمل الفلاح السغروشني، مشددا على أن هذه الاستمرارية ساهمت في نقل النقاش من مجرد رقمنة بعض الخدمات والوثائق المتفرقة إلى تبني رؤية أكثر شمولا للتحول الرقمي، تشمل الإدارة الرقمية، والهوية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والمقاولات الناشئة، فضلا عن تعزيز السيادة الرقمية على البيانات.

    من التشخيص إلى الإصلاح

    وأمام محدودية أثر الاستراتيجيات السابقة وتشتت المبادرات الرقمية، تبنت وزارة الانتقال الرقمي، منذ سنة 2021، مقاربة جديدة تقوم على تعزيز التكامل بين الإدارات، وتبسيط المساطر، وتطوير البنيات التحتية والكفاءات الرقمية، وهو ما تُوج بإطلاق الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030” باعتبارها الإطار المرجعي للتحول الرقمي بالمملكة.

    هذه الاستراتيجية تجسد الانتقال إلى رؤية شاملة تعتبر الرقمنة رافعة مركزية لتعزيز التنافسية الاقتصادية، وترسيخ السيادة الرقمية، وتوسيع الإدماج الرقمي، وتسريع إصلاح الإدارة وتحديث المرفق العمومي، وفق الحصيلة الوزارية.

    وقد انطلقت الأجرأة العملية لهذه الاستراتيجية ابتداء من شهر نونبر 2024، قبل أن تتعزز ديناميتها بإطلاق خارطة الطريق “المغرب للذكاء الاصطناعي 2030″، ومبادرة “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب”.

    وحددت الاستراتيجية مجموعة من الأهداف في أفق سنة 2030، من بينها تكوين 100 ألف كفاءة رقمية سنويا، وإحداث 240 ألف منصب شغل مباشر في الاقتصاد الرقمي، ورفع المساهمة الإضافية للقطاع بأكثر من 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام، إلى جانب تطوير منظومة الشركات الناشئة عبر إحداث 3000 مقاولة ناشئة، فضلا عن توسيع تغطية شبكات الجيل الخامس لتشمل 70 في المئة من السكان، وربط نحو 5.6 ملايين منزل بشبكة الألياف البصرية “FTTH”.

    وفي قراءته لحصيلة الولاية الحكومية الحالية، يعتبر خرجوج أن ورش التحول الرقمي شهد خلال السنوات الأخيرة نفسا استراتيجيا واستمرارية مؤسساتية، مكنت من الانتقال من منطق المبادرات التقنية المتفرقة إلى بناء مشروع وطني ذي أبعاد اقتصادية وإدارية أوسع، إلا أن التحدي الحقيقي في رأيه يتمثل في تحويل هذه الرؤية الاستراتيجية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، من خلال تقليص التعقيدات الإدارية وتحقيق انتقال فعلي نحو إدارة رقمية متكاملة، وليس الاكتفاء بتوسيع عدد المنصات والخدمات الإلكترونية.

    من الرقمنة إلى إعادة هندسة المرفق العمومي

    لتنزيل هذه الرؤية، اعتمدت الوزارة مقاربة نسقية ومندمجة، تجمع بين تحديث الإطار القانوني، من خلال القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والقانون رقم 04.20 المتعلق بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، ومشروع القانون المتعلق بالإدارة الرقمية X.0، ومشروع قانون المقاولات الناشئة؛ وبين إرساء حكامة مخصصة، عبر اللجنة الوطنية لقيادة الاستراتيجية الرقمية؛ فضلا عن بناء شراكات عمومية وخاصة مهيكلة مع فاعلين وطنيين ودوليين، مع تنزيل ترابي يغطي الجهات الـ12 للمملكة.

    وعلى مستوى إصلاح الإدارة، تم تسريع رقمنة الخدمات العمومية وتبسيط عدد من المساطر ذات الاستعمال الواسع، فقد توسعت بوابة “إدارتي” لتشمل أكثر من 2458 مسطرة إدارية سنة 2026 تغطي أكثر من 120 إدارة، و600 خدمة رقمية.

    وتم الاستغناء عن الوثائق الورقية في عدد من الخدمات، مثل التسجيل لاجتياز امتحان البكالوريا بصفة مترشح حر، والتسجيل الأولي في المدارس، بفضل تعزيز قابلية التشغيل البيني مع السجل الوطني للسكان.

    كما انتقلت الوزارة، مقارنة بسنة 2021، إلى مستوى أكثر تقدما في مسار الرقمنة، وفق ما تؤكده حصيلة الولاية الحالية، من خلال تعميم منصات رقمية مشتركة، من قبيل مكتب الضبط الرقمي، والحقيبة الإلكترونية للوثائق، ومنصة الشكايات “Chikaya.ma”، والمنصة الوطنية لأخذ المواعيد.

    وانعكست هذه الجهود على عدد من المؤشرات الدولية، إذ تقدم المغرب في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية بـ11 رتبة بين سنتي 2022 و2024، منتقلا من المرتبة 101 إلى المرتبة 90 عالميا، في مؤشر على تسارع وتيرة إصلاح الإدارة ورقمنة الخدمات العمومية.

    أي أثر على المواطن؟

    تشير حصيلة عمل وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة برسم الولاية الحكومية 2021-2026، إلى أن عددا من الخدمات الإدارية أصبح يُنجز اليوم في آجال أقصر وبإجراءات أقل تعقيدا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات.

    ووفق المعطيات التي تحصلت عليها “AM+ MEDIA”، فقد مكنت رقمنة عدد من المساطر من تقليص الوثائق المطلوبة والحد من تنقل المرتفقين بين الإدارات، فيما ساهمت منصات رقمية، من قبيل “إدارتي” و”Chikaya.ma” والمنصة الوطنية لأخذ المواعيد، في تسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية وتعزيز التفاعل مع المرفق الإداري.

    ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك، رقمنة مسطرة اجتياز امتحان البكالوريا بصفة مترشح حر، حيث تم الاستغناء بشكل كامل عن الوثائق الورقية، مع تقليص مدة معالجة الطلب من يومين إلى حوالي عشر دقائق فقط.

    ومكن إطلاق خدمة التسجيل الأولي بالمدارس من تقليص عدد الوثائق المطلوبة من خمس وثائق إلى صفر وثيقة، والحد من التنقلات الإدارية.

    وامتد هذا التبسيط ليشمل المجال الاقتصادي، إذ تم تقليص الوثائق المطلوبة في عدد من مساطر الاستثمار بنسبة 45 في المئة، مع تنزيل هذه المساطر على مستوى الجهات الـ12 للمملكة عبر منصة “CRI-INVEST”.

    وعملت الوزارة، وفق المصدر ذاته، على الانتقال من رقمنة الخدمات بشكل منفصل إلى تطوير منصات رقمية مشتركة وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات، بما يسمح بتبادل المعطيات والحد من مطالبة المواطنين بالإدلاء المتكرر بالوثائق نفسها، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية للانتقال نحو إدارة أقل اعتمادا على الوثائق الورقية.

    بين رقمنة المساطر وإعادة هندسة الإدارة

    وفي تقييم لأثر هذه الإصلاحات على المواطن، يبرز الطيب هزاز، خبير في الأمن السيبراني، أن الإدارة المغربية حققت خطوة مهمة في مجال رقمنة الخدمات، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة إعادة هندسة الخدمات العمومية بشكل كامل.

    ويرى هزاز أن هناك بعض المساطر ما تزال تعاني مما وصفه بـ”رقمنة التعقيد”، من خلال نقل الإجراءات الورقية إلى منصات رقمية دون تبسيط حقيقي للمساطر أو اعتماد مبدأ “مرة واحدة فقط” في الإدلاء بالمعلومة، مضيفا “على سبيل المثال، ما يزال المواطن في بعض الخدمات مطالبا بإدخال نفس المعطيات في عدة منصات مختلفة، بسبب غياب التكامل بين قواعد البيانات الإدارية”.

    فرغم التقدم المسجل، فإن التحسن في علاقة المواطن بالإدارة لم يبلغ بعد المستوى نفسه في مختلف المرافق العمومية، الأمر الذي يؤكده حسن خرجوج، إذ يشير إلى أن الرقمنة ساهمت في تعزيز ثقة المواطن في الإدارة عندما وفرت خدمات أكثر سرعة ووضوحا، ومكنت المرتفق من تتبع طلباته وخففت من أعباء التنقل والانتظار.

    غير أن هذه الثقة، وفق المصرح عينه، تبقى نسبية، لأن المواطن يقيم نجاح الرقمنة انطلاقاً من تجربته اليومية، وليس بناءً على عدد المنصات التي يتم إطلاقها، فكلما تعددت البوابات الرقمية أو تعطلت الخدمات أو غابت المساعدة التقنية، تحولت الرقمنة من وسيلة للتبسيط إلى مصدر جديد للتعقيد.

    وفي سياق تعزيز شمولية المرفق العمومي، امتدت هذه الإصلاحات لتشمل البعد اللغوي، حيث اتخذت الحكومة خطوات تروم تعزيز ولوج المواطنين الناطقين بالأمازيغية إلى الخدمات العمومية. فقد جرى توسيع حضور اللغة الأمازيغية في خدمات الاستقبال والتوجيه، وفي عدد من المواقع الإلكترونية والفضاءات الإدارية والتواصل المؤسساتي، بما من شأنه أن يسهم في تحسين تجربة المواطن وتيسير فهم المساطر والإجراءات الإدارية، وتعزيز مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية.

    هل اقترب المغرب من “صفر ورقة”؟

    تكشف القراءة الشمولية لحصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة خلال الفترة ما بين 2021 و2026 عن تحول تدريجي في مقاربة الدولة للرقمنة، إذ انتقلت من منطق المبادرات القطاعية المتفرقة إلى بناء منظومة رقمية أكثر تكاملاً تشمل البنيات التحتية، والكفاءات، والإطار القانوني، والإدارة العمومية، والمنظومة المقاولاتية.

    وعلى مستوى الرأسمال البشري، عرف المغرب ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الطلبة المسجلين في التخصصات الرقمية، إلى جانب إحداث مؤسسات تكوينية جديدة متخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقمنة.

    أما على مستوى البنيات التحتية، فقد شهدت المملكة توسيع تغطية شبكات الاتصال عالية الصبيب، والشروع في نشر الجيل الخامس، فضلاً عن تطوير مراكز المعطيات والحوسبة السحابية وتعزيز منظومة الأمن السيبراني.

    وعلى مستوى الإدارة العمومية، ساهمت رقمنة عدد من المساطر والخدمات في تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص الاعتماد على الوثائق الورقية، فيما أتاح تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات الحد من مطالبة المواطنين بالإدلاء المتكرر بالوثائق نفسها، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية للانتقال نحو إدارة رقمية أكثر تكاملاً.

    غير أن بلوغ هدف “صفر ورقة” لا يزال يواجه عدداً من التحديات، إذ يرى الطيب هزاز أن الحديث عن تحقيق هذا الهدف بشكل كامل لا يزال سابقاً لأوانه، مبرزاً أن ما يعيشه المغرب حالياً هو نموذج “الإدارة المزدوجة”، حيث ما تزال الإدارة تجمع بين المساطر الرقمية والورقية في الوقت نفسه.

    ويعزو ذلك إلى تجزؤ الأنظمة المعلوماتية، واستمرار اعتماد بعض الإدارات على الوثائق الورقية لأغراض التحقق القانوني، فضلاً عن مقاومة التغيير داخل بعض الإدارات العمومية.

    خارطة طريق تراهن على المستقبل

    وفي أفق سنة 2030، تراهن المملكة على الانتقال إلى مرحلة التوطيد والتعميم، من خلال استكمال رقمنة الخدمات العمومية، وتوسيع شبكات الجيل الخامس والألياف البصرية، وتكوين 100 ألف كفاءة رقمية سنوياً، وإحداث 240 ألف منصب شغل مباشر في الاقتصاد الرقمي، بما يعزز مكانة التحول الرقمي كرافعة للتنمية الاقتصادية والإدارية.

    وفي تقدير حسن خرجوج، يمتلك المغرب اليوم مؤهلات مهمة لتحقيق أهداف “المغرب الرقمي 2030″، بفضل توفره على كفاءات شابة، وقطاع متطور لترحيل الخدمات، وبنيات تحتية متنامية في مجالات الاتصالات والحوسبة، إلى جانب بروز منظومة من الجامعات والمقاولات الناشئة، فضلاً عن وجود إرادة سياسية واضحة لدفع ورش التحول الرقمي.

    كما أن توجه المغرب نحو تطوير مراكز البيانات السيادية، والحوسبة السحابية، وتوسيع شبكات الألياف البصرية، والاستثمار في تكوين الكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يعزز هذا المسار خلال السنوات المقبلة، غير أنه يشدد على أن التحدي الحقيقي لا يزال يتمثل في القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية، وتقليص الفجوة الرقمية بين المدن والقرى، وتعزيز حماية المعطيات الشخصية، وتوحيد المعايير الرقمية بين مختلف الإدارات العمومية.

    وفيما يتعلق بالأولويات التي ينبغي التركيز عليها خلال الفترة 2026-2030، يؤكد أنس أبو الكلام، رئيس مختبر البحث العلمي للتقنية الذكية والمستدامة ورئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية، أن الرهان الأساسي يتمثل أولاً في الاستثمار في العنصر البشري، سواء من خلال تعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين والمرتفقين، أو عبر مواكبة الموظفين والمستخدمين للتطورات المتسارعة المرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    ومن بين الأولويات الأخرى، يبرز المتحدث ضرورة تطوير الكفاءات الرقمية عبر إدماج مهارات الرقمنة والذكاء الاصطناعي في منظومة التعليم والتكوين المستمر، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني والسيادة الرقمية لحماية المعطيات الشخصية والبنيات التحتية الحساسة، من خلال اعتماد استراتيجيات فعالة وتقييم مستمر لمستوى جاهزية الإدارات والمؤسسات.

    ويؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات الحديثة أصبح ضرورة ملحة لبناء إدارة أكثر استباقية وكفاءة، تقوم على حكامة مسؤولة وأخلاقية لهذه التقنيات.

    ويخلص أبو الكلام إلى أن التحدي خلال السنوات المقبلة لم يعد يقتصر على رقمنة الخدمات، بل يتمثل في بناء إدارة ذكية ومتكاملة وآمنة، يكون أثرها ملموساً في الحياة اليومية للمواطن، وتجعل من الرقمنة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الثقة في المرفق العمومي.

  • كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    يظل ملف التشغيل أحد أكثر الملفات تعقيدا في أي حصيلة حكومية، كونه المجال الذي تختبر فيه السياسات العمومية قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، وجد المغرب نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، فرضتها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والاضطرابات الجيوسياسية، إلى جانب سنوات الجفاف المتتالية وزلزال الحوز والفيضانات التي ضربت العديد من المدن المغربية، وهي عوامل ألقت بظلالها على دينامية سوق الشغل ورفعت منسوب الانتظارات بشأن قدرة الحكومة على الحد من البطالة وتحفيز الإدماج المهني.

    وفي مواجهة هذه الإكراهات، راهنت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات على حزمة من البرامج والإصلاحات الرامية إلى تنشيط سوق الشغل، وتعزيز قابلية التشغيل، وتوسيع فرص التكوين والإدماج المهني، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب والنساء.

    سوق شغل هش عند بداية الولاية

    “كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب تتالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي”، يؤكد محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير المرصد للعمل الحكومي.

    وبالعودة إلى آخر أشهر في الولاية الحكومية السابقة، تكشف معطيات 2021، استنادا إلى مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط، أن الحكومة الحالية تسلمت ملف التشغيل في سياق بالغ الصعوبة، كان فيه أكثر من 4.47 ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة (من أصل 5.9 ملايين شاب) خارج سوق الشغل، أي ما يمثل 76.1 في المئة من هذه الفئة العمرية، بينما لم يكن يشتغل سوى 962 ألف شاب، مقابل 448 ألف شاب عاطل عن العمل.

    ولم يتجاوز معدل نشاط الشباب 23.9 في المئة، مقابل 45.3 في المئة بالنسبة لمجموع السكان، مع تفاوت كبير بين الذكور والإناث، حيث لم يتعد معدل نشاط النساء الشابات 12.1 في المئة.

    وظل ارتفاع معدل البطالة ملحوظا لدى الشباب بين سنتي 2019 و2021 بـ6.9 نقطة مقابل 3.1 نقطة لدى مجموع السكان النشيطين، وبلغ معدل البطالة، على المستوى الوطني، 31.8 بالمئة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة مقابل 13.7 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 سنة و 3.8 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين البالغين 45 سنة أو أكثر.

    ولم تكن الأزمة مرتبطة بندرة فرص العمل فقط، بل أيضا بجودة التشغيل، إذ كشفت مذكرة مندوبية التخطيط آن ذاك أن 41.9 في المئة من الشباب المشتغلين يزاولون عملا غير مؤدى عنه، بينما كان أكثر من 73 في المئة من الأجراء الشباب يشتغلون دون عقد عمل، في وقت بلغت فيه بطالة الشباب 31.8 في المئة، وارتفعت إلى أكثر من 61 في المئة في صفوف الحاصلين على شهادات عليا، في مؤشر على ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات.

    بهذا الصدد، يشدد المحلل والخبير الاقتصادي، المهدي فقير، على أن “سنة 2020 كانت سنة كارثية بامتياز للاقتصاد المغربي، بحكم جائحة كورونا وفترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، ما أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة”.

    ويرى أن القلاقل التي طبعت تلك الفترة على الصعيد الدولي، كان لها تأثيرات كبيرة على التضخم العالمي، وبالتالي، المغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع غير المستقرة”.

    خارطة طريق جديدة للتشغيل

    بدوه، يؤكد جدري أن الحكومة انطلقت من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، ما يجعل تقييم حصيلة قطاع التشغيل مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة، لأن المطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة، وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    وفي مواجهة هذا الواقع، اختارت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الانتقال من تدبير برامج متفرقة إلى اعتماد خارطة طريق وطنية للتشغيل، تقوم على تعبئة مختلف القطاعات الحكومية وربط الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية بهدف خلق فرص الشغل.

    وتؤكد الحصيلة المرحلية لوزارة يونس السكوري أن مختلف التدخلات مكنت من إحداث أكثر من 851 ألف فرصة شغل خلال الولاية الحالية، في وقت سجل فيه الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 وحدها إحداث 193 ألف منصب شغل صاف، منها 249 ألف منصب مأجور، مقابل تراجع عدد المناصب غير المأجورة بـ55 ألف منصب، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو التشغيل المنظم.

    كما تراجع معدل التشغيل غير المهيكل خارج القطاع الفلاحي من 36.3 في المئة سنة 2021 إلى 33.1 في المئة سنة 2025، بالتوازي مع ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأكثر من 500 ألف أجير، ليتجاوز أربعة ملايين مصرح بهم لأول مرة.

    غير أن مهدي فقير ينبه إلى أن خلق 851 ألف فرصة عمل يبقى “حديثا فضفاضا”، موضحا أنه “إذا كان الحديث عن خلق فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كان عرضيا ومؤقتا وليس دائما فلا يمكن اعتباره خلقا لفرص الشغل”، مضيفا “اليوم هناك نقاش حول ماهية الإحصاءات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني”.

    وأشار إلى أن المغرب ما يزال قاصرا على خلق سياسات إدماجية في مجال التشغيل، موضحا وجهة نظره بالقول: “نحتاج دائما تدخلا حكوميا هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج، وهذا ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يمسى ‘FIRST JOB ACT’ ومعتمدة في أمريكا وفرنسا”، لافتا إلى أن “المغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات في القطاع، لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل”.

    الإدماج المهني يقفز بـ45 بالمئة

    وكان برنامج “أوراش” أول تدخل لمواجهة تداعيات الجائحة على التشغيل، حيث استهدف الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، خاصة غير الحاصلين على مؤهلات عالية.

    وأسفر البرنامج عن استفادة 224.371 شخصا، بنسبة إنجاز بلغت 90 في المئة، بينما بلغ غلافه المالي حوالي 4.5 مليارات درهم، مع تخصيص حوالي ثلث المناصب لفائدة النساء.

    أيضا، عملت الوزارة، وفق معطيات تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، على إعادة توجيه برامج التشغيل النشيطة، فقد بلغ مجموع الإدماجات المهنية 694.415 إدماجا، منها 594.981 عبر برنامج “إدماج” و99.434 عبر برنامج “تحفيز”، كما ارتفع عدد الإدماجات السنوية من 112.733 سنة 2021 إلى 163.259 سنة 2025، بزيادة قاربت 45 في المئة.

    وفي المقابل، استفاد 339.893 شخصا من برامج التأهيل، بينما تجاوز عدد المستفيدين من خدمات التوجيه والمواكبة التي تقدمها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات 1.34 مليون مستفيد.

    ودعمت “وزارة السكوري” التشغيل الذاتي، حيث تمت مواكبة 38.788 مشروعا، وإحداث 11.482 مقاولة صغيرة أو نشاطا مدرا للدخل، أسهمت في توفير 18.370 منصب شغل، فضلا عن استفادة أكثر من 50 ألف شخص من برنامج “انطلاقة”، وإطلاق النسخة الثالثة من برنامج “من أجلك” الذي مكن من مواكبة 1.089 مقاولة نسائية وتكوين 8.099 امرأة.

    مناصب الشغل في قلب دعم الاستثمار

    أحد أبرز التحولات خلال الولاية الحالية، تمثلت في جعل خلق فرص الشغل معيارا أساسيا للاستفادة من الدعم العمومي في إطار الميثاق الجديد للاستثمار، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد جدري.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يشكل تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات، لأن ربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين.

    وبالعودة إلى الحصيلة المرحلية لوزارة التشغيل، أسفرت المشاريع التي تمت المصادقة عليها عن تعبئة استثمارات بقيمة 586.6 مليار درهم، موزعة على 381 مشروعا، يرتقب أن توفر أكثر من 245.500 منصب شغل، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والسياحة والصناعات الغذائية.

    ويعكس هذا التوجه انتقال سياسة الاستثمار من منطق تشجيع الرساميل إلى ربطها مباشرة بالأثر الاجتماعي وخلق فرص العمل، وفق رئيس المرصد للعمل الحكومي، الذي نبه أيضا إلى ضرورة الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    التكوين المهني لسد فجوة الكفاءات

    بالتوازي مع برامج التشغيل، توسعت منظومة التكوين المهني، إذ تظهر الحصيلة المرحلية للوزارة ارتفاع عدد مؤسسات التكوين من 668 إلى 792 مؤسسة، بينما ارتفع عدد المتدربين من حوالي 291 ألفا إلى أكثر من 526 ألف متدرب، أي بزيادة بلغت 80 في المئة.

    كما دخلت 10 مدن للمهن والكفاءات حيز الخدمة بطاقة استيعابية تصل إلى 34 ألف مقعد بيداغوجي، واستقبلت حوالي 58.872 متدربا، مع تركيز العرض التكويني على القطاعات الأكثر إحداثا لمناصب الشغل، وفي مقدمتها الصناعة، والتدبير والتجارة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، تم توسيع التكوين بالتدرج المهني، مع برمجة بلوغ 100 ألف مستفيد سنويا، باعتباره أحد المسارات الموجهة لإدماج الشباب غير الحاصلين على شهادات.

    ويقرأ الخبير الاقتصادي المهدي فقير هذه الأرقام باعتبارها امتدادا لنهج يقوم على ربط سياسات التشغيل بمنظومة التكوين، معتبرا أن المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل كان سباقا إلى اعتماد هذا التوجه من خلال تكوينات تستجيب لحاجيات سوق الشغل وتوفر قابلية أكبر للإدماج المهني.

    ويرى أن “مدن الكفاءات” تعزز هذا المسار، باعتبارها مؤسسات تقوم فلسفتها على تكوين الموارد البشرية انطلاقا من الاحتياجات الفعلية للمقاولات والقطاعات الاقتصادية.

    ويضيف أن التدرج المهني يشكل اليوم أحد أبرز الخيارات لامتصاص بطالة الشباب، لما يوفره من تكوينات مواكبة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب دعمه للتكوين المستمر باعتباره آلية للحفاظ على استقرار مناصب الشغل.

    لكن فقير يشدد على أن فعالية هذه البرامج تظل رهينة باعتماد مقاربة أشمل، تنسق بين منظومة التكوين الأكاديمي والنموذج الاقتصادي، بما يضمن خلق الثروة وتوفير فرص إدماج مهني مستدامة على المديين المتوسط والطويل.

    بين حصيلة البرامج وتحديات السوق

    ورغم هذه الدينامية، ما تزال الحكومة تواجه تحديات مرتبطة باستمرار ارتفاع البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتأثير التغيرات المناخية والظرفية الدولية على قدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل بالوتيرة المطلوبة.

    ويرى محمد جدري بهذا الصدد أن التقدم المحقق لا يخفي حقيقة التحديات الكبيرة التي تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    وشدد جدري على أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، لافتا إلى أن الرهان أمام الحكومة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • “البام” يعلنها.. رئاسة الحكومة هدف 2026 ويزكي 90 مرشحا

    “البام” يعلنها.. رئاسة الحكومة هدف 2026 ويزكي 90 مرشحا

    لم يكن المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد محطة تنظيمية عادية، بل إعلانا عن دخول الحزب رسميا أجواء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بتعزيز المكتب السياسي بكفاءتين بارزتين، والكشف عن الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي، وتقديم أسماء جديدة للاستحقاقات المقبلة.

    وكان انضمام فوزي لقجع وينجا الخطاط إلى المكتب السياسي من أبرز مفاجآت هذه المحطة، إذ أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية، أن الحزب يظل “منفتحا على جميع الكفاءات المحلية والجهوية والوطنية”.

    وقالت المنصوري إن فوزي لقجع وينجا الخطاط، بما يتمتعان به من كفاءة وشعبية وروح مواطنة، سيشكلان إضافة من شأنها تقوية حزب الأصالة والمعاصرة وتعزيز حضوره السياسي والتنظيمي.

    وخاطبت المنصوري العضوين الجديدين قائلة: “لم تلتحقا بحزب سياسي ومشروع مجتمعي فقط، بل بأسرة سياسية وأسرة نضال لحزب تأسس منذ 18 سنة، وعاش أزمات، لكنه خرج قويا منها على الدوام، ما جعله يستقطب ثقة المواطنين”.

    وجاء تقديم العضوين وسط تفاعل كبير من الحاضرين، في مشهد عكس الرهان الذي يضعه الحزب على استقطاب أسماء تمتلك خبرة في التدبير وحضورا على المستويين الوطني والجهوي.

    “سيدة” المنصة وثقافة المحاسبة من الداخل

    وفي واحدة من أكثر لحظات الدورة دلالة، طلبت فاطمة الزهراء المنصوري التقاط صورة جماعية تضم أعضاء المكتب السياسي والمشرفين على إعداد البرنامج الانتخابي.

    وفي وقت ظنها الجميع صورة تذكارية، حرصت المنصوري على توضيح أنها لن تكون تذكارية فحسب، بل ستتيح للجميع معرفة من ساهم في إعداد البرنامج، ومن سيتحمل المسؤولية ويحاسب لاحقا عن حصيلة تنفيذه.

    وعلى امتداد أشغال المجلس، حافظ اللقاء على طابعه الاحتفالي، من دون أن يؤثر ذلك في انسيابية التنظيم أو انتظام الفقرات، وظهر الحماس بشكل خاص عند تقديم الأعضاء الجدد والمرشحين وقيادات الحزب، فيما تحولت القاعة مرارا إلى فضاء للهتافات والتصفيقات.

    وعندما أعلن عن اسم المنصوري على رأس المرشحات، بدت منتشية بتفاعل القاعة، ووقفت بثقة وتقدمت بخطوات ثابتة لتحية مناضلي الحزب، بينما تعالت الهتافات والتصفيقات، ولم يكن غريبا أن يتكرر المشهد كلما ورد اسمها خلال أشغال المجلس، في تعبير عن المكانة التي تحظى بها داخل التنظيم.

    هذا الالتفاف عبّر عنه سمير كودار، عضو المكتب السياسي، صراحة في كلمته، حين أكد أن المنصوري أدت دورا أساسيا في الحفاظ على تماسك الحزب، معتبرا أنه لولا وجودها لطغت الخلافات والانشقاقات الداخلية على التنظيم.

     7 نساء.. المرأة ليست رقما انتخابيا

    وشهد اللقاء أيضا تقديم عدد من الأسماء المرشحة ضمن اللائحة الوطنية، في خطوة قدمت على أنها تحدث لأول مرة بهذا الحجم، بترشيح سبع نساء، هي فاطمة الزهراء المنصوري في دائرة المدينة-سيدي يوسف بنعلي، ونجوى كوكوس في دائرة الدار البيضاء-أنفا، ومنال بديل في دائرة برشيد، وحنان الماسي في دائرة تارودانت الشمالية، وزينب السيمو في دائرة العرائش، وإيمان لموي في دائرة ورزازات، وبشرى الوردي في تيفلت- الرماني.

    وعند تقديم اسمها، بدت المنصوري منتشية بتفاعل القاعة، فوقفت بثقة، وتقدمت بخطوات ثابتة لترد تحية مناضلي الحزب، بينما تعالت الصرخات والهتافات والتصفيقات، ولم يكن غريبا أن يتكرر المشهد كلما ورد اسمها خلال أشغال المجلس، في تعبير واضح عن المكانة التي تحظى بها داخل التنظيم.

    هذا الالتفاف عبّر عنه سمير كودار صراحة في كلمته، حين أكد أن المنصوري أدت دورا أساسيا في الحفاظ على تماسك الحزب، معتبرا أنه لولا وجودها لكانت الخلافات والانشقاقات الداخلية قد طغت على التنظيم.

    المنصوري، وخلال حديثها عن تمثيلية النساء، أقرت بأن العدد المقدم، رغم أنه غير مسبوق على المستوى الوطني، يظل غير كاف، مؤكدة أن طموح الحزب أكبر نحو تحقيق المناصفة الفعلية، حتى تشكل النساء 50 في المئة من مواقع المسؤولية والترشيح.

    وشددت المنصوري على أن المرأة ليست مجرد رقم داخل اللوائح الانتخابية، بل هي “حارسة للقيم”، بما يمنح حضورها في المؤسسات والهيئات السياسية بعدا يتجاوز التمثيلية الشكلية إلى المشاركة الكاملة في صناعة القرار.

    وبعدما دعت النساء الخمس للالتحاق بها رفقة نجوى كوكوس بالمنصة، وأثناء التقاط الصورة التذكارية للمرشحات، قالت المنصوري ممازحة مناضلي حزبها “هذه هي تشكيلة المكتب السياسي المقبل”.

     90 مرشحا.. العد العكسي للانتخابات ينطلق

    وكشف حزب “الجرار” على لسان عضو المكتب السياسي سمير كودار، اللائحة النهائية لمرشيحه للانتخابات المقبلة، وضمت محمد الحموتي (الحسيمة)، وعبد اللطيف الغلبزوري (طنجة أصيلة)، وعبد السلام الشلاف (الفحص أنجرة)، ومحمد العربي احنين (تطوان)، ومحمد العربي المرابط (المضيق الفنيدق)، وزينب سيمو (العرائش)، وعبد الحفيظ المكوتي (شفشاون)، والعربي المحرشي (وزان).

    واعتمد الحزب خطة استمرار الوجوه بجهة الشرق بتعيين رضوان بوكطاية (جرادة)، وعبد القادر حضوري (وجدة أنجاد)، وعبد الرحمان السهلي (تاوريرت)، وحميد الشاية (فجيج)، ومحمد المومني (الناضور)، ومحمد البرنيشي (جرسيف)

    وراهن “البام” على دخول سباق الانتخابات المقبلة بأطر ووزراء الحزب بجهة الرباط سلا القنيطرة حيث يقود الوزير محمد مهدي بنسعيد دائرة الرباط المحيط، وأديب إبن ابراهيم دائرة الرباط شالة، فيما تمت تزكية عماد الريفي (سلا المدينة) والعربي الرويش (سلا الجديدة).

    وضمت باقي أقاليم الجهة كلا من محمد الهيلالي (الصخيرات تمارة)، ومحمد شرورو وبشرى الوردي (الخميسات وتيفلت الرماني)، وميلود شليخ وعبد العزيز البوحسيني (القنيطرة والغرب)، والسعد ابن زروال (سيدي قاسم)، ولحسن عواد (سيدي سليمان).

    وفي جهة فاس مكناس، شملت التزكيات محسن أزمي وعزيز اللبار (فاس الشمالية والجنوبية)، وحسن بالمقدم (مولاي يعقوب)، وإدريس الشبشالي (صفرو)، ومحمد الميري (بولمان)، وأنس الأنصاري (مكناس)، والدقاقي أحمد (الحاجب)، ومحمد امغار (تازة)، ومحمد أشقيق (إفران)، وعبد اللطيف الفوقير ومحمد الحجيرة (تاونات تيسة والقرية غفساي).

    ودفع “الجرار” في جهة الدار البيضاء سطات رئيسة مجلسه الوطني، نجوى ككوس (أنفا)، ومحمد التويمي بنجلون (الفداء مرس السلطان)، وعادل البيطار (عين السبع الحي المحمدي)، وصلاح الدين الشنكيطي (الحي الحسني)، وعبد الحق شفيق (عين الشق)، وأحمد بريجة (سيدي البرنوصي)، ومصطفى جداد (ابن مسيك)، ومحمد حماما (مولاي رشيد)، ومحمد السالمني (النواصر)، وعبد الرحيم بنضو (مديونة)، ومحمد أمين العطواني (المحمدية)، وبديل عثمان (سطات)، وكريم الزيادي (بنسليمان)، ومنال باديل (برشيد)، ومهدب محمد (الجديدة)، وعبد الكريم أمين (سيدي بنور).

    وحسم الأصالة والمعاصرة لائحة الترشيحات في بني ملال خنيفرة بتزكية هشام الصابري (بني ملال)، وبدر فوزي ومحمد بنعلي (بزو واويزغت وأزيلال دمنات)، وأحمد فضلي (الفقيه بنصالح)، وحمان باحسين (خنيفرة)، وخليفة مجدي (خريبكة).

    وتصدرت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري لائحة الترشيحات بجهة مراكش عن دائرة المدينة سيدي يوسف بن علي، ومحمد صباري (جليز النخيل)، وطارق حنيش (المنارة)، وهشام المهاجري (شيشاوة)، وأحمد التويزي (الحوز)، وعبد الرحيم واعمر (قلعة السراغنة)، وإبراهيم بنجلون (الصويرة)، وعز الدين الميداوي (الرحامنة)، ومحمد كاريم (أسفي)، ويوسف رويجل (اليوسفية).

     وتمت تزكية، في درعة تافيلالت، كلا من عبد الله العمري (الرشيدية)، وإيمان لموي (ورزازات)، ويوسف امنزو (زاكورة)، ومحمد ارهمي (تنغير).

    وفي سوس ماسة، راهن “البام” على وزير العدل عبد اللطيف وهبي وحنان الماسي دائرتي تارودانت الشمالية والجنوبية، إلى جانب حميد وهبي (أكادير إداوتنان)، ومحمد أودمين (إنزكان آيت ملول)، والحسين الفارسي (اشتوكة آيت باها)، وحسن التابي (طاطا), فؤاد المومني (تيزنيت)

     وفي الأقاليم الجنوبي، تقدم ينجا الخطاط لائحة الترشيحات (وادي الذهب) وعبد الفتاح أهل المكي (أوسرد)، إضافة إلى جمال سيداتي (سيدي إفني)، والمهدي البتايت (كلميم)، ورشيد التامك (آسا الزاك)، وإبراهيم وعبان (طانطان) بجهة كلميم واد نون.

    أما بجهة العيون الساقية الحمراء فتمت تزكية سيدي محمد سالم الجماني (العيون)، ومحمد الجماني (السمارة)، وعبد الله دبدا (بوجدور)، وعبد الحي حرطون (طرفاية).

    الاستمرارية والتجديد العنوانان الأبرزان

    ووفق المعطيات التي تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، فـ”البام” وازن بين الاستمرارية والتجديد استعدادا للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

    وعلى المستوى الميداني والتنظيمي، تعكس أرقام الأقدمية حضورا مكثفا لخبرة الوجوه التي خاضت استحقاقات سنة 2021 بـ 52 مترشحا، أي أكثر من 57 بالمئة من إجمالي الترشيحات، مقابل الدفع بـ 38 وجها يترشحون لأول مرة كوكلاء لوائح محلية.

    وسجلت اللوائح المحلية، وفق المعطيات ذاتها، حضورا نسائيا في 7 مترشحات، مما يظهر مكانة متميزة للمرأة داخل الحزب، تضاف إليهن مرشحات الدوائر الجهوية.

    وتشير إحصائيات البروفايلات الأكاديمية والمهنية لمرشحي “البام”، إلى حضور رجال وسيدات الأعمال والمقاولين بـ 49 ترشيحا، بواقع 42 رجل/سيدة أعمال و7 مقاولين، إلى جانب حضور مهم للمهن القانونية كالمحامين (7) والموثقين (3)، فضلا عن أطر ومهندسين وأطباء وأساتذة جامعيين وفلاحين، مما يعكس الهوية البرغماتية للتزكيات.

    برنامج انتخابي ثمرة سنة من العمل

    وبالتوازي مع الجانب التنظيمي، كشف الحزب لمناضليه عن الملامح الأساسية لبرنامجه الانتخابي المقبل، إذ أكد أحمد اخشيشن، رئيس أكاديمية الحزب، أنه جاء ثمرة عمل استمر زهاء عام، وبمجهود كبير لأطر وكفاءات الحزب.

    ويسعى الحزب من خلال برنامجه إلى تقديم عرض سياسي يرتكز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ودعم القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توسيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية.

    وأكد اخشيشن، أن بلادنا أصبحت مطالبة بدخول زمن المغرب الصاعد الذي نادى إليه الملك محمد السادس، مبرزا أن الأصالة والمعاصرة وهو يعد برنامجه الانتخابي تعاطى بجدية ومسؤولية مع الدعوة الملكية، من أجل تنزيلها على أرض الواقع.

    وأوضح أن الحزب يراهن على برنامج مغرب المستقبل على المدى الطويل، لجعل المغرب بلدا صاعدا بكامل المقومات، موضحا أن تصريف الاختيارات المرتبطة بالمدى الطويل لا يلغي الزمن المحدد المرتبط بالولاية الحكومية.

    وكشف أن 28 فريق عمل، مكونين من 150 من أطر وكفاءات الحزب وخارجه اشتغلت بحرفية حقيقية لتشخيص واقع التنمية اليوم بالمغرب، بعد اللقاءات الميدانية والإنصات لانتظارات المواطنين بمختلف جهات وأقاليم المملكة، قبل وضع حلول يكون المواطن في قلبها، وبنفس طويل يتجاوز سنة 2031.

    ويسعى الحزب، وفق الخطوط العريضة التي قدمها في برنامجه، إلى تقديم عرض سياسي يرتكز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ودعم القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توسيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية.

    وكشف الحزب خلال مجلسه الوطني أن برنامجه الانتخابي سيتم الإعلان عنه رسميا نهاية شهر غشت المقبل، بعد عرضه بشكل تفصيلي على مناضلي الحزب.

    “البام” يراهن على أخلاق ونزاهة منتخبيه

    وفي كلمة قبل تلاوة البيان الختامي، أكدت نجوى كوكوس في آخر دورة للمجلس الوطني قبل الانتخابات التشريعية، أن التعبئة لا تهم المرشحين وحدهم، بل تشمل المرشحين وغير المرشحين وجميع مناضلي الحزب.

    ودعت كوكوس أعضاء الحزب إلى الانتشار الميداني والتعبئة في الجهات والمدن والمداشر والدواوير، معتبرة أن المرحلة المقبلة تتطلب حضورا تنظيميا قويا وقربا أكبر من المواطنين.

    وقالت إن الحزب الذي ينخرط في السياسة يتحمل أيضا مسؤولية إنتاج نخب جديدة، مشيرة إلى أن الترشيحات تعكس تنوعا اجتماعيا ومهنيا، وتضم مثقفين ورجال أعمال وممثلين عن مختلف الفئات.

    وتوقفت كوكوس عند حضور النساء، مؤكدة أن الحزب يقدم، لأول مرة، سبع نساء ضمن لائحته، في خطوة اعتبرها تعبيرا عن الرغبة في توسيع التمثيلية النسائية وتجديد النخب السياسية.

    ورفعت سقف طموح الحزب عندما أكدت أن المشروع الذي يناضل من أجله مناضلو الأصالة والمعاصرة منذ 18 سنة يدخل اليوم مرحلة جديدة، معلنة أن الحزب سيتوجه إلى الانتخابات بهدف رئاسة الحكومة.

    وقالت مخاطبة أعضاء المجلس الوطني إن الحزب يعول عليهم بشكل كبير لتحقيق هذا الطموح، داعية إلى تحويل الحماس الذي طبع اللقاء إلى تعبئة ميدانية داخل مختلف الجهات والأقاليم والجماعات.

    وفي مقابل رفع سقف الطموح الانتخابي، شددت على ضرورة احترام الضوابط القانونية المؤطرة للانتخابات، وحث المرشحين على تقديم صورة مميزة عن المنتخب، قائمة على الالتزام بأخلاقيات العمل السياسي ونبله وخدمة المواطنين، كما يريدها الملك محمد السادس.

    ودعت رئيس المجلس الوطني لـ”البام” إلى جعل الاستحقاقات المقبلة “عرسا ديمقراطيا حقيقيا”، وإلى تجسيد صورة المنتخب المسؤول والنزيه، القادر على الارتقاء بالعمل السياسي والمؤسساتي والاستجابة للتطلعات المعلقة على ممثلي المواطنين.

    وكانت لكلمة كوكوس أصداء قوية داخل القاعة، إذ ما إن أنهت حديثها عن رئاسة الحكومة وأخلاقيات الممارسة السياسية حتى ارتفعت التصفيقات والهتافات، وردد الحاضرون نشيد الحزب وشعاراته، في مشهد اختزل الحماس والتعبئة التي طبعت المجلس، قبل يعود الهدوء للقاعة لتلاوة البيان الختامي.

  • المتحدث باسم الأمم المتحدة: صاحب الجلالة الملك محمد السادس يرسخ مكانته كـ”نموذج” في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة

    المتحدث باسم الأمم المتحدة: صاحب الجلالة الملك محمد السادس يرسخ مكانته كـ”نموذج” في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة

     أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن المغرب، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يرسخ مكانته كـ”نموذج” في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.

    وأبرز السيد دوجاريك، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك على عرش أسلافه المنعمين، أن المملكة حققت أيضا “تقدما هائلا”، وأظهرت ريادتها في تنظيم العديد من القمم، لا سيما حول المناخ، الذي يشكل أحد الركائز الأساسية للتنمية المستدامة.

    وفي هذا السياق، أشاد المسؤول الأممي بتقديم الحكومة المغربية تقريرين وطنيين طوعيين إلى الأمم المتحدة بشأن التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، واصفا هذه الخطوة بأنها “مهمة جدا”، لأنها تمثل “دليلا على الشفافية التي تنتهجها الدول المبادرة في هذا الشأن مثل المغرب.”

    وفي هذا الصدد، اعتبر المتحدث باسم الأمم المتحدة أن المغرب، يشكل بفضل التقدم الذي أحرزه، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، نموذجا يحتذى بالنسبة لبلدان أخرى.

    وأشار إلى الأهمية البالغة لآلية “التعاون جنوب-جنوب” في منظومة التنمية المستدامة، معتبرا أنه لا يوجد ما هو أفضل بالنسبة لبلد في طريق النمو من أن يسترشد ويتبع نموذج بلد آخر، مثل المغرب، الذي حقق بالفعل تقدما كبيرا في مجال التنمية المستدامة.

    وأكد دوجاريك أن المغرب يضطلع بـ”دور بالغ الأهمية” على المستويين القاري والإقليمي في هذا المجال.

    وفي معرض تطرقه للتعاون بين المملكة والأمم المتحدة في مجال التنمية المستدامة، أشاد المسؤول الأممي بالعلاقات “المؤسساتية” التي تجمع الطرفين، لافتا إلى أن المملكة قامت بمواءمة أولوياتها الوطنية مع أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها واعتمدتها الأمم المتحدة.

    كما نوه دوجاريك بالتعاون “القوي جدا” مع المغرب، لاسيما في مجال حفظ السلام.

    وخلص إلى أن مشاركة الجنود المغاربة في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام تشكل “عربون تضامن دولي كبير”.

  • محمد شكال: أرقام “جواز الشباب” دليل على نجاحه وإنصاف شباب القرى أولوية

    محمد شكال: أرقام “جواز الشباب” دليل على نجاحه وإنصاف شباب القرى أولوية

    بعد عامين من إطلاقه، يواصل “جواز الشباب” توسيع قاعدة مستفيديه، بعدما تجاوز سقف مليوني تحميل و500 ألف مستخدم فعلي، ليصبح إحدى أبرز المنصات الرقمية الموجهة للشباب بالمغرب.

    وفي هذا الحوار، يكشف محمد شكال، رئيس مشروع “جواز الشباب” الخلفيات التي رافقت إطلاقه، والتحديات التي سعى إلى معالجتها، وكيفية اختيار الخدمات التي يوفرها، وأسباب الإقبال الكبير على بعضها، خاصة خدمات التنقل والثقافة.

    ويستعرض شكال في الحوار الذي خص به منصة “+AM” الإجراءات المعتمدة لضمان استفادة شباب العالم القروي وتحقيق الإنصاف المجالي، كما يتوقف عند مؤشرات الاستعمال وآفاق تطوير المنصة بما يواكب انتظارات الشباب واحتياجاتهم المتجددة.

    لم يكن الهدف معالجة إشكال واحد فقط، بل مواجهة مجموعة من التحديات المتداخلة التي كانت تحد من استفادة الشباب من الفرص والخدمات المتاحة. فقد أظهرت التشخيصات المنجزة وجود تشتت الخدمات والبرامج الموجهة للشباب بين عدة قطاعات ومؤسسات، وضعف الولوج إلى هذه الخدمات، خاصة بالنسبة للشباب في المناطق القروية والنائية، ونقص المعلومة وصعوبة التعرف على الفرص المتاحة وشروط الاستفادة منها، وغياب منصة موحدة تجمع مختلف الخدمات والعروض في فضاء رقمي واحد.

    ومن هنا جاء “جواز الشباب” كمنصة وطنية موحدة تهدف إلى تقريب الخدمات من الشباب وتسهيل الولوج إليها وتعزيز تكافؤ الفرص بينهم أينما كانوا.

    تم تحديد الخدمات والعروض بناءً على مقاربة تشاركية وواقعية اعتمدت على دراسة حاجيات وانتظارات الشباب في مختلف جهات المملكة، وتحليل الخدمات الأكثر طلباً من طرف هذه الفئة العمرية.

    وتم أيضا التنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الخواص، مع الحرص على تغطية المجالات الأساسية التي تهم الشباب، مثل التنقل، والصحة، والتكوين، والثقافة، والترفيه، والمشاركة المواطنة، والخدمات البنكية.

    وبخصوص العروض التي يقدمها “جواز الشباب”، فيتم إخضاعها بشكل مستمر للتقييم والتطوير وفق مؤشرات الاستعمال وملاحظات المستفيدين، بما يضمن ملاءمتها لاحتياجات الشباب المتجددة.

    تشير معطيات الاستعمال إلى أن خدمات التنقل تحتل صدارة الخدمات الأكثر طلباً، وعلى رأسها التخفيضات الممنوحة بشراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية (أكثر من 800 ألف سفر على متن القطارات).

    كما تعرف الخدمات الثقافية والترفيهية إقبالا مهما، خاصة العروض المتعلقة بالسينما والمتاحف والتظاهرات الثقافية، إضافة إلى الخدمات الصحية والتكوينية.

    ويرجع هذا الإقبال إلى عدة عوامل، أهمها، ارتباط هذه الخدمات بالحاجيات اليومية للشباب، والأثر المباشر للتخفيضات على القدرة الشرائية، إضافة إلى سهولة الاستفادة من الخدمات عبر التطبيق، وتنوع العروض وتغطيتها لمجالات متعددة تهم الشباب.

    يعكس هذا الإنجاز نجاح الرؤية التي تأسس عليها المشروع، ويعود إلى مجموعة من العوامل المتكاملة، من بينها توفير خدمات حقيقية وذات قيمة مضافة للشباب، والحرص على اعتماد مسطرة تسجيل مبسطة وآمنة بفضل التكامل مع الهوية الرقمية الوطنية.

    وتم أيضا توسيع شبكة الشركاء بشكل مستمر وإضافة عروض جديدة، مع تنظيم حملات تواصلية وتحسيسية على المستوى الوطني والجهوي، زيادة على اعتماد التطبيق كمنصة موحدة تجمع خدمات متعددة داخل فضاء رقمي واحد.

    كما أن عدد المستخدمين الفعليين يعكس مستوى التفاعل الحقيقي مع الخدمات، وليس فقط تحميل التطبيق، وهو ما يؤكد أن الشباب لا يكتفون بالتسجيل وإنما يستفيدون فعلياً من العروض المتاحة.

    يشكل الإنصاف المجالي أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها “جواز الشباب”، ولذلك تم اتخاذ مجموعة من التدابير لفائدة شباب العالم القروي، من بينها تمكين الشباب من الولوج إلى التطبيق دون الحاجة إلى تعبئة رصيد أو اشتراك في الإنترنت، وذلك بشراكة مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات وفاعلي الاتصالات، وتعميم الاستفادة من الخدمات الرقمية على الصعيد الوطني دون تمييز جغرافي.

    وتم أيضا إدماج خدمات التكوين عن بعد بما يسمح للشباب بالعالم القروي من الاستفادة من برامج تكوينية عالية الجودة من أي مكان، وإتاحة خدمات المواكبة والتوجيه والمعلومات عبر التطبيق دون الحاجة إلى التنقل.

    وعملنا أيضا على توسيع شبكة الشركاء والخدمات على المستوى الترابي لضمان استفادة أكبر للشباب في مختلف الأقاليم والجماعات، مع توفير فضاءات للتفاعل المباشر مع الخبراء والشخصيات الوطنية من خلال برامج رقمية مثل “ضيف الجواز”.

    زيادة على ذلك، قمنا بتسهيل الولوج إلى مختلف برامج ومشاريع قطاع الشباب، مثل برنامج “متطوع”، وبرنامج “جائزة المغرب للشباب”، وبرنامج “مهارات”، وغيرها من المبادرات الوطنية.

    وتهدف هذه الإجراءات إلى جعل مكان الإقامة عاملاً غير مؤثر في فرص الاستفادة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين شباب العالم القروي ونظرائهم في الوسط الحضري.

  • أنس هدان: نجاح السياسة الشبابية يقاس بالأثر والإنصاف المجالي التحدي الأكبر

    أنس هدان: نجاح السياسة الشبابية يقاس بالأثر والإنصاف المجالي التحدي الأكبر

    بعد خمس سنوات من الولاية الحكومية، وفي ظل سياق استثنائي طبعته تداعيات جائحة كورونا، والضغوط التضخمية العالمية، وتداعيات الحروب والكوارث الطبيعية، يظل تقييم السياسة العمومية الموجهة للشباب أحد أبرز الأسئلة المطروحة.

    وبين إطلاق برامج جديدة، على رأسها “جواز الشباب” و”تدرج”، وتوسيع الخدمات الرقمية والاستثمار في البنيات التحتية، يبرز نقاش حول مدى نجاح هذه المبادرات في الانتقال من منطق الأنشطة الظرفية إلى منطق الإدماج والتمكين وصناعة الأثر الحقيقي في حياة الشباب.

    وفي هذا الحوار، يقدم الخبير في السياسات الشبابية أنس هدان، المدير التنفيذي لحركة مواطنون، قراءة لحصيلة قطاع الشباب، ويتوقف عند مكامن القوة وحدود التجربة، كما يناقش قدرة البرامج الحكومية على مواجهة تحديات البطالة والهشاشة المجالية وظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، وآفاق تطوير السياسة العمومية خلال المرحلة المقبلة.

    أعتقد أن تقييم حصيلة قطاع الشباب خلال السنوات الخمس الأخيرة يجب أن ينطلق من مبدأ الإنصاف والموضوعية. فمن جهة، لا يمكن إغفال الظرفية الاستثنائية التي اشتغلت فيها الحكومة، والتي اتسمت بتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والحروب الدولية، ثم الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها زلزال الحوز والفيضانات. كل هذه العوامل فرضت ضغوطاً كبيرة على المالية العمومية وعلى أولويات الدولة.

    ورغم هذا السياق، شهد قطاع الشباب ارتفاعاً في الميزانية بحوالي 16 بالمئة، كما تم إطلاق برامج جديدة مثل “جواز الشباب”، وتعزيز الاستثمار في البنيات التحتية، وتوسيع الشراكات مع مختلف الفاعلين. وهي مؤشرات إيجابية تعكس وجود إرادة لتطوير القطاع.

    لكن في المقابل، أعتقد أننا بحاجة اليوم إلى الانتقال من منطق تقييم الإنجاز بالأرقام إلى تقييمه بالأثر. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم عدد المستفيدين؟ بل: كيف تغيرت حياة هؤلاء الشباب؟ وهل ساهمت هذه البرامج فعلاً في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل عززت الثقة بين الشباب والمؤسسات؟

    المغرب اليوم يعيش ما يمكن أن نسميه “مغرباً بسرعتين”. هناك شباب في المدن الكبرى يستفيدون بسهولة من الخدمات الرقمية، وفرص التكوين، والشراكات، والمواكبة، وفي المقابل هناك شباب في العالم القروي، والمناطق الجبلية، والأحياء الهامشية، ما زالوا يواجهون صعوبات في الولوج إلى نفس الفرص. لذلك، فإن نجاح أي سياسة شبابية لا يقاس فقط بعدد البرامج الوطنية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الشباب أينما كانوا، وتقليص الفجوة بين المجالات.

    وفي هذا السياق، أرى أن السياسة العمومية الموجهة للشباب عرفت تطوراً مهماً من حيث الأدوات، خصوصاً مع اعتماد الرقمنة والخدمات المندمجة. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة “التفريد” أو “التكييف الترابي” للسياسات العمومية. فاحتياجات شاب في الدار البيضاء ليست هي احتياجات شاب في الحوز أو جرادة أو زاكورة أو فكيك. لذلك، يجب أن تمنح الجهات والجماعات الترابية ودور الشباب هامشاً أكبر لتطوير برامج تستجيب لأولويات كل مجال، بدل اعتماد مقاربة موحدة على المستوى الوطني.

    بخصوص “جواز الشباب”، فأعتبره من بين المبادرات التي تحمل إمكانات كبيرة. فهو لا يقتصر فقط على تقديم تخفيضات أو خدمات، بل ساهم أيضاً في التعريف بحقوق وخدمات كانت موجودة منذ سنوات لكنها لم تكن معروفة لدى أغلب الشباب، مثل المراكز الصحية الخاصة بالشباب وبعض الخدمات العمومية الأخرى. وهذا في حد ذاته مكسب مهم.

    لكن لكي يتحول جواز الشباب إلى رافعة حقيقية للإدماج، ينبغي أن يتجاوز منطق “تجميع الخدمات” إلى منطق “مرافقة المسار”. أي أن يصبح منصة تربط الشاب بالتكوين، والتوجيه، وفرص الشغل، وريادة الأعمال، والصحة النفسية، والسكن، والثقافة، والعمل التطوعي، والمشاركة المواطنة، مع تتبع لمساره وليس فقط توفير خدمة معزولة.

    ومن النقاط التي أعتقد أنها تستحق مزيداً من التطوير، مسألة إشراك الشباب أنفسهم في تصميم السياسات العمومية. فغالباً ما نستشير الشباب بعد إعداد البرامج، بينما المطلوب هو إشراكهم منذ مرحلة التشخيص، ثم تصميم الحلول، ثم التتبع والتقييم. الشباب ليسوا فقط مستفيدين من السياسات، بل يجب أن يكونوا شركاء في إنتاجها. وهذا ما سيجعل البرامج أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم وأكثر قدرة على تحقيق الأثر.

    تشير المعطيات إلى وجود 1.5 مليون من الشباب في وضعية “NEET”، إلى أي حد يمكن لهذه البرامج أن تساهم في معالجة هذه الظاهرة، بالدرجة الأولى برنامج تدرج بالشراكة مع وزارة التشغيل، وأيضا التكوينات عبر الجمعيات بدور الشباب؟

    أما فيما يتعلق بظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، والتي تقدر بحوالي 1.5 مليون شاب، فهي تعكس تحدياً بنيوياً لا يمكن لأي برنامج بمفرده أن يحله. أيضا، برنامج “تدرج” والتكوينات التي تقدمها الجمعيات داخل دور الشباب تمثل خطوة مهمة، لكنها ستظل محدودة إذا لم تكن مرتبطة بمنظومة متكاملة تضم التوجيه المهني، والمواكبة الفردية، والتكوين المرتبط بحاجيات سوق الشغل، والتحفيز على المبادرة، وربط الشباب بالمقاولات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى تتبع المستفيدين بعد انتهاء التكوين لمعرفة من اندمج فعلاً ومن بقي خارج الدورة الاقتصادية.

    كما أعتقد أن الجمعيات يجب أن تُنظر إليها كشريك استراتيجي في تنفيذ السياسة العمومية للشباب، لأنها الأقرب إلى الواقع المحلي والأقدر على الوصول إلى الفئات الهشة، خاصة في المناطق التي يصعب على المؤسسات العمومية تغطيتها بنفس الفعالية.

    يمكن القول إن السنوات الخمس الماضية عرفت انتقالا مهما من منطق تنظيم الأنشطة إلى منطق تقديم الخدمات، وهو تحول إيجابي يجب تثمينه، لكن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال إلى مستوى ثالث: منطق صناعة الأثر، أي بناء سياسة شبابية قائمة على الإنصاف المجالي، وعلى إشراك الشباب منذ مرحلة التصميم، وعلى الاعتماد على المعطيات والاحتياجات الترابية، وعلى قياس النتائج الحقيقية في حياة الشباب وليس فقط عدد المستفيدين.

    فنجاح السياسة الشبابية لن يقاس بعدد التطبيقات أو التكوينات، وإنما بقدرتها على بناء مغرب بسرعة واحدة، لا يشعر فيه أي شاب، أينما كان، بأنه أقل حظا في الوصول إلى الفرص والخدمات.

  • فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    تقف فوق كرسي بلاستيكي، وحولها عشرات الوجوه التي لم تنم منذ الليلة السابقة، وعيون تبحث عن إجابات أكثر مما تبحث عن وعود. بلا ميكروفونات، ولا كاميرات، ولا إجراءات بروتوكولية تمهد لها الطريق، فقط امرأة تحاول أن تجعل صوتها يصل إلى آخر الواقفين في مركز إيواء متضرري زلزال الحوز.

    كانت تلك المرأة هي فاطمة الزهراء المنصوري. في تلك اللحظة، تراجعت الوزيرة والعمدة، وبرز وجه آخر، امرأة تحمل هم مواطنين، في مشهد لم يكن مرتبا، ولم يكن هناك من يبحث عن التقاط صورة مناسبة تتصدر منصات “البوز”.

    لكن ما لم يظهر في الفيديو المتداول هو ما سبق تلك اللحظة قبل أيام قليلة ليلة الزلزال؛ مكالمة قلقة من الرباط، وقرار اتخذ في دقائق، ثم طريق طويلة نحو مدينة لم تكن قد استوعبت بعد حجم فاجعتها ودمارها.

    تقول سلمى بنزبير، الأمينة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة الرباط: “ليلة الزلزال كنا في الرباط، واتصلت بي المنصوري بعد دقائق من الهزة التي بلغ مداها العاصمة، ولم نكن نعرف بعد حجم ما وقع، وقالت لي بقلق: يا ربي ما يكونوش الناس تضرروا”.

    تواصل بنزبير بتأثر وهي تسترجع تفاصيل ليلة حزينة: “بعد نحو عشرين دقيقة، اتصلت بي مجددا وقالت لي: خصنا نكونوا فمراكش مع الناس”، مضيفة أن المنصوري توجهت وحيدة تلك الليلة إلى مراكش بسيارتها الخاصة.

    ربما لم يكن ذلك المشهد سوى مفتاح لفهم شخصية فاطمة الزهراء المنصوري، فخلف الملامح التي توحي بالحزم، تقيم امرأة يصعب عليها أن تنظر إلى السياسة بوصفها منصبا أو امتيازا، فبالنسبة إليها، تبدأ المسؤولية حين يحتاج الناس إلى من يكون بينهم.

    لذلك، لم يكن حضورها مقتصرا على المدينة الحمراء، بل حملها التزامها الإنساني قبل مسؤوليتها إلى القرى والدواوير التي خلف الزلزال فيها وجعا كبيرا، في الحوز وشيشاوة وتارودانت وورزازات وغيرها، بسيارتها الخاصة، وهناك، لم تكن المسافات ما يشغلها أو يؤرقها، بل تشابه الوجوه التي فقدت بيوتا وأقارب، وتشابه الحاجة إلى من يصغي ويطمئن قبل أن يعد.

    من القانون إلى السياسة

    ملامحها، للوهلة الأولى، توحي بشخصية صارمة، نظرة حادة يقابلها حضور هادئ وكلمات محسوبة، لكن هذه الصورة لا تكتمل إلا عندما تبتسم، أو عندما تتحدث عن مراكش التي تسكنها، أو عن الشباب، أو عن النساء، أو عن السياسة كما تتصورها هي.

    المقربون منها يؤكدون أن قوة المنصوري لا تستمدها من القسوة، بل من فرط حساسيتها تجاه ما تعتبره واجبا، ولهذا تؤكد سلمى بنزبير أن إنسانية المنصوري الكبيرة هي التي صنعت منها امرأة حديدية، وليس العكس، فقوتها تأتي من إحساسها العميق بمسؤوليتها تجاه الناس، وعندما تختار أن تحارب، فإنها تفعل ذلك دفاعا عن قضية أو عن مواطن، لا من أجل إثبات ذاتها.

    لم تبدأ علاقتها بالسياسة داخل مقر حزبي، بل في مكتبة منزل العائلة وحول مائدة كانت النقاشات العامة جزءا من تفاصيلها اليومية، فهناك تشكل وعيها الأول، قبل أن تصقل دراسة القانون هذا الميل إلى الاحتكام للعقل والحجة والأرقام أكثر من الانفعال.

    تروي المنصوري، المزدادة في الثالث من يناير 1976 بمراكش، أن النقاشات السياسية كانت حاضرة داخل الأسرة، وأن والدها سفير المغرب السابق بالإمارات وباشا مراكش ونقيب المحامين بالمدينة الحمراء، عبد الرحمان المنصوري، رحمه الله، زرع فيها الاهتمام بالشأن العام، فيما غذت قراءاتها للكتب السياسية في ريعان شبابها هذا الميل.

    بدأت مسارها المهني محامية متخصصة في قضايا العقار والأراضي، قبل أن تجد نفسها، سنة 2008، ضمن المؤسسين الأوائل لحزب الأصالة والمعاصرة، بعد تجربة “حركة لكل الديمقراطيين”، التي جاءت في سياق أزمة العزوف السياسي التي كشفتها انتخابات 2007.

    لذلك، بالنسبة إليها، لم تكن السياسة خيارا فرديا بقدر ما كانت استجابة لسؤال كيف يمكن إعادة الثقة للمغاربة في العمل السياسي؟

    “امرأة حديدية” ولكن..

    توصف فاطمة الزهراء المنصوري بـ”المرأة الحديدية”، لكنها غير متحمسة لهذا اللقب؛ فالمقربون منها يرون أن الصورة التي ترسمها ملامحها الهادئة ونظراتها الحادة لا تعكس بالضرورة شخصيتها اليومية، فهم يتحدثون عن امرأة بشخصية مرحة بالفطرة المراكشية.

    بالنسبة إليهم، لا تنبع قوتها من القسوة، بل من إحساس عميق بالمسؤولية، لأنها تجمع بين الحزم في اتخاذ القرار واللين في التعامل مع الناس، وبين الصرامة في تدبير الملفات والقدرة على الإصغاء لمختلف الآراء، وربما لهذا يصفها بعض رفاقها بأنها “امرأة حديدية” لكن بقلب حساس، إذ لا تدخل معركة لإثبات ذاتها، بقدر ما تدخلها عندما تعتقد أنها تدافع عن فكرة أو مؤسسة أو مواطن.

    في المغرب، حيث ما تزال النساء فيه يشققن طريقهن إلى مواقع القرار بصعوبة، تحولت تجربة المنصوري إلى مصدر إلهام بالنسبة إلى عدد من الشابات. فداخل منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، تقول كثيرات إن مسارها وحضورها كان من بين الأسباب التي شجعتهن على طرق باب العمل السياسي، ليس لأنها قدمت خطابا موجها لاستقطاب النساء، وإنما لأنها جسدت، في نظرهن، إمكانية الوصول إلى المسؤولية من خلال العمل والتدرج داخل المؤسسات.

    وتقول ياسمين، إحدى المناضلات الشابات بالحزب، إنها اختارت الانضمام إلى الأصالة والمعاصرة بعدما رأت في فاطمة الزهراء المنصوري وزميلاتها في الحزب نموذجا مختلفا للمرأة السياسية؛ نموذجا يقوم على الكفاءة والانخراط في النقاش، في حزب يتيح للنساء التعبير عن آرائهن والمشاركة في صناعة القرار.

    ولا تفصل المنصوري نجاحها الشخصي عن مسار النساء الأخريات، فهي تردد، في أكثر من مناسبة، أن حضور المرأة في مواقع القرار لا ينبغي أن يبقى حدثا استثنائيا أو مناسبة للاحتفاء، بل أن يصبح أمرا طبيعيا، تقاس فيه المسؤوليات بالكفاءة والقدرة على خدمة الشأن العام فقط.

    السياسة في اختبار المواقف

    من بين أكثر مواقفها لفتا للانتباه تلك التي رافقت احتجاجات “جيل زد” وأحداث التخريب التي عرفتها العديد من المدن المغربية، ومن بينها مراكش.

    لم تكتف بإدانة أعمال التخريب، وطرحت سؤالا قد يبدو محرجا لمن يتولى مسؤولية تدبير الشأن العام والمحلي، بمن فيهم هي: “كيف ولماذا وصل أطفال في الثانية عشرة من العمر إلى الشارع في ساعات متأخرة من الليل؟”.

     بالنسبة إليها، كما تؤكد في كثير من تصريحاتها، لم يكن الحدث مجرد انفلات أمني، بل رسالة اجتماعية تستحق وقفة تأمل للفهم، لذلك لا تجد حرجا في الاعتراف بأن المغرب حقق مكاسب مهمة خلال العقود الأخيرة، لكنها ترى في الوقت نفسه أن الغضب الذي يعبر عنه الشباب دليل على أن جزءا من السياسات لم يصل بعد إلى أثره المنشود.

    وعندما وجدت نفسها في قلب الجدل المرتبط بملف أراضي تسلطانت، لم تلذ بالصمت، ولم تختبئ خلف البيانات أو البلاغات، بل خرجت إلى الإعلام، وأجابت عن “القيل والقال”، لتقطع شعرة معاوية بالتأكيد أن الأرض موضع الجدل ورثتها عن أبيها، وصرحت بممتلكاتها قبل تولي أي مسؤولية، وأن المجلس الأعلى للحسابات يتوفر على جميع المعطيات، معلنة استعدادها الكامل لأي تحقيق.

    ولا تبدو هذه المواقف، على اختلاف سياقاتها، معزولة عن بعضها البعض، لأن خيطا ناظما يجمع بينها؛ الميل إلى البحث عن جذور المشكلات لاستئصالها، وعدم التردد في تحمل مسؤولية الإجابة عنها، ففي نظر المنصوري، لا تقاس السياسة بقدرتها على إنتاج الخطابات، وإنما بقدرتها على مواجهة الأسئلة الصعبة.

    في قاموسها السياسة بعيدة عن الحسابات الضيقة، فهي تقول إن السياسة، إذا فقدت معناها، فلن يبق منها سوى الاسم، وإن معناها الحقيقي هو خدمة الآخرين، وهو ما يفسر ابتعادها عن الصدامات الإعلامية، وحرصها على الحديث عن الملفات أكثر من الأشخاص، وعلى الدفاع عن المشاريع أكثر من الدخول في سجالات سياسية، لأنها تؤمن بأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن المعارضة ليست عداوة، وأن الضرب تحت الحزام لا يبني سياسة ولا مؤسسات.

    وترى سلمى بنزبير أن هذا الأسلوب يجد جذوره في تكوينها الأكاديمي، وتبين أن المحاماة حاضرة في طريقة تفكيرها وفي أسلوب حديثها، مضيفة أن المنصوري “تمتلك رؤيتها الخاصة، ولا تحتاج إلى تزيين كلامها أو تغليفه بعبارات فضفاضة، فهي تتحدث بوضوح، وتعد بما تعتقد أنها قادرة على إنجازه، وعندما يتعذر عليها تحقيق شيء تقول ذلك بصراحة”.

    طريق طويل إلى القيادة

    يكاد يجمع الذين رافقوا فاطمة الزهراء المنصوري في مسارها السياسي على أنها لم تكن من السياسيين الذين يلاحقون المناصب، فكل مسؤولية تقلدتها جاءت بعد سنوات من العمل داخل هياكل الحزب، لا عبر حملات شخصية أو منافسة على المواقع، وحتى عندما كان اسمها يتردد لتولي مناصب قيادية، كانت تميل إلى ترك الحسم للتوافقات الحزبية، معتبرة أن المسؤولية تكليف أكثر منها مكسبا.

    وتؤكد إيمان عزيزو، التي عملت إلى جانبها منذ سنة 2016 داخل المجلس الوطني، أن اختزال صعود المنصوري في اسمها العائلي أو في دعم من مراكز النفوذ لا يعكس حقيقة مسارها، وتقول: “لم يأت بها أحد، وليس اسمها العائلي هو الذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم، فهي مناضلة تدرجت داخل مؤسسات الحزب، من التأسيس إلى المجلس الوطني ثم المكتب السياسي، واشتغلت أيضا داخل الأمانة الجهوية بمراكش، قبل أن تصل إلى مواقع المسؤولية.”

    وتستحضر عزيزو سنوات البدايات لتؤكد أن الطريق لم يكن مفروشا بالامتيازات، بل بالعمل اليومي والمنافسة، فقد كانت المنصوري تنكب على إعداد وثائق الحزب، وتحضر أشغال البرلمان، وتشارك في أعمال اللجان، وهي عضوة في المكتب السياسي، قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم بعد مسار طويل من التدرج التنظيمي.

    ولعل أكثر ما يعكس علاقتها بالسلطة أنها لم تتعامل مع المسؤوليات باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل باعتبارها امتدادا لمسار من الالتزام الحزبي، لذلك، حين كانت تتقدم إلى الواجهة، كان ذلك غالبا في لحظات احتاج فيها الحزب إلى شخصية قادرة على جمع التوافقات أكثر من حاجته إلى زعامة تبحث عن الأضواء.

    تقول بنزبير “هي لا تحب أن تبقى أسيرة المكاتب، ولا تنجذب إلى بيروقراطية الاجتماعات أو الخطب المنمقة، وتميل إلى الميدان، وإلى لقاء المواطنين والاستماع مباشرة إلى مشاكلهم ومطالبهم، وربما لهذا تحب مراكش كثيرا؛ لأنها تمنحها فرصة الاحتكاك اليومي بالناس”.

    وتضيف “وقتها ليس ملكها، فجزء كبير منه موزع بين شؤون المدينة، والوزارة، والحزب، والناس الذين يلجؤون إليها، وهي من الشخصيات التي يصعب عليها أن تفصل بين المسؤولية وحياتها اليومية”.

    حارسة التوازنات

    إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد عرف، منذ تأسيسه، محطات من التجاذب والانقسام وتغيير القيادات، فإن اسم فاطمة الزهراء المنصوري ظل واحدا من الأسماء القليلة التي حافظت على حضورها بعيدا عن منطق الاصطفافات. فرغم تغير القيادات، وتعاقب الأزمات، واشتداد الخلافات في بعض المحطات، لكنها بقيت على رأس “برلمان الحزب”، في سابقة تعكس حجم الثقة التي راكمتها داخل التنظيم.

    خلال ترؤسها للمجلس الوطني لولايتين، عاصرت ثلاثة أمناء عامين؛ إلياس العماري، فحكيم بن شماش، ثم عبد اللطيف وهبي، قبل أن تقود تجربة القيادة الجماعية لـ”الجرار”.

    وفي ذروة الأزمة التنظيمية التي هددت بتفكك الحزب قبيل مؤتمره الرابع، لم تكن أكثر الوجوه حضورا أمام الكاميرات، لكنها كانت من أكثرها تأثيرا خلف الكواليس، فقد اختارت، كما يروي عدد من قياديي الحزب، أن تلعب دور الجامع أكثر من دور الطرف، وأن تنحاز إلى الحفاظ على تماسك الحزب بدل الانخراط في معارك الزعامة.

    ولعل أكثر ما يلفت في مسارها أنها لم تصل إلى رئاسة المجلس الوطني عبر معارك داخلية، بل أعيد انتخابها وسط توافق واسع، وحتى عندما طرح اسمها لقيادة الحزب سنة 2020، فضلت، وفق روايات متقاطعة داخل “البام”، البقاء في موقع ترى أنه أكثر خدمة للحزب في تلك المرحلة، لتفسح المجال أمام عبد اللطيف وهبي.

    وهبي، يصفها بـ”ضمير الحزب”، لأنها تجمع بين الصرامة في الدفاع عن مبادئها واللين الإنساني العميق، أما داخل الحزب، فيرى كثير من مناضليه أن “الرئيسة”، كما يفضلون مناداتها، كانت في أكثر من محطة صمام أمان ساهم في احتواء الخلافات وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما كان الحزب يمر بأصعب اختباراته.

    القناعات تصنع الخصوم

    لم تكن كل محطات صعود فاطمة الزهراء المنصوري هادئة، فداخل حزب الأصالة والمعاصرة، كما في مواقع المسؤولية التي تقلدتها، ارتبط اسمها أحيانا بقرارات أثارت الجدل.

    ثباتها على مواقفها لم يمر دائما من دون كلفة، فمنذ السنوات الأولى لمسارها داخل الحزب، وجدت نفسها في قلب محطات تنظيمية وسياسية معقدة.

    فبالرغم من أنها دعمت انتخاب إلياس العمري أمينا عاما سنة 2016، لم تتردد لاحقا في معارضة طريقة تدبير الأزمة التي أعقبت الانتخابات التشريعية لتلك السنة قبل استقالته من الأمانة العامة. وفي خضم تلك المرحلة، انسحبت من اللجنة المكلفة بتدبير المرحلة الانتقالية، وهو موقف وضعها في مواجهة مع قيادة الحزب آنذاك.

    ولم تكن تلك المحطة سوى محطة في مسار سياسي اتسم بالتمسك بما تعتبره أولوية للمؤسسة على الأشخاص؛ ففي أزمة الحزب سنة 2019، وجدت نفسها في قلب محطة أخرى معقدة، حين انخرطت في “تيار المستقبل”، الذي دعا إلى تجاوز الانقسام الداخلي وعقد مؤتمر وطني يعيد ترتيب البيت الحزبي.

     ذلك الخيار وضعها في مواجهة مع القيادة القائمة آنذاك، وعلى رأسها الأمين العام، حكيم بن شماش، قبل أن تنتهي الأزمة بتسوية رأبت الصدع داخل الحزب، وبانتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب.

    تستحضر عزيزو، التي اشتغلت معها لسنوات داخل الحزب، هذه السمة بوضوح، فتقول إن المنصوري كانت معروفة بأنها تعبر عن مواقفها داخل مؤسسات الحزب، لا في الكواليس أو “الصالونات”، وتضيف: “كانت تقول رأيها في الاجتماعات، ولهذا احترمها المناضلون، حتى عندما اختلفوا معها.”

    وترى أن هذا الأسلوب أكسبها لقب “ضمير الحزب” قبل أن يطلق عليها لقب “المرأة الحديدية”، لأنها “كانت تشهد بالحق، وتدافع عما تعتبره مصلحة الحزب، حتى إن لم يرض ذلك بعض أصحاب المصالح الشخصية”.

    ولعل أبرز اختبار لهذا النهج كان قرار تجميد عضوية صلاح الدين أبو الغالي من القيادة الجماعية للحزب، في خضم أزمة داخلية حظيت باهتمام واسع، فقد دافعت القيادة الثلاثية، وعلى رأسها المنصوري، عن القرار باعتباره مرتبطا باحترام ميثاق أخلاقيات الحزب، بينما اعتبره منتقدون قرارا سياسيا قاسيا.

    وبالنسبة إلى من يعرفونها، ممن تحدثوا للجريدة عن شخصية المنصوري، فلم يكن أسلوبها دائما الطريق الأيسر، لكنه كان جزءا من الطريقة التي اختارت بها ممارسة السياسة.

    وبعد نحو عقد من العمل إلى جانبها، تلخص إيمان انطباعها بعبارة واحدة: “فاطمة الزهراء المنصوري من السياسيات القليلات اللواتي ما زلن يمارسن السياسة بالأخلاق، ففي زمن أصبح فيه قول الحقيقة يعد جرأة، كانت هي تعتبره جزءا طبيعيا من نبل العمل السياسي”.

    قيادة خارج النموذج التقليدي

    اختارت المنصوري، في حزب عرف بتقلبات قيادته، أن تكون “حارسة” التنظيم أكثر من صانعة الزعامة، لذلك لم يكن اختيارها منسقة للقيادة الجماعية معزولا عن المسار الذي راكمته.

    داخليا، وحتى في أعين المنافسين، لم يكن الرهان سهلا، فقد شكك كثيرون في قدرة ثلاثة أشخاص على قيادة “جرار” واحد، وتوقع البعض أن تتحول القيادة الجماعية إلى مصدر جديد للخلافات، أو في أفضل الحالات إلى صيغة انتقالية سرعان ما ستنتهي بالعودة إلى منطق الزعيم الواحد.

    لكن مع دنو التجربة من عامها الثالث، تبدو الصورة مختلفة، فقد استمر الحزب في أداء أدواره التنظيمية والسياسية، وواصل هيكلته التنظيمية الجديدة، وقوى حضوره في الحكومة والبرلمان، حتى أضحت التكهنات تضعه على رأس المرشحين لتصدر استحقاقات 23 شتنبر المقبل.

    لكن ذلك لم يمنع ظهور صراعات وهزات داخلية اختبرت النموذج الجديد للقيادة، على رأسها تجميد عضوية صلاح الدين أبو غالي، الذي عوض لاحقا بفاطمة السعدي، وقضية “إسكوبار الصحراء”، التي سُلّت شوكة الاتهامات للحزب بتجميد قبلي لعضوية المتهمين في الملف المنتمين للحزب.

    خارج حدود الحزب

    حين كلفها الملك محمد السادس في نهاية أكتوبر 2024 برئاسة البعثة الشرفية المرافقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكن الاختيار يختزل في إتقان اللغات، بل في القدرة على تمثيل صورة المغرب في بعدها السياسي والثقافي والحضاري، فمثل هذه المناسبات لا تختبر فيها فقط المعرفة ببروتوكول الدولة، بل أيضا سعة الثقافة، والقدرة على إدارة حوار يتجاوز الملفات السياسية إلى التاريخ والمجتمع والفنون والهوية.

    لم يكن اختيار المنصوري لتكون أول امرأة يكلفها الملك محمد السادس لمرافقة رئيس دولة خلال زيارته الرسمية للمملكة مجرد إجراء بروتوكولي، بل محطة تعكس مسارا راكمت فيه ثقة داخل الحزب، ثم داخل الحكومة، وصولا إلى تمثيل الدولة في مناسبة دبلوماسية رفيعة.

    “عندما يتعلق الأمر بتمثيل المغرب، تظهر شخصية أخرى؛ أكثر رسمية، تستند إلى تكوينها القانوني، وإتقانها للفرنسية والإنجليزية، وثقافتها العامة الواسعة، فالنقاش في مثل هذه المناسبات لا يقتصر على السياسة أو الأحزاب، بل يمتد إلى الثقافة والمجتمع والتاريخ، وهي فضاءات تتحرك فيها بثقة”، تؤكد مقربة من المنصوري.

    وربما لهذا يصعب اختزالها في شخصية سياسية فقط؛ فهي تحمل في حديثها أثر المحامية، وفي قراراتها أثر المسيرة المحلية، وفي حضورها الخارجي أثر تكوين ثقافي جعلها تتحرك بين عوالم القانون والسياسة والثقافة بسلاسة.

    هل تكون امرأة المرحلة المقبلة؟

    في فبراير 2020، حملها مناضلو حزبها على الأكتاف عند انتخابها رئيسة للمجلس الوطني للمرة الثانية، ثم تكرر المشهد مع اختيارها منسقة للقيادة الجماعية، وبالنسبة إلى كثيرين داخل الحزب، لم تكن تلك مجرد لحظة احتفالية، بل إشارة إلى صعود سياسي متواصل، جعل اسمها يتردد كلما فتح النقاش حول الأجدر بقيادة الحكومة المقبلة.

    ويرى مقرب منها أن جمعها بين مسؤوليات ثلاث ثقيلة؛ وزيرة، وعمدة لمراكش، ومنسقة للقيادة الجماعية للحزب، جعلها نموذجا يثير، داخل عالم سياسي ذكوري، قدرا من التوجس لدى بعض الحريصين على مواقعهم، لأن نموذجا مماثلا للمنصوري لا يتكرر داخل الأحزاب الأخرى، حتى بين الرجال.

    ويؤكد أن شخصيتها متفردة في قدرتها على الجمع بين التدبير المحلي، والمسؤولية الحكومية، والقيادة الحزبية، من دون أن تتخلى عن طريقتها الخاصة في العمل، والحديث عن فرصها في ترؤس الحكومة لم يكن يوما من منظور مقاربة النوع، بل لأنها اليوم الأكفأ لتولي هذا المنصب.

    لكن المنصوري نفسها تتجنب استباق الأحداث، ولا تعلن طموحها، كما لا تبني خطابها على الوعود الشخصية، وتكتفي بالتأكيد أن الوطن أكبر من المناصب، وأن المسؤولية ليست غاية في ذاتها، وهي مستعدة لخدمة بلدها من أي موقع كان.

    ويجمع المقربون منها على عدم اختزالها في لقب “المرأة الحديدية”، فهي أقرب إلى سياسية تراهن على الهدوء أكثر من الشعبوية، وعلى المؤسسة أكثر من الشخص، وعلى القناعة أكثر من الطموح، واختارت أن تترك لمسارها، بكل ما فيه من نجاحات وانتقادات، مهمة التعريف بها. لذلك، ربما يكون أهم ما حققته فاطمة الزهراء المنصوري، حتى الآن، ليس المناصب التي تقلدتها، بل الصورة التي صنعتها، ليتحول السؤال من: من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟ إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا المسار السياسي؟