رأسمال بشري خالق للقيمة.. لماذا يقترح “البام” بدأ الإصلاح من المدرسة؟

كُتب بواسطة

في

,

لا تبدأ أزمة التعليم عندما يغادر التلميذ المدرسة، بل تتشكل بصمت منذ السنوات الأولى من التمدرس، حين يعجز عن قراءة نص بسيط أو فهم معناه أو توظيف أبسط العمليات الحسابية رغم سنوات قضاها داخل الفصل الدراسي. في تلك اللحظة، لا يكون التلميذ وحده من تعثر بل تكون المدرسة نفسها قد أخفقت في أداء وظيفتها الأساسية المتمثلة في تحويل سنوات التمدرس إلى تعلم حقيقي.

ولسنوات طويلة، انصب النقاش حول التعليم في المغرب على نسب التمدرس، وتوسيع العرض المدرسي وتقليص الهدر، غير أن المؤشرات الوطنية والدولية كشفت أن الولوج إلى المدرسة لا يعني بالضرورة اكتساب التعلمات الأساسية، فقد يقطع التلميذ مساره الدراسي كاملا ويغادر المؤسسة التعليمية وهو يفتقد الكفاءات التي تؤهله لمواصلة التعلم أو الاندماج في سوق الشغل أو المشاركة في اقتصاد يقوم أكثر فأكثر على المعرفة والمهارة والابتكار، لتتحول أزمة التعليم من قضية قطاعية إلى قضية تنموية تمس جودة الرأسمال البشري وقدرة البلاد على بناء اقتصاد أكثر تنافسية وإنتاجية.

من هذا التشخيص، ينطلق مشروع الأصالة والمعاصرة ضمن رؤية “المغرب الصاعد” لحزب الأصالة والمعاصرة، لكنه لا يقترح إصلاحا يقتصر على مراجعة المناهج أو إعادة تنظيم المؤسسات بل يعيد طرح سؤال أكثر جوهرية “ما الذي ينبغي أن تضمنه المدرسة لكل تلميذ قبل مغادرتها؟.

ويجيب عن ذلك بالدعوة إلى إرساء قاعدة وطنية موحدة من الكفاءات الأساسية، وإخضاع نتائج الإصلاح لتقييم مستقل يقيس أثره الفعلي على التعلمات، بما يجعل المدرسة تقاس بما ينتجه التلميذ من معرفة ومهارات، لا بعدد السنوات التي قضاها على مقاعد الدراسة.

حين تكشف الأرقام ما تخفيه نسب التمدرس

إذا كانت المدرسة المغربية قد نجحت خلال العقود الماضية، في توسيع الولوج إلى التعليم ورفع نسب التمدرس، فإن التحدي الذي يواجهها اليوم لم يعد يتمثل في عدد الأطفال الذين يدخلون الأقسام، بل في مستوى التعلمات التي يغادرون بها تلك الأقسام، فالمؤشرات الدولية لم تعد تقيس عدد سنوات الدراسة وإنما تقيس ما يستطيع التلميذ إنجازه فعليا بعد تلك السنوات، وهو تحول نقل النقاش من سؤال كم يدرس التلميذ؟ إلى سؤال أكثر حسما ماذا تعلم فعلا؟

وتعكس نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ “PISA 2022” عمق هذا التحول، إذ لا يبلغ الحد الأدنى من الكفايات سوى 18 في المئة من التلاميذ في الرياضيات، و19 في المئة في القراءة، و25 في المئة في العلوم.

ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في انخفاضها فقط، بل في أنها تعني أن أغلبية التلاميذ تجد صعوبة في توظيف المعارف التي تلقتها داخل المدرسة لحل مشكلات واقعية أو فهم نصوص أو تحليل معطيات، وهي المهارات التي أصبحت اليوم معيارا أساسيا لقياس جودة الأنظمة التعليمية.

ولا تبدأ هذه الهشاشة في نهاية المسار الدراسي، بل تتشكل منذ السنوات الأولى للتعلم، فقد أظهر اختبار “PIRLS” لقياس فهم المقروء أن المغرب سجل 372 نقطة فقط، مقابل متوسط دولي يبلغ 500 نقطة، وهو فارق يعكس تعثرا مبكرا في اكتساب القراءة بوصفها المهارة المؤسسة لبقية التعلمات، فالطفل الذي لا يتقن القراءة في سنواته الأولى يجد نفسه أمام صعوبات متراكمة في الرياضيات والعلوم وسائر المواد، لأن القراءة ليست مادة دراسية فحسب بل الأداة التي يمر عبرها التعلم كله.

المؤشرات الوطنية بدورها لا تختلف كثيرا عن هذا التشخيص، فحسب المندوبية السامية للتخطيط، لم تتجاوز نسبة إتمام التعليم الثانوي الإعدادي 62 في المئة سنة 2024، بينما لا يمتلك 73 في المئئة من التلاميذ البالغين 15 سنة الكفايات المناسبة لأعمارهم، وسبق لنحو 49 في المئئة منهم أن أعادوا سنة دراسية واحدة على الأقل وهي معطيات لا تعكس فقط تعثرات تربوية، بل تشير إلى كلفة تنموية تمتد آثارها إلى سوق الشغل والإنتاجية والابتكار، لأن جودة الرأسمال البشري تبدأ من جودة التعلمات التي توفرها المدرسة.

عندما تصبح مسؤولية المدرسة قابلة للقياس

في معظم أنظمة التعليم، تحدد المدرسة ما ينبغي تدريسه ثم تترك نتائج التعلم تتفاوت بين التلاميذ بحسب قدراتهم أو ظروفهم الاجتماعية أو جودة المؤسسة التي ينتمون إليها.

 أما التصور الذي يطرحه مشروع “زمن الإقلاع” للأصالة والمعاصرة فينطلق من منطق مختلف، قوامه أن المدرسة لا ينبغي أن تكتفي بتوفير فرصة التعلم، بل أن تتحمل مسؤولية ضمان حد أدنى مشترك من التعلمات الأساسية لكل تلميذ، وبهذا المعنى ينتقل الإصلاح من منطق يركز على الوسائل إلى منطق يركز على النتائج، ومن تقييم ما قدمته المدرسة إلى تقييم ما اكتسبه المتعلم فعلا.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تعديل للمناهج أو إعادة ترتيب للمواد الدراسية، بل بإعادة تعريف ما يعتبر نجاحا داخل المنظومة التعليمية، فالبرنامج يقترح إرساء قاعدة وطنية للكفاءات الأساسية تشمل القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي إلى جانب المواطنة والسلوك المدني باعتبارها الحد الأدنى الذي يفترض أن يمتلكه كل تلميذ في نهاية كل مرحلة من مساره الدراسي، ويعني ذلك أن الانتقال بين المستويات التعليمية لا يرتبط فقط باستكمال المقرر وإنما بالتحقق من اكتساب هذه الكفاءات، مع توفير آليات للمواكبة والدعم كلما أظهرت التقييمات وجود تعثرات في التعلم.

ولا تبدو هذه المقاربة معزولة عن التحولات التي شهدتها السياسات التعليمية على الصعيد الدولي خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل الاهتمام تدريجيا من حجم المعارف التي يتلقاها التلميذ إلى قدرته على توظيفها في مواقف واقعية، لذلك، لم تعد جودة المدرسة تقاس بكمية المضامين التي تقدمها، بل بمدى نجاحها في بناء كفاءات قابلة للاستخدام، وهو ما تعكسه الاختبارات الدولية التي أصبحت تركز على الفهم والتحليل وحل المشكلات أكثر من قياس القدرة على الحفظ والاستظهار.

وفي هذا الإطار، يربط البرنامج بين إصلاح المدرسة وبناء رأسمال بشري قادر على خلق القيمة، انطلاقا من قناعة مفادها أن الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى خريجين يحملون شواهد، بل إلى أفراد يمتلكون المهارات التي تسمح لهم بالإنتاج والابتكار والتكيف مع التحولات التكنولوجية وسوق الشغل.

ومن ثم، لا يقدم التعليم باعتباره قطاعا مستقلا عن باقي السياسات العمومية، بل باعتباره الحلقة الأولى في مشروع تنموي أوسع تبدأ نتائجه داخل القسم الدراسي، لكنها تمتد إلى تنافسية الاقتصاد وإنتاجيته على المدى البعيد.

بين تقييم الإصلاح وإصلاح التقييم

لا يكفي أن تطلق الدولة برامج إصلاحية جديدة حتى تتحسن المدرسة، كما لا يكفي أن تعلن عن نتائجها حتى تثبت نجاحها، فقد راكم قطاع التعليم خلال العقدين الماضيين استراتيجيات ومخططات متعددة، رافقتها تقارير وتتبع ومؤشرات، غير أن ضعف التعلمات ظل قائما وهو ما أعاد طرح سؤال جوهري: هل كانت المنظومة تقيس فعلا أثر الإصلاحات على تعلم التلاميذ، أم كانت تكتفي بقياس مدى تنفيذها على أرض الواقع؟

من هذا المنطلق، يمنح مشروع “زمن الإقلاع” للتقييم وظيفة تتجاوز مراقبة التنفيذ، ليصبح أداة لإنتاج المعرفة حول أثر السياسات العمومية نفسها، لذلك، لا يكتفي بالدعوة إلى تعميم “مدارس الريادة”، بل يشترط أن يسبق أي تعميم شامل تقييم علمي مستقل يقيس النتائج المحققة، ويستند إلى مؤشرات موضوعية حول تطور التعلمات الأساسية، بما يسمح بالتمييز بين نجاح التجربة كسياسة عمومية، وبين نجاحها في بعض المؤسسات أو السياقات الخاصة.

ويعكس هذا التوجه تحولا في مفهوم الحكامة التعليمية، فالتقييم وفق هذا التصور، لا ينجزه الجهاز نفسه الذي يشرف على تنفيذ المشروع، بل يسند إلى هيئة مستقلة بما يعزز موضوعية النتائج ويحد من خطر الاكتفاء بمؤشرات الإنجاز، والفرق بين الأمرين جوهري إذ تخبر مؤشرات الإنجاز بعدد المؤسسات المنخرطة، وعدد المستفيدين، وحجم الموارد المعبأة، بينما يجيب قياس الأثر عن أسئلة أكثر عمقا هل تحسن مستوى القراءة؟ هل اكتسب التلاميذ المهارات المستهدفة؟ وهل تقلصت الفوارق بين المؤسسات والجهات؟

وفي خلفية هذا الاختيار، يبرز توجه متزايد في إدارة السياسات العمومية يقوم على ربط القرار بالأدلة، لا بالانطباعات، فالتوسع في أي برنامج لا يستمد مشروعيته من حجمه أو من الموارد التي خصصت له، وإنما من قدرته على إحداث أثر مثبت بالمعطيات. ولذلك، يقدم التقييم في المشروع باعتباره باعتباره أحد شروط الإصلاح لأن السياسة العمومية التي لا تقاس نتائجها بصورة مستقلة تظل عاجزة عن معرفة ما إذا كانت تحقق أهدافها فعلا، أو تحتاج إلى مراجعة مسارها.

مدارس الريادة.. حين ينتقل الإصلاح من الوثيقة إلى القسم

إذا كانت القاعدة الوطنية للكفاءات الأساسية تمثل الإطار النظري الذي يقترحه المشروع السياسي للبام، فإن “مدارس الريادة” تمثل أول اختبار عملي لهذه الفلسفة داخل الفصول الدراسية. فالتجربة لا تقوم على إدخال تعديلات جزئية على المناهج، بل تنطلق من إعادة بناء الممارسة التعليمية اليومية عبر التركيز على التعلمات الأساسية واعتماد مقاربات بيداغوجية أكثر نجاعة، وتعزيز المواكبة الفردية للتلاميذ، وربط التدريس بالتقييم المستمر للنتائج. وهي بذلك تنقل الإصلاح من مستوى النصوص والتوجهات العامة إلى مستوى القسم، حيث تتحدد في النهاية جودة التعلمات.

وخلال فترة وجيزة، انتقلت التجربة من نطاق محدود إلى أحد أكبر الأوراش التربوية التي تعرفها المنظومة التعليمية المغربية. فقد بلغ عدد مؤسسات الريادة في التعليم الابتدائي4626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2025-2026، تضم أزيد من مليوني تلميذة وتلميذ فيما توسعت التجربة في السلك الإعدادي لتشمل 786 مؤسسة، يؤطرها نحو23 ألفا و716 أستاذة وأستاذا، وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان الذي بات يمثله البرنامج داخل الإصلاح التعليمي كما تعكس حجم المسؤولية المترتبة على أي قرار يتعلق بتوسيعه أو تعميمه.

غير أن الاتساع الكمي في حد ذاته، لا يشكل دليلا على نجاح السياسة العمومية فكلما اتسعت دائرة التنفيذ، ازدادت الحاجة إلى التحقق من قدرة النموذج على تحقيق النتائج نفسها داخل مؤسسات تختلف في مواردها البشرية وبيئاتها الاجتماعية وإمكاناتها المادية، لذلك، لا ينظر مشروع “زمن الإقلاع” إلى “مدارس الريادة” باعتبارها تجربة ناجزة وإنما باعتبارها سياسة عمومية ينبغي أن تبرهن بالأدلة لا بالانطباعات، على قدرتها على تحسين التعلمات الأساسية وتقليص الفوارق بين التلاميذ.

ومن هنا، دعا البرنامج إلى أن يسبق أي قرار بالتعميم تقييم علمي مستقل يستند إلى مؤشرات موضوعية، ويمكن أن يستفيد من خبرة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، لقياس أثر التجربة على القراءة والرياضيات والعلوم، لا الاكتفاء برصد عدد المؤسسات المنخرطة أو الموارد التي عبئت لها، فجوهر الإصلاح، في هذا التصور يقاس بقدرة المشروع على تحويل سنوات التمدرس إلى تعلم فعلي، وعلى إثبات أن المدرسة أصبحت تنتج نتائج أفضل، لا أنها فقط وسعت دائرة المستفيدين منها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *