التصنيف: ديكريبتاج

  • 15 مليار درهم إضافية للتشغيل.. الحكومة توسع برامج الإدماج لتشمل الشباب بدون شهادات

    15 مليار درهم إضافية للتشغيل.. الحكومة توسع برامج الإدماج لتشمل الشباب بدون شهادات

    انتقلت الحكومة إلى مرحلة جديدة في تنزيل خارطة الطريق الوطنية للتشغيل في أفق 2030، بتعبئة غلاف مالي إضافي يقارب 15 مليار درهم، وذلك بالتوازي مع توسيع برامج الإدماج المهني لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، وإعادة هيكلة عدد من آليات التشغيل القائمة، وتعزيز تدخل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”.

    وكشف وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، في جواب كتابي عن سؤال بمجلس المستشارين، عن جملة من الإجراءات التي تراهن عليها الحكومة لتسريع الإدماج في سوق الشغل، تشمل تحفيز الاستثمار والحفاظ على فرص الشغل، خصوصا في الوسط القروي، وتوسيع الاستفادة من برامج التشغيل النشيطة، إلى جانب اعتماد مقاربة ترابية تراعي خصوصيات سوق الشغل في كل جهة.

    ويأتي الغلاف المالي الإضافي، الذي يناهز 15 مليار درهم، لدعم التنزيل العملي لخارطة الطريق الوطنية للتشغيل في أفق 2030، في وقت تضع فيه الحكومة ضمن أولوياتها الوصول إلى الفئات التي ظلت استفادتها محدودة من برامج التشغيل، وفي مقدمتها الشباب الذين غادروا منظومة التعليم دون الحصول على شهادات.

    وبحسب المعطيات التي قدمها السكوري، تستند هذه التحركات إلى التزامات البرنامج الحكومي 2021-2026، الذي حدد هدف إحداث ما لا يقل عن مليون منصب شغل صاف، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر بعدا عن سوق الشغل، وخاصة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين، وهي الفئة المعروفة اختصارا بـ”NEET”.

    ويربط الوزير هذا التوجه أيضا بتوصيات النموذج التنموي الجديد، الذي وضع الرأسمال البشري في صلب السياسات العمومية، بما يقتضي توسيع دائرة المستفيدين من آليات الإدماج وعدم حصرها في الفئات الحاصلة على الشهادات والمؤهلات الأكاديمية.

    برامج التشغيل تفتح أبوابها أمام غير الحاصلين على شهادات

    ويشكل توسيع برامج التشغيل لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات أحد أبرز التحولات التي تتضمنها خارطة الطريق، إذ تتجه الحكومة إلى إدماج هذه الفئة ضمن برامج التشغيل النشيطة، بالتوازي مع تعزيز مهام الوساطة التي تضطلع بها “أنابيك” بين الباحثين عن فرص العمل والمشغلين.

    ويعني هذا التوجه توسيع قاعدة المستفيدين من آليات الإدماج لتشمل فئات من الشباب الذين غادروا المدرسة أو التكوين دون مؤهلات أكاديمية، والذين يجدون صعوبات أكبر في الولوج إلى سوق الشغل والاستفادة من بعض آليات المواكبة القائمة.

    ولا تقتصر التدابير المعلنة على هذه الفئة، إذ تتضمن خارطة الطريق إجراءات موجهة إلى النساء، عبر معالجة عدد من العوائق التي تحد من ولوجهن إلى سوق الشغل أو استمرارهن فيه.

    وفي هذا الإطار، تضع الحكومة ضمن التدابير المرتبطة بالتشغيل تحسين وسائل النقل والإنارة العمومية وتوسيع عرض خدمات رعاية الأطفال، باعتبارها عوامل مرتبطة بقدرة النساء على الولوج إلى فرص العمل.

    وإلى جانب التدخل المباشر في سوق الشغل، تشمل خارطة الطريق إجراءات مرتبطة بالمراحل السابقة لدخول الشباب إلى الحياة المهنية، من خلال مكافحة الهدر المدرسي، وتطوير مدارس الفرصة الثانية، وتوسيع عرض التكوين المهني.

    صندوق محمد السادس و”الجيل الأخضر” ضمن رافعات التشغيل

    وتراهن الحكومة، في تنفيذ سياستها الجديدة للتشغيل، على تعبئة عدد من البرامج والأوراش الاقتصادية القائمة وربطها بهدف إحداث فرص العمل، بدل حصر السياسة العمومية للتشغيل في برامج الإدماج المباشر.

    وفي هذا السياق، أشار السكوري إلى صندوق محمد السادس للاستثمار باعتباره أحد الرافعات التي تراهن عليها الحكومة لتحفيز الاستثمار وما يرتبط به من إحداث فرص الشغل.

    كما تشمل الآليات التي أوردها الوزير استراتيجية “الجيل الأخضر”، إلى جانب تطوير العرض الوطني لدور الحضانة واتخاذ تدابير لتحسين تنقل الأجراء، فضلا عن تعزيز برامج الإدماج الاقتصادي التي أثبتت فعاليتها.

    وتجمع هذه التدخلات، وفق التصور الذي عرضه الوزير، بين تحفيز النشاط الاقتصادي والاستثمار من جهة، والتدخل في بعض العوائق الاجتماعية واللوجستية التي تؤثر في قدرة الباحثين عن العمل على الولوج إلى الفرص المتاحة من جهة أخرى.

    سياسة التشغيل تنتقل إلى الجهات

    ومن أبرز مكونات خارطة الطريق كذلك تعزيز البعد الترابي لسياسة التشغيل، عبر الانتقال إلى تدخلات أكثر ارتباطا بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة.

    وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة إنجاز تشخيصات على مستوى مختلف جهات المملكة، بهدف تحديد القطاعات والأنشطة الأكثر قدرة على إحداث فرص الشغل في كل مجال ترابي، ومن ثم ملاءمة برامج الإدماج والتكوين والمواكبة مع حاجيات الأسواق المحلية.

    وتتضمن هذه المقاربة إحداث فضاءات مخصصة للتشغيل وريادة الأعمال، إلى جانب إبرام عقود-برامج مع الجهات وإحداث هيئات للحكامة تجمع مختلف الشركاء والمتدخلين في مجال التشغيل.

    ومن المنتظر أن تدعم المجالس الجهوية هذا المسار من خلال تمويل برامج مرتبطة بتحسين قابلية الفئات الهشة للتشغيل، ودعم التشغيل الذاتي، ومواكبة التعاونيات، وتمويل المشاريع المدرة للدخل، إضافة إلى إحداث فضاءات للتوجيه المهني.

    وتتضمن المقاربة أيضا وضع آليات للتتبع والتقييم، بهدف تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين وقياس نتائج البرامج المعتمدة.

    أنابيك” تستهدف إدماج 800 ألف شخص

    وتحتل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات موقعا مركزيا في الإجراءات التي كشف عنها السكوري، إذ تتجه الحكومة إلى توسيع أدوارها وتعزيز تدخلها في سوق الشغل، بالتوازي مع تنفيذ مخططها الاستراتيجي للفترة 2022-2026.

    وحدد هذا المخطط هدف إدماج 800 ألف شخص في سوق الشغل، إلى جانب تحسين قابلية 500 ألف مستفيد للتشغيل، ومواكبة 60 ألف حامل مشروع، ودعم 33 ألف مقاولة صغيرة جدا.

    وتعمل الوكالة بالتوازي مع ذلك على برامج للإدماج الاقتصادي جرى تطويرها مع شركاء دوليين وإطلاقها في أربع جهات من المملكة، قبل الانتقال إلى تعميمها.

    وتستهدف هذه البرامج تعزيز المنظومات الجهوية للتشغيل، ودعم ريادة الأعمال، وتحسين الحكامة الترابية لسوق الشغل، بما ينسجم مع توجه الحكومة نحو نقل جزء أكبر من تدبير ملف التشغيل إلى المستوى الجهوي.

    إصلاح “إدماج” وتوسيعه لغير الحاصلين على شهادات

    وتكشف المعطيات التي قدمها وزير التشغيل أيضا عن تقدم عدد من الأوراش التشريعية والتنظيمية المرتبطة بخارطة الطريق، وفي مقدمتها إصلاح برنامج “إدماج”.

    وأوضح السكوري أن مشروع إصلاح البرنامج أحيل على مجلس النواب، ويتضمن توسيع الاستفادة منه لتشمل الأشخاص غير الحاصلين على شهادات، في خطوة تستهدف تجاوز أحد العوائق التي تحد من استفادة هذه الفئة من برامج الإدماج المهني.

    وبالتوازي مع إصلاح “إدماج”، تتواصل الأشغال المتعلقة بمراجعة برنامج “تأهيل”، فيما تعمل الحكومة على تصميم آلية جديدة للمساعدة الموحدة على التشغيل.

    ويضع هذا المسار عددا من البرامج التقليدية لإنعاش التشغيل أمام إعادة هيكلة، سواء من حيث الفئات المستفيدة منها أو طبيعة المواكبة المقدمة للباحثين عن العمل.

    خمس وكالات رقمية وثمانية أوراش لتحديث “أنابيك

    ويتزامن توسيع مهام “أنابيك” مع إطلاق ثمانية أوراش لتحديث الوكالة، بهدف تكييف خدماتها مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل وتوسيع نطاق تدخلها.

    وتشمل هذه الأوراش إحداث خمس وكالات رقمية نموذجية، وتعزيز الشبكة الترابية للوكالة، وتحديث الخدمات التي تقدمها للباحثين عن العمل والمقاولات، إلى جانب إرساء نموذج جديد للأداء.

    كما يجري استكمال نموذج تجريبي لمراكز التوجيه المهني، جرى تطويره بتنسيق بين وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل.

    وتندرج هذه المراكز ضمن توجه يرمي إلى تعزيز التوجيه والمواكبة وربط مسارات التكوين بحاجيات سوق الشغل، في وقت تجمع فيه خارطة الطريق الجديدة بين إصلاح برامج “إدماج” و”تأهيل”، وتوسيع الاستفادة لفائدة غير الحاصلين على شهادات، وتقوية الوساطة في سوق الشغل، وإدخال البعد الجهوي في تصميم برامج التشغيل.

    وتضع الحكومة بذلك الغلاف الإضافي الذي يقارب 15 مليار درهم ضمن مقاربة أوسع لا تقتصر على تمويل برامج تشغيل مباشرة، وإنما تجمع بين الاستثمار والحفاظ على فرص العمل، وإعادة هيكلة برامج الإدماج، ومواجهة الهدر المدرسي، وتطوير التكوين المهني، ودعم التشغيل الذاتي وريادة الأعمال، وإزالة بعض العوائق أمام تشغيل النساء، مع منح الجهات دورا أكبر في تحديد حاجياتها وبرامجها في مجال التشغيل.

  • بعد أحداث سبتة أرقام الكناري تكشف الوجه الآخر.. الهجرة تتراجع بـ59.6% ومدريد تشيد بتعاون المغرب

    بعد أحداث سبتة أرقام الكناري تكشف الوجه الآخر.. الهجرة تتراجع بـ59.6% ومدريد تشيد بتعاون المغرب

    بعد أيام من الأحداث التي أعادت الهجرة غير النظامية عبر سبتة إلى صدارة النقاش بين المغرب وإسبانيا، قدمت السلطات الإسبانية معطيات جديدة عن المسار الأطلسي للهجرة تكشف اتجاها مغايرا تماما لما شهدته الحدود الشمالية للمملكة.

    فمنذ بداية 2026 وحتى نهاية يوليوز، انخفض عدد الوافدين بحرا بطريقة غير نظامية إلى جزر الكناري بنسبة 59.6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وسط إشادة إسبانية واضحة بتعاون دول المنشأ والعبور، وتقييم وُصف بـ”اللافت جدا” للتعاون مع المغرب.

    الأرقام كشف عنها، أنسيلمو بيستانا، مندوب الحكومة الإسبانية في جزر الكناري، الذي أفاد بوصول 4675 شخصا إلى الأرخبيل منذ بداية السنة وحتى 31 يوليوز، مقابل 11575 شخصا خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

    وبلغة الأرقام، استقبلت جزر الكناري خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة 6900 وافد أقل من الفترة نفسها من العام الماضي، لكن قراءة هذه الأرقام لا تتوقف عند حجم الانخفاض وحده، فتصريحات المسؤول الإسباني تقدم مجموعة من المؤشرات بشأن الطريقة التي تنظر بها مدريد إلى التحولات الجارية على مسارات الهجرة في غرب إفريقيا بما فيها استمرار العوامل التي تدفع إلى المغادرة، وتراجع قدرة الشبكات على تنظيم العبور في بعض المسارات، وارتفاع مستوى تعاون دول المنشأ والعبور، ثم توقع عودة نسبية للضغط خلال الأشهر الأخيرة من السنة.

    ويظهر المغرب داخل هذه المعادلة باعتباره شريكا أساسيا بالنسبة إلى إسبانيا، فبيستانا تحدث عن “ضبط للتدفقات” من الجانب المغربي، وشدد على ضرورة الحفاظ على “أفضل العلاقات الممكنة” مع المملكة، قبل أن يلخص طبيعة العلاقة التي تفرضها الجغرافيا وحركة الهجرة بالقول إن المغرب وإسبانيا “ملزمان بالتعاون والتفاهم”.

    وعندما سئل مباشرة عن تقييم مدريد للعمل الذي تقوم به الرباط، أكد أن السلطات الإسبانية “راضية إلى حد كبير حتى الآن عن هذا التعاون” واصفا إياه بأنه “لافت جدا”.

    6900 وافد أقل في سبعة أشهر.. ماذا تقول الأرقام؟

    المؤشر الأكثر وضوحا في تصريحات مندوب الحكومة الإسبانية يتعلق بالتراجع الكمي في الوصول إلى جزر الكناري.

    بين فاتح يناير و31 يوليوز 2025، بلغ عدد الوافدين بطريقة غير نظامية عبر البحر 11575 شخصا، وخلال الفترة نفسها من 2026، انخفض العدد إلى 4675 شخصا، أي أن الأرخبيل سجل 6900 وافد أقل، بما يمثل تراجعا بنسبة 59.6 في المائة على أساس سنوي وهو انخفاض كبير بالنسبة إلى مسار ظل خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز بوابات الهجرة البحرية نحو الأراضي الإسبانية.

    وقدم بيستانا هذا التحول باعتباره، بدرجة أساسية، نتيجة لتحسن التعاون مع سلطات الدول التي تشكل نقاط انطلاق أو عبور للمهاجرين، وليس دليلا على انتهاء الضغط على الطريق الأطلسي أو اختفاء الرغبة في الوصول إلى أوروبا.

    ولهذا السبب تحديدا، لا تتوقع السلطات الإسبانية أن تحافظ نسبة الانخفاض على مستواها الحالي حتى نهاية السنة.

    مدريد تتوقع عودة الضغط خلال الأشهر المقبلة

    رغم انخفاض الوافدين بنسبة 59.6 في المائة إلى غاية نهاية يوليوز، يتوقع مندوب الحكومة الإسبانية أن تنتهي سنة 2026 بتراجع سنوي أقل، يتراوح بين 30 و40 في المائة.

    وهذا الفارق بين حصيلة الأشهر السبعة الأولى والتوقع السنوي يحمل دلالة مهمة، فإذا انتقلت نسبة الانخفاض من نحو 60 في المائة حاليا إلى ما بين 30 و40 في المائة عند نهاية السنة، فإن ذلك يعني أن التقديرات الإسبانية تأخذ في الاعتبار ارتفاعا نسبيا في أعداد الوافدين خلال الأشهر الخمسة الأخيرة من 2026.

    وبعبارة أخرى، لا تعتبر مدريد أن المستوى الحالي من الانخفاض سيستمر بالحدة نفسها.

    فالمسؤول الإسباني لم يقدم في تصريحاته رقما محددا لعدد الأشخاص المتوقع وصولهم بين غشت ودجنبر، لكنه وضع تقديرا واضحا للحصيلة السنوية، بما يشير إلى أن السلطات الإسبانية تستعد لاحتمال عودة جزء من الضغط على الطريق الأطلسي خلال ما تبقى من السنة.

    لماذا انخفضت أعداد القوارب؟

    بالنسبة إلى بيستانا، يرتبط التفسير الأول بما وصفه بـ”التعاون الجيد جدا من جانب سلطات الدول” التي توجد على مسارات الهجرة.

    وخص المسؤول الإسباني بالذكر موريتانيا والسنغال، وهما بلدان يشكلان جزءا رئيسيا من الخريطة التي تمر عبرها تدفقات الهجرة باتجاه الأرخبيل.

    لكنه توقف أيضا عند المغرب، وتحدث بيستانا عن وجود “ضبط للتدفقات في المغرب” رابطا النتائج المسجلة بعمل السلطات في الدول الإفريقية المعنية.

    وتشير هذه القراءة إلى تحول مهم في طريقة تفسير انخفاض الوصول إلى الكناري فالمسألة بحسب المسؤول الإسباني، لا تتعلق بانتهاء دوافع الهجرة، وإنما بقدرة السلطات على التدخل قبل انطلاق القوارب، وملاحقة الشبكات التي تنظم عمليات العبور، وتعزيز التعاون بين دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    ويقول بيستانا إن نتيجة ذلك أصبحت ملموسة في جزر الكناري نفسها، حيث بات وصول القوارب أكثر تباعدا وأقل تواترا لكنها لم تختف وهذا التمييز أساسي لفهم الأرقام فالطريق الأطلسي لم يغلق، وإنما تراجعت كثافة استخدامه خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة.

    المغرب.. تقييم إسباني “لافت جدا

    حين انتقل النقاش إلى المغرب تحديدا، لم يكتف مندوب الحكومة الإسبانية بالإشارة إلى مساهمته ضمن مجموعة دول العبور، بل قدم تقييما سياسيا مباشرا لمستوى التعاون بين الرباط ومدريد.

    وقال بيستانا إن السلطات الإسبانية “راضية إلى حد كبير حتى الآن عن هذا التعاون، وهو تعاون لافت جدا” كما اعتبر أن على إسبانيا الحفاظ على “أفضل العلاقات الممكنة” مع المملكة وذهب أبعد من ذلك عندما قال إن البلدين “ملزمان بالتعاون والتفاهم”

    وأهمية هذه العبارات لا تنفصل عن توقيتها، فهي تأتي مباشرة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة، والتي أعادت الهجرة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وفتحت جدلا بشأن إدارة الحدود والتعاون المغربي الإسباني.

    لكن تصريحات بيستانا تقدم من داخل الإدارة الإسبانية، تقييما مختلفا يستند إلى ما يحدث على مسار الكناري، حيث ترى مدريد أن تعاون المغرب جزء من العوامل التي ساهمت في تراجع الضغط.

    اتفاقيات أوروبية خلف تراجع التدفقات

    بيستانا لم يحصر تفسيره للانخفاض في الإجراءات التي تتخذها السلطات المحلية في الدول الإفريقية، بل وضعه ضمن سياسة أوسع اعتمدتها إسبانيا والاتحاد الأوروبي تجاه دول المنشأ والعبور.

    وأشار إلى الاتفاقيات التي أبرمت مع الدول الشريكة بدفع من رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

    هذه الاتفاقيات، وفق التصريحات، لا تقوم على التعاون الأمني وحده فهي تجمع بين الاستثمارات والالتزامات المالية والتعاون مع الدول المعنية لمواجهة الشبكات المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

    المنطق الذي تقوم عليه هذه المقاربة يتجاوز مراقبة الحدود البحرية إلى محاولة التدخل في مختلف حلقات المسار من دول المنشأ إلى دول العبور، بالتوازي مع استهداف الشبكات التي تنظم عمليات الانتقال.

    وبالنسبة إلى مدريد، بدأت نتائج هذا التعاون تظهر في انخفاض عدد القوارب التي تصل إلى الكناري.

    من ضبط الحدود إلى تقليص الوفيات في البحر

    وقدم مندوب الحكومة الإسبانية بعدا آخر لهذا التعاون، يتعلق بالخسائر البشرية، فالطريق الأطلسي لا يمثل بالنسبة إلى السلطات الإسبانية تحديا أمنيا وهجراتيا فقط، بل مسارا يرتبط أيضا بحوادث الغرق والوفيات خلال محاولات الوصول إلى الأرخبيل.

    ووصف بيستانا هذا الطريق بأنه الأكثر فتكا، معتبرا أن التعاون مع دول المنشأ والعبور يساهم في “تفادي عدد كبير من الوفيات في البحر”

    وتقوم هذه القراءة على أن الحد من انطلاق القوارب لا يخفض عدد الواصلين فقط، وإنما يقلص أيضا عدد الأشخاص الذين يخوضون رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر.

    كما يربط المسؤول الإسباني هذا الجانب بمحاربة الشبكات التي تنظم الهجرة غير النظامية، والتي تضع المرشحين للمغادرة أمام رحلات يمكن أن تكون مميتة.

    أسباب الهجرة لم تختف

    وراء الانخفاض الكبير في أعداد الوافدين، يظل التشخيص الإسباني واضحا بشأن استمرار أسباب الهجرة فبيستانا أقر، بعد موجات المغادرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة، بأن جزءا مهما من الفئات المعنية سيواصل محاولة الوصول إلى أوروبا.

    وحدد أربعة عوامل رئيسية تدفع هذه التحركات بما فيها النزاعات، والجوع، والفقر، وتداعيات التغير المناخي كما اعتبر أن الضغط يأتي “بشكل أساسي من منطقة الساحل”

    وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الأرقام الحالية، فالتراجع في الوصول إلى الكناري لا يعني وفق المسؤول الإسباني نفسه، انخفاضا موازيا في عدد الأشخاص الراغبين في الهجرة، وإنما يعكس بالدرجة الأولى تغيرا في قدرة السلطات على ضبط عمليات المغادرة.

    ما الذي تغير إذن؟

    جواب بيستانا كان مباشرا “تعاون السلطات المحلية والتزامها”، أي أن المتغير الرئيسي في تقديره، يوجد على مستوى الاستجابة المؤسساتية وليس بالضرورة على مستوى الدوافع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنتج الهجرة.

    وتحدث في هذا السياق عن توقيف مسؤولين عسكريين وأشخاص يشغلون وظائف عمومية للاشتباه في مشاركتهم في هياكل إجرامية مرتبطة بالهجرة.

    ويرى أن استمرار هذا المستوى من الالتزام سيتيح الحفاظ على درجة مرتفعة من الحد من عمليات المغادرة فيما تعكس هذه القراءة انتقال المواجهة من اعتراض القوارب بعد انطلاقها فقط إلى استهداف الشبكات والجهات التي تسهل تنظيم الرحلات قبل الوصول إلى البحر.

    ورغم أن الأرقام التي قدمها بيستانا تخص جزر الكناري، لم تغب أحداث سبتة الأخيرة عن تصريحاته، فقد وصف مندوب الحكومة الإسبانية ما حدث بأنه “مأساة مروعة” مشيرا إلى أن الأحداث خلفت أكثر من 130 وفاة، وفقا للأرقام التي استشهد بها.

    أما الخلاصة السياسية التي استخرجها بيستانا من أحداث سبتة، فهي مجددا الحاجة إلى التعاون بين المغرب وإسبانيا لمنع تكرار مثل هذه الأحداث.

    واستحضر المسؤول الإسباني في هذا السياق التاريخ المرتبط بالهجرة في جزر الكناري، مذكرا بأن جزءا من سكان الأرخبيل نفسه اضطر إلى الهجرة خلال القرن الماضي.

    بعد سبتة.. ملف القاصرين ينتقل إلى الداخل الإسباني

    لم يتوقف المسؤول الإسباني عند التعاون مع المغرب أو دول الساحل فالوجه الآخر لأزمة الهجرة يوجد داخل إسبانيا نفسها، حيث يثير توزيع القاصرين المهاجرين غير المرفوقين خلافات بين الحكومة المركزية وبعض الأقاليم ذاتية الحكم.

    وتوجد جزر الكناري تحت نظام “طوارئ الهجرة” في ظل الضغط الذي تواجهه منظومة استقبال القاصرين.

    وأوضح بيستانا أن مندوبية الحكومة الإسبانية تواصل توقيع قرارات نقل القاصرين من الأرخبيل إلى مناطق أخرى من البلاد ما تزال تتوفر على قدرات للاستقبال فيما تتواصل هذه العملية في الوقت الذي يستمر فيه وصول قاصرين جدد إلى جزر الكناري.

    وتتمسك بعض الأقاليم بعدم توفرها على المنشآت أو القدرات الملائمة لاستقبال هؤلاء القاصرين، وهي الحجة التي رفضها بيستانا واستند في رده إلى تجربة الكناري نفسها.

    فالأرخبيل بحسب المسؤول الإسباني، اضطر أمام الضغط الذي تعرض له إلى إحداث قدرات طارئة للاستقبال، ولذلك لا يرى مبررا لرفض الأقاليم الأخرى تحمل جزء من المسؤولية وقال في هذا الصدد إن “على الجميع تحمل مسؤولياتهم”

    لكن تحذير مندوب الحكومة لم يبق في حدود السجال السياسي بين مدريد والأقاليم، فبيستانا ذكر بأن الحكومات الإقليمية ملزمة بتطبيق التشريع الخاص بالتكفل بالقاصرين المهاجرين، وأن الأمر يتعلق بتنفيذ مقتضيات قانونية وليس بمجرد ترتيبات اختيارية بين السلطات المركزية والمحلية.

    وفي حال استمرار رفض استقبال القاصرين أو الامتناع عن تنفيذ القانون، حذر من إمكانية الانتقال إلى تدخل أكثر صرامة وقد يصل الأمر، بحسب تصريحاته، إلى تدخل النيابة العامة وفتح إجراءات جنائية في مواجهة السلطات المعنية.

    مساران مختلفان وضغط واحد

    ما تكشفه تصريحات مندوب الحكومة الإسبانية في جزر الكناري هو أن ملف الهجرة لا يتحرك في اتجاه واحد.

    فبينما سجل الطريق الأطلسي انخفاضا بنسبة 59.6 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، شهد مسار سبتة أخيرا ضغطا حادا أعاد الهجرة إلى واجهة الأحداث.

    وهذا التباين يؤكد أن انخفاض الضغط على مسار معين لا يعني بالضرورة تراجع الهجرة في مجموعها، فالأسباب التي تدفع إلى المغادرة ما تزال قائمة بحسب التشخيص الإسباني نفسه، وخصوصا في منطقة الساحل.

    وعندما يشتد ضبط أحد المسارات، تظل إمكانية انتقال جزء من الضغط إلى طرق أخرى قائمة، بينما تستمر الشبكات في البحث عن مسالك بديلة ولهذا لا يقرأ بيستانا رقم 59.6 في المائة باعتباره نهاية للمشكلة.

    وتوقعه بأن ينخفض المعدل السنوي في نهاية المطاف إلى ما بين 30 و40 في المائة يؤكد أن مدريد نفسها تتوقع أن تكون الأشهر المقبلة أكثر ضغطا من الأشهر السبعة الأولى.

  • بحضور وهبي، كودار، لقجع وقيادات الحزب.. “البام” يجمع مناضليه بسوس ماسة ويضع استعادة الثقة في صلب معركة الاستحقاقات المقبلة

    بحضور وهبي، كودار، لقجع وقيادات الحزب.. “البام” يجمع مناضليه بسوس ماسة ويضع استعادة الثقة في صلب معركة الاستحقاقات المقبلة

    انطلقت، صبيحة اليوم بمدينة أكادير، أشغال اللقاء التواصلي الذي نظمته الأمانة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة سوس ماسة، بحضور أعضاء من المكتب السياسي واللجنة الوطنية للانتخابات، إلى جانب برلمانيي الحزب ومنتخبيه ومناضليه بالجهة، في محطة تنظيمية طغت عليها رسائل التعبئة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة، والدعوة إلى تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين واستعادة الثقة في العمل السياسي.

    وشكل اللقاء مناسبة لقيادات الحزب للتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف الحضور الميداني والإنصات لانشغالات المواطنين وربط العمل السياسي بالجدية والوضوح والصدق، مع التشديد على أن الرهان لا ينحصر في الاستعداد التنظيمي والانتخابي، وإنما يرتبط كذلك بقدرة الفاعل السياسي على إعادة بناء جسور الثقة مع المجتمع وتقديم خطاب واقعي يميز بين ما يمكن إنجازه وما لا يمكن الالتزام به.

    وحضر انضمام فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة بقوة في مداخلات عدد من قيادات الحزب ومناضليه، الذين رحبوا بهذه الخطوة واعتبروها إضافة للممارسة الحزبية، في مقابل الجدل السياسي الذي رافق التحاقه رسميا بهياكل “البام”.

    وهبي: لقجع لم يأت اليوم إلى العمل العام ونريد أن يكون الحزب في المقدمة

    وفي مداخلته خلال اللقاء، رحب حميد وهبي، المنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة سوس ماسة ومرشح الحزب بدائرة أكادير-إداوتنان، بأعضاء المكتب السياسي واللجنة الوطنية للانتخابات الحاضرين، ومن بينهم سمير كودار وهشام المهاجري، وأحمد التويزي، وخالد الحاتيمي، والعربي المحرشي وعدد من قيادات الحزب ومناضليه، مؤكدا أهمية هذه اللقاءات في التواصل المباشر مع المناضلين والاستماع إليهم والاستعداد الجماعي للمرحلة المقبلة.

    وتوقف وهبي بشكل خاص عند فوزي لقجع، معتبرا أن مساره لا يمكن اختزاله في التحاقه الحالي بالمكتب السياسي أو ربطه فقط بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بالنظر إلى المسؤوليات التي راكمها خلال السنوات الماضية في عدد من المواقع.

    ودافع المتحدث عن لقجع في مواجهة القراءات التي ربطت التحاقه بالحزب بحسابات انتخابية، مشددا على أن الأمر يتعلق بشخصية راكمت تجربة في تدبير عدد من الملفات الوطنية، سواء من خلال مسؤولياته الحكومية في وزارة الاقتصاد والمالية أو من خلال مساره في تدبير الشأن الرياضي.

    واستحضر وهبي في هذا السياق التحولات والنتائج التي حققتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن المسار الذي راكمه لقجع في المسؤولية يشكل مصدر اعتزاز بالنسبة إلى مناضلي الحزب.

    وشدد المتحدث على أن لقجع لم يظهر فجأة في المشهد العام، بل سبق له الاشتغال في عدد من المواقع وتحمل مسؤوليات مرتبطة بتدبير ملفات كبرى، قبل أن يختار اليوم الانتقال إلى ممارسة سياسية حزبية أكثر وضوحا.

    وعلى المستوى التنظيمي، دعا وهبي مناضلي الأصالة والمعاصرة في الجهة إلى تكثيف العمل الميداني والاستعداد بقوة للمرحلة المقبلة، مؤكدا أن الطموح يجب أن يكون تحقيق نتائج متقدمة في مختلف مناطق الجهة، وأن يكون للحضور التنظيمي والسياسي للحزب صدى فعلي لدى المواطنين.

    المهاجري: استعادة الثقة هي المشكلة الحقيقية وعلى الأحزاب استقطاب الكفاءات الناجحة

    من جهته، خصص هشام المهاجري جزءا مهما من مداخلته للحديث عن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، متوقفا عند معرفته به من خلال العمل البرلماني والمسؤوليات التي تقلدها، إلى جانب العلاقات الإنسانية التي جمعتهما.

    وقال المهاجري إن معرفته بلقجع لم تقتصر على المجال الرياضي، بل شملت كذلك النقاشات المرتبطة بالمالية العمومية داخل المؤسسة التشريعية، حيث كان لقجع بحسب مداخلته، يدافع عن موقف الدولة وعن التوازنات المالية، لكنه ظل في الوقت نفسه محاورا يمكن مناقشته وإقناعه وتبادل الرأي معه.

    واعتبر المهاجري أن النقاش الذي رافق انضمام لقجع إلى “البام” ينبغي وضعه في سياق أوسع يتعلق بحاجة العمل السياسي إلى استقطاب شخصيات راكمت تجربة في تدبير الشأن العام وأثبتت قدرتها في المسؤوليات التي تولتها.

    وربط القيادي في “البام” هذه المسألة بإشكالية أعمق تتمثل في تراجع الثقة في الفاعل السياسي، معتبرا أن ما عرفته البلاد أخيرا من أحداث مرتبطة بمحاولات الهجرة نحو سبتة يفرض على السياسيين مساءلة أنفسهم بشأن علاقتهم بالشباب والمواطنين ومدى قدرتهم على إقناعهم بالعمل المؤسساتي والسياسي.

    وبالنسبة إلى المهاجري، فإن استقطاب شخصيات ذات تجربة ومسار معروف يدخل ضمن محاولة تقوية عرض الأحزاب واستعادة جزء من الثقة المفقودة، وليس مجرد عملية “ميركاتو” سياسي كما وصفها بعض منتقدي انضمام لقجع إلى الحزب.

    وانتقد المتحدث القراءات التي اختزلت التحاق لقجع في حسابات انتخابية أو في منجزات كرة القدم المغربية، مؤكدا أن النجاحات الرياضية التي حققها المغرب تندرج ضمن مشروع وطني أوسع يقوده الملك محمد السادس، ولا يمكن لأي حزب أن ينسبها إلى نفسه.

    وفي المقابل، اعتبر أن السؤال السياسي الحقيقي يتعلق بسبب تحول انضمام شخصية من طينة لقجع إلى موضوع سجال بين الأحزاب، بدل النظر إلى الأمر من زاوية تشجيع الكفاءات التي راكمت تجربة في مؤسسات الدولة على الانخراط المباشر في العمل الحزبي.

    وتوقف المهاجري أيضا عند طبيعة حزب الأصالة والمعاصرة، مستحضرا أن عددا من مؤسسيه وقياداته سبق لهم الاشتغال في مواقع ومسؤوليات مختلفة قبل اختيار العمل الحزبي، وهو ما يجعل انتقال الكفاءات من التدبير المؤسساتي إلى السياسة الحزبية بحسب طرحه، أمرا طبيعيا.

    وعلى مستوى الاستحقاقات المقبلة، كشف المهاجري أن اللجنة الوطنية للانتخابات تشتغل وفق مقاربة تراعي وضعية كل دائرة وحاجتها إلى المواكبة والدعم، داعيا التنظيمات المحلية إلى تحمل مسؤوليتها وعدم انتظار التدخل المركزي في كل التفاصيل.

    ووجه في هذا السياق رسالة مباشرة إلى مناضلي الحزب بإنزكان، مؤكدا أن حجم الحضور التنظيمي والسياسي بالمنطقة يرفع سقف المسؤولية ويجعل الطموح إلى تصدر النتائج هدفا ينبغي الاشتغال عليه ميدانيا منذ الآن.

    التويزي: انضمام الكفاءات للأحزاب قيمة مضافة للمشهد السياسي

    بدوره، وضع أحمد التويزي رئيس الفريق النيابي للحزب انضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة ضمن سياق أوسع يتصل بعلاقة الكفاءات المغربية بالعمل السياسي والحزبي.

    واعتبر التويزي أن لقجع راكم خلال حضوره في البرلمان وفي المسؤوليات العمومية صورة تقوم بحسب تعبيره، على النقاش والقدرة على الإقناع، مؤكدا في الوقت نفسه أن علاقته بالحزب ليست وليدة اللحظة بالنظر إلى حضوره سابقا في محيط حركة الديمقراطيين التي سبقت تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة.

    وأكد المتحدث أن قرار الانضمام إلى الحزب يظل في النهاية اختيارا شخصيا وسياسيا يرتبط بالقناعات، مشيرا إلى أن القيمة التي تحملها هذه الخطوة لا ينبغي قياسها فقط بما ستضيفه إلى “البام” بل بما يمكن أن تمثله بالنسبة إلى المشهد الحزبي المغربي ككل.

    وفي هذا السياق، اعتبر التويزي أن انتقال أطر راكمت تجربة داخل الإدارات والمؤسسات والقطاعات الحكومية إلى العمل الحزبي يعطي إشارة إلى كفاءات أخرى بأن ممارسة المسؤولية التقنية أو الإدارية لا تتعارض مع الانخراط السياسي، وأن هناك مرحلة يمكن فيها لمن راكم تجربة في تدبير الشأن العام أن يختار الدفاع عن قناعاته من داخل الأحزاب.

    وشدد على أن الديمقراطية لا يمكن أن تشتغل دون أحزاب وانتخابات ومشاركة سياسية، وهو ما يجعل تشجيع الأطر والكفاءات المغربية على الانخراط في التنظيمات التي تتوافق مع قناعاتها جزءا من تقوية الحياة السياسية، بدل إبقائها بعيدة عن العمل الحزبي.

    واستحضر التويزي في مداخلته شعار “أغراس أغراس” باعتباره إحالة على ثقافة “المعقول” التي يقول الحزب إنه يريد جعلها عنوانا لممارسته السياسية، من خلال الوضوح في الخطاب والالتزام تجاه المواطنين.

    المحرشي: المواطن يجب أن يكون في صلب أولويات الحزب

    وفي الاتجاه نفسه، شددت مداخلة العربي المحرشي، عضو اللجنة الوطنية للانتخابات بـ”البام”، على أن الحزب الذي يطمح إلى تصدر الاستحقاقات المقبلة وتحمل مسؤولية قيادة الحكومة لا ينبغي أن يشغله هدف آخر يتقدم على خدمة المواطن والوطن.

    وجاءت المداخلة لتعيد النقاش من الحسابات التنظيمية والانتخابية إلى الغاية الأساسية من التنافس السياسي، والمتمثلة في الاستجابة لانتظارات المواطنين وتحويل البرامج والوعود إلى أثر ملموس في حياتهم اليومية.

    وأكدت المداخلة في مجملها، أن الوصول إلى مواقع المسؤولية لا يمكن أن يشكل غاية في حد ذاته، وأن مصداقية أي مشروع سياسي ستظل مرتبطة بقدرته على الاقتراب من المواطنين والاستماع إلى مطالبهم ومواجهة المشاكل المطروحة عليهم بواقعية.

    لقجع: جئت إلى “البام” دون منصب سياسي وعلينا أن نقول للمواطن ما نستطيع وما لا نستطيع

    وكانت كلمة فوزي لقجع من أبرز محطات اللقاء، إذ قدم خلالها رؤيته لانخراطه في حزب الأصالة والمعاصرة، مؤكدا أنه اختار ممارسة العمل السياسي من موقع المواطن ومن دون أن يكون دخوله إلى الحزب مرتبطا بمنصب سياسي.

    ووضع لقجع قراره في إطار الرغبة في الانتقال من المسؤولية التقنية والمؤسساتية إلى المشاركة الحزبية المباشرة، معتبرا أن العمل السياسي يتيح إمكانية الإسهام بصورة جماعية في النقاش حول مستقبل البلاد.

    وأكد أن المرحلة الحالية تفرض على الفاعلين السياسيين الاشتغال بالصدق و”المعقول” والوضوح، وأن تكون لديهم القدرة على التواصل مع المواطنين، ولا سيما الشباب، وجعلهم طرفا فاعلا في المستقبل الذي يطمح إليه المغرب.

    وجعل لقجع من استعادة الثقة في الفاعل السياسي إحدى القضايا المركزية في مداخلته، معتبرا أن هذه الثقة لا يمكن بناؤها بالوعود غير القابلة للتنفيذ، وإنما بخطاب صريح يحدد للمواطن ما يستطيع السياسي إنجازه وما يتجاوز قدرته.

    وبحسب التصور الذي عرضه لقجع، فإن الوضوح يقتضي أن يقول الفاعل السياسي للمواطن، دون مواربة، ما يمكنه القيام به، وأن يعترف كذلك بما لا يستطيع إنجازه، معتبرا أن هذه الثقافة هي التي ينبغي أن تؤسس لعلاقة جديدة بين السياسة والمجتمع.

    وشكر لقجع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة ومناضليه على فتح المجال أمامه لممارسة العمل السياسي، مشيرا إلى أن من بين الخصائص التي وجدها داخل الحزب وجود مساحة للنقاش وتبادل وجهات النظر.

    واستحضر لقجع في هذا السياق، أنه لولا اختياره الحضور في هذا اللقاء وممارسة العمل الحزبي لكان، بحكم مسؤولياته الحكومية، في مكتبه منشغلا بالإعداد لمشروع قانون المالية، غير أنه اختار المشاركة في عمل جماعي يرى أنه يتيح له الإسهام من موقع آخر في خدمة البلاد.

    وربط لقجع هذا الاختيار بتصور “المغرب الصاعد” مؤكدا أن بناء المستقبل يحتاج إلى فاعلين قادرين على الاشتغال بشكل جماعي وبإخلاص للوطن، وعلى تقديم مساهمة إيجابية من مواقعهم المختلفة.

    وحذر من اتساع الهوة بين المواطن والفاعل السياسي والمؤسسات، معتبرا أن مواجهة هذا التباعد تقتضي إعادة الاعتبار إلى السياسة نفسها وإلى القيمة الحقيقية للفاعل السياسي، من خلال المصداقية والقرب من المجتمع والعمل الميداني.

    وعلى المستوى التنظيمي، أكد لقجع استعداد مناضلي الحزب للعمل من أجل تحقيق نتائج متقدمة في إنزكان، واضعا هذا الطموح ضمن مسؤولية جماعية تتطلب التعبئة والاشتغال المتواصل، وليس الاكتفاء بخطاب انتخابي ظرفي.

    سوس ماسة.. تعبئة مبكرة ورسائل تتجاوز الانتخابات

    وعكست المداخلات التي شهدها اللقاء توجها لدى قيادة “البام” نحو جعل محطة سوس ماسة جزءا من تعبئة تنظيمية أوسع استعدادا للاستحقاقات المقبلة، مع تركيز واضح على ضرورة تقوية التنظيمات المحلية ومنحها دورا أكبر في التواصل مع المواطنين.

    غير أن الرسالة التي تكررت في كلمات المتدخلين تجاوزت الحساب الانتخابي المباشر نحو سؤال الثقة في العمل السياسي، في ظل تحولات اجتماعية تضع الأحزاب أمام تحدي إعادة بناء علاقتها بفئات واسعة من المواطنين، وفي مقدمتها الشباب.

    وبدا هذا الهاجس حاضرا بشكل خاص في استحضار أحداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة، التي قدمها بعض المتدخلين باعتبارها مؤشرا يستدعي من الطبقة السياسية مراجعة أدوات التواصل والإنصات وفهم انتظارات الشباب، بدل الاكتفاء بمقاربات مرتبطة بالمواسم الانتخابية.

    كما كشف النقاش حول انضمام فوزي لقجع عن رغبة قيادات الحزب في تقديم الخطوة باعتبارها جزءا من انفتاح التنظيم على الكفاءات التي راكمت تجربة في مؤسسات الدولة، والرد في الوقت نفسه على الانتقادات التي رافقت التحاقه بالمكتب السياسي.

    وبين رسائل الاستعداد الانتخابي والدعوة إلى استعادة الثقة، وضع لقاء سوس ماسة ثلاث كلمات في قلب خطاب المرحلة المقبلة بالنسبة إلى المتدخلين هي الصدق، “المعقول” والقرب من المواطن، باعتبارها أدوات يريد الحزب أن يؤطر بها حضوره الميداني وخطابه السياسي خلال المرحلة المقبلة.

  • منطق جديد للاقتصاد.. السيادات تعيد رسم أولويات النمو في المغرب

    منطق جديد للاقتصاد.. السيادات تعيد رسم أولويات النمو في المغرب

    لم تعد الأزمات العالمية التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة أحداثا ظرفية تنتهي بانتهاء أسبابها، بل تحولت إلى منعطفات أعادت تشكيل أولويات الدول، وغيرت نظرتها إلى مفاهيم الأمن والتنمية والسيادة.

    من جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة الطاقة، والتضخم، وصولا إلى التغيرات المناخية والجفاف، أصبح العالم يعيش مرحلة عنوانها الأساسي عدم اليقين، ما دفع عددا من الدول إلى مراجعة نماذجها الاقتصادية.

    وفي المغرب، لم تقتصر الاستجابة على تدبير آثار هذه الأزمات، بل اتجهت، تنفيذا للتوجيهات الملكية، نحو إعادة بناء الأولويات الوطنية على أسس جديدة، تقوم على تعزيز السيادة في القطاعات الحيوية، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام التحولات الدولية.

    اليوم، لم تعد مفاهيم مثل الأمن الصحي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والسيادة الطاقية، والسيادة الصناعية، مجرد شعارات سياسية، بل أصبحت محاور تؤطر عددا من الأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في إطار رؤية استراتيجية تعتبر أن التنمية لم تعد تقاس فقط بنسبة النمو، وإنما أيضا بقدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية في أوقات الأزمات.

    كورونا.. عندما أصبحت السيادة الصحية ضرورة استراتيجية

    كانت جائحة كورونا أول اختبار حقيقي لقدرة الدول على حماية أمنها الصحي؛ ففي الوقت الذي أغلقت فيه الحدود، وتعطلت سلاسل الإمداد، واحتفظت العديد من الدول بإنتاجها من اللقاحات والأدوية، أدرك العالم أن الصحة لم تعد مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبحت جزءا من الأمن القومي.

    بالنسبة للمغرب، شكلت الجائحة نقطة تحول في الرؤية الاستراتيجية للدولة، حيث وجه جلالة الملك محمد السادس، خلال فترة الجائحة، نحو بناء منظومة صحية أكثر استقلالية، قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية، وعدم الارتهان للأسواق الخارجية.

    وترجمة لهذه التوجيهات، أطلق المغرب مشروع “Marbio” ببنسليمان، الذي يعد من أكبر المشاريع الصناعية في مجال اللقاحات والمنتجات البيوتكنولوجية بإفريقيا، إلى جانب تعزيز الاستثمار في الصناعة الدوائية الوطنية، وتشجيع تصنيع الأدوية محليا.

    ولا يتعلق الأمر فقط بإنتاج اللقاحات، بل ببناء منظومة صناعية وصحية تجعل المغرب أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات، وتمنحه مكانة إقليمية في مجال الأمن الصحي.

    وفي هذا السياق، يرى نجيب الشرفي الإدريسي،  الباحث  في تنزيل السياسات العمومية، أن جائحة كورونا كشفت أن الأمن الصحي لم يعد يقتصر على جودة الخدمات الطبية، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الاستراتيجية.

    وأبرز الإدريسي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المغرب، تنفيذا للتوجيهات الملكية، اتجه إلى تعزيز الصناعة الدوائية، في تحول يعكس الانتقال من تدبير أزمة صحية ظرفية إلى بناء سيادة صحية قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية”. 

    الجفاف.. الماء يتحول إلى قضية سيادية

    إذا كانت كورونا قد غيرت مفهوم الأمن الصحي، فإن سنوات الجفاف المتتالية غيرت مفهوم الأمن المائي.

    فالمغرب، الذي يواجه واحدة من أطول فترات الجفاف في تاريخه الحديث، لم يعد يتعامل مع ندرة المياه باعتبارها أزمة موسمية، بل باعتبارها تحديا هيكليا يفرض إعادة بناء السياسة المائية.

    ومن هذا المنطلق، جاءت التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل الماء أولوية وطنية، من خلال إطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي، وتسريع بناء السدود، وإنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، والتوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر.

    ويشكل مشروع الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق، إلى جانب محطات التحلية في أكادير والدار البيضاء والداخلة، تحولا من تدبير آثار الجفاف إلى بناء أمن مائي طويل الأمد.

    ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توفير مياه الشرب، بل تمتد إلى حماية النشاط الفلاحي، وضمان استقرار الاستثمار، وتأمين احتياجات الصناعة، بما يجعل الماء عنصرا أساسيا في معادلة السيادة الوطنية.

    الأمن الغذائي.. الفلاحة تدخل مرحلة جديدة

    لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية؛ المستمرة منذ فبراير 2024، مجرد أزمة سياسية، بل أعادت طرح سؤال الأمن الغذائي على المستوى العالمي.

    فارتفاع أسعار الحبوب، واضطراب سلاسل الإمداد، أظهرا أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على الخارج تبقى أكثر عرضة للتقلبات.

    في المغرب، جاء هذا التحول ليعزز الرؤية الملكية التي تعتبر الفلاحة قطاعا استراتيجيا، ليس فقط لدوره الاقتصادي، بل أيضا لارتباطه بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

    ومنذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر، عملت المملكة على تحديث القطاع الفلاحي، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتحسين مردودية الضيعات، قبل أن تتعزز هذه الرؤية، خلال سنوات الجفاف، بتوجيهات ملكية تدعو إلى ترشيد استعمال المياه، وتشجيع الزراعات الملائمة للمناخ، وتوسيع مشاريع السقي الموضعي، وربط التنمية الفلاحية بالحفاظ على الموارد المائية.

    واليوم، لم تعد الفلاحة مجرد قطاع للإنتاج أو التصدير، بل أصبحت إحدى ركائز السيادة الوطنية، بالنظر إلى دورها في ضمان استقرار السوق الداخلية، والحد من تأثير الأزمات العالمية على الأمن الغذائي للمغاربة.

    الطاقة.. من الانتقال الطاقي إلى بناء السيادة

    إذا كانت جائحة كورونا قد أعادت تعريف مفهوم الأمن الصحي، والجفاف قد جعل الأمن المائي أولوية وطنية، فإن الحرب الروسية الأوكرانية أعادت رسم خريطة الطاقة في العالم، بعدما كشفت هشاشة الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتأمين احتياجاتها.

    وبالنسبة للمغرب، لم يكن الرهان على الطاقات المتجددة وليد هذه الأزمة، بل جاء امتدادا لتوجيهات ملكية انطلقت منذ سنوات، غير أن التحولات الدولية سرعت وتيرة تنزيل هذا الورش، وأعطته بعدا استراتيجيا جديدا.

    فالمملكة لم تعد تنظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها خيارا بيئيا فقط، بل كركيزة لتعزيز السيادة الطاقية، وتقليص التبعية للخارج، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    ومن هذا المنطلق، شكل مركب نور ورزازات أحد أبرز المشاريع التي وضعت المغرب ضمن الدول الرائدة في إنتاج الطاقة الشمسية، قبل أن تتوسع الاستثمارات في الطاقة الريحية، وتطلق المملكة “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر، تنفيذا للتوجيهات الملكية، بهدف التموقع داخل الأسواق العالمية للطاقة النظيفة.

    كما تعزز هذا التوجه بمواصلة مشاريع الربط الكهربائي مع إسبانيا، وإعادة إطلاق مشروع الربط مع البرتغال، فضلا عن المباحثات المتعلقة بتوسيع الربط مع فرنسا، بما يعزز موقع المغرب كشريك استراتيجي في أمن الطاقة الأوروبي.

    ولم يعد الهدف إنتاج الكهرباء فقط، بل بناء منظومة طاقية تجعل المملكة أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وأكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية.

    ومن هذا المنطلق، يعتبر نجيب الشرفي الإدريسي،  الباحث  في تنزيل السياسات العمومية، أن الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لم يعد خيارا بيئيا أو اقتصاديا فقط، بل أصبح رهانا سياديا يهدف إلى تعزيز الأمن الطاقي، وتقوية تنافسية الاقتصاد المغربي، وترسيخ موقع المملكة كشريك استراتيجي في التحول الطاقي العالمي”.

    الصناعة… من جلب الاستثمار إلى بناء السيادة الصناعية

    كشفت الأزمات العالمية المتتالية في السنوات الأخيرة أن الدول التي تمتلك قاعدة صناعية قوية تكون أكثر قدرة على حماية اقتصادها، وتأمين احتياجاتها، والحفاظ على تنافسيتها.

    وفي هذا السياق، واصل المغرب، تنفيذا للتوجيهات الملكية، تطوير صناعاته الاستراتيجية، عبر تعزيز منظومة صناعة السيارات، وصناعة الطيران، والانفتاح على الصناعات المرتبطة بالبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية.

    ولم يعد الهدف استقطاب المستثمرين فقط، بل رفع نسبة الإدماج المحلي، وتطوير منظومات صناعية متكاملة، قادرة على خلق قيمة مضافة، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص الشغل.

    وتعكس الاستثمارات المرتبطة ببطاريات السيارات الكهربائية، إلى جانب توسع صناعة السيارات التي جعلت المغرب من بين أبرز المنتجين في إفريقيا، وتطور صناعة الطائرات في المغرب التي أصبحت قطاعا استراتيجيا متكاملا، يضم أكثر من 150 شركة عالمية ويحقق صادرات تتجاوز 29 مليار درهم، انتقال المملكة إلى مرحلة جديدة، تسعى فيها إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وليس الاكتفاء بدور منصة للتجميع.

    ويبرز هذا التوجه أن مفهوم السيادة الصناعية لم يعد يعني الانغلاق على الذات، بل بناء اقتصاد قادر على المنافسة، وأكثر قدرة على مواجهة اضطرابات التجارة الدولية.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي يوسف كيراوي فيلالي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن التحول الذي يشهده المغرب لم يكن وليد الظرفية الدولية، بل هو ثمرة مسار تراكمي انطلق منذ سنوات، موضحا أن “هذا التميز تطلب المرور بعدة مراحل، بدأت بتطوير البنيات التحتية واللوجستية، وإرساء ترسانة قانونية للمناطق الحرة ومناطق التسريع الصناعي، وهو ما مكن المملكة من استقطاب استثمارات كبرى ورفع نسب الاندماج المحلي، خاصة في قطاعي السيارات والطيران”.

    وأضاف أن التحولات العالمية الأخيرة “أعطت لهذه المكتسبات بعدا جديدا، بعدما أصبحت الصناعة الوطنية جزءا من مفهوم السيادة الاقتصادية، في ظل التوجه نحو تطوير مشاريع استراتيجية، مثل صناعة البطاريات، ومحركات وأنظمة هبوط الطائرات، إلى جانب تنزيل “عرض المغرب” في مجال الهيدروجين الأخضر”.

    البنية التحتية.. عندما أصبح اللوجستيك جزءا من السيادة

    لا تقتصر السيادة الاقتصادية على الإنتاج فقط، بل تشمل أيضا القدرة على نقل السلع، وربط الأسواق، واستقطاب الاستثمارات.

    ومن هذا المنطلق، واصل المغرب تنفيذ رؤية ملكية طويلة المدى لتطوير بنيته التحتية، من خلال مشاريع كبرى مثل ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى أحد أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يرتقب أن يعزز الواجهة الأطلسية للمملكة ويربطها بعمقها الإفريقي.

    كما يندرج ضمن هذه الرؤية توسيع شبكة السكك الحديدية، وإنجاز الخط فائق السرعة نحو مراكش، وتطوير الشبكة الطرقية، باعتبارها مشاريع لا تستهدف تحسين التنقل فقط، بل تعزيز القدرة اللوجستية للمغرب، وترسيخ مكانته كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الاستثمار في البنيات التحتية لم يعد يقتصر على مواكبة النمو الاقتصادي، بل أصبح أداة لتعزيز السيادة الاقتصادية، وربط المغرب بشكل أفضل بسلاسل التجارة العالمية.

    وتكشف هذه الأوراش أيضا أن المغرب دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء مقومات السيادة في مختلف القطاعات الاستراتيجية؛ إذ لم تعد السيادة الصحية، والمائية، والغذائية، والطاقية، والصناعية رهانات قطاعية، بل أصبحت ركائز لمشروع تنموي متكامل.

    غير أن قيمة هذه الأوراش لا تقاس بإطلاقها فقط، بل بمدى استمرارية تنزيلها وتحقيق أهدافها، فالتجارب الدولية تؤكد أن المشاريع الاستراتيجية تحتاج إلى نفس طويل، لأنها تمثل خيارات دولة تتجاوز الولاية الحكومية.

    وبهذا الصدد، يؤكد كيراوي فيلالي أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال إلى مستوى جديد من البناء الاقتصادي، موضحا أن “تعزيز السيادة الاقتصادية لا يقتصر على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، بل يقتضي بناء نسيج مقاولاتي وطني، وعلامات مغربية قادرة على الابتكار، وتدبير التكنولوجيا، وخلق قيمة مضافة محلية”.

    واعتبر أن نجاح هذا التحول “يبقى رهينا باستمرارية تنزيل التوجيهات الملكية بنفس الرؤية الاستراتيجية، لأن هذه الأوراش تمثل خيارات دولة طويلة المدى، وتتطلب حكومة قادرة على مواصلة التنفيذ ورفع النجاعة، حتى يواصل المغرب الصاعد ترسيخ مكانته الاقتصادية وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات العالمية”.

    ومن هذا المنطلق، تبرز المرحلة المقبلة باعتبارها محطة حاسمة لترسيخ هذا المسار، من خلال مواصلة تنفيذ التوجيهات الملكية، وتسريع إنجاز المشاريع المفتوحة، ورفع نجاعتها، وتعزيز الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية.

    ويكتسي هذا الرهان أهمية خاصة في سنة انتخابية، إذ لا يتعلق الأمر فقط باختيار حكومة جديدة، بل بضمان وجود حكومة قادرة على مواصلة هذه الأوراش بنفس الرؤية الاستراتيجية، وتحويلها إلى نتائج ملموسة تعزز السيادة الاقتصادية وترسخ تنافسية المملكة.

  • 18 عاما وسبع محطات قيادية.. “البام” باستقرار تنظيمي وخطى ثابتة نحو الانتخابات

    18 عاما وسبع محطات قيادية.. “البام” باستقرار تنظيمي وخطى ثابتة نحو الانتخابات

    منذ تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، تعاقبت على قيادته أسماء وشخصيات اختلفت معها مراحل الحزب وموقعه داخل المشهد السياسي، من سنوات التأسيس والصعود الانتخابي، إلى تجربة المعارضة، ثم المشاركة لأول مرة في تدبير الشأن الحكومي بعد انتخابات 2021.

    لكن التحول التنظيمي الأبرز في مسار الحزب لم يرتبط بانتقاله من المعارضة إلى الأغلبية الحكومية فقط، بل جاء خلال مؤتمره الوطني الخامس في فبراير 2024، عندما قرر التخلي عن النموذج التقليدي القائم على أمين عام واحد، وتعويضه بقيادة جماعية للأمانة العامة.

    ثمانية عشر عاما بعد التأسيس، يجد الحزب نفسه أمام تجربة مختلفة عن مختلف المراحل السابقةن فالقرار لم يعد مرتبطا بشخص واحد في قمة التنظيم، بل بثلاثة أعضاء يشكلون قيادة واحدة، في نموذج يسعى الحزب من خلاله إلى توزيع المسؤولية وتوسيع دائرة اتخاذ القرار والحد من شخصنة العمل الحزبي.

    ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تستعد هذه التجربة لأول اختبار انتخابي وطني لها، ما يفتح السؤال حول حصيلتها التنظيمية بعد أكثر من سنتين على اعتمادها، وحول مدى قدرتها على ركوب تحدي واحدة من أكثر المحطات حساسية في حياته السياسية.

    من ستة أمناء عامين إلى قيادة جماعية

    منذ ميلاد الأصالة والمعاصرة، ظل نموذج الأمين العام الفردي هو القاعدة التي حكمت التنظيم كباقي الأحزاب الأخرى، فتولى حسن بنعدي الأمانة العامة عند تأسيس الحزب سنة 2008، ثم انتقلت القيادة إلى محمد الشيخ بيد الله بعد المؤتمر الوطني الأول سنة 2009، فمصطفى بكوري في مؤتمر 2012، ثم إلياس العماري سنة 2016، ثم حكيم بنشماش سنة 2018، قبل أن يصل عبد اللطيف وهبي إلى الأمانة العامة عقب المؤتمر الوطني الرابع سنة 2020.

    ست قيادات فردية تعاقبت بذلك على الحزب قبل أن يأتي المؤتمر الخامس، المنعقد في بوزنيقة في فبراير 2024، ويغير للمرة الأولى البنية التي حكمت قمة “الجرار” منذ تأسيسه.

    ففي 10 فبراير 2024، صادق الحزب على صيغة القيادة الجماعية، وانتخب المجلس الوطني فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد مهدي بنسعيد، وصلاح الدين أبو الغالي ضمن قيادة ثلاثية للأمانة العامة، مع تولي المنصوري مهمة التنسيق الوطني للقيادة.

    وبعد التطورات التنظيمية التي عرفها الحزب خلال السنة نفسها، انتخب المجلس الوطني في 19 أكتوبر 2024 فاطمة السعدي عضوا في القيادة الجماعية خلفا لصلاح الدين أبو الغالي، لتصبح القيادة مكونة من فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي.

    نموذج متفرد

    ولا تعد القيادة الجماعية التي اعتمدها البام في مؤتمره الوطني جديدة على المشهد السياسي، فقد سبق لأحزاب أخرى في خمسينات وستينات وتسعينات القرن الماضي تبني هذه النظام بصيغ متفاتة في وقت أزماتها الداخية، غير أنه ليس الوضع ذاته بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة.

    خصوصية تجربة “البام”، ليست في وجود ثلاثة أسماء في قمة التنظيم، وإنما الطريقة التي جرى بها توزيع الصلاحيات، وربط ممارسة القيادة بالتوافق والتداول داخل الأمانة العامة والمكتب السياسي والمجلس الوطني، بما جعل القيادة الجماعية جزءا من هندسة مؤسساتية أشمل، لا مجرد ترتيب مرحلي أو صيغة انتقالية، كما هو الحال في تجاربة سابقة لأحزاب مغربية.

    وبهذا المعنى، أعاد حزب الأصالة والمعاصرة صيغة القيادة الثلاثية إلى واجهة الحياة السياسية المغربية، لكن في سياق سياسي وتنظيمي مختلف، وبكيفية ومضمون وصلاحيات وآليات تجعل تجربته مختلفة.

    لماذا أنهى البام نموذج القيادة المنفردة؟

    لم يقدم قادة الأصالة والمعاصرة قرار فبراير 2024 باعتباره مجرد تغيير في أسماء المسؤولين، بل بوصفه محاولة لإعادة النظر في طريقة ممارسة القيادة نفسها.

    محمد مهدي بنسعيد اعتبر، عقب المؤتمر الخامس، أن القيادة الجماعية تمثل خيارا استراتيجيا يروم تجديد أنماط التفكير والتنظيم والتدبير، والانتقال من التركيز على الأشخاص إلى التركيز على المشروع السياسي للحزب.

    أما فاطمة الزهراء المنصوري، فقد أوضحت، بعد المؤتمر، أن القيادة ستعمل بمنطق التوافق، وأن الأمر لا يتعلق بوجود ثلاثة رؤوس متنافسة داخل الحزب، كما ارتبط اختيار منسقة وطنية للقيادة بمتطلبات التمثيل القانوني والتنظيمي للحزب.

    وبعد أكثر من سنتين على اعتماد هذه الصيغة، لم يعد النقاش مرتبطا فقط بأسباب اختيارها، وإنما بما أنتجته فعليا داخل الحزب، ومدى قدرتها على تحويل فكرة الجماعية من مقتضى تنظيمي إلى ممارسة يومية في تدبير القرار.

    نجوى كوكوس: دينامية تنظيمات الحزب مقياس النجاح

    وترى رئيسة المجلس الوطني للحزب، نجوى كوكوس، أن تقييم التجربة يجب أن ينطلق من التحولات التي عرفها الأصالة والمعاصرة منذ مؤتمر 2020، وليس فقط من لحظة انتخاب القيادة الجديدة.

    وفي حوار مع “AM+ MEDIA”، سينشر قريبا، تعتبر كوكوس أن المؤتمر الوطني لسنة 2024 شكل محطة مفصلية، لكونه جاء بعد أول تجربة للحزب في تدبير الشأن الحكومي منذ 2021، وبعد مرحلة تنظيمية بدأت منذ مؤتمر 2020 بهدف تثمين ما تحقق داخل الحزب ومراجعة عدد من أساليب التدبير السابقة.

    وتوضح أن الانتقال إلى القيادة الجماعية لم يكن قرارا فرديا أو ظرفيا، بل جاء نتيجة نقاش داخل هياكل الحزب، وانتهى إلى اختيار نموذج يقوم على توزيع المسؤولية وتوسيع مساحة التداول حول القرارات.

    وبحسب رئيسة المجلس الوطني، فإن أبرز ما أفرزته التجربة هو تراجع مساحة القرار الفردي لصالح المؤسسات، إذ تتم مناقشة القرارات داخل القيادة الجماعية ثم المكتب السياسي، فيما تصل بعض القضايا إلى المجلس الوطني.

    وتقول كوكوس في هذا السياق إن “القيادة الجماعية أثبتت نجاعتها لأنها تقوم على إشراك الجميع في صناعة القرار، فلا مجال لقرار فردي داخل الحزب، بل إن مختلف القرارات يتم التداول بشأنها داخل القيادة الجماعية، كما تُعرض على المكتب السياسي، بل إن بعض القرارات تُحال أيضا على المجلس الوطني، وهو ما يعزز مبدأ المؤسسات ويكرس العمل الجماعي”.

    وترى أن نجاح التجربة لا يقاس فقط باستمرار القيادة نفسها، وإنما بالدينامية التي تعرفها مختلف تنظيمات الحزب، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو داخل التنظيمات الموازية، معتبرة أن هذه الدينامية تندرج ضمن المبادئ التي رفعها الحزب منذ تأسيسه، وفي مقدمتها تحرير الطاقات وتجديد النخب.

    وبالنسبة إلى رئيسة المجلس الوطني، فإن التجربة حققت إلى حدود اليوم نتائج إيجابية، على أن يكون الاستحقاق التشريعي المقبل أول انتخابات وطنية يخوضها الحزب تحت هذا النموذج القيادي.

    القيادة الجماعية في اختبار الانتخابات

    ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتحول سؤال القيادة الجماعية من مسألة تنظيمية داخلية إلى قضية مرتبطة مباشرة بإدارة الحملة السياسية.

    فالانتخابات تفرض سرعة اتخاذ القرار، ووحدة الخطاب، وتوزيع المسؤوليات، والتفاعل اليومي مع المستجدات، وهي وظائف ارتبطت تاريخيا في الأحزاب بصورة الأمين العام الذي يتحمل مسؤولية قيادة الحملة.

    لكن نجوى كوكوس ترى أن تعدد أعضاء القيادة لا يعني تعدد الخطابات، فهي تعتبر أن فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفاطمة السعدي ينتمون إلى المسار السياسي والتنظيمي نفسه داخل الأصالة والمعاصرة، ويتقاسمون المرجعية والوثائق والمشروع السياسي ذاته، وهو ما يجعل اختلاف الأشخاص عاملا لتكامل الأدوار وليس لإنتاج مواقف متعارضة.

    وتضيف أن ما يجمع أعضاء القيادة الجماعية يتجاوز تحمل المسؤولية التنظيمية، لأنه يقوم على مسار حزبي مشترك وعلى قناعة واحدة بالمبادئ والاختيارات التي راكمها الحزب خلال مختلف محطاته.

    ومن هذا المنطلق، ترى كوكوس أن الخطاب يظل منسجما، سواء في اللقاءات الإعلامية أو في التواصل مع المناضلين، على أساس أن أعضاء القيادة يكمل بعضهم بعضا ولا يقدمون خطابات متعارضة.

    أما فيما يتعلق بتدبير المرحلة الانتخابية، فتؤكد أن هناك توزيعا واضحا للأدوار بين أعضاء القيادة الجماعية، الذين يشكلون أمانة عامة واحدة تعمل في إطار من التكامل والتنسيق المستمر، وهو ما يجعل هذا النموذج، “مصدر قوة أكثر من كونه مصدر اختلاف”. وسيكون هذا الانسجام أمام أول اختبار انتخابي وطني له خلال استحقاقات شتنبر المقبل، حين تنتقل القيادة الجماعية من تدبير الحياة التنظيمية والسياسية اليومية للحزب إلى قيادة حملة انتخابية وطنية، بما تتطلبه من سرعة في القرار وتنسيق بين الهياكل ووحدة في الخطاب السياسي.

  • من إرث التأسيس إلى طموح الصدارة.. رحلة صعود “البام” في الذكرى الـ18 لتأسيسه

    من إرث التأسيس إلى طموح الصدارة.. رحلة صعود “البام” في الذكرى الـ18 لتأسيسه

    في الثامن من غشت، التاريخ الذي يحيي فيه ذكرى تأسيسه، يدخل حزب الأصالة والمعاصرة عامه الـ18 وهو في موقع يختلف جذريا عن ذلك كان فيه سنة 2011، عندما كان “الجرار” يقاوم أزمة شرعية سياسية حادة، ويواجه اتهامات خصومه.

    لكنه اليوم، وهو يطوي الصفحة الـ18 من تاريخ تلك الأحداث بسلبياتها وإيجابياتها، يجد نفسه شريكا في الأغلبية الحكومية، ويعلن صراحة طموحه في تصدر الانتخابات التشريعية المرتقبة بعد قرابة شهرين من الآن.

    وعرف الحزب صعودا انتخابيا سريعا، واستقالات من القيادة، وصراعا تنظيميا، وتحولا من المواجهة المفتوحة في المعارضة إلى المشاركة في تدبير السلطة، ثم واجه ملفات قضائية مست بعض أبرز وجوهه، قبل أن يجرب، منذ 2024، صيغة غير مألوفة في الحياة الحزبية المغربية تقوم على “القيادة الجماعية”.

    ولا يمكن اختزال ذكرى تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في تعاقب الأمناء العامين، أو في أزمات متواترة، لأنها في جانب كبير، قصة حزب ظل يعيد تعريف وظيفته السياسية، من مخاض البدايات، إلى حزب معارضة برلمانية، ثم إلى حزب في الحكومة يعد اليوم من أبرز المرشحين لقيادة المرحلة المقبلة.

    مخاض التأسيس العسير

    يكشف أحمد اخشيشن، رئيس أكاديمية حزب الأصالة والمعاصرة، أن مخاض تأسيس الحزب ارتبط، بأزمة أوسع عاشها الحقل السياسي المغربي أكثر مما ارتبط بمجرد قرار لإحداث تنظيم حزبي جديد.

    فاخشيشن يؤكد لجريدة “AM+ MEDIA” أن “البام” جاء “نتاج مخاض مجتمعي، وكان مشروعا جماعيا اخترقته التجاذبات بين أطراف كانت تركض خلف الغلبة لهذا الطرف أو ذاك”، بما يعكس منذ البداية تعدد الروافد والحساسيات التي التقت داخل المشروع، وما رافق ذلك من تنافس حول أهدافه.

    ويعيد اخشيشن جذور هذا المسار إلى تجربة حركة لكل الديمقراطيين، التي كان يرأسها، ومحاولة الانفتاح على مكونات سياسية مختلفة، مشيرا إلى أنه “يوم أطلقنا الحركة لكل الديمقراطيين توجهنا إلى أغلبية الأطياف السياسية، لكننا لم نجد قبولا”، مبرزا أنه كان ينظر لها بأنها منافس أكثر منه إضافة للمشهد السياسي المغربي.

    ووفق اخشيشن، جاء مشروع الحركة في سياق اتسم بتراجع الثقة في الوسائط السياسية، عبرت عنه انتخابات 2007، التي شهدت أقل نسبة مشاركة في تاريخ المغرب، والتي اعتبرها “دليلا على عدم اقتناع المواطنين بالحلول التي كانت مقدمة آن ذاك”.

    لذلك يرفض عضو المكتب السياسي لـ”الجرار” اختزال ولادة الحزب في استجابة ظرفية، مؤكدا أن “تأسيس الحزب لم يكن نزوة ظرفية، بل حركة فكرية وسياسية، اشتغلت طيلة سنتين من خلال اللقاءات والنقاشات الحقيقية”.

    لذلك، يقدم اخشيشن تأسيس “البام” باعتباره محاولة لملء فجوة بين التحولات الديمقراطية التي عرفها المغرب وبين عرض سياسي لم يواكبها بالوتيرة نفسها، وهي قراءة يدافع من خلالها أيضا عن استمرارية مشروعية الحزب.

    من الدولة الاجتماعية إلى السيادة

    يقوم المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، وفق وثيقته المرجعية، على ثلاث قيم مركزية هي، الكرامة والأمل والمواطنة، فالكرامة، وفق المصدر ذاته، ترتبط بمحاربة التهميش والتمييز والفساد والريع، وضمان الولوج العادل إلى التعليم والصحة والسكن، فيما يتأسس الأمل على الاستثمار في الشباب وخلق فرص الشغل وتشجيع المبادرة والابتكار والارتقاء الاجتماعي، أما المواطنة، فتقوم على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة وربط الحقوق بالواجبات وإشراك المواطنين في صناعة القرار.

    اقتصاديا واجتماعيا، يدافع الحزب عن بناء دولة اجتماعية قوية تستند إلى اقتصاد منتج ومستدام، قادر على خلق الثروة وتوزيعها بصورة أكثر إنصافا، مع دعم المبادرة الخاصة وإعادة الاعتبار لقيمة العمل، إضافة إلى أن ويضع ضمن أولوياته تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتأهيل العالم القروي، وتمكين النساء والشباب، وإصلاح منظومتي التعليم والصحة، وتعزيز البحث العلمي والابتكار.

    سياسيا ومؤسساتيا، يرتكز تصور “البام” على تكريس دولة الحق والقانون، وتعزيز الحقوق والحريات، وإصلاح منظومة العدالة، وتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والمحسوبية، إلى جانب استكمال البناء المؤسساتي الذي أرساه دستور 2011، وتوسيع مجال الديمقراطية التشاركية، ويجعل من الجهوية المتقدمة ونقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات رافعة لتحقيق العدالة المجالية.

    ويولي الحزب أهمية خاصة للتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة البيئية، والأمن المائي والغذائي والطاقي والطاقات المتجددة.

    ويحتل تثمين الهوية المغربية بتعدد روافدها والانفتاح على القيم الكونية مكانة بارزة في الوثيقة المرجعية لحزب الأصالة والمعاصرة.

    ويضع أيضا، على مستوى السياسة الخارجية، الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية في صدارة الأولويات، مع دعم تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الحضور المغربي في إفريقيا والفضاء الأطلسي، وتعبئة إمكانات مغاربة العالم لخدمة التنمية والمصالح الوطنية.

    كيف حافظ البام على تماسكه؟

    ككل الأحزاب، فتاريخ الأصالة والمعاصرة لم يكن قصة استقرار، فمنذ 2011، مر الحزب بلحظات كان يمكن لأي واحدة منها أن تنتج انشقاقا دائما أو انهيارا تنظيميا، من قبيل الضغط السياسي الذي عاشه حول صورة الحزب ومشروعيته، ومغادرة أو استقالة قيادات، وأزمة قيادة في 2017، ثم الصراع التنظيمي بين الأمانة العامة و”تيار المستقبل” بين 2018 و2020 وصل جزء منه إلى القضاء، قبل أن تأتي لاحقا ملفات قضائية مست مسؤولين وقياديين سابقين وتضع صورة الحزب أمام اختبار أخلاقي وسياسي جديد، كما واجهت القيادة الجماعية الحالية سنة 2024 أزمة صلاح الدين أبو الغالي بعد أشهر فقط من انتخابها.

    لكن القاسم المشترك بين هذه المحطات لم يكن غياب الخلاف، بل قدرة الحزب على إبقائه داخل سقف تنظيمي انتهى، في كل مرة تقريبا، إلى إعادة تركيب القيادة بدل تفكيك الحزب.

    فمرحلة 2011 أعقبها مؤتمر 2012 وقيادة جديدة؛ وانتهى الصراع الداخلي الكبير إلى مؤتمر 2020 وانتخاب عبد اللطيف وهبي؛ ثم جاء مؤتمر 2024 بصيغة القيادة الجماعية، وحتى عندما اهتزت هذه الصيغة بخلاف أبو الغالي، عوضه المجلس الوطني في أكتوبر 2024 بفاطمة السعدي، واستمرت الآلية نفسها في قيادة الحزب بثبات واستقرار قبيل شهرين من الانتخابات التشريعية المقبلة.

    ما تكشفه هذه الأزمات مجتمعة هو أن “البام” لم يكن حزبا بلا تجاذبات، وإنما حزبا طور مع الوقت قدرة أكبر على إدارة الصراع من دون أن يتحول تلقائيا إلى انشقاق، لذلك يؤكد رئيس أكاديمية “البام” أن وصول التنظيم إلى “مرحلة النضج كانت ضريبته هي كل التجاذبات والتقاطبات التي طبعت مرحلة المخاض”.

    ويوضح اخشيشن أن “18 سنة تَظهر أنها مدة زمنية طويلة، لكنها مقارنة مع تاريخ المغرب قصيرة جدا، وبالتالي هذ القياس اليوم يفيد لتقييم المسافة والمسار”.

    من 47 إلى 102 ثم 87 مقعدا

    لم يخرج حزب الأصالة والمعاصرة من دائرة القوى الكبرى منذ أول اختبار تشريعي، ففي انتخابات 2011، التي جرت في سياق سياسي استثنائي أعقب حركة 20 فبراير والإصلاح الدستوري، حصل “البام” على 47 مقعدا في مجلس النواب، وحل رابعا.

    لكن قبلها، نجح “الجرار” في السيطرة على نتائج الانتخابات الجماعية 2009، بحصده 6015 مقعدا، أي 21.7 في المئة من المقاعد، بعد اقل من سنة واحدة على تأسيسه.

    وسنة 2015، قدمت الانتخابات الجماعية مؤشرا أكثر وضوحا على قدرته على بناء نفوذ ترابي، فقد تصدر “الجرار” نتائج المجالس الجماعية بـ6655 مقعدا، أي 21.12 في المئة من المقاعد، ثم في 2016 حقق قفزة تشريعية كبيرة بحصوله على 102 مقعد، ليحل ثانيا، لكنه بدل التهافت على كرسي ضمن الائتلاف الحكومي، اختار الاصطفاف في المعارضة.

    أما في انتخابات 2021، فقد تراجع “البام” عدديا من 102 إلى 87 مقعدا، لكنه حافظ على الرتبة الثانية، وهي النتيجة التي فتحت للحزب بابا لم يدخله من قبل للمشاركة لأول مرة في الحكومة ضمن أغلبية ثلاثية مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.

    معارضة بناءة

    خلال عقد المعارضة، اتخذ الحزب عددا من المواقف البرلمانية الدالة على هويته السياسية، فقد كان من أشد منتقدي حكومتي بنكيران والعثماني، ووصل الأمر سنة 2018 إلى التلويح بملتمس رقابة ضد حكومة سعد الدين العثماني، من دون أن تتحول المبادرة إلى مسطرة تنتهي بإسقاط الحكومة.

    لكن الحزب لم يصوت ضد كل مشاريع الأغلبية، في مؤشر على أنه لا يصطف في المعارضة من أجل المعارضة فقط، ففي 2019 أيد القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، بما فيه خيارات التناوب اللغوي وتدريس مواد علمية بلغات أجنبية، كما كان كان من أبرز المدافعين عن احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية سنة 2021.

    وفي ملف استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، اتخذ الحزب موقفا مؤيدا للقرار في إطار الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب، مع التأكيد على دعم القضية الفلسطينية، وأصبح خطابه أكثر تركيزا على إدانة العمليات الإسرائيلية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية بعد الحرب على غزة.

    من امتحان المعارضة إلى عبء الحصيلة

    وانتقل “البام” بعد انتخابات 8 شتنبر 2021 لأول مرة من موقع مراقبة السياسات العمومية وانتقادها إلى موقع المسؤولية المباشرة عنها، بعدما أصبح مكونا بارزا من مكونات الأغلبية الحكومية، إلى جانب الأحرار والاستقلال.

    وتولى وزراء “البام” حقائب وزارية حساسة، من إعداد التراب الوطني والإسكان والشباب والثقافة والتواصل، إلى العدل والتشغيل والتعليم العالي ثم الانتقال الرقمي والطاقي.

    هذا التحول أعاد صياغة خطابه البرلماني والسياسي، ففي الأغلبية، صار الفريق البرلماني للحزب جزءا من صناعة وتمرير الاختيارات الحكومية، مع إبراز أولويات يعتبرها امتدادا لمرجعيته على رأسها الدولة الاجتماعية، والعدالة المجالية، والتشغيل، ودعم السكن، وتحديث التشريعات، وتوسيع مشاركة النساء والشباب، ومواكبة إصلاح مدونة الأسرة من منظور حداثي.

    طموح تصدر الانتخابات

    في 25 يوليوز 2026، لم تترك قيادة الأصالة والمعاصرة هدفها الانتخابي في منطقة التلميح، فالبيان الختامي للدور الـ32 للمجلس الوطني أعلن صراحة “طموح الحزب لتصدر نتائج الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”.

    ويستند هذا الطموح إلى قاعدة 87 مقعدا التي انطلق منها بعد 2021، وهي ثاني أكبر كتلة حزبية أفرزتها تلك الانتخابات، إضافة إلى شبكة المنتخبين والحضور الترابي التي راكمها على امتداد سنوات، زيادة على موقعه داخل الحكومة وما وفره من حضور لعدد من قياداته في تدبير قطاعات مباشرة الصلة بالمواطنين.

    ويضاف إلى ذلك وصول القيادة الجماعية إلى الموسم الانتخابي بدرجة من الاستقرار التنظيمي، بعدما كانت انتخابات سابقة تسبقها أو ترافقها صراعات حول مركز القيادة.

    ويؤكد أحمد اخشيشن في هذا السياق أن شروط المرحلة الحالية تغيرت جذريا، لأن المطالب اختلفت بشكل كبير عن مرحلة المخاض والتأسيس، موضحا “نتحدث اليوم عن الدولة الاجتماعية، والدعم المباشر، عن الشباب وحقوق المرأة… وهي مطالب لم تكن في تلك الفترة”، وهكذا ينتقل سؤال “البام”، وفق عضو المكتب السياسي الذي يعتبره الباميون “الأب الروحي” للحزب، من مبررات التأسيس إلى مدى قدرته على تجديد عرضه السياسي لمواكبة تحولات المجتمع وانتظاراته الجديدة.

    عرض سياسي متكامل

    ويتجلى التحول الأهم في مسار حزب الأصالة والمعاصرة ليس في أمين عام أو رقم انتخابي، بل في تغير الرهان، ففي 2011 كان الحزب مطالبا بإثبات أنه قادر على البقاء في سياق سياسي صعب، ثم في 2020 كان مطالبا بمنع صراعه الداخلي من التحول إلى انقسام، وفي 2021 كان عليه أن يثبت قدرته على الانتقال من المعارضة إلى الحكومة، وفي 2024 اختار أن يختبر نموذجا جماعيا للقيادة، أما في 2026، فالمطلوب هو تحويل كل ذلك إلى عرض انتخابي مقنع.

    ويشير اخشيشن في هذا السياق إلى أن “أهم ما يمز البام اليوم أنه مكون كامل الحضور في المشهد السياسي، وأصبح قيمة مضافة للساحة السياسية”، مشيرا إلى أن الحزب قدم عرضا سياسيا متكاملا لمغرب المستقبل، سيما أن شروط المغرب الصاعد متوفرة ونموذجنا التنموي بلغ مرحلة من النضج تجعله مؤهلا لدخول ضمن الدول الصاعدة، والأصالة والمعاصرة قادر على أن يستثمر هذه الشروط في المرحلة المقبلة وتنزيلها على أرض الواقع لدخول نادي الدول الصاعدة”.

    وشدد اخشيشن على أن طموح وقناعة الأصالة والمعاصرة اليوم أن يكون الحزب حاضرا بقوة في قيادة المرحلة المقبلة، لأننا “قدمنا مشروعا يجيب عن انتظارات الشباب والمرأة وكل المغاربة”، بيد أنه أكد أن العرض السياسي للحزب لن يظل شعارات ولا حبرا على ورق “لأننا نتوفر على فرق قادرة على رفع هذا التحدي، لا تتوفر على الكفاءة فقط، بل أيضا على القدرة على الإنجاز وتنزيل السياسات”.

  • الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    هذا التحول لا يستمد أهميته فقط من إضافة دولة جديدة إلى قائمة الدول التي تعزز الموقف المغربي في قضية الصحراء، بل من كون كولومبيا تعد من الدول ذات الوزن السياسي والاقتصادي في أمريكا الجنوبية، وهي منطقة احتفظت فيها ميليشيا البوليساريو تاريخيا بشبكة من العلاقات والدعم، كما أن بوغوتا تشغل حاليا مقعدا غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة 2026-2027.

    وبين كولومبيا التي أعادت، مع وصول غوستافو بيترو إلى السلطة سنة 2022، علاقاتها مع البوليساريو، وكولومبيا التي تعلن اليوم، في عهد الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، تغير موقع دولة كانت تحسب، إلى وقت قريب، ضمن الأصوات غير المريحة للرباط داخل مجلس الأمن.

    من بوغوتا إلى مجلس الأمن.. أكثر من اعتراف جديد

    أعلنت كولومبيا موقفها الجديد خلال لقاء جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار.

    وأكد إسكوبار أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، فيما اعتبر ريستريبو أن القرار يشكل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، وذهب أبعد من ذلك بوصف المغرب بـ”حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا”، معبرا عن رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    أما وزير الخارجية المغربية، فوصف سحب بوغوتا اعترافها بالكيان الانفصالي والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء بالقرار “التاريخي”، معتبرا أنه قادر على منح دفعة قوية للعلاقات الثنائية.

    لكن القراءة السياسية للقرار تتجاوز العلاقات بين الرباط وبوغوتا، بالنظر إلى أن كولومبيا تشغل منذ يناير 2026 مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، وتستمر عضويتها إلى غاية نهاية 2027، وهو معطى يمنح التحول الجديد وزنا إضافيا، لأن بوغوتا ستكون حاضرة بصوتها داخل المجلس لدعم المغرب.

    أكتوبر.. أول اختبار للموقف الجديد

    يأتي التحول الكولومبي بعد أقل من سنة من اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ومنح مقترح الحكم الذاتي المغربي أولوية في تسوية سياسية للنزاع المفتعل.

    واعتمد القرار بـ11 صوتا دون أي صوت معارض، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    وبالتالي، سيكون أكتوبر 2026 أول موعد كبير يمكن أن تظهر فيه عمليا توجهات الدبلوماسية الكولومبية الجديدة بشأن الملف.

    واللافت أن بوغوتا كانت، إلى وقت قريب، تُقرأ في الاتجاه المعاكس، إذ في تحليل نشر في يونيو الماضي حول تركيبة مجلس الأمن وتأثيرها على ملف الصحراء، اعتبر السفير السابق والباحث في العلاقات الدولية، أحمد فوزي، أن كولومبيا كانت العضو الذي يمكن أن يعارض التطور الذي يعرفه الملف، رابطا ذلك باعتبارات إيديولوجية أكثر منها بحسابات مرتبطة بتطور النزاع نفسه.

    تحول بدلالات متعددة الأبعاد

    وفي هذا السياق، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التحول الكولومبي يحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، بالنظر إلى عضوية بوغوتا الحالية في مجلس الأمن وتوقيت القرار قبيل استحقاق أكتوبر.

    ويوضح أبو الذهب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “انتقال كولومبيا من الاعتراف بالكيان الانفصالي إلى الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه يمثل تحولا سياسيا مهما في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن، لأن الأمر يتعلق بدولة تملك اليوم صوتا داخل المجلس، ما يعزز الدينامية الدبلوماسية الداعمة للموقف المغربي، خصوصا مع اقتراب مناقشة الملف مجددا في أكتوبر المقبل”.

    ويضيف أن هذا التحول يحمل دلالة إضافية بالنظر إلى موقع كولومبيا داخل أمريكا اللاتينية، التي شكلت تاريخيا إحدى ساحات تحرك البوليساريو.

    أربع سنوات بين موقفين متناقضين

    في غشت 2022، بعد وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة، أعادت كولومبيا علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية، بعدما كانت هذه العلاقات مجمدة منذ سنوات.

    وفي أبريل 2026، قبل أربعة أشهر فقط من رحيل بيترو، استقبلت الرئاسة الكولومبية أوراق اعتماد ممثل للبوليساريو بصفته سفيرا في بوغوتا.

    لكن العلاقة مع البوليساريو لم تكن تحظى بإجماع داخلي كولومبي، إذ صدرت خلال السنوات الماضية مواقف عن برلمانيين كولومبيين تنتقد توجه السلطة التنفيذية، وتدعو في المقابل إلى تعزيز العلاقات مع المغرب ودعم وحدته الترابية.

    ومع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بدأ اتجاه السياسة الخارجية الكولومبية يتغير بعدما وصل أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى كرسي الرئاسة، حاملا توجها سياسيا مختلفا عن سلفه، لتظهر أولى إشارات القطيعة حتى قبل تنصيبه، عندما أعلن إعادة هيكلة الشبكة الدبلوماسية لبلاده وإغلاق عدد من السفارات، من بينها السفارة الكولومبية في الجزائر.

    وبرر الرئيس الجديد إعادة الهيكلة بالرغبة في تقليص النفقات وتوجيه الموارد إلى أولويات داخلية، مؤكدا أن إغلاق السفارات لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الدول المعنية، غير أن هذه الخطوة، متبوعة بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، تعكس في إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الخارجية الكولومبية بعد انتهاء مرحلة بيترو.

    ماذا يربح المغرب؟

    يشكل الموقف الكولومبي الجديد مكسبا كبيرا للمغرب، إذ على المستوى الأممي، يعد تحول موقف دولة تشغل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، بعدما كانت تُصنف قبل أشهر قليلة ضمن الدول التي يمكن أن تتحفظ على المسار الذي أخذه الملف، ضربة موجعة للجبهة الانفاصلية، وراعيتها الجزائر.

    لكن المكسب الأهم بالنسبة للمغرب فيتجلى في الموقف الكولومبي نفسه، فبوغوتا لم تكتف بتوصيف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالجدية أو المصداقية، وإنما انتقلت إلى إعلان الاعتراف بـ”سيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يتجاوز مجرد دعم البحث عن حل سياسي في إطار المقترح المغربي.

    ويأتي ذلك في سياق دبلوماسي تعمل فيه الرباط على توسيع دائرة الدول التي انتقلت مواقفها من دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل إلى التعبير عن مواقف أكثر وضوحا بشأن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.

    ماذا تريد كولومبيا من المغرب؟

    تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح، والتصريحات الصادرة عن القيادة الكولومبية الجديدة تكشف أن بوغوتا تبحث بدورها عن بناء علاقة مختلفة مع المغرب بعد موقفها الجديد في ملف الصحراء.

    ووصف نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو المملكة بأنها “حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا” يكشف جزءا من التصور الجديد للعلاقة بين البلدين.

    وبالنسبة إلى بوغوتا، يمكن للمغرب أن يشكل بوابة لتعزيز الحضور الكولومبي في القارة الإفريقية، مستفيدا من شبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية وحضور مقاولاته واستثماراته في عدد من دول القارة.

    وفي الاتجاه المقابل، تستطيع كولومبيا أن تشكل للمغرب منصة إضافية لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية، وهو ما عبر عنه ناصر بوريطة عندما أكد أن المغرب وكولومبيا يمكن أن يشكلا منصتين اقتصاديتين لبعضهما البعض، بالاستفادة من موقعيهما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

  • بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    سجل الاقتصاد المغربي مرحلة نمو تُعد الأقوى منذ أكثر من عقد، مدعوما بطفرة في الاستثمار العمومي، خاصة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، سيما المرتبطة بالتحضيرات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب بوادر تعافٍ في القطاع الفلاحي.

    غير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام قائم على رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وتسريع التحول الرقمي داخل المقاولات.

    وفي هذا السياق، يرى أحدث إصدار للمرصد الاقتصادي للمغرب، الصادر عن البنك الدولي تحت عنوان “ترسيخ النمو: التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، أن المرحلة المقبلة من الاقتصاد المغربي لن تُحسم بالاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل بقدرة المقاولات المغربية على تعميق تحولها الرقمي، باعتباره رافعة أساسية لرفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية وترسيخ النمو الاقتصادي.

    التحول الرقمي.. رهان المغرب لترسيخ النمو

    ويكشف تقرير البنك الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ نحو 4.9 بالمئة سنة 2025، مع توقع استمرار النمو عند 4.2 بالمئة خلال سنة 2026.

    وأبرز التقرير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي لن يتحقق بالاعتماد على الاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد الوطني على رفع إنتاجيته، ما يجعل التحول الرقمي للمقاولات أحد أبرز رهانات الاقتصاد الوطني في المرحلة المقبلة.

    وأوضح أن الاقتصاد المغربي سجل خلال سنة 2025 أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من عشر سنوات، مدعوما بطفرة في الاستثمارات العمومية الموجهة إلى مشاريع البنية التحتية، سيما المرتبطة بالاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب انتعاش القطاع الفلاحي.

    في المقابل، يؤكد البنك الدولي أن المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة المقاولات المغربية على توسيع واعتماد التقنيات الرقمية المتقدمة لرفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

     ووفق التقرير، انخفض معدل التضخم بشكل حاد إلى 0.8 بالمئة، مما خفف الضغوط المتراكمة خلال السنوات السابقة على الأسر والمقاولات، وفي الوقت نفسه، أحرزت الحكومة تقدما ملحوظا على مستوى ضبط المالية العامة، بعدما نجحت في تقليص عجز الموازنة إلى 3.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، تزامنا مع رفع وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني السيادي للمغرب إلى درجة الاستثمار.

    الفجوة الرقمية تكشف نقطة الضعف

    يؤكد البنك الدولي أن المغرب حقق تقدما ملحوظا في مسار التحول الرقمي، خاصة مع إطلاق استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، إلى جانب مبادرات دعم ريادة الأعمال، والاستعانة بمصادر خارجية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا.

    غير أن هذا التقدم، بحسب المصدر ذاته، ما يزال يحتاج إلى تعميق على مستوى المقاولات، مفسرا ذلك بنتائج مسح اعتماد التكنولوجيا على مستوى الشركات “FAT” لسنة 2024، الذي شمل 1256 شركة وغطى أكثر من 300 تقنية.

    وكشف المسح أنه رغم تبني الشركات المغربية؛ على نطاق واسع، للأدوات الرقمية الأساسية، فإن أقل من شركة واحدة من كل خمس شركات تدمج التقنيات الرقمية المتقدمة بشكل مكثف ومتكامل في صميم عملياتها التجارية.

    وتبرز الأرقام حجم هذه المكاسب؛ إذ يبين التقرير أن المقاولات التي تعتمد استخداما مكثفا ومتكاملا للتقنيات الرقمية تحقق مكاسب في الإنتاجية قد تصل إلى 70 في المئة، وتنمو العمالة فيها بوتيرة أسرع بنسبة 10 في المئة، كما تدفع أجورا أعلى بنحو 27 في المئة في المتوسط.

    ويقدر البنك الدولي أن تقليص الفجوة الرقمية بين المغرب والبلدان النظيرة يمكن أن يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني بما يتراوح بين 10 و15 في المئة.

    الرقمنة أكبر تحديات الاقتصادات الصاعدة

    في قراءة لمضامين التقرير، أكد الخبير الاقتصادي ياسين اعليا في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن البنك الدولي يرى أن تحفيز الرقمنة عامل مؤثر بشكل إيجابي على تحول الاقتصاد المغربي واستدامة النمو، موضحا أن هذا الأمر طبيعي، لأنه يسير وفق آليات التطور الاقتصادي التي يشهدها العالم في عمومه، والثورة الرقمية للأنشطة الاقتصادية.

    وأضاف أن عملية الرقمنة تشكل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات الصاعدة، وكذلك الاقتصادات المقبلة على تحسين مستويات النمو داخلها، من أجل تقليص الهوة بينها وبين الاقتصادات المتقدمة، بالنظر إلى أن مستويات الاستدراك لهذه الفجوات بين الدول المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو أسهل وأسرع من أشكال الاقتصاد السابقة المرتبطة أساسا بالثورة الصناعية.

    ويوضح اعليا في تصريحه للجريدة أن هذه الثورة الصناعية الرابعة يمكن أن تتيح للاقتصاد المغربي تحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال الفترات السابقة.

    غير أنه شدد على ضرورة التوجه الرقمي في هذا المجال من أجل ضمان الاستدامة، وضمان خلق فرص الشغل، حيث إن الرفع من الإنتاجية لا يتحقق إلا بتقليص الفجوة الرقمية، مؤكدا أنه كلما نجح المغرب في تقليص هذه الفجوة بما يتراوح بين 10 و15 في المئة، سينعكس ذلك على رفع مستويات النمو ومواكبة التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي.

    80 بالمئة من المقاولات الصغيرة بلا حضور رقمي منظم

    ومن زاوية أكثر ارتباطا بواقع المقاولات، أكد عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، في تصريح خص به AM+” MEDIA”، أن التحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح شرطا للبقاء، معتبرا أن المقاولة التي لا تنخرط فيه اليوم ستجد نفسها خارج السوق غدا.

    ولفت الفركي إلى أن الدراسة الوطنية التي أجرتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في مارس 2026 أظهرت أن 97 بالمئة من المقاولات الصغرى متصلة بالإنترنت، غير أن 80 بالمئة منها لا تملك أي حضور رقمي منظم، فيما لا تتجاوز نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي 5 بالمئة.

    وأشار إلى أن الفجوة الحقيقية لا تكمن في البنية التحتية، بل في كيفية استغلال الأدوات الرقمية وتوظيفها.

    ويبرز عبدالله الفركي في هذا السياق أن المقاولات التي تجاوزت هذه الهوة الرقمية حققت نتائج ملموسة، من بينها تقليص التكاليف التشغيلية، وتسريع معالجة الملفات، والولوج إلى أسواق جديدة داخل المغرب وخارجه، مؤكدا أن أثر الرقمنة سيظل محدودا ما دامت 98 بالمئة من المقاولات المغربية، وهي المقاولات الصغرى، لم تنتقل بعد من الاستهلاك الرقمي إلى الاستثمار الرقمي.

    لماذا تتعثر رقمنة المقاولات؟

    لا يعزا تأخر التحول الرقمي داخل المقاولات المغربية إلى عامل واحد، بل يربطه بمجموعة من الإكراهات الاقتصادية والتنظيمية والبشرية، فمن جهة، تشير الشركات إلى ارتفاع كلفة الاستثمار في التقنيات الرقمية باعتباره العائق الرئيسي، ومن جهة أخرى تمثل محدودية الولوج إلى التمويل تحديا إضافيا، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

    ويشير رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة إلى أن التمويل يشكل العائق الأول الذي يواجه المقاولات في مسار التحول الرقمي، موضحا أن “برنامج تسيير محاسبي، ذأو موقع إلكتروني احترافي، أو حل للأمن السيبراني، كلها تكاليف لا تتحملها مقاولة تعاني من ضعف السيولة وصعوبة الولوج إلى القرض البنكي”.

    وأضاف في تصريحه أن الكونفدرالية تطالب منذ سنوات بإحداث صندوق وطني مخصص للتحول الرقمي للمقاولات الصغرى، بشروط ميسرة وإجراءات مبسطة. وأيضا إحداث بنك عمومي لتمويل المقاولات الصغرى، لأن الأبناك الحالية كلها تجارية ولا يمكنها تمويل المقاولات الصغرى لكونها لا تتوفر على الضمانات التي تطلبها هذه الأبناك.”

    وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن قرار المقاولات بالاستثمار في التقنيات الرقمية لا تحكمه المعيقات وحدها، بل يتأثر أيضا بجملة من الحوافز التي تدفع نحو تسريع التحول الرقمي.

    ويبين أن اعتبارات التكلفة تشكل العائق الأبرز أمام تبني التكنولوجيا لدى مختلف فئات المقاولات، مع تأثير أكبر على الشركات متوسطة الحجم، في حين تمثل صعوبة الولوج إلى التمويل قيدا إضافيا بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بينما تبدو أقل حدة لدى الشركات الكبرى.

    وبالنسبة إلى عبدالله الفركي، فإن التكوين يمثل العائق الثاني أمام المقاولات، مؤكدا أن “المشكل ليس في الذكاء أو الإرادة، بل في غياب تكوينات عملية وقريبة من الميدان، لأن المقاول الصغير لا يحتاج محاضرة أكاديمية، بل يحتاج شخصا يجلس معه ساعتين ويريه كيف يستخدم أداة بعينها لتطوير مبيعاته”.

    وتابع أن المواكبة تشكل العائق الثالث، مؤكدا أنه “لا توجد برامج مستدامة ترافق المقاول من التشخيص إلى التنفيذ والتقييم، والدعم الحالي متشتت وغير مستمر، ولا يصل إلى من يحتاجه فعلا، كما أن المواكبة لا تقتصر على تكوين أسبوع أو أشهر، بل على الأقل سنتين من المواكبة”.

    وشدد على أن الكونفدرالية تطالب بسياسة عمومية وطنية للتحول الرقمي تقوم على أربعة محاور واضحة: “التمويل الميسر، والتكوين الميداني، والمواكبة المستدامة، والتحفيزات الجبائية لكل مقاولة صغرى تستثمر في الرقمنة، لأن القضية لم تعد قضية تكنولوجيا، بل أصبحت قضية سيادة اقتصادية”.

    وأكد المتحدث أن مواكبة المقاولات الصغرى، التي تشكل أكثر من 98 بالمئة من مجموع المقاولات المغربية، تقتضي إنشاء وكالة وطنية متخصصة في مواكبة ودعم المقاولات الصغرى، تحت اسم “مغرب المقاولات الصغرى” أو “الوكالة الوطنية لدعم والنهوض بالمقاولات الصغرى”، تتوفر على مكاتب وفروع في جميع الأقاليم والجهات.

    وخلص الفركي إلى أن مواكبة هذه المقاولات لا يمكن أن تتم بشكل فعال من المركز فقط، بل يجب أن تتبنى سياسة قريبة من احتياجاتها المحلية، ومن خلال حضور هذه الوكالة في مختلف المناطق، تستطيع تقديم الدعم المباشر والمناسب لكل مقاولة صغيرة، بما في ذلك الموجودة في المدن النائية والقرى، مما يعزز قدرتها على المنافسة والنمو.

    التكنولوجيا وحدها لا تصنع الإنتاجية

    وانطلاقا من هذا التشخيص، أكد البنك الدولي في توصياته أن تقليص فجوة الإنتاجية الرقمية لا يتحقق بالاعتماد على الحوافز المالية وحدها، مثل الإعفاءات الضريبية أو دعم اقتناء المعدات، بل يتطلب سياسات تعزز الاستخدام الفعلي للتكنولوجيا، من خلال توفير المساعدة التقنية، وإطلاق برامج للتكوين العملي، وربط المقاولات الصغرى والمتوسطة بمزودي الحلول الرقمية.

    وأبرز أيضا أهمية تحسين البيئة التنافسية والانفتاح على الأسواق الدولية، من خلال تسهيل ولوج المقاولات إلى الأسواق، وتعزيز جاهزيتها للتصدير، واستقطاب استثمارات أجنبية مباشر، لما لذلك من دور في نقل الممارسات التكنولوجية المتقدمة وتحفيز الابتكار داخل الاقتصاد الوطني.

    ويضيف التقرير أن الوعي ببرامج الدعم العمومي لا يزال محدودا، وأن الاستفادة منها تتركز أساسا لدى المقاولات الكبرى، في حين تظل المقاولات الصغرى والمتوسطة الأقل استفادة، رغم أنها الأكثر حاجة إلى هذا الدعم.

    من هذا المنطلق، أوصى البنك الدولي باعتماد مقاربة مزدوجة تستهدف، من جهة، تمكين المقاولات المغربية الرائدة من تقليص الفجوة مع نظيراتها العالمية، مثل كوريا، ومن جهة أخرى، الرفع من مستوى المقاولات المتأخرة رقميا، بما يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية أوسع وأكثر شمولا من التحول الرقمي.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ياسين اعليا أن تحقيق التحول الرقمي داخل المقاولات يتطلب توفير بيئة متكاملة تساعد على استخدامها بكفاءة، موضحا أن ذلك لن يتحقق إلا بتحسين جودة الاتصالات، ومواكبة التكوين، وخفض أسعار الإنترنت، واعتماد التقنيات الرقمية الحديثة من خلال الحوسبة السحابية في مراكز البيانات، وتوسيع الدعم للشركات الناشئة، وتطوير القوانين المنظمة لهذا المجال، وتحفيز التجارة الإلكترونية من أجل تعزيز الثقة بين الشركاء الاقتصاديين.

    وأضاف المتحدث أن الأرقام الحالية، رغم ما تعكسه من تقدم، لا تقدم صورة إيجابية عن مستويات اشتغال المقاولات المغربية والاقتصاد المغربي بشكل عام وفق هذا النمط الحديث.

    لذلك، خلص تقرير البنك الدولي إلى أن المغرب نجح في بناء أسس نمو اقتصادي متين، غير أن ترسيخ هذا النمو في السنوات المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المقاولات المغربية على الانتقال من الاستخدام المحدود للأدوات الرقمية إلى تحول رقمي متكامل يجعل التكنولوجيا محركا للإنتاجية والابتكار والتنافسية، وليس مجرد وسيلة لتحديث بعض العمليات داخل المؤسسة.

  • اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    أعلنت كولومبيا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، في تحول جديد في موقف بوغوتا من النزاع، تزامن مع إعلان البلدين رغبتهما في فتح مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية والاتجاه نحو بناء شراكة استراتيجية تشمل إلى جانب التنسيق السياسي التعاون الاقتصادي بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وجرى الإعلان عن الموقف الكولومبي الجديد، أمس الجمعة، خلال مباحثات جمعت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب رئيس جمهورية كولومبيا، خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية الكولومبي، عمر بولا إسكوبار.

    وخلال اللقاء، أعلن وزير العلاقات الخارجية الكولومبي بشكل صريح أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يؤشر على تغيير في تعاطي بوغوتا مع قضية الصحراء مقارنة بالموقف الذي تبنته خلال المرحلة السابقة.

    ولا يقتصر التحول المعلن على صيغة سياسية جديدة بشأن النزاع، إذ يرتبط أيضا، وفق التصريحات الصادرة عقب المباحثات، بإرادة مشتركة لإعادة ترتيب العلاقات بين الرباط وبوغوتا وفتح مجالات أوسع للتعاون بين البلدين.

    سحب الاعتراف بـ”البوليساريو

    ووصف ناصر بوريطة القرار الكولومبي بـ”التاريخي”، موضحا أنه يجمع بين سحب بوغوتا اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة والاعتراف بسيادة المملكة المغربية على صحرائها.

    وأكد وزير الخارجية أن هذا التحول من شأنه إعطاء “دفعة قوية” للعلاقات المغربية الكولومبية، في وقت يتجه فيه البلدان، بحسب ما أعلن عنه خلال اللقاء، إلى تجاوز مستوى العلاقات التقليدية نحو بناء شراكة أوسع.

    ويمثل سحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة جزءا أساسيا من التحول الذي أعلنت عنه كولومبيا، بالنظر إلى أن موقف بوغوتا من هذا الكيان شكل خلال السنوات الماضية أحد الملفات المؤثرة في علاقاتها مع الرباط.

    ويأتي الموقف الجديد ليعيد رسم الإطار السياسي الذي ستتحرك داخله العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة، خصوصا بعد اقترانه باعتراف صريح من الحكومة الكولومبية بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

    بداية جديدة” بين الرباط وبوغوتا

    التحول لم يقتصر على ملف الصحراء. فقد اعتبر نائب الرئيس الكولومبي، خوسيه مانويل ريستريبو، أن الإعلان يمثل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، في تعبير يعكس رغبة بوغوتا في إحداث تحول أوسع في مستوى التعاون مع الرباط.

    وذهب المسؤول الكولومبي أبعد من ذلك، حين وصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، معلنا رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    وتضع هذه التصريحات العلاقات المغربية الكولومبية أمام مرحلة مختلفة، تقوم، وفق ما أعلنه مسؤولو البلدين، على توسيع التعاون وعدم حصره في الجانب السياسي والدبلوماسي.

    ويكتسب هذا التوجه أهمية بالنظر إلى الموقع الذي يحتله البلدان داخل محيطيهما الإقليميين، إذ ينظر الطرفان إلى المغرب وكولومبيا باعتبارهما بوابتين محتملتين لتعزيز المبادلات الاقتصادية والاستثمارات بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    المغرب وكولومبيا.. منصتان اقتصاديتان بين قارتين

    البعد الاقتصادي حضر بدوره في المباحثات، إذ أكد بوريطة أن المغرب وكولومبيا قادران على التحول إلى منصتين اقتصاديتين متبادلتين، بالاستفادة من الموقع الذي يحتله كل بلد داخل محيطه الجغرافي.

    ويقوم هذا التصور على إمكانية استفادة كولومبيا من موقع المغرب وعلاقاته وشبكة حضوره داخل القارة الإفريقية، مقابل استفادة المملكة من الموقع الكولومبي داخل أمريكا اللاتينية.

    ويشير هذا الطرح إلى أن إعادة بناء العلاقات بين البلدين يراد لها أن تتجاوز التفاهم السياسي بشأن قضية الصحراء، نحو تعاون اقتصادي يمكن أن يربط الفضاءين الإفريقي والأمريكي اللاتيني.

    ويتيح الموقع الجغرافي للمغرب، إلى جانب علاقاته الاقتصادية مع عدد من البلدان الإفريقية، إمكانية تطوير تعاون ثلاثي أو متعدد الأطراف، فيما تمثل كولومبيا سوقا مهمة في أمريكا اللاتينية يمكن أن تفتح بدورها مجالات إضافية أمام المبادلات والشراكات.

    غير أن طبيعة المشاريع والقطاعات التي يمكن أن تشملها الشراكة الاستراتيجية الجديدة لم تحدد، وفق المعطيات الواردة في الإعلان، ما يجعل تفاصيل ترجمة هذا التقارب إلى اتفاقيات ومشاريع عملية مرتبطة بالمباحثات والخطوات التي سيتخذها البلدان لاحقا.

    رسالة سياسية من كالي

    وجاء إعلان التحول الكولومبي بالتزامن مع وجود ناصر بوريطة في مدينة كالي، حيث يمثل الملك محمد السادس في حفل تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا.

    وأكد بوريطة أن مشاركته في الحفل جاءت بتعليمات سامية جدا من الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن هذا الحضور يعكس إرادة المملكة في مواكبة الدينامية الجديدة التي تشهدها العلاقات بين البلدين.

    وأوضح وزير الخارجية أن المغرب يتطلع إلى الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستوى أعلى، وهو ما يربط الموقف السياسي الجديد لبوغوتا بمسار أوسع لإعادة إطلاق التعاون المغربي الكولومبي.

    وتكتسي المشاركة المغربية في مراسم تنصيب الرئيس الجديد بعدا دبلوماسيا إضافيا بالنظر إلى توقيتها، إذ تتزامن مع إعلان كولومبيا تغيير موقفها من قضية الصحراء وإعلان مسؤوليها رغبتهم في بناء شراكة استراتيجية مع المملكة.

    تحول في الموقف الكولومبي

    ويعيد الإعلان الجديد ملف العلاقات المغربية الكولومبية إلى الواجهة، بعدما عرف موقف بوغوتا من قضية الصحراء تغيرات خلال السنوات الماضية.

    ويمثل الاعتراف المعلن بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مقرونا بسحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة، جوهر التحول الذي أعلن عنه المسؤولون الكولومبيون خلال مباحثاتهم مع بوريطة.

    كما أن الصيغة التي اختارتها بوغوتا للإعلان عن موقفها تتجاوز التعبير عن دعم حل سياسي للنزاع، وفق النص المعلن، إلى التأكيد بشكل مباشر على الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.

    وبالتوازي مع ذلك، حرص الجانب الكولومبي على ربط الموقف الجديد بمستقبل العلاقات الثنائية، من خلال الحديث عن “بداية جديدة”، ووصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، فضلا عن إعلان الرغبة في بناء شراكة استراتيجية بين البلدين.

    وبذلك، يفتح القرار الكولومبي مسارين متوازيين في العلاقات مع الرباط: الأول سياسي يرتبط بالموقف من قضية الصحراء، والثاني ثنائي يرمي إلى توسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي واستثمار موقع البلدين لبناء جسور أكبر بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وستتوقف الأبعاد العملية لهذا التحول على الخطوات التي ستتخذها بوغوتا والرباط خلال المرحلة المقبلة، سواء من خلال الاتفاقيات الثنائية أو المبادلات الاقتصادية والاستثمارات وآليات التعاون التي يمكن أن تترجم إعلان “الشراكة الاستراتيجية” إلى مشاريع ملموسة.

  • كيف تحول “إنتربول الرباط” لحلقة في صناعة القرار بشبكة الأمن الدولي؟

    كيف تحول “إنتربول الرباط” لحلقة في صناعة القرار بشبكة الأمن الدولي؟

    لم تعد علاقة المغرب بالمنظمة الدولية للشرطة الجنائية “الإنتربول” تقاس فقط بتاريخ عضوية يمتد منذ سنة 1957، فالأرقام التي سجلها المكتب المركزي الوطني بالرباط خلال سنة 2025 تكشف عن نشاط عملياتي يومي يربط المصالح الأمنية والقضائية المغربية بشبكة تعاون عابرة للحدود من خلال 7103 طلبات للمعلومات، و2307 ملفات مرتبطة بالاتجار الدولي في السيارات المسروقة، و395 مركبة محجوزة، و120 إنابة قضائية دولية، و127 مذكرة توقيف دولية.

    وراء هذه الأرقام توجد آلية أقل ظهورا من العمليات الأمنية الميدانية، لكنها تشكل نقطة العبور الأساسية للمعلومات بين المغرب وباقي الدول الأعضاء في الإنتربول.

    فالمكتب المركزي الوطني بالرباط هو حلقة الاتصال المغربية بالشبكة الدولية للمنظمة، التي تضم حاليا 196 دولة، ويتولى تبادل المعلومات والمعطيات الجنائية والتنسيق في القضايا والتحقيقات ذات الامتداد الدولي.

    وتوضح الإنتربول أن المكاتب المركزية الوطنية هي التي تربط أجهزة إنفاذ القانون في كل دولة بباقي المكاتب وبالأمانة العامة عبر شبكة الاتصال الشرطية المؤمن

    بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بفرع أجنبي يعمل داخل المغرب، بل بجهاز وطني يشكل نقطة الاتصال بين المصالح المغربية ومنظومة التعاون الشرطي الدولي.

    7103 طلبات في سنة واحدة.. ماذا تقول أرقام 2025؟

    تكشف حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني لسنة 2025 عن حجم هذا النشاط، فقد عالج المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالرباط 7103 طلبات للمعلومات خلال سنة.

    وفي ملف سرقة السيارات وحده، سهل المكتب التعاون بشأن2307 قضايا مرتبطة بالاتجار الدولي بالمركبات المسروقة، وأفضى ذلك إلى حجز 395 سيارة كانت مسجلة باعتبارها مسروقة في قواعد بيانات الإنتربول.

    لكن السيارات ليست سوى جزء من النشاط، ففي الشق القضائي، تابع المكتب تنفيذ 120 إنابة قضائية دولية صادرة عن سلطات أجنبية، كما عمم 127 مذكرة توقيف دولية.

    وتشير حصيلة الأمن الوطني المنشورة إلى أن هذا التعاون أسفر عن توقيف 144 شخصا مطلوبا دوليا من طرف السلطات القضائية المغربية.

    ويعطي هذا الرقم فكرة أوضح عن وظيفة المكتب، عندما يتحول ملف جنائي من قضية داخل حدود دولة واحدة إلى قضية يتوزع أطرافها أو المطلوبون فيها بين عدة دول، تصبح سرعة تداول المعلومة وتحديد الأشخاص والممتلكات المطلوبة جزءا أساسيا من التحقيق.

    3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات أجنبية

    الأرقام الأخرى تكشف الاتجاه المعاكس لتدفق المعلومات، فالمكتب لم يكتف بإرسال الطلبات المغربية إلى الخارج، بل أصدر خلال 2025 ما مجموعه 3173 مذكرة بحث وطنية استجابة لطلبات مصالح أمنية أجنبية ولنشرات حمراء صادرة عن الإنتربول.

    كما نشر381 إشعارا البحث صادرا عن مكاتب الاتصال في الدول العربية، وعمم 858 إشعارا بوقف مذكرات البحث الدولية، إضافة إلى 1016 إشعارا بوقف البحث بناء على طلب السلطات القضائية في دول عربية.

    ويظهر هذا المعطى طبيعة التعاون الذي يديره مكتب الرباط، ففي حال أصبح شخص قد يصبح موضوع بحث دولي، ثم يلغى البحث عنه لاحقا بناء على تطور قضائي، ولذلك لا تقتصر الوظيفة على تعميم أوامر البحث، بل تشمل أيضا تحيينها وإنهاء مفعولها عندما تتغير الوضعية القانونية للمعني بالأمر.

    ومن المهم في هذا السياق التمييز بين النشرة الحمراء للإنتربول وبين مذكرة الاعتقال الدولية، فالإنتربول نفسها توضح أن النشرة الحمراء طلب موجه إلى أجهزة إنفاذ القانون عبر العالم لتحديد مكان شخص وتوقيفه مؤقتا في انتظار إجراءات قانونية لاحقة، وليست في حد ذاتها مذكرة اعتقال دولية صادرة عن المنظمة.

    المغرب في الإنتربول منذ 17 يونيو 1957

    هذا المستوى من التعاون لم يبدأ خلال السنوات الأخيرة، فالسجل الرسمي للإنتربول يحدد تاريخ انضمام المغرب إلى المنظمة في 17 يونيو 1957، أي بعد سنة واحدة من إحداث المديرية العامة للأمن الوطني سنة 1956.

    ويعني ذلك أن العلاقة المؤسساتية بين الأمن المغربي والإنتربول تقترب اليوم من سبعة عقود، لكن السنوات الأخيرة حملت انتقالا آخر في موقع المغرب داخل المنظمة، أي من دولة عضو تتبادل المعلومات عبر مكتبها الوطني، إلى حضور داخل أجهزة القرار نفسها.

    المغرب يصل إلى نيابة رئاسة الإنتربول عن إفريقيا

    في نونبر 2024، انعقدت الدورة الـ92 للجمعية العامة للإنتربول بمدينة غلاسكو البريطانية بمشاركة نحو ألف شخص، بينهم 65 رئيس شرطة، يمثلون 179 دولة.

    وخلال هذه الدورة، انتخب محمد الدخيسي، المدير المركزي للشرطة القضائية ورئيس المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالمغرب، نائبا لرئيس المنظمة عن إفريقيا لولاية تمتد ثلاث سنوات، من 2024 إلى 2027.

    والمنصب ليس تشريفيا فقط، فاللجنة التنفيذية للإنتربول تضم 13 عضوا  بما فيها الرئيس وثلاثة نواب للرئيس وتسعة مندوبين يمثلون المناطق الأربع للمنظمة، وتجتمع ثلاث مرات في السنة، فيما تتولى تقديم التوجيه الاستراتيجي ومتابعة تنفيذ قرارات الجمعية العامة، وتؤكد اللائحة الحالية للمنظمة استمرار الدخيسي نائبا للرئيس عن إفريقيا.

    بعد غلاسكو.. الإنتربول ينتقل إلى مراكش

    بعد عام واحد فقط من انتخاب مسؤول أمني مغربي نائبا للرئيس عن إفريقيا، انتقلت الجمعية العامة نفسها إلى المغرب.

    فبين 24 و27 نونبر 2025، احتضنت مراكش الدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول، وهي أعلى هيئة حاكمة داخل المنظمة والمسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة العامة والموارد وأساليب العمل والمالية، وجمعت الدورة مسؤولين أمنيين ورؤساء شرطة من الدول الأعضاء الـ196.

    والأهم كان مضمون الاجتماع نفسه، فقد ناقشت دورة مراكش تفكيك الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومراكز الاحتيال الدولية وتوسيع القدرات الشرطية العالمية للإنتربول، وحضور النساء في الشرطة، إلى جانب نتائج المشروع التجريبي لـ”النشرة الفضية”.

    وفي ختامها، أقرت الدول الأعضاء بالإجماع إطارا استراتيجيا جديدا للفترة 2026-2030 لمواجهة التهديدات الجنائية المتغيرة، من الاحتيال الإلكتروني والاتجار بالبشر إلى التدفقات المالية غير المشروعة ومراكز الاحتيال.

    وهكذا جاءت استضافة مراكش في لحظة كانت فيها المنظمة تعيد رسم أولوياتها للسنوات الخمس التالية، وليس فقط لاستضافة اجتماع دوري.

    لماذا يكتسب الموقع المغربي أهمية في هذه الشبكة؟

    جزء من الجواب مرتبط بالجغرافيا، فالمغرب يوجد عند نقطة اتصال بين أوروبا وإفريقيا والفضاء العربي، وهي ثلاثة مجالات أمنية تتقاطع بينها ملفات الهجرة والاتجار بالبشر والمخدرات والسيارات المسروقة والجرائم المالية والإلكترونية والأشخاص المطلوبون قضائيا.

    لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتفسير مستوى الحضور داخل الإنتربول، فالمنظمة تعتمد أساسا على قدرة الدول الأعضاء على إدخال المعلومات إلى قواعد البيانات الدولية، والاستجابة لطلبات الدول الأخرى، وتحيين المعطيات، وتنفيذ إجراءات التعاون القضائي والشرطي وفق التشريعات الوطنية.

    وهنا تكتسب أرقام مكتب الرباط دلالتها بين 7103 طلبات في سنة واحدة و2307 ملفات للاتجار الدولي بالسيارات و3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات دولية تعني أن التعاون لا يقتصر على الاجتماعات أو التمثيل المؤسساتي، بل يمر عبر آلاف العمليات المعلوماتية والقضائية خلال السنة.

    ويتقاطع ذلك مع توجه أوسع داخل القارة الإفريقية، فالإنتربول سجلت في 2024 ارتفاع حجم السجلات الشرطية التي تتقاسمها الدول الإفريقية بنسبة 7% مقارنة بـ2023، بينما ارتفعت النتائج الإيجابية للاستعلامات المرتبطة بالبيانات الإفريقية بنحو 60 بالمئة كما تضم إفريقيا أربعة من المكاتب الإقليمية الستة للمنظمة.