التصنيف: ديكريبتاج

  • قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

    قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

                           

    ظلت لسنوات مشاريع عقارية عالقة بين الأشغال التي لم تستكمل، والتجهيزات التي تأخرت، والمساطر التي لم تجد طريقها إلى الحسم، وفي كل مرة يتعثر فيها مشروع من هذا النوع، لا يتوقف الاستثمار وحده، بل تتأخر معه مساكن يفترض أن تستقبل سكانا، وطرق وشبكات تنتظر الاستكمال، ومرافق عمومية مرتبطة بتوسع عمراني يفترض أن يتم في إطار منظم.

    ومع مرور الوقت، تحولت هذه الوضعيات إلى واحدة من أكثر النقاط تعقيدا في تدبير المجال العمراني، بما لها من كلفة على المستثمرين والجماعات والسكان على حد سواء.

    هذا التراكم هو ما أعاد إلى الواجهة الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، الذي يعود في صيغته الأساسية إلى سنة 1992.

    وبعد سنوات من النقاش حول سبل معالجة المشاريع المتعثرة وتجاوز الاختلالات التي أفرزتها الممارسة، جاء مشروع القانون رقم 34.21، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام، حاملا تعديلات تروم إعادة ترتيب عدد من القواعد المرتبطة بالتجزئات والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، مع توسيع نطاق النص ليشمل أيضا عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام.

    وصادق مجلس النواب على المشروع القانون في 8 يونيو 2026، بموافقة 120 نائبا وامتناع 50، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين بالإجماع في 30 يونيو، ليقترب هذا الورش من نهايته التشريعية بعد سنوات من التعثر الذي طبع عددا من الملفات المرتبطة بالتجزئات العقارية.

    ويأتي القانون في إطار تفعيل توصيات الحوار الوطني حول التعمير والإسكان الذي أطلقته فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في شتنبر 2022، وذلك بالنظر للدور الذي تلعبه مشاريع التجزئات العقارية في تأطير نمو المجالات العمرانية، وتشجيع مختلف الأنشطة الاقتصادية وإنتاج عرض سكني ومرافق عمومية.

    قانون يعود إلى واقع عمراني مختلف

    صدر القانون رقم 25.90 سنة 1992 في سياق كانت فيه مشاريع التجزئة أقل حجماً وتعقيداً، قبل أن تتوسع المدن وتتزايد حاجيات السكن والمرافق وتتعدد المؤسسات المتدخلة في الترخيص والتجهيز والتسلم.

    وأظهرت الممارسة بعد أكثر من ثلاثة عقود أن القواعد نفسها لا يمكن أن تطبق بالكفاءة ذاتها على تجزئة محدودة المساحة ومشروع يمتد على مئات الهكتارات.

    وكان أجل الإذن من أبرز مصادر الإشكال، فالمشروع قد يظل قانونياً مرتبطاً بمدة محددة، رغم أن إنجازه يتوقف على مراحل تقنية وتمويلية وعلى تدخل الجماعات والوكالات الحضرية والمحافظة العقارية والجهات المكلفة بشبكات الماء والكهرباء والتطهير؛ وعند انتهاء الأجل قبل استكمال الأشغال، يصبح المشروع معرضاً للتوقف أو لإعادة ترتيب وضعيته القانونية، حتى عندما يكون التأخير ناتجاً عن أسباب لا يتحكم فيها صاحبه.

    لذلك، لا يقدم القانون الجديد رقم 34.21 تمديداً شكلياً للرخص، بل يغير طريقة احتساب الزمن المخصص للمشروع، بعدما اعتبر أن حجم العملية وطبيعتها يجب أن يدخلا في تحديد أجل إنجازها.

    آجال ترتبط بحجم المشروع

    اعتمد النص آجالاً جديدة ومتدرجة بحسب مساحة التجزئة، تبدأ من ثلاث سنوات بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة، وترتفع تدريجياً لتصل إلى 15 سنة عندما تتجاوز مساحة المشروع 400 هكتار.

    ويمنح هذا التدرج صاحب المشروع قدرة أكبر على برمجة الأشغال والتمويل، بدل إخضاع جميع العمليات لأجل لا يراعي تفاوت أحجامها وتعقيدها.

    ولا يعني ذلك منح المستثمر مهلة مفتوحة، بل الانتقال من أجل موحد إلى أجل يفترض أن يكون متناسباً مع المشروع، لأن التجزئة الكبرى تحتاج إلى إنجاز الطرق والشبكات والمرافق على مراحل، وقد ترتبط بموافقات متعددة يصعب استكمالها خلال المدة نفسها التي يحتاج إليها مشروع صغير.

    كما يسمح القانون بإيقاف سريان أجل الإذن إذا توقفت أشغال التجهيز اضطرارياً بسبب ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع، بمعنى أنه عندما يثبت وجود عائق قهري، تتوقف “الساعة القانونية” إلى حين زواله، بدلاً من استمرار احتساب أجل لا يستطيع المستثمر خلاله مواصلة الأشغال.

    ويمثل هذا المقتضى انتقالاً من التعامل مع كل تأخير باعتباره تقاعساً، إلى التمييز بين المشروع الذي يتوقف بسبب صاحبه والمشروع الذي تعرقله ظروف خارجية.

    وفي هذا السياق، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن القانون الجديد رقم 34.21 جاء لمعالجة عدد من الإشكالات التي ظل القطاع يواجهها لسنوات، خاصة تلك المرتبطة بآجال إنجاز المشاريع وسقوط الرخص قبل استكمال الأشغال.

    ويؤكد رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى مراحل متعددة تشمل الدراسات والتجهيز والتمويل، ما يجعل اعتماد آجال متدرجة بحسب حجم المشروع، مع إمكانية توقيف سريانها في الحالات الخارجة عن إرادة المستثمر، من بين أهم المستجدات التي يمكن أن تحد من التعثر المرتبط بالجوانب القانونية والإدارية أكثر من ارتباطه بالجوانب التقنية.

    هل ينهي القانون تعثر التجزئات؟

    يعالج النص بصورة مباشرة أسباباً قانونية ظلت تضع مشاريع أمام خطر فقدان الإذن، كما يفتح، بصفة استثنائية، إمكانية منح أجل إضافي لبعض التجزئات التي سقطت أذونها، تحدده لجنة تقنية بغرض استكمال أشغال التجهيز.

    وهذا يعني أن الإصلاح يمكنه إنقاذ مشاريع لم تتوقف بسبب غياب الأرض أو الطلب، بل بسبب انتهاء الأجل أو تعقد الوضعية الإدارية، وسيكون فتح المجال أمام استكمالها بمثابة تحرير لاستثمارات مجمدة وتسريع لدخول بقع ومساكن وتجهيزات جديدة إلى المجال العمراني.

    نقل المرافق وحسم الوضعية القانونية

    من المستجدات المهمة أيضا في القانون الجديد النقل التلقائي والمجاني إلى الملك العام للجماعة للطرق والشبكات والمساحات غير المبنية المغروسة، بعد التسلم المؤقت لأشغال التجهيز.

    ويهدف هذا المقتضى إلى إنهاء وضعيات كانت فيها مرافق مستعملة من السكان من دون أن تُحسم سرعة إدماجها في الملك العام للجماعة.

    ويساعد النقل التلقائي الجماعة على تولي تدبير هذه المرافق وصيانتها داخل إطار قانوني واضح، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية مالية وتقنية أكبر.

    وفي مقابل منح القانون مرونة أكبر في الإنجاز، إذ يقوي مسؤولية المجزئ عن جودة الأشغال؛ فإذا ظهرت عيوب خلال السنة الموالية للتسلم المؤقت، وامتنع صاحب التجزئة عن إصلاحها، يمكن لرئيس مجلس الجماعة تحصيل المصاريف المرتبطة بالإصلاح، كما أن هذا المقتضى يمنع نقل كلفة العيوب مباشرة إلى الجماعة أو السكان، ويجعل التبسيط الإداري مقروناً بالمسؤولية عن جودة التجهيز.

    مناخ الاستثمار.. تقليص المخاطر

    يحمل القانون رقم 34.21 رسالة إيجابية للمستثمر، لأنه يمنحه رؤية أوضح حول مدة الإذن ومآل المشروع عند حدوث توقف اضطراري، ويقدم حلولاً لاستكمال بعض العمليات بدل سقوطها نهائياً.

    ويتقاطع هذا الإصلاح مع توجه أوسع لتبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاستثمار الذي يشهده المغرب في السنوات الأخيرة، ومع الحاجة إلى تسريع إنتاج السكن والتجهيزات في ظل توسع المدن والأوراش العمرانية الكبرى.

    ويرى المنعش العقاري عمر رحال أن أهمية هذا الإصلاح لا تكمن فقط في المقتضيات الجديدة التي جاء بها، وإنما في كيفية تنزيلها على أرض الواقع، موضحا أن نجاح القانون سيظل رهينا بتبسيط المساطر، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين التنسيق بين مختلف الإدارات المتدخلة.

    وأضاف أن تحقيق هذه الشروط من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويخفض جزءاً من المخاطر المرتبطة بالتأخير الإداري، ويساهم في تسريع إنجاز المشاريع وتوفير عرض عقاري وسكني أكبر، بما ينعكس إيجاباً على دينامية الاستثمار في القطاع.

    التهيئة الكبرى والبعد الاجتماعي

    ويشكل توسيع النص ليشمل عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام ما يمنحه وظيفة تتجاوز التجزئات التجارية التقليدية، كما يؤطر الإنجاز التدريجي لأشغال التجهيز في عمليات تنجزها الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية، خصوصاً لإعادة إسكان ضحايا الكوارث الطبيعية، ومحاربة السكن غير اللائق، أو تنفيذ مشاريع للمنفعة العامة.

    وتتيح هذه المرونة التدخل بسرعة في الحالات الاجتماعية والاستعجالية، من دون اشتراط استكمال جميع مراحل المشروع دفعة واحدة.

    وفي قراءته لمستقبل هذا الإصلاح، يؤكد عمر رحال أن القانون يمثل خطوة مهمة نحو تحديث الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، لكنه يشدد على أن الأثر الحقيقي سيقاس بمدى انعكاسه على أرض الواقع.

    وأوضح المتحدث ذاته أن المستثمر لا يبحث فقط عن نصوص قانونية جديدة، بل عن مساطر واضحة، وآجال معقولة، وقرارات إدارية منسجمة، معتبراً أن نجاح هذا الورش رهين بتعبئة جميع المتدخلين، من جماعات ترابية ووكالات حضرية وإدارات معنية، لضمان تنزيل المقتضيات الجديدة بالنجاعة والسرعة المطلوبتين.

    وأضاف أن تحقيق هذا التكامل من شأنه أن يرفع ثقة المستثمرين، ويقلص المشاريع المتعثرة، ويساهم في تطوير عرض عمراني أكثر تنظيماً واستجابة لحاجيات التنمية.

  • معهد أمريكي يفكك أحداث سبتة: قرار إسباني حفّز العبور سباحة ولا مصلحة للمغرب في “حدود منفلتة”

    معهد أمريكي يفكك أحداث سبتة: قرار إسباني حفّز العبور سباحة ولا مصلحة للمغرب في “حدود منفلتة”

    وضعت الباحثة في معهد هدسون الأمريكي، زينب ريبوع، أحداث سبتة الأخيرة في سياق يتجاوز موجة العبور التي شهدتها المنطقة يوم 30 يوليوز، معتبرة أن ما جرى كشف إلى جانب أثر التعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، عن اختلال في المقاربة الإسبانية للهجرة وعن أثر قانوني مباشر لقرار المحكمة العليا الإسبانية، الذي يمنع الإعادة الفورية للأشخاص الذين يبلغون المدينة سباحة ويلزم السلطات بالنظر في طلبات لجوئهم.

    وجاء ذلك، في تحليل نشرته الاثنين وسيلة الإعلام الأمريكية “The Free Press”، حيث توقفت ريبوع عند مجموعة من العناصر التي أحاطت بالأحداث، بدءا من المعلومات المضللة التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، مرورا بالسياسة الإسبانية في تدبير الهجرة ووصولا إلى الضغوط التي يتحملها المغرب باعتباره بلدا للعبور والاستقرار في الوقت نفسه، وموقع التعاون الأمني والهجرة مع أوروبا في حسابات الرباط.

    ويأتي التحليل بعد أيام من محاولة عشرات الآلاف من المغاربة الوصول إلى سبتة يوم الخميس 30 يوليوز، وسط تداول واسع لمنشورات ومقاطع ورسائل عبر منصات التواصل الاجتماعي تزعم أن الحدود أصبحت مفتوحة وأن الوصول إلى المدينة المحلتة ممكن دون عوائق.

    وكانت وزارة الداخلية من جانبها، قد أكدت أن الأحداث لم تكن وليدة عوامل تلقائية أو ظرفية وربطتها بتفاعل عدد من العوامل، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي وترويج معلومات مضللة ودور شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب تأويلات خاطئة لمعطيات قانونية وإدارية أوحت بإمكانية الوصول بسهولة إلى الأراضي الأوروبية ودون تبعات قانونية.

    وبحسب المعطيات التي استند إليها تحليل معهد هدسون، تضمنت الرسائل المتداولة ادعاءات بأن من يتمكن من الوصول إلى سبتة سيضمن البقاء فوق الأراضي الإسبانية، وأن الأشخاص الذين يعبرون سباحة لن تتم إعادتهم أو متابعتهم، فضلا عن الترويج لإمكانية اجتياز الحدود دون عراقيل.

    شبكات التواصل في قلب التعبئة

    ترجح ريبوع أن تكون التعبئة الرقمية عنصرا أساسيا في تفسير سرعة انتقال الدعوات إلى العبور من الفضاء الافتراضي إلى الشريط الساحلي، مشيرة إلى “تنسيق عبر الإنترنت من خلال مجموعات على فيسبوك”.

    وبهذه القراءة، تستبعد الباحثة فرضية وجود مناورة دبرتها الدولة المغربية، وهي الأطروحة التي قالت إن أصواتا إسلامية وعددا من المعلقين الإسبان روجوا لها عقب الأحداث، ووصل بعضها إلى اتهام الرباط بتدبير ما وقع أو التحرك لحساب إسرائيل.

    وتستند الباحثة في استبعاد هذه الفرضية إلى جملة من المعطيات المرتبطة بطريقة تعامل السلطات المغربية مع موجة العبور، إذ أشارت إلى أن قوات الأمن سعت إلى إبعاد المجموعات التي تجمعت على طول الساحل، فيما لجأت السلطات إلى وقف بعض الرحلات بالقطار في محاولة للحد من وصول مزيد من الأشخاص إلى المنطقة.

    قرار قضائي إسباني يدخل على خط الأزمة

    أحد أبرز العناصر التي توقف عندها تحليل معهد هدسون يتعلق بالتحول القانوني الذي سبق أحداث 30 يوليوز، بعد القرار الأخير للمحكمة العليا الإسبانية بشأن الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة سباحة.

    وبحسب التحليل، قضت المحكمة بأن الأشخاص الذين يتمكنون من بلوغ المدينة عبر البحر لا يمكن إخضاعهم للإعادة الفورية، وإنما يتعين تمكينهم من مسطرة فحص طلبات اللجوء.

    وتقرأ ريبوع هذا القرار باعتباره عاملا يمكن أن يخلق حافزا إضافيا على اختيار العبور سباحة، خصوصا عندما تنتقل المعلومة القانونية من سياقها القضائي الدقيق إلى شبكات التواصل الاجتماعي في صيغة مبسطة توحي بأن الوصول إلى سبتة عبر البحر يعني تلقائيا ضمان البقاء داخل المدينة.

    وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى ما أعلنته وزارة الداخلية بشأن دور “التأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية” في تغذية موجة العبور، إذ تحدثت عن استغلال هذه المعطيات للإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ومن دون تبعات قانونية.

    كما يضع تحليل معهد هدسون القرار القضائي إلى جانب خطوة أخرى اتخذتها مدريد في يناير، وتتعلق بتسوية الوضعية القانونية لمئات الآلاف من الأجانب الموجودين في وضعية غير نظامية فوق الأراضي الإسبانية.

     73 ألفا و640 محاولة أحبطها المغرب خلال سنة واحدة

    في مقابل التركيز على تدفق المغاربة نحو سبتة، يلفت التحليل إلى الوجه الآخر لموقع المملكة داخل خريطة الهجرة، باعتبارها بدورها بلدا يتعرض لضغط متزايد من مسارات الهجرة القادمة من جنوب الصحراء.

    وتشير الأرقام التي أوردها التحليل إلى أن السلطات المغربية أحبطت خلال سنة 2025 ما مجموعه 73 ألفا و640 محاولة عبور غير نظامي.

    ويربط التحليل استمرار هذا الضغط بالأوضاع الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، ولا سيما النزاعات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تدفع مزيدا من الأشخاص إلى التحرك شمالا في اتجاه المغرب، سواء بهدف الاستقرار أو مواصلة الطريق نحو أوروبا.

    كما أورد أن مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء أصبحوا يمثلون قرابة 60 في المئة من الأجانب المقيمين في المغرب.

    ومن هذا المنطلق، حذرت ريبوع من أن ترسخ صورة الحدود باعتبارها سهلة الاختراق يمكن أن يشكل عامل جذب لمزيد من الوافدين، معتبرة أن المغرب “لا يكسب شيئا من عمليات عبور غير خاضعة للمراقبة”.

    ويشكل هذا المعطى بالنسبة إلى الباحثة، أحد الأسباب التي تضعف فرضية وجود مصلحة مغربية في ترك الحدود منفلتة، بالنظر إلى أن المملكة تتحمل بنفسها كلفة الهجرة غير النظامية القادمة من الجنوب، فضلا عن مصالحها الأمنية والسياسية المرتبطة باستمرار التعاون مع الشركاء الأوروبيين.

    تعاون مع أوروبا وحسابات تتجاوز سبتة

    يتوقف تحليل معهد هدسون عند شبكة التعاون التي طورها المغرب مع شركائه في ملفات الهجرة والأمن، مستحضرا الاتفاقات المرتبطة بالهجرة مع فرنسا وألمانيا، والشراكة الثنائية الموقعة مع برلين سنة 2024، إلى جانب التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة.

    وبالنسبة إلى هذه القراءة، فإن موقع المغرب داخل منظومة التعاون الأمني والهجروي مع أوروبا يجعل من الصعب فصل أحداث سبتة عن المصالح الأوسع التي راكمتها الرباط مع شركائها.

    فالحدود الشمالية للمملكة لا تمثل فقط نقطة احتكاك مع سبتة ومليلية، بل جزءا من منظومة أمنية أوسع ترتبط بحركة الأشخاص ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، في وقت يتعرض فيه المغرب نفسه لضغط الهجرة القادمة من دول الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

    60 مليون يورو للوقاية مقابل 1.8 مليار للاستقبال

    وينقل تحليل معهد هدسون النقاش بعد ذلك إلى الجانب الإسباني، حيث تعتبر ريبوع أن طريقة توزيع الموارد المالية المخصصة للهجرة تكشف ما وصفته بـ”اختلال بنيوي” يجعل السياسة المتبعة “تشجع أكثر مما تردع” عمليات العبور غير النظامية.

    وحسب الأرقام التي أوردتها، تخصص إسبانيا نحو 60 مليون يورو سنويا، أي ما يقارب 69 مليون دولار، للإجراءات الموجهة إلى الوقاية من وصول المهاجرين غير النظاميين.

    وفي المقابل، يتجاوز الإنفاق السنوي المخصص لاستقبال المهاجرين ومواكبتهم 1.8 مليار يورو، أي أكثر من ملياري دولار.

    ويستحضر التحليل أيضا خطة متعددة السنوات بقيمة 711 مليون يورو، أي نحو 821 مليون دولار، مخصصة لسبتة ومليلية إلى غاية سنة 2026، لكن الجزء الأكبر من هذه الاعتمادات، بحسب المصدر نفسه، يذهب إلى التعليم والخدمات الاجتماعية ودعم النسيج الاقتصادي المحلي، وليس إلى مراقبة الحدود.

    وترى الباحثة أن الفارق الكبير بين الموارد المرصودة للوقاية وتلك المخصصة للاستقبال يشكل جزءا من البيئة التي تتحرك داخلها الهجرة غير النظامية، خصوصا عندما تقترن بإشارات قانونية أو إدارية يمكن أن يفهم منها الراغبون في الهجرة أن الوصول إلى الأراضي الإسبانية يفتح أمامهم إمكانية البقاء وتسوية الوضعية.

    الانتخابات المغربية تدخل في قراءة الأحداث

    ولا يحصر تحليل معهد هدسون أحداث سبتة في أبعادها الأمنية والهجروية، بل يربطها أيضا بالسياق السياسي الداخلي للمغرب مع اقتراب الانتخابات العامة المحددة، فوفق التحليل في 23 شتنبر، ترى ريبوع أن اضطرابا حدوديا بهذا الحجم، حين يتضخم على شبكات التواصل الاجتماعي ويتحول إلى صور ومقاطع واسعة التداول، يمكن أن ينعكس على الأطراف الموجودة في السلطة خلال مرحلة انتخابية.

    وفي هذا السياق، تنتقل الباحثة إلى خطاب التيارات الإسلامية المغربية تجاه سبتة ومليلية، مشيرة إلى أن هذه التيارات تنظر إلى استعادة المدينتين باعتبارها مطلبا يتخذ لدى بعضها، بعدا دينيا.

    واستحضرت تصريحا للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، دعا فيه في وقت سابق من السنة الجارية، إلى العمل بجد من أجل “عودة سبتة ومليلية إلى الوطن الأم”.

    في المقابل، أشارت إلى أن الحكومات المغربية المتعاقبة لم تتجه إلى الدفع بشكل نشط بمطالبة ترابية بشأن المدينتين، رغم أن الرباط لم تعترف بالسيادة الإسبانية عليهما.

    ويعود التحليل إلى السياق التاريخي للمدينتين، مشيرا إلى أن البرتغال استولت على سبتة سنة 1415، قبل انتقالها إلى إسبانيا خلال القرن السابع عشر، فيما خضعت مليلية للسيطرة القشتالية سنة 1497.

    ريبوع تنتقد خطاب الإسلاميين

    وخصص تحليل الباحثة في معهد هدسون، حيزا واسعا للخطاب السياسي للإسلاميين في المغرب، خصوصا بعد استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام.

    وتعتبر ريبوع، أن بعض هذه التيارات تقدم المغرب في خطابها باعتباره “دولة صهيونية فاشلة”، وتربط مشروعية الولاء للدولة والاستثمار في مستقبلها بتغيير بنية السلطة.

    وتضيف أن هذا الخطاب أصبح أكثر حدة بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل، مشيرة إلى أن عددا من المسؤولين الذين سبق أن كانوا جزءا من تدبير المرحلة عادوا، بعد مغادرة مناصبهم، إلى اتخاذ مواقف معارضة لعودة العلاقات مع تل أبيب، مستندين إلى الخطاب الفلسطيني الذي تصاعد بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.

    وتذهب الباحثة، إلى أن هذه التيارات دأبت على توجيه رسالة إلى الشباب مفادها أن “بلدهم لا مستقبل له” خارج وصول الإسلاميين إلى السلطة.

    وفي معرض دفاعها عن هذه القراءة، تستحضر تجربة قيادة حزب إسلامي للحكومة بين سنتي 2011 و2021، معتبرة أن هذه المرحلة لم تحقق وفق تقييمها، أكثر من نمو اقتصادي ضعيف ووعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

    لا حرب ولا إفلاس للدولة ولا انهيار مؤسساتي

    وفي مقابل الخطابات التي تربط صور العبور الجماعي بأزمة شاملة داخل المغرب، تقر ريبوع بأن المملكة ما تزال اقتصادا في طور النمو وتواجه صعوبات اجتماعية، لكنها ترفض الانتقال من الإقرار بهذه الاختلالات إلى توصيف البلاد باعتبارها دولة منهارة.

    وتقول الباحثة إنه لا توجد في المغرب “حرب، ولا حالة إفلاس للدولة، ولا انهيار مؤسساتي”، مستندة في ذلك إلى حجم المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية التي يجري إنجازها.

    ويشير التحليل إلى أن المغرب يعيش واحدة من أكبر دورات الاستثمار في التجهيز والبنية التحتية في تاريخه الحديث، مستحضرا تمديد شبكة القطار فائق السرعة، التي تعد الأولى من نوعها في إفريقيا، وتوسيع المركب الصناعي والمينائي طنجة المتوسط، إلى جانب الاستثمارات الموجهة إلى الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر.

    كما يستحضر قطاع صناعة الطيران باعتباره أحد مؤشرات التحول الصناعي، مشيرا إلى أنه يضم أكثر من 150 شركة ويوفر نحو 25 ألف منصب شغل لعمال مؤهلين، فيما تقترب صادراته السنوية من ثلاثة مليارات دولار.

    وأورد التحليل أسماء شركات دولية كبرى، من بينها سافران وبوينغ وإيرباص، ضمن الفاعلين الصناعيين المرتبطين بالمنظومة الجوية المغربية.

    من أزمة الحدود إلى المصالح المغربية الإسبانية

    وختم تحليل معهد هدسون بوضع أحداث سبتة مقابل شبكة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تربط المغرب بإسبانيا وأوروبا، وهي مصالح تتجاوز ملف الهجرة نفسه.

    وأبرز في هذا السياق، مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي ترى الباحثة أنه يمكن أن يوسع مستقبلا دور إسبانيا كبوابة للطاقة نحو أوروبا، عبر فتح منفذ أمام الغاز القادم من غرب إفريقيا والمساهمة في تنويع مصادر إمداد القارة بعيدا عن الاعتماد على الغاز الروسي.

    ويضاف إلى هذا المشروع شبكة الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا، وحجم المبادلات التجارية التي تمر عبر مضيق جبل طارق، فضلا عن التحضيرات المشتركة لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

    وقدم تحليل معهد هدسون أحداث 30 يوليوز باعتبارها أزمة التقت فيها ثلاثة مستويات في وقت واحد، تعبئة رقمية حولت معلومات قانونية وإدارية إلى وعود بالعبور والبقاء في إسبانيا، وضغط هجرة تتحمله الضفتان وإن كان بأشكال مختلفة، وسياسة إسبانية، ترى الباحثة أن الفارق بين إنفاقها على منع الوصول وإنفاقها على الاستقبال، إلى جانب منع الإعادة الفورية لمن يصلون إلى سبتة سباحة، يخلق إشارات يمكن أن تتحول عمليا إلى حوافز جديدة للهجرة غير النظامية.

    أما بالنسبة إلى المغرب، فخلصت قراءة ريبوع إلى أن فرضية وجود مصلحة له في فتح الحدود لا تنسجم، في تقديرها، مع حجم الضغط الذي يواجهه على حدوده الشمالية، ولا مع 73 ألفا و640 محاولة عبور غير نظامي أحبطتها سلطاته خلال سنة 2025، ولا مع شبكة المصالح الأمنية والاقتصادية التي بناها مع إسبانيا وبقية شركائه الأوروبيين.

  • قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    أثار قانون مهنة المحاماة واحدا من أكثر النقاشات القانونية والمهنية حدة، بعدما تجاوز الخلاف تفاصيل الصياغة والاختصاصات لأسئلة أعمق حول ما إذا كان أصحاب البذلة السوداء يخشون اتساع الرقابة والمحاسبة  دفاعا عن مصالح خاصة، وهل حقا الحكومة تسعى إلى حماية المصلحة العامة وتخليق المهنة، أم تستخدم هذا العنوان لتوسيع تدخل السلطة التنفيذية في مؤسسة يفترض أن تظل مستقلة.

    وبين الموقفين، يقف المواطن المتقاضي في قلب الجدل، حتى وإن ظل بعيدا عن النقاش، إذ تقدم الحكومة، من خلال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، القانون باعتباره إصلاحا يرمي إلى حماية أموال الموكلين، وضبط الولوج إلى المهنة، ورفع جودة التكوين، وتعزيز الشفافية والمساءلة، مقابل موقف رافض من المحامون، الذين يرون أن بعض مقتضياته لا تكتفي بتنظيم المهنة، بل تمس استقلالها وحرية الدفاع والسر المهني.

    وعلى هذا الأساس، تحول قانون المحاماة إلى مواجهة تتداخل فيها رهانات الإصلاح مع صراع الصلاحيات، ومطالب التخليق مع هواجس الوصاية، وحقوق المحامين مع مصالح المتقاضين، قبل أن يصادق عليه البرلمان بغرفتيه بعد إدخال بعض التعديلات على قوانينه.

    وبعد مسار جدلي طبعه الأخذ والرد واحتجاجات المحامين والإضرابات، انتقل قانون مهنة المحاماة من ساحة المواجهة السياسية والمهنية إلى المحكمة الدستورية، التي ستحسم في مدى توافق مقتضياته مع الدستور، ليصبح النقاش متعلقا بسلامة النص وحدود ما يتيحه الدستور لكل طرف.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ماذا يقلق المحامين من قانون المهنة؟

    تتلخص أبرز مواقف المحامين في التمسك باستقلال المحاماة، إذ يعتبرون أن استقلال هيئاتهم ونقبائهم ومجالسهم امتداد لاستقلال القضاء وضمانة أساسية لحقوق المتقاضين، وليس مجرد امتياز مهني.

    ويرفض “أصحاب البذلة السوداء” الوصاية المالية، إذ يعترضون على إخضاع حساب ودائع المحامين للرقابة، بدعوى أن هذه الأموال خاصة وتعود إلى المحامين وموكليهم، وليست أموالا عمومية، كما يرون أن هذه الرقابة قد تمس بالسر المهني وخصوصية العلاقة بين المحامي وموكله.

    ويدافعون أيضا عن حماية اختصاصات الهيئات، إذ يعترضون على أن منح جهات إدارية أو قضائية صلاحيات يعتبرونها من الاختصاص الحصري للنقيب ومجلس الهيئة، خصوصا في القيد والتأديب وتدبير الشؤون المهنية.

    أيضا، يرفض المحامون ما جاءت به المادة 78، لأن تمكين القاضي من تحرير محضر ضد المحامي بسبب أفعال أو أقوال أثناء الجلسة، بحسبهم، قد يؤثر في حرية الدفاع، ويخلق ضغطا على المحامي، ويمس حق المتقاضي في دفاع حر وقاض مستقل ومحايد.

    ومن بين النقاط التي أثارت غضب المحامين، تخويل وزير العدل صلاحية قبول المكاتب الأجنبية، إذ ينتقدون المادة 35 التي تتيح للوزير الإذن لمكاتب محاماة أجنبية بالممارسة، معتبرين أنها تنتزع جزءا من صلاحيات الهيئات، وتفتح الباب أمام التمييز بين المحامي المغربي والأجنبي، فضلا عن غموض حقوق هذا الأخير وواجباته.

    وينتقد المحامون أيضا المواد المنظمة لتأديب الطلبة التي تخلط بين الطالب والمحامي المتمرن، رغم أن الأول لم يكتسب بعد صفة مهنية، ويخضع لمؤسسة تكوين تشرف عليها وزارة العدل.

    ويطالب محامو المغرب بجودة التشريع، لأن قانون المهنة يتضمن، في نظرهم، عبارات غامضة وتداخلا في الاختصاصات وتناقضات مع قوانين قائمة، بما قد يفتح المجال لتأويلات متعارضة.

    وفي المجمل، يتلخص موقف المحامين في أن معركتهم ليست دفاعا عن امتيازات مهنية، بل عن استقلال المحاماة باعتباره شرطا لحرية الدفاع وضمانة لحقوق المتقاضين، وينتظرون من المحكمة الدستورية حسم مدى توافق المواد الخلافية مع مبادئ فصل السلط والمساواة والأمن القانوني والحق في محاكمة عادلة.

    وهبي: مصلحة المتقاضي فوق الحسابات المهنية

    في رده على الجدل الذي تثيره تصريحاته، يقول وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إنه لن يكون وزيرا صامتا لأن من حقه التعبير عن قناعاته السياسية والفكرية، مع احترام المساطر والمؤسسات التي يفرضها الدستور.

    ويضيف أن الاختلاف معه لا يبرر مطالبته بالصمت، بل يقتضي مواجهته برأي آخر وترك الحكم للرأي العام، مشددا في الوقت نفسه على أن القوانين الكبرى، ومنها القانون الجنائي وقانون المحاماة، تناقش داخل المؤسسات الدستورية، عبر الحكومة والبرلمان وممثلي الأمة، لا بمنطق الحسم في الشارع.

    وفي مواجهة الانتقادات التي أثارها قانون مهنة المحاماة، يدافع وهبي، في جل خرجاته الإعلامية، عن تصور يقوم، بحسبه، على تحديث المهنة وتقوية مؤسساتها، مع إخضاعها لقواعد المسؤولية والشفافية، بما يضمن حماية المتقاضين ويحافظ على انتظام سير العدالة.

    ويرى أن الخلاف القائم مع الهيئات المهنية لا يتعلق برفض الحوار، بل باختلاف جوهري حول طريقة إعداد القانون وحدود مشاركة المحامين في صياغته، مؤكدا أن وزارة العدل عقدت أكثر من ثمانية اجتماعات مع ممثلي المهنة، إلى جانب لقاءات متعددة مع رئيس جمعية هيئات المحامين، كما تلقت ملاحظاتهم في أكثر من مناسبة.

    غير أن الوزير يعترض على تقديم الاستشارة المهنية كما لو كانت حقا في صياغة القانون بصورة نهائية، موضحا أن دور وزير العدل لا يقتصر على نقل مطالب فئة معينة إلى البرلمان، ويقول، في هذا السياق، إن الوزير “ليس ساعي بريد”، بل طرف في العملية التشريعية، يستمع إلى مختلف المتدخلين ثم يصوغ مشروعا يراعي المصلحة العامة.

    وينطلق دفاع وهبي من أن قانون المحاماة لا ينظم شؤون المحامين فقط، بل يحدد علاقتهم بالقضاة والمتقاضين والنيابة العامة والشرطة القضائية والإدارات والمؤسسات العمومية وبقية مكونات منظومة العدالة.

    وعلى هذا الأساس، يعتبر أن التشاور مع المحامين ضروري، لكنه لا يمنحهم سلطة احتكار مضمون القانون، فالدولة، بحسب تصوره، مطالبة بالاستماع إلى المهنيين، وفي الوقت نفسه إلى باقي الجهات التي تتقاطع مصالحها ومسؤولياتها مع عمل المحامي.

    وأبرز أن الحوار حول قانون المحاماة كان مفتوحا، مع المحامين، والسلطة القضائية، والنيابة العامة، وجميع الوزارات، والأمانة العامة للحكومة، مشيرا إلى أن “مشروع القانون نتاج تراكمات لقرابة 30 عاما، بمعنى أن الحوار كان مفتوحا منذ 30 سنة، حتى وصلنا إلى صيغة اليوم التي قدمتها أنا اليوم”.

    ويشدد المسؤول الحكومي على أن الوثائق التي عرضتها الوزارة على الهيئات المهنية كانت معدة للاستشارة ولم تكن نصوصا نهائية، وانتقد تسريبها وتداولها خارج إطار الحوار، رغم أنها، وفق قوله، لم تكن قد اعتُمدت أصلا.

    ويؤكد الوزير أن الدولة لا يمكن أن تخضع في ممارسة اختصاصها التشريعي لأي جهة، مهما كانت مكانتها، فالحوار، في نظره، لا يعني المساومة على سلطة المؤسسات المنتخبة، وإنما الاستماع إلى الآراء قبل المرور عبر الأمانة العامة للحكومة والمجلس الحكومي والبرلمان.

    ثنائية الحقوق والمحاسبة

    يقول وهبي إن القانون يمنح المحامين حقوقا وضمانات مهمة، لكنه يضع في المقابل قواعد للعقاب والمتابعة والمسؤولية، لأن الاستقلال المهني، بحسب تصوره، لا يعني أن تصبح المحاماة خارج النظام العام أو بمنأى عن الرقابة.

    ويرى أن قوة المحاماة لا تقاس بحجم الامتيازات الممنوحة لها فقط، بل أيضا بقدرتها على محاسبة أعضائها وحماية المواطنين من الأخطاء والتجاوزات، لهذا، يدافع عن إعادة النظر في آلية الحفظ الضمني للشكايات، معتبرا أن تخليق المهنة يقتضي اتخاذ قرارات واضحة ومعللة بدل ترك الملفات تنتهي دون حسم صريح.

    واستند الوزير إلى رقم مفاده أن نحو 95 في المئة من الشكايات ضد المحامين تنتهي بالحفظ الضمني، منتقدا اضطرار النيابة العامة إلى استئناف عدد كبير منها.

    في المقابل، يرد ممثلو المحامين بأن الشكايات لا تشمل سوى نسبة محدودة لا تتجاوز 7 بالمئة من مجموع 15 ألف محام، ويعتبرون أن الحديث عن نسبة الحفظ دون وضعها في سياق العدد الإجمالي للمهنيين يعطي صورة غير مكتملة عن واقع المهنة.

    لكن وزير العدل يصر على أن حماية المتقاضي تفرض عدم قياس خطورة الإخلال بعدد مرتكبيه فقط، فحتى إذا تعلق الأمر بأقلية، فإن كل ملف مهمل أو وديعة متنازع بشأنها أو شكوى غير محسومة تمس مواطنا وضع ثقته في مؤسسة الدفاع.

    الضرائب.. مساواة أمام القانون

    ومن القضايا التي أثارت توترا بين الوزارة والمحامين ربط ممارسة المهنة بالوضعية الجبائية والاجتماعية، إذ يدافع وهبي عن إلزام المحامي بإثبات تسجيله لدى الإدارة الضريبية، إلى جانب تسوية الوضعية الاجتماعية للعاملين في مكتبه.

    واعتبر الوزير أن المحامي، بحكم وظيفته في الدفاع عن الحقوق وتطبيق القانون، ينبغي أن يكون في مقدمة الملتزمين بالواجبات الضريبية، موردا في هذا السياق أن 9 آلاف محام، من أصل 15 ألفا، غير مسجلين لدى إدارة الضرائب.

    وبالنسبة إلى وهبي، لا تستهدف هذه الإجراءات التضييق على المهنة، بل تكريس المساواة أمام القانون وحماية حقوق موظفي مكاتب المحامين في التغطية الاجتماعية، لأن المحامي الذي يطالب الدولة بتطبيق القانون، لا يمكن أن يضع نفسه خارجه.

    وفي جانب التكوين يقوم تصور قانون المحاماة على أن النظام القائم، المبني أساسا على الحصول على الإجازة واجتياز امتحان الأهلية ثم قضاء فترة التمرين، لم يعد كافيا لإعداد محام قادر على مواجهة التحولات الاقتصادية والقانونية.

    ويستحضر في هذا السياق انفتاح المغرب على الاستثمارات الدولية والاستعداد لاستضافة تظاهرات عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، وما يصاحب ذلك من عقود ونزاعات ذات طبيعة مالية وضريبية ورياضية وتجارية عابرة للحدود.

    من هذا المنطلق، يدافع وزير العدل عن تكوين مؤسساتي قريب من نموذج المعهد العالي للقضاء، يرفع مستوى التأهيل ويتيح التخصص في مجالات مثل الضرائب والمالية والرياضة والاستثمار، مع تركيز كبير على ضرورة إتقان اللغات، حتى يكون المحامي المغربي قادرا على منافسة المكاتب الدولية المتوقع توسع حضورها في السوق الوطنية.

  • شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    تعيد الأحداث الأخيرة المسجلة عند نقاط العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش، في وقت يؤكد المغرب أنه يواصل الاضطلاع بدور محوري في تأمين حدوده والحد من نشاط شبكات الاتجار بالبشر.

    وأظهرت طريقة تدبير هذه الأحداث من الجانب المغربي اعتماد مقاربة استباقية جمعت بين المراقبة الميدانية والإنقاذ والتنسيق، بما ساعد على احتواء الوضع وتفادي حصيلة أكثر مأساوية.

    ويستند المغرب في الدفاع عن حصيلة عمله إلى أرقام تعكس حجم الجهد المبذول خلال السنوات الأخيرة، إذ أحبطت نحو 160 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وفككت 632 شبكة، إلى جانب تنفيذ أكثر من 32 ألف عملية إنقاذ في البحر.

    هذه النتائج ساهمت في جعل الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط أقل ضغطا على أوروبا، كما عززت مكانة المملكة شريكا موثوقا في التعاون الأمني والإنساني، سيما مع الجار الشمالي إسبانيا.

    غير أن تطورات الثغرين المحتلين تؤكد أن الظاهرة لا يمكن تطويقها بالإجراءات الأمنية وحدها، خصوصا مع تنامي تأثير المعلومات المضللة والتأويلات الخاطئة لبعض القرارات القانونية واستمرار نشاط شبكات التهريب.

    وتبدو دعوة الرباط الاتحاد الأوروبي إلى تقاسم المسؤولية والأعباء منسجمة مع واقع ملف تتداخل فيه اعتبارات الأمن والتنمية وحماية الأرواح، فيما يظل نجاح المقاربة المغربية مرتبطا أيضا باستمرار التنسيق مع الشركاء الأوروبيين وتعزيز التواصل الدقيق حول الوقائع والأرقام.

    من لغة الأرقام إلى لغة الرسائل السياسية

    طوال السنوات الماضية، كانت البلاغات المتعلقة بالهجرة تركز أساسا على حصيلة العمليات الأمنية، وعدد الشبكات المفككة، ومحاولات العبور التي جرى إحباطها، غير أن الموقف الأخير، المعبر عنه في قصاصة لوكالة الأنباء المغربية الرسمية “لاماب” منسوبة إلى مصدر حكومي، فلم يقتصر على مجرد سرد للأرقام.

    وتعكس العبارات التي تكررت، من قبيل “شريك ذو سيادة”، و”لم يخضع يوما للضغط”، و”لم يتحرك تحت وطأة الابتزاز”، أن المغرب أراد نقل النقاش من الجانب الأمني إلى مستوى آخر يرتبط بطبيعة العلاقة مع أوروبا، لأن المسألة اليوم لم تعد تقتصر على قدرة المملكة على حماية حدودها والنظر إليها كـ”حارس حدود” لأوروبا، بل أصبحت تشمل أيضا الكيفية التي يريد أن ينظر بها إلى هذا الدور وإلى موقعه داخل معادلة تدبير الهجرة.

    وفي هذا السياق، اعتبر السوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن اللغة التي اعتمدها المغرب في هذه المرحلة تكشف أن الهجرة لم تعد تُطرح باعتبارها ملفا أمنيا فقط، بل أصبحت تحمل أبعادا دبلوماسية وسياسية.

    وأضاف الزين أن الرسائل التي وجهها المغرب لأوروبا، من قبيل التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة” تعكس رغبة المملكة في إعادة تعريف موقعها داخل هذا الملف، باعتبارها شريكا يساهم في صياغة قواعد التعاون، لا مجرد طرف يقتصر دوره على حماية الحدود الأوروبية.

    وحرصت الرباط على أن تضع حدا لصورة ظلت تتكرر في بعض النقاشات الأوروبية، والتي تقدم المغرب باعتباره مجرد خط دفاع متقدم عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، لذلك أكدت أن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية ليس استجابة لضغوط خارجية، وإنما خيار سيادي تمليه المصالح الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة.

    وأصبحت المقاربة الدبلوماسية المغربية، تربط التعاون الدولي بشكل أوضح بمبدأ السيادة، فالمغرب يؤكد استمرار انخراطه في الجهود المشتركة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه في المقابل يشدد على أن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على الاعتراف المتبادل بالأدوار التي يؤديها كل طرف، وبالكلفة التي يتحملها في مواجهة ظاهرة عابرة للحدود.

    وفي الوقت نفسه، لم يتخل المغرب عن إبراز حجم المجهود الذي يبذله ميدانيا، مذكرا بإحباط عشرات الآلاف من محاولات الهجرة خلال العامين الأخيرين، وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية، وإنقاذ آلاف الأشخاص في عرض البحر.

    غير أن هذه الأرقام لم تُقدم فقط لإبراز النجاعة الأمنية، بل للتأكيد أن استقرار الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هو نتيجة تعبئة بشرية وتقنية ومالية متواصلة، وليس معطى قائما بذاته.

    إعادة تعريف الشراكة مع أوروبا

    ومن بين أكثر العناصر دلالة في الموقف المغربي، الإصرار على مفهوم “المسؤولية المشتركة”، إذ تكررت هذه العبارة أكثر من مرة، بما يعكس رغبة المغرب في التأكيد أن الهجرة ليست مسؤولية دولة العبور وحدها، وإنما ظاهرة عابرة للحدود تتداخل فيها عوامل أمنية وقانونية واقتصادية وإنسانية.

    وفي هذا السياق، جاء موقف وزارة الداخلية الذي عرض الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية، بل أشارت أيضا إلى عوامل مرتبطة بالجانب الأوروبي، من بينها التأويلات التي صاحبت بعض القرارات القضائية الإسبانية، والتي ساهمت في ترسيخ اعتقاد لدى بعض المهاجرين بإمكانية تفادي الإعادة الفورية عبر سلوك مسارات معينة.

    من جانبه، اعتبر عبد الصادق حيدر، الخبير في قضايا الهجرة ومدير مركز إدماج المهاجرين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن المغرب لم يعد يتعامل مع ملف الهجرة باعتباره مهمة أمنية يؤديها نيابة عن أوروبا، بل كقضية إقليمية تستدعي شراكة متكافئة تقوم على المسؤولية المشتركة.

    وأوضح حيدر أن الرسالة التي يحملها الخطاب الرسمي تتمثل في أن دور المملكة لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما يمتد إلى المساهمة في بلورة مقاربة شاملة للهجرة تراعي الأبعاد الأمنية والتنموية والإنسانية.

    وأضاف أن التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة المتوازنة” يعكس توجها لإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا، بما يجعل المغرب شريكا في صياغة المقاربات وتدبير هذا الملف، وليس مجرد طرف يقتصر دوره على تنفيذها.

    ويلاحظ أيضا أن الموقف الرسمي تجنب لغة التصعيد أو المواجهة مع الشركاء الأوروبيين، إذ حافظ على التأكيد بأن التعاون مع إسبانيا يظل “نموذجيا”، لكنه في الوقت نفسه أعاد رسم الإطار السياسي لهذا التعاون، مشيرا إلى أنه توازن يعكس رغبة في الجمع بين استمرار التنسيق الميداني، وبين تثبيت خطاب دبلوماسي يؤكد أن التعاون لا يتعارض مع الدفاع عن السيادة الوطنية أو مع المطالبة بتقاسم الأعباء بشكل أكثر توازنا.

    ويأتي هذا التحول في وقت تعرف فيه أوروبا نقاشا متزايدا حول مستقبل سياسات الهجرة، وكيفية تقاسم أعباء تدبيرها مع دول الجوار.

  • صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    غيّر الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي شهدته إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 طريقة تعاطي أوروبا مع ملف أمن الطاقة، إذ لم يعد التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة كافيا، وبرزت أولوية جديدة تتمثل في بناء شبكات أكثر ترابطا ومرونة، قادرة على ضمان استمرارية الإمدادات والحد من آثار الأعطال الكبرى.

    كما أن أوروبا، لم تعد تنظر للملف الطاقي كأنه مجرد قطاع اقتصادي أو مورد استراتيجي، بل أصبح أحد أبرز أدوات إعادة تشكيل العلاقات الدولية، سيما مع التحولات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا، والبحث الأوروبي عن بدائل للغاز الروسي زيادة على أزمة مضيق هرمز، وتسارع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، ما أدخل القارة العجوز مرحلة جديدة في مقاربتها لأمنها الطاقي، تقوم على تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على مصادر تقليدية.

    في هذا السياق، برز المغرب باعتباره أحد أبرز الفاعلين الصاعدين في جنوب المتوسط، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته المتواصلة في الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريعه في الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي.

    وفي السنوات الأخيرة، لم يعد ينظر المغرب بوصفه سوقا للطاقة فقط، بل كشريك قادر على الإسهام في تلبية جزء من احتياجات أوروبا المستقبلية، ضمن رؤية تقوم على المصالح المتبادلة والتكامل الإقليمي.

    فكيف تطور موقع المغرب داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية؟ وما الذي يمكن أن تجنيه المملكة اقتصاديا واستراتيجيا من مشاريع الربط الجديدة؟

    من الربط مع إسبانيا إلى رؤية أوروبية أوسع

    لم يبدأ حضور المغرب في منظومة الربط الكهربائي الأوروبية بعد أزمة 2025، بل يعود إلى ما يقارب ثلاثة عقود، عندما دخل أول خط للربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا الخدمة سنة 1997، قبل أن يتعزز بخط ثان سنة 2006، ليشكل أول جسر كهربائي مباشر بين إفريقيا وأوروبا، ويتيح تبادل الكهرباء وتعزيز استقرار الشبكتين.

    ومع التحولات التي شهدها قطاع الطاقة، ولا سيما التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، انتقل التعاون المغربي الإسباني إلى مرحلة جديدة، تُوجت سنة 2019 بالاتفاق على تطوير مشروع ربط كهربائي ثالث يهدف إلى رفع قدرة التبادل ومواكبة الطلب المتزايد على شبكات أكثر كفاءة ومرونة.

    ورغم أن هذه المشاريع سبقت أزمة انقطاع الكهرباء التي شهدتها شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025، فإنها اكتسبت بعدها بعدا استراتيجيا مختلفا، إذ لم يعد ينظر إلى الربط الكهربائي باعتباره وسيلة لتبادل الطاقة فحسب، بل أحد مكونات أمن الطاقة، لما يوفره من قدرة على دعم استقرار الشبكات والمساهمة في استعادة الإمدادات عند وقوع الأعطال الكبرى.

    أزمة 2025.. المغرب شريك في أمن الطاقة لأوروبا

    شكّل الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي ضرب إسبانيا والبرتغال في 28 أبريل 2025 اختبارا حقيقيا لقدرة الشبكة الكهربائية الأوروبية على مواجهة الأزمات، إذ كشفت الحادثة محدودية الربط الكهربائي لشبه الجزيرة الإيبيرية مع بقية أوروبا، إذ لا تتجاوز نسبة الربط نحو 3 في المئة من القدرة الكهربائية، بينما يطمح الاتحاد الأوروبي إلى رفعها إلى 15 في المئة بحلول سنة 2030.

    وأبرزت الأزمة اعتماد البرتغال على إسبانيا باعتبارها منفذها الكهربائي الوحيد نحو الخارج، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة تنويع مسارات الربط وتعزيز مرونة الشبكات الأوروبية.

    وفي خضم هذه الأزمة، برزت أهمية الربط الكهربائي مع المغرب، فبحسب المعطيات التقنية الصادرة عن الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الكهرباء (ENTSO-E)، استعانت إسبانيا، خلال مراحل إعادة تشغيل الشبكة، بروابطها الكهربائية مع كل من فرنسا والمغرب، ما جعل الربط المغربي جزءا من عملية استعادة الإمدادات، وأبرز دوره في دعم استقرار الشبكات الإقليمية عند الأزمات، إلى جانب وظيفته التقليدية في تبادل الكهرباء.

    وأعادت هذه التطورات صياغة النظرة الأوروبية إلى مشاريع الربط مع المملكة، إذ لم تعد تعامل باعتبارها مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، بل كأداة لتعزيز أمن الطاقة ومرونة الشبكات في مواجهة الاضطرابات.

    ومن هذا المنطلق، اكتسبت مشاريع الربط الجديدة مع المغرب زخما إضافيا، وفي مقدمتها مشروع الربط مع البرتغال، إلى جانب المباحثات المتعلقة بإنشاء خط مباشر مع فرنسا، في إطار توجه أوروبي يروم تنويع مسارات الإمداد وتقوية الترابط الكهربائي بين ضفتي المتوسط.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في قضايا الطاقة والانتقال الطاقي، محمد بوحاميدي، أن أزمة انقطاع الكهرباء التي عرفتها إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 لم تكن مجرد حادث تقني، بل شكلت تحولا في المقاربة الأوروبية لأمن الطاقة، بعدما أبرزت أن الاستثمار في إنتاج الكهرباء وحده لم يعد كافيا، وأن قوة المنظومات الكهربائية أصبحت تقاس أيضا بقدرتها على الترابط واستعادة الإمدادات عند الأزمات.

    وأضاف بوحاميدي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب اكتسبت، بعد هذه الأزمة، بعدا استراتيجيا جديدا، لأنها توفر منفذا إضافيا لشبه الجزيرة الإيبيرية، وتعزز مرونة الشبكات الأوروبية، موضحا أن المملكة أصبح ينظر إليها كشريك قادر على المساهمة في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، وليس فقط كمنتج للطاقات المتجددة.

    مشروع المغرب والبرتغال.. أكثر من مجرد ربط كهربائي

    في خضم هذا التحول، اتفق المغرب والبرتغال، خلال اجتماع وزيري الطاقة في لشبونة، الشهر الماضي، على إعادة إطلاق مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، بعد سنوات من الدراسات التي انطلقت سنة 2018، في خطوة تعكس تنامي الرهان على تعزيز الترابط الكهربائي بين أوروبا وإفريقيا.

    وترى الحكومة البرتغالية أن المشروع يتجاوز كونه مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، ليشكل رافعة لتعزيز أمن الطاقة والتعاون بين القارتين.

    وأعلنت وزيرة البيئة والطاقة البرتغالية ماريا دا غراسا كارفالو، يوليوز المنصرم، أن الرباط ولشبونة ستتقدمان بطلب إلى المفوضية الأوروبية لتصنيف المشروع ضمن المشاريع المهمة ذات الاهتمام الأوروبي المشترك (IPCEI)، بما يتيح الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية، إلى جانب تعبئة استثمارات من القطاع الخاص لتقاسم كلفة الإنجاز.

    وأوضحت أن البلدين يعتمدان مسارين متوازيين لتسريع المشروع؛ الأول يهم البحث عن تمويل عبر الآليات الأوروبية، والثاني يقوم على استقطاب مشغلي الشبكات وشركات الطاقة، بما يضمن إنجاز المشروع دون تحميل المستهلكين أو دافعي الضرائب أعباء إضافية.

    وأشارت إلى أن التقديرات المالية التي وُضعت سنة 2018، والتي قدرت الكلفة بحوالي 800 مليون يورو، أصبحت بحاجة إلى مراجعة في ضوء ارتفاع تكاليف الإنجاز والتطور الذي شهدته تقنيات الربط الكهربائي.

    ومن الجانب المغربي، أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي أن المشروع يندرج ضمن رؤية مشتركة تروم تعزيز التعاون الطاقي بين البلدين، مع التركيز على خفض تكاليف الطاقة وتحسين القدرة على الولوج إليها بأسعار معقولة لفائدة المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

    ويعكس هذا التوجه، بحسب الوزيرة، إرادة مشتركة لجعل الربط الكهربائي أداة لدعم التنمية الاقتصادية وتعزيز أمن الإمدادات، وليس مجرد مشروع تقني لتبادل الكهرباء.

    ومن المرتقب أن يواصل البلدان تنسيق مواقفهما مع المفوضية الأوروبية خلال المرحلة المقبلة، تمهيدا لعرض المشروع على آليات التمويل الأوروبية، ومواصلة النقاش بشأن خياراته التقنية والمالية في إطار القمة المغربية البرتغالية المرتقبة.

    جاذبية متزايدة.. فرنسا تدخل على الخط

    ولم يعد الاهتمام الأوروبي بالربط الكهربائي مع المغرب مقتصرا على البرتغال، إذ برز خلال الأشهر الأخيرة مشروع لدراسة إنشاء خط كهربائي مباشر بين المغرب وفرنسا، في إطار توجه يروم توسيع منافذ الربط مع المملكة وعدم الاكتفاء بالمسار التقليدي عبر إسبانيا.

    ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات التقنية، فإنه يعكس إدراكا أوروبيا متزايدا لأهمية تنويع مسارات نقل الكهرباء وتعزيز قدرة الشبكات على مواجهة الاضطرابات.

    وتكتسي فرنسا أهمية خاصة داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية، باعتبارها إحدى أكبر الدول المنتجة والمصدرة للكهرباء في القارة، كما تمثل بوابة رئيسية لربط شبه الجزيرة الإيبيرية بباقي الشبكة الأوروبية.

    ومن شأن أي ربط مباشر مع المغرب، إذا تم إنجازه، أن يوسع خيارات تبادل الكهرباء بين الضفتين، ويعزز مرونة الشبكة الأوروبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بنية تحتية أكثر ترابطا وقدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة.

    وفي 16 يوليوز الماضي، كشف سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة الفرنسي، في الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين المغرب وفرنسا بالرباط، أن المغرب وفرنسا يرسمان معا معالم المستقبل من خلال مشاريع اقتصادية طموحة تخلق تكاملا جديدا بين شركاتنا، من خلال قطاعات حيوية كالنقل والطاقة والتكنولوجيات المتقدمة، وأيضا المبادرات المتعددة للمقاولات الصغرى والمتوسطة النشطة التي تعمل معا على ضفتي المتوسط، كما يشمل الأمر مشاريع الربط الطاقي الكبرى، خاصة مع إطلاق طلب لإبداء الاهتمام في مجال الربط الكهربائي”.

    وفي حال استكمال هذا المشروع، سيصبح المغرب مرتبطا بثلاثة محاور رئيسية مع أوروبا، تشمل إسبانيا والبرتغال وفرنسا، بما يعزز مكانته داخل شبكة الربط الكهربائي الإقليمية ويمنحه دورا أكبر في منظومة أمن الطاقة الأوروبية.

    واعتبر محمد بوحاميدي أن مشاريع الربط المرتقبة مع البرتغال، إلى جانب دراسة إنشاء خط مباشر مع فرنسا، تمثل انتقالا من تعاون ثنائي مع إسبانيا إلى شبكة ربط أوروبية أكثر تنوعا، ما يمنح الشبكات الكهربائية مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات، ويعكس مستوى الثقة الذي أصبح يحظى به المغرب لدى شركائه الأوروبيين.

    وأكد الخبير الطاقي أن هذه المشاريع لا تقتصر على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تعكس تحولا في النظرة الأوروبية إلى المملكة باعتبارها شريكا استراتيجيا في استقرار الشبكات الكهربائية، خاصة مع تسارع التحول نحو الطاقات المتجددة داخل أوروبا.

    منافذ إضافية.. ماذا ستستفيد أوروبا؟

    لا تقتصر مكاسب أوروبا من مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تمتد إلى تعزيز مرونة الشبكات وتنويع مسارات الإمداد، خاصة بعد الدروس التي أفرزتها أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال أبريل 2025.

    بالنسبة لإسبانيا والبرتغال، يوفر الربط مع المغرب منفذا إضافيا يخفف الضغط على المسارات التقليدية، ويمنح مشغلي الشبكات خيارات أوسع للحفاظ على استقرار الإمدادات واستعادة الخدمة عند وقوع الأعطال.

    كما ينسجم هذا التوجه مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي الرامية إلى رفع مستوى الترابط الكهربائي بين دوله وشركائه، بما يعزز أمن الطاقة، ويواكب الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة داخل المزيج الكهربائي الأوروبي، وهي مصادر تتطلب شبكات أكثر ترابطا ومرونة لضمان استقرارها.

    منصة إقليمية رائدة.. لماذا تراهن أوروبا على المغرب؟

    لا يقتصر الرهان الأوروبي على الموقع الجغرافي للمغرب، بل يستند أيضا إلى ما راكمته المملكة من خبرة في مجال الربط الكهربائي منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وإلى استثماراتها في تطوير البنية التحتية الكهربائية، فضلا عن استقرارها المؤسساتي، وهي عوامل جعلت منها شريكا موثوقا في مشاريع الربط الطاقي.

    كما أن تموقع المغرب عند بوابة أوروبا وإفريقيا يمنحه مؤهلات للقيام بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء، خاصة في ظل توجه الاتحاد الأوروبي نحو تنويع مسارات الإمداد والبحث عن شبكات أكثر مرونة بعد أزمة 2025.

    ومن هذا المنطلق، لم تعد مشاريع الربط مع المملكة تُنظر إليها باعتبارها مشاريع ثنائية فحسب، بل أصبحت جزءا من رؤية أوروبية أوسع لتعزيز أمن الطاقة وتقوية الترابط الكهربائي بين القارتين.

    مكاسب متعددة.. ماذا سيستفيد المغرب؟

    بالنسبة للمغرب، لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توسيع الربط الكهربائي مع أوروبا، بل تمتد إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية؛ فمن الناحية الاقتصادية، من شأن خطوط الربط الجديدة أن تستقطب استثمارات إضافية في البنية التحتية الكهربائية، وتدعم تحديث الشبكات الوطنية، كما تفتح آفاقا أوسع لتبادل الكهرباء مع الأسواق الأوروبية، إلى جانب الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية المخصصة للمشاريع الاستراتيجية.

    أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تعدد منافذ الربط مع أوروبا يعزز موقع المملكة داخل المنظومة الطاقية الإقليمية، ويكرس حضورها كشريك في أمن الطاقة الأوروبي، ويمنحها أفضلية في استقطاب الاستثمارات الصناعية التي تبحث عن بنية كهربائية مستقرة ومتصلة بعدة أسواق، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد.

    وبخصوص المكاسب التي يمكن أن يجنيها المغرب، أوضح الخبير الطاقي محمد بوحاميدي في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذه المشاريع ستنعكس إيجابا على جاذبية المملكة للاستثمارات، سواء في مجال البنية التحتية الكهربائية أو الأنشطة الصناعية المرتبطة بالطاقة، كما ستعزز موقعها داخل الفضاء الأورو-متوسطي.

    وأضاف أن تعدد منافذ الربط الكهربائي مع أوروبا يمنح المغرب قيمة استراتيجية أكبر، ويؤهله مستقبلا للاضطلاع بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما ينسجم مع التحولات التي يشهدها سوق الطاقة على المستوى الدولي.

    المغرب.. من بلد عبور إلى شريك في أمن الطاقة

    وتكشف المشاريع التي يطورها المغرب مع شركائه الأوروبيين أن التحولات الجارية في قطاع الطاقة لم تعد تقاس فقط بحجم إنتاج الكهرباء أو تنوع مصادرها، بل أيضا بقدرة الدول على الاندماج في شبكات إقليمية أكثر ترابطا ومرونة.

    وأظهرت أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025 أن أمن الطاقة أصبح يرتبط بامتلاك مسارات متعددة لنقل الكهرباء، وبالقدرة على استعادة الإمدادات بسرعة عند حدوث الأزمات، لذلك، لا يراهن المغرب على توسيع شبكة الربط الكهربائي مع أوروبا فحسب، بل يعمل على ترسيخ موقعه كشريك في أمن الطاقة الإقليمي، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته في البنية التحتية الكهربائية، وخبرة تمتد لقرابة ثلاثة عقود في الربط مع الشبكة الأوروبية.

  • المغرب يرد بالأرقام: الهجرة مسؤولية مشتركة ولن نخضع للابتزاز ولسنا حارسا لأوروبا

    المغرب يرد بالأرقام: الهجرة مسؤولية مشتركة ولن نخضع للابتزاز ولسنا حارسا لأوروبا

    أكد مصدر حكومي، اليوم الاثنين بالرباط، أن المملكة المغربية ظلت شريكا “ذا سيادة ومخلصا ومسؤولا” في إطار محاربة الهجرة غير النظامية، مشددا على أن تدبير ملف الهجرة يمثل “مسؤولية مشتركة” طالما “تحمل المغرب نصيبه منها”.

    وأبرز المصدر ذاته أن “المغرب لم يخضع يوما للضغط، ولم يتحرك قط بدافع الإكراه أو تحت وطأة الابتزاز”، مؤكدا أن “الالتزام والمسؤولية كانا دوما الدافع الأساسي لعملنا”.

    وأشار، في هذا السياق، إلى أن الهجرة تشكل “ظاهرة معقدة تقتضي من كل طرف تحمل مسؤولياته”، مضيفا “نحن نتحمل مسؤولياتنا كاملة”.

    وتابع المصدر الحكومي أن هذا الالتزام يتجلى في “نتائج ملموسة للجميع، حتى وإن كان البعض يتعامل معها كبديهيات دون إدراك حجم الإنجاز الذي تمثله”.

    وفي هذا الصدد، حرص على التذكير بحقيقة غالبا ما يتم تناسيها “إذا كانت الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هي الأقل إشكالية بالنسبة لأوروبا منذ سنوات، فليس لأنها غير مستهدفة من طرف شبكات الاتجار بالبشر، بل لأن المغرب عبأ بفاعلية وسائل ضخمة – وما يزال يواصل ذلك إلى اليوم”.

    وشدد المصدر ذاته على أنه تمت تعبئة إمكانيات بشرية وتقنية ومالية مهمة لهذه الغاية.

    كما سجل أن التعاون بين المغرب والحكومة الإسبانية يعتبر “نموذجيا”.

    واستنادا إلى الأرقام، أفاد المصدر بأنه تم إحباط 74 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2025، و79 ألف محاولة سنة 2024، أي نحو 160 ألف محاولة خلال سنتين، موضحا أنه تم أيضا تفكيك 632 شبكة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وتنفيذ أزيد من 32 ألف عملية إنقاذ في عرض البحر بنجاح خلال الفترة نفسها، مع الإشارة إلى إحباط أكثر من 360 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال السنوات الخمس الماضية.

    ونبه المصدر الحكومي إلى أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات.

    وأوضح أن “الحاجز أمام الهجرة لم ينهر بسبب المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني”، مضيفا أن “المغرب، من جهته، لم يتخلف يوما” عن الوفاء بالتزاماته أو بمسؤولياته.

    وفي هذا السياق، ذكر المصدر بأن قاضيا إسبانيا قرر، في الثامن من يوليوز الماضي، اعتبار وصول المهاجرين غير النظاميين عن طريق البحر مانعا من الترحيل التلقائي، “وهو الإجراء الذي يشكل حجر الزاوية في منظومتنا الردعية”.

    وأوضح المصدر نفسه أنه في نظر شبكات التهريب والاتجار بالبشر والمرشحين للهجرة غير النظامية، يوفر قرار القاضي “ببساطة حصانة للوصول غير القانوني عن طريق البحر”.

    وأعرب عن أسفه لانهيار العنصر الرادع في المنظومة وسقوط الحاجز نتيجة لهذا القرار، وليس تحت ضغط المجرمين.

    كما أشار إلى أن هذا الحكم “كان معروفا لدى السلطات الإسبانية، ولم يكن بإمكانها تجاهل كونه يضعف المنظومة برمتها”، متسائلا: “هل قام أحد بإبلاغ المغرب حتى يستعد؟ لا. وهل استبق أحد العواقب التي كانت مع ذلك متوقعة جدا؟ لا!”.

    وأضاف أنه “ليس مستغربا، في ظل هذه الظروف، أن تستغل هذه الشبكات هذه الفرصة”.

    وخلص المصدر إلى أن “نقطة التحول” تكمن في التباين بين العامل المسبب (قرار القاضي)، وردة الفعل المتأخرة.

    وشدد المصدر الحكومي “لسنا شرطيا ولا حارسا لأوروبا؛ بل نحن شريك ذو سيادة ولسنا مناولا” في مجال تدبير ملف الهجرة، متسائلا عما إذا كان نموذج التدبير الحالي ما يزال مجديا ومناسبا للسياق الجديد.

    وأشار إلى أنه “من المخيب للآمال أن توظف أحداث سبتة لتحقيق مكاسب انتخابية وتصفية حسابات سياسية”، لافتا إلى أنه “عندما كانت الأزمة في أوجها، وفي ظل تغطية إعلامية طغى عليها التهويل والسعي إلى الإثارة، رصدت أكثر التعليقات تحريضا وأكثر التحليلات شططا”.

    وأعرب المصدر عن أسفه، بالقول “رأينا إلى أي حد كان بعض الفاعلين السياسيين دون مستوى اللحظة التاريخية، وكم كانت ردود أفعالهم مخيبة للآمال”، معربا عن صدمته الكبيرة ليس فقط بغياب الرؤية، بل بالقصور الاستراتيجي الشديد لدى البعض، والاستغلال السياسي لدى البعض الآخر.

    وأضاف أنه اليوم، وبعد التثبت من غياب الجدية، وغياب النظرة الشاملة إلى الشراكة، بل وحتى الغياب التام لأي إرادة لتمييز الأمور، “نصل إلى خلاصة واضحة: يجب أن تتغير قواعد التعامل مع الوضع!”، مشددا على ضرورة وضوح الأمر في أذهان الجميع: “المغرب يحمي أراضيه، ولا أحد يقوم بذلك نيابة عنه”.

    وشدد المصدر الحكومي على أنه “يتعين على الجميع تحمل مسؤولياتهم، فالمغرب ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا. نحن نتصرف كشريك موثوق وملتزم، في إطار شراكة واضحة المعالم، لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد”، مؤكدا على وجوب تحيين قواعد هذه الشراكة.

    واعتبر أنه لا بد من إعادة تعبئة الإرادات السياسية، وإعادة إرساء الوضوح واستشراف المستقبل في صلب هذه المنظومة، وإعادة الاعتبار للثقة والمسؤولية، فضلا عن إعادة تأطير ضوابط التعامل.

    وأكد أنه “لا ينبغي الاعتقاد بأن ضخ الأموال يكفي لتسير الأمور من تلقاء نفسها”، مسجلا أن التمويلات لم تكن يوما الدافع لعمل المغرب.

    وتابع المصدر الحكومي أن المغرب أكد مرارا أنه “لا وجود لحل أمني صرف لقضية الهجرة”، مضيفا أن هذه القناعة الثابتة تتأكد اليوم، حيث عاين الجميع حركة عودة طوعية تعادل في حجمها حركة التدفق نحو سبتة.

    وقال إن “هذه العودة هي الدليل القاطع على الحقيقة، المتمثلة في أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس استثمر بشكل مكثف في التنمية السوسيو-اقتصادية للمغرب وللأقاليم الشمالية”.

    وسجل المصدر ذاته أن “هؤلاء الشباب عادوا لأنهم عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من (الفردوس الموعود) الذي كانوا يتوهمونه”.

    وأبرز أن “عودتهم كانت بالتالي طوعية؛ حيث تؤكد إسبانيا أن 95 في المئة من الأشخاص غادروا سبتة”، موضحا أن هؤلاء الأشخاص لم يعودوا بفضل تدخل إسبانيا، بل بناء على قناعتهم الخاصة واختيارهم”.

    وأكد المصدر الحكومي أن هذا الأمر يعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أحدثت طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.

    وأضاف أن “(الفردوس الموعود) ليس سوى وهم فككه شبابنا بأنفسهم من خلال عودتهم الطوعية. فالرد الأمثل على الهجرة غير النظامية يكمن في تحقيق التنمية”.

    وخلص المصدر الحكومي إلى أنه يتوجب على أوروبا أن تكون شريكا معنيا بتنمية المغرب، وأن تتوقف عن اتخاذ قرارات وإجراءات تعيق هذه التنمية، ولا سيما الإجراءات التي تؤثر سلبا على الموانئ المغربية، وصناعة السيارات الوطنية، وقطاع المالية، والخدمات، والنقل، و ترحيل الخدمات.

  • أحداث سبتة تكشف وجها جديدا للهجرة تقودها خوارزميات جهات أجنبية للتضليل بالمنصات الرقمية

    أحداث سبتة تكشف وجها جديدا للهجرة تقودها خوارزميات جهات أجنبية للتضليل بالمنصات الرقمية

    لم تعد محاولات الهجرة غير النظامية تبدأ عند الحدود، بل أضحت تنطلق في كثير من الأحيان من شاشة هاتف. فمن خلال منشورات ومقاطع مصورة ورسائل متداولة، تبنى تصورات عن سهولة العبور، وتُحدَّد الوجهات والمواعيد، وقد تتحول المعلومة المضللة في وقت وجيز إلى أداة تعبئة تدفع أعدادا من الشباب إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر.

    وتبرز الدعوات الرقمية إلى التوجه نحو مدينة سبتة المحتلة مثالا دالا على هذا التحول؛ إذ لم تعد منصات التواصل مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبحت فضاء لصناعة التوقعات وتضخيم فرص النجاح والتقليل من المخاطر الأمنية والإنسانية.

    استغلال مغرض للفضاء الرقمي

    ويوم أمس الأحد، أكدت وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها بخصوص الأحداث التي عرفتها مؤخرا نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية، أبانت أن هذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة.

    وأبرزت أن في مقدمة هذه العوامل الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات الإتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية

    ولفت المصدر على وجه الخصوص، إلى القرارات الأخيرة الصادرة عن السلطات القضائية الإسبانية بشأن تقييد إمكانية تطبيق إجراء الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر، مشيرا إلى أنها أفضت، في ظل ما صاحبها من تأويلات مغلوطة وتداول مضلَل، إلى ترسيخ قناعة لدى بعض الراغبين في العبور بإمكانية تفادي الإعادة الفورية.

    وشددت وزارة الداخلية على أن هذه المعلومات وما رفقها من حملات تضليلية أسهمت في بروز نمط أوحد من محاولات الهجرة غير النظامية، قوامه العبور سباحة، باعتباره الوسيلة التي اعتقد البعض أنها توفر فرصا أكبر للإفلات من الإعادة الفورية.

    وبهذا الصدد، أعاد تقرير استخباراتي أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي شيما جيل (Chema Gil)، بطلب من عدد من المؤسسات الإسبانية، مستندا إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي (SOCMINT)، بناء التسلسل الزمني للحملة الرقمية وتحليل دورها في نشر المعلومات ورسائل التعبئة المرتبطة بمحاولة الدخول الجماعي إلى التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة الأسبوع المنصرم.

    الفضاء الرقمي.. بيئة خصبة للتعبئة نحو الهجرة غير النظامية

    ويساهم التحول الرقمي في إعادة تشكيل بعض ديناميات الهجرة غير النظامية، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاء لتداول المعلومات والروايات المتعلقة بطرق العبور والوجهات المحتملة.

    وفي هذا السياق، أعادت محاولة الدخول الجماعي إلى سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز 2026 الجدل حول الدور المتنامي للفضاء الرقمي في الهجرة غير النظامية، فقد كشفت تقارير إسبانية، استنادا إلى تقرير استخباراتي، أن هذه المحاولة سبقتها حملة رقمية واسعة انطلقت منذ بداية يوليوز عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، وشهدت تداول رسائل تتعلق بمسارات الوصول، ووسائل النقل، ومواعيد التحرك، ونقاط الالتقاء، في إطار ما وصفه التقرير بحملة تعبئة رقمية سبقت الأحداث الميدانية.

    وأشار التقرير الاستخباراتي الإسباني إلى أن الحملة الرقمية التي بدأت مع مطلع شهر يوليوز، حققت أكثر من 11 مليون ظهور، من خلال حسابات تنشط في أساسا في الجزائر وتونس وفرنسا، إلى جانب حسابات أخرى في المغرب والولايات المتحدة، قبل أن تتسارع وتيرتها عقب صدور قرار للمحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 في الأيام الأولى من الشهر، والذي اعتبر أن الأشخاص الذين يدخلون إسبانيا عبر البحر لا يمكن إعادتهم فورا عند الحدود.

    ووفقا للتقرير، استُخدم هذا القرار على نطاق واسع داخل المنصات الرقمية لترويج روايات حول سهولة العبور، وهو ما أسهم في تكثيف تداول المحتوى المرتبط بسبتة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة.

    ومنذ ذلك الحين، رصد التقرير تصاعدًا تدريجيًا في وتيرة المنشورات ومقاطع الفيديو والرسائل المتعلقة بالمدينة، قبل أن تبلغ الحملة الرقمية ذروتها خلال الأيام التي سبقت مباشرة احتفالات عيد العرش بالمغرب.

    عندما تصنع الخوارزميات واقعا جديدا

    تكمن خطورة هذا النوع من الحملات في أن المنصات الرقمية لا تكتفي باستضافة المحتوى، بل تعمل خوارزمياتها على توسيع نطاق انتشاره كلما ارتفعت معدلات التفاعل معه، لأن المقاطع القصيرة والمنشورات التي توحي بسهولة العبور أو تبرز تجارب ناجحة تجذب مستويات عالية من التفاعل، مما يزيد من احتمال ظهورها لمستخدمين آخرين، ويمنحها قدرة أكبر على الوصول والانتشار في فترة وجيزة.

    وفي هذا السياق، أكد الخبير في الأمن السيبراني الطيب الهزاز في تصريحه لجريدة “AM+MEDIA”، أن المنصات الرقمية أصبحت تؤدي دورا محوريا في توجيه الهجرة غير النظامية، إذ لم تعد تقتصر على نقل المعلومات، بل باتت تسهم في الترويج لما يسميه بـ”حلم الهجرة” بشكل مضلل عبر إبراز صور النجاح في أوروبا وإغفال المخاطر الحقيقية التي قد تواجه المهاجرين.

    ويضيف أن بعض المجموعات المغلقة على تطبيقات مثل “واتساب” و”تيليغرام” تُستخدم لتبادل المعلومات المتعلقة بتحديد التوقيت، والمسارات، ونقاط العبور، إلى جانب تداول تعليمات حول كيفية التعامل مع الرحلة، وتجاوز الحدود، والتعامل مع الأمن، وهو ما يحول المنصات الرقمية، في بعض الحالات، إلى فضاء للتنسيق والتعبئة.

    وأشار المتحدث، إلى أن هذا النوع من المحتوى يستهدف، في الغالب، الفئات الهشة، وخاصة الشباب الذين يعانون من البطالة أو الإحباط، من خلال خطاب يستغل تطلعاتهم إلى تحسين أوضاعهم.

    وأشار الخبير في الأمن السيبراني في تصريحه إلى أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت، في بعض السياقات، بنية تحتية رقمية تستغل في تنظيم وتيسير الهجرة غير النظامية.

    من التعبئة الرقمية إلى التحرك الميداني

    أوضح التقرير الاستخباراتي أنه في منتصف يوليوز، انتقلت الحملة من مرحلة الترويج الرقمي إلى مرحلة التعبئة الميدانية، إذ رصد التحقيق تزايد وصول أشخاص من مدن مغربية إلى مدينة الفنيدق، بالتزامن مع ارتفاع النشاط داخل مجموعات على فيسبوك وقنوات للمراسلة الموجودة مسبقا، والتي كانت تستخدم لتبادل المعلومات العملية تتعلق بالجداول الزمنية وظروف السفر.

    وفي 28 يوليوز، رصد التقرير إحدى أبرز نقاط الاتصال خلال الفترة المدروسة وهي تحديد مجموعة مراسلة عامة تحمل اسم “هجمة كرياج سبتة” (Hijma Kiraj Sebta)، تُدار من رقم هاتف يبدأ بالمفتاح الدولي الجزائري (213+).

    وبحسب التقرير، استخدمت المجموعة لتبادل المعلومات اللوجستية المتعلقة بالتعبئة نحو سبتة، بما في ذلك التنسيق بين المشاركين وتداول المعطيات العملية.

    وأشار التقرير إلى أن أهمية هذه المجموعة تتعلق بالدور الذي أدته كمنصة للتنسيق داخل البنية الرقمية للحملة.

    ووفقا للتقرير، بلغت الحملة الرقمية ذروتها يومي 29 و30 يوليوز، إذ شهدت المنصات الرقمية تصاعدا ملحوظا في وتيرة المنشورات، بالتزامن مع تداول تعليمات أكثر تحديدا بشأن الجداول الزمنية، ونقاط التجمع، والمعدات الموصى بها، وظروف السفر.

    وفي الوقت نفسه، نشرت حسابات مختلفة مقاطع فيديو تُظهر رحلات باتجاه الفنيدق، فيما تداولت حسابات أخرى صورًا للمنطقة الحدودية ورسائل هدفت إلى الحفاظ على زخم التعبئة.

    وكشف التقرير أن الحملة بلغت ذروة تأثيرها الميداني خلال الساعات الأولى من صباح يومي 30 و31 يوليوز، مع محاولة جماعية لدخول الأراضي الإسبانية عبر سبتة المحتلة.

    ومع انطلاق الأحداث على أرض الواقع، شهد النشاط الرقمي تحولا في طبيعته؛ إذ لم تعد المنشورات تقتصر على الدعوة إلى العبور أو الاستعداد له، بل اتجهت إلى نقل صور ومقاطع من الميدان، وتداول معلومات حول استجابة السلطات، إلى جانب نشر توصيات للموجودين في المنطقة ورسائل تتعلق بمسارات دخول بديلة محتملة.

    وأبرز التقرير أن المرحلة الأخيرة، الممتدة من 31 يوليوز إلى 2 غشت، اتسمت باستجابة مؤسساتية هدفت إلى الحد من استمرار الحملة الرقمية، وشملت إغلاق عدد من المجموعات العامة التي استُخدمت في تنسيق التعبئة، إلى جانب تعزيز أنشطة الرصد عبر الإنترنت وعند المعابر الحدودية.

    وفي المقابل، لفت “شيما جيل” في تقريره إلى أن هذه الإجراءات لم توقف تداول المحتوى بشكل كامل، إذ استمر انتشاره عبر حسابات مؤقتة، ومجتمعات رقمية جديدة، وقنوات بديلة، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، قدرة هذه الشبكات على التكيف السريع، ويبرز أهمية الرصد المستمر لمثل هذه الظواهر.

    تعزيز الأمن الرقمي لمواجهة الهجرة غير النظامية

    أصبح الفضاء الرقمي أحد الأبعاد الأساسية في فهم الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية، بعدما تجاوز دوره نقل المعلومات إلى التأثير في تشكيل الروايات وتداولها وأنماط التعبئة.

    وتكشف التطورات التي رافقت أحداث سبتة أن الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على تأمين الحدود أو مواجهة شبكات التهريب، بل أصبحت تشمل أيضا فهم الفضاء الرقمي الذي تتشكل داخله الروايات الداعية إلى الهجرة غير النظامية، وتنتشر عبره المعلومات، وتتبلور من خلاله ديناميات التعبئة.

    وفي هذا السياق، يخلص التقرير الاستخباراتي إلى أن ما شهدته سبتة المحتلة لا يمكن تفسيره من منظور الحدود المادية وحده، بل يبرز الدور الذي اضطلع به البعد الرقمي في التأثير على مسار الأحداث، بما يجعل فهم هذا المكون المعلوماتي ضرورة لتوقع تحليل الظواهر ذات الخصائص المماثلة.

    ويرى الهزاز أن مواجهة هذا النوع من الحملات تستدعي الانتقال من منطق المراقبة الشاملة إلى مقاربة تقوم على الرصد الذكي للمخاطر، موضحا أن ذلك يمر عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط السلوكية، والاستفادة من تحليل البيانات المفتوحة (OSINT) بدل اللجوء إلى أساليب التجسس المباشر، أي مراقبة ما هو متاح للجميع، مع وضع إطار قانوني واضح يحدد ضوابط التدخل ويخضع للرقابة القضائية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المنصات الرقمية “Telegram” و”Meta” و”whatsapp”، للحد من المحتوى التحريضي والشبكات المنظمة، وإشراك المجتمع المدني في جهود التوعية.

    وتبرز هذه المقاربة أن حماية الحدود لم تعد تنفصل عن حماية الفضاء الرقمي، وأن الحد من مخاطر الهجرة غير النظامية يقتضي بناء وعي رقمي، ورصدا مبكرا للمحتوى المضلل، وتعاونا بين المؤسسات العمومية والمنصات الرقمية والمجتمع المدني.

  • خطر إيبولا.. وزارة الصحة تكشف لـ”AM+ MEDIA” إجراءات اليقظة وتؤكد: لا شيء يدعو للقلق

    خطر إيبولا.. وزارة الصحة تكشف لـ”AM+ MEDIA” إجراءات اليقظة وتؤكد: لا شيء يدعو للقلق

    علمت جريدة “AM+ MEDIA”، أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تواكب بشكل يومي ومستمر تطورات الوضع الوبائي المرتبط بتفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، من خلال تتبع المعطيات الصادرة عن الجهات الصحية الدولية المختصة، وفي صدد رصد أي مستجدات قد يكون لها أثر على مستوى اليقظة الصحية.

    ووفق ما أكدته مصادر مسؤولة في وزارة الصحة للمنصة، فإنه وإلى حدود إعداد هذا التقرير، لا توجد أي معطيات تستدعي القلق أو تبرر إثارة الهلع، كما لم تسجل أي حالة مؤكدة أو مشكوك فيها، منبهة إلى أن الوضع يخضع لمراقبة دقيقة وفق آليات اليقظة والترصد الصحي المعتمدة، وأن المنظومة الوطنية بما فيها مديرية الأوبئة تتوفر على البروتوكولات والإجراءات الخاصة بالتعامل مع مثل هذه الحالات، وهي جاهزة للتفعيل متى استوجبت التطورات الوبائية ذلك.

    وأضافت المصادر ذاتها، أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تحافظ على تنسيق متواصل مع الهيئات الصحية الدولية المختصة، بما يضمن التوصل الفوري بالمستجدات الوبائية وتحيين تقييم المخاطر بشكل مستمر، بما يسمح باتخاذ التدابير المناسبة في الوقت الملائم إذا اقتضت الظروف ذلك، مؤكدة أن الوضع، في المرحلة الحالية، لا يستدعي أي إجراءات استثنائية، مع استمرار حالة اليقظة والمتابعة الدقيقة لأي تطورات محتملة.

    ويأتي في وقت تشهد فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية أخطر تفشٍ لفيروس إيبولا في تاريخها، وسط تصنيف دولي متصاعد لمستويات الخطورة رصدته منظمة الصحة العالمية.

    خلفية الأزمة الصحية في الكونغو

    يتعلق التفشي الحالي بسلالة “بونديبوغيو” (Bundibugyo virus) من عائلة فيروسات إيبولا، وهي السابع عشرة من نوعها التي تسجلها جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ اكتشاف الفيروس لأول مرة سنة 1976.

    وأعلنت منظمة الصحة العالمية بتاريخ 17 ماي 2026 أن هذا التفشي يشكل “حالة طوارئ صحية عمومية تحظى باهتمام دولي” (PHEIC)، بعد رصد حالات مؤكدة في إقليم إيتوري، وامتداد الفيروس عبر الحدود إلى أوغندا المجاورة.

    ووفق آخر البيانات الرسمية لمنظمة الصحة العالمية، تجاوزت الإصابات المؤكدة مخبريا 3600 حالة، بينها أكثر من 1580 وفاة، فيما سُجل خلال الأسبوع الأخير وحده أكثر من 560 إصابة جديدة، وهو أعلى معدل أسبوعي منذ بداية التفشي.

    ويتجاوز هذا التفشي من حيث عدد الحالات أكبر موجة سابقة عرفتها الكونغو الديمقراطية بين 2018 و2020.

    تصنيف دولي متدرج للخطر

    صعّدت منظمة الصحة العالمية السبت الماضي، تقييمها لمستوى الخطر إلى “مرتفع جدا” على المستوى الوطني داخل الكونغو الديمقراطية، و”مرتفع” على المستوى الجهوي، أي بالنسبة للدول المتقاسمة حدودا مباشرة مع بؤرة التفشي.

    وقالت منظمة الصحة العالمية، إن تفشي فيروس “إيبولا” في وسط إفريقيا لا يزال خارج السيطرة رغم أسابيع من الجهود، بل يزداد سوءا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما اعتبرت أن هذا التفشي يعد الأكبر الذي تشهده البلاد على الإطلاق، موردة أن “هناك حاجة إلى توسيع كبير في أنشطة الاستجابة للسيطرة على تفشي المرض”.

    ويستند هذا التصنيف إلى معطيات علمية دقيقة، أبرزها أن الفيروس لا ينتقل عبر الهواء، بل يتطلب تماسا مباشرا مع سوائل جسدية لمصاب أو جثة، وهو ما يقلص بشكل كبير احتمال انتقاله عبر السفر الجوي العادي أو التماس العرضي.

    ومع ذلك، سُجلت حتى الآن حالات مستوردة خارج منطقة التفشي المباشرة، من بينها حالة لدى طبيب فرنسي عاد من الكونغو الديمقراطية، وهو ما يؤكد أن احتمال تصدير حالات فردية عبر الحركة الجوية الدولية قائم بالفعل، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحول تلك الحالات إلى تفشٍ محلي، بالنظر إلى قدرة الأنظمة الصحية المتقدمة على الكشف والعزل السريعين.

    عوامل الخطر والحماية بالنسبة للمغرب

    يرتبط المغرب بجمهورية الكونغو الديمقراطية عبر خط جوي مباشر تُشغله الخطوط الملكية المغربية بين مطار محمد الخامس ومطار كينشاسا، بمعدل ثلاث رحلات أسبوعيا تقريبا، إضافة إلى كون الدار البيضاء محطة عبور رئيسية تربط عدة عواصم أوروبية وأمريكية بوسط إفريقيا، وهذا الرابط الجوي يجعل احتمال دخول حالة مستوردة واحدة قائما نظريا، لا سيما لدى عمال صحيين أو رجال أعمال عائدين من مناطق التفشي.

    في المقابل، تبقى بؤرة التفشي (أقاليم إيتوري وكيفو الشمالية وكيفو الجنوبية) بعيدة جغرافيا عن كينشاسا نفسها، والمغرب لا يتقاسم حدودا مباشرة مع الكونغو الديمقراطية أو أوغندا، وهما البلدان المصنفان في خانة الخطر الأعلى إقليميا، كما أن منظمة الصحة العالمية لا توصي حاليا بأي قيود على السفر أو التجارة مع الكونغو الديمقراطية، معتمدة بدلا من ذلك آليات الفرز الصحي عند نقاط الخروج الدولية.

    تجربة مغربية سابقة مع التعامل مع مخاطر إيبولا

    ليست هذه المرة الأولى التي يتفاعل فيها المغرب مع مخاطر متعلقة بفيروس إيبولا، فقد اتخذت المملكة سنة 2014، في خضم التفشي في غرب إفريقيا الذي كان الأوسع في تاريخ المرض حينها، قرارا استثنائيا بطلب تأجيل استضافة كأس إفريقيا للأمم 2015، بدافع صحي معلن يتعلق بمخاوف من تدفق مشجعين من مناطق موبوءة، وهو ما أدى إلى نقل البطولة إلى غينيا الاستوائية وفرض عقوبات رياضية على المغرب رفعت لاحقا بعد استئناف قضائي.

    ورغم الانتقادات التي وُجهت لهذا القرار من الناحية العلمية، فإنه يعكس نهجا مغربيا تاريخيا يميل إلى الحيطة القصوى في التعامل مع مخاطر الأوبئة القادمة من القارة الإفريقية.

    ومنذ ذلك التاريخ، عزز المغرب منظومته الوطنية للرصد والاستجابة للطوارئ الصحية، عبر إحداث المركز الوطني لعمليات الاستجابة للطوارئ الصحية العمومية (CNOUSP) التابع لوزارة الصحة، الذي يشتغل بتنسيق مع مراكز جهوية موزعة على مختلف جهات المملكة، ويتولى مهام اليقظة الصحية والإنذار المبكر والتصدي السريع لأي تهديد وبائي، سواء كان محليا أو مستوردا من الخارج.

    وقد خضعت هذه المنظومة لاختبار حقيقي خلال جائحة كوفيد-19، حيث اعتمد المغرب على هذا المركز في تفعيل خطط اليقظة والتصدي منذ المراحل الأولى للجائحة، قبل حتى تصنيفها رسميا كحالة طوارئ دولية.

    كما سبق للمغرب أن اعتمد نفس نمط التواصل المتحفظ الحالي في ملفات وبائية أخرى أحدث، من ذلك رفعه مستوى اليقظة الوبائية بالموانئ والمطارات في ماي 2026 بعد تسجيل بؤرة لفيروس “هانتا” على متن سفينة سياحية، حيث أكدت مصادر صحية في ذلك الوقت أن “المعطيات الحالية لا تشير إلى وجود تهديد وبائي واسع”، وأن المغرب “يتوفر على منظومة وطنية لليقظة الصحية تعمل على تتبع الإنذارات الدولية”، في صياغة مشابهة جدا لما تردده المصادر اليوم بخصوص إيبولا.

  • واشنطن تكرس المغرب شريكا دفاعيا محوريا في شمال إفريقيا بترخيص دفاعي جديد

    واشنطن تكرس المغرب شريكا دفاعيا محوريا في شمال إفريقيا بترخيص دفاعي جديد

    تتجه الشراكة العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة إلى توسيع نطاقها، مع إحالة وزارة الخارجية الأمريكية على مجلس الشيوخ في 29 يوليوز الماضي، مقترح ترخيص دفاعي جديد يشمل المملكة بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار، في أحدث حلقة ضمن مسار رفع قدرات القوات المسلحة الملكية بمنظومات تسليح أمريكية متطورة.

    الترخيص الجديد، يأتي بعد خمس سنوات راكم خلالها المغرب ثماني موافقات أمريكية على مبيعات عسكرية محتملة، بقيمة إجمالية بلغت 2.24 مليار دولار بين 2020 و2025، وشملت منظومات تمتد من صواريخ “Stinger” للدفاع الجوي و”Javelin” المضادة للدروع، إلى راجمات “HIMARS” وصواريخ  “AMRAAM” للقتال الجوي و”Harpoon” المضادة للسفن.

    هذا الملف، المسجل رسميا تحت المرجع “DDTC 25-132″ والذي اطلعت عليه ” AM+ MEDIA”، أُحيل إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الأربعاء الماضي تطبيقا للفصل 36(ج) من قانون مراقبة صادرات الأسلحة الأمريكي “Arms Export Control Act” وهو الإجراء القانوني الذي يفرض على الإدارة الأمريكية إخطار الكونغرس مسبقا بأي عملية تصدير لمواد أو خدمات دفاعية تتجاوز عتبة معينة، حتى يتسنى للمشرعين الاعتراض عليها إن رؤوا ضرورة لذلك خلال مهلة قانونية محددة.

    وتكشف طبيعة هذه المقتنيات أكثر من قيمتها المالية، اتساع مجالات التعاون الدفاعي بين الرباط وواشنطن لتشمل الدفاع الجوي والضربات بعيدة المدى والقتال الجوي وحماية الممرات البحرية والاتصالات التكتيكية، فيما تواصل الإدارة الأمريكية تقديم المغرب، في وثائق صفقات التسليح، بصفته حليفا رئيسيا من خارج حلف شمال الأطلسي وشريكا للاستقرار في شمال إفريقيا.

    تراكم غير مسبوق من صفقات التسلح

    لا يأتي هذا الترخيص من فراغ، فمنذ سنة 2020 يشهد ملف التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن وتيرة تصاعدية لافتة، تُترجم في ثماني عمليات بيع محتملة كبرى وافقت عليها وزارة الخارجية الأمريكية عبر آلية “المبيعات العسكرية الخارجية” بقيمة إجمالية تقترب من 2.24 مليار دولار، وفق البيانات الرسمية المنشورة على موقع وكالة التعاون الأمني والدفاعي الأمريكية، وهي الهيئة المكلفة بالإشراف على مثل هذه الصفقات.

    ففي 15 أبريل 2025، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على البيع المحتمل لما يصل إلى 600 صاروخ أرض-جو محمول من طراز “FIM-92K Stinger Block I”، مع خدمات الدعم والتدريب والصيانة المرتبطة، بقيمة إجمالية بلغت 825 مليون دولار.

    وأُسندت مهمة التوريد إلى شركتين أمريكيتين رئيسيتين، هما “آر تي إكس” (RTX) بمدينة توكسون بولاية أريزونا، و”لوكهيد مارتن” بمدينة سيراكيوز بولاية نيويورك، فيما بررت وكالة “DSCA” هذه الصفقة بكونها تندرج في إطار تعزيز قدرات الدفاع الجوي قريب المدى للقوات المسلحة الملكية، وتحسين التوافق العملياتي بين القوات الملكية المغربية والقوات الأمريكية والحليفة.

    وفي يوم واحد وبالضبط في 20 دجنبر 2024، منحت الإدارة الأمريكية ترخيصين متزامنين للمغرب، الأول يخص 30 صاروخ جو-جو متوسط المدى من طراز “AIM-120C-8 AMRAAM”، مع قسم توجيه إضافي ومعدات اختبار ودعم تقني بقيمة 88.37 مليون دولار، خُصصت أساسا لتسليح طائرات “F-16 Block 72” التي تنتظرها القوات الجوية الملكية المغربية.

    والثاني يتعلق بـ500 قنبلة موجهة صغيرة القطر من طراز “GBU-39B SDB-I”، إضافة إلى قنبلتي تدريب بقيمة 86 مليون دولار، كما تولت شركة “آر تي إكس” تصنيع صواريخ “أمرام”، بينما أُسندت صفقة القنابل الموجهة إلى “بوينغ”.

    وفي 19 مارس 2024، حصلت القوات البرية الملكية على ترخيص بقيمة 260 مليون دولار، يشمل 612 صاروخا مضادا للدروع من طراز “FGM-148F Javelin” (منها 12 صاروخا مخصصا للتجارب المسبقة)، إلى جانب 200 وحدة خفيفة للقيادة والإطلاق.

    وأُنجزت الصفقة عبر الشراكة المشتركة “Javelin Joint Venture” التي تجمع “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس”، بحسب الوثيقة الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية.

    ويُعد هذا الملف من أضخم الصفقات في هذه السلسلة، ففي 11 أبريل 2023 وافقت واشنطن على تزويد المغرب بـ18 منظومة إطلاق صواريخ متعددة من طراز “M142 HIMARS”، مصحوبة بـ40 صاروخا تكتيكيا من طراز “M57 ATACMS” (يصل مداها إلى 300 كلم)، و72 صاروخا موجها من طراز “GMLRS” بنوعيه (الرأس الأحادي والرأس المتشظي)، فضلا عن مركبات ونظم قيادة نيران ومعدات لوجستية مساندة.

    وتُشكل هذه المنظومة نقلة نوعية في قدرة القوات المسلحة الملكية على تنفيذ ضربات دقيقة في العمق، وهي القدرة المعروفة عسكريا بـ”الضرب بعيد المدى” أو “Deep Strike”.

    وفي اليوم نفسه، وافقت وزارة الخارجية على صفقة موازية بقيمة 250 مليون دولار، تشمل 40 سلاحا انزلاقيا موجها من طراز “AGM-154C JSOW”، مخصصة لتسليح طائرات F-16 المغربية، وتهدف بحسب الوثائق الرسمية إلى تعزيز قدرة المغرب على حماية الممرات البحرية الحيوية.

    في 25 غشت 2022، رخّصت الإدارة الأمريكية ببيع منظومة قيادة وتحكم بريّة متطورة للمغرب، تتضمن ست أجهزة اتصال لاسلكي تكتيكية متعددة الوظائف من طراز MIDS-JTRSومحطات آمنة وأجهزة تعمية وبرمجيات مصنّفة، ومعدات ملاحة دقيقة.

    وربطت وكالة “DSCA” هذه الصفقة بتعزيز قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فيما شاركت في تنفيذها أربع شركات كبرى هي “جنرال أتوميكس”، و”لوكهيد مارتن”، و”رايثيون”، و”ليوناردو”.

    وتعود أقدم حلقة في هذه السلسلة إلى 14 أبريل 2020، حين وافقت واشنطن على بيع عشرة صواريخ مضادة للسفن تُطلق جوا من طراز “AGM-84L Harpoon Block II”، بقيمة 62 مليون دولار عبر شركة “بوينغ”، بهدف تعزيز قدرة طائرات F-16 المغربية على حماية خطوط الملاحة البحرية الاستراتيجية.

    المغرب بعيون واشنطن: “حليف رئيسي من خارج الناتو”

    في كل واحدة من هذه الشهادات الرسمية، تكرر وزارة الخارجية الأمريكية وصف المغرب بأنه “حليف رئيسي من خارج حلف الناتو “Major Non-NATO Ally”، وهي صفة تحصل عليها الرباط منذ 2004، وتمنحها أولوية في الحصول على المعدات العسكرية الأمريكية وبرامج التمويل والتعاون الدفاعي.

    وتصف الوثائق الرسمية المغرب أيضا بأنه “قوة استقرار سياسي واقتصادي في شمال إفريقيا”، وهي الصيغة التي تتكرر حرفيا في تبريرات هذه الصفقات، من صفقة “هاربون” في 2020 إلى صفقة “ستينغر” في 2025.

    وبقراءة إجمالية لهذه الصفقات الثماني، يتضح أن التسليح الأمريكي للمغرب لم يعد يقتصر على مجال واحد، بل يغطي اليوم مختلف مكونات القوة العسكرية لما فيها الدفاع الجوي قريب المدى (ستينغر)، والقتال الجوي (أمرام)، والضربات الدقيقة “SDB-I” و”JSOW”، والضرب بعيد المدى (هيمارس وأتاكمز)، والحرب المضادة للدروع (جافلين)، والحماية البحرية (هاربون)، والقيادة والتحكم والاتصالات الآمنة “MIDS-JTRS”.

    المغرب بين ست دول أخرى

    لم يكن الملف المغربي وحيدا في الكشف الذي أحالته وزارة الخارجية الأمريكية إلى مجلس الشيوخ يوم 29 يوليوز الماضي، فبحسب السجل الرسمي للكونغرس الأمريكي تضمن هذا الكشف سبع شهادات ترخيص مختلفة، بقيمة إجمالية لا تقل عن 326 مليون دولار.

    وتوزعت على كل من إسبانيا بترخيص بقيمة لا تقل عن 100 مليون دولار وهو أعلى سقف في هذا الكشف، ثم المغرب وكندا والإمارات العربية المتحدة ترخيص مشترك بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار، فالمملكة المتحدة ملفان منفصلان بقيمة إجمالية لا تقل عن 75 مليون دولار، يشملان ترخيصا جديدا بـ50 مليون دولار وتعديلا على ترخيص سابق بـ25 مليون دولار.

    سنغافورة بدورها، نعمت بتعديل ترخيص بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار إلى جانب الجزائر وألمانيا التي حصلت على ترخيص مشترك بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار، وأيضا إسرائيل بترخيص بقيمة لا تقل عن مليون دولار يخص أسلحة نارية وقطع غيارها المصنفة في الفئة الأولى من لائحة الذخائر الأمريكية

    وأُحيلت جميع هذه الشهادات دون استثناء، إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، في إطار الإجراء القانوني نفسه الذي يحكم الترخيص المغربي.

    ماذا يعني هذا التراكم؟

    عند جمع القيم المالية للصفقات الثماني الكبرى الموقعة بين 2020 و2025، نحصل على سقف إجمالي يقترب من 2.2367 مليار دولار (825 + 88.37 + 86 + 260 + 524.2 + 250 + 141.1 + 62 مليون دولار)، وهو رقم يضع المغرب ضمن أبرز الشركاء العسكريين لواشنطن في القارة الأفريقية، ويعكس حسب مراقبين متابعين لملفات التسلح توجها مغربيا واضحا نحو تحديث شامل ومتعدد الأبعاد للترسانة العسكرية، يشمل في الوقت نفسه الدفاع الجوي، والقتال الجوي، والضرب البري بعيد المدى، والحماية البحرية.

    تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل “السقف الأقصى المقدر” لكل صفقة في مرحلة الموافقة المبدئية من وزارة الخارجية الأمريكية، وأن القيمة النهائية الفعلية للعقود قد تكون أقل، بحسب الشروط النهائية للتفاوض والاعتمادات المالية المتاحة وتوقيع الاتفاقيات النهائية، وفق ما توضحه وكالة DSCA في كل بيان من بياناتها الرسمية.

  • بعد أحداث سبتة.. “البام” يرفض “الاتهامات العدمية” لمؤسسات الدولة ويدعو إلى حوار وطني حول الهجرة

    بعد أحداث سبتة.. “البام” يرفض “الاتهامات العدمية” لمؤسسات الدولة ويدعو إلى حوار وطني حول الهجرة

    رفض حزب الأصالة والمعاصرة ما وصفه بـ”التحليلات السطحية المبنية على الاتهامات العدمية” للمغرب أو استغلال أحداث الفنيدق وبني أنصار لـ”تصفية الحسابات” مع مؤسسات الدولة، معترفا في المقابل، باستمرار التحديات التنموية والاجتماعية في البلاد، داعيا إلى حوار وطني ودولي هادئ حول الهجرة، بالتوازي مع تقوية آليات تفكيك عصابات الاتجار بالبشر والتصدي للحملات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي.

    وقال  حزب الأصالة والمعاصرة، في بلاغ توصلت “AM+ MEDIA” بنسخة منه، إنه تابع “بقلق وأسف شديدين الأحداث المأساوية” التي عاشتها منطقتا الفنيدق وبني أنصار الحدوديتان مع سبتة ومليلية المحتلتين، والمجسدة في محاولة اقتحام آلاف المواطنات والمواطنين، وكذلك الأجانب، للسياج الحدودي مع الثغرين المحتلين، وما خلفه ذلك من خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات.

    وأكد الحزب وقع الصدمة والألم البليغين اللذين خلفتهما “تلك الصور اللاإنسانية والحاطة من الكرامة البشرية”، معتبرا أن هذا الملف الشائك “قضية وطنية عميقة”، يتداخل فيها الاجتماعي بالجيوسياسي والثقافي، فضلا عن كونه تحديا وطنيا ودوليا.

    وانطلاقا من ذلك، عبر “الحزب “البام” عن رفضه المطلق “لبعض التحليلات السطحية المبنية على الاتهامات العدمية لبلادنا، أو على تصفية الحسابات بشكل بئيس مع مؤسسات الدولة”، مؤكدا أن تصحيح نظرة الشباب إلى “إغراءات” الهجرة غير النظامية وغير الآمنة مسؤولية أخلاقية وسياسية جماعية، تقع على عاتق الدولة والمجتمع والمؤسسات والأسر والفاعل السياسي والناشط المدني، كما أنها مسؤولية متقاسمة مع بلدان الجوار والمؤسسات الدولية المعنية.

    وفي هذا الإطار، وبعدما هدأ الوضع نسبيا، أكد حزب الأصالة والمعاصرة، وهو يستحضر ثقل المسؤولية وجسامة الأمانة في مثل هذه اللحظات الوطنية العصيبة، تعازيه بأحر التعازي لأسر الضحايا، راجيا من العلي القدير أن يتغمدهم بواسع رحمته ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، كما تمنى الشفاء العاجل للجرحى.

    وثمن الحزب “الحكمة والتبصر” اللذين طبعا تعاطي السلطات العمومية مع هذه الأزمة، وكذا “الشفافية والوضوح في تواصلها مع الرأي العام”.

    وفي ما يتعلق بالشباب، عبر حزب الأصالة والمعاصرة عن تفهمه للقلق الذي يعيشه العديد منهم بسبب انسداد الأفق في وجههم، وكذلك بسبب سوء الفهم والهوة في علاقات الحوار والتواصل المباشر بينهم وبين النخب والمؤسسات، مؤكدا احترام حقهم المطلق في اختياراتهم وانشغالاتهم، وحريتهم في تصوراتهم وبحثهم بمختلف الطرق عن غد أفضل.

    وذكر الحزب بأن موضوع الهجرة “موضوع ملتهب” لدى مختلف الدول الحدودية، التي تعالجه بوطنية عالية ومقاربة شمولية، وفي سياق تعاون أممي ودولي حقيقيين بين الشمال والجنوب، قائم على التوازن والاعتراف بالجهود المتبادلة.

    وفي الوقت الذي اعترف فيه باستمرار التحديات التنموية والاجتماعية في البلاد، عبر حزب “الجرار” عن رفضه الشديد لاستغلال هذه الأحداث من أجل “تحقير المجهود التنموي الكبير الذي عرفته بلادنا في العهد الجديد”.

    واستحضر حزب الأصالة والمعاصرة، في السياق نفسه، “باعتزاز كبير التميز الذي يعرفه المغرب إقليميا وقاريا وجهويا على المستوى الديمقراطي وحرية الرأي والتعبير والتنمية المستدامة”، بفضل “تبصر قائده المفدى جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره، ورؤيته الدبلوماسية العميقة، وجهوده المتواصلة في خدمة شعبه، وترسيخ وطنه كقوة دولية محترمة ومسموعة”.

    وأعلن الحزب “إدانته المطلقة” لأعمال العنف والتخريب والاعتداء على السلطات العمومية والممتلكات العامة والخاصة، مهما كانت الدوافع والذرائع.

    ووجه حزب الأصالة والمعاصرة “تحية إكبار وإجلال للقوات العمومية الوطنية” التي تدبر هذا الملف الملتهب لعقود من الزمن، معتبرا أنها تقوم بذلك “بتضحيات جسام وباحترافية ومهنية عالية تحترم جميع المعايير والمواثيق الدولية، وبشهادة وتنويه مختلف الدول الأوروبية والمؤسسات الأممية”.

    وفي الجانب القضائي، سجل الحزب بإيجابية قيام النيابة العامة المختصة بفتح تحقيق قضائي، من شأنه، بحسب البلاغ، كشف كل ملابسات هذه الفاجعة وترتيب الآثار القانونية.

    ودعا إلى العمل على تقوية وتطوير آليات مواجهة وتفكيك عصابات الاتجار بالبشر، التي اعتبرها “المستفيد الأول من هذه المآسي”، كما طالب بالتصدي الحازم للحملات “المغرضة والمضللة” على منصات التواصل الاجتماعي، والتي قال إنها تستهدف “بث الفتنة وتضليل الشباب ونشر اليأس والإحباط”.

    وأكد الحزب أن قضية الهجرة “قضية بنيوية في المجتمع المغربي”، بسبب موقع البلاد الجغرافي والجيوسياسي من الاتحاد الأوروبي، وباعتبار المغرب بوابة لعبور باقي مواطني القارة الإفريقية نحو الشمال.

    ودعا “البام”، على هذا الأساس، إلى “حوار وطني ودولي هادئ” يستحضر السياقات التاريخية والسياسية والتحديات الأمنية للظاهرة، والأسباب الواقعية للهجرة وسط الشباب، والدوافع الثقافية وتحديات الجوار وعولمة المستقبل، وذلك من أجل بلورة “حلول إقليمية ودولية شمولية ومستدامة للظاهرة”.