لا يضع حزب الأصالة والمعاصرة ملف المعاشات في برنامجه الانتخابي “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة” باعتباره مجرد مطلب اجتماعي مرتبط بالرفع من قيمة الدخل، بل يحاول بناء تصور جديد للحماية الاجتماعية بعد نهاية المسار المهني، منطلقا من فكرة أن واقع معاشات محدودة لا تواكب حاجيات المتقاعدين، ومن وضعية أكثر هشاشة بالنسبة للنساء، خصوصا الأرامل.
وفي مواجهة هذا الواقع، يطرح الحزب معادلة توفير حد أدنى للمعاش في حدود 3000 درهم شهريا، ورفع معاش الأرملة من 50 إلى 100 في المئة من معاش الزوج المتوفى، ابتداء من السنة الثانية من الولاية.
من معاشات ضعيفة إلى حد أدنى مضمون
الأرقام التي يستند إليها البرنامج تكشف أن الأمر لا يتعلق بحالات معزولة، لأن أكثر من 251 ألف مستفيد من المعاش في القطاع العام يتقاضون أقل من 3500 درهم شهريا، فيما يحصل أكثر من 153 ألف مستفيد على أقل من 2000 درهم.
أما في القطاع الخاص، فلا يتجاوز متوسط المعاشات الأساسية حوالي 2100 درهم، بينما يقل ما يقارب 30 في المئة منها عن 1500 درهم.
بالنسبة لخالد حميتي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، فإن هذه الأرقام تعكس اختلالا لا يمكن التعامل معه فقط عبر إجراءات جزئية، لأن المعاش يفترض أن يوفر للمواطن الحد الأدنى من الاستقرار بعد سنوات من العمل.
ومن هنا جاء اختيار الحزب لرقم 3000 درهم باعتباره حدا أدنى جديدا، بدل الاكتفاء بزيادات محدودة لا تعالج أصل المشكلة.
3000 درهم.. قاعدة جديدة للمعاش
ويحمل الالتزام الرابع في برنامج “البام” يحمل عنوانا مباشرا “لا معاش دون 3000 درهم بعد الآن”، دون أن يحصره في نظام تقاعد محدد، بل ينص على ألا يقل أي معاش، أيا كان نظامه، عن 3000 درهم شهريا ابتداء من السنة الثانية من الولاية.
ويريد “البام” الانتقال من منطق معالجة بعض الحالات إلى وضع أرضية دنيا مشتركة، تضمن ألا يتحول التقاعد إلى مرحلة جديدة من الهشاشة الاقتصادية.
وهنا، حسب حميتي، لا يتعلق الأمر فقط برفع مبلغ المعاش، وإنما بإعادة تعريف الوظيفة الاجتماعية لهذا الدخل، ليكون المعاش قادرا على توفير حد أدنى من العيش الكريم، لا مجرد دخل رمزي بعد نهاية العمل.
النساء.. حين يبدأ التفاوت قبل التقاعد
ولا يمكن فصل ملف المعاشات، كما يقدمه البرنامج، عن الفوارق التي تعرفها المسارات المهنية للنساء، إذ يشير إلى أن وضعية النساء أكثر ظلما، بالنظر إلى أن مساراتهن المهنية تكون غالبا أكثر انقطاعا وأقل تصريحا، وهو ما يؤدي في النهاية إلى معاشات أضعف.
بمعنى آخر، فإن التفاوت في المعاش لا يبدأ بالضرورة عند لحظة التقاعد، وإنما يمكن أن يكون نتيجة لمسار مهني كامل عرف فترات انقطاع أو اشتغالا غير مصرح به.
ولهذا، يضع “البام” النساء والأرامل في صلب إصلاحه للمعاشات، بدل التعامل مع الملف باعتباره قضية مالية محضة.
وأبرز تغيير يقترحه الحزب يتعلق بمعاش الأرملة، لأن المستفيدات يحصلن حاليا على 50 في المئة من معاش الزوج المتوفى، بينما يلتزم “البام” برفع هذه النسبة إلى 100 في المئة.
ويكتسب رفع المعاش الأراما بعدا يتجاوز قيمة النسبة نفسها، فوفاة الزوج قد تعني بالنسبة للأسرة فقدان جزء أساسي من مواردها، وبالتالي فإن الإبقاء على نصف المعاش قد يزيد من هشاشتها الاجتماعية والاقتصادية.
من هذا المنطلق، يرى خالد حميتي أن إنصاف الأرامل لا يمكن أن يبقى منفصلا عن إصلاح منظومة التقاعد، لأن الحماية الاجتماعية تقاس أيضا بقدرتها على حماية الأسرة عندما تفقد أحد مصادر دخلها.
من الالتزام إلى سؤال التمويل
لكن رفع الحد الأدنى للمعاشات وتعميمه على مختلف الأنظمة يطرح بشكل طبيعي سؤال الكلفة، لذلك لا يفصل برنامج الأصالة والمعاصرة هذه الالتزامات عن تصوره العام لتمويل “تغيير المسار”.
ويقدر الحزب الكلفة الإضافية التراكمية لبرنامجه بحوالي 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا، فيما يخصص 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية الذي يندرج ضمنه التزام المعاشات.
وفي المقابل، يراهن البرنامج على النمو الاقتصادي باعتباره أحد مصادر التمويل، مع استهداف معدل نمو متوسط في حدود 5 في المئة سنويا، إلى جانب توسيع الوعاء وتقوية آليات المراقبة، بما يقدر الحزب أنه يمكن أن يوفر حوالي 300 مليار درهم إضافية خلال خمس سنوات.
وبالنسبة لحميتي، فإن أهمية الالتزام لا تكمن فقط في الإعلان عن رفع المعاشات، وإنما في القدرة على تحويله إلى سياسة مستدامة، مرتبطة بمصادر تمويل واضحة وباختيارات اقتصادية تسمح باستمرارها.

اترك تعليقاً