بناء الرأسمال البشري.. “البام” يراهن على فكّ القطيعة بين التكوين وسوق الشغل

كُتب بواسطة

في

,

لا تقاس قوة الاقتصادات الحديثة فقط بما تنتجه من ثروات، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة والتكوين إلى إنتاجية والاستثمار في الإنسان إلى نمو اقتصادي مستدام، فوسط التحولات التكنولوجية المتسارعة وتسارع المهن الجديدة وتراجع أخرى، لم يعد امتلاك شهادة كافيا لضمان الاندماج في سوق الشغل.

ولم يعد خلق فرص العمل وحده كفيلا بخفض البطالة، إذا ظلت المهارات التي ينتجها نظام التعليم والتكوين بعيدة عن احتياجات الاقتصاد، فيما لم يعد الرأسمال البشري مفهوما اجتماعيا أو تربويا فحسب، بل أصبح أحد أهم محددات التنافسية والسيادة الاقتصادية للدول.

في المغرب، تكشف هذه المعادلة عن مفارقة لافتة، فمن جهة يواصل الاقتصاد الوطني توسيع استثماراته في قطاعات صناعية وخدماتية ذات قيمة مضافة مرتفعة، ومن جهة أخرى، ما تزال العديد من المقاولات تعلن صعوبة في استقطاب الكفاءات التي تحتاجها، في وقت تستمر فيه معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، عند مستويات مرتفعة.

بناء عليه، خصص العرض السياسي لـ “البام” ضمن رؤية “المغرب الصاعد” محورا كاملا لبناء رأسمال بشري مؤهل وخالق للقيمة، من خلال مقاربة تعتبر أن التعليم والتكوين المهني والتشغيل والحكامة ليست سياسات منفصلة، بل حلقات ضمن سلسلة واحدة تحدد في النهاية قدرة البلاد على خلق الثروة ورفع الإنتاجية وتحسين قابلية الشباب للإدماج المهني.

 ومن هذا المنطلق، اقترحت الوثيقة، التي اطلعت “AM+ MEDIA” على نسخة منها، إعادة تنظيم العلاقة بين هذه المكونات عبر تطوير مسارات التكوين والاستجابة لحاجيات سوق الشغل، وأيضا من خلال إرساء حكامة مندمجة تقود سياسات الرأسمال البشري بمنطق النتائج وتربط الاستثمار في الإنسان بالأثر الاقتصادي الذي ينتجه.

مهارات في واد وسوق الشغل في واد آخر

لا يتعلق الخلل في هذا السياق، بندرة الكفاءات بقدر ما يتعلق بعدم توافقها مع التحولات التي يعرفها الاقتصاد. فخلال السنوات الأخيرة، شهد المغرب توسعا في قطاعات صناعية وخدماتية جديدة، من صناعة السيارات والطيران إلى الصناعات الكهربائية والرقمية والطاقات المتجددة، وهي قطاعات تتطلب مهارات تقنية متخصصة وقدرة على التكيف السريع مع التطور التكنولوجي.

وفي المقابل، ما تزال منظومة التكوين في عدد من المجالات تشتغل بإيقاع أبطأ من إيقاع السوق وهو ما يفسر استمرار الحديث في الوقت نفسه عن بطالة في صفوف الشباب وصعوبات تواجهها المقاولات في استقطاب اليد العاملة المؤهلة.

هذه المفارقة لا تعني أن الاقتصاد لا يخلق فرصا للشغل، كما لا تعني أن منظومة التكوين عاجزة عن إنتاج الكفاءات لكنها تكشف أن العلاقة بين الطرفين ما تزال تعاني اختلالا هيكليا فالفاصل الزمني بين ظهور المهن الجديدة وتكييف مسارات التكوين معها يظل طويلا، فيما تتغير حاجيات المقاولات بوتيرة أسرع بفعل التحول الرقمي والأتمتة الصناعية والانتقال نحو اقتصاد أكثر اعتمادا على التكنولوجيا، ونتيجة لذلك، يجد جزء من الشباب نفسه أمام مؤهلات لا تستجيب بشكل كامل لما يطلبه سوق الشغل بينما تجد المقاولات نفسها أمام وظائف شاغرة يصعب ملؤها بالكفاءات المناسبة.

من هذا التشخيص، اقترح مشروع “المغرب الصاعد” إعادة بناء العلاقة بين التكوين والتشغيل انطلاقا من منطق مختلف يقوم على تقليص المسافة بين المؤسسة التكوينية والمقاولة، وجعل مسارات التأهيل أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة للتحولات الاقتصادية.

لذلك، يدعو إلى نشر مسارات تكوين مهنية قصيرة، مرنة، ومانحة لشهادات، موجهة أساسا نحو المهن التي تعرف خصاصا هيكليا، مثل الهندسة الكهربائية، والأتمتة الصناعية، والصيانة الصناعية، واللحام عالي الدقة، وهي تخصصات يعتبرها العرض السياسي من بين أكثر المجالات ارتباطا بالتحولات الصناعية التي يشهدها المغرب.

ويأتي هذا التوجه في سياق إطلاق برنامج “CAP Compétences 2030″، الذي حظي في سنة 2026 بتمويل من البنك الإفريقي للتنمية بقيمة 200 مليون أورو، ويهدف إلى تحسين جودة وملاءمة التكوين المهني، وتعزيز قابلية الإدماج في سوق الشغل، انسجاما مع خارطة الطريق الوطنية للتشغيل ورؤية 2030، فيما يشير خبراء الأصالة والمعاصرة الانتخابي في هذا السياق، إلى أن الاعتمادات التي رُصدت في قانون المالية لسنة 2025 بلغت 15 مليار درهم لفائدة التشغيل والتكوين، مع اقتراح تعبئة ملياري درهم إضافيين سنويا إلى غاية سنة 2029

مجلس الحسابات يشع أصبعه على الخلل

لا ينطلق هذا التوجه من فراغ، ولا من مجرد تقدير سياسي لحاجيات سوق الشغل، بل يجد جزءا من مبرراته في خلاصات المجلس الأعلى للحسابات، ففي تقريره برسم سنتي 2024-2025، اعتبر المجلس أن تنزيل خارطة الطريق الخاصة بالتكوين المهني لسنة 2019 ظل يعاني اختلالات تحد من قدرته على تحقيق الأهداف المعلنة، وفي مقدمتها غياب أهداف استراتيجية دقيقة وقابلة للقياس، وضعف التمويل المخصص لمسارات التكوين القصيرة، إلى جانب محدودية آليات التتبع والتقييم. وبعبارة أخرى، ولم يشكك التقرير في أهمية التكوين المهني بقدر ما سلط الضوء على الفجوة بين الرؤية وآليات التنفيذ.

ويكتسي هذا التشخيص أهمية خاصة لأن الاقتصاد المغربي يعيش مرحلة توسع في قطاعات صناعية وتكنولوجية تتطلب كفاءات متخصصة بوتيرة أسرع من قدرة المنظومة الحالية على إنتاجها، فكل تأخر في ملاءمة التكوين مع احتياجات هذه القطاعات لا ينعكس فقط على فرص إدماج الشباب وإنما أيضا على تنافسية المقاولات، وقدرتها على مواكبة الاستثمارات الجديدة، واستقطاب مشاريع ذات قيمة مضافة أعلى.

في هذا السياق، يحاول مشروع “المغرب الصاعد” معالجة بعض الاختلالات التي رصدها المجلس، من خلال الانتقال من منطق البرامج العامة إلى تحديد أهداف كمية مؤطرة زمنيا، وربطها بتمويل متعدد السنوات، وتوجيه التكوين نحو المهن التي تعرف خصاصا هيكليا. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل رهينا بقدرتها على تحويل هذه الأهداف إلى نتائج قابلة للقياس، لأن التحدي، في نهاية المطاف، لا يكمن في إحداث مسارات تكوين جديدة، وإنما في قدرتها على تقليص الفجوة بين العرض والطلب داخل سوق الشغل.

حين تتوزع المسؤولية ويغيب التنسيق

إذا كانت معضلة المهارات ترتبط بما تنتجه منظومة التعليم والتكوين، فإن معضلة الحكامة ترتبط بالطريقة التي تدار بها هذه المنظومة، فاليوم تتقاسم خمس مؤسسات مسؤولية قطاعات التعليم، والتكوين المهني، والتشغيل، دون وجود قيادة موحدة تجمع بينها أو تضمن انسجام سياساتها.

ونتيجة لذلك، تتوزع المعطيات وتتعدد مراكز القرار، بينما يظل الانتقال من المدرسة إلى سوق الشغل يمر عبر مؤسسات تعمل، في كثير من الأحيان، بمنطق متواز أكثر منه بمنطق متكامل.

وأشار “البرنامج “البام” إلى أن هذا التشتت لا يقتصر على توزيع الاختصاصات، بل يمتد إلى غياب منصات مؤسساتية منتظمة لتبادل المعلومات بين مختلف الفاعلين، وتداخل الأدوار بين وزارة التشغيل، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والجماعات الترابية، والشركاء الاجتماعيين، ويؤدي ذلك، وفق التصور المعروض إلى إضعاف قدرة الدولة على بناء سياسة متكاملة للرأسمال البشري، رغم توفر كل مؤسسة على جزء من المعطيات أو الصلاحيات.

وانطلاقا من هذا التشخيص، اقترح المشروع إحداث هيئة وطنية مندمجة للرأسمال البشري، تضم قطاعات التربية الوطنية، والتعليم العالي، والتكوين المهني، والتشغيل، والإدماج الاقتصادي، مع منحها صلاحيات للتحكيم في توزيع الموارد وتتبع النتائج. كما يدعو إلى بناء لوحة قيادة وطنية موحدة تجمع لأول مرة بين نتائج التلاميذ في الاختبارات الدولية، ومعدلات الإدماج المهني حسب الشعب، ومعدلات النشاط حسب الجنس والجهة، بعدما ظلت هذه المؤشرات موزعة بين مؤسسات متعددة، وهو ما يجعل تقييم أثر السياسات العمومية يتم بشكل مجزأ أكثر منه بشكل شمولي.

ومن هذا المنطلق، تتجاوز الإجراءات المقترحة منطق إصلاح كل قطاع على حدة، لتقترح إعادة بناء العلاقة بين مكونات المنظومة بأكملها، فالتكوين لا يكتسب قيمته بعدد المستفيدين منه، بل بقدرته على إنتاج المهارات التي يحتاجها الاقتصاد، والحكامة لا تقاس بعدد المؤسسات المتدخلة، بل بقدرتها على العمل وفق رؤية موحدة تقودها النتائج لا الاختصاصات الإدارية وبين هذين الرهانين تتحدد قدرة المغرب على تقليص الفجوة بين المدرسة والمقاولة، وبين الشهادة والإنتاج، وبين الاستثمار في الإنسان والقيمة التي يخلقها داخل الاقتصاد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *