قُبيل أسابيع من الانتخابات التشريعية، حضرت المناصفة بقوة في خطابات الأحزاب السياسية، وتعددت البرامج واللقاءات الموجهة لتأهيل النساء للمشاركة السياسية، بالتوازي مع مقترحات لرفع تمثيليتهن داخل مجلس النواب وتوسيع حضورهن في مواقع القرار.
لكن الاختبار الفعلي لهذا الخطاب بدأ مع توزيع التزكيات، فبعيدا عن الدوائر الجهوية التي عززت حضور النساء داخل البرلمان، تضع الدوائر المحلية الأحزاب أمام حساب انتخابي مختلف: كم امرأة حصلت فعلا على فرصة قيادة لائحة والدخول في منافسة مباشرة على مقعد برلماني؟
وإلى حدود الترشيحات المعلنة، بدأت الإجابة تتشكل من خلال الأرقام، فحزب الأصالة والمعاصرة حسم سبع تزكيات نسائية في الدوائر المحلية، فيما أعلن التقدم والاشتراكية عن ست نساء ضمن قائمة أولية شملت 80 دائرة، ووضع الاتحاد الاشتراكي 5 نساء ضمن لائحة مرشحيه، بينما زكى العدالة والتنمية 4 نساء، ومثلهن بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، فيما لم تكشف باقي الأحزاب عن اللوائح الكاملية لمرشحيها.
ورغم أن الخريطة الكاملة لترشيحات الأحزاب لم تكتمل بعد، لكنها تسمح بنقل النقاش من عدد النساء الحاضرات في الأحزاب إلى موقعهن داخل المنافسة نفسها، لاختبار مواقف المغاربة من القيادة السياسية للنساء.
أحكام مسبقة وأزمة أعمق
كشف الباروميتر العربي في مارس الماضي عن مفارقة في مواقف المغاربة من القيادة السياسية للنساء، فقد وافق 57 في المئة من المستجوبين على المقولة التي تفيد بأن الرجال، عموما في المئة، أفضل من النساء في القيادة السياسية.
ولا تمثل هذه النسبة مجرد استمرار لموقف سابق، بل ارتفاعا بثماني نقاط مقارنة بسنة 2022، حين بلغت 49 في المئة، وبـ22 نقطة مقارنة بسنة 2018، حين لم تتجاوز 35 في المئة، كما تظهر النتائج فجوة كبيرة بين الجنسين، إذ إن 68 في المئة من الرجال وافقوا على المقولة، مقابل 46 في المئة من النساء.
لكن الميل إلى تفضيل القيادة الذكورية لا يقترن برفض مماثل للآليات القانونية الداعمة لحضور النساء، فقد أيد 71 في المئة تخصيص حصة للنساء في البرلمان، وأيد 70 في المئة “كوطا” نسائية داخل الحكومة، فيما اعتبر 73 في المئة أن وجود النساء في مواقع القيادة يساهم في النهوض بحقوق النساء، وترتفع هذه النسبة إلى 84 في المئة لدى النساء، مقابل 61 في المئة لدى الرجال.
توحي هذه الأرقام بوجود فصل في الوعي العام بين الصورة النمطية عن «القائد السياسي الأفضل» وبين القبول بضرورة ضمان تمثيل النساء مؤسساتيا في المئة. فجزء من المواطنين قد يشكك في كفاءة القيادة النسائية بصورة مجردة، لكنه يرى في الكوتا وسيلة مشروعة لتصحيح الاختلال القائم. وقد يفسر ذلك استمرار الحاجة إلى اللوائح المخصصة للنساء، مقابل الصعوبات التي تواجهها المرشحات في المنافسات المحلية المباشرة، حيث يمكن للأحكام المسبقة أن تصبح أكثر تأثيرا في المئة.
أُنجز البحث ميدانيا بين 11 دجنبر 2023 و30 يناير 2024، وشمل 2,411 مواطنا في المئة ومواطنة من مختلف جهات المغرب، عبر مقابلات مباشرة وعينة احتمالية متعددة المراحل ممثلة وطنيا في المئة، بهامش خطأ قدره نقطتان مئويتان.
لذلك تقيس النتيجة اتجاهات عامة في الرأي، ولا تعني أن 57 في المئة سيرفضون بالضرورة التصويت لامرأة بعينها، كما أنها ليست مقياسا لمواقف الناخبين خلال حملة انتخابات 2026.
سبع مرشحات ومسارات مختلفة لاختبار واحد
تضم خريطة الترشيحات المحلية لحزب الأصالة والمعاصرة سبع نساء موزعات على أكثر من جهة، هن فاطمة الزهراء المنصوري بدائرة المدينة-سيدي يوسف بن علي بمراكش، ونجوى كوكوس بالدار البيضاء-أنفا، ومنال بديل ببرشيد، وإيمان الماوي بورزازات، وحنان الماسي بتارودانت الشمالية، وزينب السيمو بالعرائش، وبشرى الوردي بتيفلت-الرماني.
ولا تأتي الأسماء السبعة من المسار السياسي نفسه، إذ تجمع بينها تجارب في القيادة الحزبية والتدبير المحلي والعمل البرلماني والحضور الميداني، لكنها تلتقي عند موقع واحد، هو قيادة اللائحة المحلية وتحمل مسؤولية المنافسة المباشرة داخل الدائرة.
فالمنصوري تدخل الاستحقاق من موقعها منسقة للقيادة الجماعية للحزب ورئاسة مجلس جماعة مراكش، فيما تنتقل كوكوس، رئيسة المجلس الوطني، إلى المنافسة في دائرة أنفا بالدار البيضاء، وتدخل منال بديل السباق من تجربة في التدبير المحلي ببرشيد، بينما تحمل بشرى الوردي معها تجربة في رئاسة المجلس الإقليمي للخميسات.
وفي العرائش وورزازات وتارودانت، تدخل زينب السيمو وإيمان الماوي وحنان الماسي المنافسة بعد تجربة برلمانية خلال الولاية الحالية، ما يضع أمامهن اختبارا آخر لتحويل الرصيد المؤسساتي والميداني الذي راكمنه إلى منافسة مباشرة أمام الناخبين.
هل أصبحت “الكوطا” منصة إقلاع؟
تظهر أهمية هذا الانتقال عند العودة إلى نتائج انتخابات 2021، التي أفرزت ذلك الاستحقاق وصول 96 امرأة إلى مجلس النواب من أصل 395 عضوا، أي ما يقارب ربع تركيبة المجلس، غير أن توزيع المقاعد يكشف صورة مختلفة، إذ وصلت 90 امرأة عبر الدوائر الجهوية، مقابل ست نساء فقط استطعن الفوز عبر الدوائر المحلية.
بمعنى آخر، مقابل كل امرأة وصلت إلى البرلمان من دائرة محلية، وصلت 15 امرأة عبر الدوائر الجهوية.
ولا يقلل هذا الفارق من وظيفة آليات التمييز الإيجابي في رفع التمثيلية النسائية، لكنه يفتح سؤال المرحلة التالية، فالمرأة التي تدخل البرلمان عبر دائرة جهوية وتقضي ولاية كاملة في التشريع والرقابة والترافع، يفترض أن تخرج منها برصيد سياسي يمكن اختباره لاحقا في دائرة محلية، غير أن هذا الاختبار ما يزال يثير توجس الأحزاب، التي تكتفي ترشيحات قليلة في اللوائح المحلية.
2021.. حين انتهت المنافسة المحلية بست فائزات
إذا كانت التزكيات تكشف اختيارات الأحزاب، فإن نتائج 2021 تظهر حجم الصعوبة التي تبدأ بعد الحصول عليها.
فالنساء الست اللواتي فزن عبر الدوائر المحلية في ذلك الاستحقاق توزعن على ثلاثة أحزاب فقط، أربع منهن كن مرشحات باسم الأصالة والمعاصرة، تتزعمهن فاطمة الزهراء المنصوري بمراكش، وبديعة الفيلالي بوجدة أنجاد، وخديجة حجوبي بفاس الشمالية، وفاطمة الزهراء بنطالب بمراكش أيضا، فيما فازت مريم وحساة باسم التقدم والاشتراكية في بني ملال، وحنان عدباوي باسم حزب الاستقلال في تيزنيت.
وهكذا، لم يكن الفارق بين النساء والرجال موجودا فقط عند توزيع التزكيات، بل ظهر بصورة أكبر عند إعلان النتائج، بعدما انتهت المنافسة المحلية على الصعيد الوطني بست نائبات فقط.
وبالنسبة للأصالة والمعاصرة، تنتقل الخريطة في 2026 من أربع وكيلات للوائح المحلية في الاستحقاق السابق إلى سبع هذه المرة، مع عنصر إضافي يتمثل في دخول برلمانيات راكمن تجربة خلال الولاية الحالية إلى المنافسة المحلية.
التزكية ليست فرصة متساوية
غير أن عدد وكيلات اللوائح لا يكفي وحده لقياس موقع النساء في المنافسة، فالدوائر المحلية ليست متساوية في وزنها ولا في فرص الفوز بها.
وتختلف القيمة السياسية للتزكية بين دائرة يتوفر فيها الحزب على حضور انتخابي وتنظيمي متراكم، وأخرى يدخلها من موقع أضعف، يضاف إلى ذلك تدخل في الحساب قوة المرشحة نفسها، وعلاقتها بالدائرة، وحضورها الميداني، وهوية المنافسين الذين ستواجههم.
وتتوزع الأسماء النسائية السبعة في حالة الأصالة والمعاصرة بين مراكش والدار البيضاء والعرائش وبرشيد وتيفلت-الرماني وورزازات وتارودانت، وهي دوائر تختلف في تركيبتها وتوازناتها، كما تختلف المواقع التي تدخل منها كل مرشحة إلى المنافسة.
وقبل الوصول إلى مرحلة التزكيات، يكاد الخطاب الحزبي يلتقي حول ضرورة توسيع مشاركة النساء في السياسة ورفع حضورهن داخل المؤسسات المنتخبة، لكن توزيع الدوائر ينقل هذا الالتزام إلى مستوى آخر.
الخريطة الحالية ترتيبا نهائيا، لكنها تقدم أول اختبار قابل للقياس للمسافة بين ما أعلنته الأحزاب بشأن المناصفة وبين اختياراتها عند توزيع فرص المنافسة.
أما الاختبار الثاني فسيأتي يوم 23 شتنبر، عندما تنتقل الأرقام من عدد النساء اللواتي حصلن على وكالة لائحة إلى عدد اللواتي استطعن تحويل هذه الفرصة إلى مقعد برلماني.
بارومتر لقياس التمثيلية السياسية للنساء
وأمام الانتقادات التي توجه للفرص التي تمنح للنساء في مشهد سياسي يغلب عليه الطابع الذكوري، أطلقت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، في يوليوز المنصرم، “بارومتر التمثيلية السياسية للنساء”، باعتباره آلية لرصد أداء الأحزاب وقياس مدى ترجمتها لخطاب المساواة والمناصفة إلى ممارسات تنظيمية وانتخابية ملموسة.
ولا يتعلق الأمر باستطلاع للرأي، بل بأداة تقييم تجمع بين مؤشرات كمية وأخرى نوعية، يفترض أن تفضي إلى تقرير وطني وترتيب علني للأحزاب بحسب درجة التزامها بالتمكين السياسي للنساء.
ويرتكز البارومتر على خمسة محاور، يتعلق الأول بالالتزام السياسي للحزب، من خلال حصيلته في تمثيل النساء، وبرامجه ومواقفه من الإصلاحات القانونية المرتبطة بالمناصفة.
ويختبر المحور الثاني حكامة الترشيحات، سيما نسبة النساء في الدوائر المحلية، وشفافية معايير الاختيار، والانفتاح على القيادات النسائية، وإعادة ترشيح البرلمانيات والمنتخبات اللواتي راكمن تجربة سياسية، في حين يقيس المحور الثالث ما تحصلت عليه المرشحات من دعم مالي ولوجستي وتكويني، ومدى تكافؤ شروط الحملة بينهن وبين المرشحين الرجال.
ويرصد المحور الرابع حضور النساء والقيادات النسائية في الخطاب السياسي والإعلامي للأحزاب، بينما يتناول الخامس آليات الوقاية من العنف السياسي ضد النساء والتبليغ عنه والتكفل بضحاياه، سواء داخل التنظيمات الحزبية أو خلال الانتخابات.

اترك تعليقاً