إذا كان مفهوم القوة في الدولة يقاس تقليديا بقدراتها العسكرية أو الأمنية، فإن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش قدم تصورا مختلفا لهذا المفهوم، يقوم على اعتبار الاقتصاد والإنتاج والابتكار والتكنولوجيا مكونات أساسية للأمن الوطني.
ولم يتناول الخطاب الملكي السامي النمو والاستثمار والصناعة باعتبارها ملفات اقتصادية منفصلة، بل وضعها ضمن رؤية متكاملة تجعل من بناء اقتصاد قوي الطريق الأنجع لتعزيز السيادة الوطنية.
وحرص جلالة الملك على رسم الإطار الذي ستندرج فيه مختلف الرسائل الاقتصادية، عندما أكد أن المغرب يعيش “مرحلة فاصلة في المسار التنموي”، وأن المطلوب هو أن “تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط”، قبل أن يضع الاستقرار في صلب معادلة التنمية بقوله إن “الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن”، مضيفا أن “الاستقرار اليوم هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب”.
وفي قراءة لمضامين الخطاب، يرى الخبير الاقتصادي خالد حمص أن الرسالة الأساسية تتمثل في انتقال مفهوم السيادة من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي، موضحا أن “الربط الذي أقامه جلالة الملك بين النمو الاقتصادي والسيادة الوطنية يعكس تطورا مهما في الرؤية الاستراتيجية للدولة. فمفهوم السيادة لم يعد يقتصر على أبعاده السياسية أو العسكرية، بل أصبح يشمل أيضا السيادة الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية والطاقية والمالية. فالدول التي لا تمتلك قاعدة إنتاجية قوية، ولا تتحكم في التكنولوجيا وسلاسل القيمة، تبقى أكثر عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية”.
الأمن الاقتصادي يبدأ من الاستقرار
قبل أن يستعرض المؤشرات الاقتصادية، توقف الخطاب الملكي السامي عند عنصر اعتبره الأساس الذي تُبنى عليه باقي الإنجازات، وهو الأمن والاستقرار، مشددا على أن المغرب يظل متميزا بما ينعم به من أمن واستقرار، وبما تتميز به مؤسسات الدولة من “نجاعة وفعالية”، مؤكدا أن هذا ما مكّن المملكة من رفع التحديات، وإنجاح التظاهرات الدولية، والتعامل الاستباقي مع الكوارث الطبيعية، كما حدث خلال الفيضانات التي عرفتها مناطق الغرب والشمال.
ويظهر التحول في مفهوم القوة بشكل أوضح في الطريقة التي رتب بها الخطاب مختلف القطاعات، فقد بدأ بالإشارة إلى الموسم الفلاحي الجيد، معتبرا أنه ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي، قبل أن ينتقل إلى الصناعة والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، ثم الصناعات الغذائية والدوائية، وصولا إلى الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.
هذا التسلسل يعكس رؤية تعتبر أن أمن الدولة يبدأ من قدرتها على إنتاج غذائها وتأمين مواردها المائية، ثم يتوسع ليشمل امتلاك قاعدة صناعية متقدمة، وصولا إلى التحكم في التكنولوجيا والفضاء الرقمي.
فالخطاب أكد أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت “ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني”، ليس فقط لأنها تستقطب الاستثمار، بل لأنها تخلق الثروة وفرص الشغل، وترفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
السيادة الصناعية في مواجهة عالم مضطرب
ويبرز البعد الاستراتيجي لهذا التوجه في الفقرة التي تناول فيها جلالة الملك التحولات الدولية، حيث قال: “في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورا للتنمية الصناعية”.
ويعتبر خالد حمص أن هذا التوجه يعكس إدراكا للتحولات العالمية، موضحا أن “الأزمات المتلاحقة، من جائحة كوفيد-19 إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية، كشفت أن الأمن الاقتصادي أصبح جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي”، لافتا إلى أنه “الاستثمار في الصناعة، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والصناعات الدفاعية، والصناعات الدوائية، لم يعد مجرد خيار تنموي، بل أصبح ركيزة لتعزيز استقلالية القرار الوطني”.
ويترجم الخطاب هذا التوجه بأرقام واضحة، حين يشير إلى أن الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي حوالي 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، بما يعكس سعيا لتقليص التبعية للخارج وتعزيز الاكتفاء الاستراتيجي.
التمويل… الحلقة الحاسمة في التحول
ورغم استعراض الإنجازات الصناعية، لم يغفل الخطاب الإشارة إلى أن نجاح هذا التحول يبقى رهينا بوجود منظومة تمويل قادرة على مواكبته، لذلك دعا جلالة الملك القطاع المالي إلى “إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير”، مع تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.
ويرى خالد حمص أن هذه الدعوة تعكس انتقالا من مرحلة الاستثمار العمومي إلى مرحلة تعبئة التمويل الوطني لدعم الاقتصاد الإنتاجي، موضحا أن “الانتقال نحو اقتصاد صناعي وابتكاري يتطلب تعبئة موارد مالية كبيرة ومتنوعة، ما يستدعي تعزيز دور الأبناك، وسوق الرساميل، ورأس المال الاستثماري، وتمويل المقاولات الناشئة، مع توجيه التمويل نحو المشاريع ذات القيمة المضافة العالية”.
ويضيف أن نجاح هذه الرؤية يقتضي أيضا مواصلة إصلاحات موازية تشمل تطوير الرأسمال البشري، وتشجيع البحث العلمي، وتسريع التحول الرقمي، والرفع من نسبة الاندماج الصناعي المحلي، وتحسين مناخ الأعمال، حتى يصبح الاقتصاد الوطني أكثر قدرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
القوة تقاس بقدرة الدولة على الصمود
ولا يكتفي الخطاب بإبراز التحول الاقتصادي باعتباره هدفا تنمويا داخليا، بل يقدمه أيضا كرافعة للمكانة الدولية للمغرب، فحين يؤكد جلالة الملك أن المملكة أصبحت “فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل”، فإنه يربط بوضوح بين الأداء الاقتصادي والوزن الجيوسياسي، بما يجعل تنامي القدرة الإنتاجية وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني عاملين أساسيين في توسيع هامش الحركة الدبلوماسية للمغرب وترسيخ موقعه كشريك إقليمي ودولي موثوق.
وفي تقدير الخبير الاقتصادي خالد حمص، فإن نجاح هذا التحول لن يقاس فقط بارتفاع معدلات النمو، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين.
ويبرز بهذا الصدد أن “نجاح هذه الرؤية لن يُقاس فقط بارتفاع معدلات النمو، وإنما بقدرتها على خلق فرص شغل ذات جودة، ورفع الإنتاجية، وتحسين دخل الأسر، وزيادة الصادرات الصناعية، وتعزيز تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية”، مؤكدا أن “ذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح التحول نحو اقتصاد أكثر تنافسية وأكثر سيادة وأكثر استدامة”.

اترك تعليقاً