الصحراء بوابة اقتصادية.. بريطانيا تكشف قفزة في المبادلات التجارية مع المغرب عقب تأييد الحكم الذاتي

لم يتأخر الموقف البريطاني الجديد من قضية الصحراء المغربية في ترك أثره خارج لغة البيانات الدبلوماسية، فبعد تأييد لندن لمبادرة الحكم الذاتي، بدأت الوثائق الاقتصادية الرسمية تتعامل مع المغرب بأرقام تشمل أقاليمه الجنوبية، في تحول يكتسب دلالته من الجهة التي تصدر عنها هذه البيانات ومن المجالات التي تغطيها.

أحدث تقرير لوزارة الأعمال والتجارة البريطانية، الذي اطلعت عليه جريدة “AM+MEDIA”، قدم مؤشرا واضحا على ذلك، فإلى جانب تسجيل المبادلات التجارية بين المغرب والمملكة المتحدة مستوى 5.3 مليارات جنيه إسترليني خلال الفصول الأربعة المنتهية في مارس 2026، بارتفاع 16.7 في المئة، حرصت الوثيقة على التنصيص صراحة على أن بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية الخاصة بالمغرب تشمل الصحراء.

واللافت أن الأمر لا يتعلق بملاحظة عابرة وردت في هامش جدول واحد، ذلك أن العبارة نفسها تتكرر كلما انتقلت الوثيقة من مؤشر إلى آخر بما فيها إجمالي المبادلات، وتجارة السلع، وتجارة الخدمات، وحصة السوق والاستثمار الأجنبي المباشر، أي أن الصحراء باتت حاضرة ضمن المعطيات التي تقيس بها المؤسسات البريطانية علاقتها الاقتصادية مع المغرب.

وفي هذا الاتجاه، يتجاوز التقرير 5.3 مليارات جنيه إسترليني، فبعد التحول الذي طرأ على موقف لندن من مبادرة الحكم الذاتي، ودعمها المباشر للموقف المغربي، تكشف الأرقام البريطانية عن مستوى آخر من هذا التقارب، أكثر التصاقا بالممارسة المؤسساتية والاقتصادية.

من “وضع غير محدد” إلى دعم “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

التفصيل الإحصائي السالف الذكر، لا يأت من فراغ، بل يعكس تحولا سياسيا جوهريا طرأ على الموقف البريطاني الرسمي من قضية الصحراء المغربية خلال العام الماضي، فحتى يونيو 2025، كانت الحكومات البريطانية المتعاقبة تصف وضع الصحراء بأنه “غير محدد” وتعتمد كلمة “undetermined” في جل تقاريرها الرسمية.

كان ذلك، قبل أن يعلن وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد لامي، خلال زيارته للرباط في فاتح يونيو 2025 على رأس الدورة الخامسة للحوار الاستراتيجي المغربي البريطاني، تبني لندن موقفا جديدا يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي قدمها المغرب سنة 2007، “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية لحل دائم ومتفق عليه لنزاع الصحراء”.

وقد تضمن البيان المشترك الموقّع بين الرباط ولندن بالمناسبة فقرة صريحة بعنوان “الصحراء: دعم مخطط الحكم الذاتي المغربي”، أن المملكة المتحدة، بصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، “تتفق مع المغرب على الحاجة الملحة لإيجاد حل لهذا النزاع الطويل”، وأن لندن “مستعدة وملتزمة بتقديم دعمها الفعلي لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحد، كما نص البيان المشترك على استعداد بريطانيا لدراسة دعم مشاريع في الصحراء عبر هيئة ضمان الصادرات البريطانية (UKEF)، شرط استيفاء معايير العناية الواجبة.

ومن الناحية القانونية الرسمية فإن الممارسة الدبلوماسية والإحصائية البريطانية اللاحقة، سارت عمليا في اتجاه معاملة الصحراء باعتبارها جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي في المعاملات الرسمية، وعلى رأسها البيانات التجارية التي تنشرها وزارة الأعمال والتجارة.

وتوالت المحطات التي رسّخت هذا المنحى، ففي 31 أكتوبر 2025 صوتت المملكة المتحدة إلى جانب 10 دول أخرى في مجلس الأمن الدولي لصالح القرار 2797، الذي جدد مهمة “المينورسو” حتى أكتوبر 2026، واعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق” للنزاع، في تصويت لم تعترضه سوى اختيار الجزائر حاضنة الجبهة الانفصالية بعدم المشاركة في التصويت والامتناع عن تأييد القرار بصفتها طرفا غير عضو، وامتناع كل من روسيا والصين وباكستان كأعضاء في المجلس عن التصويت.

من جانبها، عبّرت السفيرة البريطانية في تعليل التصويت عن “ترحيب المملكة المتحدة باعتماد هذا القرار”، مؤكدة أن لندن “تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية لحل” النزاع، وفق ما جاء في بلاغ للحكومة البريطانية لاحقا.

وفي دجنبر 2025، جدد فالكونر تأكيد دعم بلاده لهذا المسار، قبل أن تأتي أحدث محطة في أبريل 2026، حين أعادت وزيرة الخارجية البريطانية الحالية، إيفيت كوبر، التأكيد أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تظل “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية للسلام في الصحراء”، خلال محادثات مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في لندن، في إشارة وتأكيد متواصل لاستمرارية هذا الموقف رغم تغيّر الأسماء على رأس الدبلوماسية البريطانية.

أرقام قياسية في التبادل التجاري

بحسب التقرير الإحصائي الرسمي للوزارة البريطانية الوصية، الذي اطلعت عليه “AM+MEDIA”، بلغت الصادرات البريطانية نحو المغرب 2.6 مليار جنيه إسترليني خلال الفصول الأربعة المنتهية في مارس 2026، أي بزيادة قدرها 29.8 في المئة (595 مليون جنيه)، فيما بلغت الواردات البريطانية من المغرب 2.7 مليار جنيه، بارتفاع نسبته 6.3 في المئة (161 مليون جنيه).

وشكلت السلع 3.8 مليارات جنيه (71.3 في المئة من الإجمالي)، بارتفاع 21.2 في المئة أو 661 مليون جنيه، بينما بلغت مبادلات الخدمات 1.5 مليار جنيه (28.7 في المئة)، بزيادة 6.7 في المئة أو 95 مليون جنيه.

وتراجع العجز التجاري البريطاني مع المغرب إلى 112 مليون جنيه، مقابل 546 مليون جنيه قبل عام، مع تسجيل فائض بريطاني في تجارة السلع بلغ 160 مليون جنيه (بعد عجز 205 ملايين جنيه سابقا)، وعجز في الخدمات بلغ 272 مليون جنيه (مقابل 341 مليونا سابقا).

وحل المغرب في المرتبة 47 بين الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة إجمالا (0.3 في المئة من التجارة البريطانية)، والمرتبة 50 كسوق للصادرات البريطانية، والمرتبة 43 كمورّد للسوق البريطانية.

وخلال 2025 كاملة، بلغت المبادلات الثنائية 4.7 مليارات جنيه (+10.3 في المئة)، محتلا المغرب المرتبة 50 بين الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة.

النفط الخام يتصدر الصادرات والفواكه والخضر تتصدر الواردات

هيمن النفط الخام على صادرات السلع البريطانية نحو المغرب بقيمة 630.6 مليون جنيه (32.1 في المئة من الإجمالي)، وهو بند جديد لم تكن له مبادلات مقارنة في الفترة السابقة، تلته خامات المعادن والخردة (315.7 مليون جنيه، +48.1 في المئة)، فمولدات الطاقة الميكانيكية الموجهة للاستهلاك الوسيط (219.4 مليون جنيه)، فالمنتجات النفطية المكررة (197.3 مليون جنيه)، فالسيارات (112.5 مليون جنيه).

في المقابل، تصدرت الخضر والفواكه المغربية واردات المملكة المتحدة من المغرب بقيمة 644.4 مليون جنيه (35.2 في المئة)، بنمو 13.8 في المئة، تلتها المنتجات الكهربائية المختلفة الموجهة للاستهلاك الوسيط (386.9 مليون جنيه)، فالسيارات (153.2 مليون جنيه)، فالأثاث الموجه للاستهلاك الوسيط (141.8 مليون جنيه)، فالملابس (112.8 مليون جنيه).

وفي الخدمات، تصدر النقل صادرات بريطانيا نحو المغرب (258 مليون جنيه، 41.3 في المئة)، بينما هيمن السفر على واردات الخدمات من المغرب (717 مليون جنيه، 79.7 في المئة)، وهو بند يعكس أساسا وزن السياحة المغربية الوافدة على بريطانيا.

شمال غرب إنجلترا يتصدر التصدير نحو المغرب

على مستوى الجهات البريطانية، تصدر شمال غرب إنجلترا الجهات المصدرة للسلع نحو المغرب في 2025 بقيمة 236 مليون جنيه (18 في المئة)، تلاه جنوب شرق إنجلترا (180 مليون جنيه)، فغرب ميدلاندز (137 مليونا)، فويلز (136 مليونا)، فاسكتلندا (121 مليونا)

أما بالنسبة لاستقبال الواردات المغربية، فتصدر جنوب شرق إنجلترا بقيمة 254 مليون جنيه، تلاه غرب ميدلاندز (190 مليونا)، فشرق إنجلترا (166 مليونا)، فلندن (161 مليونا). ويؤكد نحو 2100 شركة بريطانية خاضعة لضريبة القيمة المضافة صدّرت سلعا إلى المغرب في 2025، مقابل نحو 900 شركة استوردت سلعا منه، أن قاعدة الشركات المنخرطة في هذه التجارة لا تزال محدودة نسبيا قياسا بحجم الاقتصاد البريطاني.

حصة بريطانيا في السوق المغربية ترتفع إلى 2.8%

بلغت حصة المملكة المتحدة من إجمالي السلع والخدمات المستوردة من المغرب 2.8 في المئة في 2024، بارتفاع 0.4 نقطة مقارنة بـ2023، في أعلى مستوى تسجله منذ 2017 (3 في المئة)، بعد سلسلة تذبذبات هبطت بها إلى 2.1 في المئة سنتي 2020 و2021.

في الاتجاه المعاكس، تراجع رصيد الاستثمارات المغربية المباشرة في بريطانيا إلى 9 ملايين جنيه فقط في نهاية 2024 (-30.8 في المئة)، أي أقل من 0.1 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية الداخلة إلى المملكة المتحدة، بينما ظل رصيد الاستثمارات البريطانية في المغرب غير معلن لأسباب تتعلق بسرية البيانات وهو ما يعكس بحسب الوزارة نفسها، محدودية تدفقات الاستثمار المباشر رغم اتساع التبادل التجاري.

وبحسب بيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لسنة 2022، لم تمثل القيمة المضافة البريطانية سوى 0.7 في المئة من إجمالي القيمة المضافة في الصادرات المغربية، في حين احتلت إسبانيا (3.3 في المئة) والسعودية (3.2 في المئة) وفرنسا (3.1 في المئة) صدارة مصادر القيمة المضافة الأجنبية في هذه الصادرات، ما يؤكد أن حجم العلاقة التجارية لا يزال متواضعا مقارنة بشركاء المغرب الأوروبيين والخليجيين التقليديين.

اقتصاد مغربي في مسار تسارع بحسب صندوق النقد

وفق آخر تقديرات صندوق النقد الدولي المدرجة في البطاقة البريطانية، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4.9 في المئة في 2026 و4.5 في المئة في 2027، بعد 3.7 في المئة في 2023 و3.8 في المئة في 2024 و4.9 في المئة في 2025.

 ومن المرتقب أن يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية من 146.1 مليار دولار في 2023 إلى 194.3 مليار دولار في 2026، ثم إلى 283.4 مليار دولار بحلول 2031، مع ارتفاع نصيب الفرد من 3900 دولار إلى 7200 دولار خلال الفترة نفسها.

وبلغت صادرات المغرب من السلع والخدمات 67 مليار دولار في 2024 (مقابل 61.7 مليار في 2023)، والواردات 81 مليار دولار، ليصل العجز التجاري إلى 14 مليار دولار، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، أما رصيد الاستثمارات الأجنبية في المغرب فقد قُدر بـ80.8 مليار دولار في 2025 (مقابل 64.5 مليار في 2024).

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *