من بوغوتا إلى القارة.. كيف أعاد المغرب هندسة موازين الصحراء في أمريكا اللاتينية؟

في السابع من غشت المقبل، لن يكون مشهد تسلّم الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا مقاليد السلطة في بوغوتا حدثا محليا عابرا، فبين أولى القرارات التي أعلن عنها الرجل الملقّب بـ”النمر”، وهو المحامي وصاحب أعمال يمينيّ حظي بدعم علني من دونالد ترامب، إغلاقُ 14 سفارة كولومبية حول العالم على رأسها سفارة الجزائر إلى جانب سفارات كوبا ونيكاراغوا وأذربيجان وباربادوس والتشيك وإثيوبيا وغانا وهايتي والمجر وماليزيا ورومانيا والسنغال وجنوب إفريقيا، مقابل فتح سفارة جديدة في نيجيريا وإعادة فتح البعثة في القدس بعدما كان الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو قد قطع العلاقات مع إسرائيل على خلفية حرب غزة.

دي لا إسبرييلا كان واضحا في تبرير قراره، وهو يقول “لن تكون هناك أي علاقة مع الأنظمة الاستبدادية في حكومتي”، في إشارة مباشرة إلى كوبا ونيكاراغوا اللتين ستُقطع معهما العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، بينما ستتحول باقي السفارات المُغلقة، ومن ضمنها سفارة الجزائر إلى تمثيل قنصلي غير مقيم تُغطيه سفارات أخرى في المنطقة، كما سيتولى وزارة الخارجية الجديدة عمر بولا إسكوبار، وسيُشرف على مراجعة تقنية لكل التمثيليات الكولومبية المتبقية خلال أول مئة يوم من الحكم.

لكن الخبر الذي بدا في ظاهره حديثا عن “ترشيق” السلك الدبلوماسي الكولومبي وإعادة التموضع نحو واشنطن وتل أبيب، يخفي في جوفه معنى أعمق وأكثر إيلاما لجهة أخرى بعيدة جغرافيا عن أمريكا اللاتينية وهي جبهة البوليساريو الانفصالية وحاضنتها الجزائرية، حيث أن إغلاق سفارة الجزائر بالتحديد يصبّ مباشرة في مصلحة الرباط ويمثل ضربة لحلفاء البوليساريو في القارة.

 والحقيقة أن هذا الحدث ليس إلا الفصل الأخير وربما الأكثر دراماتيكية من مسلسل طويل بدأ يتكشف منذ سنوات، وهو مسلسل انهيار ممنهج لآخر معاقل الميليشيا الانفصالية في نصف الكرة الغربي.

“الحصن الأخير”.. لماذا كانت كولومبيا بالذات لا تُعوَّض

لفهم حجم الخسارة التي تكبّدتها الجبهة الانفصالية بسقوط بوغوتا في يد اليمين، يجب استحضار حقيقة جغرافية سياسية دقيقة مفادها أن كولومبيا لم تكن مجرد دولة أخرى من بين عشرات الدول التي تعترف أو لا تعترف بالجبهة الانفصالية، بل كانت ولا تزال حتى انتهاء ولايتها، عضوا غير دائما في مجلس الأمن الدولي لفترة 2026-2027.

وحين انتهت عضوية الجزائر نفسها في مجلس الأمن في دجنبر 2025، عقدت جبهة البوليساريو الانفصالية آمالا عريضة على أن ترث بوغوتا في ظل حكم غوستافو بيترو اليساري موقع “المحامي الداخلي” لما يعتبرونه “قضية” داخل أقوى هيئة في الأمم المتحدة، بل إن الجبهة الانفصالية بعثت قبل أيام فقط من إعلان نتائج الانتخابات الكولومبية، برسالة رسمية إلى رئاسة كولومبيا لمجلس الأمن، التي كانت تتولى الرئاسة الدورية لشهر يونيو تطالب فيها بعقد جلسة طارئة بخصوص ما وصفته بضربات جوية مغربية شرق الجدار الأمني.

فما الذي جعل كولومبيا “حصنا” بهذا الوزن في المقام الأول؟ الجواب يعود إلى تاريخ طويل ومتقلب بدأ في الثمانينيات، ثم عاد للانفجار بشكل مفاجئ في 2022.

من “التجميد” إلى “الإحياء”.. حين أخرج بيترو بيان 1985 من الأدراج

اعترفت كولومبيا بالجبهة الانفصالية لأول مرة في 27 فبراير 1985، أي في عهد الرئيس بليساريو بيتانكور، لكنها جمّدت هذا الاعتراف في 20 دجنبر 2000 في عهد الرئيس أندريس باسترانا، ليبقى الملف طي النسيان في الدبلوماسية الكولومبية لأكثر من عقدين.

ثم جاء غوستافو بيترو، الزعيم اليساري السابق في حركة “19 أبريل” المسلحة، ليتسلم السلطة في 7 غشت 2022 بصفته أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، ولم يمر على تنصيبه سوى ثلاثة أيام فقط حين أعلن حكومته استعادة العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو الانفصالية، في لقاء جمع مسؤولين كولومبيين ومن الجبهة الانفصالية.

ويعد الأمر، استحضارا روحيا لحرب باردة انتهت ونبش لبيان مشترك عمره 37 عاما لإحياء دولة ورقية لا أرض لها ولا مؤسسات ولا عضوية في الأمم المتحدة، فيما المفارقة أن قرار بيترو جاء بعد أشهر قليلة من تصريح دبلوماسي كولومبي سابق في أكتوبر 2021، فقد أشار فيه إلى أن الاختصاص القنصلي للسفارة الكولومبية بالمغرب يمتد “ليشمل كل التراب المغربي، بما فيه الصحراء”، وهو ما فُهم وقتها كإشارة ضمنية لدعم السيادة المغربية، قبل أن تتراجع بوغوتا عن التفسير الحرفي لذلك التصريح وتؤكد تشبثها بموقفها “التاريخي” الداعم لمسار الحل الأممي دون تسمية صريحة لصاحب السيادة.

البرلمان يتمرد على الرئيس.. حين رفض 62 من 108 شيوخ كولومبيين قرار بيترو

القرار، الذي اتخذه بيترو من قصر نارينيو لم يكن يعكس بأي شكل مزاج الطبقة السياسية الكولومبية ولا حتى معسكرها الحزبي، فبعد أسابيع قليلة فقط من إعادة الاعتراف بالبوليساريو وقّع 62 من أصل 108 أعضاء في مجلس الشيوخ الكولومبي من تسعة أحزاب سياسية مختلفة على مذكرة استنكار غير مسبوقة بتاريخ 19 أكتوبر 2022، اعتبروا فيها أن الخطوة تنتهك اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، ولا تعبّر عن الرأي العام الكولومبي، وتُخرّب شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الرباط.

ولم يتراجع بيترو، بل تصلّب في موقفه فجاء رد الكونغرس أقوى في المرة الثانية، ففي 28 نونبر 2023 مرّرت الغرفة العليا مذكرة أخرى بتأييد 65 من أصل 105 شيوخ، مؤكدة مجددا دعمها ل الترابية للمغرب

وفي فبراير 2025، أكد رئيس الكونغرس الكولومبي إفراين سيبيدا، وهو شخصية مختلفة تماما عن السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي خسر الرئاسة أمام دي لا إسبرييلا، أن أكثر من 70% من أعضاء البرلمان يرفضون اعتراف بيترو بالجبهة الانفصالية، وذلك عقب لقائه بسفيرة المغرب في بوغوتا فريدة لوداية.

وأشار سيبيدا في المناسبة نفسها إلى أن التبادل التجاري بين المغرب وكولومبيا بلغ 350 مليون دولار سنة 2022، أي بعبارة أخرى، كان بيترو “رئيسا منفردا” في قراره على رأس السلطة التنفيذية يسبح عكس تيار كونغرس معادٍ لموقفه، بل ومعادٍ حتى لحزبه في مسألة لم تكن أساسا ضمن أولويات الناخب الكولومبي.

التشبث حتى اللحظة الأخيرة.. الفوسفاط والدعوة إلى العيون الآن

لم يتخلَّ بيترو عن قضيته حتى في أواخر ولايته، ففي 28 نونبر 2025، وفي فعالية أقيمت ببوغوتا، أعلن الرئيس المنتهية ولايته دعمه الكامل للجبهة الانفصالية، معلنا أن كولومبيا ستوقف استيراد الفوسفاط المستخرج من الصحراء المغربية بداية من 2026، فضلا عن كشفه أنه تلقى دعوة لزيارة مخيمات تندوف.

بيد أن هذا التصلب الأيديولوجي جاء في لحظة كانت الأرض تنزلق فعلا من تحت أقدام بيترو ومعسكره، فحين بدأت كولومبيا، في فاتح يناير 2026، عضويتها الجديدة في مجلس الأمن الدولي، العضو الوحيد الحالي في المجلس الذي لا يزال يعترف تاريخيا بالجبهة الانفصالية منذ 1976، لاحظ المتتبعون أن البيان الرسمي لوزارة الخارجية الكولومبية، عند الإعلان عن هذه العضوية، تجاهل بشكل لافت أي ذكر مباشر لجبهة البوليساريو الانفصالية، في ما اعتُبر إشارة موازنة مبكرة على أن بوغوتا الرسمية – بمعزل عن تصريحات بيترو الشخصية – كانت بدأت تُعدّ لتموضع أكثر حذرا.

الزلزال الانتخابي.. كيف أنهى “النمر” مغامرة بيترو في أقل من شهرين

في 21 يونيو 2026، فاز أبيلاردو دي لا إسبرييلا (47 سنة) في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الكولومبية بفارق ضئيل 49.66% في مواجهة السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 48.7%، من إجمالي نحو 13 مليون صوت  سيبيدا، المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته بيترو، مثّل استمرارية المشروع اليساري الذي رعى، من بين قرارات أخرى، إحياء العلاقات مع الميليشيا الانفصالية.

ووصف موروكو وورلد نيوز نتيجة الانتخابات بأنها “تفجير لأهم محطة تتابع دبلوماسي لا يزال يملكه الانفصاليون وحاضنتهم الجزائرية في نصف الكرة الغربي بالكامل”

دي لا إسبرييلا، محامٍ جنائي فُتن بشخصيته الاستعراضية وحظي بدعم علني من دونالد ترامب يمثل انقلابا شاملا في التموضع الجيوسياسي لكولومبيا محافظ، مناهض للجريمة، منحاز إلى واشنطن، ومزدرٍ للمغامرات الأيديولوجية التي ميّزت عهد سلفه، وقراره إغلاق سفارة الجزائر الراعي الأول والممول والمسلّح للبوليساريو، ضمن حزمة السفارات الأربع عشرة إنما هو التتويج الطبيعي لهذا الانقلاب، لا مجرد قرار تقشف إداري.

والأهم من ذلك، مقعد كولومبيا في مجلس الأمن، الذي راهنت عليه جبهة البوليساريو كصمام أمان بعد خروج الجزائر من المجلس، سينقلب من أداة عرقلة إلى موقف حيادي أو حتى تعاوني “خصوصا في ظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي منح في أكتوبر 2025، تأييدا غير مسبوق لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كإطار وحيد لأي تسوية”.

ليست كولومبيا وحدها..القارة كلها تنقلب

الأمر الأكثر إثارة للانتباه في القصة الكولومبية أنها ليست حالة منفردة، بل حلقة في سلسلة متتابعة من الانهيارات التي أطاحت الواحدة تلو الأخرى، بكل معاقل البوليساريو الانفصالية في أمريكا اللاتينية تقريبا خلال أقل من ثلاث سنوات، فالأرجنتين في عهد ميلي، تشيلي في عهد كاست، الإكوادور، كوستاريكا، بوليفيا دولة تلو الأخرى، تخلّت الهيئات الانتخابية في أمريكا اللاتينية عن الحكومات اليسارية ونصّبت إدارات مقربة من واشنطن محترمة للسيادة، لا رغبة لها في تبني قضايا الجزائر بالوكالة.

بنما في نونبر 2024، كانت أول دولة في القارة تعترف بالبوليساريو الانفصالية منذ 1978، وكانت أيضا من بين آخر من قطع العلاقات معها فعليا، ففي 21 نونبر 2024 أعلنت بنما تعليق كل علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان المزعوم، عشية توليها مقعدا غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2025-2026، وبعثت الجزائر رئيس برلمانها إلى بنما سيتي في محاولة يائسة لإقناع السلطات بالتراجع، لكن دون

وفي يونيو 2025، أثناء زيارة عمل لوزير خارجيتها إلى الرباط، أعلنت بنما رسميا دعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها “الأساس الأكثر جدية وموثوقية وواقعية” لتسوية النزاع.

أما الإكوادور ففي أكتوبر 2024، علّقت اعترافها بـ “البوليساريو” في 22 أكتوبر 2024، بعد أن كانت قد اعترفت بها منذ 1983 وفتحت لها “سفارة” في كيتو سنة 2009 كما أغلقت السلطات الإكوادورية “السفارة” فعليا وطلبت من ممثلي الجبهة الانفصالية مغادرة البلاد، وأزالت علمهم من مقر البعثة.

من جهتها، بوليفيا، وفي فبرايرالماضي، عقب مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية المغرب ناصر بوريطة ونظيره بوليفيا فرناندو أرامايو أعلنت بتاريخ 23 فبراير 2026، تعليق كل العلاقات الدبلوماسية مع الجبهة الانفصالية، ووقف كل تواصل رسمي معها مستشهدة صريحا بقرار مجلس الأمن رقم 2797.

واتفق الجانبان على استعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح بعثتين في الرباط ولاباز، مع خارطة طريق للتعاون في التجارة والفلاحة والأمن الغذائي، وبحلول ماي 2026، كانت بوليفيا تدرس فعليا افتتاح سفارة لها بالمغرب، في تأكيد على أن القطيعة مع البوليساريو لم تكن مجرد تصريح عابر.

 واللافت أن بوليفيا نفسها كانت قد مرّت بدورة سابقة من التراجع، حيث أنها سحبت اعترافها في يناير 2020 في عهد الرئيسة المؤقتة جانين آنييز، قبل أن يُعيده الرئيس لويس أرسي المحسوب على معسكر إيفو موراليس اليساري في شتنبر 2021، ليعود ويُعلَّق نهائيا في 2026.

من جانبها هندوراس، أعلنت أبريل الماضي على لسان وزيرة خارجيتها ميريا أغيرو دي كوراليس، في رسالة رسمية بُعثت إلى نظيرها المغربي ناصر بوريطة، تعليق اعتراف بلادها بـ”البولساريو” التي كانت قد اعترفت بها أول مرة سنة 1989 وأكدت الاعتراف مجددا سنة 2022.

وأوضحت الوزيرة أن القرار “ينبع من قرار سيادي هندوراسي، قائم على التزام هندوراس التقليدي بمبادئ عدم التدخل واحترام الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، مؤكدة تمسك بلادها بقرار مجلس الأمن 2797، فيما مثّل قرار هندوراس “سادس انسحاب اعتراف في العامين الأخيرين فقط”، في وقت لم يسجَّل فيه أي اعتراف جديد بالكيان منذ 2011.

بحلول صيف 2026، لم يبق من “الحصون” التي كانت تدعم رواية الجبهة الانفصالية في القارة الأمريكية سوى عدد محدود جدا من الدول هي مكسيكو، بليز، أوروغواي، ترينيداد وتوباغو، فنزويلا، كوبا ونيكاراغوا، وهي القائمة التي تقلصت أكثر مع انسحاب بوليفيا لاحقا وحتى هذه القائمة المتبقية تكاد كلها تنحصر في هافانا وماناغوا وكاراكاس وحفنة من الجزر الكاريبية الصغيرة المجمدة في عنبر أيديولوجي، أي بعبارة أخرى محور “الأنظمة الاستبدادية” ذاته الذي يقطع دي لا إسبرييلا معه العلاقات بشكل نهائي في كولومبيا.

 من القدس إلى العيون والداخلة

لم يكن هذا الانهيار المتسلسل نتاج مصادفات انتخابية محلية فحسب، بل كان أيضا محصلة لتدبير دبلوماسي مغربي ممنهج وطويل النفس، ركّز على واجهتين متكاملتين هما تعزيز الحضور القنصلي الدولي في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية من جهة، والاستفادة من الغطاء الدولي المتصاعد لخطة الحكم الذاتي من جهة أخرى.

فمنذ افتتاح ساحل العاج أول قنصلية فخرية بالعيون سنة 2019، توالى افتتاح البعثات القنصلية الأفريقية والعربية والكاريبية والأمريكية-اللاتينية في المدينتين بمعدل يكاد يكون شهريا من جزر القمر وغابون وأفريقيا الوسطى وكوت ديفوار وبوروندي وإسواتيني وزامبيا وملاوي وساو تومي وبرينسيبي في العيون، إلى الإمارات والبحرين والأردن في العيون كذلك، وغامبيا وليبيريا وغينيا الاستوائية وسيراليون وغينيا بيساو والرأس الأخضر وتشاد في الداخلة

أما على واجهة أمريكا اللاتينية والكاريبي بالتحديد، فقد كانت غواتيمالا أول دولة من القارة تفتتح قنصلية عامة لها بالداخلة، في دجنبر 2022، في خطوة وصفها وزير خارجيتها ماريو أدولفو بوكارو فلوريس بأنها “رمز لصداقتنا” مع المغرب، ثم تبعتها هايتي في دجنبر 2020 وسورينام في ماي 2022، ومنظمة دول شرق الكاريبي التي تضم سبع دول أعضاء في مارس 2022.

 وفي أكتوبر 2025، أعلنت وزارة الخارجية المغربية أن باراغواي، التي كانت من الدول المعترفة سابقا بالبوليساريو الانفصالية، ستفتح هي أيضا قنصلية لها في الصحراء المغربية، بعد مباحثات بين وزيري خارجية البلدين في الرباط، مؤكدة دعمها لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

وبحلول سنة 2025، بلغ عدد الدول التي افتتحت قنصليات في العيون والداخلة نحو 33 دولة أي ما يمثل نحو 40% من الدول الأفريقية إضافة إلى مجموعة معتبرة من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية والخليج وقد وصفت صحيفة إلباييس الإسبانية هذا الزخم بأنه ترجمة مباشرة لتحول دبلوماسي عالمي بدأ فعليا حين اعترفت الولايات المتحدة، في دجنبر 2020، بالسيادة المغربية على الصحراء.

قرار 2797..الغطاء الدولي الذي بدّل قواعد اللعبة كليا

إذا كانت الموجة الانتخابية اليمينية في أمريكا اللاتينية بمثابة “التفصيل السياسي” المحلي، فإن قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 بمبادرة أمريكية، كان “الغطاء البنيوي” الذي حوّل هذه التحولات المتفرقة إلى مسار دولي شبه لا رجعة فيه، فللمرة الأولى في تاريخ الملف، أقرّ مجلس الأمن نصا يعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية قد يمثل الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق” لنزاع الصحراء، مستبعدا بشكل ضمني خيار الاستفتاء على الاستقلال الذي كانت تتشبث به جبهة البوليساريو.

وصوّتت 11 دولة لصالح القرار من أصل 15 عضوا بمجلس الأمن، بينها بنما نفسها بصفتها عضوا غير دائما، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت احتجاجا).

وحسب تحليل مركز السياسات (Policy Center for the New South)، فإن القرار “يعيد رسم مهمة الأمم المتحدة بشكل رسمي، إذ يفرض أن تجري المفاوضات حصريا في إطار خطة الحكم الذاتي المغربية”، مستثنيا بذلك أي مقترح مضاد قدمته جبهة البوليساريو الانفصالية، بما فيها المقترح “الموسّع” الذي تقدمت به الجبهة عبر البعثة الجنوب أفريقية للأمم المتحدة يوم 20 أكتوبر 2025  أي 11 يوما فقط قبل تصويت المجلس.

والملاحَظ أن كل قرارات الانسحاب من الاعتراف بالبوليساريو التي تلت أكتوبر 2025  بما فيها بوليفيا في فبراير 2026 وهندوراس في أبريل 2026، استشهدت صراحة وبشكل ممنهج بقرار 2797 كسند قانوني ودبلوماسي لتبرير قطيعتها مع الجبهة، في ما يعكس كيف تحوّل هذا القرار الأممي إلى أداة تبرير جاهزة لأي حكومة ترغب في إعادة التموضع دون أن تبدو منقادة لضغط مغربي مباشر.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *