لم تعد قوة الدول الصناعية تقاس بعدد المصانع التي تحتضنها فوق ترابها، ولا بحجم السلع التي تصدرها، بل بمقدار القيمة التي تنجح في إنتاجها والاحتفاظ بها داخل اقتصادها.
ومنذ مطلع الألفية، راهن المغرب على بناء قاعدة صناعية قادرة على استقطاب الاستثمارات العالمية، وبالفعل نجح في ترسيخ مكانته ضمن سلاسل الإنتاج الدولية، كما تحولت صناعات السيارات والطيران والإلكترونيات إلى أحد أبرز محركات الصادرات الوطنية، بيد أن الاندماج في الاقتصاد العالمي لا يعني بالضرورة امتلاك مفاتيحه، فحين تستورد المصانع جزءا كبيرا من مكوناتها وتعتمد على موردين أجانب في حلقات أساسية من الإنتاج، فإن جزءا مهما من الثروة يغادر الحدود قبل أن ينعكس على الاقتصاد الوطني.
وبذلك، لم يعد جذب الاستثمارات الصناعية بالنسبة للمملكة غاية في حد ذاته، بل أصبح مدخلا لبناء قيمة مضافة وطنية وتعميق الاندماج الصناعي داخل الاقتصاد المغربي، سيما وأن الرهان انتقل من استقطاب وحدات إنتاج جديدة إلى ترسيخ منظومة صناعية متكاملة، قادرة على تطوير المورد المحلي وتعزيز الكفاءات وربط الصناعة بالبحث والتطوير والابتكار، بما يرفع حصة الثروة التي ينتجها المغرب ويحتفظ بها داخل حدوده ويمنحه موقعا أكثر تقدماً داخل سلاسل القيمة العالمية.
في هذا السياق، وضع حزب الأصالة والمعاصرة برنامجه الانتخابي “زمن الإقلاع” بهدف إعادة صياغة النموذج الصناعي المغربي على أساسين متكاملين أولهما تعميق الاندماج الصناعي الوطني عبر تقوية الموردين المحليين ومعالجة اختناقات الطاقة والعقار والتمويل والكفاءات، واستثمار التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي لتموقع المغرب ضمن الصناعات الاستراتيجية التي ستقود النمو خلال العقود المقبلة، وهي مقاربة تجعل من الصناعة أداة للسيادة الاقتصادية، لا مجرد رافعة للصادرات أو وسيلة لاستقطاب الاستثمار.
صناعة تصدّر أكثر لكنها لا تنتج كل قيمتها
لم يعد بوسعنا اليوم الحديث عن الصناعة المغربية بمنطق البدايات، ففي أقل من عقدين نجح المغرب في بناء قاعدة صناعية جعلته أول مصدر للسيارات في إفريقيا، تماما كما رسخ حضوره في صناعات ذات قيمة تكنولوجية مرتفعة مثل الطيران والإلكترونيات، ورفع صادراته الصناعية إلى أكثر من 470 مليار درهم سنويا، وفق ما كشفه المؤشر الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية في تقريره الصادر في يونيو الماضي، بيد أن هذه المؤشرات على أهميتها لا تعكس سوى جانبا واحدا من الصورة، لأن قوة الصناعة لا يجب تقاس بحجم ما تصدره لوحدها وإنما أيضا بحجم الثروة التي تنتجها وتحتفظ بها داخل الاقتصاد الوطني.
وتكشف الأرقام أن معدل الاندماج المحلي داخل المنظومات الصناعية لا يزال يتراوح بين 45 و50 في المئة، بينما لا تتجاوز حصة المشتريات التي تنجزها الوحدات الصناعية لدى الموردين المغاربة 40 في المئة.
بمعنى آخر، فإن جزءا مهما من المكونات والمواد والتجهيزات والخدمات التي تدخل في تصنيع المنتجات الموجهة للتصدير ما يزال يأتي من الخارج، قبل أن يعاد تجميعها أو تحويلها داخل المصانع المغربية.
وتظهر هذه المفارقة بشكل أوضح عند قراءة ميزان المبادلات الصناعية، فمقابل صادرات تتجاوز 470 مليار درهم، يستورد المغرب سنويا منتجات صناعية بأكثر من 350 مليار درهم، وهو ما يعكس استمرار اعتماد جزء من المنظومة الإنتاجية على الواردات، ويحد من القيمة المضافة التي تبقى داخل الدورة الاقتصادية الوطنية، كما لا تتجاوز مساهمة الصناعة التحويلية ما بين 16 و18 في المئة من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة تبقى دون مستوى الاقتصادات الصناعية الصاعدة التي جعلت التصنيع المحرك الرئيسي للنمو والإنتاجية والتشغيل.
ولا يعني ذلك أن النموذج الصناعي المغربي بلغ حدوده، بل إنه دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، فبعد النجاح في استقطاب كبريات المجموعات الصناعية العالمية، أصبح التحدي يتمثل في توسيع قاعدة الموردين المحليين وتعميق الاندماج الصناعي ورفع المحتوى المحلي داخل المنتجات المصنعة حتى تتحول كل سيارة أو طائرة أو منظومة إلكترونية تحمل علامة “صنع في المغرب” إلى قيمة مضافة مغربية أكبر أكثر منها إلى مجرد حلقة في سلسلة إنتاج عالمية.
السيادة الصناعية تبدأ من المورد المحلي
إذا كان الرهان الصناعي للمغرب خلال العقدين الماضيين قد تمثل في استقطاب الاستثمارات العالمية وإقناع كبريات المجموعات الصناعية باتخاذ المملكة قاعدة للإنتاج والتصدير، فإن الرهان المطروح اليوم أصبح أكثر تعقيدا لأن نجاح السياسة الصناعية لم يعد يقاس بعدد المصانع التي تستقر بالمغرب ولا بحجم الاستثمارات التي تعلن عنها، بل بقدرة الاقتصاد الوطني على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من القيمة التي تخلقها تلك الاستثمارات، فكل مكون يستورد وكل خدمة تنجز خارج المغرب وكل تكنولوجيا لا تنتقل إلى النسيج المحلي تعني أن جزءا من الثروة يغادر الدورة الاقتصادية الوطنية قبل أن ينعكس على النمو أو التشغيل أو تنافسية المقاولة المغربية.
انطلاقا من هذا التشخيص، اقترح برنامج “زمن الإقلاع” تحولا في فلسفة السياسة الصناعية نفسها، فبدل الاستمرار في التركيز على جذب المستثمر، وضع البرنامج المورد المغربي في قلب المعادلة الصناعية باعتباره الحلقة التي تحدد مدى عمق الاندماج المحلي داخل سلاسل القيمة، ولهذا يهدف إلى رفع معدل الاندماج الصناعي من مستواه الحالي، المقدر بين 45 و50 في المئة إلى ما بين 65 و70 في المئة في أفق سنة 2030 بالتوازي مع رفع حصة المشتريات التي تنجزها الوحدات الصناعية لدى الموردين المغاربة من 40 إلى 60 في المئة، وهي أرقام تعكس رهانا على تحويل مليارات الدراهم من الطلب الصناعي، التي تتجه اليوم إلى الأسواق الخارجية، نحو النسيج الإنتاجي الوطني.
ويتحقق رفع الاندماج المحلي بقدرة المقاولة المغربية على منافسة المورد الأجنبي من حيث الجودة والكلفة والالتزام بمعايير الإنتاج العالمية، لذلك يراهن البرنامج على تأهيل آلاف المقاولات الصغيرة والمتوسطة للحصول على الاعتمادات الدولية، مثل ISO وIATF 16949 الخاصة بصناعة السيارات وEN9100 الخاصة بصناعة الطيران، فهذه الشهادات أصبحت جواز عبور إلى سلاسل الإنتاج العالمية، إذ إن المصنع العالمي لا يختار مورديه على أساس القرب الجغرافي، وإنما على أساس القدرة على احترام دفاتر التحملات الدولية.
وذهب البرنامج أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن تنافسية الصناعة لا تتوقف عند المصنع نفسه، وإنما تبدأ من البيئة التي يعمل داخلها، فالطاقة التي تمثل ما بين 10 و40 في المئة من كلفة الإنتاج بحسب طبيعة النشاط الصناعي أصبحت عاملا حاسما في قرارات الاستثمار، خصوصا مع تشديد الأسواق الأوروبية لمتطلبات البصمة الكربونية، لذلك اقترح البرنامج توسيع اللجوء إلى عقود شراء الكهرباء من المنتجين الخواص وتسريع الاستثمار في النجاعة الطاقية بهدف خفض الاستهلاك الصناعي بحوالي 20 في المئة بما يرفع تنافسية الإنتاج المغربي ويحد من تأثره بتقلبات أسعار الطاقة.
ولا يختلف الأمر بالنسبة للعقار الصناعي، الذي تحول بدوره إلى أحد أكبر اختناقات الاستثمار، فحين تستغرق تعبئة الوعاء العقاري ما بين 18 و24 شهرا، يصبح عامل الزمن نفسه تكلفة اقتصادية قد تدفع المستثمر إلى تحويل مشروعه نحو وجهة أخرى.
ومن هذا المنطلق، اقترح البرنامج إنشاء بنك رقمي وطني للعقار الصناعي يضم نحو 10 آلاف هكتار، مع تقليص مدة الولوج إلى العقار إلى أقل من ستة أشهر، وربط ذلك بشباك رقمي موحد لتبسيط المساطر وتقليص آجال الترخيص، فالتنافس بين الدول لم يعد يدور فقط حول الحوافز الضريبية أو كلفة اليد العاملة، بل أصبح يقاس أيضا بسرعة القرار الإداري وقدرة المؤسسات على مواكبة المستثمر بالوتيرة التي تفرضها الصناعة العالمية.
نافذة الفرصة.. حين تعيد الجغرافيا رسم خريطة الصناعة
لا يتحرك هذا التصور الصناعي في فراغ، إذ يستند إلى تحولات عميقة يعرفها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، فقد دفعت جائحة كوفيد-19 ثم الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع كلفة النقل فضلا عن تزايد المخاوف المرتبطة بأمن سلاسل التوريد كبريات المجموعات الصناعية إلى مراجعة نماذج إنتاجها والبحث عن وجهات أقرب إلى الأسواق الرئيسية وأكثر استقرارا من الناحية السياسية واللوجستية، ولم يعد معيار الكلفة وحده كافيا لاختيار مواقع الإنتاج، بل برزت اعتبارات جديدة تتعلق بسرعة التوريد وأمن الإمدادات والقدرة على الاستجابة للتقلبات العالمية، وهو ما أعاد رسم خريطة التنافس الصناعي على المستوى الدولي.
لهذا، ينطلق برنامج “البام” من أن هذه التحولات تمثل فرصة استراتيجية للمغرب، بحكم موقعه الجغرافي عند ملتقى أوروبا وإفريقيا وما راكمه خلال العقدين الماضيين من بنية صناعية ولوجستية واتفاقيات للتبادل الحر بما يؤهله للانتقال من دور منصة لاستقبال الاستثمارات إلى موقع شريك صناعي أكثر اندماجا داخل سلاسل القيمة العالمية.
غير أن الاستفادة من هذه الفرصة وفق المنطق الذي يبنيه البرنامج لا ترتبط بالموقع الجغرافي وحده وإنما بقدرة الاقتصاد الوطني على توفير منظومة إنتاج متكاملة قادرة على تلبية متطلبات الصناعات الأكثر تقدما من حيث الجودة والابتكار وسرعة التنفيذ.
وفي هذا السياق، فإن البرنامج قدم الصناعة باعتبارها رافعة لإعادة تشكيل النموذج الاقتصادي برمته، لذلك ربط بين تطوير الصناعة وتعزيز البحث والابتكار وتأهيل الرأسمال البشري وتحسين مناخ الأعمال وتسريع التحول الطاقي والرقمي، باعتبارها عناصر متداخلة تحدد قدرة المغرب على الانتقال من اقتصاد يشارك في سلاسل الإنتاج العالمية إلى اقتصاد يخلق داخلها قيمة مضافة أكبر.
وبهذا، طرح “زمن الإقلاع” تصورا يقوم على أن المرحلة المقبلة التي لن تحسمها القدرة على استقطاب مزيد من المصانع بقدر ما ستحسمها القدرة على بناء منظومة صناعية متماسكة تحتفظ بجزء أكبر من الثروة التي تنتجها وتوسع قاعدة الموردين الوطنيين وترفع المحتوى التكنولوجي للإنتاج وتعزز موقع المغرب داخل الصناعات الاستراتيجية.

اترك تعليقاً