لا يضع حزب الأصالة والمعاصرة ملف الشباب في برنامجه الانتخابي من زاوية البطالة فقط، بل يحاول بناء تصور أكثر شمولا، ينطلق من المدرسة ويمر عبر التكوين والإدماج في سوق الشغل، وصولا إلى الاستقرار المهني والسكن والحركية.
ويضع البرنامج الانتخابي الذي اختار له “البام” شعار “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة” الشباب ضمن أولوياته من خلال “ميثاق إدماج الشباب”، الذي يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الشاب لا ينبغي أن يبقى خارج مسار واضح للتعليم أو التكوين أو العمل أو ريادة الأعمال أو الحركية المهنية.
البرنامج يقترح الانتقال من التعامل مع كل ملف بشكل منفصل إلى تتبع المسار الكامل للشاب، باعتبار أن الانقطاع عن الدراسة، وضعف التكوين، والبطالة، وصعوبة الولوج إلى أول وظيفة، ثم مشاكل السكن والتنقل، ليست قضايا منفصلة تماما، وإنما حلقات يمكن أن تتداخل في حياة الشاب نفسه.
من “الشاب العاطل” إلى مسار إدماج متكامل
في هذا التصور، يقترح “البام” إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب بين 2027 و2031 تحت شعار “أفق لكل شاب”، يقوم على الانتقال من تعدد البرامج القطاعية إلى سياسة تتبع مسار الشاب من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويشكل “مسار إدماج” إحدى أبرز آليات هذا التصور، من خلال إحداث منصة وطنية لتسجيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة، مع اعتماد تشخيص فردي لوضعية كل شاب، ودعم اجتماعي، ثم عقد للإدماج يحدد المسار المناسب، سواء تعلق الأمر بالتكوين أو العمل أو العودة إلى الدراسة أو إنشاء مشروع.
ويستهدف البرنامج، عند بلوغ النظام سرعته الكاملة، مواكبة حوالي 300 ألف شاب سنويا.
وفي هذا السياق، يرى جاد زهراش، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أن أهمية هذا التصور تكمن في الانتقال من التعامل مع الشباب باعتباره رقما في مؤشرات البطالة إلى النظر إليه باعتباره صاحب مسار يحتاج إلى مواكبة متواصلة.
فالمشكل، وفقه، لا يبدأ بالضرورة عندما يصبح الشاب عاطلا، بل يمكن أن يبدأ في وقت أبكر، من خلال الانقطاع عن الدراسة، أو اختيار تكوين لا يستجيب لحاجيات سوق الشغل، أو غياب التوجيه، قبل أن تظهر نتائج ذلك لاحقا في شكل بطالة أو عمل غير مستقر.
“صفر انقطاع عن الدراسة” ومسار بديل
ومن هنا يأتي التزام “صفر انقطاع عن الدراسة دون حل بديل”، الذي يقترح من خلاله الحزب إرساء منظومة وطنية لرصد الانقطاع عن الدراسة، خصوصا في الفئة العمرية بين 15 و18 سنة، مع توجيه المنقطعين نحو مسارات التعليم أو التكوين المهني أو التدرج المهني.
وفي هذا السياق، يشدد زهراش على أن الاستثمار في الشباب يبدأ قبل الولوج إلى سوق الشغل، لأن جزءا من صعوبات الإدماج يرتبط بالمسار الدراسي والتكويني الذي يسبق هذه المرحلة.
وبذلك، لا ينتظر البرنامج وصول الشاب إلى البطالة حتى يبدأ التدخل، بل يقترح رصد نقاط الانقطاع في المسار والتدخل في وقت مبكر.
التكوين.. من الشهادة إلى فرص العمل
ولا يتوقف البرنامج عند توسيع العرض التكويني، بل يحاول ربط التكوين بالنتيجة التي يفترض أن يحققها في سوق الشغل.
ويقترح الحزب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين المهني والتدرج المهني إلى ما بين 150 و200 ألف مستفيد سنويا، إلى جانب برنامج “كفاءات 2030” الذي يستهدف حوالي نصف مليون عملية تكوين وإعادة تأهيل، مع اعتماد تمويل مرتبط بنتائج الإدماج.
ويأتي برنامج “أول عقد شغل” في السياق نفسه، إذ يستهدف 500 ألف شاب خلال خمس سنوات، عبر مساهمة مؤقتة وتناقصية للدولة في جزء من تكلفة أول تشغيل، مع ربط جزء مهم من الدعم باستمرار الشاب داخل المقاولة.
بالنسبة لزهراش، فإن الرهان لا يتعلق فقط بمنح الشاب فرصة أولى، وإنما بأن تكون هذه الفرصة مدخلا فعليا إلى الاستقرار المهني، وليس مجرد انتقال مؤقت إلى سوق الشغل.
من الالتزام إلى التنزيل
لكن تحويل هذه الالتزامات إلى نتائج فعلية يفتح التنزيل، إذ يرى عمر الداودي، المنسق الجهوي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الرباط سلا القنيطرة، أن تنزيل سياسة مندمجة للشباب يقتضي أولا تجاوز منطق البرامج المنفصلة، وربط مختلف المتدخلين حول مسار واحد تكون فيه مسؤولية كل جهة واضحة.
وأبرز أن القرب من الشباب يظل عنصرا أساسيا في عملية التنزيل، لأن الحاجيات ليست واحدة بين مختلف المناطق والفئات، وهو ما يجعل تنفيذ البرامج مرتبطا بقدرتها على التكيف مع الواقع المحلي.
ويذهب البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة أبعد من مسألة الولوج إلى العمل، من خلال إدراج “ظروف العمل اللائق” ضمن تصور إدماج الشباب.
ويتعلق الأمر بعقد عمل مصرح به، والاستفادة من الحماية الاجتماعية منذ اليوم الأول، واحترام ساعات العمل وشروط الصحة والسلامة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالنقل والسكن.
السكن والحركية جزء من معادلة الإدماج
وفي الجانب المرتبط بالاستقلالية، يقترح الأصالة والمعاصرة إحداث صندوق عمومي لضمان كراء سكن الشباب، بما يسمح للدولة بتقديم الضمانة لفائدة الشاب دون أن يضطر إلى تجميد مبلغ مالي، مع تفعيل الضمان في حالة التعثر وفق آليات للاسترجاع.
كما يقترح “جواز الحركية المهنية” لدعم الشباب الذين يقبلون على فرصة عمل أو تكوين خارج مناطق إقامتهم، من خلال تغطية جزء من تكاليف النقل والانتقال والإقامة المؤقتة، مستهدفا حوالي 250 ألف عملية حركية مهنية خلال خمس سنوات.
ويأتي هذا الطرح من فكرة أن فرصة العمل لا تكون دائما قريبة من مكان إقامة الشاب، وقد تتحول المسافة وتكاليف الانتقال أو الحاجة إلى السكن إلى عائق أمام قبول فرصة مهنية متاحة في منطقة أخرى، لذلك يربط البرنامج بين الإدماج المهني والحركية، وبين الحصول على العمل والقدرة على الاستقرار.
قال الخطاط ينجا، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ومرشحه بالداخلة، إن التجربة التنموية التي راكمتها جهة الداخلة-واد الذهب خلال السنوات العشر الماضية أصبحت بحسب تقييم قيادة الحزب تجربة متقدمة تستحق الدراسة والتطوير والتعميم على المستوى الوطني، معتبرا أن الجهة جسدت عمليا جانبا من رؤية “المغرب الصاعد” قبل أن تصبح هذه الرؤية عنوانا للمشروع الذي يحمله الحزب وطنيا.
وكشف ينجا، في تصريح خص به “AM+MEDIA” عقب اللقاء التواصلي الجماهيري الذي احتضنته مدينة الداخلة أمس السبت، أنه ناقش مع أعضاء المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة التجربة التي راكمتها الجهة في العشر سنوات الماضية التي تتزامن وترؤسه للجهة، وأن النقاش أفضى إلى تقييم إيجابي لما تحقق، وصل إلى حد اعتبار الداخلة قد سبقت على المستوى الترابي عددا من التوجهات التي يسعى الحزب اليوم إلى حملها على المستوى الوطني.
وأوضح ينجا قائلا: “ناقشت مع أعضاء المكتب السياسي تجربتنا في الداخلة، وقالوا لي: أنتم تسبقوننا”، مضيفا أن أعضاء المكتب السياسي أكدوا له أن الجهة استطاعت أن تجسد، من خلال عدد من السياسات التي اعتمدتها، رؤية “المغرب الصاعد” التي يتطلع الحزب اليوم إلى تنزيلها على نطاق أوسع.
وتابع: “قالوا لي: أنتم جسدتم رؤية المغرب الصاعد التي نبتغيها اليوم، من خلال الجوانب الاجتماعية التي أعطيتموها أهمية كبيرة”، مشيرا إلى أن تقييم قيادة الحزب ذهب إلى اعتبار أن الداخلة “جسدتها قبل أن نبدأ فيها نحن على المستوى الوطني”.
ولم يقف تقييم أعضاء المكتب السياسي، وفق ينجا، عند حدود الإشادة بالتجربة، بل امتد إلى الدعوة إلى الاشتغال عليها بصورة أعمق وتحويل ما راكمته من ممارسات وبرامج إلى مادة قابلة للاستفادة منها في بناء السياسات والبرامج الوطنية.
وقال في هذا السياق: “أخبروني بأن تجربة الداخلة تستحق أن يتم تعميمها ودراستها أكثر وإغناؤها، لتكون مادة وبرنامجا وطنيا على المستوى الوطني”، معتبرا أن هذا التقييم يشكل مصدر فخر بالنسبة إلى المسؤولين والمنتخبين بالجهة.
وأضاف: “نفتخر بهذا في الداخلة”، قبل أن يشدد على أن ما تحقق لم يكن نتاج تدبير فردي، وإنما ثمرة منهج يقوم على العمل الجماعي والبحث العملي عن الحلول للمشاكل التي تواجه الجهة.
وأوضح ينجا في حديثه للجريدة أن المسؤولين في الداخلة يشتغلون كـ”فريق”، وأن المقاربة المعتمدة تقوم على عدم الاكتفاء بتشخيص المشاكل أو تسجيلها، بل تفكيكها وتحديد مسار واضح لمعالجتها وتوفير الأدوات والإمكانات الضرورية للوصول إلى الحلول.
وقال: “نحن نعمل كفريق أي مشكل نواجهه نجد له حلا بعد تفكيكه، من خلال وضع الطريق الصحيح والوسائل والإمكانات التي تضمن الحل”، مضيفا أن هذه كانت “خلاصة أعضاء المكتب السياسي وقالوها لي اليوم”.
وفي الوقت الذي دافع فيه ينجا عن الحصيلة التي راكمتها الداخلة، شدد على أن الاعتزاز بما تحقق لا يلغي الحاجة إلى النقد الذاتي، معتبرا أن أي حزب سياسي مطالب بأن يمتلك القدرة على تقييم أدائه والاعتراف بالنقائص وتصحيح المسار كلما أظهرت الممارسة وجود اختلالات أو برزت أولويات وتحديات جديدة.
وقال عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة: “أي حزب لا بد أن يكون لديه نقد ذاتي، لأننا لسنا ملائكة، وأي عمل لديه نقائص، وعنده أولويات تظهر نتيجة للمشاكل والتحديات المطروحة”.
وانطلاقا من ذلك، أكد ينجا أنه يرى ضرورة الانتقال إلى مرحلة من المراجعة، ليس فقط على مستوى البرامج الموضوعة، ولكن أيضا في ما يتعلق بآليات تنفيذها، معتبرا أن جودة البرنامج وحدها لا تكفي إذا لم تكن مصحوبة بأدوات عملية وموارد مالية قادرة على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة.
وأضاف: “لهذا أنا بدوري أرى أنه من الضروري أن نغير المسار، وأن نراجع كل البرامج التي تم القيام بها وآليات تنفيذها”.
وربط ينجا نجاح أي برنامج بثلاثة عناصر أساسية تتمثل في جودة التصور، وتعبئة آليات التنفيذ، وتوفير التمويلات اللازمة، مؤكدا أن الرهان يجب أن ينصب على ضمان تحقيق نتائج فعلية مما يتم تسطيره.
وقال في هذا الصدد: “يجب أن نضمن نجاح ولو 50 في المئة مما وضعناه، إذا كان البرنامج مسطرا وجيدا، وإذا كنا عبأنا الآليات ووجدنا التمويلات للتنفيذ”.
وانتقل ينجا إلى الحديث عن اللقاء التواصلي الجماهيري الذي احتضنته الداخلة يوم أمس السبت، معتبرا أن حجم المشاركة فيه يحمل، بالنسبة إليه، دلالة تتجاوز البعد التنظيمي للحزب، وترتبط بتقييم الساكنة للعمل الذي أنجز خلال السنوات الماضية.
ووجه ينجا الشكر إلى ساكنة الداخلة على مشاركتها في اللقاء، قائلا: “أشكر ساكنة الداخلة على حضورهم لهذا الملتقى التاريخي”، واصفا إياه بأنه “أكبر مهرجان تاريخي ينظم في جهة الداخلة، إن لم أقل في الأقاليم الجنوبية للمملكة كلها”.
وقدر ينجا عدد المشاركين في اللقاء بأكثر من 15 ألف شخص، مؤكدا أن هذا الحضور المكثف يشكل “رسالة في حد ذاته”.
وقال: “أكثر من 15 ألف مشارك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على كل ما هو إيجابي، فهذا الحضور هو رسالة في حد ذاته”، رابطا بين حجم التعبئة وبين البرامج التنموية التي عرفتها جهة الداخلة-واد الذهب على امتداد السنوات الماضية.
وأضاف أن “البرامج التنموية التي نقوم بها في جهة الداخلة-واد الذهب، والتي تراكمت لعشر سنوات، ها هي نتيجتها”، في إشارة إلى أن الحضور الذي شهده اللقاء يعكس وفق قراءته، تفاعل الساكنة مع المسار التنموي الذي راكمته الجهة.
واعتبر ينجا أن الداخلة عاشت خلال اللقاء، “عرسا حقيقيا”، في ظل الحضور المكثف للمواطنين ومناضلي حزب الأصالة والمعاصرة الذين قدموا من مختلف أحياء المدينة.
وقال: “اليوم هناك عرس حقيقي، حضور مكثف، كل مناضلي حزب الأصالة والمعاصرة الذين حجوا من كل الأحياء وحضروا داعمين لهذه التنمية”.
ورأى ينجا أن هذا الحضور يعكس مدى وعي ساكنة الجهة وتثمينها للعمل الذي قام به المسؤولون والمنتخبون والمؤسسات خلال المرحلة السابقة، معتبرا أن المواطنين يشكلون في نهاية المطاف المعيار الذي يقاس من خلاله أثر العمل المنجز.
وقال: “هذا يظهر مدى وعي ساكنة الجهة، لأنهم يثمنون العمل الذي أنجزناه نحن كمسؤولين ومنتخبين ومؤسسات في الفترة السابقة”.
وأضاف أن اللقاء شكل بالنسبة إليه أيضا “لحظة تأمل”، بالنظر إلى ما يحمله حضور الساكنة من دلالة على تقييمها للمسار الذي تم اعتماده في تدبير الجهة، وتابع بالقول: “هي لحظة تأمل بالنسبة لي تؤكد أن الطريق الذي أسير فيه جيد، وبالتالي أنا أشكرهم، فهذه الساكنة هي المرآة التي يظهر فيها عملي”.
وربط عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة هذه الدينامية بالرؤية التنموية لجلالة الملك محمد السادس، مؤكدا أن ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية يندرج، بحسبه، في إطار تجسيد هذه الرؤية على مستوى الجهة.
وقال ينجا إن الحضور الجماهيري جاء “داعما لهذه التنمية، والتي في الحقيقة تجسد رؤية جلالة الملك”، مشيرا إلى أن الجوانب التنموية شكلت محور العمل الذي تم القيام به على مدى سنوات، مضيف “وكذلك الجوانب التنموية، وهذا ما قمنا به لمدة سنوات”، مؤكدا أن التدبير المحلي والجهوي أولى أهمية خاصة للجانب الاجتماعي، إلى جانب المجهودات المرتبطة بتأهيل المجال.
وأوضح ينجا: “نحن أعطينا أهمية خاصة للشق الاجتماعي”، لافتا في الوقت نفسه إلى أن الجهة قامت بمجهود كبير على مستوى التنمية العمرانية والبنيات الأساسية، مسترسلا “علما أننا قمنا بمجهود كبير في ما يتعلق بالتنمية العمرانية، بالبنية التحتية، الماء والكهرباء”، مؤكدا أن التدخل شمل، إلى جانب ذلك، “كل الجوانب العمرانية في المدن وفي مدينة الداخلة”.
وبالنسبة إلى مرشح “البام” في الداخلة، فإن التحدي المطروح اليوم لا يقف عند حدود ما تحقق خلال السنوات العشر الماضية، بل يتعلق بالانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها خلق الثروة وفرص الشغل في صلب الأولويات، إلى جانب تعزيز حضور المرأة والبحث عن آليات جديدة تضمن توزيعا عادلا للثروة.
وقال في هذا الصدد: “نتمنى رفع التحديات في ما يتعلق بخلق الثروة والشغل والمرأة وابتكار التوزيع العادل للثروة”، رابطا بذلك بين حصيلة عقد من البرامج التنموية وبين رهانات المرحلة المقبلة، وواضعا خلق الثروة والشغل والاهتمام بالمرأة وعدالة توزيع الثروة في صدارة التحديات، بالتوازي مع مواصلة الاهتمام بالشأن الاجتماعي والبنيات التحتية والتأهيل العمراني.
استهل صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، كلمته خلال اللقاء التواصلي الوطني الجماهيري الذي احتضنته مدينة الداخلة، بالتذكير بالمكانة التي تحتلها الجهة في دينامية “البام”، مؤكدا أن النهوض بأوضاع الشباب يشكل لبنة أساسية في البرنامج الانتخابي للحزب، الذي يقترح، وفق تصوره، مقاربة تقوم على مبادرة متبادلة، بحيث “يقوم الشاب بخطوة والدولة تقوم بخطوة” لفتح الطريق أمامه نحو الشغل والسكن والحركية المهنية، وتحويل الحديث عن الشباب من مجرد شعار انتخابي إلى التزام عملي تجاه مستقبله.
وقال عبقري، في كلمة حماسية أمام أزيد من 17 ألف مواطن ومواطنة حجوا إلى جوهرة الجنوب من مختلق أقاليم جهة الداخلة وادي الذهب، إن أول نشاط لمنظمة شباب الأصالة نظمته هنا في مدينة الداخلة كان بمناسبة عيد الوحدة 31 أكتوبر 2025، بمشاركة أزيد من 300 شاب”، مضيفا “اليوم، وبحضور أزيد من 17 ألف مشارك معظمهم من الشباب، نعرف أن ينجا الخطاط هو القادر على حشد مناضلين بهذه الطينة والأعداد والحماس”.
وشدد عبقري على أن الرهان على الشباب في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة ليس شعارا ولا وعودا فضفاضة، وقال: “الشباب بالنسبة للبام ليس شعارا فقط، وللأسف الشباب اليوم يسمع خطاب الإحباط في محيطه، وأقول لهم لكل شاب وشابة تخلصوا من خطاب الإحباط وتشبثوا بخطاب المستقبل والنور والأمل”.
وشدد على أن “البام” اليوم في برنامجه الانتخابي ارتكز على “سياسة اليد الممدودة للشباب لمنحه كل الفرص التي يستحقها وفرص الشغل التي يطمح إليها”.
وتابع عبقري بالقول “سنعطي الشباب الفرصة الأولى للسكن بالحركية المهنية، أي أن الشاب اليوم سيقوم بخطوة والدولة ستقوم بخطوة ليسير ويعيش الشاب المستقبل الذي يستحق أن يعيشه ويحلم به”.
وفي سياق متصل، ركزت قيادة الحزب في الكلمات التي ألقيت أمام 17 ألف مشاركة في اللقاء الوطني الثاني، على المكانة التي يوليه الحزب للأقاليم الجنوبية، معتبرة أن جهة الداخلة وادي الذهب أصبحت نموذجا للدينامية الاقتصادية والانفتاح على إفريقيا والمحيط الأطلسي.
وأكدت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، أن حضور قيادة الحزب إلى الداخلة يعكس دعما واضحا للخطاط ينجا، مرشح الحزب وعضو المكتب السياسي للحزب ورئيس الجهة، باعتباره نموذجا للجهوية التي أقرها دستور 2011.
وفي جانب آخر، خصص اللقاء حيزا لقضايا النساء، حيث أكدت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية للحزب، أن “البام” لم يعد يتعامل مع قضايا النساء باعتبارها ملفا اجتماعيا منفصلا عن التنمية، بل يضعها في قلب مشروع “تغيير المسار”.
وأوضحت أن المقاربة الجديدة تقوم على الانتقال من برامج متفرقة ذات أثر محدود إلى مسار متكامل يبدأ بالتكوين والاندماج والتأهيل والمواكبة والتمويل، بهدف نقل النساء من موقع الاستفادة إلى موقع الفاعلية والاستقلال الاقتصادي، مع التركيز على إزالة العوائق الاجتماعية وتطوير اقتصاد الرعاية والعمل المرن والتسهيلات التي تمكن النساء من ولوج سوق الشغل والمساهمة في إنتاج القيمة.
كما حضرت خلال اللقاء رسائل مرتبطة بالالتزام السياسي والبرنامج الانتخابي للحزب، خاصة من خلال شعار “من أجل تغيير المسار.. كْلْمَة وحْدة”.
وفي هذا السياق، جرى التشديد على أن البرنامج الانتخابي يقوم على تعهدات محددة وقابلة للقياس، وأن الثقة التي يطلبها الحزب من المواطنين يفترض أن تقابلها مسؤولية سياسية وإمكانية للمحاسبة على ما تم الالتزام به.
أما الرسالة الأبرز التي حملتها محطة الداخلة، فتمثلت في إعلان الدعم السياسي للخطاط ينجا والاستمرار في مسار التنمية بالجهة، حيث شددت المنصوري على أن “نجاح جهة الداخلة واد الذهب هو نجاح المغرب ككل”، واعتبرت الجهة “بوابة المغرب لإفريقيا والباب المفتوح على المحيط الأطلسي”.
وأكدت أيضا اعتزاز الحزب بالأقاليم الجنوبية وارتباطها بتاريخ المغرب، وربطت ما تحقق فيها برؤية الملك محمد السادس، مشددة على استعداد “البام” لمواصلة العمل مع الجهة، وعلى أن رهان الحزب يتجاوز الاستحقاق الانتخابي إلى ترسيخ نموذج تنموي وجهوي يجعل من الداخلة منصة للتنمية والانفتاح، ومن النساء والشباب وباقي الفئات الاجتماعية جزءا من الدينامية الجديدة التي يسعى الحزب إلى تكريسها.
أكدت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن “البام” لم يعد ينظر إلى قضايا النساء باعتبارها ملفا اجتماعيا منفصلا عن قضايا التنمية، بل يضعها في قلب التحول الذي يدعو إليه، من خلال مقاربة تربط بين التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتستهدف نقل النساء من موقع الاستفادة من السياسات العمومية إلى موقع الفاعلية والمساهمة في إنتاج الثروة والقيمة.
وربطت سعدي، عشية اليوم السبت بالداخلة خلال لقاء تواصلي وطني جماهيري، بين تغيير المسار الذي يرفعه الحزب في برنامجه الانتخابي وبين إعادة بناء مقاربته لقضية المرأة، انطلاقا من تشخيص الإكراهات التي ما تزال تحد من حضورها الاقتصادي والاجتماعي.
وقالت أمام حشد تجاوز 17 ألف مواطن ومواطنة إن اللقاء الوطني “لحظة تواصلية لنقدم أمامكم اختياراتنا وتصوراتنا خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا النساء”، مهنئة “زينب الكوري على الثقة التي وضعها فيها الحزب لتمثل النساء على مستوى الجهة في الانتخابات المقبلة، وقد جمعتنا بها لحظات وقفنا من خلالها على حضور النساء الفعلي في الشق الحقوقي والجمعوي والاقتصادي والسياسي”.
وأكدت سعدي أن قضية النساء، في تصور حزب الأصالة والمعاصرة، توجد في صلب التنمية وليس على هامشها، معتبرة أن “المقاربة التقليدية التي تتعامل مع قضايا المرأة كملف اجتماعي مستقل لم تعد كافية لمواجهة الاختلالات القائمة”.
وبينت أن “تصورات واختيارات حزبنا في قضايا النساء تنطلق من مبدأ أنها قضايا لم يعد من الممكن أن نتعامل معها على أساس أنها ملف اجتماعي منفصل عن قضية التنمية، لذلك اعتبرنا أنه لابد من تغيير المقاربة التقليدية إلى مقاربة يمكن أن تجسد العلاقات من الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي”.
وبحسب القيادية الحزبية، فهذا التحول يقود الحزب إلى وضع النساء في قلب ما يسميه “تغيير المسار” في شعار برنامجه الانتخابي، بدل الاكتفاء ببرامج متفرقة لا تنتج أثرا بالقدر المطلوب.
وأوضحت أنه “لذلك قررنا تغيير المسار، وقررنا جعل قضايا النساء في صلب وقلب التغيير، وانطلقنا من الواقع وقرأنا الإكراهات والمشاكل وقررنا تجاوزها نحو أفق جديد، لأنه في الواقع نجد برامج مشتة ومتفرقة ومتعددة لكن الأثر محدود”.
وأشارت فاطمة سعدي إلى أن محدودية الأثر تصبح أكثر وضوحا في المجالات القروية والجبلية والواحات، حيث تسهم النساء بالفعل في الأنشطة الاقتصادية التقليدية، لكن حضورهن لا ينعكس بالقدر نفسه على القيمة الاقتصادية التي تنتجها تلك الأنشطة.
وشددت المتحدثة ذاتها على أن تصور الحزب لا يكتفي بزيادة حضور النساء في الأنشطة الاقتصادية القائمة، وإنما يسعى إلى نقل هذا الحضور إلى حلقات أعلى داخل دورة الإنتاج، عبر تمكينهن من الوصول إلى التكوين والتأهيل والتمويل والمواكبة، بما يسمح بتحويل النشاط إلى استقلال اقتصادي فعلي.
ولخصت عضو القيادة الجماعية لـ”البام” هذه الرؤية بالقول: “رؤيتنا واضحة بمسار واضح ينطلق من التنفيذ والتكوين والاندماج والتأهيل والمواكبة والتمويل”.
وأكدت أن “البام” لا يفصل بين التمكين الاقتصادي وبين البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها النساء، معتبرة أن تحقيق اندماج فعلي للنساء يتطلب معالجة مجموعة من العوائق التي تحول دون مشاركتهن الكاملة في الاقتصاد، مبرزة أن “مسارنا واضح، ولهذا نستحضر أن التمكين الاقتصادي ومعالجة قضايا النساء وتحقيق شروط اندماجها يتطلب تحديد العوائق الاجتماعية، وأكدنا أنه لا بد من التعاطي بكثير من المرونة مع العمل والتسهيلات والمواكبة والبرامج واقتصاد الرعاية حتى نسهل حضور النساء، ليس كمستفيدات فقط، ولكن كفاعلات في دورة الاقتصاد ومساهمات في تحقيق العدالة المجالية، وإنتاج القيمة وفرص التشغيل”.
ولفتت سعدي إلى أبعد من الولوج إلى سوق الشغل، إذ أكدت أن “البام” يضع الهدف النهائي هو تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية للنساء، والخروج من دائرة التبعية، بما يسمح لهن بالمشاركة في بناء نموذج التنمية الذي يطمح إليه الحزب.
واسترسلت “مسارنا وضاح ونريد أن نخرج النساء من الهوامش ومن التبعية إلى الاستقلالية ومن الاستفادة إلى الفاعلية لأننا نريدهن حاضرات في مغرب الغد ومغرب الصعود، لأنهن طاقات حقيقية وإذا حركناهن سنحرك عجلة التنمية”.
وربطت المسؤولة الحزبية هذا الرهان بشكل خاص بالنساء في الأقاليم الجنوبية، معتبرة أن الموقع الذي تحتله هذه الجهات في الدينامية التنموية الوطنية يفتح أيضا مجالا أمام النساء للاستفادة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها.
حظيت القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب عدد من قيادييه، زوال اليوم السبت بمدينة الداخلة، باستقبال وازن من شيوخ وأعيان القبائل الصحراوية بالأقاليم الجنوبية، في أجواء استحضرت خصوصية الثقافة والتقاليد المحلية للمنطقة، قبيل ساعات من اللقاء التواصلي المرتقب أن يشارك فيه أزيد من 10 آلاف مواطن ومواطنة.
وكان في استقبال قيادة الحزب، وعلى رأسهم فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد مهدي بنسعيد وفاطمة سعدي، إلى جانب أعضاء المكتب السياسي، الخطاط ينجا، عضو المكتب السياسي لـ”البام” ورئيس جهة الداخلة وادي الذهب ومرشح الحزب بالداخلة، بمطار الداخلة إلى جانب أعيان وزعماء القبائل.
وإلى جانب القيادة الجماعية، يشارك في اللقاء التواصلي كل من فوزي لقجع وعبد اللطيف وهبي ويونس السكوري وسمير كودار وأمل الفلاح السغروشني، وعادل بركات، ورشيد العبدي، وصلاح الدين عبقري.
وحضرت مظاهر من الموروث المحلي في استقبال قيادة الحزب، بما أضفى على اللقاء طابعا احتفاليا يعكس مكانة الخصوصية الثقافية للمنطقة داخل المشهد السياسي المحلي.
ويأتي هذا الاستقبال في سياق الدينامية التي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تراهن قيادة الحزب على توسيع التواصل المباشر مع المواطنين، والانفتاح على مختلف الفئات والفعاليات المحلية، وتقديم تصورها السياسي والاقتصادي للمرحلة المقبلة.
ولم يقتصر الاستقبال على البعد السياسي، إذ حمل أيضا بعدا ثقافيا واضحا، من خلال استحضار رموز ومظاهر من تقاليد الأقاليم الجنوبية، بما عكس خصوصية المنطقة وموروثها الثقافي، وجعل من اللقاء مناسبة لإبراز التمازج بين الفعل السياسي والهوية الثقافية المحلية.
لا تبدأ أزمة التعليم عندما يغادر التلميذ المدرسة، بل تتشكل بصمت منذ السنوات الأولى من التمدرس، حين يعجز عن قراءة نص بسيط أو فهم معناه أو توظيف أبسط العمليات الحسابية رغم سنوات قضاها داخل الفصل الدراسي. في تلك اللحظة، لا يكون التلميذ وحده من تعثر بل تكون المدرسة نفسها قد أخفقت في أداء وظيفتها الأساسية المتمثلة في تحويل سنوات التمدرس إلى تعلم حقيقي.
ولسنوات طويلة، انصب النقاش حول التعليم في المغرب على نسب التمدرس، وتوسيع العرض المدرسي وتقليص الهدر، غير أن المؤشرات الوطنية والدولية كشفت أن الولوج إلى المدرسة لا يعني بالضرورة اكتساب التعلمات الأساسية، فقد يقطع التلميذ مساره الدراسي كاملا ويغادر المؤسسة التعليمية وهو يفتقد الكفاءات التي تؤهله لمواصلة التعلم أو الاندماج في سوق الشغل أو المشاركة في اقتصاد يقوم أكثر فأكثر على المعرفة والمهارة والابتكار، لتتحول أزمة التعليم من قضية قطاعية إلى قضية تنموية تمس جودة الرأسمال البشري وقدرة البلاد على بناء اقتصاد أكثر تنافسية وإنتاجية.
من هذا التشخيص، ينطلق مشروع الأصالة والمعاصرة ضمن رؤية “المغرب الصاعد” لحزب الأصالة والمعاصرة، لكنه لا يقترح إصلاحا يقتصر على مراجعة المناهج أو إعادة تنظيم المؤسسات بل يعيد طرح سؤال أكثر جوهرية “ما الذي ينبغي أن تضمنه المدرسة لكل تلميذ قبل مغادرتها؟.
ويجيب عن ذلك بالدعوة إلى إرساء قاعدة وطنية موحدة من الكفاءات الأساسية، وإخضاع نتائج الإصلاح لتقييم مستقل يقيس أثره الفعلي على التعلمات، بما يجعل المدرسة تقاس بما ينتجه التلميذ من معرفة ومهارات، لا بعدد السنوات التي قضاها على مقاعد الدراسة.
حين تكشف الأرقام ما تخفيه نسب التمدرس
إذا كانت المدرسة المغربية قد نجحت خلال العقود الماضية، في توسيع الولوج إلى التعليم ورفع نسب التمدرس، فإن التحدي الذي يواجهها اليوم لم يعد يتمثل في عدد الأطفال الذين يدخلون الأقسام، بل في مستوى التعلمات التي يغادرون بها تلك الأقسام، فالمؤشرات الدولية لم تعد تقيس عدد سنوات الدراسة وإنما تقيس ما يستطيع التلميذ إنجازه فعليا بعد تلك السنوات، وهو تحول نقل النقاش من سؤال كم يدرس التلميذ؟ إلى سؤال أكثر حسما ماذا تعلم فعلا؟
وتعكس نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ “PISA 2022” عمق هذا التحول، إذ لا يبلغ الحد الأدنى من الكفايات سوى 18 في المئة من التلاميذ في الرياضيات، و19 في المئة في القراءة، و25 في المئة في العلوم.
ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في انخفاضها فقط، بل في أنها تعني أن أغلبية التلاميذ تجد صعوبة في توظيف المعارف التي تلقتها داخل المدرسة لحل مشكلات واقعية أو فهم نصوص أو تحليل معطيات، وهي المهارات التي أصبحت اليوم معيارا أساسيا لقياس جودة الأنظمة التعليمية.
ولا تبدأ هذه الهشاشة في نهاية المسار الدراسي، بل تتشكل منذ السنوات الأولى للتعلم، فقد أظهر اختبار “PIRLS” لقياس فهم المقروء أن المغرب سجل 372 نقطة فقط، مقابل متوسط دولي يبلغ 500 نقطة، وهو فارق يعكس تعثرا مبكرا في اكتساب القراءة بوصفها المهارة المؤسسة لبقية التعلمات، فالطفل الذي لا يتقن القراءة في سنواته الأولى يجد نفسه أمام صعوبات متراكمة في الرياضيات والعلوم وسائر المواد، لأن القراءة ليست مادة دراسية فحسب بل الأداة التي يمر عبرها التعلم كله.
المؤشرات الوطنية بدورها لا تختلف كثيرا عن هذا التشخيص، فحسب المندوبية السامية للتخطيط، لم تتجاوز نسبة إتمام التعليم الثانوي الإعدادي 62 في المئة سنة 2024، بينما لا يمتلك 73 في المئئة من التلاميذ البالغين 15 سنة الكفايات المناسبة لأعمارهم، وسبق لنحو 49 في المئئة منهم أن أعادوا سنة دراسية واحدة على الأقل وهي معطيات لا تعكس فقط تعثرات تربوية، بل تشير إلى كلفة تنموية تمتد آثارها إلى سوق الشغل والإنتاجية والابتكار، لأن جودة الرأسمال البشري تبدأ من جودة التعلمات التي توفرها المدرسة.
عندما تصبح مسؤولية المدرسة قابلة للقياس
في معظم أنظمة التعليم، تحدد المدرسة ما ينبغي تدريسه ثم تترك نتائج التعلم تتفاوت بين التلاميذ بحسب قدراتهم أو ظروفهم الاجتماعية أو جودة المؤسسة التي ينتمون إليها.
أما التصور الذي يطرحه مشروع “زمن الإقلاع” للأصالة والمعاصرة فينطلق من منطق مختلف، قوامه أن المدرسة لا ينبغي أن تكتفي بتوفير فرصة التعلم، بل أن تتحمل مسؤولية ضمان حد أدنى مشترك من التعلمات الأساسية لكل تلميذ، وبهذا المعنى ينتقل الإصلاح من منطق يركز على الوسائل إلى منطق يركز على النتائج، ومن تقييم ما قدمته المدرسة إلى تقييم ما اكتسبه المتعلم فعلا.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تعديل للمناهج أو إعادة ترتيب للمواد الدراسية، بل بإعادة تعريف ما يعتبر نجاحا داخل المنظومة التعليمية، فالبرنامج يقترح إرساء قاعدة وطنية للكفاءات الأساسية تشمل القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي إلى جانب المواطنة والسلوك المدني باعتبارها الحد الأدنى الذي يفترض أن يمتلكه كل تلميذ في نهاية كل مرحلة من مساره الدراسي، ويعني ذلك أن الانتقال بين المستويات التعليمية لا يرتبط فقط باستكمال المقرر وإنما بالتحقق من اكتساب هذه الكفاءات، مع توفير آليات للمواكبة والدعم كلما أظهرت التقييمات وجود تعثرات في التعلم.
ولا تبدو هذه المقاربة معزولة عن التحولات التي شهدتها السياسات التعليمية على الصعيد الدولي خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل الاهتمام تدريجيا من حجم المعارف التي يتلقاها التلميذ إلى قدرته على توظيفها في مواقف واقعية، لذلك، لم تعد جودة المدرسة تقاس بكمية المضامين التي تقدمها، بل بمدى نجاحها في بناء كفاءات قابلة للاستخدام، وهو ما تعكسه الاختبارات الدولية التي أصبحت تركز على الفهم والتحليل وحل المشكلات أكثر من قياس القدرة على الحفظ والاستظهار.
وفي هذا الإطار، يربط البرنامج بين إصلاح المدرسة وبناء رأسمال بشري قادر على خلق القيمة، انطلاقا من قناعة مفادها أن الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى خريجين يحملون شواهد، بل إلى أفراد يمتلكون المهارات التي تسمح لهم بالإنتاج والابتكار والتكيف مع التحولات التكنولوجية وسوق الشغل.
ومن ثم، لا يقدم التعليم باعتباره قطاعا مستقلا عن باقي السياسات العمومية، بل باعتباره الحلقة الأولى في مشروع تنموي أوسع تبدأ نتائجه داخل القسم الدراسي، لكنها تمتد إلى تنافسية الاقتصاد وإنتاجيته على المدى البعيد.
بين تقييم الإصلاح وإصلاح التقييم
لا يكفي أن تطلق الدولة برامج إصلاحية جديدة حتى تتحسن المدرسة، كما لا يكفي أن تعلن عن نتائجها حتى تثبت نجاحها، فقد راكم قطاع التعليم خلال العقدين الماضيين استراتيجيات ومخططات متعددة، رافقتها تقارير وتتبع ومؤشرات، غير أن ضعف التعلمات ظل قائما وهو ما أعاد طرح سؤال جوهري: هل كانت المنظومة تقيس فعلا أثر الإصلاحات على تعلم التلاميذ، أم كانت تكتفي بقياس مدى تنفيذها على أرض الواقع؟
من هذا المنطلق، يمنح مشروع “زمن الإقلاع” للتقييم وظيفة تتجاوز مراقبة التنفيذ، ليصبح أداة لإنتاج المعرفة حول أثر السياسات العمومية نفسها، لذلك، لا يكتفي بالدعوة إلى تعميم “مدارس الريادة”، بل يشترط أن يسبق أي تعميم شامل تقييم علمي مستقل يقيس النتائج المحققة، ويستند إلى مؤشرات موضوعية حول تطور التعلمات الأساسية، بما يسمح بالتمييز بين نجاح التجربة كسياسة عمومية، وبين نجاحها في بعض المؤسسات أو السياقات الخاصة.
ويعكس هذا التوجه تحولا في مفهوم الحكامة التعليمية، فالتقييم وفق هذا التصور، لا ينجزه الجهاز نفسه الذي يشرف على تنفيذ المشروع، بل يسند إلى هيئة مستقلة بما يعزز موضوعية النتائج ويحد من خطر الاكتفاء بمؤشرات الإنجاز، والفرق بين الأمرين جوهري إذ تخبر مؤشرات الإنجاز بعدد المؤسسات المنخرطة، وعدد المستفيدين، وحجم الموارد المعبأة، بينما يجيب قياس الأثر عن أسئلة أكثر عمقا هل تحسن مستوى القراءة؟ هل اكتسب التلاميذ المهارات المستهدفة؟ وهل تقلصت الفوارق بين المؤسسات والجهات؟
وفي خلفية هذا الاختيار، يبرز توجه متزايد في إدارة السياسات العمومية يقوم على ربط القرار بالأدلة، لا بالانطباعات، فالتوسع في أي برنامج لا يستمد مشروعيته من حجمه أو من الموارد التي خصصت له، وإنما من قدرته على إحداث أثر مثبت بالمعطيات. ولذلك، يقدم التقييم في المشروع باعتباره باعتباره أحد شروط الإصلاح لأن السياسة العمومية التي لا تقاس نتائجها بصورة مستقلة تظل عاجزة عن معرفة ما إذا كانت تحقق أهدافها فعلا، أو تحتاج إلى مراجعة مسارها.
مدارس الريادة.. حين ينتقل الإصلاح من الوثيقة إلى القسم
إذا كانت القاعدة الوطنية للكفاءات الأساسية تمثل الإطار النظري الذي يقترحه المشروع السياسي للبام، فإن “مدارس الريادة” تمثل أول اختبار عملي لهذه الفلسفة داخل الفصول الدراسية. فالتجربة لا تقوم على إدخال تعديلات جزئية على المناهج، بل تنطلق من إعادة بناء الممارسة التعليمية اليومية عبر التركيز على التعلمات الأساسية واعتماد مقاربات بيداغوجية أكثر نجاعة، وتعزيز المواكبة الفردية للتلاميذ، وربط التدريس بالتقييم المستمر للنتائج. وهي بذلك تنقل الإصلاح من مستوى النصوص والتوجهات العامة إلى مستوى القسم، حيث تتحدد في النهاية جودة التعلمات.
وخلال فترة وجيزة، انتقلت التجربة من نطاق محدود إلى أحد أكبر الأوراش التربوية التي تعرفها المنظومة التعليمية المغربية. فقد بلغ عدد مؤسسات الريادة في التعليم الابتدائي4626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2025-2026، تضم أزيد من مليوني تلميذة وتلميذ فيما توسعت التجربة في السلك الإعدادي لتشمل 786 مؤسسة، يؤطرها نحو23 ألفا و716 أستاذة وأستاذا، وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان الذي بات يمثله البرنامج داخل الإصلاح التعليمي كما تعكس حجم المسؤولية المترتبة على أي قرار يتعلق بتوسيعه أو تعميمه.
غير أن الاتساع الكمي في حد ذاته، لا يشكل دليلا على نجاح السياسة العمومية فكلما اتسعت دائرة التنفيذ، ازدادت الحاجة إلى التحقق من قدرة النموذج على تحقيق النتائج نفسها داخل مؤسسات تختلف في مواردها البشرية وبيئاتها الاجتماعية وإمكاناتها المادية، لذلك، لا ينظر مشروع “زمن الإقلاع” إلى “مدارس الريادة” باعتبارها تجربة ناجزة وإنما باعتبارها سياسة عمومية ينبغي أن تبرهن بالأدلة لا بالانطباعات، على قدرتها على تحسين التعلمات الأساسية وتقليص الفوارق بين التلاميذ.
ومن هنا، دعا البرنامج إلى أن يسبق أي قرار بالتعميم تقييم علمي مستقل يستند إلى مؤشرات موضوعية، ويمكن أن يستفيد من خبرة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، لقياس أثر التجربة على القراءة والرياضيات والعلوم، لا الاكتفاء برصد عدد المؤسسات المنخرطة أو الموارد التي عبئت لها، فجوهر الإصلاح، في هذا التصور يقاس بقدرة المشروع على تحويل سنوات التمدرس إلى تعلم فعلي، وعلى إثبات أن المدرسة أصبحت تنتج نتائج أفضل، لا أنها فقط وسعت دائرة المستفيدين منها.
وضع حزب الأصالة والمعاصرة ملف النساء أمام واحد من أكثر الوعود الانتخابية وضوحا في برنامجه “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة برفع معاش الأرملة من 50 إلى 100 في المئة، في خطوة يقدمها باعتبارها مدخلا لإنهاء ما يصفه بالحيف الذي يطال النساء، في ظل مسارات مهنية غالبا ما تكون أكثر انقطاعا وأقل تصريحا.
لكن المرأة في برنامج “البام” لا تظهر فقط في خانة الأرملة، لأنه يفتح، من مواقع مختلفة، ملفات مرتبطة بالعمل والدخل والاستقلال الاقتصادي، والنساء الشابات، والصحة، ورعاية الأطفال، وظروف الولوج إلى سوق الشغل.
“البام” يرفع سقف إنصاف الأرامل
يبدأ البرنامج من تشخيص يعتبر أن الوضع أكثر ظلما بالنسبة للنساء، خاصة أن مسارهن المهني يكون في كثير من الحالات أكثر انقطاعا وأقل تصريحا، وهو ما يؤدي إلى معاشات أضعف.
وفي المقابل، يسجل البرنامج أن الأرامل يتقاضين 50 بالمئة من معاش تقاعد أزواجهن المتوفين.
وفي هذا السياق، وضعت قلوب فيطح، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيسة منظمة نساء الحزب، هذا المقترح في سياق أوسع يرتبط بما تواجهه الأسرة بعد وفاة الزوج، معتبرة أن الأرملة تجد نفسها أمام معاناة مزدوجة، تتمثل في فقدان شريك الحياة وفقدان المصدر الكامل للدخل.
وقالت فيطح في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن استفادة الأرملة والأيتام من 50 في المئة من الإيراد لا تلغي التزامات الحياة اليومية، من مصاريف المعيشة والتعليم والتطبيب والسكن وغيرها، وهو ما قد يعمق هشاشة الأسرة ويدفع في بعض الحالات إلى مغادرة الأطفال لصفوف الدراسة.
وتعتبر فيطح أنه “من الحيف والظلم أن تستفيد الأرملة من 50 من المعاش فقط”، معتبرة أن الانتقال إلى معاش كامل يمثل، في تصور الحزب، “إنصافا للنساء وإنصافا للأيتام وضامنا لاستقرار الأسرة بعد وفاة الزوج”.
ولا يعزل الحزب هذا المقترح عن ملف المعاشات بشكل عام، إذ يتعهد أيضا بأنه ابتداء من السنة الثانية من الولاية، لن يقل أي معاش، أيا كان نظامه، عن 3000 درهم شهريا.
وترى رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة أن ربط معاش الأرملة بهذا الحد الأدنى من شأنه أن يوفر حماية أكبر من الفقر والهشاشة، ويجعل التمكين الحقيقي للنساء مرتبطا أيضا بضمان حد أدنى من العيش الكريم والحفاظ على استقرار الأسرة، إلى جانب تيسير الولوج إلى الخدمات الاجتماعية وصون كرامة النساء.
وتقول فيطح إن هذه الإجراءات “دافعنا عنها بمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة كوجه من أوجه التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء”، قبل أن تعتبر أن هذا التوجه يجد ترجمته اليوم في البرنامج الانتخابي للحزب.
من معاش الأرملة إلى استقلال المرأة اقتصاديا
إذا كان ملف الأرامل يقدم وعدا محددا يمكن قياسه، فإن البرنامج الانتخابي يذهب أبعد منه في مقاربته للمرأة، عبر جعل التمكين الاقتصادي واحدا من المداخل الأساسية.
ويسجل البرنامج تراجع النشاط النسائي من 28 في المئة سنة 2000 إلى 19 في المئة سنة 2024، ويعتبر الفجوة بين النساء والرجال في النشاط الاقتصادي من أبرز الاختلالات التي تواجه سوق الشغل.
وفي ميثاق النمو والاستدامة، يحدد الحزب هدفا واضحا يتمثل في رفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21.2 في المئة سنة 2031.
ويعني رفع مشاركة النساء في سوق الشغل، وفق منطق البرنامج، توسيع قاعدة المشتغلين وتحريك الاقتصاد والاستفادة من جزء من الطاقات البشرية التي لا تزال خارج النشاط الاقتصادي.
وهنا تضع فيطح التمكين الاقتصادي للنساء في صلب الرهان التنموي، معتبرة أن المرأة لا ينبغي أن ينظر إليها فقط باعتبارها مستفيدة من السياسات العمومية، وإنما باعتبارها شريكا أساسيا في بناء “مغرب صاعد”، سواء في إنتاج الثروة أو التنمية أو صناعة القرار.
الحضانة والنقل والعمل عن بعد.. إزالة عوائق العمل
لكن رفع النشاط الاقتصادي للنساء لا يمكن أن يتحقق بمجرد خلق مناصب شغل، لذلك يقترح البرنامج حزمة من الإجراءات المرتبطة بالظروف التي تجعل دخول المرأة إلى سوق العمل واستمرارها فيه أكثر صعوبة، وفي مقدمتها الحضانة ورعاية الأطفال، والنقل الآمن، والعمل عن بعد، ومرونة أوقات العمل.
وتظهر أهمية هذه الإجراءات في كونها تتعامل مع عوائق مرتبطة بتنظيم الحياة اليومية، وليس فقط مع مسألة العرض والطلب في سوق الشغل.
وفي هذا السياق، توضح قلوب فيطح، رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أن تصور الحزب يقوم على معالجة العراقيل التي تحول دون ولوج النساء إلى سوق الشغل أو تدفعهن إلى مغادرته، من خلال توسيع دور الحضانة، ووضع إطار قانوني للعمل عن بعد والتوقيت المرن، بما يسمح بتحقيق قدر أكبر من التوازن بين المسؤوليات المهنية والأسرية.
كما يتضمن التصور دعما لريادة الأعمال النسائية، من خلال صندوق لدعم ريادة الأعمال الخاصة بالنساء، إلى جانب حوافز للمقاولات التي تحقق مستويات أفضل من المناصفة.
وترى فيطح أن توفير التمويل والمواكبة للمرأة المقاولة لا ينبغي النظر إليه باعتباره دعما لفئة بعينها، وإنما “استثمارا في الاقتصاد الوطني”، بالنظر إلى ما يمكن أن تخلقه المشاريع النسائية من فرص للشغل وقيمة اقتصادية.
النساء الشابات.. مقاربة تبدأ من التكوين ولا تنتهي بالتشغيل
ولا يكتفي البرنامج بإجراءات عامة لفائدة النساء، بل يخصص اهتماما بالنساء الشابات ضمن تصور لإدماجهن اقتصاديا واجتماعيا.
وتقوم المقاربة على مجموعة من المداخل، من بينها التكوين، والحضانة، والنقل، والعمل عن بعد، وخدمات القرب، إلى جانب تطوير اقتصاد الرعاية.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من كونها تربط بين وضع المرأة الشابة وبين مجموعة من الخدمات التي يمكن أن تحد من العوائق التي تحول دون استمرارها في الدراسة أو التكوين أو الولوج إلى سوق الشغل.
وبذلك، لا يتم اختزال إدماج النساء الشابات في توفير وظيفة فقط، بل في بناء محيط يساعدهن على الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
وتشير فيطح، في السياق نفسه، إلى أن البرنامج الموجه إلى الشابات يجمع بين التكوين والحضانة والنقل والعمل عن بعد وخدمات القرب، بما يعكس “مقاربة تتجاوز توفير الوظيفة نحو بناء شروط الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي”.
اقتصاد الرعاية.. من خدمة اجتماعية إلى فرصة اقتصادية
ومن بين المداخل التي يراهن عليها البرنامج الانتخابي لـ”البام”، تطوير “اقتصاد الرعاية”، باعتباره مجالا يجمع بين الاستجابة لحاجيات الأسر وخلق فرص جديدة للشغل.
وترى فيطح أن هذا الورش يمكن أن يوفر خدمات اجتماعية تستجيب لحاجيات الأسر، وفي الوقت نفسه يفتح مجالات جديدة للتشغيل، خصوصا بالنسبة للنساء.
وتربط رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة المشاركة الاقتصادية للمرأة بجودة محيطها الاجتماعي والخدمات المتاحة لها، من النقل والحضانة إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
صحة الأم والطفل.. المرأة داخل إصلاح المستشفى العمومي
في ميثاق المواطنة، تحضر المرأة أيضا من بوابة الصحة، إذ يضع البرنامج ضمن التزامه المتعلق بالمستشفى العمومي تحسين صحة الأم والطفل، من خلال توفير تغطية طبية متخصصة على مدار الساعة داخل مصالح النساء والولادة بالمستشفيات العمومية على المستوى الوطني.
ويضع الالتزام قضايا النساء والأمهات ضمن إصلاح الخدمات الصحية العمومية، من خلال التركيز على توفر الاختصاص والتكفل المستمر داخل مصالح مرتبطة بشكل مباشر بصحة النساء والأطفال.
كما أن البرنامج لا يقدم هذه الإجراءات كسياسة منفصلة عن إصلاح المستشفى، وإنما كجزء من ميثاق المواطنة الذي يضم الصحة والشغل والمدرسة والسكن والرقميات.
المرأة ليست ميثاقا مستقلا لكنها حاضرة في أكثر من ميثاق
اللافت في برنامج الأصالة والمعاصرة أنه لم يخصص ميثاقا مستقلا للمرأة، وإنما وزع الالتزامات التي تخصها على عدد من المواثيق.
فالأرامل يحضرن داخل ميثاق القدرة الشرائية من خلال مراجعة المعاشات، والمرأة العاملة تحضر داخل ميثاق النمو والاستدامة من خلال رفع معدل النشاط الاقتصادي، ودعم ريادة الأعمال، وتحسين شروط الولوج إلى سوق الشغل.
أما النساء الشابات، فتتقاطع قضيتهن مع ميثاق إدماج الشباب من خلال التكوين والإدماج والاستقلال الاقتصادي، في المقابل، تظهر صحة النساء والأمهات داخل ميثاق المواطنة من خلال إصلاح خدمات المستشفى والتكفل الطبي المتخصص.
هذا التوزيع ينسجم مع طبيعة البرنامج الذي يقدم نفسه باعتباره حزمة من الاختيارات المترابطة، وليس مجموعة من الإجراءات المنفصلة.
من الإنصاف إلى المشاركة في الاقتصاد
بهذا المعنى، فإن حضور المرأة في البرنامج الانتخابي لحزب “الجرار” يتحرك بين مستويين، الأول يرتبط بالإنصاف الاجتماعي، ويظهر بشكل مباشر في ملف الأرامل، حيث يقترح الحزب الانتقال من 50 إلى 100 في المئة من معاش الزوج المتوفى.
والثاني يرتبط بالتمكين الاقتصادي، من خلال رفع النشاط النسائي إلى 21.2 في المئة، وتحسين ظروف العمل، ودعم ريادة الأعمال، وتوفير الحضانة والنقل والعمل عن بعد.
وبين المستويين، يحضر أيضا البعد الصحي، خصوصا بالنسبة للنساء والأمهات، إلى جانب إجراءات تستهدف النساء الشابات.
وتربط رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة في تصريح للجريدة بين هذه الأبعاد المختلفة وبين تصور أشمل للتمكين، معتبرة أن التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء يرتبط أيضا بحضورهن في المجال السياسي ومواقع المسؤولية، باعتبار أن هذه المستويات تمثل، في نظرها، أوجها مختلفة لرهان واحد على مجتمع أكثر إنصافا واقتصاد أكثر إنتاجية وديمقراطية أكثر تمثيلية.
في النهاية، لا يقدم البرنامج المرأة باعتبارها ملفا منفصلا عن باقي السياسات العمومية، بل يوزع قضيتها بين القدرة الشرائية والشغل والنمو والصحة وإدماج الشباب.
“من أجل تغيير المسار.. كْلْمَة وحْدة”.. شعار اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يخوض به الاستحقاقات الانتخابية، لكنه في تركيبته لا يكتفي بالإعلان عن رغبة في التغيير، بل يضع “الكْلْمة” في قلب الرسالة السياسية التي يتوجه بها إلى الناخبين.
فـ”كْلْمَة وحْدة” لا تحيل فقط على توحيد الخطاب أو تجميع مواقف الحزب حول رسالة انتخابية واحدة، وإنما تحمل معنى الوعد والعهد والالتزام؛ كلمة يتعاهد عليها أعضاء الحزب، ويقدمونها للمواطنين، ويصبحون مطالبين بالوفاء بها.
ومن هذا المنطلق، فإن الشعار، حسب قيادي “البام”، يختصر مسارا كاملا، “كْلْمَة وحْدة”، عنوانها تغيير المسار، ووجهتها نحو “مغرب صاعد”.
“الكْلْمة”.. حين يصبح الوعد عهدا
في حديث لـ”AM+ MEDIA”، يتوقف أحمد التويزي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، عند الدلالة التي تحملها “الكْلْمة” في الوعي والتداول المغربيين.
فالكْلْمة، كما يشرح التويزي، ليست مجرد كلام يقال وينتهي مفعوله بمجرد النطق به، وإنما ترتبط بمعان أعمق من قبيل الوعد والعهد والالتزام والوفاء، وحين يقول شخص لآخر “عطيتك الكْلْمة”، فهو لا يخبره فقط بما ينوي فعله، بل يضع نفسه أمام التزام أخلاقي بالوفاء بما قال.
ومن هنا تأتي دلالة اختيار هذه العبارة في شعار “البام”، فالحزب، في هذه القراءة، لا يريد لـ”كْلْمة وحْدة” أن تكون مجرد عبارة انتخابية، وإنما أن تستحضر تلك الحمولة التي تجعل الكلمة مسؤولية على صاحبها.
وهذا ما يمنح “كْلْمة وحدة” معناها السياسي، لأن الحزب لا يتحدث عن كلمات متعددة بحسب الظرف أو المنطقة أو المرشح، وإنما عن كلمة واحدة يتعاهد عليها الباميون، ويجتمعون حولها، ويقدمونها للمواطن باعتبارها اختيارهم للمرحلة المقبلة.
من “الكْلْمة” إلى “تغيير المسار”
إذا كانت “الكْلْمة” تحمل معنى العهد والالتزام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما الذي تعهّد به الحزب؟
الجواب موجود في الشطر الأول من الشعار: “تغيير المسار”، وبذلك، تصبح “كْلْمة وحدة” هي الصيغة التي يختصر بها “البام” التزامه السياسي، فيما يمثل “تغيير المسار” مضمون هذا الالتزام.
فالأمر لا يتعلق، وفق هذه القراءة، بمجرد الرغبة في التغيير، وإنما باتفاق داخل الحزب على اتجاه سياسي يريد الدفاع عنه خلال الانتخابات وما بعدها، ويلتزم فيه أمام المغاربة على الوفاء به.
فاطمة سعدي: “كْلْمة وحْدة” هي الوضوح والالتزام والمحاسبة
هذه الحمولة التي يعطيها التويزي للكلمة تجد امتدادا أكثر عملية في قراءة فاطمة سعدي، عضوة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.
فسعدي ربطت، خلال كلمة افتتاحية للقاء تقديم البرنامج الانتخابي، عبارة “كْلْمَة وحْدَة” بثلاثة معان أساسية أولها الوضوح، ثم الالتزام، فالمحاسبة.
فالوضوح، أولا، يعني أن تكون للحزب رسالة سياسية مفهومة ومحددة، وأن يعرف المواطن ما الذي يقترحه “البام”، وما هي أولوياته، وما الذي يضعه أمام الناخب باعتباره التزاما.
أما الالتزام، فيمثل الانتقال من الكلام إلى التعهد، فحين يعلن الحزب موقفا أو يدرج إجراء ضمن برنامجه، فإنه، وفق هذا التصور، لا يقدم مجرد أفكار قابلة للنسيان بعد الحملة، وإنما يضع أمام نفسه التزامات يمكن العودة إليها.
ثم تأتي المحاسبة باعتبارها النتيجة الطبيعية للوضوح والالتزام، فكلما كانت الكلمة محددة، أصبح من الممكن قياس مدى الوفاء بها، وكلما كانت الالتزامات واضحة، أصبح المواطن قادرا على العودة إليها ومساءلة من قدمها.
“كْلْمة وحدة”.. حتى لا تختلف الوعود
لكن قراءة السعدي للشعار لا تتوقف عند العلاقة بين الحزب والمواطن، بل تمتد إلى داخل الحزب نفسه.
فـ”كْلْمة وْحدة” تعني أيضا أن يحمل مرشحو الحزب ومناضلوه الرسالة نفسها، وأن لا تتحول الحملة الانتخابية إلى مجموعة من الخطابات والوعود المختلفة بحسب المناطق أو الأشخاص.
فالمرشح الذي يتقدم باسم “البام” لا يفترض أن يقدم برنامجا خاصا به منفصلا عن البرنامج الذي يقدمه الحزب، ولا أن يرفع وعودا تختلف عن الالتزامات التي يتعهد بها باقي المرشحين.
تغيير المسار نحو مغرب صاعد
لكن تغيير المسار لا يكتمل بمجرد إعلان الرغبة في الانتقال من وضع إلى آخر، إذ يبقى السؤال الأساسي: نحو أي مسار؟
هنا تبرز عبارة “مغرب صاعد” باعتبارها الأفق الذي يربط به الحزب هذا التغيير الكامن في عرضه السياسي.
وفي حديث لـ”AM+ MEDIA”، ربطت سلمى أبلحسين، رئيسة المجلس الوطني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، “تغيير المسار” بالتوجه نحو “مغرب صاعد”، بما يحمله هذا التصور من طموح إلى مغرب أكثر قدرة على خلق الفرص، وتحقيق النمو، والاستجابة لتطلعات الشباب والأجيال الجديدة، وبذلك، لا يصبح التغيير هدفا قائما بذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى وجهة محددة.
الشعار، بهذا المعنى، يبدأ بـ”كْلْمة وحْدة” باعتبارها عهدا، ويمر عبر “تغيير المسار” باعتباره اختيارا سياسيا، وينتهي عند “مغرب صاعد” باعتباره الأفق الذي يريد الحزب تقديمه للناخبين.
يضع حزب الأصالة والمعاصرة “ميثاق النمو والاستدامة” في قلب برنامجه الانتخابي، باعتباره الآلية التي يفترض أن تربط بين الوعود الاجتماعية للحزب وبين قدرة الاقتصاد والمالية العمومية على تمويلها.
وينطلق الحزب من فكرة ألا قدرة شرائية مضمونة، ولا دولة اجتماعية متينة، ولا أمن استراتيجي دون اقتصاد ينمو بوتيرة أعلى، ويخلق مناصب الشغل، ويوسع الوعاء الضريبي عبر إدماج الاقتصاد غير المهيكل، بدل تحميل الطبقة الوسطى ضغطا جبائيا إضافيا.
ومن هنا، لا يقدم “البام” النمو باعتباره هدفا اقتصاديا معزولا، وإنما كشرط لتمويل بقية التزامات البرنامج.
النمو يمول الجزء الأكبر
يراهن الحزب على تحقيق متوسط نمو سنوي في حدود 5 في المئة خلال الفترة 2027–2031، مقابل حوالي 3.7 في المئة خلال 2022–2025.
وتتجلى أهمية هذا الرقم بالنسبة للبرنامج في أنه لا يتوقف عند رفع معدل النمو، فالحزب يبني عليه جزءا أساسيا من قدرته على خلق فرص الشغل وتوفير موارد إضافية لتمويل التزاماته.
ويستند البرنامج إلى مرونة تشغيل/نمو تبلغ 0.53، أي ما يعادل تقريبا 53 ألف منصب شغل صاف عن كل نقطة نمو إضافية.
وبهذه الطريقة، يصبح النمو في تصور الحزب وسيلة مزدوجة لخلق الثروة من جهة، وتحويل جزء من هذه الثروة إلى فرص شغل وموارد مالية من جهة أخرى.
كيف يحوَّل النمو إلى تشغيل؟
لا يكتفي البرنامج باستهداف معدل نمو مرتفع، بل يربطه بهدف أكثر مباشرة هو خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الخماسية 2027–2031، أي ما لا يقل عن 200 ألف منصب سنويا.
ويقوم التوزيع المقترح على قطاعات يعتبرها الحزب أكثر قدرة على امتصاص اليد العاملة وخلق قيمة مضافة.
ويخصص البرنامج 360 ألف منصب لكأس العالم 2030 والأنشطة الاقتصادية المواكبة له، بشكل مباشر وغير مباشر، بما يمثل 36 في المئة من مجموع المناصب المستهدفة.
كما يراهن على 270 ألف منصب في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية واقتصاد المعرفة، و250 ألفا في الصناعة وتعويض الواردات.
أما العالم القروي، فيستهدف البرنامج من خلاله خلق 80 ألف منصب شغل، مقابل 40 ألف منصب في اقتصاد الرياضة.
وبذلك، يريد الحزب أن يجعل النمو “مشغلا ومندمجا”، عبر توسيع قاعدة المستفيدين منه لتشمل الشباب والنساء والعالم القروي، وليس الاقتصار على مؤشرات النمو الكلية.
التشغيل في مواجهة البطالة
الرهان على مليون منصب يرتبط مباشرة بهدف خفض معدل البطالة إلى 7 في المئة في أفق 2031، مقابل 10.8 في المئة وفق المنهجية الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط.
لكن تحقيق هذا الهدف، وفق منطق البرنامج، يمر عبر تغيير بنية النمو نفسها، من خلال دعم التصنيع، وتشجيع الإنتاج الوطني، وتطوير الخدمات ذات القيمة المضافة، وإعادة توجيه الاقتصاد القروي، والاستفادة من الزخم الاقتصادي المرتبط بكأس العالم 2030.
كما يراهن الحزب على رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المئة، باعتبار إدماج النساء في سوق الشغل جزءا من توسيع قاعدة النمو وليس مجرد إجراء اجتماعي.
النمو وحده لا يكفي
إذا كان النمو يمثل النصف الأول من الميثاق، فإن الاستدامة المالية والاقتصادية تمثل النصف الثاني، فالبرنامج يضع مجموعة من المؤشرات الماكرو-اقتصادية التي يفترض أن تمنع تحقيق النمو عبر توسيع الاختلالات المالية.
ويستهدف الحزب إبقاء التضخم في حدود 2 في المئة، والحفاظ على عجز الميزانية في سقف 3 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع وضع المديونية العمومية في مسار تنازلي وصولا إلى حوالي 62 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق 2031.
وبمعنى آخر، فالنمو المطلوب في تصور الحزب ليس نموا ممولا فقط بالإنفاق العمومي، بل نموا يفترض أن يحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية والاستقرار الماكرو-اقتصادي والحيز المالي للدولة.
كلفة تكشف حجم الرهان
الجزء الأكثر حساسية في الميثاق يرتبط بالتمويل، فالحزب يقدر الكلفة الإضافية التراكمية لبرنامجه بحوالي 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا.
وتتوزع هذه الكلفة على المواثيق الأربعة بـ150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليارا لميثاق إدماج الشباب، و50 مليار للأمان.
كما يشكل تمويل برنامج التنمية المجالية المندمجة جزءا من التمويل الإضافي المعبأ لهذه المواثيق، بكلفة تبلغ 130 مليار درهم خلال خمس سنوات.
300 مليار من النمو
يقدم الحزب معادلة تمويل واضحة تقوم أساسا على النمو، فالبرنامج يقدر أن الأثر الإضافي الناتج عن تحقيق نمو في حدود 5 في المئة سيوفر حوالي 300 مليار درهم من الموارد الإضافية.
وتكتمل المعادلة بـ40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية عبر صندوق الضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى 10 ملايير درهم من إعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية.
وهنا تكمن إحدى أهم أفكار “ميثاق النمو والاستدامة”، فالجزء الأكبر من تمويل الوعود الانتخابية لا يفترض أن يأتي من الاقتراض أو من زيادة الضغط الجبائي، وإنما من الموارد الإضافية التي يفترض أن يولدها اقتصاد ينمو بوتيرة 5 في المئة.
الاستدامة تبدأ من النفقات أيضا
إلى جانب الموارد التي يفترض أن يولدها النمو، يضع البرنامج رافعة أخرى للتمويل تتمثل في مراجعة النفقات العمومية.
ويقترح “البام” إجراء مراجعة شاملة خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، تشمل تجميع وتوحيد البرامج والمؤسسات العمومية المتداخلة في مهامها، ووضع سقف لنفقات التسيير غير الضرورية، إلى جانب افتحاص الاتفاقيات والعقود-البرامج الموقعة مع قطاعات اقتصادية خاصة.
بهذا المعنى، فإن “ميثاق النمو والاستدامة” يقوم على معادلة مترابطة تبدأ بـ5 في المئة نمو لإنتاج الثروة، ثم مليون منصب لتحويل النمو إلى تشغيل، وتوسيع الوعاء الاقتصادي والضريبي لتوفير الموارد، مقابل سقف للعجز والتضخم انتهاء عند مسار تنازلي للمديونية لضمان الاستدامة.
اختار حزب الأصالة والمعاصرة جهة الشرق لتكون نقطة الانطلاق لأول لقاء تواصلي وطني ينظمه في المرحلة السياسية والانتخابية التي تعقب الإعلان عن برنامجه الانتخابي، وذلك في محطة احتضنتها مدينة بركان وعرفت مشاركة أكثر من 3000 مواطنة ومواطن قدموا من مختلف أقاليم وجماعات الجهة.
ولم يكن اختيار الشرق، وفق الرسائل التي حملتها مداخلات قيادات الحزب، مجرد محطة في أجندة تنظيمية ستشمل باقي جهات المملكة، بل أريد له أن يحمل دلالة سياسية واضحة مفادها النزول بالبرنامج الانتخابي من مستوى الوثيقة والأرقام إلى النقاش المباشر مع المواطنين، وربط رهانات الاستحقاقات المقبلة بأسئلة التنمية والقدرة الشرائية والشباب والاستثمار والعدالة المجالية.
وحضر اللقاء التواصلي الذي احتضنته بركان، جل القيادات الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة من مسؤوليه ومنتخبيه، تتقدمهم فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، عضوي القيادة الجماعية، محمد المهدي بنسعيد وفاطمة سعدي، إلى جانب عضوات وأعضاء المكتب السياسي في مقدمتهم ابن المنطقة فوزي لقجع، إلى جانب مسؤولين جهويين ومحليين ومنتخبين، في لقاء طغت على مداخلاته قضايا التنمية بجهة الشرق، واستثمار مؤهلاتها الاقتصادية والبشرية، ومكانة الشباب والنساء، فضلا عن البرنامج الانتخابي للحزب والجدل السياسي الذي رافق التحاقات عدد من الكفاءات بصفوفه.
الإبراهيمي: الشرق يملك مقومات الصعود لكن المؤهلات تحتاج إلى تثمين
وفي افتتاح المداخلات، اعتبر محمد الإبراهيمي، الأمين الجهوي لحزب “البام” بجهة الشرق، أن الحضور؛ الذي تجاوز بحسب المنظمين، أكثر من ثلاثة آلاف مشاركة ومشارك من مختلف أقاليم جهة الشرق، يعكس قبل كل شيء حجم الطاقات البشرية التي تزخر بها المنطقة، مؤكدا أن الحزب يريد أن يجعل من المواطنين، خصوصا الشباب، شركاء في صناعة مستقبل الجهة، وليس مجرد متلقين للخطاب السياسي.
وشدد الإبراهيمي على أن محطة بركان لن تكون لقاء معزولا، معلنا أن التواصل سيستمر عبر لقاءات مرتقبة بمختلف أقاليم الجهة، لمناقشة التحديات والانتظارات الخاصة بكل منطقة والاقتراب أكثر من الأولويات التي تطرحها الساكنة.
وبالنسبة إلى المسؤول الجهوي للحزب، فإن جهة الشرق تمتلك رصيدا تاريخيا ومجاليا مهما، فضلا عن موارد وكفاءات بشرية ومؤهلات فلاحية وصناعية تؤهلها للاضطلاع بدور أكبر في الدينامية الاقتصادية الوطنية، غير أن تثمين هذه الإمكانات في نظره، يظل مرتبطا بقدرة السياسات العمومية على الإجابة عن انتظارات المواطنين في الصحة والتعليم والنقل والتنمية القروية وخلق الفرص أمام الشباب.
وأكد أن الإنصاف الترابي لا ينبغي أن يبقى مفهوما عاما، بل يجب أن ينعكس بصورة ملموسة على حياة الساكنة، مضيفا أن المسؤولية السياسية تفرض الانتقال من تشخيص المؤهلات والاختلالات إلى تقديم أجوبة وبرامج قابلة للتنفيذ.
وربط الإبراهيمي في كلمته هذا التوجه بالبرنامج الانتخابي الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة، معتبرا أن البرنامج جاء ليمنح معنى سياسيا وعمليا لشعار “من أجل تغيير المسار.. كلمة وْحْدة” باعتباره “رؤية متكاملة وليست مجموعة عناوين منفصلة”.
وقال إن المواثيق الخمسة التي يتضمنها البرنامج ينبغي أن تجد طريقها إلى جهة الشرق بما يستجيب لخصوصياتها وحاجيات ساكنتها، مؤكدا أن الحزب يدخل المرحلة المقبلة وهو واع بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وبضرورة ترجمة القرب من المواطنين والإنصات إلى نبض الشارع إلى التزامات واضحة.
وأضاف أن الحزب يتوفرعلى مستوى الجهة على طاقات بشرية وتنظيمية قادرة على مواصلة العمل، معتبرا أن الشرق يملك جميع المقومات التي تسمح له بأن يتحول إلى “رقم صعب” في مسيرة التنمية، شريطة توفير البيئة التي تسمح لشبابه بأن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل.
وفي الشق السياسي والتنظيمي، دعا الإبراهيمي إلى خوض الاستحقاقات المقبلة بمنطق الفريق الواحد، وبالتواصل والانضباط والعمل الميداني، مؤكدا أن طموح الحزب هو تحقيق حضور انتخابي يوازي طموحه السياسي والسعي إلى تصدر الاستحقاقات وطنيا.
كما نوه بحرص القيادة الجماعية للحزب على التواصل المباشر مع المواطنين، وبالأدوار التي يقوم بها عدد من قياداته في مواكبة ملفات الجهة، مشيرا إلى دعم فوزي لقجع لعدد من المبادرات بالإقليم وإلى مساهمة المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية، فاطمة الزهراء المنصوري، من موقعها الحكومي، في عدد من الملفات المرتبطة بتأهيل الجماعات.
بوعرورو: نريد للشرق أن يصنع الفرص
من جانبه، وضع رئيس مجلس جهة الشرق، محمد بوعرورو، التنمية الجهوية في صلب مداخلته، معتبرا أن المنطقة غنية بشبابها وكفاءاتها وموقعها الاستراتيجي، لكنها في المقابل، تواجه تحديات تنموية كبيرة تتطلب أجوبة عملية ومقاربة تستثمر إمكاناتها بدل الاكتفاء بتعدادها.
وأكد بوعرورو أن اللقاء يشكل مناسبة لتأكيد حضور حزب الأصالة والمعاصرة داخل الجهة، معتبرا أن الشرق ظل إحدى المناطق التي يمتلك فيها الحزب امتدادا سياسيا وتنظيميا مهما.
وأشاد رئيس الجهة بما وصفه بالحكمة والاحترافية في تدبير فاطمة الزهراء المنصوري لمسؤولياتها، وبالمسار الذي يجمع بين “الكفاءة والطموح السياسي إلى جانب دفاعها عن إشراك الشباب وإعطائهم مساحة أكبر داخل الحزب”.
وانتقل بوعرورو من الجانب السياسي إلى التنموي، مؤكدا أن تدبير جهة الشرق لم يكن بالنسبة إلى الحزب مرتبطا بإطلاق الوعود، وإنما بمحاولة وضع الاختصاصات والإمكانات المتاحة في خدمة المواطن، حتى يصبح أثر السياسات العمومية محسوسا في الحياة اليومية للساكنة.
وشدد على أن العدالة المجالية في تصوره، لا يمكن أن تتحول إلى شعار انتخابي موسمي، بل يجب أن تظهر في توزيع الاستثمار والخدمات والفرص بين مختلف أقاليم الجهة.
واعتبر بوعرورو أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنقل شباب الشرق من موقع “الاستفادة من الفرص” إلى موقع “صناعة الفرص”، عبر جعل الاستثمار أداة لإنتاج الثروة وخلق المبادرة، لا مجرد وسيلة لتوفير مناصب شغل محدودة.
وفي هذا السياق، نوه بالبرامج التي أشرف عليها محمد مهدي بنسعيد، معتبرا أنها تلتقي مع فلسفة تمكين الشباب من المبادرة والإنتاج.
وقال بوعرورو إن جهة الشرق في حاجة أيضا إلى تغيير طريقة التفكير في الاقتصاد الجهوي، مستحضرا مشروع ميناء الناظور باعتباره فرصة ذات أبعاد جهوية وقارية ينبغي أن تنعكس مكاسبها على الأقاليم وعلى فرص الشغل والاستثمار.
وفي المقابل، وضع رئيس الجهة ملف الماء ضمن أبرز تحديات المستقبل، مؤكدا أن الأمن المائي لم يعد قضية قطاعية منفصلة عن التنمية، بل أصبح محددا أساسيا للاستثمار والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما توقف عند قطاع الصحة، مشددا على أن التنمية “ليست إسمنتا فقط”، وأن قيمة المشاريع والبنيات التحتية تقاس في النهاية بقدرتها على تحسين حياة المواطنين والوصول إلى الخدمات الأساسية.
واستحضر بوعرورو إقليم جرادة، بما يحمله من تاريخ منجمي وخصوصية اقتصادية واجتماعية، معتبرا أن التحدي اليوم يكمن في تحويل هذا الإرث إلى رافعة لاقتصاد جديد يوفر فرصا حقيقية للساكنة.
وأكد أن الجهة بأقاليمها الثمانية، يجب أن تتحرك كوحدة ترابية واقتصادية واحدة من دون أن يعني ذلك إغفال خصوصية كل إقليم وحقه في نصيب عادل من الاستثمار والتنمية.
وأقر بأن الطريق ما تزال طويلة، وأن تحديات الاستثمار والماء والخدمات لم تُحسم بالكامل، معتبرا أن الفرق بين العمل السياسي والمزايدة يكمن في أن “من يعمل يعترف بالنقص ويبحث عن الحلول”، بينما يكتفي الآخر بتوصيف المشكلات واستثمارها سياسيا.
وأكد أن الرهان هو جعل جهة الشرق حاضنة لكفاءاتها وشبابها، وقادرة على الاحتفاظ برأسمالها البشري وتحويل موقعها وإمكاناتها إلى قيمة اقتصادية وتنموية.
المنصوري: الحزب يبحث عن الكفاءات لا عن منطق “الكريمة”
أما فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاختارت أن تفتتح مداخلتها بتحية بركان ووصفتها بـ”أرض الشرفاء”، قبل أن تكشف الدلالة السياسية لاختيار جهة الشرق لاحتضان أول لقاء تواصلي جماهيري للحزب قبل الاستحقاقات الانتخابية.
وقالت المنصوري إن القيادة قررت أن تكون الانطلاقة من الشرق بالنظر إلى موقع الجهة الاستراتيجي، وأن تبدأ تحديدا من بركان لما تمثله المدينة بحسب تعبيرها، من أرض “خيرها سابق على جميع المغاربة”، مستحضرة ما قدمه أبناؤها في مجالات مختلفة.
وتوقفت المنصوري عند عدد من الوجوه الحزبية بالجهة، منوهة بالتزام الإبراهيمي وانضباطه وقدرته على مواصلة البناء التنظيمي رغم ما مر به الحزب من محطات صعبة،مستحضرة علي بلحاج باعتباره من مؤسسي الحزب ومن الأسماء المرتبطة تاريخيا بمدينة بركان.
وفي حديثها عن رئيس مجلس جهة الشرق محمد بوعرورو، قالت المنصوري إنه تحول، من خلال عمله وتتبع الملفات، إلى “سفير للجهة”، يتنقل باستمرار بين الرباط ووجدة من أجل الدفع بملفات التنمية.
وقدمت هدى المغاري، مرشحة اللائحة الجهوية للحزب، باعتبارها من الكفاءات النسائية بالحزب، مؤكدة أن “البام” يراهن على حضور النساء في الواجهة السياسية والانتخابية وعلى تمثيلهن داخل الجهة.
لكن الرسالة الأكثر وضوحا في خطاب المنصوري ارتبطت بالجدل الذي رافق التحاق عدد من الأسماء بحزب الأصالة والمعاصرة خلال الفترة الأخيرة.
وقالت إن النقاش داخل المكتب السياسي كان واضحا بشأن الحاجة إلى الكفاءات والطاقات التي تمتلك روح المواطنة والاستعداد للعمل بنكران الذات، مؤكدة أن الحزب لم يكن يبحث عن “الكلام”، وإنما عن أشخاص قادرين على العمل وتحمل المسؤولية والمساهمة في “تغيير المسار”.
واستحضرت في هذا السياق فوزي لقجع، قائلة إن تقاربه مع الحزب لم يكن وليد اللحظة، وإنه عبر لها عن قربه من الحزب ومساعدته له منذ سنوات، مضيفة أن ما يجمع الطرفين هو الاقتناع بقيم الديمقراطية الاجتماعية وتقديم المصلحة العامة والوطن.
ورفضت المنصوري الانتقادات الموجهة إلى الحزب بسبب استقطابه كفاءات وأسماء سياسية جديدة، مؤكدة أن الأصالة والمعاصرة “لا يأخذ أحدا خارج إرادته”، وأن الالتحاق بالحزب يتم بناء على القناعة والرغبة في الاشتغال داخل تنظيمه.
وأضافت أن عددا من البرلمانيين والفاعلين السياسيين طلبوا بدورهم الالتحاق بالحزب، معتبرة أن ما يجذب هؤلاء هو وجود مساحة للنقاش والعمل داخل التنظيم.
وبلهجة سياسية مباشرة، قالت إن بعض الأطراف “تخلعت” من الدينامية التي يعيشها الحزب، وانتقلت إلى إصدار البلاغات والانتقادات، بعدما لم تجد، وفق تعبيرها، ما تواجه به هذا الحضور.
وعادت المنصوري إلى التاريخ الانتخابي للحزب، مستحضرة المحطات التي عرف فيها نتائج أقل من طموحاته، وقالت إن الأصالة والمعاصرة لم يجعل من خسائره السابقة مبررا للتوقف، بل استمر في إعادة البناء والاستعداد.
برنامج انتخابي يمس مختلف الفئات وكل طرف عليه تحمل مسؤولية حصيلته
وفي انتقال من الجدل الحزبي إلى البرنامج الانتخابي، دافعت المنصوري بقوة عن العرض الذي قدمه حزب الأصالة والمعاصرة قبل أيام، واصفة إياه بالبرنامج “المحترم” الذي يتوجه إلى مختلف طبقات المجتمع، ويقترح حلولا لقضايا تمس الحياة اليومية للمغاربة.
وقدمت مثالا من التدابير الاجتماعية التي يتضمنها البرنامج، متوقفة عند وضعية الأرامل وطرح الحزب تمكين الأرملة من معاش زوجها المتوفى كاملا بدل الاكتفاء بجزء منه.
وشددت المنصوري على أن معالجة الملفات الاجتماعية لا يمكن أن تتم بمنطق الحلول القطاعية المجزأة أو التدخلات الظرفية، بل ضمن تصور متكامل يربط الدعم والحماية الاجتماعية والسكن والتشغيل والقدرة الشرائية.
وفي رسالة سياسية واضحة إلى خصوم الحزب، قالت إن على “كل واحد أن يتحمل مسؤولية فشله”، معتبرة أن النقاش الانتخابي يجب أن يسمح للمواطن بالتمييز بين من قدم حصيلة ومن أخفق في مسؤولياته.
ودعت ساكنة الشرق إلى منح الثقة لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي وصفته بأنه حزب قوي بقناعاته وأطره، ولا يجعل البحث عن المناصب والمقاعد غايته الأساسية.
وقالت إن الحزب يبحث عن “الصدق وأبناء الوطن”، مضيفة أن الوفاء بالكلمة جزء من هويته السياسية.
ودافعت المنصوري أيضا عن حصيلة عملها الحكومي تجاه الجماعات الترابية، مؤكدة أنها اشتغلت مع أقاليم وجماعات مختلفة، بما فيها جماعات لا يسيرها حزب الأصالة والمعاصرة، لأن المسؤولية الحكومية، بحسبها، لا ينبغي أن تميز بين المواطنين بناء على الانتماء الحزبي لرؤساء مجالسهم.
وأضافت أن ما يهم الحزب ليس فقط رؤساء الجماعات، وإنما المواطنون الذين يعيشون داخلها، رافضة ما وصفته بمنطق “الكريمة والمناصب”.
وخاطبت الحاضرين داعية إياهم إلى نقل النقاش إلى الأحياء والقرى والمدن، ومساءلة الحصيلة السياسية لكل طرف، من كان صادقا؟ من أخفق؟ ومن يمتلك القدرة على تغيير المسار؟
لقجع: المواطن لا يحتاج إلى البوليميك بل إلى أجوبة صريحة عن مشاكله
من جانبه، استهل فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، مداخلته بالإشارة إلى كثافة الحضور في قاعة اللقاء، قائلا إن المنظمين اضطروا إلى توقيف استقبال مزيد من المناضلين بعدما بلغت القاعة طاقتها القصوى.
وتوجه لقجع بالشكر إلى فاطمة الزهراء المنصوري، مشيدا بتتبعها لمسار عدد من ملفات جهة الشرق وتجاوبها مع الاتفاقيات والمشاريع التي اعتبرها ضرورية لتنمية المنطقة.
كما تحدث عن محمد مهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية للحزب، مستحضرا نموذجا لمشروع مركب ثقافي ظل عالقا لسنوات، وقال إنه ألح على الوزير من أجل إخراجه إلى حيز الوجود، قبل أن يجد الملف طريقه إلى المعالجة منذ السنة الأولى.
واستعمل لقجع هذا المثال للانتقال إلى جوهر رسالته السياسية، فالمواطن لا يريد تبريرات ممتدة لسنوات، وإنما يريد أن يعرف لماذا تتأخر المشاريع، ومن يتحمل المسؤولية، ومتى يجد المشكل حله.
وقال إن ما ينبغي أن يقلق الفاعل السياسي هو الإشكالات الحقيقية التي يعيشها المواطن كل يوم، مؤكدا أن هذه المشاكل تحتاج إلى “أجوبة صريحة وعلاج سياسي صريح”.
وفي سياق الرد على الجدل الذي رافق التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، طرح لقجع سؤالا حول سبب تحول نظرة البعض إلى الأشخاص بمجرد انتقالهم إلى العمل السياسي، متسائلا عن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها عبارات الإشادة التي كانت توجه إلى شخص قبل انخراطه الحزبي إلى انتقادات بمجرد اختياره ممارسة السياسة.
وأكد لقجع اعتزازه بانتمائه إلى جهة الشرق، قبل أن ينتقل إلى تشخيص بعض عناصر التحول التنموي الذي تعرفه المنطقة.
وأشار إلى أن الجهة شهدت مجهودات تنموية كبيرة، مستحضرا مشروع ميناء الناظور باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية القادرة على إعادة هيكلة الاقتصاد الجهوي وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن وجود مشاريع كبرى لا يعني اختفاء الخصاص، لافتا إلى خصوصية جهة الشرق من حيث تضاريسها واتساع مجالها وتنوع أقاليمها، وهو ما يفرض، في نظره، تعاملا تنمويا خاصا.
واستحضر لقجع المؤهلات السياحية للواجهة المتوسطية، معتبرا أنه لا يعقل أن تتوفر الجهة على شواطئ ووجهات ذات قيمة سياحية كبيرة دون أن ينعكس الاستثمار فيها بصورة أقوى على شباب المنطقة وفرص العمل والاقتصاد المحلي.
من يريد مناظرتنا فليجلب البرنامج والأرقام
وفي الشق المتعلق بالبرنامج الانتخابي، وجه لقجع رسالة مباشرة إلى خصوم الحزب، داعيا إلى نقل النقاش من السجال السياسي إلى مواجهة البرامج بالأرقام.
وقال إن من يريد مناقشة حزب الأصالة والمعاصرة عليه أن يناقشه في البرنامج الذي قدمه وفي الأرقام التي يتضمنها، لأن “البوليميك لم يفد ولن يفيد في شيء”.
وأضاف، بلهجة ساخرة، أن من يريد “تسخين الوعود” فذلك شأنه، بينما اختار الحزب بحسبه، أن يتحدث بالتفصيل عن الشق الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري وعن الكلفة المالية لتدابيره.
وأوضح لقجع أن تنزيل مجموع الالتزامات التي يتضمنها البرنامج يتطلب، وفق تقديرات الحزب، نحو 70 مليار درهم سنويا (350 مليار درهم في خمس سنوات)، معتبرا أن النقاش الحقيقي ينبغي أن يدور حول كيفية تعبئة هذه الموارد وتمويل الإجراءات وليس حول الشعارات.
وأكد أن البرنامج بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة ليس مجرد وثيقة انتخابية، بل “عقد بين الحزب والمواطنات والمواطنين”، يفترض أن يكون أساس المحاسبة السياسية بعد الانتخابات.
وأضاف أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكون تكرارا لما قيل سنة 2021 دون استكماله، مشددا على ضرورة تقديم التزامات قابلة للتتبع والقياس والمساءلة.
قلوب فيطح: المرأة في صلب الرهان السياسي والكفاءات ليست ملكا لأي حزب
أما قلوب فيطح، رئيسة منظمة نساء حزب الأـصالة والمعاصرة، فتوقفت في مداخلتها عند حضور المرأة داخل المشروع السياسي للحزب، مؤكدة أن الأصالة والمعاصرة يريد للمرأة المغربية أن تحظى بالمكانة التي تستحقها في الحياة العامة وصناعة القرار.
وقدمت قلوب، وكيلة اللائحة الجهوية هدى المغاري باعتبارها واحدة من النساء اللواتي يعتز الحزب بمسارهن، مشيرا إلى حضورها داخل هياكل الحزب وإلى ترشيحها لتمثيل نساء الجهة.
ووصفتها بأنها “قليلة الكلام كثيرة الحضور”، قبل أن ترد على الانتقادات التي تطال الحزب بسبب استقطابه للكفاءات، قائلة إن “لوم الحزب على قدرته على جذب الأطر ينبغي أن تتحول إلى سؤال لدى التنظيمات التي تغادرها تلك الكفاءات عن أسباب عدم قدرتها على الاحتفاظ بها”.
واعتبرت فيطح، أن الفرق الذي يريد حزب الأصالة والمعاصرة تكريسه هو الانتقال من السباق وراء المواقع إلى السباق من أجل خدمة المواطنين.
عبقري: لا أحد يستطيع احتكار السياسة أو الديمقراطية
بدوره، اعتبر صلاح الدين عبقري رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، أن لقاء بركان يحمل سمة جديدة في طريقة تنظيم اللقاءات الجماهيرية للحزب، تتمثل في توسيع مساحة التعبير أمام الشباب والنساء وعدم حصر المنصة في القيادات التقليدية.
وقال إن منح الشباب والنساء الكلمة داخل لقاء جماهيري بهذا الحجم يمثل، في تقديره، تحولا في الممارسة الحزبية والسياسية، لأن تجديد الحياة السياسية لا يتحقق فقط بتغيير الوجوه، بل أيضا بتغيير من يتحدث ومن يصنع النقاش ومن يشارك في صياغة الأولويات.
وربط عبقري بين طموح البرنامج الانتخابي للحزب وبين ما وصفه بجودة حصيلة وزراء الأصالة والمعاصرة، مؤكدا أن الحزب حرص على أن يكون برنامجه قابلا للتمويل والتنفيذ، وأن المرحلة المقبلة ستعرف تفصيل آليات تنزيله.
ورد عبقري بدوره على الانتقادات المرتبطة باستقطاب الحزب لكفاءات كانت موجودة داخل تنظيمات أو تجارب أخرى، معتبرا أن جزءا من هذه الانتقادات ينطلق من “منطق الاحتكار والتملك”.
وأكد أن السياسة والديمقراطية لا يمكن أن يكونا ملكا لتنظيم بعينه، كما أن الكفاءات لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملكية حصرية لحزب سياسي.
وقال إن الجماعات الترابية بدورها ليست ملكا للأحزاب، بل للمواطنين والناخبين والساكنة التي يفترض أن تكون المستفيد الأول من تدبيرها.
واستحضر في هذا السياق أوضاع عدد من الجماعات بإقليم تاونات التي زارها الحزب أخيرا، متحدثا عن الخصاص الذي لمسه في البنيات والخدمات والطرق، معتبرا أن استمرار الاختلالات لسنوات يفرض مساءلة النتائج بدل الاحتماء بالانتماءات الحزبية.
وأشار عبقري إلى أن ترتيب أولويات البرنامج الانتخابي يعكس طبيعة الرهانات التي يريد الحزب الاشتغال عليها، إذ وضع القدرة الشرائية في مقدمة انشغالاته، قبل الانتقال مباشرة إلى قضية الشباب باعتبارها واحدة من أكبر تحديات المرحلة المقبلة.