المدونة

  • الصعود الاقتصادي.. قراءة في الرؤية الاقتصادية التي حملها خطاب العرش

    الصعود الاقتصادي.. قراءة في الرؤية الاقتصادية التي حملها خطاب العرش

    لم يأت الشق الاقتصادي في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش على شكل عرض لحصيلة حكومية أو قراءة ظرفية لمؤشرات الاقتصاد الوطني، بل حمل ملامح رؤية متكاملة لمرحلة جديدة من التنمية.

    ومن خلال تسلسل مضامين خطاب العرش، يتضح أنه يبني تصورا اقتصاديا يبدأ بالاستقرار السياسي والمؤسساتي باعتباره أساس الثقة، ثم ينتقل إلى النمو بوصفه نتيجة لتراكم الإصلاحات، قبل أن يركز على التصنيع باعتباره المدخل الرئيسي لتعزيز السيادة الاقتصادية، وصولا إلى التمويل كشرط لاستمرار هذا التحول.

    الاستقرار.. منطلق الرؤية الاقتصادية

    استهل جلالة الملك الشق الاقتصادي بالتأكيد أن ما يميز المغرب اليوم هو ما ينعم به من أمن واستقرار ونجاعة في عمل المؤسسات، قبل أن يربط ذلك مباشرة بالأداء الاقتصادي، قائلا إن “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”.

    وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي إدريس الفينة أن الشق الاقتصادي في الخطاب الملكي يمثل إعلانا عن دخول المغرب مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، قوامها الانتقال من بناء البنى التحتية والمؤسسات إلى بناء اقتصاد ذي سيادة وقادر على المنافسة العالمية.

    ويعتبر الفينة في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن جعل الاستقرار السياسي والمؤسساتي في مقدمة الأولويات يعكس كونه أصبح أهم رأسمال اقتصادي للمغرب، والعنصر الحاسم في جذب الاستثمار وتعزيز الثقة، خاصة في ظل عالم يشهد تزايد المخاطر الجيوسياسية.

    ويكشف هذا الربط أن الاستقرار لم يعد يقدم باعتباره معطى سياسيا فقط، بل تحول إلى عنصر اقتصادي يحدد قدرة الدول على استقطاب الاستثمارات والحفاظ على تنافسيتها في بيئة دولية تعرف تغيرات متسارعة.

    النمو.. ثمرة سنوات من التراكم

    بعد وضع هذا الإطار، انتقل الخطاب إلى المؤشرات الاقتصادية، حيث أعلن الملك أن الاقتصاد الوطني سجل معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال سنة 2025، مع توقع الحفاظ على هذا المستوى أو تجاوزه خلال السنة الجارية.

    غير أن الخطاب لا يتعامل مع هذا الرقم باعتباره إنجازا ظرفيا، بل يربطه بمسار طويل من الإصلاحات، حين أكد أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

    وفي السياق نفسه، توقف الملك عند الموسم الفلاحي، مشيرا إلى أن التساقطات المطرية المهمة والموسم الجيد ساهما في تعزيز الأمن المائي والغذائي، وهو ما يعكس توسيع مفهوم التنمية ليشمل قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية في ظل التغيرات المناخية والاضطرابات التي تعرفها الأسواق العالمية.

    الصناعة.. التحول الأكبر في الاقتصاد المغربي

    إذا كان النمو يمثل نتيجة للمسار التنموي، فإن الصناعة تشكل، وفق الخطاب الملكي، عنوان المرحلة المقبلة، فجلالة الملك لم يكتف بالإشادة بالأداء الصناعي، بل اعتبر أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جذب الاستثمارات أو خلق الثروة وفرص الشغل.

    وأبرز الخطاب الملكي السامي أن المغرب أصبح اليوم أول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، قبل أن يؤكد أن صادرات السيارات والطيران أصبحت تمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة على صادرات الفوسفاط.

    ويرى إدريس الفينة بهذا الصدد أن الخطاب الملكي يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر.

    ويبرز الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من مجرد منصة للإنتاج إلى فاعل صناعي قادر على المنافسة في القطاعات الاستراتيجية.

    ويعزز هذا التحول إعلان الملك دخول المغرب إلى دائرة الدول التي تتوفر على مراكز صناعية متخصصة في صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات، وهو ما يعكس انتقال الصناعة المغربية إلى مستويات أكثر تقدما من حيث التكنولوجيا والخبرة الصناعية، ويؤكد أن الرهان لم يعد يقتصر على التجميع، بل أصبح يشمل تصنيع مكونات عالية التعقيد تدخل في الصناعات الأكثر تطورا عالميا.

    من صناعة اليوم إلى اقتصاد المستقبل

    ولم يكتف الخطاب بإبراز ما حققه المغرب في الصناعات التقليدية، بل انتقل إلى رسم ملامح القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة في ظل التحولات التي يشهدها العالم نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة، إذ أكد جلالة الملك أن تطوير قطاع البطاريات الكهربائية “يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية”.

    ويكشف اختيار عبارة “استباق التحولات” أن الرهان لم يعد يقتصر على مواكبة التطورات الدولية، بل أصبح يقوم على التموقع المبكر داخل الصناعات التي ستحدد مستقبل الاقتصاد العالمي. فالدول لم تعد تتنافس فقط على جذب الاستثمارات، وإنما على احتلال مواقع متقدمة داخل سلاسل القيمة الأكثر تطورا.

    ويمتد هذا التوجه إلى قطاع الطاقة، حيث شدد الملك على أن المشاريع الكبرى في مجال الطاقات المتجددة تهدف إلى جعلها “ركيزة للأمن الطاقي، ورافعة لجذب الصناعات، التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون”.

    وفي هذا السياق، يرى الفينة أن خطاب العرش يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، ما يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الإنتاج التقليدي إلى اقتصاد قائم على الابتكار والصناعة المتقدمة.

    السيادة الاقتصادية توحد الأوراش

    بعد عرض مؤشرات النمو والتصنيع، انتقل الخطاب إلى المفهوم الذي يجمع مختلف هذه الاختيارات، وهو السيادة الاقتصادية، بتأكيد جلالته أنه “في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية”.

    ويؤكد إدريس الفينة أن الخطاب وسّع مفهوم السيادة الوطنية، فلم يعد يقتصر على بعدها السياسي أو الأمني، بل أصبح يشمل الأمن الغذائي والطاقي والدوائي والصناعي والدفاعي، انسجاما مع التحولات الدولية التي أصبحت تعطي الأولوية لتأمين سلاسل الإنتاج وتقليص التبعية الخارجية.

    وانتقل الخطاب الملكي السامي إلى الحديث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا التحول، وفي مقدمتها التمويل مؤكدا أن “مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة”، داعيا القطاع المالي الوطني إلى مواصلة مواكبة الاستثمار والابتكار والتصنيع والتصدير، مع “توسيع الولوج إلى التمويلات، خاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية”.

    ويرى الخبير الاقتصادي ذاته أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة أكبر للادخار الوطني، وتطوير أدوات التمويل لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار، لأن تمويل الاستثمار سيصبح أحد مفاتيح النمو خلال السنوات المقبلة، بما يفرض انخراطا أكبر للمؤسسات المالية في مواكبة التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة.

    ويوضح إدريس الفينة أن الرسالة الاقتصادية الأساسية للخطاب تتمثل في أن المغرب انتقل من مرحلة وضع الاستراتيجيات إلى مرحلة تنفيذها، وأن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون على صياغة رؤى جديدة، بل على تحسين الحكامة، وتسريع الإنجاز، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل ذات جودة وتحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين.

  • يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    يأس الشباب يتحول إلى عملة للمافيات.. “موسم الهجرة إلى الشمال” يسائل حصيلة السياسات العمومية

    حين تحولت سبتة المحتلة خلال 48 ساعة فقط، إلى مسرح لعبور عشرات الآلاف من الشباب المغربي، طرح كثيرون سؤالا أمنيا بامتياز مفاده من فتح الحدود؟ في وقت أن السؤال الأعمق والأكثر إزعاجا وهو لماذا كان هناك أصلا عشرات الآلاف من الشباب جاهزين للمخاطرة بحياتهم سباحة نحو ضفة أخرى؟

    الجواب لا يوجد في تحليل ساعات الأزمة بل في عقدين على الأقل من سياسات عمومية للتعليم والصحة والتشغيل لم تفلح في احتواء جيل كامل، تاركة إياه فريسة سهلة، ليس فقط لليأس بل لشبكات التهريب والاتجار في البشر، التي حوّلت هذا اليأس إلى تجارة منظمة.

    صورة الهارب.. من هم هؤلاء الشباب؟

    خلافا للصورة النمطية التي تحصر العابرين في شباب مدن الشمال وحدها، كشفت معطيات جمعيات حقوقية بالمغرب أن الوافدين إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة قدموا من مدن متفرقة داخل المغرب، من القنيطرة والدار البيضاء إلى الجديدة، إلى جانب قاصرين ونساء وحتى عائلات كاملة حاولت العبور سباحة.

    هذا الاتساع الجغرافي للظاهرة يفنّد أي تفسير يختزلها في خصوصية محلية لمدن الحدود، ويؤشر بدل ذلك على أزمة وطنية الطابع، عنوانها “شبان أرسلتهم مدنهم البعيدة عن الحدود بحثا عن أفق لم يجدوه في محيطهم القريب”.

    وقد حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من تحول سواحل الفنيدق وسبتة إلى بؤرة لـ”كارثة إنسانية” تتكرر فصولها مع كل موجة هجرة جديدة.

    ويأتي هذا التحذير في وقت تظهر فيه المعطيات الرسمية الإسبانية تصاعد الضغط على المدينة المحتلة، إذ بلغ عدد الواصلين إليها بطريقة غير نظامية 2826 شخصا منذ بداية سنة 2026 إلى غاية 15 يوليوز، بزيادة تقارب 150 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ما يجعل سبتة نقطة العبور الأكثر ضغطا على الحدود الجنوبية لإسبانيا خلال هذه الفترة.

    ولا تقتصر خطورة الوضع على ارتفاع أعداد الوافدين، بل تمتد إلى الكلفة الإنسانية لهذه المحاولات، فوفق المعطيات التي جمعتها وسائل إعلام محلية اعتمادا على تدخلات الحرس المدني الإسباني، ارتفع عدد الجثث التي انتُشلت من سواحل سبتة خلال سنة 2026 إلى 56 جثة مع نهاية يوليوز، فيما تتحدث منظمات حقوقية عن مفقودين لا يزال مصيرهم مجهولا، في ظل صعوبات مرتبطة بتحديد الهويات وإبلاغ الأسر واستكمال إجراءات التعرف على الضحايا.

    وترى الجمعية أن ما تشهده المنطقة يتجاوز كونه أزمة حدود أو تحديا أمنيا ظرفيا، ليعكس تراكما لاختلالات اجتماعية واقتصادية تدفع شبابا بينهم قاصرون، إلى اعتبار البحر آخر منفذ ممكن نحو الضفة الأخرى.

    ولذلك دعت إلى اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على تشديد المراقبة أو تفكيك شبكات التهريب، بل تربط حماية الحق في الحياة بفتح تحقيقات بشأن المفقودين، وتمكين عائلاتهم من الوصول إلى المعلومات، بالتوازي مع معالجة الأسباب البنيوية للهجرة، وفي مقدمتها الهشاشة الاجتماعية، والانقطاع المبكر عن الدراسة، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وضعف آليات الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ظاهرة “النيت”.. جيل خارج كل المنظومات

    يحمل هؤلاء الشباب في الغالب سمة مشتركة ترصدها الإحصائيات الرسمية منذ سنوات وهي فئة “NEET”، أي الشباب الذين لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين.

    وتكشف دراسة مشتركة بين المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية، صدرت في أكتوبر 2025 بتمويل من الاتحاد الأوروبي، أن 2.9 مليون شاب مغربي يوجدون في هذه الوضعية، الأخطر أن الخطر يتفاقم مع التقدم في العمر فبين سن 25 و29 سنة، يصل معدل الشباب في وضعية “NEET” إلى 50 بالمئة، بعدما كانت المرحلة الانتقالية بين 24 و29 سنة توصف بأنها “سن حرج للدخول” في هذه الوضعية بشكل دائم.

    كما أن 76 بالمئة من هذه الفئة لا يحملون أي شهادة تأهيلية، وأكثر من 70 بالمئة منهم إناث، غالبيتهن ربات بيوت غير نشيطات اقتصاديا، ما يكشف بعدا جندريا إضافيا للظاهرة يختلف عن ملف الهجرة من حيث الحدة لكنه يشترك معه في الجذر البنيوي نفسه.

    في السياق نفسه، رصدت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قدّمت سنة 2023 وجود 1.5 مليون شاب بين 15 و24 سنة خارج منظومتي الدراسة والعمل بشكل كامل، وفق إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2022.

    هذا الخزان البشري الضخم، المحروم من أفق دراسي أو مهني، هو بالضبط ما يجعل عرض “العبور نحو أوروبا” مغريا، مهما كانت مخاطره، فحين لا يكون أمام الشاب لا مقعد دراسي يعود إليه ولا وظيفة تنتظره، تصبح كلفة المخاطرة بالحياة في البحر أقل إيلاما، من منظوره، من كلفة الاستمرار في الانتظار.

    إرث الحكومات المتعاقبة.. مليارات الدراهم ونتائج غائبة

    المفارقة أن هذا الوضع لم ينشأ من غياب السياسات العمومية بل رغم تعددها، فمنذ حكومة ادريس جطو وإلى حكومة سعد الدين العثماني، أُطلقت برامج “إدماج” و”تأهيل” و”تحفيز” بوعد تجاوز 100 ألف إدماج سنويا، كما أعلنت الحكومة السابقة عن إحداث أكثر من 212 ألف منصب شغل بين 2017 و2021، ورغم أنها اعتبرت الحصيلة “مشرفة” ، فمعدل البطالة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة بقي مرتفعا عند 30.2 بالمئة سنة 2022، رغم كل هذه البرامج.

    الحكومة الحالية بدورها ضخّت استثمارات مماثلة، على غرار برنامج “أوراش” بميزانية 2.25 مليار درهم لخلق أكثر من 250 ألف فرصة عمل مؤقتة، وبرنامج “فرصة” بـ1.25 مليار درهم لدعم 10 آلاف حامل مشروع، وبرنامج “انطلاقة” بغلاف يناهز 8 مليارات درهم لتمويل مقاولات ذاتية وصغرى، خاصة في الوسط القروي، ومع ذلك، أظهر استطلاع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول هذه البرامج تحديدا أن 71.57 بالمئة من المشاركين لم يسبق لهم الاستفادة من أي برنامج موجه للشباب على الإطلاق، وأن 49 بالمئة ممن أبدوا رأيا اعتبروها غير فعالة.

    النتيجة أن حوالي 1.7 مليون شاب مغربي ينتهي بهم المطاف في القطاع غير المهيكل أو التشغيل الذاتي الهش، منهم 88 بالمئة بلا عقد عمل ولا حماية اجتماعية تُذكر.

    هذا التراكم من الإحباط الذي يمتد لأكثر من 10 سنوات لا يبقى حبيس الإحصائيات، فبحسب البحث الوطني حول الهجرة الدولية (2018-2019) الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، عبّر 40.3 بالمئة من الشباب المغربي بين 15 و29 سنة عن رغبة قوية في مغادرة التراب الوطني لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية، أي قبل سنتين من موجة سبتة الأولى في ماي 2021، قبل أن تتكرر مجددا في اليومين الأخيرين، لكن بحدة أكبر. وبعبارة أخرى، كانت “الرغبة في الرحيل” جاهزة ومكتومة منذ سنوات، وما احتاجه الأمر فقط هو ثغرة ميدانية لتتحول من رغبة كامنة إلى فعل جماعي.

    وفي هذا السياق، وضع حزب الأصالة والمعاصرة الملف في سياق يتجاوز التدبير الأمني الآني، معتبرا أن موجة العبور الأخيرة تعكس تحديات بنيوية تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب.

    وفي هذا الإطار، كشفت فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية للحزب، عن استعداد المكتب السياسي لعقد اجتماع استثنائي سيخصص لتدارس تطورات ما شهدته سبتة المحتلة، معتبرة أن ما وقع “لا يمكن اختزاله في قراءة بسيطة”، بل يفرض نقاشا وطنيا واسعا حول الأسباب العميقة التي دفعت مئات الشباب، ومن بينهم قاصرون، إلى المخاطرة بحياتهم.

    وربطت المنصوري بين هذه التطورات وبين عدد من الأوراش المرتبطة بالسياسات العمومية، وفي مقدمتها التعليم والتكوين والإدماج الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة، معتبرة أن استعادة ثقة الشباب في المستقبل تقتضي تسريع وتيرة الإصلاحات، والانتقال من تدبير تداعيات الظاهرة إلى معالجة أسبابها البنيوية.

    كما شددت على أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حماية النظام العام، بل تستدعي التوازي الإنصات إلى انتظارات الشباب وفتح فضاء لحوار وطني يشارك فيه مختلف الفاعلين، بما يسمح بصياغة حلول أكثر استدامة واستجابة للتحولات الاجتماعية التي تعرفها المملكة.

    وفي السياق ذاته، عبرت المنصوري عن تقديرها للمجهودات التي بذلتها مختلف المصالح الأمنية خلال تدبير الأحداث، مشيرة إلى أن ما رافقها من أعمال عنف وإحراق للممتلكات يظل سلوكا مرفوضا، مؤكدة أن حماية الأمن العمومي ينبغي أن تتوازى مع سياسات تعزز الإدماج وتعيد الأمل إلى فئة واسعة من الشباب.

    وختمت بالتأكيد أن ما تشهده المملكة من أوراش إصلاحية وتنموية يشكل قاعدة يمكن البناء عليها، غير أن نجاحها يظل رهينا بقدرتها على الوصول إلى الشباب، وتعزيز شعورهم بالانتماء، وترجمة ثمار التنمية إلى فرص ملموسة تحفظ الكرامة وتحد من دوافع الهجرة غير النظامية.

    المافيا.. من يستثمر في يأس الشباب؟

    مع تشديد المراقبة الأمنية على طريق جزر الكناري الأطلسي الذي كان يُعد الممر الأخطر والأكثر استخداما للهجرة نحو أوروبا، أعادت شبكات تهريب المهاجرين توجيه نشاطها تدريجيا نحو سبتة، التي تحوّلت إلى ما يشبه “محطة لوجستية” وسيطة ضمن مسارات جديدة للهجرة غير النظام.

    ولم يعد الأمر يقتصر على تسهيل عبور فردي، بل أصبح عملا منظما على مراحل، بما فيها إدخال المهاجرين إلى سبتة بحرا، ثم إيواؤهم في شقق وبيوت آمنة تستأجرها الشبكات داخل المدينة، قبل التخطيط لنقلهم في مرحلة لاحقة نحو مدن جنوب إسبانيا، في عمليات تهدف إلى تمويه المراقبة الأمنية.

    العمليات الأمنية المتكررة خلال 2026 توثّق هذا التحول، ففي يوليوز نفّذ الحرس المدني الإسباني حملة واسعة بدعم من طائرات مسيّرة أسفرت عن اعتقال 6 أشخاص من سكان سبتة للاشتباه في انتمائهم لشبكة تهريب، فيما شهد شهر أكتوبر عملية مماثلة اعتُبرت الأكبر منذ عملية “باركيرا” السابقة، أدت أيضا إلى توقيف 6 مشتبه بهم آخرين.

    ولا تقتصر شبكة “زبائن” هذه المافيات على المغاربة وحدهم، بل تشمل مرشحين للهجرة من دول المغرب الكبير وإفريقيا جنوب الصحراء، بل ومن مناطق نزاع في الشرق الأوسط، ما يمنح هذه الشبكات قاعدة بشرية واسعة تستغلها مقابل مبالغ مالية.

    كلفة هذا التوسع في نشاط المافيا تُقاس بالأرواح، فقد سجلت سبتة وحدها 40 حالة وفاة على الأقل خلال 2025، وهو أعلى رقم يُسجَّل في السنوات الأخيرة على هذا المسار تحديدا، إضافة إلى 9 حالات وفاة أخرى مسجلة في 2026 قبل اندلاع أزمة يوليوز الأخيرة.

    الإطار المؤسسي والمالي

    ولا يقتصر التعاون المغربي الأوروبي في محاربة شبكات التهريب على تصريحات ظرفية، بل يستند إلى بنية مؤسسية ممتدة منذ سنوات، فبموجب الإعلان المشترك بين المغرب والاتحاد الأوروبي لسنة 2019، اعتُبر المغرب “شريكا رئيسيا” في تدبير الهجرة، بتمويل أوروبي منتظم لتعزيز قدرات المملكة في هذا المجال.

    وفي يوليوز 2022، أطلقت المفوضية الأوروبية أولى “شراكات التشغيل لمكافحة التهريب” مع المغرب والنيجر، في إطار خطة عمل الاتحاد الأوروبي المتجددة لمكافحة تهريب المهاجرين (2021-2025).

    وفي دجنبر من العام نفسه، أطلق الاتحاد الأوروبي “مبادرة أوروبا الموحدة” الخاصة بالمسار الأطلسي والمتوسط الغربي، بتعبئة 908 ملايين يورو لدعم التعاون مع المغرب وعدد من دول غرب إفريقيا في مجالات الحدود ومكافحة التهريب والهجرة القانونية.

    وبشكل أكثر تحديدا، خصص الاتحاد الأوروبي برنامجا بقيمة 152 مليون يورو موجها حصريا لتعزيز قدرات المغرب في إدارة الحدود ومحاربة شبكات التهريب، إلى جانب دعم الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء وبرامج العودة الطوعية.

    منعطف مأساة مليلية 2022

    تعزز هذا التعاون بشكل خاص بعد مأساة معبر مليلية في 24 يونيو 2022، التي خلّفت 23 قتيلا على الأقل، فبعد أسبوعين فقط من الحادثة، عقد اجتماع في الرباط جمع المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون، ووزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، ووزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، اتفقوا خلاله على تحديث آليات التعاون لمواجهة “الأساليب التشغيلية الجديدة” التي تعتمدها شبكات التهريب، بما في ذلك تعزيز التعاون الشُّرطي وإطلاق تحقيقات مشتركة.

    وأكد البيان المشترك الصادر عن هذا اللقاء أن جهود المغرب “تمنع عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين من الهجرة سرا إلى أوروبا”، مع تفكيك ما يقارب 100 شبكة إجرامية للاتجار بالبشر خلال تلك الفترة، معتبرا الاستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء (SNIA) “من أكثر نماذج إدارة الهجرة تقدما” على المستويين التشريعي والمؤسسي.

    وبحسب مصادر إسبانية رسمية، فقد سمحت الآليات المشتركة الجديدة آنذاك بإيقاف نحو 40 بالمئة من حركات الهجرة غير النظامية، وهو ما ترجم أيضا، بحسب التقدير نفسه، إلى تراجع بنسبة 40 بالمئة في تعريض الأرواح للخطر.

    الحصيلة الرقمية الأحدث

    تظهر بيانات وزارة الداخلية المغربية، أن هذا التعاون يترجم إلى نتائج ميدانية متجددة سنويا، فخلال 2025 وحدها أحبطت السلطات المغربية 73.640 محاولة هجرة غير نظامية، وفككت أكثر من 300 شبكة تهريب نشطة، وأنقذت 13.595 مهاجرا في عمليات تدخل بعرض البحر شملت مساعدة طبية وإيواء وتوجيها، فيما استفاد 4.372 مهاجرا من برامج العودة الطوعية الكريمة إلى بلدانهم بالتنسيق مع ممثلياتهم الدبلوماسية.

    غير أن الوزارة نفسها أقرت بأن هذا التراجع في المحاولات “لا يعني نهاية الظاهرة”، بل يعكس “إعادة تموقعها جغرافيا” نحو مناطق أخرى في غرب إفريقيا وجنوب المتوسط، وهو بالضبط ما يفسر، من منظور هذه المادة، انتقال الضغط نحو سبتة تحديدا حين ضاقت مسارات أخرى.

    وكانت عملية نفذها الدرك الملكي المغربي، انطلقت من بني ملال وامتدت دوليا، تقدم مثالا دالا، حيث تمكنت التحقيقات من تفكيك شبكة كانت تُهرّب مرشحين للهجرة عبر ليبيا نحو إيطاليا، وتحتجزهم هناك لابتزاز عائلاتهم ماليا، فيما استُخدم نظام “الحوالة” لتحويل الأموال بشكل غير مشروع، بواقع نحو 3000 عملية مالية منذ 2015 تراوحت قيمتها بين 500 و100,000 درهم للعملية الواحدة، قبل أن تحجز السلطات مبلغا ماليا ناهز 2.57 مليون درهم.

    هذا النوع من العمليات يكشف أن الشبكات لم تعد تكتفي بتهريب الأشخاص، بل طوّرت اقتصادا ماليا موازيا قائما على الابتزاز وتبييض الأموال عبر الحدود، وهو ما يفسر تمويل الاتحاد الأوروبي برنامجا إقليميا خاصا بقيمة 15 مليون يورو، عبر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، لتعزيز قدرات المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر تحديدا في التحقيق ومقاضاة قضايا تهريب البشر والاتجار به.

  • شبيبة “البام” تربط موجة الهجرة بأزمة الثقة وتدعو لمراجعة السياسات وتفتح نقاشا للحد من الظاهرة

    شبيبة “البام” تربط موجة الهجرة بأزمة الثقة وتدعو لمراجعة السياسات وتفتح نقاشا للحد من الظاهرة

    ربطت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة محاولات الهجرة غير النظامية الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة بعوامل اجتماعية واقتصادية، معتبرة أن جزءا من هذه الظاهرة يعكس تراجع ثقة بعض الشباب في فرص الاندماج وتحقيق الذات داخل الوطن، ومحدودية الفرص، مقابل استغلال هشاشتهم من قبل جهات تدفعهم نحو مغامرات الهجرة غير النظامية.

    أكدت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، في بلاغ توصلت به جريدة “AM+ MEDIA” أنها تتابع عن كثب وباهتمام بالغ، مختلف تطورات الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة غير النظامية التي شهدتها بعض المناطق الحدودية، ولاسيما بمدينة الفنيدق في اتجاه معبر سبتة المحتلة، وبجماعة بني أنصار بإقليم الناظور في اتجاه معبر مليلية المحتلة، وتداعياتها، وما أفرزته من نقاشات وتساؤلات مشروعة حول أوضاع الشباب المغربي وانتظاراته وآفاقه.

    وتقدمت المنظمة بأصدق عبارات التعازي والمواساة إلى أسر الضحايا المكلومة، سائلة الله تعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم جميل الصبر والسلوان، معربة عن تضامنها ومؤازرتها لأسر المفقودين، راجية أن تتكلل جهود البحث عنهم بالعثور عليهم سالمين.

    وعبرت عن أسفها العميق إزاء الوضع الذي وجد فيه عدد من الشباب أنفسهم، وما قد يترتب عنه من مخاطر تهدد حياتهم وسلامتهم ومستقبلهم.

    وجدد البلاغ إثارة النقاش حول الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذه الظواهر، ولاسيما ما يرتبط منها بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وفقدان عدد من الشباب الثقة في إمكانات الاندماج وتحقيق الذات داخل الوطن، ومحدودية الفرص، والحاجة إلى تعزيز العدالة المجالية وتكافؤ الفرص وصون كرامة المواطن.

    واستحضرت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة في هذا السياق ما يوليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله من عناية لقضايا الشباب، وسعي جلالته لتمكين هذه الفئة اقتصاديا واجتماعيا.

    وشددت المنظمة على أن اللحظة الحالية تقتضي التحلي بالرصانة في التحليل والتفكير، وتقتضي مجهودا وطنيا جماعيا تتكامل فيه مسؤوليات الحكومة والمؤسسات والفاعلين السياسيين والمدنيين، من أجل فهم أعمق وأدق لهذه الظواهر، ومعالجة أسبابها وتداعياتها، إضافة إلى خطاب صريح ومسؤولا، يعيد الأمل في نفوس الشباب.

    ووجهت منظمة شباب “البام” نداء إلى مختلف الشابات والشبان وكذا أسرهم، من أجل عدم الزج بأنفسهم في مغامرات مجهولة العواقب، قد تعرض حياتهم وسلامتهم ومستقبلهم للخطر، مشيرة إلى أن “ما شهدناه من عودة تلقائية لعدد من الشباب يؤكد أن مواجهة الصعوبات داخل الوطن، والعمل الجماعي على تجاوزها، يظلان السبيل الآمن لبناء المستقبل”.

    وأكدت أن معالجة قضايا الشباب تقتضي تعزيز جسور الثقة والحوار، والانفتاح على مختلف الأصوات والتعبيرات الشبابية، والإنصات الجاد إلى انشغالاتها وتطلعاتها، وترجمتها إلى سياسات عمومية ومبادرات عملية وملموسة.

    وأعلنت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة أنها ستبادر، خلال الأيام القليلة المقبلة، إلى فتح نقاش رصين مع مختصين وأكاديميين وممارسين، في أفق إعداد قراءة سياسية دقيقة واقتراح إجراءات عملية وواقعية، تسهم في فهم هذه الظواهر والحد من أسبابها وتداعياتها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة ودون إقصاء لأي سؤال مشروع.

    وبعدما أدانت بشدة مختلف المحاولات والدعوات الرامية إلى تأجيج الأوضاع بالمناطق الحدودية، واستغلال هشاشة الشباب أو التغرير بالقاصرين ودفعهم نحو محاولات الهجرة غير النظامية، شدد شباب “البام” أن الزج بهذه الفئات في مثل هذه المغامرات يشكل سلوكا غير مسؤول، ويعرض حياتهم وسلامتهم ومستقبلهم لمخاطر جسيمة.

    وأعربت منظمة شباب حزب “الجرار” عن إدانتها لمختلف أعمال الشغب والعنف والتخريب التي رافقت بعض هذه الأحداث، ولاسيما بجماعة بني أنصار بإقليم الناظور، لما تشكله من مساس بأمن المواطنين وسلامتهم وإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، مؤكدة رفضها المطلق لكل أشكال العنف والفوضى التي تصدت لها، بكل مسؤولية و حزم ، السلطات الأمنية.

    وأشارت المنظمة إلى أن قضايا الشباب تظل في صلب أولوياتها، مجددة التزامها بمواصلة الترافع من أجل سياسات عمومية منصفة وفعالة، تعزز الأمل، وتوسع فرص الاندماج والتمكين، وتضمن للشباب المغربي حقه في المشاركة وفي صناعة مستقبله داخل وطنه.

    وعشية اليوم الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن أكثر من 48 ألف مهاجر عادوا حتى الآن إلى المغرب من سبتة، بعدما عبر عشرات الآلاف الحدود إلى الثغر المحتل.

    وقالت وزارة الداخلية الإسبانية إنه بحلول الساعة السادسة مساء، الخامسة مساء بتوقيت المغرب، كان 48.300 مهاجر قد عادوا عبر الحدود.

    وتسببت شائعات انتشرت على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي عن فتح الحدود بين المغرب وإسبانيا، بالتدفق الكبير للمهاجرين منط يوم أمس الخميس على المناطق الحدودية، سيما مدينة الفنيدق المتاخمة لسبتة المحتلة.

  • حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    حملات مضللة تقود مهاجرين إلى سبتة المحتلة والمغرب في قلب معادلة ضبط أمن حدود أوروبا

    في ظرف ساعات، تحولت سبتة المحتلة إلى إحدى أكثر النقاط سخونة، بعد موجة عبور غير مسبوقة قدّرتها وزارة الداخلية الإسبانية بنحو 49 ألف شخص خلال 24 ساعة فقط، وهو رقم يفوق بأضعاف أزمة ماي 2021 التي شهدت دخول ما بين 8 و10 آلاف مهاجر خلال يومين، ووضع كل من  الرباط ومدريد أمام اختبار ميداني جديد.

    وفي وقت انشغل الرأي العام بالأرقام والصور، تبرز أسئلة أعمق تتعلق بأسباب ما جرى، وحدود التنسيق الأمني بين المغرب وإسبانيا، فضلا عن انعكاسات الأزمة على مستقبل الشراكة بين الرباط والاتحاد الأوروبي.

    ما الذي وقع فعلا؟

    صباح الخميس 30 يوليوز، تدفقت حشود كبيرة من المهاجرين، أغلبهم شبان مغاربة، سباحة ومشيا على الأقدام نحو سبتة المحتلة عبر الالتفاف حول الحاجز البحري بمحاذاة معبر تراخال، قادمين أساسا من مدينة الفنيدق، فيما العبور تواصل طيلة الليل، ولم يقتصر على الشبان بل شمل نساء وشيوخا، وأطفالا ورضع وعائلات كاملة.

    ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن السلطات الإسبانية أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى 34 قتيلا على الأقل، بينهم أشخاص لقوا حتفهم غرقا وآخرون في حوادث تدافع خلال محاولات العبور، إضافة إلى مفقودين لا تزال عائلاتهم تبحث عن معلومات بشأن مصيرهم وفق ما نقلته وكالة “فرنس برس”، أما مراكز الاستقبال، خاصة تلك المخصصة للقاصرين غير المرافَقين، تجاوزت طاقتها الاستيعابية، ما ترك آلاف الوافدين دون مأوى في الشوارع والحدائق العامة.

    على الجانب المغربي، سُجلت مواجهات واحتراق مركبات في بني أنصار قرب الحدود مع مليلية المحتلة، فيما عمدت السلطات المغربية إلى إغلاق المعبر ونشر شاحنات مزودة بمدافع مياه.

    أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، فقد توجه شخصيا إلى سبتة المحتلة برفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، وعبر اليوم الجمعة، عن أسفه لارتفاع حصيلة الضحايا فى الأحداث الأخيرة، مثمنا استعداد السلطات المغربية للتعاون فى ملف إعادة المهاجرين.

    من جانبها، رفضت الحكومة المركزية طلب رئيس حكومة سبتة المحتلة خوان خيسوس فيباس إعلان “حالة طوارئ وطنية”، معتبرة أن الهجرة لا تندرج ضمن الإطار القانوني الذي يبرر هذا الإعلان، واكتفت بإعلان تعزيزات أمنية وعسكرية إضافية.

    برز في الساعات الأولى للأزمة أكثر من تفسير لمحاولة فهم أسباب موجة العبور، غير أن أيا منها لم يحظ، إلى حدود كتابة هاته الأسطر بما يكفي من المعطيات التي تسمح باعتباره تفسيرا حاسما.

    في الرواية التي تبنتها السلطات الإسبانية ونقلتها وسائل إعلام محلية، ارتبطت الموجة بحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز، قضى بعدم جواز “الإعادة الفورية” للمهاجرين الذين تعترضهم السلطات في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية، بينما يظل هذا الإجراء ممكنا بالنسبة لمن يعبرون الحدود برا.

    وترى مدريد أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت هذا القرار وروجت لتأويلات مضللة أوحت للمهاجرين بإمكانية البقاء في حال الوصول بحرا، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف ما جرى بأنه “اعتداء على السيادة الإسبانية”، متهما تلك الشبكات بتوظيف مضمون الحكم لاستقطاب مزيد من الراغبين في الهجرة.

    في المقابل، دعت قراءات أخرى إلى تجنب اختزال ما حدث في عامل قانوني واحد، ويستند هذا التوجه إلى أن موجة العبور شملت أشخاصا قدموا من مناطق مختلفة داخل المغرب، وفي ظروف اجتماعية متباينة، وهو ما يجعل من الصعب تفسيرها بحكم قضائي إسباني وحده، وفق ما يراه عدد من الفاعلين الحقوقيين المغاربة.

    وإلى جانب التفسير القانوني، برزت فرضية أخرى تداولتها مصادر ميدانية وأمنية، من بينها نقابة الحرس المدني الإسباني وفاعلون حقوقيون، تحدثت عن تراجع في مستوى المراقبة ببعض النقاط الحدودية خلال الساعات الأولى للأزمة، معتبرة أن ذلك قد يكون أسهم في وصول أعداد أكبر إلى الساحل.

    غير أن هذه الفرضية، شأنها شأن باقي القراءات المتداولة، لا تستند إلى تأكيد رسمي من السلطات المغربية التي لم تصدر، إلى حدود إعداد هذه المادة توضيحا بشأن ملابسات ما جرى أو العوامل التي أفضت إلى هذه الموجة.

    الشرخ الأوروبي

    من جهة ثانية، الأزمة لم تبق حبيسة الحدود المغربية الإسبانية، بل تحولت سريعا إلى مادة خلاف داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ذلك أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وصفت المشاهد القادمة من سبتة بأنها دليل على أن “الهجرة غير النظامية غير المنضبطة تشكل تهديدا حقيقيا لأمن حدود أوروبا”، معلنة استعداد بلادها “للتدخل بإجراءات استثنائية”، من بينها تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا.

    أما وزير خارجيتها أنطونيو تاياني فقد ذهب أبعد من ذلك، رابطا الأزمة بقرار مدريد الأخير تسوية أوضاع أكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، واصفا القرار بأنه “خاطئ جدا ويشجع على الاتجار بالبشر” .

    الرد الإسباني جاء حازما، من وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، الذي وصف تصريحات روما بأنها “لا تليق بوزير خارجية بلد شريك وصديق”، واعتبرها “مزايدة سياسية حزبية” لا تضامنا، معلنا استدعاء السفير الإيطالي للاحتجاج.

    فرنسا بدورها لم تقف على الحياد، فوزير داخليتها لوران نونيز أعلن تفعيل “قوة التدخل السريع الحدودية” وتعزيز فوري للمراقبة عند الحدود.

    و في السياق نفسه، اعتبرت وزيرة داخلية فنلندا ماري رانتانن أن “إسبانيا فشلت تماما في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن”، داعية دول الاتحاد لدعم موقف إيطاليا، فيما وصف رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون الوضع بأنه يستوجب من إسبانيا “استعادة السيطرة بسرعة والوفاء بالتزاماتها ضمن التعاون الأوروبي المشترك”.

    هذا التصعيد المتبادل بين عواصم أوروبية كبرى كشف هشاشة بنيوية أعمق، تفيد بأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل شبه كامل على المغرب كـ “حارس” فعلي لحدوده الجنوبية عند سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما المعبر البري الوحيد بين القارتين الأوروبية والإفريقية، وبالتالي فإن أي تذبذب في هذا الدور مهما كان سببه، يتحول فورا إلى أزمة سياسية داخل الاتحاد نفسه، تتجاوز حدود الملف الإنساني إلى صراع نفوذ بين تيارات سياسية أوروبية متعارضة حول ملف الهجرة.

    المغرب.. خط الدفاع الأول لأوروبا

    واختزال ما جرى في سبتة في مشاهد التدافع وحدها يغفل سياقا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالدور الذي يضطلع به المغرب منذ سنوات باعتباره أحد أبرز خطوط الدفاع الأولى للاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجرة غير النظامية.

     فخلال العقد الأخير، لم يعد التعاطي المغربي مع الظاهرة يقتصر على حماية حدوده الوطنية، بل تحول إلى منظومة أمنية وعملياتية متكاملة تقوم على المراقبة البحرية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر وتعزيز التنسيق الاستخباراتي والعملياتي مع إسبانيا والشركاء الأوروبيين.

    واكتسب هذا التعاون زخما أكبر منذ سنة 2022، في أعقاب استئناف العلاقات المغربية الإسبانية على أسس جديدة، حيث ارتفع مستوى التنسيق الميداني بين أجهزة البلدين، وتوسع تبادل المعلومات والعمليات المشتركة، قبل أن يتعزز باتفاقات التعاون الموقعة سنة 2023 في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

    وتعكس المؤشرات الرسمية الإسبانية حجم الأثر الذي خلفته هذه المقاربة، فقد سجلت إسبانيا خلال سنة 2025 انخفاضا إجماليا بنسبة 42.6 في المئة في عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى أراضيها، بعدما تراجع العدد من 64,019 إلى 36,775 شخصا، وفق بيانات وزارة الداخلية الإسبانية.

    وكان الانخفاض أكثر وضوحا في مسار جزر الكناري، الذي يمثل أخطر طرق الهجرة نحو أوروبا وأكثرها نشاطا خلال السنوات الأخيرة، إذ تقلص عدد الوافدين بنسبة قاربت 62 في المئة، من 46,850 إلى 17,800 شخص.

    ولم يكن هذا التراجع ظرفيا، إذ استمرت المؤشرات الإيجابية خلال النصف الأول من سنة 2026، مع انخفاض إضافي بلغ 25 في المئة في إجمالي الوافدين إلى إسبانيا، و61 في المئة عبر مسار الكناري، وفق ما أوردته صحيفة “لوموند” استنادا إلى المعطيات الرسمية الإسبانية.

    ولم تتوقف هذه الجهود حتى مع اندلاع أحداث سبتة الأخيرة، ففي الوقت الذي كانت فيه صور محاولات العبور الجماعي تتصدر وسائل الإعلام، كانت البحرية الملكية المغربية والحرس المدني الإسباني ينفذان عمليات مشتركة لاعتراض قوارب وإنقاذ مهاجرين في عرض البحر قبالة سواحل الفنيدق، بينما عززت السلطات المغربية انتشارها الأمني عند المحاور المؤدية إلى المدينة، واستخدمت وسائل تفريق الحشود لمنع تكرار محاولات الاقتحام الجماعي، في استمرار لنهج يقوم على احتواء التدفقات قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية.

    لكن هذه الحصيلة تبرز في الآن نفسه مفارقة معروفة في أدبيات إدارة الهجرة، فكلما نجحت السلطات في تضييق أحد مسارات العبور، تميل شبكات التهريب إلى إعادة توزيع نشاطها نحو منافذ أخرى أقل إحكاما أو أقل كلفة.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التراجع الكبير في المسار الأطلسي ترافق مع تصاعد الضغط على بعض المعابر البرية، وفي مقدمتها سبتة التي ارتفعت فيها محاولات العبور بنسبة 42 في المئة خلال سنة 2025، من 2,386 إلى 3,396 محاولة بحسب الإحصاءات الإسبانية.

    ولا يكفي هذا المؤشر وحده لتفسير موجة يوليوز 2026، التي تداخلت فيها عوامل قانونية وأمنية واجتماعية وشبكات تهريب البشر، لكنه يؤكد أن ما وقع لا يمثل قطيعة مع ما سبقه، بقدر ما يندرج ضمن إعادة تشكل مستمرة لمسارات الهجرة كلما تغيرت موازين الرقابة على الأرض والبحر.

  • صادرات المغرب من السيارات تتجاوز 93 مليار درهم

    صادرات المغرب من السيارات تتجاوز 93 مليار درهم

    أفاد مكتب الصرف بأن صادرات قطاع السيارات بلغت 93,65 مليار درهم عند متم يونيو 2026، مسجلة ارتفاعا بنسبة 17,4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

    وأوضح المكتب، في نشرته الأخيرة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، أن هذا الأداء يعزى إلى ارتفاع مبيعات قطاعي البناء بنسبة زائد 26,7 في المئة إلى 37,93 مليار درهم، والأسلاك بنسبة زائد 13,9 في المئة إلى 35,05 مليار درهم.

    وفي ما يتعلق بقطاع صناعة الطيران، فقد ارتفعت صادراته بنسبة 19,3 في المئة لتبلغ 17,32 مليار درهم، مستفيدة من زيادة مبيعات قطاعي التجميع بنسبة 24,7 في المئة، وأنظمة التوصيلات الكهربائية (EWIS) (زائد 8,6 في المئة).

    في المقابل، أشارت نشرة مكتب الصرف إلى تراجع صادرات قطاعات النسيج والجلد (ناقص 6,5 في المئة)، والإلكترونيات والكهرباء (ناقص 4,4 في المئة)، والفوسفاط ومشتقاته (ناقص 2,3 في المئة).

    من جانبه، سجل قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية ارتفاعا بنسبة 5,7 في المئة.

    وفي المجمل، ارتفعت الصادرات، عند متم يونيو الماضي، بنسبة 9,7 في المئة لتبلغ 260,39 مليار درهم.

  • برقية تهنئة وولاء وإخلاص إلى جلالة الملك من أسرة القوات المسلحة الملكية

    برقية تهنئة وولاء وإخلاص إلى جلالة الملك من أسرة القوات المسلحة الملكية

    رفعت أسرة القوات المسلحة الملكية برقية تهنئة وولاء وإخلاص إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.

    وفي ما يلي نص البرقية :

    ” الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

    مولاي صاحب الجلالة الملك، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية

    بمناسبة الإشراقة البهية للذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء جلالتكم عرش أسلافكم الميامين، تتشرف أسرة القوات المسلحة الملكية بجميع مكوناتها، البرية والجوية والبحرية والدرك الملكي، بأن ترفع إلى المقام العالي بالله، أصدق التهاني وأطيب المتمنيات لمولانا صاحب الجلالة الملك القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، راجية من الله العلي القدير أن تحل هذه الذكرى الوطنية الغالية وأمثال أمثالها وجلالتكم تتمتع بالنصر والتمكين والصحة والهناء ومملكتكم السعيدة تنعم بالأمن والرخاء وتتألق في مراتب الرقي والنماء.

    إن ذكرى عيد العرش المجيد وما تحمله من دلالات تاريخية وأبعاد حضارية تعتز بها الأمة المغربية، لتغتنمها قواتكم المسلحة الملكية فرصة جليلة لتجدد لجلالتكم يا مولاي، عهدها الراسخ على الطاعة والإخلاص والولاء، ولتعرب عن تجندها الدائم وراء جلالتكم للدفاع عن ثوابتنا الوطنية ووحدتنا الترابية مستنيرة بتوجهاتكم السامية وأوامركم المطاعة.

    مولاي صاحب الجلالة

    إن خدام جلالتكم الأوفياء، ضباطا وضباط صف وجنودا، وهم يشاركون الشعب المغربي أفراح هذه الذكرى السعيدة التي ينعم بها صاحب الجلالة على ترقية جميع فئات القوات المسلحة الملكية، ليعبرون عن فخرهم الكبير وامتنانهم العميق لهذه الرعاية المولوية السامية الرامية لتحسين ظروف عملهم وحرص جلالتكم على تطوير جيشكم وتأهيل أفراده.

    حفظكم الله يا مولاي بما حفظ به الذكر الحكيم، وأحاط عرشكم الشريف بالسبع المثاني، وشملكم الله بسابغ عنايته وكريم رعايته، وأبقاكم لشعبكم الوفي سدا منيعا وملاذا أمينا، وحقق على يديكم الكريمتين ما تصبون إليه من عظيم المنجزات ومن ازدهار ورفعة وطمأنينة ورخاء، وأقر عينكم بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير المحبوب مولاي الحسن، وشد أزر جلالتكم بصنوكم السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الرشيد وبسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب الدعاء.

    والسلام على مقامكم العالي بالله ورحمته تعالى وبركاته “.

  • أمير المؤمنين جلالة الملك يترأس حفل الولاء بالقصر الملكي بتطوان

    أمير المؤمنين جلالة الملك يترأس حفل الولاء بالقصر الملكي بتطوان

     ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد، بعد زوال اليوم الجمعة، بساحة المشور بالقصر الملكي بتطوان، حفل الولاء، وذلك تخليدا للذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك على عرش أسلافه المنعمين.

    وفي مستهل هذا الحفل، قدم وزير الداخلية السيد عبد الوافي لفتيت، وولاة وعمال ولايات وعمالات وأقاليم المملكة، وولاة وعمال الإدارة المركزية لوزارة الداخلية، الولاء لأمير المؤمنين أيده الله ونصره.

    بعد ذلك، تقدمت وفود وممثلو مختلف جهات وعمالات وأقاليم المملكة لتجديد البيعة والولاء لأمير المؤمنين، حفظه الله.

    ويتعلق الأمر بممثلي جهات :

    – الداخلة – وادي الذهب (وادي الذهب وأوسرد)

    – العيون – الساقية الحمراء (العيون، بوجدور، طرفاية، السمارة)

    – كلميم -واد نون (كلميم، آسا -الزاك، طانطان، سيدي إفني)

    – طنجة -تطوان -الحسيمة (طنجة -أصيلة، والمضيق -الفنيدق، وتطوان، والفحص -أنجرة، والعرائش، والحسيمة، وشفشاون ووزان)

    – الجهة الشرقية (وجدة -أنجاد، الناظور، الدريوش، جرادة، بركان، تاوريرت، كرسيف وفكيك)

    – فاس -مكناس (فاس، مكناس، الحاجب، إفران، مولاي يعقوب، صفرو، بولمان، تاونات وتازة)

    – الرباط -سلا -القنيطرة (الرباط، سلا، الصخيرات -تمارة، القنيطرة، الخميسات، سيدي قاسم، سيدي سليمان)

    – بني ملال -خنيفرة (بني ملال، أزيلال، الفقيه بنصالح، خنيفرة وخريبكة)

    – الدار البيضاء -سطات (الدار البيضاء، الدار البيضاء -آنفا، الفداء -مرس السلطان، عين السبع -الحي المحمدي، الحي الحسني، عين الشق، سيدي البرنوصي، ابن مسيك، مولاي رشيد، المحمدية، الجديدة، النواصر، مديونة، بنسليمان، برشيد، سطات وسيدي بنور)

    – مراكش – آسفي (مراكش، شيشاوة، الحوز، قلعة السراغنة، الصويرة، الرحامنة، آسفي واليوسفية)

    – درعة – تافيلالت (الرشيدية، ورزازات، ميدلت، تنغير وزاكورة)

    – سوس – ماسة (أكادير إداوتنان، إنزكان آيت ملول، شتوكة آيت باها، تارودانت، تزنيت وطاطا)

    واختتم هذا الحفل، الذي يجسد أصالة الشعب المغربي وتشبثه بأهداب العرش العلوي المجيد، بإطلاق المدفعية لخمس طلقات، بينما كان أمير المؤمنين يرد بيديه الكريمتين على تحايا وهتافات ممثلي مختلف جهات وعمالات وأقاليم المملكة.

    وشكل هذا الحفل البهيج، الذي يتوج الاحتفالات المخلدة للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أيده الله، على عرش أسلافه الميامين، مناسبة لممثلي الجهات الاثنتي عشر للمملكة، لتجديد تشبثهم بشخص جلالة الملك وبأهداب العرش العلوي المجيد، وللتأكيد من جديد، على أن الصلة التي تجمع العرش بالشعب تظل متجذرة في عمق تاريخ البلاد وتشكل على الدوام الأساس المتين للأمة المغربية والتعبير الأسمى عن مدى تماسكها واستمراريتها.

    جرى هذا الحفل بحضور رئيس الحكومة، ورئيسي غرفتي البرلمان، ومستشاري صاحب الجلالة، وأعضاء الحكومة، ورؤساء الهيئات الدستورية، وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، وعدد من الشخصيات المدنية والعسكرية.

  • تحويلات مغاربة العالم ترتفع بـ9.9% وتتجاوز 61 مليار درهم

    تحويلات مغاربة العالم ترتفع بـ9.9% وتتجاوز 61 مليار درهم

    أفاد مكتب الصرف بأن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بلغت 61,48 مليار درهم عند متم يونيو 2026، مقابل 55,954 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة السابقة.

    وأوضح المكتب، في نشرته الأخيرة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، أن هذه التحويلات سجلت تحسنا بنسبة 9,9 في المائة على أساس سنوي.

    كما أشارت النشرة إلى تسجيل رصيد إيجابي لميزان “الأسفار” بلغ 48,8 مليار درهم (زائد 20,6 في المائة).

    ويأتي هذا الرصيد نتيجة نمو المداخيل (زائد 15,9 في المائة لتصل إلى 64,89 مليار درهم) بنسبة أعلى من النفقات (زائد 3,6 في المائة لتصل إلى 16,09 مليار درهم).

    وفيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية المباشرة، ارتفع صافي تدفقاتها بنسبة 31,5 في المائة ليبلغ 26,16 مليار درهم.

    وارتفعت مداخيل هذه الاستثمارات بنسبة 14,4 في المائة، بينما تراجعت النفقات بنسبة 20,5 في المائة.

    واستقر صافي تدفق الاستثمارات المغربية المباشرة بالخارج عند زائد 5,711 مليار درهم.

  • الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    الانتخابات في “العهد الجديد”.. إصلاحات تتجاوز القوانين لـ”هندسة الثقة”

    لم تعرف المنظومة الانتخابية بالمغرب، خلال أكثر من ربع قرن، تحولات مرتبطة فقط بتعديل القوانين أو باحترام المواعيد الدستورية للاستحقاقات، بل مرت عبر مسار إصلاحي متدرج قادته رؤية ملكية جعلت من بناء المؤسسات، وتعزيز الثقة في الانتخابات، وترسيخ سيادة القانون، مرتكزات أساسية لتطوير الممارسة الديمقراطية.

    فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999، لم تعد الانتخابات تُقرأ باعتبارها محطة دورية لفرز الأغلبية والمعارضة فقط، بل باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لإنتاج مؤسسات قوية، قادرة على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والتنموية التي تعرفها المملكة.

    وفي سياق الاحتفال بعيد العرش، يبرز هذا المسار باعتباره أحد تجليات التحول المؤسساتي الذي عرفه المغرب، حيث ارتبط تطوير الانتخابات برؤية ملكية متدرجة جعلت من بناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية، مرتكزات أساسية لتقوية المؤسسات المنتخبة.

    ويكشف تتبع الخطب الملكية والمحطات الدستورية الكبرى أن إصلاح المنظومة الانتخابية لم يكن منفصلا عن باقي الأوراش التي أطلقت خلال العهد الجديد، بل تزامن مع إصلاحات مست القضاء، والإدارة، والجهوية، واللاتمركز، والحكامة، بما يعكس تصورا يعتبر أن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع، وإنما تقوم على وضوح القواعد، وحياد المؤسسات، وثقة المواطنين في المسار السياسي.

    “العهد الجديد”.. بناء المؤسسات قبل إصلاح الانتخابات

    عندما اعتلى الملك محمد السادس العرش سنة 1999، كان المغرب مقبلا على مرحلة جديدة عنوانها تحديث الدولة وتعزيز فعالية مؤسساتها، ففي أول خطاب للعرش، رسم جلالته الملامح العامة لهذا التوجه، من خلال تأكيد مواصلة بناء دولة المؤسسات، وخدمة المواطن، وربط ممارسة المسؤولية بالاستجابة لتطلعات المجتمع.

    ولم يتضمن خطاب 1999 توجيهات مباشرة مرتبطة بالانتخابات، لكنه وضع الإطار السياسي العام الذي ستندرج ضمنه الإصلاحات اللاحقة، إذ إن تطوير العملية الانتخابية لا ينفصل عن تحديث الإدارة، وتقوية المؤسسات، وترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.

    وفي هذا السياق، جاءت أول انتخابات تشريعية في العهد الجديد يوم 27 شتنبر 2002، باعتبارها أول اختبار سياسي في مرحلة جديدة. ورغم أنها جرت في ظل دستور 1996، فإنها دشنت مسارا متدرجا لمراجعة القواعد المنظمة للحياة السياسية، وتطوير آليات تدبير العمليات الانتخابية، وتأهيل المؤسسات المنتخبة لمواكبة الأوراش الكبرى التي انطلقت مع بداية الألفية الثالثة.

    ولم يعد الرهان مقتصرا على تنظيم الانتخابات في موعدها، بل أصبح مرتبطا أيضا بإرساء قواعد تنافس أكثر وضوحا، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع، وهو ما جعل الإصلاح الانتخابي ورشا مفتوحا في “العهد الجديد” مع جلالة الملك مع يتطور مع تطور الحياة السياسية.

    2003.. ترسيخ الديمقراطية كخيار استراتيجي

    في خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 بتاريخ 10 أكتوبر 2003، أكد جلالة الملك محمد السادس أن بناء المؤسسات المنتخبة يندرج ضمن مسار إصلاحي متواصل، قائلا: “إننا، بافتتاح هذه الدورة البرلمانية، نستكمل تجديد المؤسسات الدستورية، مجسدين إرادتنا الملكية الراسخة، في إعطاء المسار الديمقراطي طريقه القويم، كخيار لا رجعة فيه، مهما تكن دقة التحديات الوطنية والدولية.”

    وشدد جلالته على أن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل ممارسة يومية ومسؤولية جماعية، مضيفا: “ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق وطويل، وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع، بل هي مواطنة ملتزمة، وممارسة لا محيد عنها، لحسن تدبير الشأن العام”.

    وربط الخطاب بين الانتخابات وتحقيق التنمية، معتبرا أن شرعية الاقتراع تكتمل بتحويل نتائجها إلى سياسات عمومية تستجيب لتطلعات المواطنين، عندما تساءل جلالة الملك: “هل يعد الانتخاب غاية في حد ذاته، ونهاية المطاف؟”، قبل أن يجيب ” كلا، فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي نبذ عقلية ديمقراطية المقاعد، والالتزام بفضيلة ديمقراطية التنمية”، مبرزا أن الجماعات المحلية تمثل “ديمقراطية القرب والمشاركة”، داعيا المنتخبين إلى “طي صفحة المنافسة الانتخابية العابرة، وفتح الأوراش الحيوية للعمل الجماعي”، ومؤكدا أن الديمقراطية المحلية هي “تواصل دائم مع المواطنين، وليست مجرد لحظة انتخابية موسمية”.

    ولم يقتصر خطاب افتتاح السنة التشريعية 2003-2004 على الدعوة إلى المشاركة السياسية، بل ربطها بالحكامة الجيدة واحترام القانون، فقد أكد جلالة الملك “وجوب التزام هذه السلطات باليقظة والحزم والمراقبة الدائمة، لنهوض المجالس المنتخبة على الوجه الأكمل، بصلاحياتها الواسعة، طبقا للقانون”، محذرا من سوء تدبير الشأن العام، قائلا: “ومع تحذيرنا من الإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير، ولو كان صادرا عن منتخب بأغلبية واسعة”، وهي توجيهات كرست منذ بداية العهد الجديد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.

    خطاب 9 مارس 2011.. لحظة مفصلية في البناء الديمقراطي

    ويشكل خطاب 9 مارس 2011 إحدى أبرز المحطات السياسية في تاريخ المغرب الحديث، لأنه لم يقتصر على الإعلان عن مراجعة دستورية، بل قدم تصورا جديدا للعلاقة بين المؤسسات، ولمكانة الانتخابات داخل البناء الديمقراطي.

    وقال جلالة الملك في هذا الخطاب “قررنا إجراء تعديل دستوري شامل”، وهي عبارة دشنت ورشا دستوريا واسعا أفضى إلى اعتماد دستور جديد، أعاد توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وعزز مكانة الحكومة والبرلمان، ورسخ استقلال السلطة القضائية، وربط ممارسة السلطة بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.

    كما أكد جلالة الملك في الخطاب نفسه على ضرورة: “توطيد دولة الحق والمؤسسات”، وهو توجه لم يكن منفصلا عن المنظومة الانتخابية، إذ نص الفصل الـ11 من دستور 2011 على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، لتصبح نزاهة الانتخابات مبدأ دستوريا ملزما، لا مجرد مطلب سياسي أو إجراء إداري مرتبط بموعد انتخابي محدد.

    وأعاد دستور 2011 تحديد موقع الأحزاب السياسية داخل النظام المؤسساتي، باعتبارها مؤسسات تؤطر المواطنات والمواطنين، وتساهم في التعبير عن إرادتهم، وتشارك في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتداول الديمقراطي.

    ومن هنا، لم تعد الانتخابات مجرد وسيلة لتوزيع المقاعد، بل أصبحت مصدر الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخبة، وجزءا أساسيا من العلاقة بين الاختيار الشعبي وممارسة المسؤولية.

    الجهوية المتقدمة.. الانتخابات برهانات تنموية جديدة

    بعد اعتماد دستور 2011، انتقل المغرب إلى مرحلة جديدة مع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي وضع إعادة تنظيم الدولة ترابيا في صلب الإصلاح المؤسساتي.

    ومع تنظيم انتخابات الرابع من شتنبر 2015، لم تعد الانتخابات الترابية تقتصر على اختيار مجالس جماعية أو إقليمية، بل أصبحت تحدد أيضا من يقود التنمية على المستوى الجهوي، بعدما منحت الجهات اختصاصات أوسع في مجالات التخطيط والاستثمار والتجهيز والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    وأدى هذا التحول إلى توسيع معنى الاختيار الديمقراطي، إذ أصبح الناخب يساهم، من خلال صوته، في اختيار المسؤولين عن تنفيذ جزء مهم من السياسات العمومية على المستوى الترابي، لتكتسب الانتخابات الجهوية بعدا يتجاوز التدبير المحلي، لتصبح آلية لتقريب القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الترابي، وإعطاء الجهات دورا أكبر في بلورة وتنفيذ البرامج التنموية.

    من خطاب 2016 إلى تعليمات 2021.. النزاهة أساس الثقة

    إذا كان دستور 2011 قد وضع الأساس الدستوري لنزاهة الانتخابات، فإن المرحلة اللاحقة اتجهت نحو تعزيز الضمانات العملية الكفيلة بحماية الاقتراع وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.

    وقبل الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وجه جلالة الملك رسالة واضحة إلى مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، مفادها أن نجاح الاستحقاق لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بنتائج صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بمدى احترام قواعد النزاهة والشفافية.

    وأكد جلالته في خطاب العرش لسنة 2016 ضرورة “ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي”، وهو توجيه شكل آنذاك مرجعا لعمل الإدارة المشرفة على الانتخابات، إذ رسخ مبدأ حيادها باعتبارها الجهة المكلفة بالسهر على احترام القانون وتكافؤ الفرص، لا طرفا في المنافسة السياسية.

    وحمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن مصداقية المؤسسات المنتخبة تبدأ من سلامة المسار الذي أفرزها، وأن أي ممارسات تمس بحرية اختيار الناخبين أو تؤثر في المنافسة السياسية يجب أن تواجه في إطار القانون.

    ومع اقتراب انتخابات الثامن من شتنبر 2021، انتقلت هذه الرؤية من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الإجراءات المؤسساتية، إذ أصدر جلالة الملك تعليماته السامية إلى كل من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، قصد السهر على نزاهة العمليات الانتخابية والتصدي لكل الممارسات المخالفة للقانون، سيما استعمال المال أو أي وسائل غير مشروعة للتأثير على الناخبين.

    ولم تبق هذه التعليمات في حدود التوجيه، بل ترجمت إلى آليات عملية، من خلال تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم ممثلين عن وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب إحداث لجان جهوية وإقليمية لتلقي الشكايات وتتبع المخالفات، وتعزيز التنسيق بين السلطات الإدارية والقضائية.

    وأتاح هذا التنسيق توسيع نطاق المراقبة ليشمل مختلف مراحل العملية الانتخابية، من الترشيح والحملة إلى يوم الاقتراع وإعلان النتائج، بما يضمن التطبيق الصارم للقانون والتدخل عند تسجيل أي إخلالات.

    وفي السياق نفسه، كثفت وزارة الداخلية لقاءاتها مع الأحزاب السياسية، وحرصت على توفير الشروط التنظيمية واللوجستية لإجراء الانتخابات، مع إصدار توجيهات للسلطات الترابية تؤكد ضرورة الالتزام بالحياد، وضمان المساواة بين جميع المرشحين، وتأمين ممارسة الحقوق التي يكفلها القانون خلال الحملة الانتخابية.

    خطاب العرش 2025.. الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع

    إذا كانت محطة 2016 قد ركزت على حياد الإدارة، وعززت تعليمات 2021 آليات حماية نزاهة الاقتراع، فإن خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025 نقل النقاش إلى مستوى أكثر تقدما، يقوم على اعتبار أن نجاح الانتخابات يبدأ قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت.

    وفي هذا السياق، قال جلالة الملك “ونحن على بعد سنة تقريبا من إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، في موعدها الدستوري والقانوني العادي، نؤكد على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية”.

    ويحمل هذا التوجيه دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، إذ يؤكد ضرورة أن تكون القواعد القانونية المنظمة للانتخابات معروفة ومستقرة قبل وقت كاف من موعد الاقتراع، بما يسمح للأحزاب السياسية والمرشحين والإدارة والناخبين بالاستعداد وفق مرجعية واضحة.

    ولم يكتف الخطاب بوضع هذا التوجه العام، بل حدد آلية تنزيله، حين قال جلالة الملك “وفي هذا الإطار، أعطينا توجيهاتنا السامية لوزير الداخلية، من أجل الإعداد الجيد، للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين”.

    2026.. تنزيل عملي للتوجيهات الملكية

    وتنفيذا لهذه التوجيهات، باشرت وزارة الداخلية مشاورات مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، همت مراجعة عدد من النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بانتخابات مجلس النواب.

    وتركزت هذه المشاورات على تهيئة الإطار التشريعي للاستحقاقات قبل موعدها بوقت كاف، بما يضمن وضوح القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، ويتيح للفاعلين السياسيين الاستعداد على أساس قانوني مستقر.

    كما تواصل الإعداد للجوانب التنظيمية واللوجستية المرتبطة بالانتخابات، إلى جانب تفعيل آليات التتبع والتنسيق بين المؤسسات المكلفة بالسهر على احترام القانون.

    وفي قراءته للاستعدادات الجارية لانتخابات 2026، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من منطق تدبير الاستحقاقات الانتخابية عند اقتراب موعدها إلى منطق الإعداد المؤسساتي المبكر، انسجاما مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025.

    وأوضح بلغيث في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن فتح المشاورات مع الأحزاب السياسية، وتهيئة الإطار القانوني والتنظيمي للاستحقاقات، يعكسان توجها نحو ترسيخ الاستقرار التشريعي وتوفير قواعد واضحة للمنافسة السياسية، بما يعزز الثقة في المسار الانتخابي.

    وأضاف أن الرهان في انتخابات 2026 لا يقتصر على تنظيم اقتراع يحترم القانون، بل يتمثل أيضا في توفير جميع الضمانات التي تجعل مختلف الفاعلين يخوضون المنافسة في إطار من الوضوح، وتكافؤ الفرص، واحترام الإرادة الحرة للناخبين، وهو ما يعكس تطورا نوعيا في تدبير الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب.

    مسار إصلاحي يقوم على التراكم

    وتكشف العودة إلى أبرز المحطات الانتخابية خلال عهد الملك محمد السادس أن الإصلاح لم يكن عبارة عن قرارات منفصلة، بل جاء في إطار رؤية تراكمية أضافت في كل مرحلة لبنة جديدة إلى البناء الديمقراطي.

    ففي بداية العهد الجديد، كان الرهان منصبا على تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة فيها، ثم جاء دستور 2011 ليمنح الانتخابات سندا دستوريا واضحا، قبل أن توسع الجهوية المتقدمة رهانات الاختيار الديمقراطي على المستوى الترابي.

    وفي سنة 2016، برز حياد الإدارة باعتباره أحد شروط مصداقية الاستحقاقات، بينما عززت تعليمات 2021 آليات التنسيق والرقابة والتصدي للممارسات غير المشروعة. أما خطاب العرش لسنة 2025، فنقل النقاش إلى مرحلة الإعداد المسبق، واستقرار القواعد القانونية، وفتح المشاورات السياسية قبل موعد الاقتراع.

    ويعكس هذا التسلسل تصورا يعتبر أن الديمقراطية ليست محطة انتخابية عابرة، وإنما عملية مؤسساتية متواصلة تتطلب تحديث التشريعات، وتأهيل الفاعلين، وتطوير آليات الرقابة، وضمان احترام القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية.

  • المغرب يراكم التحولات واقتصاد جديد يطرق أبواب الريادة الإقليمية

    المغرب يراكم التحولات واقتصاد جديد يطرق أبواب الريادة الإقليمية

    رسم خطاب العرش بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش ملامح مرحلة جديدة في المسار التنموي للمغرب، تنطلق من حصيلة سنوات من التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

    ويكشف التحول الاقتصادي خلال أكثر من ربع قرن عن أحد أبرز وجوه الحصيلة التي استند إليها الخطاب الملكي السامي، كون المغرب لم يعد يعتمد على عدد محدود من القطاعات التقليدية، بل عمل تدريجيا على بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا، تجمع بين الصناعة والسياحة والخدمات والطاقات الجديدة والصناعات ذات القيمة المضافة.

    وفي قراءة الخبير الاقتصادي ورئيس مرصد العمل الحكومي، محمد جدري، للخطاب الملكي، يبرز الاعتزاز بما تحقق من تحول في الاقتصاد المغربي خلال أكثر من ربع قرن، مستحضرا في هذا السياق انتقال الناتج الداخلي الخام من حوالي 50 مليار دولار في نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 170 مليار دولار اليوم، معتبرا أن تضاعف حجم الاقتصاد بأكثر من ثلاث مرات يعكس، في نظره، عمق التحولات التي عرفتها البنية الاقتصادية الوطنية

    وأضاف جدري في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الاقتصاد المغربي في نهاية التسعينيات كان يعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة والفوسفاط الخام والسياحة، بينما أصبح اليوم أكثر تنوعا بفضل الأوراش الكبرى وظهور ما يسمى بـ”المهن العالمية” للمغرب.

    ويستند في ذلك إلى مجموعة من القطاعات التي أصبحت، بحسب قراءته، ركائز جديدة للاقتصاد الوطني، ولعل أبرزها صناعة السيارات والطيران، إلى جانب الصناعات الغذائية والإلكترونية والميكانيكية والنسيج والألبسة والجلد والصناعات التقليدية والخدمات.

    وأشار جدري إلى أن صناعة السيارات تعتبر اليوم إحدى أبرز مظاهر هذا التحول، مشيرا إلى قدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وإلى رقم معاملات تجاوز 153 مليار درهم في السنة الماضية؛ وهي الصورة نفسها التي حضرت بقوة في الخطاب الملكي، حيث أكد جلالته أن “المملكة اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا”، مشيراً إلى أن قدرتها الإنتاجية تقارب مليون سيارة سنوياً.

    ولا يقف هذا التحول، في قراءة جدري، عند صناعة السيارات، بل يمتد إلى قطاع الطيران، حيث يرى أن المغرب ينتقل تدريجيا من مرحلة تركيب أجزاء الطائرات إلى بناء قاعدة صناعية أكثر تكاملا، تشمل مصانع متخصصة في محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، الأمر الذي ينسجم مع تأكيد جلالته أن المغرب دخل “النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات”.

    وأبرز جدري أن الفوسفاط أيضا يوجد ضمن عناصر القوة الاقتصادية الجديدة، ليس فقط باعتباره موردا تقليديا، وإنما من خلال ارتباطه، وفق تعبيره، بمعادلة الأمن الغذائي العالمي.

    من تنويع الاقتصاد إلى تعزيز السيادة

    وركز خطاب العرش على أن التحول الاقتصادي لا يرتبط بتوسيع قاعدة الإنتاج وتنويع القطاعات فحسب، وإنما يتصل أيضا برهان تعزيز قدرة المغرب على تأمين حاجياته الأساسية وبناء قدرات وطنية في قطاعات استراتيجية.

    وفي هذا السياق، يقرأ جدري مضامين الخطاب السامي من زاوية الأمل والتفاؤل، مستنداً في ذلك إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، وإلى قدرة المملكة على الحفاظ على توازناتها الاقتصادية، رغم السياق الدولي الذي يطبعُه قدر كبير من التقلبات والضغوط.

    ويشير إلى معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال السنة الماضية، مع توقع بلوغ حوالي 5.2 أو 5.3 في المئة خلال السنة الحالية، معتبراً أن هذه المؤشرات تعطي أساساً موضوعياً لقراءة متفائلة للمسار الاقتصادي.

    وأشار رئيس مرصد العمل الحكومي، إلى ما وصفه الخطاب الملكي بكون الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي ما يقارب 80 في المئة من الحاجيات الوطنية، مع توجه المملكة نحو بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.

    وبذلك، يتحول مفهوم السيادة في قراءة الخطاب من مجرد تأمين الحاجيات الأساسية إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرته على الصمود، وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار.

    من تحصين المكتسبات إلى استشراف المستقبل

    ويشكل استشراف المستقبل المستوى الثالث في قراءة جدري لخطاب العرش، حيث ينتقل الخطاب من تقييم حصيلة المسار التنموي إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وما تفرضه من أهداف ورهانات جديدة تتجاوز ما تحقق إلى توسيع المكتسبات وتعزيز مسار النمو.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، أن النموذج التنموي الجديد بات واضح المعالم، وأن المغرب مقبل على مرحلة تستهدف الانتقال إلى اقتصاد أكبر وأكثر قدرة على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل، واضعا ضمن هذه الرؤية هدف الانتقال من ناتج داخلي خام في حدود 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار في أفق 2035، إلى جانب الرفع من مستوى الدخل الفردي للمغاربة.

    ولا يتوقف هذا الاستشراف عند المؤشرات الاقتصادية، إذ يربطه جدري بمجموعة من الأهداف القطاعية، من بينها الوصول إلى إنتاج مليوني سيارة، وبلوغ 26 مليون سائح في أفق 2030، ومواصلة بناء المستشفيات الجامعية، وتوسيع ورش الحماية الاجتماعية، إلى جانب مواصلة تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها احتضان المغرب لنهائيات كأس العالم 2030.

    وفي هذا السياق، يبرز أيضا رهان التمويل باعتباره أحد شروط المرحلة المقبلة، فقد خصص الخطاب الملكي للذكرى الـ27 لعيد العرش حيزاً مهماً لدور القطاع المالي الوطني، داعياً إلى مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وتوسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصنيع والتصدير، مع تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.

    وبالنسبة لجدري، فإن هذه الرهانات تتجاوز هدف تحقيق الازدهار الاقتصادي في حد ذاته، لتتجه نحو طموح أكبر يتمثل في جعل المغرب “قوة اقتصادية إقليمية” في شمال إفريقيا وغرب إفريقيا ومحيطه المتوسطي.

    وخلص جدري إلى أن المسار التنموي للمغرب أصبح “واضح المعالم”، تقوده رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك، معتبرا أن الهدف خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مواصلة هذا المسار إلى أبعد مدى، بما يسمح بتحقيق الأهداف المرسومة في أفق 2035.