المدونة

  • “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    “نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

    مساء أول أمس الأربعاء، أطلّ جلالة الملك محمد السادس على شعبه بخطاب العرش السابع والعشرين، في لحظة اختزلت مفارقة جديرة بالتأمل فملف الصحراء المغربية، الذي ظل لعقود أولوية دبلوماسية قصوى استوجبت تعبئة دائمة لكل مقدرات الدولة، فيما تحوّل اليوم إلى الرافعة الأولى لمكانة المغرب الخارجية بل وأيضا إلى محكّ حقيقي تُقاس عليه جدّية أي طرف يريد بناء شراكة فعلية مع الرباط.

    لم تُغيّر سبعة وعشرون عاما من الحكم البوصلة الاستراتيجية قيد أنملة، غير أنها حوّلت “الصبر الاستراتيجي” الذي كثيرا ما وُصف به النهج الملكي من خطاب انتظار إلى رصيد سياسي ملموس لا يُقاس اليوم بلغة الشعارات بل بلغة الوقائع التي ترجمتها قرارات أممية متعاقبة، واتفاقيات ثنائية ودولية، وقنصليات مفتوحة في العيون والداخلة تعكس اعترافا متصاعدا بواقع أضحى ثابتا من ثوابت الدبلوماسية الدولية.

    هذا التحول، من موقع الترافع الدبلوماسي الدؤوب إلى موقع المبادرة وقيادة الأجندة، هو ما يمنح خطاب العرش لهذا العام بعدا يتجاوز الطقس الاحتفالي المعتاد، ليصير مناسبة لقراءة حصيلة أكثر من عقدين ونصف من إعادة تموضع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

    الصحراء المغربية من ملف نزاع مفتعل إلى مرجعية أممية

    لطالما وصف جلالة الملك محمد السادس قضية الصحراء بأنها “منظار” يُقاس من خلاله جدية أي علاقة خارجية للمملكة، وما كان في السابق موقفا سياديا مغربيا صِرفا بات اليوم موقفا تتبناه أعلى هيئة أممية.

    الحدث المفصلي الأول جاء في دجنبر 2020 حين اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية، اعترافٌ لم يكن عابرا كما حاول خصوم الوحدة الترابية تصويره، بل تأكّد مجددا في 19 يوليوز عندما أكدت الإدارة الأمريكية الجديدة حينها التي ترأسها جو بايدن على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر، أن بلاده اتخذت بالفعل خطوة الاعتراف بمغربية الصحراء وأن هذا الموقف لم يتغير رغم تغير الإدارة من ترامب إلى بايدن، وفي 8 أبريل 2025 في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة، شددت على ذلك أيضا ليصبح موقفا أمريكيا ثابتا عابرا للتقلبات الحزبية في واشنطن.

    هذا الزخم انتقل إلى الشريك الأوروبي التاريخي الأول أي فرنسا، ففي يوليوز اعترفت باريس بمغربية الصحراء، ثم في أكتوبر 2024، وخلال زيارة دولة قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط، جددت تأكيدها رسميا بسيادة المغرب على صحرائه، لتُختم هذه الدينامية بعقد الاجتماع المغربي-الفرنسي الرفيع المستوى الخامس عشر في يوليوز 2026 بالرباط، الذي أفرز توقيع 14 اتفاقية في الطاقة والنقل والأمن والدفاع، إضافة إلى الشروع في صياغة “معاهدة صداقة” تُعدّ الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وهو ما يعكس حجم الأولوية التي أصبح المغرب يحتلها في السياسة الخارجية الفرنسية، إذ لا تزال باريس، بحكم هذه العلاقة التاريخية المتجددة، أكبر مستثمر أجنبي في المغرب، باستثمارات مباشرة بلغت 8.4 مليارات يورو.

    أما الذروة المؤسساتية لهذا المسار، فتحققت في 31 أكتوبر 2025، حين تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 2797، بأغلبية 11 صوتا مقابل صفر، وامتناع ثلاث دول فقط (روسيا والصين وباكستان)، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    القرار لم يقتصر على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)، بل اعتبر صراحة “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية” أساسا أكثر واقعية لحل النزاع، وأحال الأطراف إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب منذ 2007 بوصفها القاعدة الوحيدة الجادة والموثوقة للمفاوضات، والأهم من ذلك، أن القرار سمّى الجزائر صراحة كطرف أساسي في النزاع، ودعاها إلى الانضمام إلى طاولة المفاوضات، في تحوّل قانوني وسياسي غيّر بشكل صريح وواضح معادلة “المغرب في مواجهة البوليساريو” إلى معادلة “المغرب والجزائر” الحقيقية التي حاولت الجزائر التهرّب منها لعقود.

    هذا الإجماع الدولي المتصاعد ترجمته أيضا وقائع جغرافية على الأرض، فمدينتا العيون والداخلة، عاصمتا الأقاليم الجنوبية، تحوّلتا إلى مركزين دبلوماسيين فعليين يستضيفان اليوم 12 قنصلية عامة في العيون و17 قنصلية عامة في الداخلة، أغلبها لدول إفريقية وعربية وكاريبية اختارت أن تترجم موقفها السياسي إلى تمثيل دائم على الأرض، بدل بيانات الدعم الخطابية.

    توازن الكبار.. دبلوماسية لا تراهن على معسكر واحد

    من أهمّ ما يميز دبلوماسية جلالة الملك محمد السادس أنها لا تختزل نفسها في علاقة تبعية لأي قوة كبرى، بل تحرص على تعدّد الشراكات مع الحفاظ على مسافة استراتيجية متساوية، يواصل من خلالها المغرب تعميق شراكته التاريخية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، في الوقت ذاته الذي يوسّع فيه علاقاته مع الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج، وهذا التوازن ليس شعارا بل ممارسة يومية.

    فحين تصاعد التوتر بين مدريد وواشنطن حول موقفي كل منهما من قضايا الشرق الأوسط، حرص المغرب على تجنّب الانحياز لأي طرف، حفاظا على شراكته مع كليهما دون الدخول في مواجهة مع الجارة الإسبانية التي يربطه بها ملف حساس يتعلق بسبتة ومليلية، وأيضا الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والعلاقات المتميزة سيما عقب اعتراف هذه الأخيرة هي الأخرى بمغربية الصحراء.

    وفي أزمة أوكرانيا، اختار المغرب موقفا متوازنا يدعو إلى احترام السلامة الترابية لكل الدول، دون الانخراط في خطاب عدائي تجاه موسكو، بما يعكس عقيدة دبلوماسية تفضّل المصلحة الوطنية طويلة المدى على المكاسب السياسية السريعة.

    وعلى الصعيد الأمني، يظل المغرب الشريك الجنوبي الأكثر التزاما مع حلف شمال الأطلسي، بقيادته المشتركة لتدريبات “الأسد الإفريقي” الأكبر من نوعها في القارة، ومساهمته الفاعلة في مهام الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وهو ما تصفه مراكز بحثية أوروبية بأنه “قيمة عملياتية مستدامة” ينبغي أن تُترجم إلى شراكة بنيوية أكثر رسوخا داخل هياكل الحلف .

    من “العودة إلى البيت” إلى قيادة المشروع الإفريقي

    ولا يمكن فهم الدبلوماسية الملكية دون العودة إلى لحظة 30 يناير 2017، حين صوّتت 39 دولة من أصل 54 عضوا في الاتحاد الإفريقي لصالح إعادة انضمام المغرب إلى المنظمة القارية، بعد غياب دام 33 عاما، ليصبح العضو الخامس والخمسين فيها.

    في خطابه أمام قمة أديس أبابا، اختار جلالة الملك محمد السادس عبارة بقيت خالدة في الذاكرة الجماعية المغربية هي أن المغرب “عائد إلى بيته”، ولم تكن تلك العودة انتقاما من الخصوم، بقدر ما كانت تجسيدا لفلسفة ملكية معلنة قوامها أن “الجسم المريض يُعالَج من الداخل أفضل من علاجه من الخارج”.

    منذ تلك اللحظة، تحوّلت العلاقة مع إفريقيا من موقف سياسي إلى مشروع تنموي متكامل، فالملك محمد السادس قام بأكثر من 50 زيارة رسمية إلى أكثر من 30 دولة إفريقية منذ توليه العرش، ووقّع خلالها ما يقارب ألف اتفاقية تعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

    على الصعيد الاقتصادي، تقود مجموعة “المكتب الشريف للفوسفاط” ما يوصف بـ”دبلوماسية الفوسفاط”، عبر استثمارات تفوق 13 مليار دولار حتى 2027 لتوسيع الطاقة الإنتاجية للأسمدة من 12 إلى 20 مليون طن، مع تخصيص جزء كبير من هذا الإنتاج لتلبية أكثر من 90% من حاجيات دول مثل إثيوبيا ونيجيريا من الأسمدة، ما يجعل من الأمن الغذائي الإفريقي ركنا أساسيا في السياسة الخارجية المغربية

    وفي البعد الأمني والتنموي لمنطقة الساحل، أطلق الملك محمد السادس أواخر 2023 “المبادرة الأطلسية” لتمكين دول الساحل غير الساحلية -مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد- من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ضمن مبادرة تُرجمت عمليا في أبريل 2025 حين استقبل الملك في القصر الملكي بالرباط وزراء خارجية دول تحالف الساحل لتسريع تنفيذها.

    وبلغت هذه الرؤية محطتها الأبرز في 20 يوليوز 2026، حين وقّعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون على الاتفاق الحكومي الدولي لمدّ أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، مشروع بقيمة 25 مليار دولار وطول يناهز 6900 كيلومتر، انطلقت فكرته من زيارة الملك التاريخية إلى نيجيريا في دجنبر 2016، بمشاركة ودعم 13 دولة إفريقية على طول الساحل الأطلسي.

    ولا يكتمل الحديث عن الحضور المغربي في إفريقيا دون التوقف عند البعد الديني، الذي يستحضر مكانة الملك بصفته أميرا للمؤمنين، فمنذ إحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفريقيين” في يونيو 2015، التي تضم أكثر من 200 عالم دين من مختلف الدول الإفريقية، إلى تأسيس “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” في الرباط سنة 2015، رسّخ المغرب حضوره الروحي في القارة عبر نشر قيم الإسلام الوسطي المالكي المتسامح، بوصفه سدا في مواجهة التطرف، وامتدادا طبيعيا للروابط الصوفية التاريخية التي تجمع المغرب بغرب إفريقيا والساحل .

    الجزائر، الجار الذي لم يُغلق الملك الباب أمامه

    على النقيض من هذا المسار التصاعدي، ظلت العلاقة مع الجزائر نقطة ظل في العلاقات المغربية الخارجية، ليس بسبب أي تصلّب مغربي بل بفعل عداء جزائري متجدد ظل الملك محمد السادس يقابله بخطاب اليد الممدودة في كل خطب عيد العرش المتعاقبة، فالحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994، وأغلقت الجزائر مجالها الجوي مع المغرب سنة 2021، إضافة إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل في نفس السنة.

    ومع ذلك، فإن قرار مجلس الأمن 2797 الذي سمّى الجزائر طرفا في النزاع، وطالبها رسميا بالانضمام إلى مباحثات الطاولة المستديرة، وضع الجارة الشرقية أمام عزلة دبلوماسية متصاعدة، في وقت يستمر فيه المغرب بخطاب الانفتاح تجاه “الشعب الجزائري الشقيق”، بحسب التعبير الملكي المتكرر في خطب العرش الأخيرة.

    نظّارة الصحراء التي لم تتغير

    سبعة وعشرون عاما من الحكم لم تُغيّر زاوية النظر الملكية إلى العالم، بل عمّقتها وحوّلتها إلى عقيدة دبلوماسية متكاملة بين صبر استراتيجي في ملف الصحراء أثمر إجماعا أمريكيا فرنسيا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وأمميا غير مسبوق، وتوازن دقيق بين واشنطن وباريس وبكين وموسكو يجنّب المغرب فخّ الاستقطاب.

    ولم يعد الحضور المغربي في إفريقيا عنوانا لعودة دبلوماسية فحسب، بل أصبح مشروعا متكاملا تُترجمه الاستثمارات، وتدعمه الشراكات، وتمنحه الروابط الروحية عمقا استراتيجياً متجذرا في التاريخ، رسخ جلالة الملك محمد السادس في قلبه نموذجاً دبلوماسياً يقوم على منطق الإنجاز وعلى أثر المبادرات؛ وهو ما جعل من التجربة المغربية إحدى أبرز قصص التحول في القارة خلال العقود الأخيرة.

  • 27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    27 عاما من الرؤية الملكية.. الرياضة في قلب الثورة التنموية

    على امتداد 27 عاما من حكم جلالة الملك محمد السادس، انتقلت الرياضة في المغرب من قطاع يغلب عليه منطق الرعاية والدعم العمومي إلى أحد مكونات المشروع التنموي وأدوات التموقع الدولي للمملكة.

    وكان التحول أوضح في كرة القدم، حيث تراكم الاستثمار في التكوين والمنشآت والمنتخبات، بالتوازي مع توظيف التظاهرات الكبرى في تعزيز الحضور المغربي داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

    في هذا المسار، رسم جلالة الملك التوجهات الكبرى، عبر إطلاق المشاريع الاستراتيجية أو رعايتها ودعم ترشيحات المغرب للتظاهرات الدولية.

    ويؤكد زكرياء لحرش، الدكتور في العلوم الرياضية، أن الرياضة الوطنية عرفت تطورا وازدهارا ملحوظا منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين، حيث كرست عديد القرارات السيادية معرفة المؤسسة الملكية الدقيقة بالرياضة الوطنية ومقوماتها وكذلك مشاكلها.

    ويرى لحرش، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتوجهها نحو تنمية الرياضة، إضافة إلى تحيين أهداف الصندوق الوطني لتنمية الرياضة، ثم الرسالة الملكية السامية خلال المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008، وصولا إلى إقرار الرياضة كحق دستوري بنص صريح في دستور 2011، جعلت من الرياضة قاطرة أريد لها النهوض بدورها الاجتماعي سواء من حيث أهدافها العامة في تكوين مواطن مغربي متشبع بقيم وأخلاق المملكة المغربية، فاعل وواعي بدوره داخل المجتمع، أو من خلال أهدافها الخاصة المتجلية في الممارسة الرياضية الفعالة.

    التحول في “العهد الجديد”.. منعطف الصخيرات وبناء المؤسسات

    بين 1999 و2007، حضرت الرياضة أساسا داخل مشاريع التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي، وفي برامج منشآت القرب، خصوصا بعد إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، في وقت واصل المغرب، برعاية ملكية، ترشيحاته لتنظيم كأس العالم، واستثمر في بناء المنشآت الكبرى وتحديثها، إلى جانب دعم رياضة النخبة والمنتخبات الوطنية.

    وجاء التحول الأبرز في “العهد الجديد” مع الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة، المنعقدة بالصخيرات يومي 24 و25 أكتوبر 2008، قدم خلالها تشخيصا صريحا تحدث عن الارتجال وضعف النتائج وغموض المسؤوليات وقلة تجديد النخب المسيرة، فضلا عن اختلالات الشفافية في التدبير.

    ولم تقف الرسالة عند التشخيص، بل وضعت مرتكزات سياسة رياضية جديدة تقوم على الموازنة بين رياضة النخبة والرياضة الجماهيرية، وتأهيل الرياضة المدرسية والجامعية، وتحديث التشريع، واحتراف الأندية، وتنويع التمويل، وإخضاع الدعم للتدقيق والمحاسبة.

    وشددت على توسيع الولوج إلى الممارسة لفائدة النساء وسكان المناطق المحرومة والأشخاص ذوي الإعاقة، وإشراك الجماعات الترابية والقطاع الخاص وقطاعات التعليم والصحة والسياحة، لتصبح ممارسة الرياضة، في التصور الملكي، حقا أساسيا ورافعة للتنمية البشرية والتماسك الاجتماعي، لا مجرد نشاط تنافسي أو ترفيهي.

    من التشخيص إلى الفعل.. استراتيجية الرياضة ودستور 2011

    ومن هذه المرجعية انبثقت استراتيجية الرياضة 2008-2020، قبل أن يصدر القانون 30-09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة في 24 غشت 2010.

    واعتبر القانون الأنشطة الرياضية ذات منفعة عامة، وجعل تطويرها جزءا من مهمة الخدمة العمومية، ونظم الرياضة المدرسية والجامعية، والجمعيات والعصب والجامعات، وعقود الرياضيين المحترفين، وإحداث الشركات الرياضية، وتكوين رياضيي المستوى العالي وتأهيلهم الاجتماعي والمهني.

    وتعزز البناء المؤسساتي في دستور 2011، الذي نص على دعم الرياضة وتيسير الولوج إليها وتشجيع إدماج الشباب، ثم بصدور القانون 97-12 المتعلق بمكافحة المنشطات سنة 2017 ومرسومه التطبيقي سنة 2019، قبل إحداث الوكالة المغربية لمكافحة المنشطات في يناير 2021.

    وهكذا أسست مرحلة 2008-2020 مرجعية قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبيا. إلا أن تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للحسابات سجلت أن جزءا مهما من أهداف الاستراتيجية لم يتحقق، وأن أكثر من نصف أوراشها الهيكلية كان ما يزال غير منجز قبل سنة من نهايتها، مع استمرار صعوبات تطبيق القانون وضعف معايير منح بعض الإعانات وآليات التتبع والتقييم. لذلك كانت الحصيلة قوية على مستوى بناء المرجعيات، وأقل تجانسا عند التنفيذ.

    ويبرز لحرش في هذا السياق أن التطور المسجل في “العهد الجديد” المتجلي في الاستثمار في المنشآت الرياضية والترسانة القانونية وكذلك في الرأسمال البشري، جعل من الرياضة أداة فعالة حولت المغرب إلى نموذج يحتذى به في مجال التكوين الرياضي وكذلك تنظيم التظاهرات الرياضية الدولية.

    وشدد على أن الرياضة في عهد جلالة الملك محمد السادس أصبحت أيضا “أداة دبلوماسية ناعمة وفعالة، تذكرنا بما قاله الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عندما يتعلق الأمر بالرياضة فان المغرب يعرف بنوال المتوكل وسعيد اعويطة أكثر مما يعرف بالحسن الثاني”، لافتا إلى أن هذا اعتراف ضمني بأن الرياضة الوطنية كانت أداة دبلوماسية مهمة، أصبحت اليوم في عهد الملك محمد السادس أكثر تطورا وإنجازا.

    غير أن لحرش شدد على أن الرسالة الملكية السامية لسنة 2008، التي كانت بمثابة خارطة طريق للرياضة الوطنية عامة، لم تلتقط بشكل كاف من طرف جميع الفاعلين والمسؤولين الرياضيين، حيث إن عددا من الجامعات الوطنية ما تزال تتخبط في مشاكل تسييرية عميقة.

    ويشرح في هذا السياق أنه إذا كانت حصيلة إنجازات المنتخبات الوطنية لكرة القدم إيجابية إلى حد بعيد، فهذا ما يزال لا ينعكس بالشكل المنتظر على البطولة الوطنية وأنديتها، مشددا على أنه “إذا كانت الرسالة الملكية قد قامت بتشخيص معمق لمشاكل الرياضة الوطنية، فإن أهدافها ما زالت تستوجب تغييرا في الوعي التسييري الرياضي لبعض الفاعلين الرياضيين لتتناسق مختلف الرياضات مع الأهداف العامة للرياضة كما سطرتها مختلف المبادرات الملكية في هذا الباب”.

    أكاديمية محمد السادس.. أساس النهضة الكروية

    وفي خضم هذه الدينامية، برزت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي دشنها جلالة الملك سنة 2010، مشروعا يؤسس لتحول بعيد المدى في مقاربة التكوين الكروي بالمغرب، إذ بدلاً من الاكتفاء باستقطاب المواهب بعد بروزها أو الاعتماد أساساً على اللاعبين المكونين خارج البلاد، راهنت الأكاديمية على اكتشاف اللاعب في سن مبكرة، وتأمين مسار يجمع بين الدراسة والتكوين الرياضي والإقامة والتأطير الطبي والنفسي.

    وشُيدت الأكاديمية بضواحي سلا على مساحة تقارب 18 هكتاراً، باستثمار قدره 140 مليون درهم، وجهزت وفق معايير مراكز التكوين الاحترافية.

    ويوضح الخبير الرياضي ذاته أنه يمكننا أن نقول إن كرة القدم اليوم استطاعت أن تضع المغرب في مصاف كبريات الدول كرويا وكذلك على مستوى المنشآت والتجهيزات الرياضية والبنيات التحتية المحيطة بها، مشيرا إلى أن أهم هذه المنشآت التي تعنى بالتكوين هي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، والتي ساهمت منذ إنشائها في تكوين عدد من اللاعبين بمواصفات احترافية عالية، كرستها الإنجازات الأخيرة للمنتخبات الوطنية لكرة القدم بمختلف فئاتها السنية.

    وساهمت الأكاديمية، ضمن كتيبة قادها الناخب الوطني وليد الركراكي في مونديال قطر 2022، في جعل المغرب أول بلد إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، قبل إنهاء البطولة في المركز الرابع.

    وتجاوز أثر الأكاديمية المنتخب الأول إلى الفئات العمرية، فقد شارك تسعة من خريجيها ضمن قائمة المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة التي بلغت نهائي كأس إفريقيا سنة 2023، كما ساهم خريجوها في تتويج المنتخب الأولمبي بكأس إفريقيا لأقل من 23 سنة والتأهل إلى أولمبياد باريس، فيما الإنجاز الأكبر جاء بعدما قاد حسام الصادق، وياسر زابيري، وياسين خليفي، ومحمد طه مجني، وفؤاد الزهواني المنتخب المغربي لأقل من 20 عاما للتتويج بكأس العالم للشباب سنة 2025.

    وإلى جانب التكوين، اكتملت الرؤية الاجتماعية بإحداث مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين سنة 2011، بهدف مواكبة الأبطال السابقين وأسرهم صحياً واجتماعياً، ومساعدتهم خلال مرحلة ما بعد الاعتزال.

    إصرار ملكي على حلم المونديال

    لم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم في 11 دجنبر 2024، بإسناد تنظيم كأس العالم 2030 إلى المغرب وإسبانيا والبرتغال، نجاحاً مفاجئاً أو منفصلاً عن سياقه، فقد جاء تتويجاً لمسار امتد لعقود.

    وخلال عهد جلالة الملك محمد السادس، مر هذا المسار بثلاث محطات رئيسية، هي 2006، 2010، و2026، انتهت كلها بتأجيل الحلم استضافة كأس العالم، غير أن زكرياء لحرش أكد أن هذه المرحلة شكلت حافزا للمسؤولين على كرة القدم وعلى رأسهم جلالة الملك، لتسريع وتيرة التنمية الرياضية بالمملكة عبر عدد من الملاعب وتأهيل عديد منها ليصل العدد اليوم إلى 12 ملعبا معترفا بمواصفاتها من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.

    ولم تنه خسارة 2026 أمام الملف الأمريكي الكندي المكسيكي الحلم المغربي، فبعد إعلان النتيجة مباشرة، صدرت تعليمات ملكية بإعداد ترشيح المغرب لمونديال 2030، لتنتقل الخيبة من نهاية لمحاولة خامسة؛ إذ سبق العهد الجديد محاولتان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني سنتي 1994 و1998، في التاريخ المغربي، ورابعة خلال العهد الجديد، إلى نقطة انطلاق لمحاولة جديدة.

    وجاءت المحاولة السادسة في تاريخ المغرب، والرابعة في عهد جلالة الملك محمد السادس، مغايرة، بالانتقال من الترشيح المنفرد إلى شراكة مع إسبانيا والبرتغال، تجمع بين إفريقيا وأوروبا وتستند إلى القرب الجغرافي والتكامل في المنشآت والخبرات والأسواق.

    وفي رسالة ملكية إلى حفل جوائز التميز للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم في كيغالي يوم 14 مارس 2023، أعلن جلالة الملك أن المغرب قرر، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تقديم ترشيح مشترك لمونديال 2030، وقدم الملف باعتباره ترشيحاً للوصل بين إفريقيا وأوروبا، وشمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه، والعوالم الإفريقية والعربية والأورو-متوسطية.

    وفي 4 أكتوبر 2023 زف جلالة الملك نبأ اعتماد مجلس فيفا الملف الثلاثي ترشيحاً وحيداً، قبل أن يقر مؤتمر فيفا الاستثنائي، في 11 دجنبر 2024، اختيار المغرب وإسبانيا والبرتغال بالتزكية لاستضافة كأس العالم، مع إقامة 3 مباريات في كل من الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، احتفاء بالذكرى المئوية للمسابقة.

    مونديال 2030.. تتويج للسياسة الرياضية الملكية

    ويؤكد زكرياء لحرش أن تنظيم المغرب لتظاهرة رياضية ككأس العالم لكرة القدم، يمكن اعتباره تتويجا للسياسة الرياضية في عهد الملك محمد السادس، فمن منظوره الخاص هذا التنظيم يعد؛ إضافة إلى كونه تتويجا رياضيا وسياسيا، بداية مرحلة جديدة لتطور في التسيير الرياضي لكرة القدم الوطنية، حيث وجب ابتكار نموذج تسييري جديد يتماشى مع التطورات الحالية ويشكل قطيعة مع نظام كلاسيكي أو حتى هجين يجمع بين انتظار الدعم المادي العام وبعض المبادرات التسييرية المؤسساتية.

    وأبرز المتحدث ذاته أن هذا التغيير الحديث سواء على مستوى التدبير اليومي والحكامة الرياضية للأندية الوطنية، لا يمكن أن يكون فعالا إلا بالانخراط الإيجابي للفاعلين الرياضيين بمختلف تخصصاتهم، ومشاربهم، ووعيهم العام والخاص بأهمية التكوين الرياضي، واستثمار المقاربات العلمية في إقرار نموذج تنموي مستدام يمكن تنزيله داخل مختلف جهات المملكة عبر دراسة مميزات كل جهة جغرافيا، اجتماعيا واقتصاديا، لتساهم كل منها في تطوير الرياضة المحلية ثم الوطنية.

    وأشار إلى أن كأس العالم ستكون بالفعل فرصة استثمارية ليس فقط على مستوى التجهيزات ولكن أيضا على مستوى الخبرات الميدانية والتجارب المقارنة.

    وقبل كأس العالم المرتقبة بعد أربع سنوات، راكم المغرب سجلاً تنظيمياً استخدمه لإثبات قدرته على استضافة البطولات الكبرى، فنظم كأس العالم للأندية في نسخ 2013 و2014 و2022، كما استضاف بطولة إفريقيا للاعبين المحليين سنة 2018، وكؤوس إفريقيا لكرة القدم النسوية، ونسختي كأس إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة في 2020 و2024، إلى جانب بطولات الفئات العمرية، ومنها كأس إفريقيا لأقل من 23 سنة 2023 وكأس إفريقيا لأقل من 17 سنة 2025.

    وفي محطة ذات حجم أكبر، استضاف المغرب كأس إفريقيا للأمم 2025 بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، عبر تسعة ملاعب موزعة على ست مدن هي الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش وأكادير.

    وتعزز هذا التراكم بمنح المغرب حق تنظيم خمس نسخ سنوية متتالية من كأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة، من 2025 إلى 2029.

    مغرب جديد.. كرة القدم في قلب التنمية

    إذا كان المغرب قد بنى خلال العقود الماضية جزءا كبيرا من تنافسيته على الاستثمار في البنيات التحتية، فإن تنظيم كأس العالم 2030 يمثل محطة جديدة لتسريع هذا المسار، ليس فقط على مستوى تشييد الملاعب أو تأهيل الفضاءات الرياضية، بل بإطلاق حزمة واسعة من المشاريع المهيكلة في مجالات النقل والسكك الحديدية والمطارات والطرق والموانئ والبنيات الرقمية، بما يجعل المونديال رافعة لتسريع أوراش كانت مبرمجة ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

    وتتجلى هذه الدينامية في عدد من المشاريع الكبرى التي دخلت مرحلة الإنجاز، من بينها تمديد خط القطار فائق السرعة نحو مراكش، وتوسعة المطارات الدولية، وتعزيز شبكات النقل الحضري، إلى جانب تحديث البنيات الفندقية والخدمات اللوجستية.

    وتستهدف هذه الاستثمارات، التي تعبئ عشرات المليارات من الدراهم، الاستجابة لمتطلبات الحدث الرياضي، لكنها تؤسس في الوقت نفسه لإرث اقتصادي طويل الأمد، من خلال تحسين ربط مختلف جهات المملكة وتعزيز جاذبيتها للاستثمار والسياحة.

    ويرى عدد من الاقتصاديين أن الأثر الحقيقي لكأس العالم لن يقاس بعدد المباريات التي سيستضيفها المغرب، وإنما بقدرته على تسريع وتيرة الاستثمار العمومي والخاص، وتحفيز قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وخلق فرص جديدة للشغل، فضلا عن رفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    ويشكل تنظيم المغرب لمونديال 2030، إلى جانب شريكين الإبيريين، امتدادا للرؤية الملكية التي جعلت من البنية التحتية ركيزة للتحول الاقتصادي خلال السنوات السبع والعشرين الماضية، إذ ينتظر أن يشكل هذا الحدث العالمي مرحلة جديدة لتعزيز الاندماج الترابي، وترسيخ مكانة المغرب منصة لوجستية وصناعية وسياحية بين أوروبا وإفريقيا، بما يحول المونديال من موعد رياضي محدود زمنيا إلى محرك تنموي يمتد أثره لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.

  • فرقة المسيرة الخضراء تزين سماء المضيق في احتفالات عيد العرش

    فرقة المسيرة الخضراء تزين سماء المضيق في احتفالات عيد العرش

     تحولت سماء شاطئ المضيق، اليوم الخميس، إلى فضاء للاحتفال والجمال، حين حلقت طائرات فرقة “المسيرة الخضراء” للطيران الاستعراضي التابعة للقوات الملكية الجوية، مقدمة عرضا جويا باهرا، احتفاء بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين.

    وكعادتها رسمت الطائرات، السبع من طراز “كاب 232″، في كبد السماء لوحات فنية آسرة، بتشكيلات جوية دقيقة وحركات متناسقة، امتزج فيها الإبداع بالدقة والانضباط، لتمنح ساكنة المدينة وزوارها لحظات من الدهشة والانبهار.

    وقد توافدت حشود غفيرة من المواطنين والمصطافين إلى شاطئ مدينة المضيق، مترقبين العرض الجوي الذي أصبح علامة مميزة لسماء مدينة المضيق، تتزين به في كل مناسبة وطنية، فما ان حلقت أولى الطائرات في السماء حتى اشرأبت الاعناق، انبهارا بدقة الأداء وجمالية الحركات.

    ونفذت الفرقة، التي تأسست عام 1984، مناورات دقيقة على مستوى منخفض، جسدت من خلالها براعة الطيارين ومهارتهم العالية، المستندة إلى تكوين عسكري صارم وتجربة ميدانية واسعة.

    وكان من بين أبرز لحظات العرض تشكيلات مثل “الانشطار”، و”الانهيار الثلجي”، و”انزلاق الذيل”، و”الدائرة العاكسة”، وهي حركات سجلت باسم الفرقة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية أواخر الثمانينات من القرن الماضي.

    وتواصل العرض، الذي دام حوالي 20 دقيقة، برسم تشكيلات رمزية معبرة، أبرزها “النجمة الشريفة” التي ترمز إلى قلب العلم الوطني، و”القلب المزدوج” الذي يجسد حب وارتباط أفراد القوات الملكية الجوية بالعرش العلوي المجيد، إضافة إلى تشكيلات أخرى مثل “النخلة” و”التقاطع المتعدد” و”التقاطع وجها لوجه”.

    كما تنوعت الحركات المقدمة لتشمل “دوران التردد”، و”الجرس”، و”الدوران المنفرد مع الانعطاف المزدوج”، و”مرور الاعصار”، مما زاد من حماسة الجمهور وإعجابه بالأداء العالي للفرقة.

    وفي ختام هذا العرض الجوي الرائع، قامت الفرقة برسم الرقم 27 في سماء مدينة مرتيل، تخليدا للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد على عرش أسلافه الميامين، في لحظة احتفالية مؤثرة ألهبت مشاعر الحضور. هذا وقد تأسست فرقة الطيران البهلواني “المسيرة الخضراء”، التابعة للقوات الملكية الجوية، سنة 1984 بأمر من المغفور له الملك الحسن الثاني، وتعهدها وريث سره صاحب الجلالة الملك محمد السادس بسابغ عنايته ودعمه المولوي الكريم.

  • نيويورك تايمز: المسرح الملكي تجسيد للعناية الملكية السامية بالفن والثقافة

    نيويورك تايمز: المسرح الملكي تجسيد للعناية الملكية السامية بالفن والثقافة

    كتبت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، أن المسرح الملكي بالرباط، المعلمة الأيقونية التي تجسد العناية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بالفن والثقافة، يشكل “تحفة معمارية حقيقية” تضع عاصمة المملكة ضمن مجموعة نخبوية من “الوجهات الثقافية العالمية التي لا غنى عن زيارتها”.

    وسلطت الصحيفة الأمريكية واسعة الانتشار، الضوء على هذا الصرح الذي صممته المهندسة المعمارية العراقية البريطانية الراحلة، زها حديد، حيث يبرز بمنحنياته الفريدة وهندسته المتطورة على ضفاف نهر أبي رقراق مثل “موجة تتضخم وتتدفق فوق قاعات العرض، قبل أن تنحدر نحو مدخل ينفتح على قاعات تشبه جدران الأودية”.

    ووصف كاتب المقال، جوزيف جيوفانيني، التصميم الداخلي للمسرح الملكي الرباط، بسلالمه المتداخلة التي تتخذ شكل شرائط ترتقي جدرانا بارتفاع أربعة طوابق، مضيفا أن مقصورات الأوبرا تطل على قاعة عرض تحاكي شكل البلورة، وهو تصميم يجعل “السينوغرافيا تمتد إلى ما وراء خشبة المسرح”.

    وأشارت “نيويورك تايمز”، نقلا عن نائب المدير العام والمدير الفني للمسرح الملكي الرباط، إبراهيم المزند، إلى أن هذه المعلمة، وتماشيا مع الرؤية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، “تعكس الالتزام الراسخ للمغرب لفائدة الثقافة والصناعات الإبداعية كمحرك للتنمية، مع تعزيز التبادل الثقافي مع إفريقيا وبقية العالم”.

    وأكدت الصحيفة أن المسرح يسعى إلى أن يكون منصة دولية مخصصة للموسيقى والرقص والمسرح المغربي والعربي والإفريقي، بالإضافة إلى الإنتاجات العالمية الكبرى.

    وبذلك، تضيف “نيويورك تايمز”، تنضم هذه المؤسسة الثقافية إلى القائمة النخبوية من صروح العرض العالمية -على غرار متحف غوغنهايم للمهندس فرانك جيري في بيلباو، أو داري الأوبرا في سيدني وأوسلو- “التي تساهم في ترسيخ مكانة مدنها بشكل دائم على الخريطة الثقافية العالمية”.

    وأبرز كاتب المقال أن المغرب، الشهير بهندسته المعمارية التقليدية الرفيعة، أضحى اليوم “أكثر تجذرا في القرن الحادي والعشرين”، مشيرا، في هذا الصدد، إلى استخدام برمجيات التصميم والنمذجة ثلاثية الأبعاد المتقدمة، التي مكنت من إنجاز المنحنيات المعقدة لهذا المبنى الضخم.

    وخلص المقال إلى أن الراحلة زها حديد، وهي أول سيدة تنال جائزة “بريتزكر” المرموقة للهندسة المعمارية، قد صممت المسرح الملكي الرباط في أوج مسيرتها المهنية، حيث أبدعت فيه فضاءات عرض داخلية وخارجية تشكل “ذروة إبداع فني سمح تطوره التكنولوجي بإعطاء مظهر محيط منحوت بأنامل برانكوزي لهذا المبنى فائق التقنية”، وهو أحد أكثر النحاتين تأثيرا في القرن العشرين وأحد رواد الحداثة.

  • عميد السلك الدبلوماسي الأوروبي: ما يحققه المغرب ثمرة رؤية ملكية

    عميد السلك الدبلوماسي الأوروبي: ما يحققه المغرب ثمرة رؤية ملكية

    أكد عميد السلك الدبلوماسي الأوروبي، سفير الهيئة السيادية العسكرية لمالطا، جوليان فانسون بروني، اليوم الخميس، أن الإنجازات التي حققتها المملكة هي ثمرة الرؤية الطموحة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس من أجل تنمية المغرب.

    وفي تصريح للصحافة عقب حفل الاستقبال الذي ترأسه جلالة الملك بمناسبة عيد العرش المجيد، أبرز بروني التقدم الذي أحرزته المملكة في مختلف المجالات، بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك.

    كما سلط الدبلوماسي المالطي، الذي يشغل منصبه منذ سنة 2007، الضوء على الميزة الكبرى المتمثلة في الاستقرار الذي ينعم به المغرب، والذي أشار إليه جلالة الملك في خطاب العرش باعتباره أحد المؤشرات الإيجابية للمملكة.

  • جلالة الملك يترأس بالمضيق حفل استقبال بمناسبة عيد العرش المجيد

    جلالة الملك يترأس بالمضيق حفل استقبال بمناسبة عيد العرش المجيد

    ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد بعد زوال اليوم الخميس بساحة عمالة المضيق-الفنيدق، بمدينة المضيق، حفل استقبال بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.

    وفي مستهل هذا الحفل، جرت تحية العلم على نغمات النشيد الوطني، بينما كانت المدفعية تطلق 21 طلقة.

    إثر ذلك، تقدم للسلام على جلالة الملك وتهنئته بهذه المناسبة السعيدة عدد من الشخصيات المغربية والأجنبية.

    وهكذا، تقدم للسلام على جلالته السادة عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، وراشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، ومحمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين.

    وتقدم للسلام على جلالته، أيضا، كل من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والرئيس الأول لمحكمة النقض، السيد محمد عبد النباوي، والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، السيد هشام بلاوي، ورئيس المحكمة الدستورية، السيد محمد أمين بنعبد الله، والرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، السيدة زينب العدوي، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، السيد عبد القادر اعمارة، والأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، السيد اليزيد الراضي، ورئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، السيدة رحمة بورقية، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السيدة آمنة بوعياش.

    وتقدم للسلام على جلالة الملك وسيط المملكة، السيد حسن طارق، ورئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، السيدة لطيفة أخرباش، ورئيس مجلس المنافسة، السيد أحمد رحو، ورئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، السيد محمد بنعليلو، ورئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، السيد ادريس اليزمي، ورئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، السيد خليهن ولد الرشيد، ووالي جهة طنجة- تطوان- الحسيمة، عامل عمالة طنجة- أصيلة، السيد يونس التازي، ورئيس مجلس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة، السيد عمر مورو.

    إثر ذلك، تقدم للسلام على جلالة الملك الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والفريق أول محمد هرمو، قائد الدرك الملكي، واللواء عز الدين خليد، رئيس المكتب الثالث، والفريق الجوي محمد كديح، مفتش القوات الملكية الجوية، واللواء البحري محمد الطحين، مفتش البحرية الملكية، واللواء عبد الغني محب، المفتش العام للقوات المساعدة (المنطقة الشمالية)، واللواء مصطفى احديود، المفتش العام للقوات المساعدة (المنطقة الجنوبية)، والسيد عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، والسيد محمد ياسين المنصوري، المدير العام للدراسات والمستندات.

    كما تقدم للسلام على جلالته عميد السلك الدبلوماسي الإفريقي سفير جمهورية الكاميرون، السيد محمدو يوسيفو، وعميد السلك الدبلوماسي العربي سفير مملكة البحرين، السيد خالد بن سلمان جبر المسلم، وعميد السلك الدبلوماسي الأوروبي، سفير الهيئة السيادية العسكرية لمالطا، السيد جوليان فانسون بروني، وعميدة السلك الدبلوماسي الآسيوي سفيرة جمهورية كازاخستان، السيدة ساوليكول سايلاوكيزي، وسفير جمهورية الباراغواي- نائب عميد السلك الدبلوماسي الأمريكي، السيد فيكتور هوغو رامون بانياغوا فريطيس.

    وتقدم للسلام على جلالة الملك، أيضا، المونسينيور إميليو روشا غراندي، أسقف طنجة، والقسيسة كارين طوماس سميث، رئيسة الكنيسة الإنجيلية بالمغرب، والمونسينيور ماكسيم ماسالتين، رئيس الكنيسة الأورثوذوكسية الروسية، والسيد يوسف إسرائيل، الحاخام الأكبر للدار البيضاء.

    إثر ذلك، تقدم للسلام على جلالة الملك رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، السيد جياني إنفانتينو.

    ويشكل تخليد الشعب المغربي، في هذا اليوم، للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين، مناسبة متجددة لكافة مكونات الأمة لتجديد ولائها وإخلاصها، والتعبير عن تشبثها المتين بأهداب العرش العلوي المجيد.

  • رشيد ساري لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي رسم معادلة ثلاثية الأبعاد.. اقتصاد صاعد وحماية اجتماعية وحكامة مؤسساتية

    رشيد ساري لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي رسم معادلة ثلاثية الأبعاد.. اقتصاد صاعد وحماية اجتماعية وحكامة مؤسساتية

    قال رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، حمل ثلاثة أبعاد رئيسية، الأولى ذات بعد اقتصادي، والثانية بعد اجتماعي، وبعد مؤسساتي وسياسي، وقد شكلت مجتمعة قراءة شاملة لمسار المغرب التنموي ومكانته الإقليمية والدولية.

    البعد الاقتصادي: من صناعة السيارات إلى الهيدروجين الأخضر

    في تحليله للبعد الاقتصادي من الخطاب، أوضح رشيد ساري أن جلالة الملك محمد السادس تناول المسار المتميز الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن صناعة السيارات باتت اليوم تحقق عائدات تتجاوز تلك المحققة من الصناعة الاستخراجية للفوسفاط، وهو مؤشر بحسب المتحدث، على “التحول العميق الذي يعرفه النموذج الاقتصادي المغربي”.

    وأضاف الخبير الاقتصادي في حديثه لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك تطرق أيضا إلى المسار التنموي في مجالات متعددة، على رأسها الطاقات المتجددة وبالخصوص ورش الهيدروجين الأخضر الذي بات يحتل موقعا استراتيجيا ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

    كما أشار ساري إلى أن الخطاب الملكي تطرق في شقه الاقتصادي إلى صناعة الأسلحة التي ولج إليها المغرب حديثا، إضافة إلى الصناعات الدوائية، موضحا أن صاحب الجلالة أكد أن المغرب أصبح اليوم يؤمّن حاجياته من الأمن الصحي بنسبة تفوق 80 في المائة، وهو ما اعتبره المتحدث “مؤشرا جد مهم” على مستوى السيادة الدوائية للبلاد.

    وتوقف رشيد ساري كذلك عند إشارة جلالة الملك إلى معدلات النمو الاقتصادي، التي من المرتقب أن تتجاوز 5 في المائة خلال سنة 2026، معتبرا أن الخطاب سلط الضوء على الكيفية التي استطاع بها المغرب بفضل سياساته واستراتيجياته أن يصبح صاحب دور ريادي على المستوى الإفريقي، مسجلا أن المملكة أصبحت اليوم أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، ما يجعل المغرب ينضم إلى نادي الدول المصغّرة في صناعة السيارات على الصعيد العالمي.

    وفي هذا الإطار، لفت الخبير إلى نقطة اعتبرها جوهرية أثارها جلالة الملك، تتعلق بحاجة هذه المشاريع الكبرى إلى تمويلات، مشددا على أن البلاد في حاجة إلى انخراط أكبر للأبناك والمؤسسات المالية في تمويل هذه الأوراش التنموية.

    البعد الاجتماعي: تعميم الحماية الاجتماعية والعدالة المجالية

    انتقالا إلى البعد الثاني، أوضح رشيد ساري لـ “AM+ MEDIA “، أن جلالة الملك محمد السادس تطرق إلى نقطة جد مهمة تتعلق بالشق الاجتماعي، من خلال التركيز على الحماية الاجتماعية عبر تعميم التغطية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة.

    كما لفت المتحدث إلى أن الخطاب الملكي تناول أيضا محور العدالة الاجتماعية والمجالية، وكذا التنمية البشرية، من خلال التأكيد على ضرورة مواصلة تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل جميع الجهات دون استثناء.

    وأضاف ساري أن جلالة الملك، حين تحدث عن العدالة المجالية، ركز على ضرورة تقليص الفوارق بين المناطق وضمان شمولية المشاريع التنموية لكل ربوع المملكة، مذكّرا بأن الخطاب لم يغفل الإشارة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والأدوار المحورية التي تلعبها في هذا المسار.

    البعد المؤسساتي والسياسي: الاستقرار “عملة نادرة” ومكانة دولية متنامية

    وفي محور البعد المؤسساتي والسياسي، أكد رشيد ساري أن جلالة الملك أشار بوضوح إلى الاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة، معتبرا إياه “عملة نادرة” في محيط إقليمي ودولي يطبعه الاضطراب.

    كما تطرق صاحب الجلالة، بحسب تحليل الخبير إلى ضرورة انسجام وتكامل المؤسسات وهو ما من شأنه حسب المتحدث، أن يعزز نجاعة الدولة في مواجهة التحديات والأزمات المختلفة.

    وأضاف ساري أن الخطاب تناول أيضا المكانة الدولية المتنامية التي بات يحتلها المغرب، باعتباره فاعلا اقتصاديا وشريكا موثوقا، وذلك بفضل سياساته الاقتصادية والبنيات التحتية التي يتوفر عليها خاصة على المستوى الصناعي إضافة إلى التنويع الذي يعرفه الاقتصاد الوطني، والذي لم يعد يقتصر على المجالات الصناعية والسياحية والفلاحية فقط بل امتد ليشمل الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة، مع الدعوة إلى طرح عروض شراكات جديدة ومتوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.

    مكاسب “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني

    وشدد رشيد ساري على نقطة اعتبرها ذات بعد استراتيجي عميق في تفكير الدولة، تتمثل في حديث جلالة الملك عن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، موضحا أن الأمر يتعلق اليوم بـ”سياسة دولة” بالمعنى الكامل للكلمة.

    وخلص المتحدث في هذا الصدد، إلى أن المغرب في حاجة اليوم إلى أحزاب قوية وحكومة قوية، قادرة على استكمال مسار التنمية الذي جعل المملكة تنضم إلى مصاف الدول الصاعدة.

    وفي ختام تصريحه، أكد رشيد ساري أن ما وصل إليه المغرب من مكتسبات ومنجزات هو نتيجة استراتيجيات ومتابعة دقيقة، أساسها تغليب مصلحة المواطن على المصلحة الشخصية، على غرار ما أشار إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه، الذي أكد أنه لم يكن يوما يبحث عن إنجاز أو مكسب شخصي، بل كان همه الأول والأخير هو المواطن المغربي.

  • من الإغاثة إلى الصمود.. فلسفة ملكية لإدارة الأزمات في زمن الجائحة والزلازل والفيضانات

    من الإغاثة إلى الصمود.. فلسفة ملكية لإدارة الأزمات في زمن الجائحة والزلازل والفيضانات

    على امتداد سبعة وعشرين عاما، واجه المغرب سلسلة من الأزمات التي وضعت مؤسساته أمام اختبارات غير مسبوقة، تنوعت بين كوارث طبيعية وأزمات صحية وإنسانية. فمن زلزال الحسيمة سنة 2004 إلى زلزال الحوز سنة 2023، مرورا بفيضانات ضربت عددا من المناطق وجائحة كورونا التي أربكت العالم، برزت إدارة الأزمات كأحد أبرز ملامح تدبير “العهد الجديد” تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس.

    وخلال هذه المحطات، لم يقتصر التدخل الملكي على إصدار التعليمات الاستعجالية، بل اتخذ طابعا ميدانيا ومؤسساتيا، من خلال تفقد المناطق المنكوبة، والإشراف على اجتماعات العمل، وإحداث آليات وصناديق خاصة للدعم، فضلا عن تتبع برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، بما كرس استمرارية الدولة وسرعة تعبئة مختلف أجهزتها في مواجهة الأزمات.

    وبمناسبة عيد العرش، تقدم هذه المحطات صورة عن تطور المقاربة الملكية في مواجهة الكوارث، فقد انتقل التدخل تدريجيا من تدبير الوضع الاستعجالي إلى بناء برامج تجمع بين الإنقاذ، والتعويض، وإعادة الإعمار، وتأهيل البنيات الأساسية، مع وضع المواطن المتضرر في صلب القرارات.

    ويبرز من خلال هذا المسار حضور عدد من الثوابت التي طبعت المقاربة الملكية في تدبير الأزمات، في مقدمتها سرعة التعبئة، والتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وعدم الفصل بين الإغاثة الفورية وإعادة بناء المناطق المنكوبة، إلى جانب تحويل كل أزمة إلى فرصة لإطلاق إصلاحات تعزز جاهزية الدولة لمواجهة المخاطر المستقبلية.

    ولا تعكس هذه المحطات مجرد تعاقب لكوارث واجهها المغرب، بل تكشف عن تطور متواصل في فلسفة إدارة الأزمات، إذ يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن الاحتفال بعيد العرش يشكل مناسبة لاستحضار هذا التحول، حيث انتقلت مقاربة الدولة، خلال ربع قرن، من التركيز على التدخل بعد وقوع الكارثة إلى بناء رؤية متكاملة تقوم على الوقاية والاستجابة والتعافي وإعادة البناء.

     ويضيف أن الخبرات التي راكمها المغرب، من زلزال الحسيمة إلى جائحة كورونا ثم زلزال الحوز، أسهمت في ترسيخ سياسة وطنية لتدبير المخاطر وتعزيز صمود الدولة، معتبرا أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بفعالية التنفيذ الترابي، وجاهزية المؤسسات، وقدرتها على حماية المواطنين، لا سيما في المناطق الأكثر هشاشة.

    زلزال الحسيمة.. جلالة الملك ينتقل إلى قلب المنطقة المنكوبة

    في الساعات الأولى من يوم 24 فبراير 2004، ضرب زلزال قوي إقليم الحسيمة وخلف مئات الضحايا وخسائر كبيرة في المساكن والتجهيزات، خصوصا في المناطق القروية. وأمام حجم الكارثة، صدرت التعليمات الملكية بتعبئة وسائل الإنقاذ والإسعاف وإيواء الأسر التي فقدت منازلها، قبل أن ينتقل الملك محمد السادس إلى المنطقة لمتابعة التدخلات ميدانيا.

    لم تكن الزيارة الملكية إلى الحسيمة بروتوكولية أو محدودة في الزمن، إذ أعلن آنذاك أن الملك سيقيم بالمنطقة المنكوبة لمواكبة عمليات الإغاثة والوقوف على أوضاع السكان، في خطوة حملت دلالة سياسية وإنسانية واضحة: إدارة الكارثة من القرب والاستماع المباشرة إلى المتضررين.

    وفي 25 مارس 2004، أي بعد شهر تقريبا من وقوع الزلزال، ألقى الملك بالحسيمة خطابا خصص جانبا أساسيا منه لإعادة إعمار المنطقة وتأهيلها، وتجاوز الخطاب منطق إعادة بناء ما تهدم، ليضع تصورا يجمع بين معالجة الحاجيات المستعجلة وإطلاق تنمية هيكلية لمنطقة الريف.

    وأكد الملك خطابه ضرورة إعادة الإسكان والإعمار وفق المعايير اللازمة لمقاومة الزلازل، إلى جانب معالجة مظاهر العجز التي كانت تعاني منها المنطقة في التجهيزات والبنيات والخدمات، ليتحول زلزال الحسيمة من كارثة تتطلب تدخلا استعجاليا إلى مدخل لإعادة التفكير في البناء والتعمير والتنمية المجالية.

    الفيضانات.. الأولوية للإنقاذ وإعادة ربط المناطق المعزولة

    بعد زلزال الحسيمة، واجه المغرب موجات متكررة من الفيضانات، مست عددا من المناطق، خاصة الجنوب والجنوب الشرقي.

    وشكلت فيضانات كلميم ومدن مجاورة في نونبر 2014 واحدة من أكثر هذه المحطات قسوة، بعدما أدت السيول إلى سقوط ضحايا ومحاصرة مواطنين وقطع محاور طرقية.

    أمام الوضع، وتبعا للتعليمات الملكية السامية، جرت تعبئة السلطات المحلية والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي، مع إحداث مركز للطوارئ لتتبع تطورات الوضع بالمناطق المتضررة.

    وأمر الملك محمد السادس بالتكفل بعلاج المصابين، فيما انصبت التدخلات الميدانية على إنقاذ المحاصرين وإجلائهم، وإعادة فتح الطرق، وإيصال المساعدات إلى القرى المعزولة.

    وامتد التدخل إلى مواكبة الأسر المتضررة، خصوصا تلك التي فقدت مساكنها أو مواردها، وإعادة تأهيل بعض البنيات الأساسية.

    ودفعت هذه الكوارث المتكررة إلى تعزيز الاهتمام بمخاطر الفيضانات، وبآليات اليقظة والوقاية، وبتمويل مشاريع حماية المدن والمراكز القروية، إذ تبعا للتوجيهات الملكية السامية، جرى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتسريع إنجاز عدد من مشاريع الحماية من الفيضانات، وتقوية وسائل التدخل والإنقاذ، بما يرفع من جاهزية الدولة لمواجهة الكوارث الطبيعية.

    كورونا.. صندوق ملكي لحماية الصحة والاقتصاد والمجتمع

    مع ظهور جائحة كوفيد-19 سنة 2020، وجد المغرب نفسه أمام أزمة تختلف عن الزلازل والفيضانات، حيث لم تكن الكارثة محدودة في مجال جغرافي يمكن تطويقه، بل بأزمة صحية عالمية أصابت البلاد كلها، وأوقفت جزءا كبيرا من الأنشطة الاقتصادية، وهددت قدرة الأسر على توفير حاجياتها الأساسية.

    وفي 15 مارس 2020، أعطى الملك محمد السادس تعليماته بإحداث صندوق خاص لتدبير جائحة فيروس كورونا، برصيد أولي بلغ 10 مليارات درهم، وتُرجم القرار قانونيا بصدور المرسوم رقم 2.20.269 بتاريخ 16 مارس 2020، لإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم “الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد-19”.

    والصندوق أحد أبرز أدوات الاستجابة للأزمة؛ إذ وُجهت موارده إلى تأهيل المنظومة الصحية واقتناء المعدات والأدوية، وإحداث وحدات استشفائية إضافية، ودعم الأسر التي فقدت مداخيلها، إلى جانب مواكبة المقاولات المتضررة والحفاظ على جزء من مناصب الشغل.

    وتحول الصندوق، بعد تبرع جلالة الملك محمد السادس بملياري درهم من حسابه الخاص، إلى إطار واسع للتضامن الوطني، بعد مساهمة مؤسسات عمومية وخاصة ومواطنين فيه، لتتحول مواجهة الوباء من مسؤولية القطاع الصحي وحده، إلى تعبئة وطنية جمعت بين القرار العمومي والتضامن المجتمعي.

    وإلى جانب الصندوق، أعطى الملك تعليماته للقوات المسلحة الملكية بإقامة مستشفيات ميدانية، ووُضعت الإمكانات الطبية العسكرية رهن إشارة المنظومة الصحية، كما ترأس جلسات عمل لتتبع الوضع الوبائي وتأمين احتياجات البلاد من الأدوية والمعدات واللقاحات.

    ويعتبر الحبيب استاتي زين الدين أن جائحة كورونا شكلت منعطفا نوعيا في تطور المقاربة الملكية، لأنها لم تكن أزمة صحية فحسب، بل مست مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

    ويوضح أن ما ميز التجربة المغربية هو السعي إلى تحقيق توازن بين حماية الحق في الحياة، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

    ويرى المتحدث عينه أن إحداث الصندوق الخاص بتدبير الجائحة لم يكن مجرد آلية مالية استثنائية، بل جسد تصورا يربط الأمن الصحي بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، بعدما وفر الدعم للمنظومة الصحية، وساهم في مواكبة الأسر والأجراء والمقاولات، محولا التضامن إلى سياسة عمومية مؤسساتية.

    من تأمين اللقاح إلى البحث عن السيادة الصحية

    لم تقتصر المقاربة الملكية خلال جائحة كورونا على تدبير الإصابات اليومية، بل اتجهت مبكرا إلى تأمين اللقاحات للمغاربة، إذ أعطى جلالة الملك محمد السادس في 28 يناير 2021، الانطلاقة الفعلية للحملة الوطنية للتلقيح، بعد تلقيه الجرعة الأولى بالقصر الملكي في فاس.

    وجاءت الحملة مجانية لجميع المواطنين، وفق التعليمات الملكية، وجرى توسيعها تدريجيا لتشمل مختلف الفئات العمرية والمهنية، ليمكن الإعداد المبكر من إطلاق التلقيح في مرحلة كانت فيها دول كثيرة تواجه صعوبات في الوصول إلى الجرعات.

    غير أن الدرس الذي استخلصه المغرب من الجائحة لم يتوقف عند ضرورة اقتناء اللقاح، بل امتد إلى تقليص التبعية للخارج في المواد الطبية الحيوية، عبر إطلاق مشاريع لتطوير القدرة الوطنية على تصنيع اللقاحات والأدوية، باعتبار السيادة الصحية جزءا من الأمن الاستراتيجي للمملكة.

    وهكذا تحولت أزمة كورونا إلى نقطة انطلاق لإصلاحات أوسع، شملت تقوية المنظومة الصحية، وتسريع ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة طرح قضية المخزون الاستراتيجي، والصناعة الدوائية، وقدرة الدولة على حماية الفئات التي تفقد دخلها في الظروف الاستثنائية.

    زلزال الحوز.. جلسة عمل في اليوم التالي للكارثة

    ليلة 8 شتنبر 2023، ضرب زلزال عنيف منطقة الحوز وامتدت آثاره إلى أقاليم مراكش وشيشاوة وتارودانت وورزازات.

    وتسببت الطبيعة الجبلية للمناطق المتضررة في تعقيد عمليات الوصول إلى عدد من الدواوير، بعد انهيار الطرق أو انقطاعها.

    في اليوم التالي مباشرة، 9 شتنبر 2023، ترأس الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، جلسة عمل خصصت لتدارس الوضع، وتم خلالها أمام الملك عرض آخر المعطيات المتعلقة بالمناطق المتضررة والإجراءات المتخذة للوصول إلى الدواوير المعزولة وإنقاذ الضحايا.

    وأصدر الملك تعليماته لتعزيز وسائل وفرق البحث والإنقاذ، وتسريع إجلاء الجرحى، وتوفير مياه الشرب والمواد الغذائية والخيام والأغطية، مع مواصلة فتح الطرق وإعادة شبكات الكهرباء والاتصالات.

    وشملت التعليمات التكفل الفوري بالأشخاص الذين فقدوا مساكنهم، خصوصا الأطفال والفئات الهشة، وإحداث لجنة وزارية لوضع برنامج استعجالي لإعادة التأهيل.

    كما أعطيت التعليمات للقوات المسلحة الملكية بنشر وسائل بشرية ولوجستية مهمة، وإقامة مستشفيات طبية جراحية ميدانية، وتسخير الطائرات والمروحيات لنقل الجرحى والمساعدات إلى المناطق التي تعذر بلوغها عبر الطرق.

    زيارة المصابين وتبرع ملكي بالدم

    وفي 12 شتنبر 2023، انتقل الملك محمد السادس إلى المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش، حيث زار المصابين الذين كانوا يتلقون العلاج عقب الزلزال واطلع على ظروف التكفل بهم.

    وخلال الزيارة، تبرع الملك بالدم، في خطوة حملت رمزية قوية وساهمت في دعم موجة التضامن التي عرفتها مختلف مدن المملكة، حيث توجه آلاف المواطنين إلى مراكز تحاقن الدم للمساهمة في إنقاذ المصابين.

    وأظهرت الزيارة أن المتابعة الملكية لم تقتصر على الاجتماعات الرسمية، بل انتقلت إلى المستشفى والاحتكاك المباشر بالمصابين والأطر الصحية، كما شكلت امتدادا للنهج الذي ظهر عقب زلزال الحسيمة، والقائم على الحضور الميداني في قلب الأزمة.

    14 شتنبر.. دعم شهري وتعويضات مباشرة لإعادة البناء

    بعد خمسة أيام من جلسة العمل الأولى، ترأس الملك في 14 شتنبر 2023 بالقصر الملكي في الرباط اجتماعا ثانيا، خصص لتفعيل البرنامج الاستعجالي لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بالفئات الأكثر تضررا.

    وأقر الاجتماع تقديم مساعدة استعجالية بقيمة 30 ألف درهم لكل أسرة متضررة، تُصرف على مدى سنة بمعدل 2500 درهم شهريا. كما تم تحديد مساعدات مباشرة قدرها 140 ألف درهم لإعادة بناء المسكن المنهار كليا، و80 ألف درهم لتأهيل المسكن المنهار جزئيا.

    وشددت التوجيهات الملكية على ضرورة تنفيذ عمليات إعادة البناء وفق دفاتر تحملات تراعي الخصائص المعمارية والاجتماعية للمناطق، وتحترم معايير مقاومة الزلازل. كما شملت التدابير التكفل الفوري بالأطفال اليتامى الذين فقدوا أسرهم، وإحصاء المتضررين بدقة، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية والبنيات الأساسية.

    وبذلك انتقل التدخل، في أقل من أسبوع، من مرحلة البحث عن الناجين وإيواء السكان إلى وضع آلية مالية واضحة للتعويض وإعادة البناء، وهو ما يعكس أهمية جلسات العمل الملكية في تقليص الزمن الفاصل بين تشخيص الأزمة واتخاذ القرار.

    20  شتنبر.. 120 مليار درهم لإعادة إعمار وتنمية ستة أقاليم

    في 20 شتنبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل ثالثة خصصت لبرنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة لنقل التدبير إلى مستوى أوسع من الإغاثة وإعادة المساكن.

    وحدد البرنامج ميزانية تقديرية بلغت 120 مليار درهم على مدى خمس سنوات، واستهدف ساكنة تقدر بنحو 4.2 ملايين نسمة في ستة أقاليم وعمالات هي الحوز، مراكش، شيشاوة، تارودانت، ورزازات وأزيلال.

    وقام البرنامج على محورين؛ الأول خصص لإعادة بناء المساكن وتأهيل البنيات التحتية المتضررة وفك العزلة، والثاني استهدف وضع مخطط لتنمية مناطق الأطلس الكبير، من خلال دعم الأنشطة الاقتصادية، وتأهيل المرافق والخدمات، وتحسين الجاذبية المجالية.

    وتكشف هندسة هذا البرنامج أن الرؤية الملكية لم تنظر إلى الزلزال باعتباره ملفا تقنيا يقتصر على إصلاح المساكن المتضررة، بل باعتباره فرصة لمعالجة اختلالات تنموية كانت قائمة قبل الكارثة، إذ لم يكن الهدف إعادة القرى إلى وضعها السابق، وإنما تحسين شروط العيش، وفك العزلة، وتأهيل البنيات والخدمات الأساسية.

    وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن تجربة زلزال الحوز عكست مستوى متقدما في تطور إدارة الأزمات بالمغرب، من خلال سرعة الانتقال من مرحلة الإنقاذ والإيواء إلى إعادة البناء والتأهيل الشامل.

    ويوضح أن جلسات العمل الملكية أسهمت في تقليص الزمن الفاصل بين وقوع الزلزال واتخاذ القرار، عبر توحيد تشخيص الوضع وتحديد الأولويات والآجال قبل إطلاق برامج التعويض وإعادة الإعمار، معتبرا أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة لا تكمن فقط في سرعة اتخاذ القرار، بل في قدرتها على تحويل الخبرة المتراكمة إلى مؤسسات وسياسات دائمة، تجعل من إعادة الإعمار مدخلا للتنمية وتعزيز صمود المجالات الترابية.

    الصندوق رقم 126.. التضامن يتحول إلى آلية مؤسساتية

    بموازاة برنامج إعادة البناء، أحدث الحساب الخاص رقم 126 لتدبير الآثار المترتبة على زلزال الحوز، وفتح أمام المساهمات التضامنية للمؤسسات والمقاولات والمواطنين.

    حيث ساهم الملك محمد السادس بمبلغ مليار درهم في الصندوق، من ماله الخاص، في خطوة عززت التعبئة الوطنية وشجعت مختلف الفاعلين على الانخراط في تمويل جهود الإعمار.

    وقد مكن الصندوق من تجميع الموارد وتوجيهها نحو البرامج المخصصة للمتضررين، وأكد مرة أخرى حضور الصناديق الاستثنائية باعتبارها إحدى أدوات التدبير الملكي للأزمات؛ من صندوق كورونا الذي جمع بين حماية الصحة ودعم المجتمع والاقتصاد، إلى صندوق الزلزال الموجه إلى الإيواء وإعادة الإعمار.

    من آسفي إلى الغرب واللوكوس.. توجيهات ملكية تقود الإغاثة وإعادة الإعمار

    شهدت مدينة آسفي يوم 14 دجنبر 2025 تساقطات مطرية استثنائية خلفت أضرارا بعدد من الأحياء والبنيات التحتية. وفي إطار العناية الملكية الموصولة بالمواطنين، وتنفيذا للتعليمات السامية للملك محمد السادس، أُطلق برنامج استعجالي لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، مع تعبئة مختلف القطاعات للتدخل السريع وإصلاح التجهيزات الأساسية.

    وبعد أسابيع، عرفت مناطق الغرب واللوكوس خلال يناير وفبراير 2026 فيضانات قوية استدعت تعبئة شاملة، حيث جرى، بتوجيهات ملكية سامية، تسخير القوات المسلحة الملكية، والسلطات الترابية، والوقاية المدنية، والدرك الملكي، لتنفيذ عمليات الإنقاذ والإجلاء، وتأمين مراكز الإيواء، وإيصال المساعدات إلى المتضررين.

    وفي تجسيد للرؤية الملكية التي تجعل مواكبة المتضررين جزءا من تدبير الأزمات، لم تقتصر التوجيهات الملكية على مرحلة الإغاثة، بل شملت إطلاق برنامج استثنائي لإعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة بغلاف مالي ناهز 3 مليارات درهم، خُصص لإصلاح البنيات الأساسية، وتعويض الأسر، ودعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية.

    وتندرج هذه الإجراءات ضمن المقاربة الملكية الرامية إلى الانتقال من التدخل الاستعجالي إلى إعادة الإعمار والتنمية، بما يضمن حماية المواطنين، واستعادة الحياة الطبيعية، وتعزيز صمود المجالات الترابية في مواجهة الكوارث.

    من تدبير الأزمات إلى بناء دولة أكثر صمودا

    من زلزال الحسيمة إلى زلزال الحوز، ومن الفيضانات إلى جائحة كورونا، تكشف مختلف هذه المحطات أن تدبير الأزمات في المغرب يقوم على رؤية ملكية استباقية لا تقتصر على مواجهة تداعيات الكارثة، بل تمتد إلى بناء مقومات الصمود وتعزيز جاهزية الدولة للمستقبل، فالتوجيهات الملكية كانت تنطلق منذ الساعات الأولى للأزمة، قبل أن تترجم إلى برامج للإغاثة، وصناديق للدعم، ومشاريع لإعادة الإعمار والتنمية.

    ولم يقتصر هذا النهج على اتخاذ القرار من داخل المؤسسات، بل برز أيضا في الحضور الميداني للملك محمد السادس، من خلال زيارة المناطق المنكوبة، والاطلاع المباشر على أوضاع المتضررين، وزيارة الجرحى بالمستشفيات، وهو ما أضفى بعدا إنسانيا على تدبير الأزمات، وجعل المواطن في صلب الاهتمام إلى جانب سرعة التدخل وفعالية المؤسسات.

    وبمناسبة عيد العرش، تعكس هذه المحطات جانبا من المشروع الملكي الذي يجمع بين الرؤية بعيدة المدى والبعد الإنساني، حيث لا يقاس نجاح التدخل فقط بحجم الإمكانات المرصودة، بل بمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها، واستعادة الحياة بالمناطق المتضررة، وتحويل كل أزمة إلى فرصة لتعزيز جاهزية المغرب وصمود مؤسساته ومجتمعه.

    بعد دولي.. من حماية الداخل إلى إغاثة الخارج

    لم تقتصر المقاربة الملكية في تدبير الأزمات على مواجهة الكوارث داخل المغرب، بل امتدت إلى ترسيخ ثقافة التضامن الدولي مع الدول الصديقة، ففي 18 شتنبر 2024، وبتعليمات من الملك محمد السادس، شاركت القوات المسلحة الملكية في إخماد حرائق الغابات التي اجتاحت البرتغال، عبر إرسال طائرتين من نوع “كانادير” وطائرة دعم لوجستي، إلى جانب أربعة أطقم جوية وفريق تقني.

    واندرجت هذه المهمة ضمن تعاون متواصل، بعدما سبق للطائرات المغربية أن شاركت في عمليات مماثلة بالبرتغال سنتي 2016 و2017.

    وجسد المغرب هذا النهج أيضا خلال الفيضانات التي ضربت منطقة فالنسيا الإسبانية عقب إعصار “دانا” في 29 أكتوبر 2024، والذي خلف أكثر من 220 قتيلا وخسائر مادية واسعة.

    وتنفيذاً للتعليمات الملكية السامية للملك محمد السادس، انطلقت في 12 نونبر 2024 عملية إغاثة شملت إرسال 70 عنصرا من فرق التدخل إلى إسبانيا، مدعومين بـ24 شاحنة وآلية متخصصة لإزالة الأوحال والأنقاض وفتح الطرق، في واحدة من أكبر عمليات الدعم الدولي التي شهدتها إسبانيا عقب الكارثة.

    وتعكس هذه المحطات أن المقاربة الملكية في تدبير الأزمات لم تعد تقتصر على حماية المواطنين داخل المملكة، بل أصبحت تمتد إلى دعم الدول الصديقة عند مواجهة الكوارث الطبيعية.

  • المرأة المغربية في صلب الإصلاح.. مكتسبات تترسخ وطموحات تتجدد

    المرأة المغربية في صلب الإصلاح.. مكتسبات تترسخ وطموحات تتجدد

    يحلّ عيد العرش المجيد لهذه السنة والمغرب يواصل، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مسيرة إصلاحية متواصلة جعلت من الإنسان محورا لبناء المغرب الصاعد، ومن المرأة المغربية رهانا استراتيجيا للإصلاح ورافعة أساسية للتنمية، ومن الأسرة المغربية نواة للمجتمع وركيزة أساسية لترسيخ مغرب التضامن والوحدة، الذي أولاه جلالة الملك عناية خاصة وأقر له عيدا وطنيا.

    فمنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، جعل قضية المرأة المغربية في صلب الإصلاحات الكبرى التي شهدتها المملكة، وقد حملت السنوات السبع والعشرون الماضية إصلاحات نوعية شكّلت محطات فارقة في مسار النهوض بأوضاع المرأة المغربية، من خلال أوراش دستورية وتشريعية ومؤسساتية عززت مكانتها، ووسعت آفاق مشاركتها في الحياة العامة، ورسّخت حضورها كشريك أساسي في بناء الوطن.

    وكان إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 محطة مفصلية في هذا المسار، إذ شكَّل صدورها آنذاك ثورة تشريعية مجتمعية هادئة أنصفت المرأة المغربية من مظاهر الحيف التي كانت تطبع بعض الممارسات القانونية، وعزَّزت الحماية القانونية للأسرة، وكرَّست لمبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير شؤونها بما يحقق التوازن ويحفظ كرامة جميع أفرادها.

    ثم جاء دستور سنة 2011 ليكرس هذا التوجه الإصلاحي، حيث نص على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات، وجعل من المناصفة هدفا تسعى الدولة إلى تحقيقه، كما تم إحداث آليات ومؤسسات دستورية ساهمت في تعزيز حقوق النساء في انسجام تام مع التزامات المملكة.

    ولم تبق هذه المبادئ حبيسة النصوص، بل ترجمت إلى مكتسبات ملموسة، من بينها اعتماد القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي شكل خطوة مهمة نحو تعزيز الحماية القانونية للنساء من مختلف أشكال العنف، وتجريم عدد من الأفعال التي تمس كرامة المرأة، وإرساء آليات للتكفل بالضحايا.

     في السياق ذاته، واصل المغرب مسيرة التمكين وإقرار حق المرأة المغربية من نقل جنسيتها إلى أبنائها، وفتح المجال أمامها لولوج مهن كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجل، ومن بينها خطة العدالة، فضلا عن تعزيز حضورها داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتوسيع تمثيليتها في المؤسسات المنتخبة بفضل الإصلاحات المتتالية للقوانين الانتخابية، وهو ما ساهم في الرفع من تمثيلية النساء داخل البرلمان والجماعات الترابية.

    هذا إصلاحات في مجملها تؤكد قناعة راسخة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تكون شاملة ومستدامة، دون إشراك حقيقي وفاعل للمرأة في مختلف مناحي الحياة، وأن تقدم الأوطان يقاس أيضا بمدى تمكين نسائها من الإسهام في صناعة القرار، والمشاركة في التنمية، وتحمل المسؤولية.

    ورغم هذه المكتسبات فإن مسار تمكين المرأة المغربية لا يزال ورشا مفتوحا ومتجددا، لأن الإصلاح الحقيقي لا يقف عند حدود الإنجاز، بل يتطلع دائما إلى آفاق أرحب، ومن هذا المنطلق، يندرج الورش الملكي المتعلق بمدونة الأسرة باعتباره محطة جديدة في مسار الإصلاح، هدفها تعزيز العدالة والإنصاف داخل الأسرة المغربية، بما يستجيب للتحولات المجتمعية ويحافظ في الآن ذاته على المرجعية الدستورية والثوابت الوطنية للمملكة.

    كما أن المرحلة المقبلة تستدعي مضاعفة الجهود من أجل الانتقال من ضمان الحقوق قانونا إلى تفعيلها واقعا، ومن تعزيز الحضور العددي للمرأة إلى توسيع حضورها النوعي في مواقع المسؤولية والقرار، ومن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص إلى تكريس المناصفة باعتبارها خيارا دستوريا ورهانا تنمويا.

    إن الاحتفاء بعيد العرش المجيد ليس مجرد مناسبة لاستحضار حجم المنجزات بل محطة وطنية لتجديد الثقة في المسار التنموي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله بثبات ورؤية استشرافية، فالمرأة المغربية لم تعد موضوعا للإصلاح بل أصبحت فاعلا رئيسيا فيه وشريكا أساسيا في بناء مغرب حديث، ديمقراطي، متضامن، وموحد.

    فإذا كانت السبع والعشرون سنة الماضية أرست دعائم إصلاحات عميقة لفائدة المرأة المغربية، فإن الطموح اليوم يتجدد في مواصلة هذا المسار الإصلاحي، وفي مقدمة ذلك ورش مراجعة مدونة الأسرة الذي أطلقه جلالة الملك دام له النصر والتمكين، بما ينصف المرأة المغربية، ويصون كرامة الرجل المغربي ويضمن المصلحة الفضلى للأطفال. كما يظل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء رهانا استراتيجيا لا يقتصر على سن القوانين بل يمتد إلى حسن تنزيلها وضمان الولوج المنصف للتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية والشغل، ومراكز القرار، بما يمكن المرأة المغربية من الاضطلاع بأدوارها كاملة دون تمييز كشريك أساسي في التنمية وصناعة المستقبل.

    رئيسة لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة*

  • خليد حاتيمي: لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي يؤسس لاقتصاد السيادة ويكرس مفهوم استمرارية الدولة

    خليد حاتيمي: لـ”AM+ MEDIA”: الخطاب الملكي يؤسس لاقتصاد السيادة ويكرس مفهوم استمرارية الدولة

    لم يأتِ الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش لعرض حصيلة اقتصادية واجتماعية فحسب، بل حمل ملامح مرحلة جديدة في النموذج التنموي المغربي، قوامها الانتقال من منطق تدبير النمو إلى بناء اقتصاد أكثر سيادة وقدرة على المنافسة والصمود في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي.

    وفي قراءة لمضامين الخطاب، أكد عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خليد حاتيمي، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن الرسالة الأساسية التي حملها الخطاب تتمثل في أن المغرب لم يعد يراهن فقط على تحقيق نسب نمو ظرفية، وإنما يعمل على بناء اقتصاد يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الاستقرار، والسيادة الاقتصادية، والابتكار، واستمرارية الدولة، ركائز أساسية للتنمية.

    ويرى حاتيمي أن الرسالة المركزية للخطاب الملكي ترتكز على ثلاثة مرتكزات استراتيجية مترابطة؛ أولها تعزيز السيادة الوطنية في القطاعات الحيوية والاستراتيجية، وثانيها تنويع الاقتصاد الوطني والانتقال نحو صناعات المستقبل القادرة على خلق الثروة ورفع القدرة التنافسية، وثالثها بناء دولة اجتماعية قوية تضمن العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية.

    ويؤكد أن هذه المرتكزات لا تُطرح كأوراش منفصلة، بل كعناصر متكاملة ضمن رؤية ملكية واحدة تروم ترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

    وفي هذا السياق، يرى حاتيمي أن افتتاح الخطاب بالحديث عن الأمن والاستقرار لم يكن اعتباطياً، بل يعكس إدراكاً بأن الاستقرار أصبح اليوم رأسمالاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المالية، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.

    ويبرز المتحدث ذاته أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، جعلت الاستقرار السياسي والمؤسساتي عملة نادرة، وهو الأمر الذي يشكل أحد أهم عناصر قوة الدولة المغربية، مردفا أن “الاستثمار اليوم يبحث قبل كل شيء عن وضوح الرؤية ونجاعة المؤسسات، ما يجعل الاستقرار الذي ينعم به المغرب رصيداً استراتيجياً يعزز جاذبيته الاقتصادية”.

    ويضيف أن الخطاب لا يكتفي بإبراز أهمية الاستقرار، بل يربطه مباشرة بقدرة الدولة على تدبير الأزمات، معتبراً أن ما راكمه المغرب خلال السنوات الماضية من إصلاحات واستثمارات استراتيجية هو الذي مكنه من تعزيز مناعته في مواجهة التقلبات.

    وقال بهذا الصدد: “أثبتت مواجهة الأزمات بالمملكة، سواء المرتبطة بالتقلبات المناخية أو بالتحولات الاقتصادية الدولية، صواب الرؤية الاستراتيجية للمغرب، التي جعلت من السيادة الوطنية ركيزة للتنمية. فبفضل الاستثمارات المتراكمة في الأمن الغذائي والدوائي، والطاقات المتجددة، والبنية التحتية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والهيدروجين الأخضر، أصبح المغرب أكثر قدرة على مواجهة الأزمات واستشراف المستقبل. ويقوم هذا المسار على التشخيص الدقيق، والاستشراف، والتدرج في التنفيذ، والمواكبة المستمرة، في إطار رؤية سيادية بعيدة المدى”.

    ويعتبر حاتيمي أن الخطاب الملكي السامي يعلن أيضاً عن انتقال الاقتصاد المغربي إلى مرحلة جديدة، لم يعد فيها الرهان مقتصراً على استقطاب الاستثمارات، بل أصبح موجهاً نحو نقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وبناء صناعات المستقبل، باعتبارها المدخل الحقيقي لتعزيز السيادة الاقتصادية.

    ولفت عضو المكتب السياسي لـ”البام” أن التحول الاقتصادي الحقيقي يبدأ بنقل التكنولوجيا وتوطين الخبرة، لبناء صناعات المستقبل، وتعزيز السيادة الصناعية، وترسيخ ريادة المغرب إقليمياً وقارياً”.

    ويؤكد أن المؤشرات التي استعرضها الخطاب تعكس نجاح هذا التحول، بعدما أصبحت الصناعات ذات القيمة المضافة العالية تقود الاقتصاد الوطني وتمنحه قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الدولية.

    ويرى خليد حاتيمي أن “نجاح المغرب في بناء صناعات السيارات والطيران والبطاريات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر يعكس وضوح الرؤية الاستراتيجية للمملكة، القائمة على مبدأين أساسيين: السيادة الاقتصادية وتنويع الاقتصاد، باعتبارهما أساساً لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الريادة الإقليمية والقارية”.

    وفيما يتعلق بصعود المغرب ليصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وتجاوز صادرات قطاعات السيارات والطيران، 40 بالمئة من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط، وفق ما جاء في خطاب العرش، أوضح حاتيمي أن “الفوسفاط لم يعد وحده قاطرة الصادرات المغربية؛ في دليل واضح على نجاح المغرب في بناء اقتصاد متنوع، قائم على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية”.

    وفي المقابل، يشدد حاتيمي على أن الخطاب الملكي لم يفصل بين التنمية الاقتصادية والبعد الاجتماعي، بل قدم تصوراً يعتبر أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اقتصاد قوي قادر على إنتاج الثروة وتوفير فرص الشغل.

    وزاد موضحا ألا “دولة اجتماعية بدون دولة اقتصادية قوية، فخلق الثروة هو المدخل إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، وهو ما يعكس الترابط الاستراتيجي بين الأولويات في الرؤية التنموية للمملكة”.

    وفي الإطار نفسه، يرى المتحدث أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، باعتباره شريكاً رئيسياً في إنجاح المرحلة المقبلة، داعياً إلى تطوير آليات التمويل بما يواكب التحولات الاقتصادية العالمية ويستجيب لحاجيات الاستثمار.

    واسترسل شارحا أن “اقتصاد المستقبل لا يُبنى بآليات تمويل الأمس، لذلك دعا الخطاب الملكي السامي إلى قطاع مالي أكثر جرأة في تمويل الاستثمار، وأكثر استعداداً لتقاسم المخاطر، بما يفرض انخراطاً أقوى للقطاع البنكي في مواكبة المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، والانتقال من منطق الضمانات إلى منطق الثقة وخلق القيمة”، لافتا إلى أن “المرحلة المقبلة تتطلب حلولاً مالية أكثر ابتكاراً، قادرة على تعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية، وتمويل الابتكار والتصنيع والتصدير”.

    ويرى حاتيمي أن من أهم الرسائل التي حملها الخطاب الملكي ترسيخ مفهوم استمرارية الدولة، باعتباره أحد أسرار النموذج المغربي في تحقيق التراكم التنموي، بعيداً عن منطق تدبير الولايات الحكومية المتعاقبة.

    ولفت في هذا السياق أن خصوصية النموذج المغربي تكمن في الجمع بين الديمقراطية واستمرارية الدولة؛ فالزمن السيادي يرسم الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، بينما تضطلع الحكومات بتنفيذ مراحلها، لذلك فالمنجزات الوطنية ليست حصيلة حكومة بعينها، بل هي نتاج تراكمات وسياسات مخطط لها تتجاوز الولاية الحكومية. فالدولة المغربية تسير وفق بوصلة استراتيجية ثابتة، ضامنها جلالة الملك، وهو ما يمنح المشاريع الكبرى استمراريتها ويعزز الثقة في المستقبل”.

    ويخلص الخبير الاقتصادي خليد إلى أن الخطاب الملكي يقدم رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة، تقوم على ترابط السيادة الوطنية، والتصنيع، والابتكار، والتمويل، والدولة الاجتماعية، باعتبارها ركائز متكاملة لنموذج تنموي أكثر تنافسية واستدامة.

    ويرى عضو المكتب السياسي لحزب “الأصالة والمعاصرة” أن نجاح هذه الرؤية يقتضي مواصلة الإصلاحات، وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية، وترسيخ اقتصاد قادر على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل، بما يدعم تموقع المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي وقاري، ويعزز قدرته على التكيف مع التحولات الدولية وتحويلها إلى فرص للتنمية.