المدونة

  • المغرب يمد جسور الثقة مع بوغوتا

    المغرب يمد جسور الثقة مع بوغوتا

    أكدت سفيرة المغرب بكولومبيا، فريدة لوداية، أن العلاقات بين المغرب وكولومبيا، التي تستمد قوتها من مكتسبات نحو نصف قرن من الصداقة، مدعوة إلى استعادة حيويتها الكاملة وبعدها الاستراتيجي.

    وأوضحت السيدة لوداية، في كلمة خلال حفل استقبال نظم أول أمس الخميس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، أن هذه الصداقة تشكل “قاعدة صلبة” لإعطاء دينامية جديدة للعلاقات بين الرباط وبوغوتا، للتطلع معا نحو آفاق جديدة من التعاون.

    وأبرزت أن صفحة جديدة تفتح اليوم بين البلدين، بفضل الإرادة القوية التي أعرب عنها مؤخرا قائدا البلدين، مشيرة إلى أن هذه المرحلة يجب أن “تراعي بشكل كامل مصالح كل طرف، وتكون فيها الثقة المتبادلة هي العنوان الأساسي”.

    وأضافت السيدة لوداية أن الحكومة الكولومبية ستجد في المملكة حليفا استراتيجيا وشريكا مخلصا، مستعدا لإعطاء مضمون ملموس لهذه المرحلة الجديدة في العلاقات الثنائية.

    كما ذكرت بأن الشراكات الدائمة تقوم على الوضوح واحترام المبادئ الأساسية التي تتمسك بها كل أمة بشكل مشروع، وفي مقدمتها السيادة، والوحدة الوطنية، والوحدة الترابية.

    واغتنمت السفيرة هذه المناسبة، لتسليط الضوء على مجالات التعاون المتعددة التي تشكل فضاء طبيعيا للتقارب بين البلدين، ومن بينها الأمن الغذائي، والطاقات المتجددة، والسياحة، والتعليم العالي، واللوجستيك، والاستثمار، والتبادلات الاقتصادية.

    وفي معرض إبرازها لدينامية التحول والتقدم الذي حققته المملكة على مدى السنوات السبع والعشرين الماضية، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أكدت أن المغرب اليوم هو “بلد منخرط بالكامل في عصره، يبتكر ويستبق دون أن يتخلى عن هويته ولا عن القيم المؤسسة لتفرده”.

    كما سلطت السيدة لوداية الضوء على دعائم العمل الدولي للمملكة، والذي يستند على الوضوح في المبادئ والسعي نحو شراكات قائمة على الثقة والاحترام المتبادلين.

    وقد تميز هذا الاستقبال بحضور مسؤولين كولومبيين سامين، وممثلي السلطات المدنية والعسكرية، وكذا برلمانيين، وسفراء معتمدين بكولومبيا، وشخصيات من عالم الأعمال والإعلام والثقافة والمجتمع المدني، فضلا عن عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بهذا البلد الواقع بأمريكا الجنوبية.

  • “فيفا” يرضخ للضغوط ويتخلى عن بيع حقوقه التجارية

    “فيفا” يرضخ للضغوط ويتخلى عن بيع حقوقه التجارية

    أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، اليوم السبت، تخلي الاتحاد عن خطته لبيع جزء من حقوقه التجارية، وذلك عقب موجة من الانتقادات والاعتراضات التي أبدتها اتحادات قارية.

    وأوضح إنفانتينو، في بيان، أنه “بعد الاستماع بعناية إلى كافة وجهات النظر، بات من الواضح أن المشروع أحدث انقسامات لم تعد تخدم الهدف الأساسي الذي أطلق من أجله”.

    وأضاف رئيس الاتحاد في هذا الصدد “كان هدفنا دائما، وسيظل، توحيد الصفوف والدفع باللعبة نحو الأمام، ولهذا السبب لن يتم اعتماد هذا المقترح”.

    يشار إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم كان قد كشف، يوم الثلاثاء الماضي وبشكل مفاجئ، عن خطة تروم الرفع من تمويل تطوير كرة القدم إلى 10 ملايير دولار أمريكي خلال السنوات الأربع المقبلة، غير أنها قوبلت بانتقادات حادة، سواء من حيث مضمونها أو آلية طرحها.

    وكان إنفانتينو يعتزم إحداث شركة تحت مسمى “فيفا فوروارد إنتربرايز”، تفتح أبوابها أمام مستثمرين من القطاع الخاص، وتتولى إدارة الأنشطة التجارية والفعاليات الكبرى التابعة للاتحاد، ما أثار مخاوف واسعة من المساس بطبيعة البطولات الكروية وتحويل اللعبة إلى نشاط تجاري محض.

  • الجالية المغربية بمدريد تحتفي بعيد العرش

    الجالية المغربية بمدريد تحتفي بعيد العرش

     احتفت الجالية المغربية المقيمة بجهة مدريد، مساء الجمعة، في أجواء طبعتها مشاعر الفخر والاعتزاز، بالذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين.

    والتأم المئات من أفراد الجالية المغربية، من جامعيين ومحامين ورجال أعمال وأطر وتجار ورياضيين وفاعلين جمعويين، بمدينة بارلا، بضواحي مدريد، للاحتفاء بهذه المناسبة وتجديد التعبير عن تعلق الجالية ووفائها للعرش العلوي المجيد.

    وأكد القنصل العام للمملكة بمدريد، كمال أريفي، في كلمة بالمناسبة، البعد التاريخي والرمزي لعيد العرش، باعتباره مناسبة تجسد الروابط الوثيقة التي تجمع العرش بالشعب، وتعكس اعتزاز الأمة المغربية بتاريخها العريق وإرادتها الراسخة في مواصلة مسيرة التقدم.

    وأشار إلى أن هذا الاحتفاء يخلد أكثر من ربع قرن من الإصلاحات الكبرى والأوراش الهيكلية التي أطلقت تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بهدف تحديث البلاد، وتعزيز التنمية السوسيو-اقتصادية، وترسيخ دولة المؤسسات. وبعد أن أبرز المقومات الاستراتيجية للمملكة، واستقرارها السياسي، ودينامية نموها، أكد الدبلوماسي أن المغرب أضحى اليوم شريكا قاريا ودوليا موثوقا، يحظى بالاحترام والتقدير.

    كما أشاد القنصل العام بالجالية المغربية المقيمة بإسبانيا، منوها بنجاح اندماجها، ودورها كجسر ثقافي بين البلدين الصديقين، وتعبئتها المتواصلة لخدمة القضايا الوطنية للمملكة. وفي تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، عبر عدد من أفراد الجالية المغربية عن اعتزازهم بالمشاركة في هذا الاحتفال، مجددين تشبثهم الراسخ بالوطن الأم وبالعرش العلوي المجيد.

    كما نوهوا بالمنجزات الكبرى التي حققتها المملكة، معربين عن تقديرهم للعناية الموصولة التي ما فتئ صاحب الجلالة يوليها للمغاربة المقيمين بالخارج. وتخللت الأمسية فقرات موسيقية متميزة، أحيتها الفنانة سناء مرحاتي إلى جانب فرق فنية مغربية أخرى، حيث أدت باقة من الأغاني الوطنية التي أضفت على الحفل أجواء احتفالية مفعمة بروح الانتماء.

    كما تميز الحفل بتسليم شهادات تقديرية لعدد من أفراد الجالية المغربية، تقديرا لمساراتهم المتميزة ونجاحاتهم المهنية والجمعوية والأكاديمية بإسبانيا.

  • تمكين المرأة سياسيا.. خيار استراتيجي لحزب الأصالة والمعاصرة

    تمكين المرأة سياسيا.. خيار استراتيجي لحزب الأصالة والمعاصرة

    يشكل التمكين السياسي للمرأة في المغرب أحد أبرز التحولات التي عرفها المسار الديمقراطي خلال العقدين الأخيرين، في ظل إرادة إصلاحية واضحة تروم تعزيز حضور النساء في مواقع القرار وترسيخ مبدأ المساواة في الحياة العامة. وقد تعزز هذا المسار بشكل لافت مع اعتماد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 الذي كرس مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وجعل من تعزيز مشاركة المرأة في تدبير الشأن العام خيارا استراتيجيا للدولة والمجتمع.

    وفي هذا السياق، لعبت آليات التمييز الإيجابي، وعلى رأسها نظام اللوائح الانتخابية المخصصة للنساء، دورا محوريا في الرفع من تمثيلية المرأة داخل المؤسسات المنتخبة. فقد أسهمت هذه الآلية في فتح المجال أمام كفاءات نسائية متعددة لولوج البرلمان والمجالس الترابية، والمساهمة في النقاش العمومي وصياغة السياسات العمومية، بما يعكس تطورا تدريجيا في النظرة إلى دور المرأة في الفضاء السياسي.

    غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يخفي استمرار عدد من التحديات التي تعيق بلوغ تمثيلية نسائية أوسع وأكثر تأثيرا. فالعوائق الاجتماعية والثقافية، والصور النمطية التي ما تزال تلاحق مشاركة النساء في المجال السياسي، إلى جانب محدودية الإمكانات المالية خلال الحملات الانتخابية، كلها عوامل تجعل من مسار التمكين السياسي عملية تحتاج إلى نفس إصلاحي طويل وإلى انخراط فعلي لمختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين.

    وتكتسي هذه الرهانات أهمية مضاعفة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء على مستوى الانتخابات التشريعية أو الجماعية، والتي تشكل محطة جديدة لاختبار مدى قدرة الأحزاب السياسية على ترجمة خطاب المناصفة إلى ممارسات تنظيمية فعلية داخل هياكلها ومرشحيها. فنجاح الديمقراطية التمثيلية يظل رهينا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على عكس التنوع الحقيقي للمجتمع، وفي مقدمة ذلك الحضور الفاعل للمرأة.

    وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي يضطلع به حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره من بين الأحزاب السياسية التي راهنت بشكل واضح على الكفاءات النسائية، سواء داخل هياكله التنظيمية أو في ترشيحاته الانتخابية. فقد عمل الحزب خلال السنوات الأخيرة على تعزيز حضور النساء في مختلف المسؤوليات التنظيمية والتمثيلية، معتبرا أن تمكين المرأة ليس مجرد شعار سياسي، بل خيار استراتيجي يعكس قناعة راسخة بقدرة النساء على الإسهام الفعلي في تدبير الشأن العام.

    كما أن الدينامية التي تقودها منظمة نساء الأصالة والمعاصرة داخل الحزب تشكل نموذجا لعمل نسائي منظم يسعى إلى تأهيل القيادات النسائية وتوسيع مشاركتهن في الحياة السياسية، من خلال برامج التكوين والتأطير والترافع حول قضايا المرأة والمجتمع.

    إن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تمثل فرصة حقيقية لتعزيز المكتسبات التي حققتها المرأة المغربية في المجال السياسي، والانتقال من مرحلة الحضور العددي إلى مرحلة التأثير الفعلي في صنع القرار العمومي. كما تشكل في الوقت ذاته اختبارا لمدى قدرة الأحزاب السياسية على ترسيخ ثقافة المناصفة وإتاحة الفرصة أمام كفاءات نسائية قادرة على الإسهام في بلورة سياسات عمومية أكثر عدلا وإنصافا.

    وفي نهاية المطاف، يظل التمكين السياسي للمرأة ركيزة أساسية في مسار بناء مغرب ديمقراطي حديث، يقوم على المشاركة المتكافئة بين جميع مكوناته، ويؤمن بأن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بحضور قوي وفاعل للنساء إلى جانب الرجال في مختلف مواقع المسؤولية وصنع القرار.

  • تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    كلما كتبت عن المرأة في المغرب شعرت أنني لا أكتب عن قضية اجتماعية فقط، بل عن الهوية نفسها. عن الأرض والانتماء وعن التاريخ في عمقه وعن الحاضر وهو يحمل آثار ذلك العمق أو يبتعد عنه. أكتب عن شيء أعرفه قبل أن أقرأه. أعرفه من البيت ومن الكلام اليومي ومن صورة الأم داخل العائلة ومن الطريقة التي ظل بها اسم المرأة حاضرا في حياتنا حتى حين حاول البعض إبعاده.

    وأتوقف دائما عند اسم ليس عابرا في لغتنا: تامغارت. فهي تعني الكبيرة. ومذكرها أمغار، أي كبير القوم، وهو اللفظ الذي يطلق أيضا على من تسند إليه القيادة. وفي هذا وحده ما يكفي ليدل على أن المرأة في الوجدان الأمازيغي لم تكن اسما ثانويا، بل كانت مقرونة بالمقام والاعتبار. التسمية نفسها تقول ذلك قبل أي شرح طويل. كأن اللغة منحتها منذ البداية ما حاولت أوصاف وافدة أن تنزعه منها: المقام بدل الدونية والاعتبار بدل النقص. ولم تكن المرأة يوما زائدا على المعنى في هذا الوجدان، بل كانت من صلبه. إذا كان للقبيلة أمغار ففي كل بيت تامغارت.

    قبل أن يقول التاريخ كلمته كانت الذاكرة الرمزية لهذه الأرض قد قالتها بطريقتها. وحين أرجع إلى الذاكرة الأقدم أجد أن صورة الأنثى العالية لم تكن غريبة عن هذه الأرض. في المجال الشمال إفريقي القديم حضرت تانيت رمزا للحماية والخصب وعلو مقام الأنثى. وفي الميثولوجيا القديمة تظهر غايا، الأرض الأم، في أصل القوة التي يستمد منها أنتي الأمازيغي طاقته كلما عاد إلى الأرض ولمسها. ذلك الجبار المرتبط في المتخيل القديم بأسطورة طنجة الأولى. قد يقال إن هذا من باب الرمز والأسطورة، وهذا صحيح. لكن حتى الرمز لا يأتي من فراغ. هو بدوره يكشف شيئا عن المخيال الذي خرج منه وعن صورة الأنثى فيه.

    ثم نعبر من الرمز إلى التاريخ. ديهيا بقيت اسما من أسماء المقاومة في شمال إفريقيا. كنزة الأوربية حضرت في لحظة دقيقة من بدايات الدولة الإدريسية. زينب النفزاوية يصعب المرور على قيام الدولة المرابطية من غير التوقف عند أثرها. السيدة الحرة حكمت ودبرت وواجهت. وحين نصل إلى زمن الاستعمار لا يعود الحديث عن امرأة واحدة، بل عن نساء كثيرات في الريف والأطلس وكل ربوع المغرب كن جزءا من مجتمع المقاومة نفسه. في الإسناد وفي نقل المؤن والرسائل وفي التحريض وأحيانا في المواجهة المباشرة. هذا الامتداد الطويل هو الذي يجعل الحديث عن المرأة عندنا حديثا عن حضور راسخ، لا عن استثناء عابر.

    الذي تغير، في نظري، هو نظرتنا نحن إلى أنفسنا. كلما ابتعدنا عن عمقنا الهوياتي دخلت علينا أفكار وتصورات لم تنبت في هذه التربة وحملت معها أحكاما غريبة عن المرأة. تسللت إلينا أيديولوجيات عابرة للحدود، سلفية وهابية وإخوانية، وفرضت صورة لا تشبه المغرب. صارت المرأة عندها موضع وصاية. وصار حضورها عبئا. وحتى اسمها نفسه صار يقال بتحفظ. ثم جاء هذا الخطاب ليمنّ عليها بالحياة ويخاطبها كما لو أنها كانت تنتظر من يخرجها من العدم. وهذا كلام لا ينتمي إلى التربة المغربية، لا في تاريخها، ولا في وجدانها، ولا في طريقتها القديمة في فهم المرأة.

    يكفي أن نسمع كيف كان الناس يتكلمون وما زالوا في أحيان كثيرة يتكلمون. هذا ابن فلانة. هذه دار فلانة. هؤلاء أهل فلانة. لم يكن في هذا حرج. لم يكن أحد يشعر أن ذكر المرأة ينتقص من الرجل أو من الأسرة. كان الأمر عاديا جدا. ثم جاءت حساسية جديدة متوترة. صارت تستنكر ذكر المرأة وتعتبر الانتساب إليها نقصا وتتصرف كما لو أن الوقار يقتضي إخفاءها حتى في الكلام. وهذا، في تقديري، واحد من أوضح آثار الاغتراب عن أنفسنا.

    فاللغة ليست مجرد ألفاظ. اللغة تكشف ما نؤمن به من غير أن نشعر. فإذا كانت المرأة حاضرة في التسمية وفي النسب الاجتماعي وفي تصور البيت فهذا يعني أنها كانت حاضرة أيضا في البنية الرمزية للمجتمع.

    ولهذا لا أرى أن إنصاف المرأة في المغرب جاء فقط من ضغط حديث أو من خطاب حقوقي مستورد. عندنا في تاريخنا الاجتماعي ما يكفي. العرف الأمازيغي نفسه كان أقرب إلى المرأة في كثير من المواضع. لم يكن يقف معها بالكلام فقط، بل في القضايا التي يظهر فيها الظلم فعلا. في الطلاق الذي كان ينظر إليه أحيانا بوصفه قتلا معنويا للمرأة وفي التعنيف وفي ما تبنيه المرأة داخل الحياة الزوجية من جهد وعرق ووقت. ومن هنا ظل مبدأ الكد والسعاية حاضرا في النقاش المغربي لأنه ليس فكرة معلقة في الهواء، بل له جذور في هذا المجتمع. ولهذا لم يكن استحضار العرف الأمازيغي في النقاش حول مدونة الأسرة مجرد استدعاء للتراث، بل استحضارا لمورد قيمي وقانوني انحاز إلى المرأة حين ظهر الظلم فعلا.

    ولهذا لم يفاجئني أن يكون ملف المرأة داخل حزب الأصالة والمعاصرة ملفا مركزيا. الحزب منذ بداياته ربط بين سؤال المرأة وسؤال الأمازيغية وسؤال الحداثة المغربية ولم يفصل هذه القضايا عن بعضها. وكان واضحا أن الأمر يتعلق بصورة المغرب عن نفسه وبالنوع من التحديث الذي يريده لنفسه.

    وهذا لم يبق كلاما عاما. في 2016، حين قرر إلياس العماري أن يجعل لائحة الشباب نسائية، لم يكن الأمر مجرد حركة انتخابية عابرة. كانت هناك إشارة سياسية واضحة: حضور المرأة لا ينبغي أن يبقى محصورا في الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. هذه الخطوة قالت شيئا مهما في وقتها وما زالت تقوله اليوم. من يؤمن فعلا بتمكين المرأة لا يتعامل معها بمنطق الحصة فقط.

    واليوم في 2026 صار هذا التوجه ظاهرا داخل بنية الحزب نفسها. فالقيادة الجماعية تضم فاطمة الزهراء المنصوري وفاطمة السعدي مقابل رجل واحد. والمجلس الوطني تترأسه السيدة نجوى ككوس وزهور الوهابي نائبتها. وفي الحكومة أيضا ليلى بنعلي وأمل الفلاح السغروشني إلى جانب المنصوري. لهذا لا يبدو الكلام عن تمكين المرأة هنا مجرد شعار. هناك اختيارات تنظيمية وسياسية واضحة.

    حين يكون الحزب قريبا من تامغرابيت بالمعنى الحي لا الشكلي فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى اختراع مبررات لتمكين المرأة. يكفيه أن يفهم المغرب كما هو، لا كما تريد بعض التصورات الوافدة أن تعيد تشكيله. المرأة في هذا البلد ليست استثناء. وليست ملحقا. ولم تأت متأخرة.

    لهذا أعود إلى تامغارت.

    أعود إليها لأن فيها شيئا ما زال صالحا لنا اليوم. شيئا يذكرنا بأن المرأة ليست هامشا في هذه البلاد ولم تكن كذلك في يوم من الأيام. لسنا نحن من اخترع مكانة المرأة ثم أضعناها بل هي مكانة كانت راسخة في لغتنا وفي مخيالنا وفي تاريخنا. ثم ابتعدنا نحن عنها، واحتجنا وقتا طويلا كي نفهم ما الذي ابتعدنا عنه.

  • ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    لا يمكن تناول الديمقراطية الاجتماعية باعتبارها مجرد صيغة تقنية لتدبير الحكم أو تسوية وسطى بين الرأسمالية والاشتراكية، بل بوصفها أفقا فكريا وتاريخيا تشكل في قلب التحولات الكبرى للمجتمعات الحديثة، واستجابة نقدية لتوتر بنيوي دائم بين مطلب الحرية الفردية وضرورة العدالة الاجتماعية.

    فهي في جوهرها مشروع مجتمعي قبل أن تكون برنامجا حكوميا، ومقاربة اخلاقية سياسية قبل ان تتحول الى سياسات عمومية، ومسارا تاريخيا يعكس وعي المجتمعات بحدود كل من السوق والدولة حين يشتغلان خارج منطق التوازن والمسؤولية الجماعية.

    تتاسس الديمقراطية الاجتماعية مرجعيا على الاعتراف بان السوق، رغم قدرته على انتاج الثروة وتحفيز المبادرة، عاجز بطبيعته عن ضمان الانصاف الاجتماعي وتكافؤ الفرص، كما ان الدولة، رغم ضرورتها كفاعل منظم وضامن للصالح العام، قد تنزلق الى منطق الهيمنة والبيروقراطية ان لم تقيد بالمراقبة والمساءلة الديمقراطية.

    ومن هنا تبلور هذا التيار كحل تاريخي ثالث، لا يلغي السوق ولا يؤله الدولة، بل يعيد تنظيم العلاقة بينهما وفق منطق المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية، وهو تصور يجد جذوره في النقد الاصلاحي للرأسمالية الصناعية في اوروبا القرن التاسع عشر، وفي تفاعل فكري معقد بين الاشتراكية الديمقراطية والليبرالية الاجتماعية ونقد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي.

    تنطلق الديمقراطية الاجتماعية من مركزية الانسان، لا باعتباره فردا معزولا كما في الليبرالية الكلاسيكية، ولا باعتباره مجرد ترس داخل جماعة صماء كما في بعض الصيغ التوتاليتارية، بل ككائن اجتماعي تاريخي، تتشكل حريته داخل بنى اقتصادية وثقافية وسياسية محددة، وهنا يبرز اثر هيغل في فهم الدولة كاطار اخلاقي جامع يحقق المصالحة بين الفرد والمجتمع، واثر ماركس في كشف الطابع البنيوي للامساواة الاجتماعية دون السقوط في حتمية الصراع الطبقي او وهم الذوبان الكلي للفرد في الجماعة.

    كما تقوم الديمقراطية الاجتماعية على مرجعية العدالة التوزيعية، لا بمعناها الاحساني او الخيري، بل كحق مؤسس للمواطنة، فالعدالة هنا ليست شعارا اخلاقيا معلقا، بل سياسة عمومية ملموسة، تتجسد في تعليم عمومي منصف، وصحة متاحة للجميع، وحماية اجتماعية فعالة، وسوق شغل مؤطر يحمي الكرامة الانسانية، وفي هذا الاطار تتحول الدولة من مجرد حارس للنظام الى فاعل اجتماعي منظم ومعدل للاختلالات، دون ان تنفي دور المجتمع المدني او المبادرة الفردية، بل في تفاعل خلاق معها. ولا يمكن فهم الديمقراطية الاجتماعية خارج مرجعيتها الديمقراطية الصلبة، اذ لا عدالة اجتماعية دون ديمقراطية سياسية فعلية، ولا ديمقراطية حقيقية دون مشاركة المواطنين في صناعة القرار العمومي، لذلك ترفض الديمقراطية الاجتماعية الاختزال الانتخابي للديمقراطية، وتدافع عن توسيع مجالها ليشمل الديمقراطية التشاركية والوساطة الاجتماعية ودور النقابات والتنظيمات المدنية باعتبارها ادوات توازن ضرورية داخل المجتمع، وهو ما يلتقي مع تحليلات هابرماس حول الفضاء العمومي والتواصل العقلاني بوصفه شرطا لانتاج الشرعية.

    وفي السياقات غير الاوروبية، خصوصا في مجتمعات الجنوب، تطرح الديمقراطية الاجتماعية تحديا اضافيا يتمثل في ضرورة تكييف مرجعياتها مع الخصوصيات التاريخية والثقافية والمؤسساتية، فهي لا يمكن ان تكون استنساخا لنماذج جاهزة، بل مشروعا مفتوحا لاعادة بناء العقد الاجتماعي، ياخذ بعين الاعتبار اكراهات التنمية، وسؤال العدالة المجالية، والفوارق البنيوية، دون التخلي عن القيم الكونية للحرية والكرامة والمساواة، وبهذا المعنى تصبح الديمقراطية الاجتماعية اداة للتوفيق بين مطلب الاستقرار السياسي وضرورة التحول الاجتماعي. في هذا الافق، يندرج خيار الدولة الاجتماعية كما يتبلور في السياق المغربي، ليس كاستجابة تقنية لازمات اجتماعية ظرفية، بل كتحول في تصور الدولة لوظيفتها، من دولة تدبيرية الى دولة ضامنة للحقوق ومؤطرة للتنمية، وهو ما يتقاطع مع المشروع الفكري لحزب الاصالة والمعاصرة، الذي يجعل من العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، جوهر اختياره السياسي، بعيدا عن الشعبوية او الوعود القصوى غير القابلة للتحقق. فالديمقراطية الاجتماعية، بهذا المعنى، ليست شعارا انتخابيا ولا خطابا ايديولوجيا مغلقا، بل اطارا مرجعيا لانتاج سياسات عمومية عقلانية، توازن بين الطموح الاصلاحي والوعي باكراهات الممكن، وتربط بين قوة الدولة وشرعيتها الاجتماعية، وبين التنمية الاقتصادية والكرامة الانسانية.

    ان الاسس المرجعية للديمقراطية الاجتماعية تكمن في النهاية في قدرتها على الجمع بين النقد والواقعية، بين الاصلاح التدريجي والرؤية الاستراتيجية، وبين تحصين الدولة الاجتماعية وتعميق الممارسة الديمقراطية، فهي ليست وعدا مثاليا ولا تنازلا براغماتيا، بل مسارا تاريخيا متجددا، يراهن على الانسان، ويجعل من السياسة اداة لتحرير الامكانات وبناء الثقة، لا مجرد الية لتدبير الازمات.

    ان الرهان على الديمقراطية الاجتماعية اليوم لا يتعلق فقط بتبني تصور نظري للعدالة او استلهام نماذج تاريخية جاهزة، بل يرتبط بقدرة الفاعل السياسي على تحويلها الى ثقافة حكم ومنهج في التفكير وصيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. فهي خيار يتطلب شجاعة فكرية لمواجهة الاختلالات البنيوية، ووضوحا سياسيا في تحديد الاولويات الاجتماعية، وارادة اصلاحية تجعل من الانصاف والكرامة اساسا للاستقرار والتنمية. وفي السياق المغربي، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع اسئلة الثقة والعدالة المجالية وتجديد النخب، تبرز الديمقراطية الاجتماعية كافق واقعي ومسؤول لبناء دولة قوية بشرعيتها الاجتماعية، ومجتمع متماسك بفضل حقوقه لا احسانه، وسياسة تستعيد معناها النبيل كاداة لخدمة الصالح العام وصناعة المستقبل.

  • “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    هدفٌ واحد يجمع كل هذا الضجيج: ضرب الوضوح، وتشويه المعنى، وخلط السياسي بالقضائي، والفكري بالتشهيري.

    نفس العبارات، نفس الإيقاع، نفس الاتهامات تُعاد وتُدوَّر بلا خجل، كأن غرفةً مظلمة وزّعت الأدوار ثم أعطت إشارة الانطلاق. هذا ليس اختلافًا في الرأي، بل هجومٌ منسّق، يعرف ماذا يريد ويعرف ممّن يخاف.

    في العمق، نحن أمام التعبير الأكثر فجاجة عمّا نُبِّه إليه منذ عقود: مقاومة البنيات التقليدية لكل مشروع تحديثي واضح. فكلما ظهر خطاب سياسي يقطع مع الالتباس ويصرّ على الوضوح، تحرّكت تلقائيًا جيوب مقاومة التغيير. لا لأنها تملك مشروعًا بديلًا، بل لأنها تدرك أن أخطر ما يهدد امتيازاتها ليس الخصومة، بل الوضوح نفسه.

    من هذا المنظور، لا يُستهدف حزب الأصالة والمعاصرة لأنه أخطأ، بل لأنه رفض المنطقة الرمادية. والمجتمعات التي تطمح إلى التقدم لا تتقدم بتدبير التناقضات إلى ما لا نهاية، بل بالحسم الفكري والسياسي، حتى وإن كان هذا الحسم مكلفًا. فالإصلاح لا يُرضي الجميع، والوضوح لا يُكافَأ بالتصفيق، بل بالمقاومة.

    وحين يعجز جبروت المال عن استيعاب منطق الدولة الحديثة، يتحول من قوة اقتصادية محتملة إلى أداة تعطيل سياسي. فالخلط بين النفوذ الاقتصادي والشرعية السياسية يُنتج تشوهًا في الوعي العام، ويحوّل السياسة من صراع برامج إلى ساحة ابتزاز وتشهير. وعندما يفشل المال في فرض منطقه، يستدعي لغته البديلة: التشكيك، والتخوين، والمسّ بالسمعة.

    أما الجانب المظلم في الحياة السياسية، فلا يُواجَه بالشعارات الأخلاقوية ولا بالمزايدات، بل بإصلاح مؤسسي هادئ، وبالاعتراف بأن الانتقال إلى الحداثة مسارٌ صراعي، لا نزهة توافقية. لا تقدم دون صدام مع العادات السياسية القديمة، ولا إصلاح دون إزعاج من يستفيدون من استمرارها.

    من هنا، لا ينتظر حزب الأصالة والمعاصرة صكوك غفران من أحد. لأن منطق الإصلاح التقدمي واضح: لا شرعية خارج العمل، والاختيار، وتحمل المسؤولية. النقد مشروع وضروري، لكن تحويل النقاش السياسي إلى محكمة أخلاقية شعبوية ليس تقدمًا، بل نكوص وردّة عن منطق الدولة الحديثة.

    والجميل في حزب الأصالة والمعاصرة — وهنا بيت القصيد — أنه اختار الصدق بدل الالتباس، والوضوح بدل الغموض، والالتزام بدل الشعبوية. ليست هذه شعارات، بل شروط أولية لأي مشروع إصلاحي جاد. ولهذا يُهاجَم، لا لأنه استثناء أخلاقي، بل لأنه كسر قاعدة مريحة: قاعدة اللعب في الظل.

    البام ليس حزبًا معصومًا، لكنه حزب قرر أن يكون واضحًا في زمن يُكافئ الضبابية.

    وهذا ليس خطأ… بل الثمن الطبيعي لكل محاولة جادة لتغيير التاريخ بدل التعايش معه.

  • من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

    على امتداد 27 سنة، انتقلت الأمازيغية في المغرب من مرحلة المطالبة بالاعتراف بمكانتها ضمن الهوية الوطنية، إلى لغة رسمية بنص الدستور، ثم إلى ورش مؤسساتي وقانوني يستهدف إدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة.

    هذا التحول يعكس مسارا متدرجا لإعادة صياغة مفهوم الهوية المغربية في العهد الجديد، على أساس تعدد روافدها وتكامل مكوناتها، بما جعل الأمازيغية تنتقل من مستوى الاعتراف بمكانتها الثقافية إلى ترسيخ حضورها ضمن البناء الدستوري والمؤسساتي للدولة.

    فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخلت الأمازيغية مرحلة جديدة اتسمت بانتقال التعامل معها من مستوى الاعتراف الثقافي إلى بناء مسار مؤسساتي للنهوض بها، توالت ضمنه محطات أساسية شملت خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم الاعتراف الدستوري بها لغة رسمية، وصولا إلى وضع إطار قانوني لتفعيل هذا الطابع الرسمي وإدماجها في مجالات الحياة العامة.

    وفي “العهد الجديد”، لم تعد الأمازيغية موضوعا ثقافيا فحسب، بل أصبحت جزءا من السياسة اللغوية للدولة، ومسارا مؤسساتيا يرتبط بالتعليم والإدارة والقضاء والإعلام وغيرها من مجالات الحياة العامة.

    خطاب أجدير.. تأكيد الاعتراف باللغة الأمازيغية

    شكل خطاب أجدير الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، محطة مفصلية في تاريخ المغرب، إذ مهد لمرحلة جديدة مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، حاملا دعوة واضحة إلى بناء وعي يقوم على الاعتراف بتعدد مكونات الهوية المغربية وتكاملها.

    وتجاوز خطاب أجدير التعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية لغوية أو ثقافية محددة، ليضعها في صلب الهوية الوطنية المشتركة، وجعل “تيفيناغ” جزءا أصيلا من الهوية المغربية الجامعة.

    وأكد جلالته في خطابه أن “الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء”، في تأكيد لموقعها ضمن الهوية المغربية الجامعة، وهو التوجه الذي تُرجم مؤسساتيا بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في أكتوبر 2001، ليشكل إطارا مؤسساتيا للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين.

    وفي هذا السياق، أكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن خطاب أجدير شكل منعطفا تاريخيا حاسما في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”.

    فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”، يؤكد بادو.

    وأضاف أن “هذا الخطاب أسس لمرحلة “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حدا للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني”.

    المعهد الملكي ركيزة النهوض بالأمازيغية

    منذ تأسيسه، اضطلع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بدور محوري في النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وإدماجهما تدريجيا في مجالات حيوية، من قبيل التربية والتعليم والإعلام والثقافة، مستندا في ذلك إلى شبكة من الشراكات مع مؤسسات عمومية وقطاعات حكومية.

    وبعد مرور أكثر من عقدين على إحداثه، راكم المعهد حصيلة واسعة في مجالات البحث اللساني والإنساني، والتعليم والترجمة والنشر والإعلام، بما أسهم في بناء أدوات معرفية ولغوية مهدت للانتقال بالأمازيغية من مرحلة الاعتراف إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.

    ووفق المعطيات التي قدمها المعهد بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لخطاب أجدير، تجاوز إنتاجه المعرفي 500 إصدار في الترجمة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وغيرها، إلى جانب تنظيم نحو 75 ندوة خلال 24 سنة، بما يعكس حجم العمل المؤسساتي الذي واكب مسار النهوض بالأمازيغية منذ سنة 2001.

    وفي هذا المسار، برزت محطات مؤسساتية ورمزية أخرى عززت مكانة الأمازيغية، إذ تم سنة 2003 اعتماد حرف “تيفيناغ” لكتابة وتدريس اللغة الأمازيغية، في قرار ملكي جاء استجابة لرأي المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

    وشكل القرار خطوة في مسار بناء منظومة لغوية مكتوبة لها أدواتها ومعاييرها الخاصة، وهو ما واكبته جهود المعهد في تنميط الحرف وتهيئة اللغة وإعداد المعاجم والموارد التعليمية.

    اعتراف يكرسه الدستور والقانون التنظيمي

    وإذا كان خطاب أجدير قد أطلق المسار المؤسساتي، فإن دستور 2011 شكل لحظة التحول الكبرى من الاعتراف السياسي والمؤسساتي إلى الاعتراف الدستوري بتنصيص الفصل الخامس على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء، وأحال إلى قانون تنظيمي يحدد كيفيات إدماج اللغة الأمازيغية في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وبذلك، لم تعد مكانة الأمازيغية مرتبطة فقط بإرادة سياسية أو ببرامج ومؤسسات للنهوض بها، وإنما أصبحت التزاما دستوريا على الدولة، الأمر الذي يمثل أحد أبرز التحولات التي طبعت تدبير اللغة الأمازيغية، إذ انتقل المسار من سؤال “الاعتراف” إلى سؤال “كيفيات الترسيم”.

    وهو ما أكده بادو بقوله إن “الاعتراف الدستوري لسنة 2011 أحدث تحولا جذريا في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحورا حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها”، مبرزا أنه “من خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16”.

     ويوضح عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية أن وضع الدستور حدا قانونيا لـ”مرحلة التجاهل”، وجعل من الأمازيغية مكونا بنيويا في الشخصية المغربية، نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    القانون التنظيمي رقم 26.16.. ترجمة الالتزام الدستوري

    ويأتي القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، ليترجم هذا الالتزام الدستوري إلى إطار قانوني يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم ومختلف مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

    وأدخل القانون التنظيمي الورش مرحلة جديدة لم يعد فيها التحدي الأساسي هو تثبيت مكانة الأمازيغية، وإنما توفير الشروط البشرية والمؤسساتية والمالية والتقنية اللازمة لتحويل الترسيم إلى ممارسة فعلية.

    ويوضح بادو أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011 نقل مركز النقاش من المطالبة بالاعتراف إلى البحث في كيفية تفعيل طابعها الرسمي، ثم من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى التزام دستوري صريح بموجب الفصل الخامس، بما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية مرتبطة بالتخطيط والميزانية والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي رقم 26.16.

    وفي الوقت نفسه، يضيف المتحدث، وضع الاعتراف الدستوري حدا لمرحلة تجاهل أو إقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين، ورسخ التعامل معهما باعتبارهما مكونا بنيويا في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    وانعكس هذا التحول تدريجيا على الحضور في القطاعات الحيوية، حيث تعزز حضور الأمازيغية وتزايد الاهتمام بها، لتنتقل من موقع محدود إلى مكون أكثر حضورا في قطاع التعليم، الإدارة، والمشهد الإعلامي الوطني.

    حضور الأمازيغية في القطاعات الأساسية

    لم يعد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية مرتبطا فقط بالنصوص القانونية، بل بدأ ينعكس تدريجيا على عدد من المجالات التي تلامس الحياة اليومية للمواطن.

    ويحدد القانون التنظيمي رقم 26.16 مجالات واسعة لهذا الإدماج، تشمل التعليم والإعلام والإدارات والمرافق العمومية والتقاضي والفضاءات العمومية.

    ففي مجال التدريس، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من مرحلة الإدماج المحدود إلى توسيع نطاق تدريسها في التعليم الابتدائي، في إطار مخطط يستهدف تعميمها على مختلف المؤسسات التعليمية.

    وأشار الناشط الأمازيغي ذاته إلى أن الوضع انتقل من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32 بالمئة من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16.530 قسما.

    وفي مجال الإدارة، بدأ التفعيل ينتقل من وضع الإطار القانوني إلى توفير خدمات فعلية باللغة الأمازيغية، من خلال الاستقبال والتوجيه والإرشاد، ومراكز الاتصال، وترجمة بعض اللوحات وعلامات التشوير، وإدماج الأمازيغية في المواقع والخدمات الرقمية.

    وفي قطاع الإعلام، بعدما كان حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي يقتصر على مساحات زمنية أكبر، فإن تأسيس القناة الأمازيغية سنة 2010، وفر فضاء لإنتاج الأخبار والبرامج الثقافية والوثائقية والدرامية والرياضية بالأمازيغية.

    ومنذ انطلاقتها، راكمت القناة إنتاجا متنوعا يشمل البرامج الإخبارية والثقافية والترفيهية والوثائقية، بمختلف روافد اللغة الأمازيغية، وأسهمت في تثمين التراث والثقافة الأمازيغيين وتعزيز حضور اللغة في الفضاء الإعلامي الوطني، كما أتاحت للناطقين بها متابعة مضامين إعلامية بلغتهم، لتشكل إحدى أولى صور الحضور المنتظم للأمازيغية داخل المرفق الإعلامي العمومي.

     2023.. زخم متواصل

    واكتسب مسار تفعيل الأمازيغية زخما جديدا، بعد القرار الملكي الصادر في ماي 2023 بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر، على غرار رأس السنة الميلادية وفاتح محرم.

    وقد حمل القرار دلالة تتجاوز الجانب الاحتفالي، باعتباره إدماجا لمناسبة مرتبطة بالثقافة والتاريخ الأمازيغيين ضمن الأجندة الوطنية الرسمية، بما يعكس الانتقال من الاعتراف بالأمازيغية كمكون من مكونات الهوية إلى جعل رموزها حاضرة في الحياة العامة للمغاربة.

  • ترامب لجلالة الملك: سيادة المغرب على الصحراء ثابتة والنزاع يجب أن ينتهي الآن ووجهت فريقي لتعزيز التنمية فيها

    ترامب لجلالة الملك: سيادة المغرب على الصحراء ثابتة والنزاع يجب أن ينتهي الآن ووجهت فريقي لتعزيز التنمية فيها

    عاد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ج. ترامب، لتأكيد موقف بلاده من قضية الصحراء المغربية، مجددا الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ودعم واشنطن لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع.

    وجاء ذلك في برقية توصل بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من الرئيس الأمريكي، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد.

    وقال ترامب في برقيته إلى جلالة الملك: “الولايات المتحدة واضحة: نحن نعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وندعم المقترح المغربي للحكم الذاتي الجاد، وذي المصداقية والواقعي باعتباره الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم”.

    وشدد الرئيس الأمريكي على ضرورة إنهاء النزاع، مضيفا أن “أي مسار آخر من شأنه أن يطيل أمد الوضع القائم، وهو أمر غير مقبول”، قبل أن يؤكد أن “هذا النزاع يجب أن ينتهي الآن، وستواصل الولايات المتحدة الدفع نحو إحراز تقدم لتحقيق هذا الهدف”.

    250 عاما من العلاقات المغربية الأمريكية

    وتضمنت البرقية إشادة بعمق العلاقات التاريخية بين المغرب والولايات المتحدة، إذ نقل الرئيس الأمريكي تهانيه إلى جلالة الملك، نصره الله، وإلى الشعب المغربي بمناسبة عيد العرش.

    وأكد ترامب أن “هذه السنة، نحتفل بمرور 250 عاما من التاريخ الأمريكي والصداقة الدائمة مع المغرب وهي علاقة صيغت على أساس الثقة والاحترام المتبادل”.

    كما أشاد الرئيس الأمريكي بقيادة جلالة الملك محمد السادس، مؤكدا أن “القيادة الحكيمة لجلالتكم تشكل ركيزة للاستقرار”.

    وأضاف أن التزام المغرب المستمر بالعمل من أجل السلام، ومكافحة التطرف، وحماية أمن الأمريكيين والمغاربة، بما في ذلك من خلال دوره المحوري في اتفاقيات أبراهام، يعكس شراكة ذات قيمة بالنسبة للولايات المتحدة.

    وفي البعد الأمني والإقليمي لهذه الشراكة، أكد الرئيس الأمريكي أن البلدين سيعملان معا من أجل ضمان أمن منطقة الساحل.

    واشنطن تعتزم دعم التنمية في الصحراء المغربية

    ولم تقتصر البرقية الرئاسية الأمريكية على المواقف السياسية والأمنية، بل تناولت أيضا مستقبل التعاون الاقتصادي بين البلدين.

    وفي هذا السياق، أكد ترامب لجلالة الملك أن “رؤيتكم للنمو تفتح آفاقا للازدهار لشعبينا واقتصادينا”

    ولم يقتصر الموقف الأمريكي على تجديد الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي، بل امتد إلى البعد التنموي والاقتصادي، إذ أبلغ الرئيس دونالد ترامب جلالة الملك محمد السادس بأنه وجّه فرقه للعمل على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما يشمل منطقة الصحراء.

    وقال ترامب في برقيته: “لقد كلفت فرقي بالعمل من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما في ذلك في منطقة الصحراء الغربية”.

    ويمنح هذا الموقف بعدا اقتصاديا للشراكة التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي في برقيته، خصوصا أنه حدد مجالات استراتيجية للتعاون خلال المرحلة المقبلة تشمل الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.

    الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع

    وحدد الرئيس الأمريكي في برقيته عددا من المجالات الاستراتيجية التي يرتقب أن تشكل محاور للتعاون بين الرباط وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.

    وأكد أن التكنولوجيا والابتكار الأمريكيين سيواصلان العمل باعتبارهما شريكين للمغرب خلال الـ250 عاما المقبلة، خصوصا في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.

    وتكشف البرقية بذلك عن امتداد مجالات الشراكة المغربية الأمريكية، من العلاقات السياسية والأمنية إلى التعاون الاقتصادي والتكنولوجي في قطاعات استراتيجية.

    واختتم الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب برقيته إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بالتأكيد على التطلع إلى مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، قائلا: “معا سنبني عهدا جديدا، يضع مصالح شعبينا في المقام الأول”.

  • ارتفعت إلى 67 قتيلا.. إسبانيا تعلن انحسار أزمة سبتة وعودة عشرات الآلاف إلى المغرب طوعا

    ارتفعت إلى 67 قتيلا.. إسبانيا تعلن انحسار أزمة سبتة وعودة عشرات الآلاف إلى المغرب طوعا

    ارتفعت حصيلة ضحايا موجة الهجرة غير النظامية التي شهدتها سبتة المحتلة إلى 67 قتيلا، وفق ما أعلنه اليوم السبت، وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا، في وقت أعلنت فيه مدريد انحسار الأزمة وعودة الغالبية الساحقة ممن دخلوا المدينة إلى المغرب، بالتوازي مع تشديد الإجراءات الأمنية عند معبر تاراخال واستمرار التنسيق مع السلطات المغربية.

    وحمل وزير الداخلية الإسباني شبكات تهريب المهاجرين مسؤولية الأحداث التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية، معتبرا أن ما جرى شكل “هجوما لا يمكن قبوله على سيادة بلادنا”، ومؤكدا أن الدخول غير النظامي إلى سبتة لن يفتح أمام أصحابه إمكانية الحصول على تسوية قانونية لوضعيتهم داخل إسبانيا.

    وتأتي الحصيلة الجديدة بعدما كانت الأرقام المعلنة خلال الساعات الأولى للأزمة أقل بكثير، في ظل استمرار عمليات البحث وانتشال الضحايا وتحديد هوياتهم، ما جعل عدد الوفيات يتغير بصورة متسارعة منذ اندلاع موجة العبور.

    نحو 50 ألف شخص عبروا إلى سبتة

    وبالتزامن مع تحديث حصيلة الضحايا، كشفت وزارة الداخلية الإسبانية عن أرقام جديدة بشأن حجم موجة العبور، مقدرة عدد الأشخاص الذين دخلوا سبتة منذ بداية الأزمة بنحو 50 ألف شخص.

    وبحسب الوزارة، عاد 48 ألفا و300 شخص منهم طوعا إلى المغرب، فيما بقي أقل من ألفي شخص داخل المدينة، وهي معطيات تشير إلى تراجع سريع في حجم الضغط الذي تعرضت له سبتة خلال ذروة الأزمة.

    غير أن تقديرات عدد الداخلين والعائدين تختلف باختلاف المصادر الإسبانية، فقد نقلت إذاعة “راديو ناسيونال” عن بيانات حكومية أن نحو 50 ألف مهاجر دخلوا المدينة بطريقة غير نظامية خلال الأيام الأخيرة، بينما قدر رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس العدد بما قد يصل إلى 60 ألف شخص.

    وفي المقابل، نقلت وكالة الأناضول عن مصادر أمنية إسبانية رقما أعلى للعائدين، مشيرة إلى عودة أكثر من 53 ألف مهاجر غير نظامي طوعا من سبتة. ويعني هذا التفاوت أن الحصيلة النهائية لأعداد الذين دخلوا المدينة ثم غادروها لم تستقر بعد على رقم موحد بين مختلف المصادر.

    ألباريس: الأزمة انتهت فعليا

    سياسيا، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، مساء أمس الجمعة، أن الأزمة انتهت “فعليا”، مؤكدا أن جميع الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة تقريبا عادوا إلى المغرب.

    وتعزز هذه التصريحات الرواية الرسمية الإسبانية بشأن انحسار الأزمة بعد أيام من الضغط غير المسبوق على المدينة، والذي تجاوز قدرات مرافق الاستقبال وأثار مخاوف داخل مدريد وعواصم أوروبية من انتقال جزء من الوافدين إلى البر الإسباني وباقي دول فضاء شنغن.

    وعلى الجانب المغربي، شهدت المنطقة حركة عودة عكسية لآلاف المغاربة من سبتة نحو الفنيدق، بعد أيام قضاها عدد منهم في ظروف صعبة داخل المدينة، بحسب ما أورده مراسل قناة الجزيرة في المنطقة.

    كما سجلت محيطات الحدود مواجهات وأضرارا مادية، بينها سيارات محترقة قرب معبر تاراخال، بينما أعادت السلطات المغربية فتح المعبر أمام الحركة القانونية، ولا سيما للمغاربة القادمين من أوروبا لقضاء العطلة الصيفية بالمملكة.

    حواجز جديدة في تاراخال

    وبالتوازي مع تراجع أعداد الموجودين داخل سبتة، بدأت السلطات الإسبانية في تعزيز البنية الأمنية على الحدود تحسبا لتكرار محاولات العبور.

    ووفق مصادر بوزارة الداخلية الإسبانية، فإن القوات شرعت في تركيب حواجز احتواء عند معبر تاراخال الحدودي، في خطوة ترمي إلى تعزيز القدرة على ضبط المنطقة ومواجهة أي موجات جديدة.

    ويأتي الإجراء ضمن حزمة أمنية اعتمدتها مدريد منذ بداية الأزمة، شملت تعزيز انتشار قوات الأمن في سبتة ورفع مستوى التأهب، في وقت حرصت فيه الحكومة الإسبانية على التأكيد أن إدارة التطورات تتم بالتنسيق مع الجانب المغربي.

    سانشيز يشكر المغرب على التعاون

    وفي خضم الأزمة، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ما وقع في سبتة بأنه “هجوم ضد السيادة الوطنية”، متعهدا بتسخير إمكانيات الدولة للدفاع عنها.

    وفي الوقت نفسه، حرص رئيس الحكومة الإسبانية على الفصل بين تقييمه لموجة العبور وموقفه من التعاون مع الرباط، مؤكدا استمرار التنسيق مع المغرب لمحاربة منظمات تهريب المهاجرين.

    كما عبر سانشيز عن أسفه لسقوط الضحايا، ووجه الشكر إلى السلطات المغربية على استعدادها للتعاون في إعادة المهاجرين.

    وتكتسب هذه الإشارة أهمية سياسية بالنظر إلى القراءات التي رافقت الأزمة بشأن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، إذ حافظ الخطاب الرسمي لمدريد على التأكيد على التعاون مع الرباط، بدل تحميل السلطات المغربية مسؤولية مباشرة عن موجة العبور.

    الأزمة تصل إلى قلب أوروبا

    ولم تبق تداعيات ما جرى محصورة في العلاقة بين الرباط ومدريد، إذ انتقلت الأزمة بسرعة إلى داخل الاتحاد الأوروبي وأعادت ملف حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن إلى واجهة الخلاف بين عدد من العواصم الأوروبية.

    وتصدرت إيطاليا المواقف الأكثر تشددا، إذ أعلنت وزارة داخليتها، بحسب المعطيات الواردة، إغلاق الحدود البحرية والجوية مع إسبانيا وتعليق العمل بنظام شنغن بين البلدين بصورة مؤقتة، على خلفية المخاوف من انتقال الوافدين من سبتة إلى باقي الأراضي الأوروبية.

    كما أيدت فنلندا الموقف الإيطالي، حيث اتهمت وزيرة الداخلية ماري رانتانن مدريد بالفشل في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن، ودعت بقية الدول الأوروبية إلى مساندة المقترح الإيطالي.

    أما فرنسا، فاتخذت موقفا يجمع بين التضامن السياسي مع مدريد وتشديد الإجراءات الأمنية على حدودها. وأعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إصدار تعليمات لتعزيز عمليات الرقابة والتفتيش على الحدود مع إسبانيا، فيما عبر الرئيس إيمانويل ماكرون عن تضامنه مع سانشيز وعرض تقديم المساعدة اللازمة لاحتواء الأزمة.

    مدريد تدافع عن حماية فضاء شنغن

    أمام هذه الانتقادات، دافعت الحكومة الإسبانية عن طريقة إدارتها للأزمة، مؤكدة أنها حافظت على سلامة فضاء شنغن.

    وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس إن الوصول من سبتة إلى البر الإسباني لم يكن ممكنا دون إثبات الهوية، في رد مباشر على المخاوف التي عبرت عنها دول أوروبية من تحول المدينة إلى بوابة مفتوحة نحو بقية فضاء حرية التنقل الأوروبي.

    ويكشف هذا السجال أن أزمة سبتة تجاوزت خلال أيام قليلة بعدها الحدودي والإنساني لتتحول إلى اختبار سياسي وأمني لمنظومة شنغن نفسها، في ظل اختلاف واضح بين الدول الأوروبية بشأن كيفية التعامل مع موجات الهجرة المفاجئة ومسؤولية دول الحدود الخارجية في احتوائها.

    من ذروة الأزمة إلى تحدي ما بعدها

    ومع عودة عشرات الآلاف إلى المغرب وإعلان مدريد انتهاء المرحلة الأكثر حدة من الأزمة، ينتقل النقاش من احتواء موجة العبور إلى تدبير تداعياتها.

    فارتفاع حصيلة القتلى إلى 67 شخصا يضع الكلفة الإنسانية في صدارة الملف، بالتوازي مع استمرار الحاجة إلى تحديد هويات الضحايا والمفقودين، بينما يفتح الحجم الاستثنائي لموجة العبور نقاشا أوسع بشأن قدرة آليات المراقبة الحالية على استباق تحركات بهذا الحجم، ودور شبكات تهريب البشر في تعبئة المرشحين للهجرة وتوجيههم نحو مسارات بعينها.

    وفي المقابل، أظهرت الأيام الأخيرة استمرار قنوات التعاون المغربي الإسباني حتى في ذروة الأزمة، سواء في إعادة الوافدين أو مكافحة شبكات التهريب وضبط الحدود، وهو ما أكدته تصريحات سانشيز ومسؤولين إسبان.