المدونة

  • الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    الدولة الاجتماعية بالمغرب.. خريطة ربع قرن من الإصلاحات

    على امتداد أكثر من عقدين، انتقلت الدولة الاجتماعية في المغرب من مفهوم يطرح في النقاشات العمومية إلى ورش إصلاحي واسع تتقاطع فيه السياسات الصحية والاجتماعية والاقتصادية.

    ولم يكن التحول نتيجة برنامج حكومي محدود، بل جاء ضمن رؤية قادها الملك محمد السادس، انطلقت من تشخيص مواطن الهشاشة والفوارق الاجتماعية، قبل أن تترجم إلى إصلاحات متتالية شملت الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم المباشر للأسر وسياسات السكن وتأهيل الخدمات الأساسية.

    ومن خلال تتبع الخطب الملكية ومحطات إطلاق هذه الأوراش، تتضح معالم مسار اعتمد التدرج في الإصلاح وربط التشخيص بالتنزيل والمتابعة.

    من محاربة الفقر إلى الاستثمار في الإنسان

    شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في 18 ماي 2005 إحدى المحطات الأولى التي رسمت التوجه الاجتماعي للعهد الجديد، بنقل تدخل الدولة من مساعدات متفرقة إلى مشاريع تنطلق من حاجيات السكان، وتشمل فك العزلة، ودعم التمدرس، وتحسين الولوج إلى الماء والصحة، ومواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة.

    ومع إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة سنة 2018، اتسع مجال تدخلها ليشمل تنمية الرأسمال البشري، والطفولة، وتحسين الدخل، والإدماج الاقتصادي للشباب.

    ولم تعد محاربة الفقر، وفق المقاربة الملكية لجلالة الملك محمد السادس، مرتبطة فقط بتقديم مساعدة آنية، وإنما بمعالجة أسبابه منذ السنوات الأولى لحياة المواطن، انطلاقا من الأوراش التي مولتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فالطفل الذي يستفيد من التعليم الأولي والتغذية والنقل المدرسي تكون فرصته في مواصلة الدراسة أكبر من طفل تحدد هشاشة أسرته مساره منذ البداية.

    خطاب العرش 2018.. إعادة ترتيب السياسة الاجتماعية

    في خطاب عيد العرش ليوم 29 يوليوز 2018، وضع الملك محمد السادس البعد الاجتماعي في صدارة أولويات المرحلة، مؤكدا أن “الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان”.

     ولم يكتف الخطاب بتأكيد مركزية هذا الورش، بل قدم تشخيصا واضحا للاختلالات التي كانت تحد من نجاعة منظومة الدعم الاجتماعي، مشيرا إلى أن تعدد البرامج، رغم الاعتمادات المالية المهمة التي ترصدها الدولة، لم يكن كفيلا بتحقيق الأثر المطلوب بسبب تشتت المتدخلين، وضعف التنسيق، وعدم دقة آليات استهداف المستفيدين.

    ومن هذا المنطلق، وجه الملك إلى إحداث السجل الاجتماعي الموحد واعتماد معايير دقيقة وموضوعية لتحديد الأسر المستحقة، بما يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على توحيد منظومة الاستهداف وربط الاستفادة بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية للأسر، عوض الاعتماد على لوائح وبرامج متفرقة.

    وفي قراءته لهذا المسار، يرى الخبير الاستراتيجي والاقتصادي، محمد أمين سامي، أن الدولة الاجتماعية في المغرب لم تكن نتاج قرار واحد، بل ثمرة رؤية ملكية متدرجة قادها جلالة الملك محمد السادس، انطلقت مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، ثم تعززت بدسترة الحقوق الاجتماعية سنة 2011، قبل أن تدخل مرحلة إعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية ابتداء من خطاب العرش لسنة 2018.

    ويوضح سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا المسار يعكس انتقالا تدريجيا من معالجة مظاهر الفقر والهشاشة إلى بناء الأسس القانونية والمؤسساتية للدولة الاجتماعية، عبر توحيد منظومة الدعم، وتحسين آليات الاستهداف، وربط السياسات الاجتماعية بالنجاعة والأثر الفعلي على حياة المواطنين.

    خطاب العرش 2020.. الحماية الاجتماعية لكل المغاربة

    سرّعت جائحة كورونا هذا المسار، بعدما كشفت أن فئات واسعة من المهنيين والفلاحين والتجار والحرفيين والعاملين لحسابهم الخاص ظلت خارج أنظمة التأمين، وأن توقف النشاط أو المرض يمكن أن يفقد الأسرة دخلها في وقت قصير.

    وفي خطاب عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020، أعلن جلالة الملك محمد السادس التوجه نحو “توفير الحماية الاجتماعية لكل المغاربة، التي ستبقى شغلنا الشاغل حتى نتمكن من تعميمها على جميع الفئات الاجتماعية”.

    وربط الخطاب هذا القرار بالعدالة الاجتماعية والمجالية، معتبرا أن تعميم الحماية ينبغي أن يشمل جميع الفئات، وليس فقط العاملين في الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص المنظم.

    وفي خطاب افتتاح البرلمان في 9 أكتوبر 2020 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة، نقلت التوجيهات الملكية المشروع من الإعلان السياسي إلى جدول للتنفيذ، يقوم على أربعة مكونات هي تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وتوسيع التقاعد، ثم التعويض عن فقدان الشغل.

    14 أبريل 2021.. من التوجيه إلى التنفيذ

    في 23 مارس 2021، صدر القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، ليمنح المشروع مرجعية قانونية تتجاوز البرامج الحكومية الظرفية.

    وبعد ذلك، ترأس الملك محمد السادس يوم 14 أبريل 2021، بالقصر الملكي بفاس، حفل إطلاق تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتوقيع الاتفاقيات الأولى المتعلقة به.

    ومثلت هذه الخطوة بداية إدماج تدريجي للفئات التي ظلت لسنوات خارج منظومة التأمين الصحي، مما مكن فئات مهنية واجتماعية جديدة من الولوج إلى التغطية الصحية والاستفادة من خدماتها في مواجهة تكاليف العلاج.

    وفي 13 يوليوز 2022، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا جرى خلاله التداول في مشروع القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية.

    وجاء المشروع لتوفير الشروط الضرورية لإنجاح تعميم الحماية الصحية، من خلال حكامة جديدة، وتأهيل العرض الصحي، وتثمين الموارد البشرية، ورقمنة الخدمات، وضمان توزيع أكثر إنصافا للعلاجات بين مختلف مناطق المملكة.

    ومن أبرز مكونات الإصلاح إحداث المجموعات الصحية الترابية، التي تهدف إلى تدبير المؤسسات الصحية داخل كل جهة ضمن شبكة منسجمة، بدل استمرار المستشفيات والمراكز في العمل بصورة منفصلة.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى إصلاح المنظومة الصحية يعكس تطورا في الرؤية الملكية من ضمان الحق في التأمين إلى ضمان الحق في العلاج، موضحا أن “الحماية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد منح المواطن بطاقة التأمين، وإنما بتوفير مستشفى قريب، وأطر صحية كافية، وتجهيزات ملائمة، وحكامة قادرة على ضمان جودة الخدمات”.

    وتابع أنه لهذا الغرض جاء إصلاح المنظومة الصحية مكملا لورش الحماية الاجتماعية، حتى يتحول الحق الدستوري في العلاج إلى خدمة عمومية متاحة لجميع المواطنين بمختلف جهات المملكة.

    تدشينات تواكب تعميم التغطية

    سبق إصلاح المنظومة الصحية إعطاء الملك، في 5 ماي 2022، انطلاقة أشغال المركز الاستشفائي الجامعي الجديد ابن سينا بالرباط، باستثمار يناهز 6 مليارات درهم.

    ولا يقتصر دور المشروع على زيادة الطاقة الاستيعابية، بل يشمل التخصصات الدقيقة والتكوين والبحث الطبي، فالمستشفى الجامعي يعالج المرضى، لكنه يكوّن أيضا الأطباء والممرضين الذين تحتاج إليهم المؤسسات الصحية في باقي الجهات.

    كما أعطى الملك في يناير 2022 انطلاقة مشروع وحدة صناعية لإنتاج اللقاحات ببنسليمان، ضمن توجه يهدف إلى تحقيق السيادة الصحية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

    وإلى جانب المؤسسات الكبرى، جرى نشر وحدات صحية متنقلة ومتصلة لفائدة المناطق القروية والنائية، قبل إطلاق مرحلة إضافية في 26 مارس 2024 شملت 50 وحدة جديدة.

    وتستجيب هذه الوحدات لمشكلة عملية تواجه سكان القرى والجبال على رأسها المسافة بين المواطن والطبيب، إذ بدلا من تحمل تكاليف النقل والإقامة، تصل بعض الفحوصات والاستشارات إلى منطقته، مع إمكانية الاستعانة بالطب عن بعد.

    2023.. استهداف مباشر للدعم والسكن

    بعد التغطية الصحية، انتقلت الدولة الاجتماعية إلى حماية دخل الأسر، ففي خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية الحادية عشرة يوم 13 أكتوبر 2023، أكد جلالته أن الدعم المباشر ينبغي أن يشمل الأطفال المتمدرسين، والأطفال في وضعية إعاقة، وحديثي الولادة، والأسر التي تعيل مسنين.

    وقال العاهل المغربي ” وسنشرع، بعون الله وتوفيقه، في نهاية هذه السنة، في تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر. وتجسيدا لقيم التضامن الاجتماعي، الراسخة عند المغاربة، فقد قررنا ألا يقتصر هذا البرنامج، على التعويضات العائلية فقط؛ بل حرصنا على أن يشمل أيضا بعض الفئات الاجتماعية، التي تحتاج إلى المساعدة”.

    وبعد أيام، ترأس جلالة الملك مجلسا وزاريا يوم 19 أكتوبر 2023، جرى خلاله عرض التوجهات المالية للبرنامج، مع التأكيد على ألا يقل الدعم عن 500 درهم شهريا لكل أسرة مستهدفة، مهما كانت تركيبتها.

    وبدأ صرف الدفعة الأولى من الدعم في 28 دجنبر 2023، تنفيذا للتوجيه الملكي القاضي بإطلاقه قبل نهاية السنة.

    وفي 17 أكتوبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل خصصت لقطاع السكن، جرى خلالها تقديم برنامج الدعم المباشر للسكن للفترة 2024-2028.

    وحدد البرنامج مساعدة بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    الجديد هنا هو توجيه الدعم إلى المقتني بدل ربطه بالمنعش أو المشروع العقاري. وبالنسبة إلى الأسرة، يمكن للمساعدة أن تغطي جزءا من التسبيق، وتخفض قيمة القرض والأقساط الشهرية.

    لا مجال لمغرب بسرعتين

    وفي خطاب عيد العرش يوم 29 يوليوز 2025، وضع جلالة الملك معيارا أكثر صرامة لقياس نتائج التنمية، قائلا “لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين”، مضيفا “فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.

    ودعا جلالته إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يركز على التشغيل والتعليم والصحة والماء وتأهيل المناطق الأكثر هشاشة.

    ويحمل هذا التوجيه انتقالا من توسيع البرامج الاجتماعية على المستوى الوطني إلى مساءلة أثرها داخل كل جهة، فقد يستفيد مواطنان من التأمين والدعم نفسيهما، لكن وضعهما يظل مختلفا إذا كان أحدهما يعيش قرب مستشفى ومدرسة وفرص للعمل، بينما يبعد الآخر عشرات الكيلومترات عن أبسط الخدمات.

    وفي قراءته لهذه المرحلة، يرى المحلل الاستراتيجي والاقتصادي محمد أمين سامي أن انتقال الأوراش الملكية من تعميم الحماية الاجتماعية إلى ترسيخ العدالة المجالية يعكس تطورا في فهم أسباب الهشاشة.

    ويوضح ذلك بأن الفوارق الاجتماعية لا ترتبط فقط بدخل الأسرة، بل أيضا بالمجال الذي تعيش فيه، فالمواطن قد يستفيد من التأمين الصحي أو الدعم المباشر، لكنه يظل في وضع هش إذا كان بعيدا عن المستشفى أو المدرسة أو الماء أو فرص الشغل.

    لذلك، يضيف سامي، أن الرؤية الملكية انتقلت من حماية الفرد داخل مجال هش إلى تأهيل المجال نفسه، عبر ربط العدالة الاجتماعية بالتنمية الترابية المندمجة، بما يجعل مكان الولادة أو الإقامة أقل تأثيرا في فرص المواطن في الولوج إلى الخدمات الأساسية وتحسين ظروف العيش.

    ويؤكد المحلل ذاته أن عبارة جلالة الملك محمد السادس “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”، لا تمثل مجرد شعار سياسي، بل تؤسس لمرحلة جديدة في تقييم السياسات العمومية، قوامها الانتقال من الاكتفاء بالمؤشرات الوطنية العامة إلى قياس أثر التنمية داخل كل جهة ومجال ترابي.

    وأبرز أن المطلوب لم يعد يقتصر على معرفة نسبة النمو الاقتصادي، بل يشمل أيضا تحديد أماكن إنتاج الثروة، وعدد مناصب الشغل اللائقة التي تم إحداثها، وحجم القيمة المضافة التي بقيت داخل المجالات الترابية، ومدى تحسن الولوج إلى الصحة والتعليم، وتطور دخل النساء والشباب، وتراجع الهجرة الاضطرارية.

    وشدد محمد أمين سامي على أن الرؤية الملكية لا تستهدف الحد من دينامية الجهات الأكثر تقدما، وإنما تسريع وتيرة تنمية المجالات الأقل استفادة وربطها بمحركات النمو الوطنية، بما يرسخ عدالة مجالية حقيقية داخل إطار الدولة الاجتماعية.

  • الداخلية تكشف خلفيات أحداث سبتة ومليلية: 11 وفاة و41 ألف مشارك وتضليلات رقمية وعصابات أوهمت بسهولة العبور

    الداخلية تكشف خلفيات أحداث سبتة ومليلية: 11 وفاة و41 ألف مشارك وتضليلات رقمية وعصابات أوهمت بسهولة العبور

     أكدت وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها بخصوص الأحداث التي عرفتها مؤخرا نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية، أبانت أن هذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات الإتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية، كاشفة أن عددا حالات الوفاة المعلن علنها رسميا بلغ إلى حدود الساعة 11 حالة وفاة، في حين بلغ عدد المشاركين في محاولات العبور غير النظامي 41.135 شخصا.

    وكشف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، رشيد الخلفي، في تصريح صحفي، أن السلطات العمومية، منذ المراحل الأولى، بادرت إلى تفعيل مقاربة استباقية وشمولية، ارتكزت على الرصد المبكر لمختلف المؤشرات، والرفع من درجات اليقظة والتعبئة، وتعزيز جاهزية مختلف المصالح الأمنية والسلطات الترابية، وتكثيف المراقبة البرية والبحرية، بما مكن من التحكم في مجريات الوضع، وحماية الأرواح، وصون النظام العام، وتأمين الحدود، مع التقيد الصارم بأحكام القانون واحترام مبدأ التناسب في التدخل.

    وأوضح أن المعطيات الإحصائية الدقيقة المتوفرة لدى السلطات المختصة، المستندة إلى منظومات المراقبة والتتبع الميداني المعتمَدَة عند نقاط انطلاق المشاركين في محاولات العبور غير النظامي هاته، مكنت من ضبط العدد الفعلي للمعنيين بذلك، والذي بلغ حوالي 40 ألف شخص في اتجاه مدينة سبتة، ونحو 1135 شخصا في اتجاه مدينة مليلية، مشيرا إلى أن تمت إعادة جميع الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى مليلية في حينه.

    وأشار الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن المعطيات الإحصائية والميدانية الدقيقة  جرى تحصيلها وفق آليات تقنية معتمدة للمراقبة والتتبع، بما يجعلها المرجع المعتمد، خلافا لبعض الأرقام المتداولة التي لا تستند إلى معطيات موثوقة أو أسس موضوعية.

    ولفت المصدر ذاته أنه في هذا الإطار، برزت، على وجه الخصوص، القرارات الأخيرة الصادرة عن السلطات القضائية الإسبانية بشأن تقييد إمكانية تطبيق إجراء الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر، لافتا إلى أنها أفضت، في ظل ما صاحبها من تأويلات مغلوطة وتداول مضلَل، إلى ترسيخ قناعة لدى بعض الراغبين في العبور بإمكانية تفادي الإعادة الفورية، وهو ما أسهم في بروز نمط أوحد من محاولات الهجرة غير النظامية، قوامه العبور سباحة، باعتباره الوسيلة التي اعتقد البعض أنها توفر فرصا أكبر للإفلات من الإعادة الفورية.

    وكشفت وزارة الداخلية أن الأحداث أسفرت، إلى حدود الساعة، عن تسجيل حالة وفاة عرضية واحدة إثر السقوط من منطقة صخرية مجاورة لمدينة سبتة، إلى جانب 10 حالات وفاة ناجمة عن الغرق، مؤكدة أن هذا الواقع يكشف أن قِصَر المسافة الفاصلة، التي تقل عن سبعين مترا، ومحدودية عمقها النسبي، الذي لا يتجاوز في بعض النقاط أكثر بقليل من مترين، وَلَدّا لدى عدد من المشاركين شعورا مضلَلا بسهولة العبور، فدفعهم إلى التقليل من حجم المخاطر والإقدام على محاولات انتهى بعضها بعواقب مأساوية.

    وبخصوص ما يتم تداوله بشأن تسجيل حالات وفاة أخرى بمدينة سبتة، شددت “أم الوزارات” على أن السلطات المغربية تواصل، في إطار قنوات التعاون والتنسيق الرسمية مع نظيرتها الإسبانية، عمليات التحقق من صحة هذه المعطيات، ومن العدد الفعلي للأشخاص المعنيين وهوياتهم وجنسياتهم، وذلك قصد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية والإنسانية الواجبة.

    وكشفت بالصدد ذاته أنه جرى تمكين الأشخاص المعنيين من العودة، في إطار التعاون القائم مع الجانب الإسباني ووفقا للمساطر الجاري بها العمل، وذلك عبر فتح المعابر أمام الراغبين في العودة بمحض إرادتهم، الأمر الذي ساهم في تسهيل عودة الأوضاع بالمنطقة إلى وتيرتها الاعتيادية بشكل تدريجي.

    وأشار رشيد الخلفي إلى أن النيابة العامة المختصة باشرت، في إطار اختصاصاتها القانونية، فتح أبحاث قضائية بشأن مختلف الأفعال والوقائع المرتبطة بهذه الأحداث، وذلك من أجل تحديد جميع الملابسات، والكشف عن المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية، وفقا لأحكام القانون.

    وجددت وزارة الداخلية، عبر ناطقها الرسمي، التأكيد أن تدبير ظاهرة الهجرة لا يمكن أن يتم إلا في إطار مقاربة شمولية قائمة على المسؤولية المشتركة والتضامن الفعلي وتقاسم الأعباء، مشددة على أن المملكة المغربية ستظل، كما عهدها شركاؤُها، شريكا موثوقا ومسؤولا، ملتزما بتعزيز التعاون والتنسيق الدولي في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وفي الآن ذاته لن تدخر أي جهد في اتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية النظام العام، وصون أمن الحدود، وضمان سلامة الأشخاص والممتلكات، في إطار سيادة القانون واحترام الالتزامات الوطنية والدولية للمملكة.

    وتأتي توضيحات وزارة الداخلية عقب الأخبار التي تداولتها وسائل إعلام إسبانية حول بلوغ عدد الوفات 57 وفاة على سواحل مدينة سبتة المحتلة.

    وكان الإعلام الإسباني قد ادعى أيضا أن عدد المشاركين في محاولات العبور التي شهدتها مدينتا سبتة ومليلية قد تجاوز 49 الف مهاجر غير نظامي، غير أن وزارة الداخلية المغربية فندت هذا، مؤكدة أن الرقم استقر عند 41 ألفا و135 شخصا.

  • عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    بعد مرور 25 سنة على خطاب أجدير، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النهوض بالأمازيغية، راكم المغرب سلسلة من المكتسبات الدستورية والمؤسساتية، نقلت هذا الورش من دائرة المطالب الثقافية إلى صلب السياسات العمومية.

    وتعزز حضور “تيفيناغ” بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودسترة الأمازيغية لغة رسمية، ثم ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية، في إطار رؤية ملكية تقوم على صيانة التعدد الثقافي وترسيخ الوحدة الوطنية.

    وفي هذا الحوار، يقدم عبدالله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة قراءة في أبرز التحولات التي شهدها هذا المسار، ويستعرض أهم المنجزات التي تحققت خلال ربع قرن، كما يتوقف عند التحديات المرتبطة باستكمال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في مختلف المرافق والقطاعات.

    لقد شكل خطاب أجدير (2001) منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”. فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”. وقد مكن هذا المسار الأمازيغية من تبوّء مكانتها كـ”رصيد مشترك” لكل المغاربة، وهو ما توج بدمج “الزمن الأمازيغي” ضمن الذاكرة الوطنية بقرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية سنة 2023، مؤكداً بذلك أن التعدد الثقافي ليس عائقاً أمام الوحدة، بل جزء أصيل منها.

    وقد أحدث الاعتراف الدستوري لسنة 2011 تحولاً جذرياً في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحوراً حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها. فمن خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16. لقد وضع الدستور حداً قانونياً لمرحلة التجاهل، وجعل من الأمازيغية مكوناً بنيويًا في الشخصية المغربية، مما نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    ومع ذلك، تظل هناك مفارقة جوهرية بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الواقع الميداني؛ إذ تؤكد التحليلات أن المكاسب القانونية لا تتحول تلقائياً إلى إنصاف فعلي ما لم تكن مصحوبة بإرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فرغم التوسع الكمي في التعليم والانتشار البصري في الإدارة، لا تزال الأمازيغية تواجه تحديات حقيقية في “التنزيل الوظيفي”. وتظل الفجوة قائمة في مجالات التعليم، والإدارة، والقضاء، والإعلام، مما يجعل “العدالة اللغوية” ورشاً مفتوحاً يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطن.

    أسهمت التوجيهات الملكية منذ خطاب أجدير (2001) بشكل حاسم في إخراج القضية الأمازيغية من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”، مما ساهم في إعادة تعريف الهوية الوطنية لتصبح قائمة على التعدد والتنوع. يمكن تلخيص مدى هذا الإسهام وتأثيره في النقاط التالية:

    • الانتقال منالمطالبة الهامشيةإلىالالتزام المؤسساتي، بحيث شكل خطاب 20 غشت 1994 “انفراجاً رمزياً” وبداية الإعلان عن العناية بالأمازيغية، إلا أن خطاب أجدير (2001) مثل المنعطف الحاسم الذي أرسى “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. هذا التوجه أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حداً للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني.
    • تغيير مركز الثقل في الهوية الوطنية، إذ ساهمت هذه التوجيهات في تكريس الأمازيغية كمكون بنيوي في الشخصية المغربية، وليس مجرد “زينة تراثية” أو “فولكلور” يُستدعى في المناسبات. هذا التراكم أدى إلى ترسيمها لغة رسمية في دستور 2011، وهو ما نقل النقاش من دائرة “هل الأمازيغية مستحقة للترسيم” إلى دائرة “كيفية التفعيل”.
    • الاعتراف بالذاكرة والزمن الأمازيغي من خلال قرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية (2023)، الذي جاء ليعزز هذا المسار، حيث دمج “الزمن الأمازيغي” ضمن “الزمن الوطني”، مؤكداً أن التعدد ليس عائقاً أمام الوحدة، بل هو جزء أصيل منها.
    • منالخطابإلىالتزام السياسات العمومية، فالتوجيهات الملكية فرضت على الدولة الانتقال من الاعتراف اللفظي إلى الالتزام القانوني والمالي. فقد صار تفعيل الأمازيغية يتطلب تخطيطاً، وميزانيات، وتقييماً، وهو ما تجسد في إصدار القانون التنظيمي 26.16 (2019) والاعتمادات المالية المخصصة لتفعيله في قطاعات التعليم، الإدارة، والقضاء.

    بالرغم من هذا الأثر المؤسساتي الواضح، تؤكد التحليلات أن “الاعتراف الرسمي”، مهما علا شأنه، لا يتحول تلقائياً إلى “إنصاف فعلي” ما لم يواكب ذلك إرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فالمفارقة لا تزال قائمة بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الفجوة التي تعاني منها الأمازيغية في “الحياة اليومية للمواطن” (كالمدرسة، والإدارة، والقضاء، والإعلام).

    غير الاعتراف الدستوري سنة 2011 طبيعة الترافع الأمازيغي ومسار النهوض بها بشكل جذري، حيث شكل منعطفاً انتقالياً بتغيير مركز الثقل في النقاش؛ نقل النقاش من دائرة “المطالبة بالاعتراف بوجود الأمازيغية أو استحقاقها له” إلى دائرة “كيفية تفعيل رسميتها”.

    كما تم تأسيس مرجعية قانونية ملزمة، إذ تحولت الأمازيغية من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى “التزام دستوري” صريح بموجب الفصل الخامس، مما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية تتعلق بالتخطيط، والميزانية، والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16.

    وتم أيضا وضع حد قانوني لمرحلة الإنكار، بحيث أرسى الدستور حداً لمرحلة “التجاهل والإقصاء” التي ميزت التعامل السابق مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، مما فرض على السياسات العمومية التعامل معها كمكون بنيوي في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    أيضا هناك تحدي “الاعتراف الرمزي”، إذ حملت صياغة الفصل الخامس من الدستور قوة الاعتراف، لكنها أحالت التفعيل على قانون تنظيمي، وهو ما أطلق معركة مدنية لمنع تحويل هذا الاعتراف إلى “احتفال رمزي” أو أداة لتأجيل المساواة. فقد كشف تأخر صدور القانون التنظيمي (من 2011 إلى 2019) أن الترسيم الدستوري، رغم أهميته، لا يحمي نفسه بنفسه ولا يضمن التنفيذ دون إرادة سياسية موازية لقوة النص.

    بناءً على المعطيات المتوفرة لدينا والتي تم رصدها خلال العقود الاخيرة، يمكن تلخيص مظاهر حضور الأمازيغية اليوم في هذه القطاعات مقارنة بما قبل خطاب أجدير، مع الإشارة إلى الفجوة بين “الحضور الرمزي/البصري” و”الحضور الوظيفي”.

    على مستوى التعليم، انتقل الوضع من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32% من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16,530 قسماً.

    ورغم هذا التوسع، لا تزال هناك تحديات بنيوية تتعلق بالجودة البيداغوجية، واستمرار صيغة “الأستاذ المزدوج”، والبطء في التعميم الأفقي والعمودي (في مستويات الإعدادي والثانوي).

    وفيما يرتبط بالإدارة، تحول المشهد من الغياب الكلي إلى “حضور بصري” (مثل لوحات التشوير واللافتات). إلا أن هذا الحضور يفتقر إلى “الخدمة الوظيفية”، إذ لا تزال الإدارة تعاني من نقص في الموظفين الناطقين بالأمازيغية، وضعف في توفير الوثائق الإدارية والخدمات الرقمية باللغة الأمازيغية.

    أما على مستوى القضاء، يظل الحضور “ضعيفاً جداً” مقارنة بالمأمول، لأن المتقاضين يعانون من غياب مأسسة الترجمة والوساطة اللغوية المهنية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على شروط المحاكمة العادلة وضمان حق الفهم والولوج إلى العدالة.

    أما في الإعلام، فقد تجسد الحضور في إطلاق قناة “تمازيغت” (2010)، والتي تعد أداة للتمثيل والاعتراف.

    ومع ذلك، تظل التحديات قائمة في ضرورة “التعميم الأفقي” للأمازيغية داخل كافة أقطاب الإعلام العمومي، وتطوير مضامين تفاعلية رقمية تتجاوز منطق النافذة الإعلامية المعزولة.

    وخلاصة القول، نحن اليوم في منطقة وسطى؛ فقد قطعنا مسافة معتبرة في “النص والقانون”، لكن التحدي الكبير يكمن في الانتقال من “الأمازيغية البصرية” التي نراها في الواجهات، إلى “الأمازيغية الوظيفية” التي يلمسها المواطن في قضاء مآربه اليومية، وهو ورشٌ مفتوح يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية.

  • الكونغو الديمقراطية تسجل أكبر تفش لإيبولا في تاريخها

    الكونغو الديمقراطية تسجل أكبر تفش لإيبولا في تاريخها

    أعلنت منظمة الصحة العالمية أن التفشي الحالي لفيروس “إيبولا” في جمهورية الكونغو الديمقراطية يعد الأكبر من نوعه على الإطلاق في تاريخ البلاد، متجاوزا حصيلة التفشي السابق الممتد بين عامي 2018 و2020، والذي أسفر حينها عن تسجيل 3317 حالة مؤكدة.

    وأفادت الوكالة الصحية التابعة للأمم المتحدة، في أحدث تقرير لها حول تفشي الأمراض، بأنه تم الإبلاغ عن ما مجموعه 3605 حالات مؤكدة، إلى غاية يوم الخميس الماضي، من ضمنها 1587 حالة وفاة، بما يتوافق مع نسبة وفيات الحالات الخام (CFR) البالغة 44 في المئة.

    وأشارت الصحة العالمية إلى أن الأسبوع الوبائي الماضي (الأسبوع 30) شهد تسجيل أعلى حصيلة أسبوعية بـ 567 إصابة و296 حالة وفاة، ما يؤكد الوتيرة الاستثنائية لانتقال العدوى.

    وأبرز التقرير أن الزيادة المستمرة في عدد الحالات تعكس اتساع رقعة الانتشار الجغرافي للمرض، حيث شملت العدوى خمس مقاطعات (إيتوري، وكيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، وأويلي، وتشوبو)، ليمتد تأثير الوباء حاليا إلى 49 منطقة صحية.

    وعلى مستوى التدخلات، تواصل السلطات المحلية في الكونغو الديمقراطية، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والشركاء، تنفيذ تدابير استجابة واسعة النطاق.

    وفي هذا السياق، جددت منظمة الصحة العالمية التأكيد على ضرورة مواصلة تعزيز تدابير المراقبة، والرصد، والتأهب، لا سيما في ظل استمرار حركية السكان وتزايد خطر انتقال العدوى عبر الحدود.

  • الصحراء بوابة اقتصادية.. بريطانيا تكشف قفزة في المبادلات التجارية مع المغرب عقب تأييد الحكم الذاتي

    الصحراء بوابة اقتصادية.. بريطانيا تكشف قفزة في المبادلات التجارية مع المغرب عقب تأييد الحكم الذاتي

    لم يتأخر الموقف البريطاني الجديد من قضية الصحراء المغربية في ترك أثره خارج لغة البيانات الدبلوماسية، فبعد تأييد لندن لمبادرة الحكم الذاتي، بدأت الوثائق الاقتصادية الرسمية تتعامل مع المغرب بأرقام تشمل أقاليمه الجنوبية، في تحول يكتسب دلالته من الجهة التي تصدر عنها هذه البيانات ومن المجالات التي تغطيها.

    أحدث تقرير لوزارة الأعمال والتجارة البريطانية، الذي اطلعت عليه جريدة “AM+MEDIA”، قدم مؤشرا واضحا على ذلك، فإلى جانب تسجيل المبادلات التجارية بين المغرب والمملكة المتحدة مستوى 5.3 مليارات جنيه إسترليني خلال الفصول الأربعة المنتهية في مارس 2026، بارتفاع 16.7 في المئة، حرصت الوثيقة على التنصيص صراحة على أن بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية الخاصة بالمغرب تشمل الصحراء.

    واللافت أن الأمر لا يتعلق بملاحظة عابرة وردت في هامش جدول واحد، ذلك أن العبارة نفسها تتكرر كلما انتقلت الوثيقة من مؤشر إلى آخر بما فيها إجمالي المبادلات، وتجارة السلع، وتجارة الخدمات، وحصة السوق والاستثمار الأجنبي المباشر، أي أن الصحراء باتت حاضرة ضمن المعطيات التي تقيس بها المؤسسات البريطانية علاقتها الاقتصادية مع المغرب.

    وفي هذا الاتجاه، يتجاوز التقرير 5.3 مليارات جنيه إسترليني، فبعد التحول الذي طرأ على موقف لندن من مبادرة الحكم الذاتي، ودعمها المباشر للموقف المغربي، تكشف الأرقام البريطانية عن مستوى آخر من هذا التقارب، أكثر التصاقا بالممارسة المؤسساتية والاقتصادية.

    من “وضع غير محدد” إلى دعم “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

    التفصيل الإحصائي السالف الذكر، لا يأت من فراغ، بل يعكس تحولا سياسيا جوهريا طرأ على الموقف البريطاني الرسمي من قضية الصحراء المغربية خلال العام الماضي، فحتى يونيو 2025، كانت الحكومات البريطانية المتعاقبة تصف وضع الصحراء بأنه “غير محدد” وتعتمد كلمة “undetermined” في جل تقاريرها الرسمية.

    كان ذلك، قبل أن يعلن وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد لامي، خلال زيارته للرباط في فاتح يونيو 2025 على رأس الدورة الخامسة للحوار الاستراتيجي المغربي البريطاني، تبني لندن موقفا جديدا يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي قدمها المغرب سنة 2007، “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية لحل دائم ومتفق عليه لنزاع الصحراء”.

    وقد تضمن البيان المشترك الموقّع بين الرباط ولندن بالمناسبة فقرة صريحة بعنوان “الصحراء: دعم مخطط الحكم الذاتي المغربي”، أن المملكة المتحدة، بصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، “تتفق مع المغرب على الحاجة الملحة لإيجاد حل لهذا النزاع الطويل”، وأن لندن “مستعدة وملتزمة بتقديم دعمها الفعلي لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحد، كما نص البيان المشترك على استعداد بريطانيا لدراسة دعم مشاريع في الصحراء عبر هيئة ضمان الصادرات البريطانية (UKEF)، شرط استيفاء معايير العناية الواجبة.

    ومن الناحية القانونية الرسمية فإن الممارسة الدبلوماسية والإحصائية البريطانية اللاحقة، سارت عمليا في اتجاه معاملة الصحراء باعتبارها جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي في المعاملات الرسمية، وعلى رأسها البيانات التجارية التي تنشرها وزارة الأعمال والتجارة.

    وتوالت المحطات التي رسّخت هذا المنحى، ففي 31 أكتوبر 2025 صوتت المملكة المتحدة إلى جانب 10 دول أخرى في مجلس الأمن الدولي لصالح القرار 2797، الذي جدد مهمة “المينورسو” حتى أكتوبر 2026، واعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق” للنزاع، في تصويت لم تعترضه سوى اختيار الجزائر حاضنة الجبهة الانفصالية بعدم المشاركة في التصويت والامتناع عن تأييد القرار بصفتها طرفا غير عضو، وامتناع كل من روسيا والصين وباكستان كأعضاء في المجلس عن التصويت.

    من جانبها، عبّرت السفيرة البريطانية في تعليل التصويت عن “ترحيب المملكة المتحدة باعتماد هذا القرار”، مؤكدة أن لندن “تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية لحل” النزاع، وفق ما جاء في بلاغ للحكومة البريطانية لاحقا.

    وفي دجنبر 2025، جدد فالكونر تأكيد دعم بلاده لهذا المسار، قبل أن تأتي أحدث محطة في أبريل 2026، حين أعادت وزيرة الخارجية البريطانية الحالية، إيفيت كوبر، التأكيد أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تظل “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية للسلام في الصحراء”، خلال محادثات مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في لندن، في إشارة وتأكيد متواصل لاستمرارية هذا الموقف رغم تغيّر الأسماء على رأس الدبلوماسية البريطانية.

    أرقام قياسية في التبادل التجاري

    بحسب التقرير الإحصائي الرسمي للوزارة البريطانية الوصية، الذي اطلعت عليه “AM+MEDIA”، بلغت الصادرات البريطانية نحو المغرب 2.6 مليار جنيه إسترليني خلال الفصول الأربعة المنتهية في مارس 2026، أي بزيادة قدرها 29.8 في المئة (595 مليون جنيه)، فيما بلغت الواردات البريطانية من المغرب 2.7 مليار جنيه، بارتفاع نسبته 6.3 في المئة (161 مليون جنيه).

    وشكلت السلع 3.8 مليارات جنيه (71.3 في المئة من الإجمالي)، بارتفاع 21.2 في المئة أو 661 مليون جنيه، بينما بلغت مبادلات الخدمات 1.5 مليار جنيه (28.7 في المئة)، بزيادة 6.7 في المئة أو 95 مليون جنيه.

    وتراجع العجز التجاري البريطاني مع المغرب إلى 112 مليون جنيه، مقابل 546 مليون جنيه قبل عام، مع تسجيل فائض بريطاني في تجارة السلع بلغ 160 مليون جنيه (بعد عجز 205 ملايين جنيه سابقا)، وعجز في الخدمات بلغ 272 مليون جنيه (مقابل 341 مليونا سابقا).

    وحل المغرب في المرتبة 47 بين الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة إجمالا (0.3 في المئة من التجارة البريطانية)، والمرتبة 50 كسوق للصادرات البريطانية، والمرتبة 43 كمورّد للسوق البريطانية.

    وخلال 2025 كاملة، بلغت المبادلات الثنائية 4.7 مليارات جنيه (+10.3 في المئة)، محتلا المغرب المرتبة 50 بين الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة.

    النفط الخام يتصدر الصادرات والفواكه والخضر تتصدر الواردات

    هيمن النفط الخام على صادرات السلع البريطانية نحو المغرب بقيمة 630.6 مليون جنيه (32.1 في المئة من الإجمالي)، وهو بند جديد لم تكن له مبادلات مقارنة في الفترة السابقة، تلته خامات المعادن والخردة (315.7 مليون جنيه، +48.1 في المئة)، فمولدات الطاقة الميكانيكية الموجهة للاستهلاك الوسيط (219.4 مليون جنيه)، فالمنتجات النفطية المكررة (197.3 مليون جنيه)، فالسيارات (112.5 مليون جنيه).

    في المقابل، تصدرت الخضر والفواكه المغربية واردات المملكة المتحدة من المغرب بقيمة 644.4 مليون جنيه (35.2 في المئة)، بنمو 13.8 في المئة، تلتها المنتجات الكهربائية المختلفة الموجهة للاستهلاك الوسيط (386.9 مليون جنيه)، فالسيارات (153.2 مليون جنيه)، فالأثاث الموجه للاستهلاك الوسيط (141.8 مليون جنيه)، فالملابس (112.8 مليون جنيه).

    وفي الخدمات، تصدر النقل صادرات بريطانيا نحو المغرب (258 مليون جنيه، 41.3 في المئة)، بينما هيمن السفر على واردات الخدمات من المغرب (717 مليون جنيه، 79.7 في المئة)، وهو بند يعكس أساسا وزن السياحة المغربية الوافدة على بريطانيا.

    شمال غرب إنجلترا يتصدر التصدير نحو المغرب

    على مستوى الجهات البريطانية، تصدر شمال غرب إنجلترا الجهات المصدرة للسلع نحو المغرب في 2025 بقيمة 236 مليون جنيه (18 في المئة)، تلاه جنوب شرق إنجلترا (180 مليون جنيه)، فغرب ميدلاندز (137 مليونا)، فويلز (136 مليونا)، فاسكتلندا (121 مليونا)

    أما بالنسبة لاستقبال الواردات المغربية، فتصدر جنوب شرق إنجلترا بقيمة 254 مليون جنيه، تلاه غرب ميدلاندز (190 مليونا)، فشرق إنجلترا (166 مليونا)، فلندن (161 مليونا). ويؤكد نحو 2100 شركة بريطانية خاضعة لضريبة القيمة المضافة صدّرت سلعا إلى المغرب في 2025، مقابل نحو 900 شركة استوردت سلعا منه، أن قاعدة الشركات المنخرطة في هذه التجارة لا تزال محدودة نسبيا قياسا بحجم الاقتصاد البريطاني.

    حصة بريطانيا في السوق المغربية ترتفع إلى 2.8%

    بلغت حصة المملكة المتحدة من إجمالي السلع والخدمات المستوردة من المغرب 2.8 في المئة في 2024، بارتفاع 0.4 نقطة مقارنة بـ2023، في أعلى مستوى تسجله منذ 2017 (3 في المئة)، بعد سلسلة تذبذبات هبطت بها إلى 2.1 في المئة سنتي 2020 و2021.

    في الاتجاه المعاكس، تراجع رصيد الاستثمارات المغربية المباشرة في بريطانيا إلى 9 ملايين جنيه فقط في نهاية 2024 (-30.8 في المئة)، أي أقل من 0.1 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية الداخلة إلى المملكة المتحدة، بينما ظل رصيد الاستثمارات البريطانية في المغرب غير معلن لأسباب تتعلق بسرية البيانات وهو ما يعكس بحسب الوزارة نفسها، محدودية تدفقات الاستثمار المباشر رغم اتساع التبادل التجاري.

    وبحسب بيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لسنة 2022، لم تمثل القيمة المضافة البريطانية سوى 0.7 في المئة من إجمالي القيمة المضافة في الصادرات المغربية، في حين احتلت إسبانيا (3.3 في المئة) والسعودية (3.2 في المئة) وفرنسا (3.1 في المئة) صدارة مصادر القيمة المضافة الأجنبية في هذه الصادرات، ما يؤكد أن حجم العلاقة التجارية لا يزال متواضعا مقارنة بشركاء المغرب الأوروبيين والخليجيين التقليديين.

    اقتصاد مغربي في مسار تسارع بحسب صندوق النقد

    وفق آخر تقديرات صندوق النقد الدولي المدرجة في البطاقة البريطانية، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4.9 في المئة في 2026 و4.5 في المئة في 2027، بعد 3.7 في المئة في 2023 و3.8 في المئة في 2024 و4.9 في المئة في 2025.

     ومن المرتقب أن يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية من 146.1 مليار دولار في 2023 إلى 194.3 مليار دولار في 2026، ثم إلى 283.4 مليار دولار بحلول 2031، مع ارتفاع نصيب الفرد من 3900 دولار إلى 7200 دولار خلال الفترة نفسها.

    وبلغت صادرات المغرب من السلع والخدمات 67 مليار دولار في 2024 (مقابل 61.7 مليار في 2023)، والواردات 81 مليار دولار، ليصل العجز التجاري إلى 14 مليار دولار، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، أما رصيد الاستثمارات الأجنبية في المغرب فقد قُدر بـ80.8 مليار دولار في 2025 (مقابل 64.5 مليار في 2024).

  • السيادة من بوابة الاقتصاد.. رؤية ملكية لمواجهة التحولات الدولية

    السيادة من بوابة الاقتصاد.. رؤية ملكية لمواجهة التحولات الدولية

    إذا كان مفهوم القوة في الدولة يقاس تقليديا بقدراتها العسكرية أو الأمنية، فإن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش قدم تصورا مختلفا لهذا المفهوم، يقوم على اعتبار الاقتصاد والإنتاج والابتكار والتكنولوجيا مكونات أساسية للأمن الوطني.

    ولم يتناول الخطاب الملكي السامي النمو والاستثمار والصناعة باعتبارها ملفات اقتصادية منفصلة، بل وضعها ضمن رؤية متكاملة تجعل من بناء اقتصاد قوي الطريق الأنجع لتعزيز السيادة الوطنية.

    وحرص جلالة الملك على رسم الإطار الذي ستندرج فيه مختلف الرسائل الاقتصادية، عندما أكد أن المغرب يعيش “مرحلة فاصلة في المسار التنموي”، وأن المطلوب هو أن “تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط”، قبل أن يضع الاستقرار في صلب معادلة التنمية بقوله إن “الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن”، مضيفا أن “الاستقرار اليوم هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب”.

    وفي قراءة لمضامين الخطاب، يرى الخبير الاقتصادي خالد حمص أن الرسالة الأساسية تتمثل في انتقال مفهوم السيادة من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي، موضحا أن “الربط الذي أقامه جلالة الملك بين النمو الاقتصادي والسيادة الوطنية يعكس تطورا مهما في الرؤية الاستراتيجية للدولة. فمفهوم السيادة لم يعد يقتصر على أبعاده السياسية أو العسكرية، بل أصبح يشمل أيضا السيادة الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية والطاقية والمالية. فالدول التي لا تمتلك قاعدة إنتاجية قوية، ولا تتحكم في التكنولوجيا وسلاسل القيمة، تبقى أكثر عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية”.

    الأمن الاقتصادي يبدأ من الاستقرار

    قبل أن يستعرض المؤشرات الاقتصادية، توقف الخطاب الملكي السامي عند عنصر اعتبره الأساس الذي تُبنى عليه باقي الإنجازات، وهو الأمن والاستقرار، مشددا على أن المغرب يظل متميزا بما ينعم به من أمن واستقرار، وبما تتميز به مؤسسات الدولة من “نجاعة وفعالية”، مؤكدا أن هذا ما مكّن المملكة من رفع التحديات، وإنجاح التظاهرات الدولية، والتعامل الاستباقي مع الكوارث الطبيعية، كما حدث خلال الفيضانات التي عرفتها مناطق الغرب والشمال.

    ويظهر التحول في مفهوم القوة بشكل أوضح في الطريقة التي رتب بها الخطاب مختلف القطاعات، فقد بدأ بالإشارة إلى الموسم الفلاحي الجيد، معتبرا أنه ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي، قبل أن ينتقل إلى الصناعة والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، ثم الصناعات الغذائية والدوائية، وصولا إلى الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.

    هذا التسلسل يعكس رؤية تعتبر أن أمن الدولة يبدأ من قدرتها على إنتاج غذائها وتأمين مواردها المائية، ثم يتوسع ليشمل امتلاك قاعدة صناعية متقدمة، وصولا إلى التحكم في التكنولوجيا والفضاء الرقمي.

    فالخطاب أكد أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت “ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني”، ليس فقط لأنها تستقطب الاستثمار، بل لأنها تخلق الثروة وفرص الشغل، وترفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

    السيادة الصناعية في مواجهة عالم مضطرب

    ويبرز البعد الاستراتيجي لهذا التوجه في الفقرة التي تناول فيها جلالة الملك التحولات الدولية، حيث قال: “في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورا للتنمية الصناعية”.

    ويعتبر خالد حمص أن هذا التوجه يعكس إدراكا للتحولات العالمية، موضحا أن “الأزمات المتلاحقة، من جائحة كوفيد-19 إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية، كشفت أن الأمن الاقتصادي أصبح جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي”، لافتا إلى أنه “الاستثمار في الصناعة، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والصناعات الدفاعية، والصناعات الدوائية، لم يعد مجرد خيار تنموي، بل أصبح ركيزة لتعزيز استقلالية القرار الوطني”.

    ويترجم الخطاب هذا التوجه بأرقام واضحة، حين يشير إلى أن الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي حوالي 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، بما يعكس سعيا لتقليص التبعية للخارج وتعزيز الاكتفاء الاستراتيجي.

    التمويل… الحلقة الحاسمة في التحول

    ورغم استعراض الإنجازات الصناعية، لم يغفل الخطاب الإشارة إلى أن نجاح هذا التحول يبقى رهينا بوجود منظومة تمويل قادرة على مواكبته، لذلك دعا جلالة الملك القطاع المالي إلى “إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير”، مع تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.

    ويرى خالد حمص أن هذه الدعوة تعكس انتقالا من مرحلة الاستثمار العمومي إلى مرحلة تعبئة التمويل الوطني لدعم الاقتصاد الإنتاجي، موضحا أن “الانتقال نحو اقتصاد صناعي وابتكاري يتطلب تعبئة موارد مالية كبيرة ومتنوعة، ما يستدعي تعزيز دور الأبناك، وسوق الرساميل، ورأس المال الاستثماري، وتمويل المقاولات الناشئة، مع توجيه التمويل نحو المشاريع ذات القيمة المضافة العالية”.

    ويضيف أن نجاح هذه الرؤية يقتضي أيضا مواصلة إصلاحات موازية تشمل تطوير الرأسمال البشري، وتشجيع البحث العلمي، وتسريع التحول الرقمي، والرفع من نسبة الاندماج الصناعي المحلي، وتحسين مناخ الأعمال، حتى يصبح الاقتصاد الوطني أكثر قدرة على خلق الثروة وفرص الشغل.

    القوة تقاس بقدرة الدولة على الصمود

    ولا يكتفي الخطاب بإبراز التحول الاقتصادي باعتباره هدفا تنمويا داخليا، بل يقدمه أيضا كرافعة للمكانة الدولية للمغرب، فحين يؤكد جلالة الملك أن المملكة أصبحت “فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل”، فإنه يربط بوضوح بين الأداء الاقتصادي والوزن الجيوسياسي، بما يجعل تنامي القدرة الإنتاجية وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني عاملين أساسيين في توسيع هامش الحركة الدبلوماسية للمغرب وترسيخ موقعه كشريك إقليمي ودولي موثوق.

    وفي تقدير الخبير الاقتصادي خالد حمص، فإن نجاح هذا التحول لن يقاس فقط بارتفاع معدلات النمو، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين.

    ويبرز بهذا الصدد أن “نجاح هذه الرؤية لن يُقاس فقط بارتفاع معدلات النمو، وإنما بقدرتها على خلق فرص شغل ذات جودة، ورفع الإنتاجية، وتحسين دخل الأسر، وزيادة الصادرات الصناعية، وتعزيز تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية”، مؤكدا أن “ذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح التحول نحو اقتصاد أكثر تنافسية وأكثر سيادة وأكثر استدامة”.

  • 27 سنة من الرؤية الملكية.. هندسة متعددة الأبعاد للعقيدة الأمنية المغربية في مواجهة الإرهاب

    27 سنة من الرؤية الملكية.. هندسة متعددة الأبعاد للعقيدة الأمنية المغربية في مواجهة الإرهاب

    منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، أصبح ملف مكافحة الإرهاب أحد أبرز أولويات الدولة المغربية، في سياق إقليمي ودولي مطبوع بصعود التنظيمات المتطرفة وتنامي المخاطر العابرة للحدود.

    وجعل المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، جعل من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية وطنية واستراتيجية، بما ينسجم مع خياره الدستوري الثابت في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز مكانته داخل المنظومة المالية الدولية.

    وخلال سبعة وعشرين سنة من الحكم، تبلورت استراتيجية شمولية انتقلت بالمغرب من دولة مهددة إلى دولة مرجعية في إدارة المخاطر الإرهابية، تجمع بين المقاربة الأمنية الصارمة، والإصلاحات القانونية، وإعادة هيكلة الحقل الديني، فضلا عن الانخراط في المبادرات الدولية والإفريقية لمحاربة الإرهاب والتطرف العنيف.

    إعادة بناء المنظومة الأمنية

    وتزامن جزء كبير من عهد جلالة الملك محمد السادس مع حدثين مفصليين، هما هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة، وتفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، اللذان كشفا هشاشة المنظومة الأمنية التقليدية وفرضا مراجعة شاملة للأدوات المعتمدة في مواجهة الإرهاب.

    وساهمت التحولات في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وصعود جماعات مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في دفع المغرب إلى بناء رؤية استباقية تتجاوز الدفاع عن الحدود الوطنية إلى المشاركة النشطة في أمن الفضاء الإقليمي الأوسع.

    وأعاد المغرب هيكلة أجهزته الأمنية والاستخباراتية، وعزز التنسيق بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والأمن الوطني، والدرك الملكي، ما مكّن من الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي.

    وشكّل إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015 نقطة تحول، حيث أصبح هذا الجهاز المتخصص في جرائم الإرهاب أحد الفاعلين الرئيسيين في تفكيك الخلايا المتطرفة وضربها في مهدها قبل المرور إلى التنفيذ.

    وبعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003، اعتمد المغرب قانونا خاصا بمكافحة الإرهاب يجرّم الأعمال الإرهابية ويحدد صور الجريمة عندما تستهدف النظام العام بالتخويف أو العنف، مع تشديد العقوبات على الانضمام للتنظيمات الإرهابية وتمويلها.

    وتطورت هذه الترسانة مع قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي سمحت برفع السرية البنكية في حالات الاشتباه، واعتماد آليات مثل التسليم المراقب، واعتراض الاتصالات، وتوسيع الاختصاص القضائي لملاحقة المتورطين داخل وخارج التراب الوطني.

    البعد الديني والفكري في رؤية الملك 

    وتبنى المغرب، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه، فلسفة أن الأمن لا يتحقق فقط عبر الزجر، بل يتطلب أيضا “أمنا روحيا” يحول دون استغلال الدين في نشر خطاب الكراهية والتكفير، لذلك أعيد تنظيم الحقل الديني عبر المجلس العلمي الأعلى، وتقنين الفتوى، وإعادة هيكلة وزارة الأوقاف.

    كما أطلقت برامج نوعية مثل برنامج “مصالحة” داخل السجون، الذي يقوم على إعادة التأهيل الديني والمواكبة النفسية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ما يعكس محاولة معالجة جذور التطرف، لا الاكتفاء بالعقاب الزجري.

    وفي نونبر الماضي، أعلنت المندوبية العامة لإدارة السجون أنه تم الإفراج عن 288 سجينا مدانين بقضايا “التطرف والإرهاب” منذ إطلاق البرنامج عام 2017.

    وأوضحت أن “198 سجينا استفادوا من برنامج المصالحة بإطلاق سراحهم بعفو ملكي و90 سجينا الباقون انتهت مدة سجنهم”.

    نجاح البرنامج شكل منطلقا حاسما للعبور نحو مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ نهج المأسسة، وفق ما أكده رئيس مركز “مصالحة”، أحمد عبادي، يوليوز الماضي، معلنا إطلاق برنامج خاص بالعائدين من بؤر التوتر.

    وكشف أن البرنامج انطلق بمشاركة الفوج الأول الذي يضم 21 نزيلا، موضحا أن هذا البرنامج يأتي في سياق استكمال وتطوير المقاربة الوطنية في مجال الوقاية من التطرف العنيف وإعادة التأهيل والإدماج، من خلال توفير مواكبة متعددة الأبعاد لهذه الفئة تراعي خصوصيات مساراتها، وتستجيب لحاجياتها النفسية والاجتماعية والفكرية، وتلبي متطلبات إدماجها الآمن والمسؤول داخل حضن المجتمع.

    الأمن الاستباقي بلغة الأرقام

    وأصبح المغرب نموذجا في استباق الخطر الإرهابي محليا وإقليميا ودوليا، إذ كشفت وزارة الداخلية عن تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية منذ سنة 2002 إلى غاية نونبر 2025، من بينها ثلاث خلايا خلال 2025، وخمس خلايا خلال سنة 2024.

     وأظهرت الأبحاث ارتباط عدد من أفراد هذه الخلايا بتنظيمات إرهابية تنشط، على الخصوص، بمنطقة الساحل والصحراء، وهو ما يعكس استمرار التهديدات الإقليمية وتطورها.

    وأكدت الداخلية أن مواجهة هذه الأخطار تقوم على مقاربة استباقية ترتكز على الرصد المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون الدولي، وهو ما مكن المغرب من الإسهام في إحباط عدد من المخططات الإرهابية وتعزيز مكانته كشريك موثوق في جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

    ولم تعد المقاربة الاستباقية تقتصر على المجال الميداني، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث واصلت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، تنزيل الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030. وخلال سنة 2025،

     تم رصد 879 حادثا سيبرانيا، استدعى 109 منها تدخلا مباشرا من مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية، كما خضعت 76 منصة وتطبيقا إلكترونيا لعمليات افتحاص أمني، كشفت عن 20 ثغرة أمنية حرجة تمت معالجتها، إلى جانب مواصلة تأهيل مقدمي خدمات افتحاص أمن نظم المعلومات وخدمات الثقة الرقمية، بما يعزز حماية البنيات التحتية الحيوية ويكرس الأمن السيبراني كركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني.

    تدخلات متعددة الأبعاد

    ولا يمكن اختزال المقاربة الأمنية الاستباقية التي يعتمدها المغرب في مكافحة الإرهاب فقط، إذ باتت تقوم على مواجهة مختلف التهديدات العابرة للحدود، من الجريمة المنظمة والاتجار الدولي بالمخدرات إلى التهريب والجرائم السيبرانية.

    وتعكس حصيلة سنة 2025 توسيع نطاق هذه المقاربة، من خلال تعزيز القدرات الاستخباراتية والتقنية، وتكثيف العمليات الميدانية، وتطوير آليات التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية.

    وتظهر حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني برسم سنة 2025 استمرار تنفيذ الاستراتيجية المرحلية لمكافحة الجريمة للفترة الممتدة بين 2022 و2026، عبر تقوية بنيات مكافحة الجريمة، وتطوير مختبرات الشرطة العلمية والتقنية، وتوسيع استخدام الاستعلام الجنائي والدعم التقني في الأبحاث.

    وأسفرت هذه الجهود عن تفكيك 1112 شبكة إجرامية وتوقيف 1737 شخصا مرتبطين بها، إلى جانب حجز 166 سيارة و112 دراجة نارية استُعملت في أنشطتها.

    وتكتسب هذه الأرقام أهميتها بالنظر إلى الطبيعة المركبة للشبكات الإجرامية، التي تنشط في تهريب المخدرات والأشخاص، واستعمال الوثائق المزورة، وتبييض الأموال، مع امتدادات تتجاوز الحدود الوطنية.

    وفي السياق نفسه، سجلت وحدات الدرك الملكي خلال سنة 2025 ما يناهز 9000 قضية مرتبطة بتهريب المخدرات، مكنت من تفكيك 75 شبكة إجرامية، وحجز أزيد من 500 طن من المخدرات بمختلف أنواعها، إضافة إلى أكثر من 1812 وسيلة نقل استُعملت في الأنشطة الإجرامية.

    المخدرات جسر الجريمة إلى التمويل

    وتشكل المخدرات أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى شبكات الجريمة المنظمة، كما أن عائداتها قد تمر عبر الوسطاء وشركات الواجهة والتحويلات المالية والعقارات قبل إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية.

    وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 106 آلاف و117 قضية مرتبطة بالمخدرات، وأوقفت 134 ألفا و126 شخصا، من بينهم 378 أجنبيا من جنسيات مختلفة.

    وبلغت المحجوزات 170 طنا و796 كيلوغراما من الحشيش ومشتقاته، وطنا و731 كيلوغراما و558 غراما من الكوكايين، و5 كيلوغرامات و996 غراما من الهيروين، فضلا عن مليون و591 ألفا و455 قرصا من المؤثرات العقلية، من بينها 350 ألفا و572 قرصا من مخدر “الإكستازي”.

    ولا تعكس هذه الأرقام فقط حجم سوق المخدرات، بل تظهر الطابع الدولي للشبكات المتورطة فيه، فقد شهدت سنة 2025 تنفيذ ست عمليات للتسليم المراقب بتنسيق مع إسبانيا، أسفرت عن حجز 55 طنا و471 كيلوغراما من مخدر الشيرا وتوقيف 38 شخصا يشتبه في تورطهم في الاتجار الدولي بالمخدرات.

    وتختلف عملية التسليم المراقب عن الحجز التقليدي، إذ تسمح للأجهزة الأمنية بمتابعة الشحنة تحت المراقبة، بهدف الوصول إلى باقي أعضاء الشبكة، وتحديد أماكن التخزين والتوزيع، وكشف الوسطاء والجهات التي تتولى تمويل العملية أو غسل عائداتها.

    وهذا النوع من العمليات يوضح كيف تتحول مكافحة المخدرات إلى مدخل للتعاون الاستخباراتي، لأن الشحنة قد تنطلق من دولة، وتعبر عدة بلدان، ويجري تمويلها من جهة أخرى، بينما توجد وجهتها النهائية داخل السوق الأوروبية.

    ما وراء الهجرة غير النظامية

    غالبا ما يظهر ملف الهجرة غير النظامية في صورة مجموعات من الأشخاص تحاول عبور الحدود أو الوصول إلى السواحل الأوروبية، لكن خلف هذه الصورة توجد شبكات تنظم النقل، وتجمع الأموال، وتوفر أماكن الإيواء، وتزور الوثائق، وتنسق مواعيد العبور.

    وخلال سنة 2025، فككت مصالح الأمن الوطني 105 شبكات تنشط في تنظيم الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وأوقفت 415 منظما ووسيطا، كما حجزت 684 وثيقة سفر مزورة.

    وتمكنت العمليات الأمنية من إحباط محاولات هجرة غير نظامية كان يستعد لتنفيذها 34 ألفا و211 شخصا، من بينهم 7008 أجانب ينتمون إلى جنسيات إفريقية وعربية وآسيوية.

    وتظهر هذه المعطيات أن التعامل الأمني مع الهجرة لم يعد يقتصر على منع العبور، بل يتجه نحو تفكيك الشبكات التي تستفيد ماليا من المهاجرين. وهو تحول مهم، لأن المرشح للهجرة قد يكون ضحية للاستغلال أو الاتجار بالبشر، بينما يوجد المستفيد الحقيقي بعيدا عن نقطة الانطلاق أو العبور.

    كما أن شبكات الهجرة غير النظامية تمتلك خبرة في المسارات السرية وتزوير الوثائق وإخفاء الأشخاص ونقل الأموال. وهذه القدرات قد تجعلها موضع استغلال من شبكات أخرى تعمل في المخدرات أو تهريب المطلوبين، وقد تستفيد منها تنظيمات متطرفة في تحريك عناصر أو توفير دعم لوجستي.

    لذلك، أصبح التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة يشمل تبادل المعلومات حول المنظمين والوسطاء ومسارات الأموال والوثائق المزورة، وليس فقط مراقبة الحدود البحرية والبرية.

    الفضاء الرقمي “نواة” الاهتمام المغربي

    إلى جانب الطرق التقليدية للتهريب والتنقل، أصبح الإنترنت مجالا أساسيا لنشاط الجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية. فمن خلاله يجري الاستقطاب ونشر الدعاية وتبادل التعليمات وجمع الأموال والتنسيق بين أفراد لا يلتقون بالضرورة على أرض الواقع.

    وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 13 ألفا و643 قضية مرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة والابتزاز المعلوماتي، ورصدت 3131 محتوى ذا طبيعة إجرامية، كما بلغ عدد الانتدابات الدولية الموجهة في هذه القضايا 1036 انتدابا، فيما تم توقيف وإحالة 415 شخصا على العدالة.

    ومنذ إطلاق منصة “إبلاغ” في يونيو 2024، توصلت المنصة بـ25 ألفا و876 إشعارا وبلاغا، شملت التشهير والتحريض والتهديد بارتكاب جرائم والابتزاز الجنسي وانتحال الصفة والإشادة بالأعمال الإرهابية.

    وفي الشق المتعلق بالإرهاب والتطرف، أحالت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية خلال سنة 2025 ما مجموعه 21 شخصا على النيابة العامة المختصة، دون احتساب الملفات التي عالجها المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

    وتوزعت الحالات بين ثمانية أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بخلية إرهابية والإعداد لأعمال إرهابية والإشادة بها، وسبعة أشخاص من أجل تحريض الغير على الالتحاق بتنظيمات إرهابية في الخارج، وشخصين للاشتباه في التخطيط لعمل إرهابي ضمن عصابة إجرامية، وأربعة أشخاص من أجل التهديد بارتكاب عمل إرهابي.

    ولا تمثل هذه الأرقام الحصيلة الكاملة لمكافحة الإرهاب في المغرب، لأنها لا تشمل القضايا التي باشرها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكنها تكشف تعدد المراحل التي يمكن أن يتدخل فيها العمل الاستباقي، من الإشادة والتحريض إلى التجنيد والتخطيط.

    الساحل… مصدر للتهديد ومحرك للتحالفات

    تكتسب الشراكات الأمنية التي يبنيها المغرب بتوجيهات ملكية سامية أهميتها في سياق إقليمي مضطرب، فقد ساهمت الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب انسحاب أو تقليص حضور عدد من بعثات حفظ السلام الأممية، في تغيير موازين القوة داخل الساحل.

    وفي المناطق التي تراجع فيها حضور الدولة، وجدت التنظيمات المتطرفة مجالا أوسع للتحرك، وفرض الإتاوات، والسيطرة على بعض الطرق، واستغلال التجارة غير المشروعة، كما أصبحت قادرة على بناء علاقات مع شبكات محلية تنشط في تهريب الوقود والذهب والأسلحة والمخدرات والبشر.

    ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اندماج كامل بين كل الشبكات الإجرامية والجماعات الإرهابية، لكن الطرفين قد يستفيدان من الطرق نفسها والوسطاء أنفسهم، فقد تدفع جماعة مسلحة مقابلا لشبكة تهريب من أجل نقل عناصر أو أسلحة، بينما تستفيد الشبكة الإجرامية من حالة الفراغ الأمني التي تفرضها الجماعة داخل منطقة معينة.

    وهنا يكمن الخطر بالنسبة إلى المغرب ودول جنوب أوروبا، فالمسافة الجغرافية بين مناطق نشاط الجماعات الإرهابية في الساحل وبين السواحل المتوسطية لم تعد حاجزا أمنيا كافيا، خصوصا مع وجود مسارات للتهريب وشبكات دعم لوجستي واتصالات رقمية تسمح بإدارة العمليات عن بعد.

    وأظهرت عملية أمنية مشتركة نفذها المغرب وإسبانيا في 25 مارس 2026 هذا الترابط بين التهديد الإفريقي والخطر الأوروبي، بعدما جرى تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم “داعش”، بعد توقيف عنصرين في طنجة ومشتبه فيه ثالث في جزيرة مايوركا الإسبانية، وأفادت المعطيات المنشورة بأن التحقيقات شملت شبهات تتعلق بتمويل الإرهاب والإعداد لتنفيذ هجوم داخل إسبانيا.

    وتعكس هذه العملية انتقال التعاون المغربي الإسباني إلى مستوى التدخل المتزامن، فبدلا من أن يعمل كل جهاز بصورة منفصلة، أصبحت التحقيقات تدار بطريقة تسمح بتوقيف أعضاء الشبكة في أكثر من دولة وفي توقيت متقارب، بما يقلل من إمكانية فرار المشتبه فيهم أو إتلاف الأدلة.

    كما تعكس العملية تغير طبيعة الخلايا الإرهابية نفسها، إذ لم تعد الخلية بالضرورة مجموعة مجتمعة في مكان واحد، بل قد يكون أعضاؤها موزعين بين مدينتين أو دولتين، ويتولون أدوارا مختلفة تشمل التمويل والاستقطاب والتواصل وجمع المعلومات والتحضير الميداني.

    وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير في القضايا الأمنية محمد شقير، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن ما يميز التجربة المغربية اليوم هو أنها لم تعد تقتصر على تبادل المعلومات الأمنية مع الشركاء الدوليين، بل أصبحت تساهم في إنتاج المعلومة الاستخباراتية التي تُبنى عليها تحقيقات وعمليات دولية معقدة.

    ويؤكد شقير أن الثقة التي تحظى بها الأجهزة المغربية لم تأت من فراغ، وإنما هي نتيجة سنوات من اعتماد المقاربة الاستباقية، وتطوير قدرات الرصد والتحليل، والنجاح في تفكيك الخلايا الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما جعل المغرب ينتقل تدريجيا من دولة تتلقى المعلومات الأمنية إلى شريك يشارك في إنتاج الأمن الإقليمي والدولي.

    من حماية الداخل إلى المساهمة في الأمن الدولي

    وأصبح المغرب، بفضل هذه الاستراتيجية المتعددة الأبعاد، شريكا رئيسيا للعديد من الدول الأوروبية والإفريقية في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات الإرهابية، وساهمت معطياته في إحباط عمليات خارج حدوده الوطنية.

    المغرب اليوم، بفضل الرؤية الملكية، أضحى أيضا مرجعا في المقاربة الشمولية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وهو ما يتجلى في انتخابه لرئاسة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وتجديد الثقة فيه داخل الأطر متعددة الأطراف.

    وبُنيت المقاربة المغربية في مكافحة الإرهاب على فكرة أساسية هي عدم انتظار وصول الخطر إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما يفسر حضور مفهوم “الأمن الاستباقي” في الخطاب الأمني المغربي، باعتباره عملا يبدأ بجمع المعطيات وتحليلها، ويمر برصد مؤشرات التطرف والتجنيد والتمويل، وينتهي بالتدخل قبل الانتقال إلى الفعل الإرهابي.

    لكن قيمة هذه المقاربة لم تعد تقاس فقط بعدد الخلايا التي يجري تفكيكها داخل المغرب، بل أيضا بقدرة الأجهزة المغربية على توفير معلومات تسمح بإحباط عمليات أو تفكيك شبكات خارج التراب الوطني.

    وتكشف قضايا دولية عرضت أمام القضاء الأمريكي أن العلاقة الأمنية بين المغرب والولايات المتحدة تجاوزت مستوى التعاون التقليدي، من خلال تبادل المعلومات أو تقديم الدعم التقني، بل اتخذ طابعا عملياتيا مباشرا.

    ففي مارس الفارط، كشفت وثائق قضائية صادرة عن مكتب المدعي العام للولايات المتحدة للمنطقة الشرقية لولاية فيرجينيا، في قضية تسليح كارتل “خاليسكو الجيل الجديد”، أن الأجهزة الأمنية المغربية نفذت عملية توقيف المتهم الكيني إليشا أوديامبو أسومو بالدار البيضاء، قبل استكمال إجراءات تسليمه إلى الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرتها واشنطن حاسمة في تفكيك الشبكة

     وفي قضية ثانية خاصة بـ”الناركو-إرهاب” متعلقة بأنطوان قسيس، فقد ساهمت المديرية العامة للأمن الوطني في دعم التحقيق الدولي عبر توفير معطيات أمنية واستخباراتية ضمن فريق دولي تقوده إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، ما أسهم في جمع الأدلة التي قادت إلى إدانة المتهم.

    ويعكس هذا التدخل المباشر انتقال المغرب إلى موقع الشريك التنفيذي في العمليات الأمنية الدولية، إذ لم يعد مجرد طرف يقدم المساندة أو يتجاوب مع طلبات التعاون القضائي.

    أيضا، يعد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا نموذجا واضحا لشراكة تتجاوز البعد الثنائي التقليدي نحو تنسيق استراتيجي قائم على الثقة وتبادل الخبرات.

    وأضحت المملكة المغربية، في السياق الأوروبي والمتوسطي، ينظر إليها باعتبارها فاعلا أمنيا لا يكتفي بحماية حدوده ومجاله الداخلي، بل يساهم أيضا في دعم الاستقرار الإقليمي عبر عمل استخباراتي وعملياتي متقدم، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

    هذا التحول يعكس مكانة المغرب كقوة أمنية ذات وزن متزايد في محيطه الجغرافي، وقادرة على بناء شراكات عملية مع الدول الأوروبية الأكثر احتياجا إلى التنسيق الأمني.

    وتبرز أهمية هذا التعاون أيضا في كونه تعاونا وظيفيا وميدانيا، لا يقتصر على اللقاءات الدبلوماسية أو البروتوكولات الرسمية، بل يمتد إلى عمليات مشتركة وتبادل للمعلومات أفضى في أكثر من مناسبة إلى تفكيك شبكات إجرامية عابرة للحدود.

    وفي هذا السياق، يظهر المغرب كشريك أمني موثوق لدى مدريد، بالنظر إلى خبرته في تتبع التهديدات الإرهابية وتفكيك الشبكات الدولية المرتبطة بتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع.

    كما اكتسبت الشراكة الأمنية المغربية بعدا دوليا أوسع مع مساهمة الأجهزة المغربية في تأمين مونديال قطر 2022، حيث تم الاستعانة بالخبرة المغربية ضمن الجهود الأمنية المرتبطة بهذا الحدث العالمي.

    وقد عكس ذلك اعترافا عمليا بالكفاءة التي راكمتها الأجهزة الأمنية المغربية في إدارة المخاطر الكبرى وتأمين التظاهرات ذات الحساسية العالية، وهو ما عزز صورة المغرب كفاعل أمني دولي قادر على تصدير خبرته خارج حدوده.

    تحول عميق في العقيدة الأمنية

    ويرى الخبير محمد شقير، أن الأرقام المسجلة لا تعكس فقط كفاءة في ضبط الجريمة، بل تحولا عميقا في العقيدة الأمنية المغربية، التي انتقلت من التدخل بعد وقوع الجريمة إلى استباقها وضرب بنيتها التنظيمية والمالية واللوجستية قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

    ويوضح، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا التحول هو نتيجة تراكم خبرة استخباراتية امتدت لعقود، بدأت مع مواجهة التنظيمات المتطرفة منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم تعززت بعد هجمات الدار البيضاء سنة 2003، حيث طور المغرب منظومة متكاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي والبحث القضائي والتنسيق الميداني.

    ويؤكد أن التعاون الأمني المغربي الأمريكي دخل مرحلة جديدة بعد هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لم يعد المغرب مجرد متلق للمعلومات، بل أصبح شريكا يساهم في إنتاجها وتحليلها، وشارك في تحقيقات مرتبطة بعناصر متطرفة بفضل الخبرة التي راكمها محققوه في فهم بنية التنظيمات الإرهابية وخطابها وأساليب تجنيدها.

    وأسهمت معلومات قدمتها الأجهزة المغربية في إحباط مخططات إرهابية خارج المملكة، سواء في الولايات المتحدة أو في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما رسخ مصداقية الاستخبارات المغربية لدى شركائها الدوليين.

    ويضيف شقير أن نجاح المقاربة الاستباقية لم يرتبط فقط بقدرات التدخل، وإنما ببناء منظومة استخباراتية متكاملة تضم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والمديرية العامة للدراسات والمستندات، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية، إلى جانب توظيف الوسائل الرقمية والرصد الإلكتروني والعمل الميداني، ما أتاح تكوين بنك معلومات واسع حول تحركات التنظيمات الإرهابية، خصوصا بعد انتقال نشاط تنظيم “داعش” إلى منطقة الساحل.

    ويبرز الخبير ذاته أن هذه المعطيات جعلت المغرب فاعلا أساسيا في الأمن الإقليمي، وأحد أبرز الشركاء الذين تعتمد عليهم الدول الغربية في مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، ما يفسر اتساع نطاق التعاون الأمني وتزايد الإشادة الدولية بالتجربة المغربية وتكريم مسؤوليها الأمنيين.

  • حقوق المرأة والأسرة في “العهد الجديد”.. مسار إصلاحي متجدد

    حقوق المرأة والأسرة في “العهد الجديد”.. مسار إصلاحي متجدد

    منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، عرفت قضايا المرأة والأسرة والحقوق والحريات في المغرب مسارا متدرجا من الإصلاح، جعل من هذه الملفات واحدة من أبرز واجهات التحول الاجتماعي والتشريعي الذي عرفته المملكة خلال أكثر من ربع قرن.

    وإذا كان إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 قد شكل نقطة انطلاق أساسية في إعادة ترتيب العلاقات داخل الأسرة المغربية، فإن المسار لم يتوقف عند حدود النص القانوني، بل امتد إلى تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية، وتطوير الإطار المؤسساتي والقانوني لمحاربة العنف والتمييز، ثم فتح نقاش أوسع حول الحريات الفردية وحدود تدخل القانون في الحياة الخاصة.

    وبعد أكثر من عقدين على إصلاح مدونة الأسرة، عاد الملف إلى الواجهة من جديد، في سياق تغيرات عميقة مست بنية الأسرة المغربية وأدوار أفرادها، وفرضت مراجعة عدد من المقتضيات التي أظهرت الممارسة العملية محدوديتها أو الحاجة إلى تطويرها، لينتقل المسار من إصلاح أول سنة 2004 إلى مراجعة جديدة تسعى إلى مواكبة تحولات المجتمع.

    مدونة 2004 ورهانات النهوض بأوضاع المرأة

    شكل تعزيز تماسك الأسرة واستقرارها أحد الأبعاد الأساسية في مسار الإصلاح الذي عرفه المغرب خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، باعتبار الأسرة نواة المجتمع وفضاء أساسيا لترسيخ قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي؛ وهو توجه عبر عنه جلالة الملك في عدد من خطاباته، من خلال الربط بين بناء المجتمع الديمقراطي والحداثي وبين النهوض بالمؤسسات الاجتماعية، وفي مقدمتها الأسرة.

    وفي خطاب عيد العرش لسنة 2003، أكد جلالة الملك أن “كلنا مسؤولون فرادى وجماعات سلطات وهيآت أحزابا وجمعيات عن البناء الجماعي لمجتمعنا الديمقراطي الحداثي الذي هو مشروع الأمة بأسرها”.

    وانطلاقا من هذا التوجه، شكل إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 إحدى أبرز محطات إعادة تنظيم العلاقات الأسرية، قبل أن يتطور المسار ليشمل تعزيز حماية الأطفال وضمان حقوقهم، وتطوير آليات معالجة النزاعات الأسرية، ومواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت في بنية الأسرة وأدوار أفرادها.

    ويعكس هذا التوجه تصورا للأسرة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمع، وهو ما جعل إصلاح مدونة الأسرة جزءا من مسار أوسع يروم تعزيز تماسكها ومواكبة التحولات التي عرفتها، إلى جانب تقوية حماية الأطفال وضمان حقوقهم، وتطوير آليات معالجة النزاعات الأسرية.

    وفي الثالث من فبراير 2004، صدر الظهير الشريف رقم 1.04.22 القاضي بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، لتحل المدونة الجديدة محل مدونة الأحوال الشخصية التي كانت سارية منذ سنة 1958.

    ولم يكن تغيير الاسم مجرد تحول شكلي، بل عكس انتقالا في تصور المشرع من تنظيم “الأحوال الشخصية” إلى تنظيم العلاقات الأسرية باعتبار الأسرة مؤسسة قائمة على حقوق وواجبات متبادلة بين مختلف أفرادها.

    وتميزت المدونة الجديدة بصياغة قانونية أكثر وضوحا ودقة، بما ينسجم مع طبيعة النصوص التشريعية ويسهل فهم مقتضياتها وتطبيقها، ويحد من الحاجة إلى تأويلات معقدة.

    وقد حملت مدونة 2004 مجموعة من المقتضيات التي عززت حماية حقوق المرأة والطفل، من خلال تكريس أهلية المرأة الراشدة في الزواج، وتشديد الرقابة القضائية على تعدد الزوجات، وتوسيع إمكانيات التطليق، وتعزيز حقوق الأطفال ومراعاة مصلحتهم في الحضانة، إلى جانب تنظيم تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج ورفع سن الزواج إلى 18 سنة مع الإبقاء على الاستثناء القضائي، وأقرت آليات أكثر تنظيما لإنهاء العلاقة الزوجية.

    وتؤكد قلوب فيطح، رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أنه “فمنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، جعل قضية المرأة المغربية في صلب الإصلاحات الكبرى التي شهدتها المملكة، وقد حملت السنوات السبع والعشرون الماضية إصلاحات نوعية شكّلت محطات فارقة في مسار النهوض بأوضاع المرأة المغربية، من خلال أوراش دستورية وتشريعية ومؤسساتية عززت مكانتها، ووسعت آفاق مشاركتها في الحياة العامة، ورسّخت حضورها كشريك أساسي في بناء الوطن”.

    وشددت على أن إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 كان محطة مفصلية في هذا المسار، إذ شكَّل صدورها آنذاك ثورة تشريعية مجتمعية هادئة أنصفت المرأة المغربية من مظاهر الحيف التي كانت تطبع بعض الممارسات القانونية، وعزَّزت الحماية القانونية للأسرة، وكرَّست لمبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير شؤونها بما يحقق التوازن ويحفظ كرامة جميع أفرادها.

    دعوة ملكية جديدة لمراجعة المدونة

    غير أن مرور أكثر من عقدين على اعتماد المدونة، وما فرضه التطبيق الفعلي من تحديات وتحولات اجتماعية واقتصادية، أعاد النقاش حول مدى قدرة مقتضياتها على مواكبة الواقع الأسري الجديد.

    وامتدادا لمسار الإصلاح لسنة 2004، دعا جلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى الثالثة والعشرين لعيد العرش سنة 2022، إلى ضرورة تقييم مقتضيات مدونة الأسرة ومدى ملاءمتها للتحولات التي عرفها المجتمع المغربي، مشددا على أن المدونة، رغم ما شكلته من قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية؛ لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها.

    وذكر جلالته في الخطاب بالمكانة التي خص بها المرأة والنهوض بأوضاعها وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها، منذ اعتلائه العرش، مشيرا أن الإصلاحات التي قام بها “لا تتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية. وفي مغرب اليوم، لا يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها”.

    وفي 26 شتنبر 2023، دعا جلالة الملك محمد السادس، في رسالة وجهها إلى رئيس الحكومة، إلى إعادة النظر في بعض مضامين مدونة الأسرة، حيث قال: “ورغم ما جسدته من مميزات، وما أفرزته من دينامية تغيير إيجابي، من خلال منظورها للمساواة والتوازن الأسري، وما أتاحته من تقدم اجتماعي كبير، فإن مدونة الأسرة أضحت اليوم في حاجة إلى إعادة النظر بهدف تجاوز بعض العيوب والاختلالات، التي ظهرت عند تطبيقها القضائي، ومواءمة مقتضياتها مع تطور المجتمع المغربي ومتطلبات التنمية المستدامة، وتأمين انسجامها مع التقدم الحاصل في تشريعنا الوطني”.

    وفي هذا السياق، أكدت نجية تزروت، رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الإصلاحات التي عرفتها المنظومة القانونية خلال العقدين الماضيين ساهمت في تحسين الوضع القانوني للنساء وتعزيز شعورهن بالأمن القانوني مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنة 2004.

    وتشير نجية تزروت بهذا الصدد إلى أن مدونة الأسرة لسنة 2004 شكلت محطة إصلاحية بارزة في مسار تعزيز حقوق النساء بالمغرب، وأسهمت في تحديث الإطار القانوني للأسرة.

    غير أن التجربة العملية، توضح المتحدثة، أظهرت أن ترسيخ المساواة الفعلية يظل رهينا باستكمال الإصلاح القانوني وتوفير شروط حسن تطبيقه، وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء، إلى جانب تغيير العقليات وترسيخ ثقافة المساواة والعدالة داخل الأسرة والمجتمع.

    امتداد لمسار الإصلاح في “العهد الجديد”

    وانسجاما مع التوجيهات الملكية، انطلق سنة 2023 ورش مراجعة مدونة الأسرة، باعتباره امتدادا للإصلاح الذي دشّنته مدونة سنة 2004، ومرحلة جديدة تستهدف تطوير مكتسباتها ومعالجة الإشكالات التي أفرزها التطبيق، بما يواكب التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، ويعزز التوازن داخل الأسرة ويحافظ على تماسكها.

    وحدد جلالة الملك، في رسالته السامية، معالم هذا الورش، بعدما كلف وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة بالإشراف عليه، مع التأكيد على إشراك المجلس العلمي الأعلى، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والقطاع الحكومي المكلف بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إلى جانب الانفتاح على فعاليات المجتمع المدني والباحثين والخبراء، بما يضمن مقاربة تشاركية واسعة.

    وفي هذا السياق، أكدت رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة أن مراجعة مدونة الأسرة تمثل محطة جديدة في مسلسل الإصلاح الذي يقوده جلالة الملك، وتروم تعزيز العدالة والإنصاف داخل الأسرة المغربية، بما يستجيب للتحولات المجتمعية ويحافظ، في الآن ذاته، على المرجعية الدستورية والثوابت الوطنية للمملكة.

    وأثمر هذا الورش حزمة من المقترحات همّت عددا من المقتضيات المرتبطة بالزواج والطلاق، والحضانة والنيابة القانونية عن الأطفال، والنفقة، وتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، فضلا عن مراجعة بعض الأحكام المتعلقة بالوصية والهبة والإرث.

    وتستهدف هذه التعديلات تطوير المكتسبات التي أقرها إصلاح سنة 2004، وتجاوز الإشكالات التي كشفت عنها الممارسة العملية، بما يعزز حماية الأسرة ويكفل حقوق مختلف أفرادها، في انسجام مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

    وفي قراءة حقوقية لهذه المراجعة، ترى جميلة السيوري، المحامية بهيئة الرباط ورئيسة جمعية عدالة، أن المقترحات استجابت لعدد من التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، من خلال مراجعة قواعد الزواج والطلاق والنفقة والحضانة، لكنها تعتبر، في المقابل، أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير لترسيخ تصور يقوم على الشراكة والمساواة والمسؤولية المشتركة داخل الأسرة.

    إصلاح المدونة وتمكين المرأة

    اتخذ مسار تعزيز حقوق المرأة خلال عهد جلالة الملك محمد السادس أبعادا أوسع، ليشمل حضورها في الحياة العامة ومشاركتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي لحمايتها وتعزيز مبدأ المساواة.

    وقد ربط جلالة الملك محمد السادس بين إصلاح مدونة الأسرة وتمكين المرأة، مؤكدا في خطاب عيد العرش لسنة 2022 أن الأمر “لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية”، داعيا في الوقت نفسه إلى تفعيل المؤسسات المعنية بحقوق الأسرة والمرأة وتحيين الآليات والتشريعات الوطنية للنهوض بوضعيتها.

    وقد جاء دستور 2011 ليمنح هذا المسار سندا دستوريا أكثر وضوحا، من خلال تكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والنص على السعي إلى تحقيق المناصفة.

    وتعزز الإطار القانوني لحماية النساء من العنف، خصوصا مع دخول القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء حيز التنفيذ سنة 2018، ويهدف القانون إلى توفير الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف، من خلال أربعة أبعاد، تهدف إلى ضمان الوقاية والحماية وعدم الإفلات من العقاب والتكفل الجيد بالضحايا.

    كما شهد حضور النساء في الحياة السياسية والمؤسساتية تطورا تدريجيا، وأصبح تمثيلهن في المؤسسات المنتخبة ومواقع المسؤولية جزءا من النقاش حول المناصفة والمشاركة في صناعة القرار.

  • التمويل الداخلي.. رهان ملكي لبناء اقتصاد أكثر سيادة واستدامة

    التمويل الداخلي.. رهان ملكي لبناء اقتصاد أكثر سيادة واستدامة

    جعل جلالة الملك محمد السادس، في خطاب عيد العرش بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين، التمويل الداخلي أحد مداخل مواكبة التحول الاقتصادي والاجتماعي، في سياق تتسع فيه الأوراش التنموية وتتزايد حاجيات الاستثمار في المشاريع الكبرى والقطاعات الاستراتيجية.

    ويأتي ذلك في ظل حاجة متنامية إلى موارد مالية مستدامة، قادرة على مواكبة الاستثمار ودعم المقاولات وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد.

    ومن هنا، يبرز دور القطاع المالي في تنويع مصادر التمويل، وتطوير قنوات الولوج إليه، وتعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية، بما يسمح بتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.

    ويضع هذا التوجه المنظومة المالية أمام تحدي مواكبة طموحات اقتصاد يتجه نحو توسيع استثماراته وتعزيز قدراته الإنتاجية، عبر بناء قدرة تمويلية داخلية أكثر استدامة، تدعم الاستثمار والنمو وتواكب مسار ”المغرب الصاعد”.

    التمويل الداخلي.. بناء قدرة الاقتصاد الوطني على الاستثمار

    وضع الخطاب الملكي التمويل الداخلي في صلب المرحلة المقبلة، باعتباره أحد الشروط الأساسية لمواكبة التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يعرفه المغرب، نظرا لأن حجم الأوراش والاستثمارات التي يراهن عليها الاقتصاد الوطني يفرض تعبئة موارد مالية كبيرة ومستدامة، بما يجعل تعزيز القدرة على تمويل الاستثمار من داخل الاقتصاد عاملا أساسيا في مواصلة الدينامية التنموية.

    ويعكس الخطاب بوضوح حجم هذا الرهان، حيث قال جلالة الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة عيد العرش المجيد بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على أسلافه الميامين إن “مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة، يتعين تعبئة الجزء الأكبر منها، عبر التمويل الداخلي”.

    وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي، محمد أمين سامي، أن تأكيد جلالة الملك محمد السادس على “موارد تمويلية غير مسبوقة” يعني أن المغرب يدخل مرحلة تتزامن فيها أوراش مكلفة وطويلة الأجل، على غرار الدولة الاجتماعية، والماء والطاقة، والبنيات التحتية، والتصنيع، والبطاريات والهيدروجين الأخضر، لذلك لم يعد ممكنا تمويل الطموح التنموي بالميزانية العامة والقروض البنكية والاستثمارات الأجنبية وحدها.

    وأضاف سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن التوجه الملكي يؤسس لما يمكن تسميته بالسيادة التمويلية؛ أي جعل الادخار الوطني العمود الفقري للاستثمار، مع بقاء التمويل والاستثمار الأجنبي عنصرين مكملين، لأن التمويل الداخلي يقلل الارتهان لتقلبات الأسواق الخارجية، ويضمن استمرارية المشاريع، ويبقي جزءا أكبر من العوائد داخل الاقتصاد الوطني.

    وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل تسارع الاستثمار المرتبط بالمشاريع الكبرى والبنيات التحتية، إلى جانب الاستثمارات التي تقودها المؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص، فكلما اتسعت الأوراش التنموية، ازدادت الحاجة إلى منظومة مالية قادرة على توفير موارد مستدامة، بما يسمح للاقتصاد الوطني بمواصلة الاستثمار ومواكبة طموحاته التنموية.

    تنويع التمويل وفتح قنوات متعددة الاستثمار

    دعا الخطاب الملكي السامي إلى توسيع مصادر التمويل في صلب مواكبة الاستثمار، من خلال الحث على “إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات، البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير”، بما يتيح للاقتصاد الوطني موارد أكثر تنوعا لتمويل أوراشه ومشاريعه.

    ولا يقتصر هذا الرهان على المشاريع الكبرى، بل يمتد إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها مكونا أساسيا للنسيج الإنتاجي ومصدرا مهما لخلق فرص الشغل، كما أن توسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية يمكن أن يمنح هذه المقاولات قدرة أكبر على الاستثمار والنمو، والانتقال من النشاط الاقتصادي المحدود إلى التوسع والابتكار والتصنيع والولوج إلى الأسواق الخارجية.

    وفي هذا السياق، أشار محمد أمين سامي إلى أن الترجمة العملية لهذا التوجه تقتضي الانتقال “من التمويل البنكي وحده إلى تمويل متعدد القنوات، ومن القرض القائم على الضمان العقاري إلى تمويل المشروع وجدواه؛ ومن توجيه الادخار نحو الأصول الآمنة إلى الاستثمار المنتج؛ ومن تمويل المجموعات الكبرى فقط إلى تمويل المقاولات الصغيرة والموردين؛ ومن قياس حجم التمويل إلى قياس أثره في التشغيل والتصدير والقيمة المضافة”.

    وأضاف الخبير الاقتصادي ذاته أن ذلك يستدعي تطوير صناديق الاستثمار ورأسمال المخاطر، والسندات الصناعية والخضراء، وتمويل المشاريع، والتوريق، والإيجار المالي، وتمويل الفواتير، والتمويل التشاركي المنظم، مع تسهيل ولوج المقاولات المتوسطة إلى البورصة.

    وأوضح المتحدث ذاته، أن الدولة ستعمل على دور مخفض المخاطر، عبر الضمان والمشاركة الأولية، حتى تجذب الرساميل الخاصة دون أن تحل محلها، مع ربط التمويل بمؤشرات واضحة، والتي تشمل الادماج المحلي، والابتكار، والتشغيل، والتصدير، وخفض الكربون، والانتشار الترابي.

    ويرى الخبير الاقتصادي أن نجاح هذا التحول، سيجعل المغرب ينتقل من اقتصاد يجذب الرساميل الأجنبية إلى اقتصاد يدخل شريكا برأسماله الوطني في مشاريعه الكبرى، موضحا، أن المعركة المقبلة لا تتعلق بتعبئة المال وحسب، بل بتوجيه المال نحو الاقتصاد الذي نريد بناءه.

    المغرب الصاعد.. آفاق تمويلية جديدة

    يفرض طموح المغرب نحو ترسيخ موقعه كاقتصاد صاعد، توسيع قدرته على تمويل استثماراته ومشاريعه من خلال منظومة مالية أكثر تطورا وابتكارا، لأن مواكبة التحولات الاقتصادية والصناعية وتوسيع الاستثمار لا ترتبط فقط بجذب الرساميل، وإنما أيضا بقدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة موارده المالية الداخلية وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج، بما يعزز قدرته على تمويل نموه بشكل مستدام.

    وفي هذا السياق، قال جلالته في خطاب العرش: “إننا نتطلع إلى أن ينكب القطاع المالي، على فتح آفاق أوسع وأكثر ابتكارا؛ بما يضمن التعبئة المثلى للادخار الوطني، لاسيما المؤسساتي وإنعاش الأسواق المالية، لتسريع الدينامية التنموية للمغرب الصاعد”.

    وتحمل هذه الدعوة دلالة تتجاوز مجرد زيادة حجم الادخار، إذ يتعلق الأمر بجعل هذه الموارد أكثر ارتباطا بالاقتصاد المنتج، من خلال توفير قنوات مالية قادرة على توجيهها نحو الاستثمار طويل الأجل، وتمويل المشاريع والمقاولات والقطاعات ذات القيمة المضافة، حتى يصبح القطاع المالي حلقة أساسية بين الادخار والاستثمار، وبين الموارد المالية المتاحة داخل الاقتصاد وحاجياته التنموية.

    وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي أن التوجيه الملكي يفتح المجال أمام تحويل الادخار إلى رأسمال منتج وطويل الأجل، معتبرا أن الرسالة الأساسية تتمثل في ضرورة ارتقاء عمق النظام المالي إلى مستوى الطموح الصناعي للمغرب.

    كما أن التركيز على “الادخار المؤسساتي” يفتح المجال أمام دور أكبر للمؤسسات التي تتوفر على موارد مالية طويلة الأجل، بما يسمح بتوجيه جزء منها نحو الاستثمار المنتج والمشاريع ذات الأفق الطويل.

  • معهد السياسات العالمية: استقرار المغرب يعزز جاذبيته الاقتصادية

    معهد السياسات العالمية: استقرار المغرب يعزز جاذبيته الاقتصادية

     أكد رئيس مركز التفكير الأمريكي “معهد السياسات العالمية”، باولو فون شيراتش، أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي للمملكة يشكل “مكسبا رئيسيا” يعزز جاذبية المغرب لدى المستثمرين والشركات العالمية الكبرى، ويساهم في الدينامية التنموية الاقتصادية والاجتماعية.

    وأبرز رئيس “معهد السياسات العالمية”، الذي يوجد مقره بواشنطن، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الخطاب الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة عيد العرش يسلط الضوء، بموضوعية تامة، على الاستقرار السياسي والمؤسساتي للمملكة باعتباره “المكسب الإستراتيجي الرئيسي”، في ظل سياق إقليمي ودولي يتسم باضطرابات وتوترات متعددة.

    وأوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ”جامعة باي أتلانتيك” في واشنطن، أن هذا الاستقرار يمثل في السياق الراهن “مكسبا وطنيا أساسيا”، يجعل من المملكة المغربية “ملاذا للهدوء والسلام والحكمة”.

    وأضاف أن المغرب، تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك، نجح في ترسيخ مناخ أعمال ملائم، وتمكن من التموقع كوجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية.

    وفي هذا الصدد، أبرز الخبير الأمريكي التقدم الذي حققته المملكة على الصعيد الاقتصادي، مشيرا، على الخصوص، إلى الأداء المحقق في قطاعات إستراتيجية مثل صناعة السيارات والطيران، بالإضافة إلى التطور المسجل في مجالات البنية التحتية، والسياحة، والطاقات المتجددة، والصناعات التحويلية.