الكاتب: خولة اجعيفري

  • اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    أعلنت كولومبيا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، في تحول جديد في موقف بوغوتا من النزاع، تزامن مع إعلان البلدين رغبتهما في فتح مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية والاتجاه نحو بناء شراكة استراتيجية تشمل إلى جانب التنسيق السياسي التعاون الاقتصادي بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وجرى الإعلان عن الموقف الكولومبي الجديد، أمس الجمعة، خلال مباحثات جمعت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب رئيس جمهورية كولومبيا، خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية الكولومبي، عمر بولا إسكوبار.

    وخلال اللقاء، أعلن وزير العلاقات الخارجية الكولومبي بشكل صريح أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يؤشر على تغيير في تعاطي بوغوتا مع قضية الصحراء مقارنة بالموقف الذي تبنته خلال المرحلة السابقة.

    ولا يقتصر التحول المعلن على صيغة سياسية جديدة بشأن النزاع، إذ يرتبط أيضا، وفق التصريحات الصادرة عقب المباحثات، بإرادة مشتركة لإعادة ترتيب العلاقات بين الرباط وبوغوتا وفتح مجالات أوسع للتعاون بين البلدين.

    سحب الاعتراف بـ”البوليساريو

    ووصف ناصر بوريطة القرار الكولومبي بـ”التاريخي”، موضحا أنه يجمع بين سحب بوغوتا اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة والاعتراف بسيادة المملكة المغربية على صحرائها.

    وأكد وزير الخارجية أن هذا التحول من شأنه إعطاء “دفعة قوية” للعلاقات المغربية الكولومبية، في وقت يتجه فيه البلدان، بحسب ما أعلن عنه خلال اللقاء، إلى تجاوز مستوى العلاقات التقليدية نحو بناء شراكة أوسع.

    ويمثل سحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة جزءا أساسيا من التحول الذي أعلنت عنه كولومبيا، بالنظر إلى أن موقف بوغوتا من هذا الكيان شكل خلال السنوات الماضية أحد الملفات المؤثرة في علاقاتها مع الرباط.

    ويأتي الموقف الجديد ليعيد رسم الإطار السياسي الذي ستتحرك داخله العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة، خصوصا بعد اقترانه باعتراف صريح من الحكومة الكولومبية بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

    بداية جديدة” بين الرباط وبوغوتا

    التحول لم يقتصر على ملف الصحراء. فقد اعتبر نائب الرئيس الكولومبي، خوسيه مانويل ريستريبو، أن الإعلان يمثل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، في تعبير يعكس رغبة بوغوتا في إحداث تحول أوسع في مستوى التعاون مع الرباط.

    وذهب المسؤول الكولومبي أبعد من ذلك، حين وصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، معلنا رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    وتضع هذه التصريحات العلاقات المغربية الكولومبية أمام مرحلة مختلفة، تقوم، وفق ما أعلنه مسؤولو البلدين، على توسيع التعاون وعدم حصره في الجانب السياسي والدبلوماسي.

    ويكتسب هذا التوجه أهمية بالنظر إلى الموقع الذي يحتله البلدان داخل محيطيهما الإقليميين، إذ ينظر الطرفان إلى المغرب وكولومبيا باعتبارهما بوابتين محتملتين لتعزيز المبادلات الاقتصادية والاستثمارات بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    المغرب وكولومبيا.. منصتان اقتصاديتان بين قارتين

    البعد الاقتصادي حضر بدوره في المباحثات، إذ أكد بوريطة أن المغرب وكولومبيا قادران على التحول إلى منصتين اقتصاديتين متبادلتين، بالاستفادة من الموقع الذي يحتله كل بلد داخل محيطه الجغرافي.

    ويقوم هذا التصور على إمكانية استفادة كولومبيا من موقع المغرب وعلاقاته وشبكة حضوره داخل القارة الإفريقية، مقابل استفادة المملكة من الموقع الكولومبي داخل أمريكا اللاتينية.

    ويشير هذا الطرح إلى أن إعادة بناء العلاقات بين البلدين يراد لها أن تتجاوز التفاهم السياسي بشأن قضية الصحراء، نحو تعاون اقتصادي يمكن أن يربط الفضاءين الإفريقي والأمريكي اللاتيني.

    ويتيح الموقع الجغرافي للمغرب، إلى جانب علاقاته الاقتصادية مع عدد من البلدان الإفريقية، إمكانية تطوير تعاون ثلاثي أو متعدد الأطراف، فيما تمثل كولومبيا سوقا مهمة في أمريكا اللاتينية يمكن أن تفتح بدورها مجالات إضافية أمام المبادلات والشراكات.

    غير أن طبيعة المشاريع والقطاعات التي يمكن أن تشملها الشراكة الاستراتيجية الجديدة لم تحدد، وفق المعطيات الواردة في الإعلان، ما يجعل تفاصيل ترجمة هذا التقارب إلى اتفاقيات ومشاريع عملية مرتبطة بالمباحثات والخطوات التي سيتخذها البلدان لاحقا.

    رسالة سياسية من كالي

    وجاء إعلان التحول الكولومبي بالتزامن مع وجود ناصر بوريطة في مدينة كالي، حيث يمثل الملك محمد السادس في حفل تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا.

    وأكد بوريطة أن مشاركته في الحفل جاءت بتعليمات سامية جدا من الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن هذا الحضور يعكس إرادة المملكة في مواكبة الدينامية الجديدة التي تشهدها العلاقات بين البلدين.

    وأوضح وزير الخارجية أن المغرب يتطلع إلى الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستوى أعلى، وهو ما يربط الموقف السياسي الجديد لبوغوتا بمسار أوسع لإعادة إطلاق التعاون المغربي الكولومبي.

    وتكتسي المشاركة المغربية في مراسم تنصيب الرئيس الجديد بعدا دبلوماسيا إضافيا بالنظر إلى توقيتها، إذ تتزامن مع إعلان كولومبيا تغيير موقفها من قضية الصحراء وإعلان مسؤوليها رغبتهم في بناء شراكة استراتيجية مع المملكة.

    تحول في الموقف الكولومبي

    ويعيد الإعلان الجديد ملف العلاقات المغربية الكولومبية إلى الواجهة، بعدما عرف موقف بوغوتا من قضية الصحراء تغيرات خلال السنوات الماضية.

    ويمثل الاعتراف المعلن بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مقرونا بسحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة، جوهر التحول الذي أعلن عنه المسؤولون الكولومبيون خلال مباحثاتهم مع بوريطة.

    كما أن الصيغة التي اختارتها بوغوتا للإعلان عن موقفها تتجاوز التعبير عن دعم حل سياسي للنزاع، وفق النص المعلن، إلى التأكيد بشكل مباشر على الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.

    وبالتوازي مع ذلك، حرص الجانب الكولومبي على ربط الموقف الجديد بمستقبل العلاقات الثنائية، من خلال الحديث عن “بداية جديدة”، ووصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، فضلا عن إعلان الرغبة في بناء شراكة استراتيجية بين البلدين.

    وبذلك، يفتح القرار الكولومبي مسارين متوازيين في العلاقات مع الرباط: الأول سياسي يرتبط بالموقف من قضية الصحراء، والثاني ثنائي يرمي إلى توسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي واستثمار موقع البلدين لبناء جسور أكبر بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وستتوقف الأبعاد العملية لهذا التحول على الخطوات التي ستتخذها بوغوتا والرباط خلال المرحلة المقبلة، سواء من خلال الاتفاقيات الثنائية أو المبادلات الاقتصادية والاستثمارات وآليات التعاون التي يمكن أن تترجم إعلان “الشراكة الاستراتيجية” إلى مشاريع ملموسة.

  • قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    دخلت الحكومة مرحلة إعداد آخر مشروع قانون مالية يرتبط بولايتها الحالية بأهداف مالية واضحة، تكمن في خفض عجز الميزانية إلى 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2027، وتقليص الدين العمومي إلى 65 بالمئة، مع إبقاء الإنفاق تحت المراقبة وتشديد التعليمات على نفقات السيارات والسفريات والمقرات الإدارية.

    لكن الأرقام التي يتضمنها منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026 تكشف أن الوصول إلى هذه الأهداف سيمر عبر هامش مالي ضيق، فكلفة التدابير المتخذة لفائدة القطاع العام ستبلغ 49.7 مليار درهم سنة 2027، والدعم الاجتماعي المباشر يتجاوز 26 مليار درهم سنويا، ودعم غاز البوتان والسكر والدقيق يحتاج 13.2 مليار درهم، فيما سترتفع التحويلات إلى الجهات إلى 12 مليار درهم على الأقل سنويا، بالتزامن مع استمرار تمويل أوراش البنية التحتية والنقل والماء وإعادة إعمار الحوز.

    وتزداد معادلة مالية 2027 تعقيدا مع توقع تباطؤ النمو من 5.3 بالمئة في 2026 إلى 4.1 بالمئة في السنة المقبلة، وارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في وقت تتقدم فيه الواردات، التي ارتفعت بـ15.3 بالمئة، بوتيرة أسرع من الصادرات التي زادت بـ9.7 بالمئة.

    وفوق هذه الحسابات الاقتصادية، تحمل الميزانية مفارقة سياسية مرتبطة بتوقيتها، فالانتخابات التشريعية مقررة في 23 شتنبر المقبل، بعد ستة أيام فقط من انتهاء لجان التحكيم الميزانياتي المبرمجة بين 7 و17 من الشهر نفسه، ما يعني أن الحكومة المنتهية ولايتها ستشارك في رسم سقوف ميزانية ستكون الحكومة المنبثقة عن صناديق الاقتراع مطالبة بتنفيذها.

    وبين هدف إعادة العجز إلى 3 بالمئة، والمحافظة على تمويل الدولة الاجتماعية، واستمرار المشاريع الكبرى المرتبطة بالماء والسكك الحديدية والموانئ والمطارات ومونديال 2030، كشف منشور إعداد مشروع قانون المالية 2027 أين توجد هوامش الإنفاق التي تريد الحكومة تقليصها، لكنه ترك رقما أساسيا خارج الوثيقة المنشورة وهو الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة، فضلا عن سقوف نفقات كل قطاع وزاري الواردة في وثيقة مرفقة لم تنشر للعموم.

    نمو بـ5.3 بالمئة.. الفلاحة تدفع الأرقام إلى الأعلى

    تبدأ حسابات مالية 2027 من فرضية نمو أقل من المستوى المتوقع خلال السنة الجارية، فالمنشور يقدر نمو الاقتصاد المغربي بـ5.3 بالمئة في 2026، قبل أن تتراجع الوتيرة إلى 4.1 بالمئة في 2027، مستندا في تقييم مسار الاقتصاد والمالية العمومية إلى تقديرات صندوق النقد الدولي ووكالتي التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” و”موديز”.

    وتقدم الوثيقة توقع 5.3 بالمئة باعتباره مؤشرا على تقليص تبعية الاقتصاد المغربي للتقلبات المناخية والتساقطات المطرية، غير أن تفصيل مكونات النمو يكشف الوزن الكبير للفلاحة في انتعاش السنة الجارية.

    فالقيمة المضافة الفلاحية مرشحة للارتفاع بـ15.1 بالمئة خلال 2026، مقابل نمو بـ4.2 بالمئة للأنشطة غير الفلاحية، على أن تنتقل قيمتها من 111.6 مليار درهم في 2025 إلى 130 مليار درهم هذه السنة.

    ويضع هذا المعطى نسبة النمو المتوقعة في سياقها، خصوصا أن الحكومة نفسها تتوقع تراجعها بـ1.2 نقطة في 2027، من 5.3 إلى 4.1 بالمئة، بالتزامن مع انحسار أثر الانتعاش الفلاحي الذي ميز السنة الجارية.

    المداخيل تتحسن.. لكن النفقات ترتفع بالوتيرة نفسها تقريبا

    وتظهر أرقام تنفيذ الميزانية حتى نهاية يونيو 2026 تحسنا واضحا في موارد الدولة، فقد بلغت المداخيل العادية الصافية 225.2 مليار درهم، مقابل 195.2 مليار درهم في الفترة نفسها من 2025، مسجلة زيادة بـ15.4 بالمئة، فيما تشكل المداخيل الضريبية الجزء الأكبر من هذه الموارد بعدما بلغت 197.8 مليار درهم.

    غير أن النفقات تسير بدورها بوتيرة تصاعدية قريبة من وتيرة نمو المداخيل، فقد ارتفعت النفقات العادية بـ14.7 بالمئة إلى 203.9 مليارات درهم، أي أن الفارق بين وتيرة ارتفاع الموارد والنفقات لا يتجاوز 0.7 نقطة مئوية.

    وضمن هذه النفقات، ارتفعت فوائد الدين من 10.4 إلى 11.4 مليار درهم، بينما قفزت نفقات الاستثمار بـ20.2 بالمئة لتصل إلى 59.8 مليار درهم.

    وسمحت هذه التطورات بخفض عجز الميزانية إلى 24 مليار درهم عند نهاية يونيو، مقابل 30.8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

    ويأتي ذلك ضمن مسار تريد الحكومة مواصلته في 2027، بعدما انتقل العجز، بحسب المنشور، من 7.1 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2020 إلى 3.5 بالمئة في 2025، على أن يستقر عند 3 بالمئة في السنة المقبلة.

    ويشمل الاتجاه نفسه الدين العمومي، المتوقع أن يمثل 66 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، قبل تراجعه إلى 65 بالمئة في 2027 ونحو 63 بالمئة في أفق 2029.

    التجارة الخارجية.. الواردات تركض أسرع من الصادرات

    لكن تحسن مؤشرات المالية العمومية يقابله ضغط أكبر على الحسابات الخارجية، فخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت الصادرات المغربية بـ9.7 بالمئة لتبلغ 260.4 مليار درهم، في حين سجلت الواردات نموا بـ15.3 بالمئة ووصلت إلى 458.8 مليار درهم، مدفوعة أساسا بارتفاع واردات سلع التجهيز والمنتجات الطاقية.

    وتنعكس هذه الفجوة على الحساب الجاري، الذي تتوقع الحكومة ارتفاع عجزه إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، بعدما بلغ 2.4 بالمئة في 2025، فيما استقر معدل تغطية الواردات بالصادرات عند 57 بالمئة خلال السنة الماضية.

    في المقابل، تستفيد الحسابات الخارجية من ثلاثة تدفقات رئيسية للعملة الصعبة، فقد ارتفعت مداخيل السفر بـ15.9 بالمئة إلى 64.9 مليار درهم في نهاية يونيو، وبلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 61.5 مليار درهم، بينما وصل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 26.2 مليار درهم.

    ويضع المنشور ضمن هذه الدينامية الأداء المسجل في القطاع السياحي، بعدما استقبل المغرب 19.8 مليون زائر خلال 2025، وبلغت المداخيل السياحية بالعملة الصعبة 138 مليار درهم.

    49.7 مليار درهم لكلفة تدابير القطاع العام

    الجانب الأكثر ضغطا على حسابات 2027 يرتبط بالنفقات التي سبق الالتزام بها، والتي لا تملك الحكومة هامشا واسعا لتقليصها.

    فالكلفة السنوية للتدابير المعتمدة لفائدة القطاع العام، بما فيها مراجعة الضريبة على الدخل، ستصل إلى 48.3 مليار درهم في نهاية 2026، قبل أن ترتفع إلى 49.7 مليار درهم في 2027.

    وإلى جانب هذه الكلفة، تحتاج الحكومة إلى 13.2 مليار درهم لمواصلة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني، فضلا عن 3.9 مليارات درهم مخصصة للتدابير المتبقية من الحوار الاجتماعي.

    أما الدعم الاجتماعي المباشر، فتبلغ كلفته 2.2 مليار درهم شهريا، بما يتجاوز 26 مليار درهم سنويا.

    ومن المنتظر أن يضاف إلى هذه الالتزامات ارتفاع التحويلات الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من 2027.

    وهكذا، يدخل مشروع قانون المالية المقبل مرحلة الإعداد وجزء مهم من النفقات محدد مسبقا، بينما يفترض تحقيق هدف خفض العجز إلى 3 بالمئة مواصلة التحكم في الإنفاق دون المساس بالالتزامات الاجتماعية والاستثمارية القائمة.

    4 ملايين أسرة تستفيد من الدعم.. ومؤشرات تغيب عن المنشور

    ويخصص المنشور مساحة واسعة لحصيلة الدولة الاجتماعية، إذ يشير إلى استفادة أربعة ملايين أسرة وأكثر من خمسة ملايين طفل من الدعم الاجتماعي المباشر، وإلى صرف 64.2 مليار درهم منذ 2023.

    وفي التأمين الإجباري عن المرض، تفيد الوثيقة بأن نسبة التغطية انتقلت من 42 بالمئة قبل الإصلاح إلى أكثر من 87 بالمئة حاليا.

    غير أن الدقة التي يعتمدها المنشور في عرض عدد المستفيدين وكلفة البرامج الاجتماعية لا تمتد إلى عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، إذ لا يورد معدل البطالة أو التضخم أو مؤشرا للفقر النقدي.

    ويظهر هذا الغياب بشكل أكبر في الجزء المتعلق بالتشغيل، فالوثيقة تحدد ثلاثة محاور لخارطة الطريق، هي “عرض الشغل” و”الطلب على الشغل” و”آليات الوساطة”، إلى جانب إعادة هيكلة البرامج النشيطة للتشغيل، دون تحديد هدف رقمي لإحداث فرص الشغل أو أفق زمني لتحقيقه.

    أما الهدف الكمي الواضح في الجانب التعليمي، فيهم برامج الفرصة الثانية، حيث تستهدف الحكومة رفع عدد المستفيدين من 35 ألفا خلال الدخول المدرسي 2026-2027 إلى 80 ألفا بحلول 2030.

    الحوز.. إعادة الإعمار مستمرة في 2027

    ولا تنتهي الالتزامات عند البرامج الاجتماعية، إذ سيستمر تمويل إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز ضمن حسابات السنة المقبلة.

    وإلى نهاية يونيو 2026، بلغت مدفوعات الدولة المرتبطة بهذا الورش 8.02 مليارات درهم وشملت 2.52 مليار درهم من المساعدات الشهرية، بقيمة 2500 درهم لفائدة 63 ألفا و786 أسرة، إضافة إلى 759.7 مليون درهم لإعادة بناء 5751 مسكنا، بمساعدة قدرها 140 ألف درهم لكل مسكن.

    كما جرى صرف 3.98 مليارات درهم لإعادة تأهيل 52 ألفا و240 مسكنا، بمبلغ 80 ألف درهم لكل مسكن، وخصصت الدولة بالتوازي غلافا بقيمة 6.42 مليارات درهم للأشغال القطاعية، فيما أفردت برنامجا آخر بقيمة 3 مليارات درهم لمواجهة تداعيات الفيضانات التي شهدتها مناطق شمال وغرب المملكة.

    من السيارات إلى الفنادق.. أين تريد الحكومة خفض الإنفاق؟

    أمام محدودية هامش التحرك في النفقات الاجتماعية والالتزامات القائمة، تنتقل تعليمات رئيس الحكومة إلى المصاريف الإدارية التي يمكن التحكم فيها.

    ويطالب المنشور القطاعات الحكومية بأن يكون إحداث المناصب المالية “محددا ومبررا بدقة”، وأن تعمل على ضبط نفقات الماء والكهرباء وكراء السيارات وتهيئة المقرات.

    وتشمل التعليمات أيضا نفقات التنقل داخل المملكة وخارجها، والإقامة في الفنادق والاستقبالات والحفلات والملتقيات، مع ربطها بأهداف “ميثاق مثالية الإدارة”.

    ويذهب المنشور بصورة أكثر مباشرة إلى مطالبة الإدارات بـ”تقليص نفقات اقتناء السيارات وبناء وتهيئة وتجهيز المقرات الإدارية إلى أقصى حد”.

    لكن هذه التعليمات ليست جديدة في قاموس إعداد الميزانية، إذ تعيد إلى حد بعيد مقتضيات سبق تضمينها في مناشير السنوات السابقة، ما يجعل الرهان الفعلي مرتبطا بحجم ما يمكن توفيره من هذه البنود مقارنة بالنفقات الاجتماعية والاستثمارية الكبرى.

    لا اعتمادات لمشاريع لا تستطيع القطاعات تنفيذها

    التشدد يمتد إلى الاستثمار العمومي، لكن من زاوية مختلفة، إذ يطلب المنشور من القطاعات الحكومية بناء مقترحاتها الاستثمارية انطلاقا من قدرتها الحقيقية على التنفيذ، مع مراعاة معدلات ترحيل الاعتمادات من سنة إلى أخرى.

    وتعطى الأولوية للالتزامات الناتجة عن التعليمات الملكية، فضلا عن الاتفاقيات الموقعة مع المانحين الدوليين.

    أما الإعانات الموجهة إلى المؤسسات العمومية، فسيجري صرفها بحسب تقدم المشاريع والسيولة المتوفرة لديها، بما يربط تحويل الموارد بوتيرة الإنجاز الفعلي.

    وتأتي هذه التوجيهات في سياق تعديل عدد من قواعد الصفقات العمومية، إذ ارتفع سقف سندات الطلب من 500 ألف إلى 800 ألف درهم، فيما انتقل سقف المسطرة المبسطة المعفاة من شهادات المراجع من مليون إلى 1.5 مليون درهم.

    168 مليار درهم إضافية في مداخيل الدولة

    وتراهن الحكومة في الجانب الآخر من المعادلة على استمرار تعبئة الموارد الجبائية، بحيث يؤكد المنشور مواصلة توسيع الوعاء الضريبي وترشيد الامتيازات وتشديد مكافحة الغش، مع التأكيد على أن ذلك سيتم “دون زيادة الضغط الضريبي”.

    وتظهر الأرقام التي تقدمها الوثيقة أن المداخيل العادية للدولة انتقلت من 256.2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424.2 مليار درهم في 2025، أي بزيادة بلغت 168 مليار درهم خلال أربع سنوات.

    ويعادل ذلك متوسط نمو سنوي بـ13.5 بالمئة، فيما سجلت المداخيل الضريبية وحدها متوسط زيادة سنوية قدره 12.4 بالمئة خلال الفترة نفسها.

    ويربط المنشور هذا التطور بالقانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، لكنه لا يفصل داخل الزيادة المسجلة بين ما نتج عن توسيع القاعدة الضريبية وما يرتبط بالنمو الاسمي للاقتصاد أو بالتضخم.

    قانون المالية نفسه على طاولة الإصلاح

    ولا تقتصر أجندة 2027 على تدبير الموارد والنفقات، بل تشمل إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يحكم جزءا من المالية العمومية.

    وتعلن الحكومة مراجعة القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، مع توجه نحو توسيع نطاقه ليشمل المؤسسات العمومية المستفيدة من الدعم، إلى جانب اعتماد الميزنة متوسطة المدى ووضع سقف للمداخيل المرصدة.

    كما ستتواصل عملية تنزيل القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، مع إحداث هيئة مركزية مكلفة بعمليات التصفية.

    ويشير المنشور أيضا إلى مشروعي القانونين رقم 047.26 و046.26، المتعلقين بجعل المندوبية السامية للتخطيط هيئة للحكامة وإعادة تنظيم النظام الإحصائي الوطني.

    القطار والمطارات والموانئ والماء.. أوراش بلا غلاف استثماري إجمالي

    رغم التشديد على ضبط النفقات، لا تعني مالية 2027 التراجع عن الأوراش الاستثمارية الكبرى، فالمنشور يسرد مجموعة واسعة من المشاريع التي ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يحدد الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة.

    في السكك الحديدية، يبرز مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة-مراكش على امتداد 430 كيلومترا، إلى جانب شبكات القطارات السريعة الجهوية في ثلاث جهات.

    وفي النقل الجوي، تستهدف الاستراتيجية المعلنة رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر بحلول 2030، فيما يفترض أن يصل أسطول الخطوط الملكية المغربية إلى 200 طائرة في أفق 2037.

    وتضم لائحة الأوراش أيضا ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي.

    وفي قطاع الماء، تستهدف المشاريع بلوغ قدرة لتحلية مياه البحر في حدود 1.7 مليار متر مكعب، ورفع قدرة التخزين إلى 22 مليار متر مكعب بحلول 2030.

    ويضاف إلى كل ذلك جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تقدر الوثيقة كلفتها بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

  • مصدر لـ”AM+ MEDIA”: وهبي لم يقلها ولا يملك تقريرها.. حقيقة “العقوبات القاسية” للعائدين من سبتة

    مصدر لـ”AM+ MEDIA”: وهبي لم يقلها ولا يملك تقريرها.. حقيقة “العقوبات القاسية” للعائدين من سبتة

    نفى مصدر مسؤول لـ”AM+ MEDIA” بشكل قاطع، تصريحا جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي ونسب إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يزعم أن “عقوبات قاسية تنتظر العائدين من سبتة”، مؤكدة أن الوزير لم يدل بأي تصريح بشأن المآل القضائي للأشخاص المرتبطين بالأحداث الأخيرة.

    وقال المصدر، ردا عن استفسار لجريدة “AM+ MEDIA” حول صحة الكلام المنسوب إلى وهبي: “لا غير صحيح مطلقا، لم يصرح ولم يدل بأي تصريح في قضية تخص السلطة القضائية”.

    وبحسب المعطيات التي حصلت عليها المنصة، يوجد وهبي في مهمة خارج المغرب ولم يصدر عنه، بالتزامن مع الأحداث الأخيرة، أي تصريح حول متابعات أو عقوبات في حق العائدين من سبتة.

    النفي الذي حصلت عليه “AM+ MEDIA” يحسم وفق مصدرها، مسألة صدور التصريح عن وهبي، لكن مضمون العبارة المتداولة يطرح مسألة أخرى مفادها: هل يملك وزير العدل أصلا صلاحية إعلان أن عقوبات تنتظر أشخاصا على خلفية ملف هو موضوع أبحاث أو متابعات قضائية؟

    الجواب الذي تقدمه النصوص المنظمة للسلطة القضائية في المغرب واضح في هذا الجانب، إذ ينص الفصل 107 من الدستور على أن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”.

    ويمنع الفصل 109 “كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء”، كما ينص على أن القاضي لا يتلقى بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط، أما الفصل 110 فيقرر أن قضاة الأحكام لا يلزمهم إلا تطبيق القانون، وأن الأحكام القضائية لا تصدر إلا على أساس التطبيق العادل للقانون.

    وهذه المقتضيات تضع حدا فاصلا بين المسؤولية الحكومية عن قطاع العدل وبين العمل القضائي نفسه، فوزير العدل يستطيع الحديث عن التشريع، والدفاع عن مشاريع القوانين التي تعدها الحكومة، ومناقشة السياسة الحكومية في قطاع العدالة، لكنه لا يقرر إدانة شخص ولا يحدد للقاضي العقوبة التي ينبغي إصدارها في ملف بعينه.

    والفصل بين الاختصاصين أصبح أوضح بعد استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، فتنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة يدخلان ضمن اختصاص رئاسة النيابة العامة، فيما يقدم وزير العدل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية تقارير تتعلق بسير وأداء الإدارة القضائية وحصيلة منجزاتها وبرامج عملها ووضعية المهن القضائية، وهذا التوزيع للاختصاصات يظهر صراحة في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

    لذلك فإن العبارة المنسوبة إلى وهبي لا تثير فقط سؤال مصدرها، بل مضمونها نفسه الذي يضع على لسان عضو في السلطة التنفيذية حكما مسبقا بشأن عقوبات يفترض، إذا كانت هناك متابعات أصلا أن تمر عبر مسار قضائي لا يملكه وزير العدل.

    ماذا يترتب قانونا على العبور إلى سبتة؟

    التصريح المنسوب إلى عبد اللطيف وهبي لا يكتفي بالقول إن القانون يعاقب الهجرة غير النظامية، بل يذهب أبعد من ذلك حين يقرر أن “عقوبات قاسية تنتظر العائدين من سبتة”.

    راجعت “AM+ MEDIA” القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير النظامية، وهو النص الذي يتضمن المقتضيات الزجرية المتعلقة بالخروج السري من التراب الوطني.

    ورغم أن الجزء الأول من عنوان القانون يتعلق بالأجانب، فإن الأحكام الخاصة بالهجرة غير النظامية لا تقتصر عليهم، ذلك أن المادة 50 تستخدم عبارة “كل شخص غادر التراب المغربي، بصفة سرية” بينما تشير المادة 52، في الأحكام المتعلقة بتنظيم الهجرة السرية وتسهيلها، صراحة إلى المغاربة والأجانب، وبالتالي، فإن الجنسية المغربية للأشخاص الذين عبروا نحو سبتة لا تخرج الواقعة من حيث المبدأ، من مجال هذا القانون.

    المادة 50 تحدد بدقة الفعل المعاقب عليه، فهي تتعلق بمن يغادر التراب المغربي سرا باستعمال وسيلة احتيالية أثناء اجتياز أحد المراكز الحدودية، أو باستعمال وثائق مزورة أو انتحال اسم، وكذلك بمن يتسلل إلى المغرب أو يغادره عبر منافذ أو أماكن غير مراكز الحدود المعدة لذلك.

    والعقوبة التي وضعها المشرع هي الحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 3000 إلى 10 آلاف درهم أو إحدى العقوبتين فقط، دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأخرى التي قد تنطبق بحسب الوقائع.

    هذا هو النص. أما تطبيقه على أحداث سبتة الأخيرة فمسألة أخرى، فالمادة لا تقول إن كل شخص “عاد من سبتة” يعاقب، ولا تنشئ نظاما عقابيا خاصا بالأحداث الجماعية، بل إنها تحدد فعلا ماديا ينبغي إثباته وهو المغادرة السرية للتراب الوطني في إحدى الصور التي عددها القانون، ومن ثم، لا يمكن الانتقال مباشرة من وجود شخص ضمن المشاركين في أحداث سبتة إلى تقرير إدانته أو العقوبة التي ستصدر في حقه.

    بالنسبة إلى الأشخاص الذين عبروا فعليا إلى سبتة سباحة أو عبر منافذ غير مخصصة للعبور، يمكن من حيث النص أن يثار تطبيق المادة 50 متى ثبتت العناصر التي تتطلبها، لكن القول إنهم سيعاقبون فعلا، أو إن عقوبات “قاسية” مستحيل دون تكييف قانوني للوقائع، وقرار بالمتابعة، ثم حكم قضائي، وهو مسار بعيد عن اختصاصات وزير العدل.

    أما الأشخاص الذين تجمعوا قرب الحدود أو حاولوا العبور من دون أن تثبت مغادرتهم للتراب الوطني، فلا يصح وضعهم آليا في الوضع القانوني نفسه، فالمشرع اختار في المادة 50 عبارة دقيقة هي “غادر التراب المغربي”، ويصبح تحديد المسؤولية في الحالات التي لم تتحقق فيها المغادرة مرتبطا بالنصوص الأخرى التي يمكن أن تنطبق على الوقائع المثبتة، وليس بمجرد المشاركة في التحرك الجماعي.

    العقوبات الأشد في القانون مرتبطة بأفعال أخرى

    ويكشف استكمال قراءة القانون 02.03 عن نقطة أكثر دلالة، فالعقوبات التي يمكن وصفها بالفعل بأنها شديدة لا تتعلق بالصورة البسيطة للمغادرة السرية المنصوص عليها في المادة 50، وإنما تظهر خصوصا عندما ينتقل الأمر إلى تنظيم الهجرة غير المشروعة وتسهيلها والظروف المشددة المرتبطة بذلك.

    المادة 52 تعاقب من ينظم أو يسهل دخول أشخاص إلى التراب المغربي أو خروجهم منه بصفة سرية، سواء كانوا مغاربة أو أجانب، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 50 ألفا إلى 500 ألف درهم.

    ويشدد القانون العقوبة بحسب طبيعة الأفعال والظروف التي ارتكبت فيها، خصوصا عندما تمارس بصورة اعتيادية أو في إطار عصابة أو اتفاق معد لهذا الغرض، حيث تصل العقوبات في بعض الحالات إلى مستويات سجنية أعلى بكثير.

    قبل العقوبة.. من يملك قرار المتابعة؟

    وهنا يصل التحقق إلى الجزء الأكثر إشكالا في التصريح المنسوب إلى وزير العدل، فمصدر “AM+ MEDIA” لم تكتف بنفي العبارة المتداولة، وإنما قالت بوضوح إن وهبي “لم يصرح ولم يدل بأي تصريح في قضية تخص السلطة القضائية”.

    هذه الإشارة تتطابق مع تحول مؤسساتي مهم عرفه نظام العدالة المغربي خلال السنوات الماضية، فوزير العدل لم يعد رئيسا للنيابة العامة ولا يملك سلطة إصدار التعليمات إليها بشأن ممارسة الدعوى العمومية.

    ونقل القانون رقم 33.17 هذه الاختصاصات إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.

    وتنص مادته الثانية صراحة على أن رئيس النيابة العامة “يحل محل وزير العدل” في ممارسة الاختصاصات المتعلقة بالسلطة والإشراف على النيابة العامة وقضاتها، بما في ذلك الإشراف على عملها ومراقبتها في ممارسة صلاحياتها المرتبطة بالدعوى العمومية.

    وهذا التفصيل حاسم بالنسبة إلى الادعاء المتداول، فوزير العدل ليس الجهة التي تقرر أن الأشخاص العائدين من سبتة ستتم متابعتهم، ولا الجهة التي تستطيع إعلان العقوبة التي ستصدر في حقهم، وحتى قرار المتابعة، عندما تتوفر شروطه، ليس حكما بالإدانة.

    الأحكام ليست من اختصاص الحكومة

    الفصل 107من الدستور ينص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، أما الفصل 109 فيمنع “كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء”، وينص على أن القاضي لا يتلقى بشأن مهمته القضائية، أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط.

    وبذلك توجد ثلاث مراحل ينبغي عدم خلطها، القانون يحدد الأفعال والعقوبات الممكنة، والنيابة العامة تمارس اختصاصاتها بشأن الدعوى العمومية، والمحكمة تفصل في المسؤولية وتحكم، عند ثبوتها، بالعقوبة التي يسمح بها القانون.

    وبالتالي، فوزير العدل لا يحل محل أي من هذه الجهات في تقرير نتيجة ملف قضائي بعينه، ويمكنه، بصفته عضوا في الحكومة الحديث عن التشريع الجنائي، وتقديم مشاريع قوانين والدفاع عنها، وشرح السياسة الحكومية في مجال العدالة، لكنه لا يستطيع أن يقرر أن أشخاصا محددين مذنبون أو أن “عقوبات قاسية” تنتظرهم، وهذا ليس فقط خارج اختصاصه التنفيذي، بل إن الدستور يحظر التدخل في القضايا المعروضة على القضاء.

  • الخطاط ينجا لـ”AM+ Media”: “البام” أمام دور حاسم في ملف الصحراء والداخلة مؤهلة لقيادة التحول الاقتصادي نحو إفريقيا

    الخطاط ينجا لـ”AM+ Media”: “البام” أمام دور حاسم في ملف الصحراء والداخلة مؤهلة لقيادة التحول الاقتصادي نحو إفريقيا

    اختار رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا، ألا يفصل انتقاله إلى حزب الأصالة والمعاصرة وعضويته لمكتبه السياسي عن اللحظة التي تعيشها الأقاليم الجنوبية، حيث تتقاطع أوراش تنموية كبرى مع تحولات متقدمة في مسار قضية الصحراء المغربية، مشددا على أن الهدف لم يتغير بقدر ما تغيرت الأداة السياسية التي اختار الاشتغال من داخلها، وهو ما يلخصه بوضوح في قوله “انضمامي للبام ليس تغييرا للمبادئ، وإنما تغييرا للوسيلة”.

    وجاء ذلك، في أول خروج إعلامي له ضمن حوار خص مع “AM+ Media”، حيث شرح ينجا خلفيات هذا الاختيار، وهو يذهب أبعد من مسألة الالتحاق الحزبي ليضعها ضمن رهانات السنوات المقبلة، حيث تحدث عن جهة الداخلة وادي الذهب باعتبارها تنتقل تدريجيا من موقعها في أقصى جنوب المملكة إلى موقع اقتصادي واستراتيجي أكثر تأثيرا، مدفوعة بميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت-الداخلة والمشاريع المائية، وبموقعها داخل التوجه المغربي نحو الساحل وإفريقيا الأطلسية في إطار المبادرة الملكية لتعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

    وفي الشق السياسي، ربط ينجا بين ما يجري على الأرض وما تحقق دبلوماسيا في ملف الصحراء، وهو يصف التنمية والانتصارات الدبلوماسية بـ”المسارين التوأمين”، معتبرا أن السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى الوحدة الترابية.

     ومن هذا المنطلق، شدد رئيس جهة الداخلة وادي الذهب على أن حزب الأصالة والمعاصرة وحضوره في جهتي السمارة والداخلة وادي الذهب، يكفل له أن يلعب دورا حاسما، كبيرا ومهما خلال المرحلة المقبلة بالنظر إلى تشكيلة الحزب القيادية الحالية.

    وقال ينجا، إن اختياره لـ”البام” جاء أيضا بالنظر إلى موقع الحزب ضمن الأحزاب السياسية الكبرى بالمملكة، وما لمسه، بعد تعرفه عن قرب على قياداته ومناضليه، من اشتغال من أجل المصلحة العامة، إلى جانب ما يوفره الحزب من هيئات وآليات تسمح بالتمثيلية والعمل السياسي.

    كما توقف عند الرؤية التي يحملها الحزب للمستقبل وبرنامجه الطموح، معتبرا أن ما اطلع عليه يمثل “خارطة طريق” تلتقي مع مجموعة من الرهانات التي يؤمن بها، وفي مقدمتها مواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها جهة الداخلة وادي الذهب والمشاركة في الدينامية التنموية التي تشهدها المملكة.

    وينظر ينجا إلى العمل داخل الحزب أيضا بمنطق الفريق، إذ شدد على أهمية وجود كفاءات متكاملة قادرة على الاشتغال المشترك، مثمنا انفتاح قيادة حزب الأصالة والمعاصرة على الكفاءات المغربية وإتاحة المجال أمامها للانخراط في العمل السياسي.

    وحدد المتحدث الهدف الأساسي بالنسبة إليه في “المشاركة الفعالة في الدينامية التنموية التي تعرفها المملكة عامة والدفاع عن المقدسات، وخصوصا الوحدة الترابية”، وهو ما يجعل قراره السياسي، وفق تصوره، مرتبطا بشكل مباشر بالتحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية والموقع الذي أصبحت تحتله داخل الرهانات الوطنية الكبرى.

    التنمية والدبلوماسية.. “مساران توأمان

    وفي قراءة للعلاقة بين ما تحقق على الأرض في الأقاليم الجنوبية وبين التحولات التي عرفها ملف الصحراء دبلوماسيا، اعتبر ينجا أنه “لا يمكن فصل الدينامية التنموية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية عن الانتصارات الدبلوماسية الكبيرة التي حققتها الوحدة الترابية”، واصفا المسارين بأنهما “مساران توأمان”.

    فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بمسار اقتصادي يسير منفصلا عن التحرك السياسي والدبلوماسي للمملكة، بل بتراكم متواز بين الاستثمار في الأقاليم الجنوبية وتعزيز موقع المقترح المغربي على المستوى الدولي.

    وأشار في هذا السياق إلى التحولات التي عرفتها مواقف عدد من القوى الدولية المؤثرة، مستحضرا الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا، معتبرا أن تغير المواقف داخل عدد من العواصم الكبرى يعكس التحول الذي عرفه الملف خلال السنوات الأخيرة.

    وتختلف الطبيعة القانونية والسياسية لهذه المواقف، فالولايات المتحدة اعترفت في دجنبر 2020 بالسيادة المغربية على الصحراء، فيما أعلنت فرنسا في يوليوز 2024 أن “حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية”، وأن مخطط الحكم الذاتي يشكل بالنسبة إليها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي، أما بريطانيا فأعلنت سنة 2025 أن مقترح الحكم الذاتي المغربي يشكل “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للحياة والواقعية” للتوصل إلى تسوية دائمة.

    وبالنسبة إلى الخطاط ينجا، فإن أهمية هذه التحولات لا تنفصل عن الوزن الذي تتمتع به بعض هذه الدول داخل مجلس الأمن، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا باعتبارها أعضاء دائمين فيه.

    القرار 2797.. الحكم الذاتي في صلب المفاوضات

    وتوقف ينجا عند قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، معتبرا أنه جسد أحد أبرز التحولات في مسار القضية الوطنية، بالنظر إلى الموقع الذي منحه لمبادرة الحكم الذاتي المغربية داخل العملية السياسية الأممية.

    فالقرار، الذي اعتمد بأحد عشر صوتا مقابل عدم وجود أصوات معارضة وثلاثة امتناعات، مدد ولاية بعثة “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، لكنه ذهب أبعد من التجديد التقني للمهمة الأممية، إذ عبر عن دعم مجلس الأمن لتيسير وإجراء مفاوضات “على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي”، ودعا الأطراف إلى الانخراط في النقاشات دون شروط مسبقة انطلاقا من المقترح ذاته.

    كما نص القرار على أن “الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق”، وهو تطور منح المبادرة المغربية موقعا مركزيا وغير مسبوق داخل الصياغة التفاوضية لمجلس الأمن.

    وينظر ينجا إلى هذا التطور باعتباره “انتصارا كبيرا للمملكة المغربية”، معتبرا أن المشاورات التي أعقبت القرار أصبحت تتحرك داخل إطار سياسي يعطي لمقترح الحكم الذاتي موقعا مركزيا ووحيدا للنزاع المفتعل

    وقال إن القضية الوطنية راكمت خلال السنوات الأخيرة “انتصارات باهرة”، سواء من خلال التحولات في مواقف القوى الكبرى أو اتساع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة، في قراءته، مرحلة حاسمة في مسار الملف.

    السنوات الخمس المقبلة.. مرحلة حاسمة

    وشدد الخطاط ينجا، على أن السنوات المقبلة ستكون ذات أهمية استثنائية بالنسبة إلى ملف الوحدة الترابية، قائلا إن “السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة ستكون حاسمة جدا فيما يتعلق بملف وحدتنا الترابية”.

    وفي هذا السياق، يرى أن حزب الأصالة والمعاصرة، بتشكيلته الحالية، يمكن أن يضطلع بدور مهم، خصوصا بالنظر إلى حضوره السياسي والتنظيمي في جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب.

    ويستند هذا التصور إلى فكرة أن تدبير المرحلة المقبلة لن يكون دبلوماسيا فقط، بل سيتطلب أيضا استمرارا في تنزيل التنمية على الأرض وتعزيز المشاركة السياسية والاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، وهي مجالات يرى ينجا أن الأحزاب ذات الحضور المحلي القوي يمكن أن تسهم فيها.

    وبذلك ربط ينجا الدور السياسي المنتظر للحزب بحضوره الميداني داخل الجهتين، وبقدرته على مواكبة المشاريع المفتوحة فيهما، وفي الوقت نفسه المساهمة في ما يسميه الدفاع عن القضية الوطنية وتنزيل الدبلوماسية الموازية.

    الداخلة.. موقع جيوستراتيجي يتجاوز حدود الجهة

    ويشكل موقع الداخلة وادي الذهب أحد المفاتيح الأساسية لفهم قراءة ينجا للمرحلة المقبلة، إذ يرى أن الجهة تكتسي “أهمية كبيرة جدا نتيجة لمجموعة من العوامل”، يتصدرها موقعها الجيوستراتيجي ومؤهلاتها الاقتصادية والطبيعية.

    فالداخلة وفق تصوره، ليست مجرد إحدى الجهات الجنوبية للمملكة، بل بوابة نحو العمق الإفريقي، بالنظر إلى موقعها على الواجهة الأطلسية وقربها من دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل، فضلا عن وجودها داخل فضاء بحري وتجاري تتزايد أهميته في الحسابات الاقتصادية الدولية.

    ويمنح هذا الموقع بحسب ينجا، الجهة إمكانات كبيرة للتحول إلى قطب اقتصادي صاعد، خصوصا مع تطور البنيات التحتية التي من شأنها ربط الإمكان الجغرافي للداخلة بالأسواق الإفريقية والدولية.

    ويعتبر أن الرؤية الملكية كانت حاضرة منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي وضع تأهيل هذه الجهات وجعلها أكثر قدرة على جذب الاستثمار في صلب التحول التنموي.

    وبالنسبة إلى ينجا، فإن الغاية لم تكن فقط تمويل مشاريع محلية أو تقليص الخصاص في البنيات الأساسية، بل بناء نموذج اقتصادي يسمح للأقاليم الجنوبية بأداء وظيفة أوسع داخل الاقتصاد الوطني، وتحويلها إلى أرضية للتعاون مع إفريقيا جنوب الصحراء.

    من التنمية المحلية إلى المنصة الإفريقية

    وقدم ينجا عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الداخلة باعتبارها إحدى الجهات المرشحة بقوة لأداء هذه الوظيفة، بالنظر إلى المشاريع التي يجري تنزيلها فيها وإلى موقعها الذي يجعل منها صلة وصل طبيعية بين المغرب وعمقه الإفريقي.

    فالمشاريع التي تشهدها الجهة، في قراءته، لا ينبغي التعامل معها كأوراش متفرقة، بل كعناصر ضمن بناء منظومة اقتصادية متكاملة بما فيها ميناء، طريق سريع، ماء، استثمارات، وربط مع الأسواق الإفريقية.

    ومن هنا استحضر رئيس الجهة، المبادرة الملكية الأطلسية التي ترمي إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، باعتبارها واحدة من المشاريع التي يمكن أن تمنح للأقاليم الجنوبية، والداخلة على وجه الخصوص، وظيفة استراتيجية جديدة.

    ويرى ينجا أن فتح الواجهة الأطلسية أمام دول الساحل من شأنه خلق دينامية اقتصادية أوسع تساعد على تحقيق التنمية وتعزيز الاستقرار، في منطقة تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.

    وتضع هذه المبادرة المغرب، وفق القراءة التي يقدمها، في موقع يتجاوز العلاقة الثنائية التقليدية مع دول إفريقيا، نحو بناء فضاء اقتصادي أطلسي مترابط تكون بنياته التحتية أحد مفاتيح نجاحه.

    أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي.. بنية للاندماج

    وفي السياق ذاته، استحضر ينجا مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، باعتباره مشروعا استراتيجيا لا تقتصر انعكاساته على قطاع الطاقة.

    وأشار إلى أن مسار المشروع عبر عدد من الدول على الساحل الأطلسي الإفريقي يمكن أن يفتح إمكانات تنموية كبيرة أمام البلدان المعنية، وأن يعزز فرص الاندماج الاقتصادي بينها.

    وبالنسبة إليه، فإن أهمية المشروع تكمن كذلك في قدرته على ربط مشاريع الطاقة بالبنية الاقتصادية والاجتماعية للدول التي يعبرها، وصولا إلى المغرب وارتباطه المحتمل بالأسواق الأوروبية.

    وهنا أيضا تظهر الداخلة في تصور ينجا كجزء من منظومة أكبر، تتقاطع فيها مصالح المغرب الوطنية مع مشاريعه الإفريقية والأطلسية.

    ميناء الداخلة الأطلسي.. بوابة الاقتصاد الجديد

    ويضع الخطاط ينجا مشروع ميناء الداخلة الأطلسي في مقدمة البنيات التي ستحدد مستقبلا الوظيفة الاقتصادية للجهة.

    وأوضح خلال الحوار، أن نسبة تقدم أشغال المشروع تجاوزت 65 في المائة، معتبرا أن الميناء يمثل أحد المشاريع الكبرى القادرة على رفع جاذبية الداخلة للاستثمار وتعزيز قدرتها على الاندماج في المبادلات التجارية.

    ولا يفصل ينجا المشروع عن بقية التحولات، بل يراه عنصرا ضمن شبكة بنيوية يفترض أن تسمح للداخلة بالانتقال من اقتصاد محلي محدود نسبيا إلى قطب قادر على استقطاب الاستثمار وتقديم خدمات لوجستية للأسواق المحيطة.

    ويكتسب الميناء بعدا إضافيا حين يوضع إلى جانب المشاريع الإفريقية للمملكة، بالنظر إلى دوره الممكن في المبادلات مع دول الساحل والغرب الإفريقي، وإلى قدرته على تحويل الواجهة الأطلسية للجهة إلى أداة اقتصادية فعلية.

    تزنيت-الداخلة.. شريان يربط الشمال بالعمق الإفريقي

    إلى جانب الميناء، توقف ينجا عند الطريق السريع تزنيت-الداخلة، الذي اعتبره “شريانا اقتصاديا مهما” بالنظر إلى دوره في تعزيز الربط بين الأقاليم الجنوبية وبقية مناطق المملكة، ثم امتداد هذا الربط نحو إفريقيا.

    ولا تقتصر أهمية هذا المحور الطرقي بالنسبة إليه على تقليص زمن التنقل أو تحسين حركة الأشخاص، بل تشمل تسهيل حركة البضائع وتحسين شروط الاستثمار وربط المراكز الاقتصادية الجنوبية بالشبكة الوطنية.

    وتعكس هذه البنية الطرقية، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي، انتقال الجهة تدريجيا من موقع جغرافي بعيد عن المراكز الاقتصادية الكبرى إلى منطقة يمكن أن تتموقع داخل شبكة إقليمية للمبادلات.

    الماء والاستثمار.. بناء شروط الجاذبية

    وتطرق ينجا كذلك إلى مشاريع تحلية مياه البحر، واضعا الأمن المائي ضمن عناصر تأهيل الجهة اقتصاديا.

    فبناء قطب اقتصادي قادر على استقطاب الاستثمارات، في منطقة ذات خصائص مناخية ومائية خاصة، يقتضي توفير الموارد الأساسية بالتوازي مع الطرق والموانئ وبقية المرافق.

    وينظر ينجا إلى مجموع هذه الأوراش باعتبارها أساسا لتحول الداخلة إلى جهة واعدة قادرة على لعب دور مزدوج بين رافعة للاقتصاد الجهوي والوطني، وجسر للتعاون الاقتصادي مع دول إفريقيا جنوب الصحراء.

    حين يلتقي السياسي بالتنموي

    وكشف حديث الخطاط ينجا لـAM+ Media عن تصور يجعل من التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة جزءا من قراءة أوسع للمرحلة التي تدخلها الأقاليم الجنوبية.

    فالاختيار السياسي بالنسبة إليه، يأتي في لحظة تتقدم فيها مشاريع البنية التحتية الكبرى بالتوازي مع تحول واضح في البيئة الدبلوماسية المحيطة بملف الصحراء.

    ويختصر ينجا هذه العلاقة بتوصيف التنمية والدبلوماسية بـ”المسارين التوأمين”، بين بناء واقع اقتصادي واجتماعي جديد داخل الأقاليم الجنوبية من جهة، وتعزيز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي داخل المواقف الدولية والمسار الأممي من جهة ثانية.

    وفي هذا المشهد، وضع الداخلة في موقع يتجاوز حدودها الجغرافية، باعتبارها قطبا اقتصاديا صاعدا وبوابة أطلسية على إفريقيا، ومجالا يمكن أن تتقاطع فيه المشاريع الوطنية الكبرى مع المبادرات الموجهة نحو دول الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

    كما وضع حزب الأصالة والمعاصرة، بحضوره في جهتي كلميم السمارة والداخلة وادي الذهب، ضمن الفاعلين الذين يتوقع لهم دورا خلال السنوات المقبلة، سواء في مواكبة التنمية أو في التأطير السياسي والدفاع عن الوحدة الترابية.

  • خطر إيبولا.. وزارة الصحة تكشف لـ”AM+ MEDIA” إجراءات اليقظة وتؤكد: لا شيء يدعو للقلق

    خطر إيبولا.. وزارة الصحة تكشف لـ”AM+ MEDIA” إجراءات اليقظة وتؤكد: لا شيء يدعو للقلق

    علمت جريدة “AM+ MEDIA”، أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تواكب بشكل يومي ومستمر تطورات الوضع الوبائي المرتبط بتفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، من خلال تتبع المعطيات الصادرة عن الجهات الصحية الدولية المختصة، وفي صدد رصد أي مستجدات قد يكون لها أثر على مستوى اليقظة الصحية.

    ووفق ما أكدته مصادر مسؤولة في وزارة الصحة للمنصة، فإنه وإلى حدود إعداد هذا التقرير، لا توجد أي معطيات تستدعي القلق أو تبرر إثارة الهلع، كما لم تسجل أي حالة مؤكدة أو مشكوك فيها، منبهة إلى أن الوضع يخضع لمراقبة دقيقة وفق آليات اليقظة والترصد الصحي المعتمدة، وأن المنظومة الوطنية بما فيها مديرية الأوبئة تتوفر على البروتوكولات والإجراءات الخاصة بالتعامل مع مثل هذه الحالات، وهي جاهزة للتفعيل متى استوجبت التطورات الوبائية ذلك.

    وأضافت المصادر ذاتها، أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تحافظ على تنسيق متواصل مع الهيئات الصحية الدولية المختصة، بما يضمن التوصل الفوري بالمستجدات الوبائية وتحيين تقييم المخاطر بشكل مستمر، بما يسمح باتخاذ التدابير المناسبة في الوقت الملائم إذا اقتضت الظروف ذلك، مؤكدة أن الوضع، في المرحلة الحالية، لا يستدعي أي إجراءات استثنائية، مع استمرار حالة اليقظة والمتابعة الدقيقة لأي تطورات محتملة.

    ويأتي في وقت تشهد فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية أخطر تفشٍ لفيروس إيبولا في تاريخها، وسط تصنيف دولي متصاعد لمستويات الخطورة رصدته منظمة الصحة العالمية.

    خلفية الأزمة الصحية في الكونغو

    يتعلق التفشي الحالي بسلالة “بونديبوغيو” (Bundibugyo virus) من عائلة فيروسات إيبولا، وهي السابع عشرة من نوعها التي تسجلها جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ اكتشاف الفيروس لأول مرة سنة 1976.

    وأعلنت منظمة الصحة العالمية بتاريخ 17 ماي 2026 أن هذا التفشي يشكل “حالة طوارئ صحية عمومية تحظى باهتمام دولي” (PHEIC)، بعد رصد حالات مؤكدة في إقليم إيتوري، وامتداد الفيروس عبر الحدود إلى أوغندا المجاورة.

    ووفق آخر البيانات الرسمية لمنظمة الصحة العالمية، تجاوزت الإصابات المؤكدة مخبريا 3600 حالة، بينها أكثر من 1580 وفاة، فيما سُجل خلال الأسبوع الأخير وحده أكثر من 560 إصابة جديدة، وهو أعلى معدل أسبوعي منذ بداية التفشي.

    ويتجاوز هذا التفشي من حيث عدد الحالات أكبر موجة سابقة عرفتها الكونغو الديمقراطية بين 2018 و2020.

    تصنيف دولي متدرج للخطر

    صعّدت منظمة الصحة العالمية السبت الماضي، تقييمها لمستوى الخطر إلى “مرتفع جدا” على المستوى الوطني داخل الكونغو الديمقراطية، و”مرتفع” على المستوى الجهوي، أي بالنسبة للدول المتقاسمة حدودا مباشرة مع بؤرة التفشي.

    وقالت منظمة الصحة العالمية، إن تفشي فيروس “إيبولا” في وسط إفريقيا لا يزال خارج السيطرة رغم أسابيع من الجهود، بل يزداد سوءا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما اعتبرت أن هذا التفشي يعد الأكبر الذي تشهده البلاد على الإطلاق، موردة أن “هناك حاجة إلى توسيع كبير في أنشطة الاستجابة للسيطرة على تفشي المرض”.

    ويستند هذا التصنيف إلى معطيات علمية دقيقة، أبرزها أن الفيروس لا ينتقل عبر الهواء، بل يتطلب تماسا مباشرا مع سوائل جسدية لمصاب أو جثة، وهو ما يقلص بشكل كبير احتمال انتقاله عبر السفر الجوي العادي أو التماس العرضي.

    ومع ذلك، سُجلت حتى الآن حالات مستوردة خارج منطقة التفشي المباشرة، من بينها حالة لدى طبيب فرنسي عاد من الكونغو الديمقراطية، وهو ما يؤكد أن احتمال تصدير حالات فردية عبر الحركة الجوية الدولية قائم بالفعل، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحول تلك الحالات إلى تفشٍ محلي، بالنظر إلى قدرة الأنظمة الصحية المتقدمة على الكشف والعزل السريعين.

    عوامل الخطر والحماية بالنسبة للمغرب

    يرتبط المغرب بجمهورية الكونغو الديمقراطية عبر خط جوي مباشر تُشغله الخطوط الملكية المغربية بين مطار محمد الخامس ومطار كينشاسا، بمعدل ثلاث رحلات أسبوعيا تقريبا، إضافة إلى كون الدار البيضاء محطة عبور رئيسية تربط عدة عواصم أوروبية وأمريكية بوسط إفريقيا، وهذا الرابط الجوي يجعل احتمال دخول حالة مستوردة واحدة قائما نظريا، لا سيما لدى عمال صحيين أو رجال أعمال عائدين من مناطق التفشي.

    في المقابل، تبقى بؤرة التفشي (أقاليم إيتوري وكيفو الشمالية وكيفو الجنوبية) بعيدة جغرافيا عن كينشاسا نفسها، والمغرب لا يتقاسم حدودا مباشرة مع الكونغو الديمقراطية أو أوغندا، وهما البلدان المصنفان في خانة الخطر الأعلى إقليميا، كما أن منظمة الصحة العالمية لا توصي حاليا بأي قيود على السفر أو التجارة مع الكونغو الديمقراطية، معتمدة بدلا من ذلك آليات الفرز الصحي عند نقاط الخروج الدولية.

    تجربة مغربية سابقة مع التعامل مع مخاطر إيبولا

    ليست هذه المرة الأولى التي يتفاعل فيها المغرب مع مخاطر متعلقة بفيروس إيبولا، فقد اتخذت المملكة سنة 2014، في خضم التفشي في غرب إفريقيا الذي كان الأوسع في تاريخ المرض حينها، قرارا استثنائيا بطلب تأجيل استضافة كأس إفريقيا للأمم 2015، بدافع صحي معلن يتعلق بمخاوف من تدفق مشجعين من مناطق موبوءة، وهو ما أدى إلى نقل البطولة إلى غينيا الاستوائية وفرض عقوبات رياضية على المغرب رفعت لاحقا بعد استئناف قضائي.

    ورغم الانتقادات التي وُجهت لهذا القرار من الناحية العلمية، فإنه يعكس نهجا مغربيا تاريخيا يميل إلى الحيطة القصوى في التعامل مع مخاطر الأوبئة القادمة من القارة الإفريقية.

    ومنذ ذلك التاريخ، عزز المغرب منظومته الوطنية للرصد والاستجابة للطوارئ الصحية، عبر إحداث المركز الوطني لعمليات الاستجابة للطوارئ الصحية العمومية (CNOUSP) التابع لوزارة الصحة، الذي يشتغل بتنسيق مع مراكز جهوية موزعة على مختلف جهات المملكة، ويتولى مهام اليقظة الصحية والإنذار المبكر والتصدي السريع لأي تهديد وبائي، سواء كان محليا أو مستوردا من الخارج.

    وقد خضعت هذه المنظومة لاختبار حقيقي خلال جائحة كوفيد-19، حيث اعتمد المغرب على هذا المركز في تفعيل خطط اليقظة والتصدي منذ المراحل الأولى للجائحة، قبل حتى تصنيفها رسميا كحالة طوارئ دولية.

    كما سبق للمغرب أن اعتمد نفس نمط التواصل المتحفظ الحالي في ملفات وبائية أخرى أحدث، من ذلك رفعه مستوى اليقظة الوبائية بالموانئ والمطارات في ماي 2026 بعد تسجيل بؤرة لفيروس “هانتا” على متن سفينة سياحية، حيث أكدت مصادر صحية في ذلك الوقت أن “المعطيات الحالية لا تشير إلى وجود تهديد وبائي واسع”، وأن المغرب “يتوفر على منظومة وطنية لليقظة الصحية تعمل على تتبع الإنذارات الدولية”، في صياغة مشابهة جدا لما تردده المصادر اليوم بخصوص إيبولا.

  • واشنطن تكرس المغرب شريكا دفاعيا محوريا في شمال إفريقيا بترخيص دفاعي جديد

    واشنطن تكرس المغرب شريكا دفاعيا محوريا في شمال إفريقيا بترخيص دفاعي جديد

    تتجه الشراكة العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة إلى توسيع نطاقها، مع إحالة وزارة الخارجية الأمريكية على مجلس الشيوخ في 29 يوليوز الماضي، مقترح ترخيص دفاعي جديد يشمل المملكة بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار، في أحدث حلقة ضمن مسار رفع قدرات القوات المسلحة الملكية بمنظومات تسليح أمريكية متطورة.

    الترخيص الجديد، يأتي بعد خمس سنوات راكم خلالها المغرب ثماني موافقات أمريكية على مبيعات عسكرية محتملة، بقيمة إجمالية بلغت 2.24 مليار دولار بين 2020 و2025، وشملت منظومات تمتد من صواريخ “Stinger” للدفاع الجوي و”Javelin” المضادة للدروع، إلى راجمات “HIMARS” وصواريخ  “AMRAAM” للقتال الجوي و”Harpoon” المضادة للسفن.

    هذا الملف، المسجل رسميا تحت المرجع “DDTC 25-132″ والذي اطلعت عليه ” AM+ MEDIA”، أُحيل إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الأربعاء الماضي تطبيقا للفصل 36(ج) من قانون مراقبة صادرات الأسلحة الأمريكي “Arms Export Control Act” وهو الإجراء القانوني الذي يفرض على الإدارة الأمريكية إخطار الكونغرس مسبقا بأي عملية تصدير لمواد أو خدمات دفاعية تتجاوز عتبة معينة، حتى يتسنى للمشرعين الاعتراض عليها إن رؤوا ضرورة لذلك خلال مهلة قانونية محددة.

    وتكشف طبيعة هذه المقتنيات أكثر من قيمتها المالية، اتساع مجالات التعاون الدفاعي بين الرباط وواشنطن لتشمل الدفاع الجوي والضربات بعيدة المدى والقتال الجوي وحماية الممرات البحرية والاتصالات التكتيكية، فيما تواصل الإدارة الأمريكية تقديم المغرب، في وثائق صفقات التسليح، بصفته حليفا رئيسيا من خارج حلف شمال الأطلسي وشريكا للاستقرار في شمال إفريقيا.

    تراكم غير مسبوق من صفقات التسلح

    لا يأتي هذا الترخيص من فراغ، فمنذ سنة 2020 يشهد ملف التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن وتيرة تصاعدية لافتة، تُترجم في ثماني عمليات بيع محتملة كبرى وافقت عليها وزارة الخارجية الأمريكية عبر آلية “المبيعات العسكرية الخارجية” بقيمة إجمالية تقترب من 2.24 مليار دولار، وفق البيانات الرسمية المنشورة على موقع وكالة التعاون الأمني والدفاعي الأمريكية، وهي الهيئة المكلفة بالإشراف على مثل هذه الصفقات.

    ففي 15 أبريل 2025، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على البيع المحتمل لما يصل إلى 600 صاروخ أرض-جو محمول من طراز “FIM-92K Stinger Block I”، مع خدمات الدعم والتدريب والصيانة المرتبطة، بقيمة إجمالية بلغت 825 مليون دولار.

    وأُسندت مهمة التوريد إلى شركتين أمريكيتين رئيسيتين، هما “آر تي إكس” (RTX) بمدينة توكسون بولاية أريزونا، و”لوكهيد مارتن” بمدينة سيراكيوز بولاية نيويورك، فيما بررت وكالة “DSCA” هذه الصفقة بكونها تندرج في إطار تعزيز قدرات الدفاع الجوي قريب المدى للقوات المسلحة الملكية، وتحسين التوافق العملياتي بين القوات الملكية المغربية والقوات الأمريكية والحليفة.

    وفي يوم واحد وبالضبط في 20 دجنبر 2024، منحت الإدارة الأمريكية ترخيصين متزامنين للمغرب، الأول يخص 30 صاروخ جو-جو متوسط المدى من طراز “AIM-120C-8 AMRAAM”، مع قسم توجيه إضافي ومعدات اختبار ودعم تقني بقيمة 88.37 مليون دولار، خُصصت أساسا لتسليح طائرات “F-16 Block 72” التي تنتظرها القوات الجوية الملكية المغربية.

    والثاني يتعلق بـ500 قنبلة موجهة صغيرة القطر من طراز “GBU-39B SDB-I”، إضافة إلى قنبلتي تدريب بقيمة 86 مليون دولار، كما تولت شركة “آر تي إكس” تصنيع صواريخ “أمرام”، بينما أُسندت صفقة القنابل الموجهة إلى “بوينغ”.

    وفي 19 مارس 2024، حصلت القوات البرية الملكية على ترخيص بقيمة 260 مليون دولار، يشمل 612 صاروخا مضادا للدروع من طراز “FGM-148F Javelin” (منها 12 صاروخا مخصصا للتجارب المسبقة)، إلى جانب 200 وحدة خفيفة للقيادة والإطلاق.

    وأُنجزت الصفقة عبر الشراكة المشتركة “Javelin Joint Venture” التي تجمع “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس”، بحسب الوثيقة الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية.

    ويُعد هذا الملف من أضخم الصفقات في هذه السلسلة، ففي 11 أبريل 2023 وافقت واشنطن على تزويد المغرب بـ18 منظومة إطلاق صواريخ متعددة من طراز “M142 HIMARS”، مصحوبة بـ40 صاروخا تكتيكيا من طراز “M57 ATACMS” (يصل مداها إلى 300 كلم)، و72 صاروخا موجها من طراز “GMLRS” بنوعيه (الرأس الأحادي والرأس المتشظي)، فضلا عن مركبات ونظم قيادة نيران ومعدات لوجستية مساندة.

    وتُشكل هذه المنظومة نقلة نوعية في قدرة القوات المسلحة الملكية على تنفيذ ضربات دقيقة في العمق، وهي القدرة المعروفة عسكريا بـ”الضرب بعيد المدى” أو “Deep Strike”.

    وفي اليوم نفسه، وافقت وزارة الخارجية على صفقة موازية بقيمة 250 مليون دولار، تشمل 40 سلاحا انزلاقيا موجها من طراز “AGM-154C JSOW”، مخصصة لتسليح طائرات F-16 المغربية، وتهدف بحسب الوثائق الرسمية إلى تعزيز قدرة المغرب على حماية الممرات البحرية الحيوية.

    في 25 غشت 2022، رخّصت الإدارة الأمريكية ببيع منظومة قيادة وتحكم بريّة متطورة للمغرب، تتضمن ست أجهزة اتصال لاسلكي تكتيكية متعددة الوظائف من طراز MIDS-JTRSومحطات آمنة وأجهزة تعمية وبرمجيات مصنّفة، ومعدات ملاحة دقيقة.

    وربطت وكالة “DSCA” هذه الصفقة بتعزيز قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فيما شاركت في تنفيذها أربع شركات كبرى هي “جنرال أتوميكس”، و”لوكهيد مارتن”، و”رايثيون”، و”ليوناردو”.

    وتعود أقدم حلقة في هذه السلسلة إلى 14 أبريل 2020، حين وافقت واشنطن على بيع عشرة صواريخ مضادة للسفن تُطلق جوا من طراز “AGM-84L Harpoon Block II”، بقيمة 62 مليون دولار عبر شركة “بوينغ”، بهدف تعزيز قدرة طائرات F-16 المغربية على حماية خطوط الملاحة البحرية الاستراتيجية.

    المغرب بعيون واشنطن: “حليف رئيسي من خارج الناتو”

    في كل واحدة من هذه الشهادات الرسمية، تكرر وزارة الخارجية الأمريكية وصف المغرب بأنه “حليف رئيسي من خارج حلف الناتو “Major Non-NATO Ally”، وهي صفة تحصل عليها الرباط منذ 2004، وتمنحها أولوية في الحصول على المعدات العسكرية الأمريكية وبرامج التمويل والتعاون الدفاعي.

    وتصف الوثائق الرسمية المغرب أيضا بأنه “قوة استقرار سياسي واقتصادي في شمال إفريقيا”، وهي الصيغة التي تتكرر حرفيا في تبريرات هذه الصفقات، من صفقة “هاربون” في 2020 إلى صفقة “ستينغر” في 2025.

    وبقراءة إجمالية لهذه الصفقات الثماني، يتضح أن التسليح الأمريكي للمغرب لم يعد يقتصر على مجال واحد، بل يغطي اليوم مختلف مكونات القوة العسكرية لما فيها الدفاع الجوي قريب المدى (ستينغر)، والقتال الجوي (أمرام)، والضربات الدقيقة “SDB-I” و”JSOW”، والضرب بعيد المدى (هيمارس وأتاكمز)، والحرب المضادة للدروع (جافلين)، والحماية البحرية (هاربون)، والقيادة والتحكم والاتصالات الآمنة “MIDS-JTRS”.

    المغرب بين ست دول أخرى

    لم يكن الملف المغربي وحيدا في الكشف الذي أحالته وزارة الخارجية الأمريكية إلى مجلس الشيوخ يوم 29 يوليوز الماضي، فبحسب السجل الرسمي للكونغرس الأمريكي تضمن هذا الكشف سبع شهادات ترخيص مختلفة، بقيمة إجمالية لا تقل عن 326 مليون دولار.

    وتوزعت على كل من إسبانيا بترخيص بقيمة لا تقل عن 100 مليون دولار وهو أعلى سقف في هذا الكشف، ثم المغرب وكندا والإمارات العربية المتحدة ترخيص مشترك بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار، فالمملكة المتحدة ملفان منفصلان بقيمة إجمالية لا تقل عن 75 مليون دولار، يشملان ترخيصا جديدا بـ50 مليون دولار وتعديلا على ترخيص سابق بـ25 مليون دولار.

    سنغافورة بدورها، نعمت بتعديل ترخيص بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار إلى جانب الجزائر وألمانيا التي حصلت على ترخيص مشترك بقيمة لا تقل عن 50 مليون دولار، وأيضا إسرائيل بترخيص بقيمة لا تقل عن مليون دولار يخص أسلحة نارية وقطع غيارها المصنفة في الفئة الأولى من لائحة الذخائر الأمريكية

    وأُحيلت جميع هذه الشهادات دون استثناء، إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، في إطار الإجراء القانوني نفسه الذي يحكم الترخيص المغربي.

    ماذا يعني هذا التراكم؟

    عند جمع القيم المالية للصفقات الثماني الكبرى الموقعة بين 2020 و2025، نحصل على سقف إجمالي يقترب من 2.2367 مليار دولار (825 + 88.37 + 86 + 260 + 524.2 + 250 + 141.1 + 62 مليون دولار)، وهو رقم يضع المغرب ضمن أبرز الشركاء العسكريين لواشنطن في القارة الأفريقية، ويعكس حسب مراقبين متابعين لملفات التسلح توجها مغربيا واضحا نحو تحديث شامل ومتعدد الأبعاد للترسانة العسكرية، يشمل في الوقت نفسه الدفاع الجوي، والقتال الجوي، والضرب البري بعيد المدى، والحماية البحرية.

    تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل “السقف الأقصى المقدر” لكل صفقة في مرحلة الموافقة المبدئية من وزارة الخارجية الأمريكية، وأن القيمة النهائية الفعلية للعقود قد تكون أقل، بحسب الشروط النهائية للتفاوض والاعتمادات المالية المتاحة وتوقيع الاتفاقيات النهائية، وفق ما توضحه وكالة DSCA في كل بيان من بياناتها الرسمية.

  • الصحراء بوابة اقتصادية.. بريطانيا تكشف قفزة في المبادلات التجارية مع المغرب عقب تأييد الحكم الذاتي

    الصحراء بوابة اقتصادية.. بريطانيا تكشف قفزة في المبادلات التجارية مع المغرب عقب تأييد الحكم الذاتي

    لم يتأخر الموقف البريطاني الجديد من قضية الصحراء المغربية في ترك أثره خارج لغة البيانات الدبلوماسية، فبعد تأييد لندن لمبادرة الحكم الذاتي، بدأت الوثائق الاقتصادية الرسمية تتعامل مع المغرب بأرقام تشمل أقاليمه الجنوبية، في تحول يكتسب دلالته من الجهة التي تصدر عنها هذه البيانات ومن المجالات التي تغطيها.

    أحدث تقرير لوزارة الأعمال والتجارة البريطانية، الذي اطلعت عليه جريدة “AM+MEDIA”، قدم مؤشرا واضحا على ذلك، فإلى جانب تسجيل المبادلات التجارية بين المغرب والمملكة المتحدة مستوى 5.3 مليارات جنيه إسترليني خلال الفصول الأربعة المنتهية في مارس 2026، بارتفاع 16.7 في المئة، حرصت الوثيقة على التنصيص صراحة على أن بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية الخاصة بالمغرب تشمل الصحراء.

    واللافت أن الأمر لا يتعلق بملاحظة عابرة وردت في هامش جدول واحد، ذلك أن العبارة نفسها تتكرر كلما انتقلت الوثيقة من مؤشر إلى آخر بما فيها إجمالي المبادلات، وتجارة السلع، وتجارة الخدمات، وحصة السوق والاستثمار الأجنبي المباشر، أي أن الصحراء باتت حاضرة ضمن المعطيات التي تقيس بها المؤسسات البريطانية علاقتها الاقتصادية مع المغرب.

    وفي هذا الاتجاه، يتجاوز التقرير 5.3 مليارات جنيه إسترليني، فبعد التحول الذي طرأ على موقف لندن من مبادرة الحكم الذاتي، ودعمها المباشر للموقف المغربي، تكشف الأرقام البريطانية عن مستوى آخر من هذا التقارب، أكثر التصاقا بالممارسة المؤسساتية والاقتصادية.

    من “وضع غير محدد” إلى دعم “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

    التفصيل الإحصائي السالف الذكر، لا يأت من فراغ، بل يعكس تحولا سياسيا جوهريا طرأ على الموقف البريطاني الرسمي من قضية الصحراء المغربية خلال العام الماضي، فحتى يونيو 2025، كانت الحكومات البريطانية المتعاقبة تصف وضع الصحراء بأنه “غير محدد” وتعتمد كلمة “undetermined” في جل تقاريرها الرسمية.

    كان ذلك، قبل أن يعلن وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد لامي، خلال زيارته للرباط في فاتح يونيو 2025 على رأس الدورة الخامسة للحوار الاستراتيجي المغربي البريطاني، تبني لندن موقفا جديدا يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي قدمها المغرب سنة 2007، “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية لحل دائم ومتفق عليه لنزاع الصحراء”.

    وقد تضمن البيان المشترك الموقّع بين الرباط ولندن بالمناسبة فقرة صريحة بعنوان “الصحراء: دعم مخطط الحكم الذاتي المغربي”، أن المملكة المتحدة، بصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، “تتفق مع المغرب على الحاجة الملحة لإيجاد حل لهذا النزاع الطويل”، وأن لندن “مستعدة وملتزمة بتقديم دعمها الفعلي لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحد، كما نص البيان المشترك على استعداد بريطانيا لدراسة دعم مشاريع في الصحراء عبر هيئة ضمان الصادرات البريطانية (UKEF)، شرط استيفاء معايير العناية الواجبة.

    ومن الناحية القانونية الرسمية فإن الممارسة الدبلوماسية والإحصائية البريطانية اللاحقة، سارت عمليا في اتجاه معاملة الصحراء باعتبارها جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي في المعاملات الرسمية، وعلى رأسها البيانات التجارية التي تنشرها وزارة الأعمال والتجارة.

    وتوالت المحطات التي رسّخت هذا المنحى، ففي 31 أكتوبر 2025 صوتت المملكة المتحدة إلى جانب 10 دول أخرى في مجلس الأمن الدولي لصالح القرار 2797، الذي جدد مهمة “المينورسو” حتى أكتوبر 2026، واعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق” للنزاع، في تصويت لم تعترضه سوى اختيار الجزائر حاضنة الجبهة الانفصالية بعدم المشاركة في التصويت والامتناع عن تأييد القرار بصفتها طرفا غير عضو، وامتناع كل من روسيا والصين وباكستان كأعضاء في المجلس عن التصويت.

    من جانبها، عبّرت السفيرة البريطانية في تعليل التصويت عن “ترحيب المملكة المتحدة باعتماد هذا القرار”، مؤكدة أن لندن “تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية لحل” النزاع، وفق ما جاء في بلاغ للحكومة البريطانية لاحقا.

    وفي دجنبر 2025، جدد فالكونر تأكيد دعم بلاده لهذا المسار، قبل أن تأتي أحدث محطة في أبريل 2026، حين أعادت وزيرة الخارجية البريطانية الحالية، إيفيت كوبر، التأكيد أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تظل “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية للسلام في الصحراء”، خلال محادثات مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في لندن، في إشارة وتأكيد متواصل لاستمرارية هذا الموقف رغم تغيّر الأسماء على رأس الدبلوماسية البريطانية.

    أرقام قياسية في التبادل التجاري

    بحسب التقرير الإحصائي الرسمي للوزارة البريطانية الوصية، الذي اطلعت عليه “AM+MEDIA”، بلغت الصادرات البريطانية نحو المغرب 2.6 مليار جنيه إسترليني خلال الفصول الأربعة المنتهية في مارس 2026، أي بزيادة قدرها 29.8 في المئة (595 مليون جنيه)، فيما بلغت الواردات البريطانية من المغرب 2.7 مليار جنيه، بارتفاع نسبته 6.3 في المئة (161 مليون جنيه).

    وشكلت السلع 3.8 مليارات جنيه (71.3 في المئة من الإجمالي)، بارتفاع 21.2 في المئة أو 661 مليون جنيه، بينما بلغت مبادلات الخدمات 1.5 مليار جنيه (28.7 في المئة)، بزيادة 6.7 في المئة أو 95 مليون جنيه.

    وتراجع العجز التجاري البريطاني مع المغرب إلى 112 مليون جنيه، مقابل 546 مليون جنيه قبل عام، مع تسجيل فائض بريطاني في تجارة السلع بلغ 160 مليون جنيه (بعد عجز 205 ملايين جنيه سابقا)، وعجز في الخدمات بلغ 272 مليون جنيه (مقابل 341 مليونا سابقا).

    وحل المغرب في المرتبة 47 بين الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة إجمالا (0.3 في المئة من التجارة البريطانية)، والمرتبة 50 كسوق للصادرات البريطانية، والمرتبة 43 كمورّد للسوق البريطانية.

    وخلال 2025 كاملة، بلغت المبادلات الثنائية 4.7 مليارات جنيه (+10.3 في المئة)، محتلا المغرب المرتبة 50 بين الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة.

    النفط الخام يتصدر الصادرات والفواكه والخضر تتصدر الواردات

    هيمن النفط الخام على صادرات السلع البريطانية نحو المغرب بقيمة 630.6 مليون جنيه (32.1 في المئة من الإجمالي)، وهو بند جديد لم تكن له مبادلات مقارنة في الفترة السابقة، تلته خامات المعادن والخردة (315.7 مليون جنيه، +48.1 في المئة)، فمولدات الطاقة الميكانيكية الموجهة للاستهلاك الوسيط (219.4 مليون جنيه)، فالمنتجات النفطية المكررة (197.3 مليون جنيه)، فالسيارات (112.5 مليون جنيه).

    في المقابل، تصدرت الخضر والفواكه المغربية واردات المملكة المتحدة من المغرب بقيمة 644.4 مليون جنيه (35.2 في المئة)، بنمو 13.8 في المئة، تلتها المنتجات الكهربائية المختلفة الموجهة للاستهلاك الوسيط (386.9 مليون جنيه)، فالسيارات (153.2 مليون جنيه)، فالأثاث الموجه للاستهلاك الوسيط (141.8 مليون جنيه)، فالملابس (112.8 مليون جنيه).

    وفي الخدمات، تصدر النقل صادرات بريطانيا نحو المغرب (258 مليون جنيه، 41.3 في المئة)، بينما هيمن السفر على واردات الخدمات من المغرب (717 مليون جنيه، 79.7 في المئة)، وهو بند يعكس أساسا وزن السياحة المغربية الوافدة على بريطانيا.

    شمال غرب إنجلترا يتصدر التصدير نحو المغرب

    على مستوى الجهات البريطانية، تصدر شمال غرب إنجلترا الجهات المصدرة للسلع نحو المغرب في 2025 بقيمة 236 مليون جنيه (18 في المئة)، تلاه جنوب شرق إنجلترا (180 مليون جنيه)، فغرب ميدلاندز (137 مليونا)، فويلز (136 مليونا)، فاسكتلندا (121 مليونا)

    أما بالنسبة لاستقبال الواردات المغربية، فتصدر جنوب شرق إنجلترا بقيمة 254 مليون جنيه، تلاه غرب ميدلاندز (190 مليونا)، فشرق إنجلترا (166 مليونا)، فلندن (161 مليونا). ويؤكد نحو 2100 شركة بريطانية خاضعة لضريبة القيمة المضافة صدّرت سلعا إلى المغرب في 2025، مقابل نحو 900 شركة استوردت سلعا منه، أن قاعدة الشركات المنخرطة في هذه التجارة لا تزال محدودة نسبيا قياسا بحجم الاقتصاد البريطاني.

    حصة بريطانيا في السوق المغربية ترتفع إلى 2.8%

    بلغت حصة المملكة المتحدة من إجمالي السلع والخدمات المستوردة من المغرب 2.8 في المئة في 2024، بارتفاع 0.4 نقطة مقارنة بـ2023، في أعلى مستوى تسجله منذ 2017 (3 في المئة)، بعد سلسلة تذبذبات هبطت بها إلى 2.1 في المئة سنتي 2020 و2021.

    في الاتجاه المعاكس، تراجع رصيد الاستثمارات المغربية المباشرة في بريطانيا إلى 9 ملايين جنيه فقط في نهاية 2024 (-30.8 في المئة)، أي أقل من 0.1 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية الداخلة إلى المملكة المتحدة، بينما ظل رصيد الاستثمارات البريطانية في المغرب غير معلن لأسباب تتعلق بسرية البيانات وهو ما يعكس بحسب الوزارة نفسها، محدودية تدفقات الاستثمار المباشر رغم اتساع التبادل التجاري.

    وبحسب بيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لسنة 2022، لم تمثل القيمة المضافة البريطانية سوى 0.7 في المئة من إجمالي القيمة المضافة في الصادرات المغربية، في حين احتلت إسبانيا (3.3 في المئة) والسعودية (3.2 في المئة) وفرنسا (3.1 في المئة) صدارة مصادر القيمة المضافة الأجنبية في هذه الصادرات، ما يؤكد أن حجم العلاقة التجارية لا يزال متواضعا مقارنة بشركاء المغرب الأوروبيين والخليجيين التقليديين.

    اقتصاد مغربي في مسار تسارع بحسب صندوق النقد

    وفق آخر تقديرات صندوق النقد الدولي المدرجة في البطاقة البريطانية، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4.9 في المئة في 2026 و4.5 في المئة في 2027، بعد 3.7 في المئة في 2023 و3.8 في المئة في 2024 و4.9 في المئة في 2025.

     ومن المرتقب أن يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية من 146.1 مليار دولار في 2023 إلى 194.3 مليار دولار في 2026، ثم إلى 283.4 مليار دولار بحلول 2031، مع ارتفاع نصيب الفرد من 3900 دولار إلى 7200 دولار خلال الفترة نفسها.

    وبلغت صادرات المغرب من السلع والخدمات 67 مليار دولار في 2024 (مقابل 61.7 مليار في 2023)، والواردات 81 مليار دولار، ليصل العجز التجاري إلى 14 مليار دولار، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، أما رصيد الاستثمارات الأجنبية في المغرب فقد قُدر بـ80.8 مليار دولار في 2025 (مقابل 64.5 مليار في 2024).

  • المغرب في المرتبة 28 عالميا.. اقتصاد الخدمات يعيد رسم خريطة الصادرات

    المغرب في المرتبة 28 عالميا.. اقتصاد الخدمات يعيد رسم خريطة الصادرات

    احتل المغرب المرتبة 28 عالميا في تصدير الخدمات التجارية خلال سنة 2025، بعائدات بلغت 32 مليار دولار أي بارتفاع سنوي نسبته 17 في المائة، وحصة من السوق العالمية تبلغ 0.4 في المائة، بحسب مذكرة محدّثة أصدرتها منظمة التجارة العالمية.

    كما حل المملكة في المرتبة 30 ضمن قائمة مستوردي السلع، باستثناء المبادلات الداخلية للاتحاد الأوروبي بمشتريات بلغت 87 مليار دولار، مسجلة نموا بنسبة 15 في المائة، وبحصة مماثلة تبلغ 0.4 في المائة من التجارة العالمية.

    المغرب خلف مصر وفيتنام في تصدير الخدمات

    في ترتيب مصدّري الخدمات، جاء المغرب خلف مصر التي احتلت المرتبة 27 بعائدات 34 مليار دولار وارتفاع بنسبة 19 في المائة، وخلف فيتنام في المرتبة 29 بـ30 مليار دولار ونمو بلغ 30 في المائة، فيما تراجعت قطر إلى المرتبة 30 بـ22 مليار دولار وانخفاض بنسبة 25 في المائة.

    أما في مجال السلع، فقد تقدمت واردات المغرب بوتيرة تفوق ضعف سرعة نمو التجارة العالمية من حيث القيمة، في حين لم يحضر المغرب ضمن قائمة أكبر ثلاثين دولة مصدّرة، التي أُقفلت بالأرجنتين التي سجلت مبيعات بقيمة 87 مليار دولار ونموا بنسبة 9 في المائة.

    وارتفعت صادرات المغرب المرتبطة بالسياحة بنسبة 23 في المائة خلال سنة 2025، مقابل 18 في المائة بالنسبة لمصر، وهما وتيرتان حملتا معظم التسارع الملحوظ في شمال أفريقيا.

    واستحوذ البلدان معا على 48 في المائة من عائدات السياحة الأفريقية، في سنة سجلت فيها صادرات هذا القطاع نموا بنسبة 16 في المائة على مستوى القارة، وهو أعلى معدل جهوي رصدته منظمة التجارة العالمية.

    التجارة العالمية تبلغ 34.65 تريليون دولار بنمو 7 في المائة

    بلغت المبادلات العالمية للسلع والخدمات، محسوبة وفق ميزان المدفوعات 34650 مليار دولار خلال 2025، أي بزيادة نسبتها 7 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.

    ومثّلت صادرات السلع 26260 مليار دولار، بارتفاع مماثل نسبته 7 في المائة بينما بلغت صادرات الخدمات التجارية 9560 مليار دولار، بنمو 8 في المائة.

    ومن حيث الحجم، نما مجموع تجارة السلع والخدمات بنسبة 4.7 في المائة، متجاوزا نمو الناتج الداخلي الإجمالي العالمي الذي اقتصر على 2.9 في المائة.

    وسجلت أفريقيا أقوى نمو في صادرات السلع من حيث القيمة بنسبة 10 في المائة، تلتها آسيا بـ9 في المائة فأوروبا بـ7 في المائة والشرق الأوسط بـ6 في المائة، ثم أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية والوسطى بـ5 في المائة لكل منهما، في حين تراجعت رابطة الدول المستقلة بنسبة 3 في المائة.

    أما الواردات، فارتفعت بنسبة 9 في المائة في كل من أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، و8 في المائة في أمريكا الجنوبية والوسطى، و7 في المائة في آسيا، و4 في المائة في أمريكا الشمالية ورابطة الدول المستقلة.

    تصدّرت معدات المكاتب والاتصالات قائمة القطاعات الأكثر نموا بين يناير ونونبر 2025 بنسبة 19 في المائة، تلتها المكونات الإلكترونية بـ12 في المائة، والآلات الأخرى بـ9 في المائة، والمواد الغذائية بـ7 في المائة.

    في المقابل، تراجعت قيمة الوقود بنسبة 10 في المائة، والحديد والصلب بـ3 في المائة، ومنتجات السيارات بـ0.2 في المائة، بينما شهدت مبادلات الذهب غير النقدي قفزة قاربت 50 في المائة.

    الصين في صدارة المصدرين والولايات المتحدة في صدارة المستوردين

    احتفظت الصين بالمرتبة الأولى بين مصدّري السلع بقيمة 3772 مليار دولار، أي 14.4 في المائة من السوق العالمية وارتفاع بنسبة 5.5 في المائة، فيما تصدرت الولايات المتحدة قائمة المستوردين بـ3507 مليارات دولار، أي 13.2 في المائة من المجموع وزيادة بنسبة 4.4 في المائة.

    وتراجعت صادرات الصين نحو الولايات المتحدة بنحو 20 في المائة، في حين ارتفعت مبيعاتها نحو أفريقيا بنسبة 25.8 في المائة، ونحو دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) بـ13.4 في المائة، ونحو الهند بـ12.8 في المائة، ونحو أمريكا الجنوبية بـ11.8 في المائة، ونحو الاتحاد الأوروبي بـ8.4 في المائة.

    وولّدت الخدمات التجارية 9560 مليار دولار من الصادرات العالمية. واحتفظت الولايات المتحدة بالمرتبة الأولى وطنيا بـ1209 مليارات دولار، أي 12.7 في المائة من المجموع، فيما بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي نحو دول ثالثة 1763 مليار دولار بحصة 22.7 في المائة. وارتفعت خدمات النقل بنسبة 2 في المائة لتبلغ 1540 مليار دولار، بينما ارتفعت نفقات السفر الدولي بنسبة 8 في المائة إلى 1890 مليار دولار، والخدمات التجارية الأخرى بنسبة 10 في المائة إلى 5780 مليار دولار.

    كما ارتفعت الخدمات المعلوماتية بنسبة 11 في المائة لتصل إلى 1220 مليار دولار، أي أكثر من ضعف قيمتها في سنة 2019، لتمثل 13 في المائة من التجارة العالمية للخدمات. وبلغت الخدمات المقدَّمة عبر الوسائل الرقمية 5260 مليار دولار، بارتفاع نسبته 10 في المائة، أي ما يعادل 15.2 في المائة من مجموع الصادرات العالمية للسلع والخدمات. واستحوذت أوروبا على 53.4 في المائة منها، وآسيا على 23.3 في المائة، وأمريكا الشمالية على 17.6 في المائة.

    الصدمة الطاقية قد تخفض نمو تجارة السلع إلى 1.4 في المائة سنة 2026

    نما حجم التجارة العالمية للسلع بنسبة 4.6 في المائة خلال 2025، أي ما يقارب ضعف نسبة 2.4 في المائة التي كانت منظمة التجارة العالمية قد توقعتها في أكتوبر، غير أن هذه الوتيرة يُنتظر أن تتراجع إلى 1.9 في المائة سنة 2026 قبل أن ترتفع مجددا إلى 2.6 في المائة سنة 2027.

    واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة من شأنه أن يخفّض نمو 2026 إلى 1.4 في المائة، أي خسارة قدرها 0.5 نقطة، في حين أن استمرار الطفرة في المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يرفعها بالمقابل إلى 2.4 في المائة.

    قفزت مبادلات المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 21.9 في المائة سنة 2025، من 3430 إلى 4180 مليار دولار، ووفرت 42 في المائة من نمو التجارة العالمية رغم أنها لا تمثل سوى نحو سُدس هذه التجارة.

    وأسهمت الاقتصادات الآسيوية بـ3.2 نقطة في نسبة 4.6 في المائة المسجلة في حجم المبادلات، أي 71 في المائة من إجمالي الزيادة، بفضل خصوصا ارتفاع الصادرات الصينية بنسبة 9.2 في المائة، والارتفاعات ذات الرقمين المسجلة في سنغافورة وتايوان وتايلاند.

    ومن المتوقع أن تنمو تجارة الخدمات التجارية بنسبة 4.8 في المائة من حيث الحجم سنة 2026، بعد 5.3 في المائة سنة 2025، قبل أن تبلغ 5.1 في المائة سنة 2027. وفي سيناريو يأخذ بعين الاعتبار الاضطرابات في الشرق الأوسط، قد ينخفض هذا المعدل إلى 4.1 في المائة، بفعل الصعوبات التي تطال قطاعي النقل والسياحة، إذ لن تحقق خدمات النقل حينها سوى 1 في المائة من النمو مقابل 2.6 في المائة في السيناريو المركزي، وستحقق السياحة 2 في المائة مقابل 3.9 في المائة، في حين ستواصل الخدمات المقدَّمة عبر الوسائل الرقمية نموها بنسبة 6.3 في المائة.

    أفريقيا تحافظ على أعلى وتيرة نمو عالميا في 2026

    يُتوقع أن ينمو الناتج الداخلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.8 في المائة سنة 2026 وفق السيناريو المركزي، لكنه قد يقتصر على 2.5 في المائة إذا استمر ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال.

    وستحافظ أفريقيا على أسرع وتيرة نمو بنسبة 4.3 في المائة، تليها آسيا بـ3.9 في المائة، ثم الشرق الأوسط بـ3.3 في المائة، وستنمو واردات أفريقيا من السلع بنسبة 3.2 في المائة وصادراتها بنسبة 1.2 في المائة، مقابل 4.2 في المائة و1 في المائة على التوالي في سيناريو الطاقة غير المواتي.

    وتقدّر منظمة التجارة العالمية أخيرا أن 72 في المائة من التجارة العالمية باتت اليوم تخضع لنظام الدولة الأولى بالرعاية، بعد أن كانت هذه النسبة تقارب 80 في المائة سنة 2022.

  • “البام” يقتحم “الملعب الصعب” بسبع نساء في صدارة اللوائح المحلية لأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية

    “البام” يقتحم “الملعب الصعب” بسبع نساء في صدارة اللوائح المحلية لأول مرة في تاريخ الانتخابات المغربية

    في السياسة المغربية، هناك قاعدة غير مكتوبة يعرفها كل من مرّ بتجربة انتخابية محلية  تفيد بأن الدوائر المحلية هي “الملعب الصعب”، ففيها يُقاس الوزن الانتخابي الحقيقي للمرشح، بعيدا عن الحماية التي توفرها اللوائح الجهوية المخصصة حصريا للنساء، وفيها تاريخيا، ظل حضور المرأة المغربية استثناء لا قاعدة.

    فجأة، ومع اقتراب 23 شتنبر، موعد الاستحقاق الانتخابي المقبل وجد المشهد الحزبي نفسه أمام معطى يصعب تجاوزه، حزب واحد هو الأصالة والمعاصرة يدفع بسبع نساء لقيادة سبع معارك انتخابية محلية متزامنة، من الخميسات إلى ورزازات، ومن الدار البيضاء إلى تارودانت، وسؤال يفرض نفسه بقوة هل نحن أمام تحول فعلي في قواعد اللعبة السياسية بالمغرب؟

    الوجوه السبعة.. مزيج من الخبرة المؤسسية والصعود الميداني

    القائمة التي حسمها الحزب وأكدها أشغال مجلسه الوطني اليوم السبت من سلا، لا تبدو نتاج صدفة أو ملء فراغ، بل تعكس هندسة مدروسة تُوازن بين ثقل السلطة التنفيذية والمحلية، والخبرة البرلمانية المتراكمة وبين الوجوه الصاعدة حديثا.

    في قلب هذه اللائحة، تقف فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب وعمدة مراكش، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي تتصدر مجددا دائرة العاصمة الحمراء سيدي يوسف بن علي، المعقل الذي تدافع عنه منذ أول تجربة انتخابية لها سنة 2009، وفازت به مرتين متتاليتين في 2016 و2021 .

    ليست مصادفة أن يكون اسمها هو نفسه المرشح بقوة لرئاسة الحكومة في حال حصوله على الأغلبية، في سابقة لم يعرفها الحزب من قبل حين تختار قائدة الحزب ومنسقة قيادته الجماعية أن تخوض معركتها الشخصية من “الملعب الصعب”، بدل أن تتموضع في مكان مضمون ومُعبّد، فيما الرسالة السياسية تتجاوز مراكش لتصل إلى كل الدوائر الأخرى ومفادها أن القيادة لا تطلب من غيرها ما لا تفعله هي نفسها.

    إلى جانبها، نجوى ككوس رئيسة المجلس الوطني للحزب، الحاصلة على شهادة الأهلية لمهنة المحاماة والباحثة في سلك الدكتوراه في القانون الدولي، والتي كانت في 2021 وجه الحزب في اللائحة الجهوية النسائية بالدار البيضاء، تنتقل هذه الدورة لتخوض معركة مفتوحة في دائرة أنفا بالدار البيضاء، القلب الاقتصادي للمملكة.

    أما منال باديل رئيسة جماعة برشيد، فتجسد نموذجا مختلفا هو الانتقال من التسيير المحلي التنفيذي إلى المنافسة التشريعية المباشرة في الرقعة الجغرافية نفسها التي بنت فيها شرعيتها الانتخابية.

    بشرى الوردي، رئيسة المجلس الإقليمي للخميسات، هي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الإقليم، وقدمت نموذجا لافتا آخر في الانتقال الحزبي نفسه، فبعد أن بنت مسارها السياسي داخل التجمع الوطني للأحرار، اختارت الالتحاق بـ”البام” في يونيو الماضي، لتصبح وكيلة لائحته في دائرة تيفلت الرماني، وبالتالي فإن التحاقها لم يكن مجرد تعزيز عددي بل استقطاب لرأس مال سياسي ميداني جاهز.

    في الشمال، تعيد زينب سيمو النائبة البرلمانية الحالية عن دائرة العرائش، والتي راكمت حضورا ميدانيا لافتا طوال الولاية 2021-2026 مع “الأحرار”، تجديد رهانها على الدائرة نفسها معتمدة هذه المرة على حصيلة عمل برلماني ملموس بدل الوعود.

    وفي تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أكدت سيمو أن قرار الترشح مجددا بلون “البام” نابع من “إحساس كبير بالمسؤولية” تجاه ساكنة العرائش، مشيرة إلى أن هموم المواطنين وتطلعاتهم كانت حاضرة في عملها البرلماني طوال الولاية الماضية، وأنها تطمح إلى مواصلة الترافع عنها والدفاع عنها داخل المؤسسة التشريعية.

    وأضافت أن العمل الميداني ظل بالنسبة إليها جزءا أساسيا من الممارسة السياسية، معتبرة أن القرب من المواطنين والاستماع إليهم يشكلان المدخل الحقيقي لتشخيص انتظاراتهم ونقلها إلى البرلمان.

    واعتبرت أن انضمامها إلى حزب الأصالة والمعاصرة جاء انطلاقا من قناعة بمشروعه السياسي وقيمه، واصفة الحزب بأنه “الدار الكبيرة” تقوم على العمل الجماعي وخدمة المواطن، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة الاشتغال بنفس القرب والمسؤولية، بما يستجيب لتطلعات ساكنة الإقليم ويعزز الثقة في العمل السياسي.

    وفي الجنوب الشرقي والجنوب، تبرز حكايتان مغايرتان لكل من إيمان لموي وحنان الماسي، وكلتاهما وصلتا إلى البرلمان في 2021 عبر اللائحة الجهوية المخصصة للنساء بجهتي درعة تافيلالت وسوس ماسة على التوالي، إذ تنتقلان الآن لقيادة معركتين محليتين مفتوحتين في كل من ورزازات وتارودانت الجنوبية وهذا الانتقال بالضبط هو ما يفتح الباب لفهم المنطق الأعمق الذي يحكم هذا الرهان الحزبي.

    وأكدت إيمان لموي، أن ترشحها يأتي من قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب حضورا ميدانيا أقوى، وإصغاء أكبر لانتظارات المواطنين، معتبرة أن الترافع عن قضايا الإقليم يفرض عملا مستمرا يتجاوز الفترات الانتخابية.

    وقالت لموي في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، ورزازات تمتلك مؤهلات كبيرة لكن طموح ساكنتها أكبر، لذلك نطمح إلى أن يكون صوت الإقليم حاضرا بقوة داخل البرلمان وأن نواصل الدفاع عن الملفات ذات الأولوية، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو الاستثمار أو الخدمات الأساسية أو تثمين المؤهلات الاقتصادية والسياحية والثقافية التي تزخر بها المنطقة.

    وأضافت أن حزب الأصالة والمعاصرة يوفر فضاء للعمل الجاد والمسؤول، مؤكدة أن الرهان اليوم هو تعزيز الثقة في العمل السياسي عبر القرب من المواطنين، والإنصات لانشغالاتهم، وتحويل انتظاراتهم إلى مبادرات ومرافعات داخل المؤسسة التشريعية.

    من “الجهوية” إلى “المحلية”.. متى تتحول “الكوطا” إلى منصة إقلاع؟

    في تصريح يستحق التوقف عنده مليا، لخّص سمير كودار عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس قطب التنظيم، فلسفة هذا التوجه بجملة دقيقة، مفادها أن “البام” “من الأحزاب القليلة التي ستقدم سبع مرشحات في سبع دوائر محلية”، مضيفا أن “البام” أيضا من “الأحزاب النادرة” التي دفعت بثلاث من نائباته المنتخبات في 2021 عبر اللوائح الجهوية إلى اللوائح المحلية، بعد الخبرة التشريعية التي تراكمت لديهن خلال الولاية 2021-2026 “.

    هذا التصريح، حمل في جوهره اعترافا سياسيا صريحا بأن اللوائح الجهوية النسائية كما صُممت أصلا كانت تعمل كـ”جزيرة معزولة” داخل الخريطة الانتخابية تضمن للمرأة في أحسن الأحوال مقعدا برلمانيا، لكنها في الآن نفسه تحصرها في مسار مواز لا يتقاطع مع المنافسة “الحقيقية” التي تُخاض في الدوائر المحلية.

    بمعنى آخر، كانت الكوطا الجهوية أشبه بسقف حماية وسقف تحجيم في الوقت ذاته، وما تقوله تجربة “البام” الحالية هو أن هذا السقف بدأ يتصدع، فالخبرة التي اكتسبتها إيمان لموي وحنان الماسي ونجوى ككوس داخل قبة البرلمان تحولت في حساب الحزب إلى “رصيد انتخابي” قابل للاستثمار مباشرة في مواجهة مرشحين رجال أقوياء على أرضهم، وبالتالي اللائحة الجهوية إذن لم تعد بالنسبة لهؤلاء النساء محطة نهاية المسار، بل محطة انطلاق نحو “الملعب الأصعب”.

    الاختبار الحقيقي.. ماذا يقول تاريخ الانتخابات المغربية؟

    لكن الخطاب السياسي وحده لا يكفي لقياس حجم هذا التحول، إذ لم يسبق لأي حزب مغربي أن قدّم سبع نساء في اللوائح المحلية، وهذا يعني أننا أمام رقم غير مسبوق ولأسباب متعددة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من القراءة.

    المستوى الأول، سجله “البام” بنفسه في الاستحقاق السابق لسنة 2021، حيث كان الحزب هو نفسه الأوفر حظا من بين كل الأحزاب المغربية في هذا الباب، بفضل تقديمه أربع نساء وكيلات لوائح محلية هن على التوالي فاطمة الزهراء المنصوري، وفاطمة الزهراء بنطالب، وأسماء الشعبي، وخديجة حجوبي، وهو ما جعله يوصف حينها بـ”الحزب الوحيد الذي رشح أربع نساء وكيلات للوائح الانتخابية”، والرقم الحالي سبع نساء، لا يمثل تحسنا تدريجيا بل قفزة تقارب الضعف مقارنة بأفضل أداء عرفه أي حزب مغربي في الانتخابات الأخيرة، بما فيها الحزب نفسه.

    المستوى الثاني، هو السياق الوطني العام وهو الأكثر كشفا للحجم الحقيقي لهذا الرقم، فمن بين نحو 1472 لائحة محلية تنافست عليها كل الأحزاب مجتمعة في انتخابات 2021 لمجلس النواب، لم تتصدر النساء كوكيلات لوائح إلا 97 فقط، أي أقل من 7 في المئة من الإجمالي الوطني.

     وحين ننتقل من الترشيحات إلى النتائج الفعلية تصبح الصورة أكثر قسوة، فعدد النساء اللواتي وصلن فعليا إلى قبة البرلمان عبر اللوائح المحلية لم يتجاوز 9 أو 10 نساء في انتخابات 2016، مع تراجع إلى ستّ نساء فقط في 2021، عبر كل الأحزاب المتنافسة مجتمعة على المستوى الوطني بأكمله.

    والمفارقة الصادمة هنا أن أربعة من هؤلاء الست كنّ بالفعل من “البام” وحده، وهن بديعة الفيلالي، وخديجة حجوبي، وفاطمة الزهراء المنصوري، وفاطمة الزهراء بنطالب بينما اقتسمت “التقدم والاشتراكية” و”الاستقلال” المقعدين المتبقيين، أي بعبارة أخرى الحزب لم يكن يهيمن فقط على “من ترشح”، بل على “من فزن” أيضا قبل أن يضاعف رهانه اليوم بأربعة أسماء إضافية.

    المستوى الثالث، هو المرآة المقارنة مع منافسي 2026 أنفسهم،  فبينما يدفع “البام” بسبع نساء لقيادة لوائح محلية، لم يتجاوز حزب التجمع الوطني للأحرار الحزب الأول في الحكومة الحالية من حيث عدد المقاعد، أربع دوائر محلية للنساء من أصل 89 دائرة حُسمت ترشيحاتها، وهو نفس السقف الذي لم يتخطاه حزب العدالة والتنمية ضمن 91 دائرة، بينما اقتصر حزب التقدم والاشتراكية على الإعلان عن قائمة أولية تضم 6 نساء بشكل عام، دون تخصيص واضح لعددهن ضمن اللوائح المحلية تحديدا،  وبالتالي المشهد إذن ليس فقط أن “البام” يتفوق على نسخته السابقة من نفسه بل يتفوق أيضا بفارق واضح عن أقوى منافسيه المباشرين في نفس الاستحقاق.

    يبقى استثناء واحد يستحق الإشارة، لأنه يوضح الفرق الجوهري بين نوعين من “الجرأة الانتخابية”، ففي 2021، سجل حزب الحركة الشعبية “سابقة وطنية” حين قدّم لائحة نسائية بنسبة 100 في المئة في مقاطعة جليز بمراكش ضمن الانتخابات الجماعية، لكن هذا النموذج مختلف بنيويا عمّا يفعله “البام” الآن، فتلك كانت لائحة واحدة كاملة النساء في دائرة واحدة على المستوى المحلي الجماعي، بينما يوزّع “البام” اليوم سبع نساء منفردات، كل واحدة تقود معركة مستقلة في دائرة تشريعية مختلفة، أمام خصوم رجال أقوياء تاريخيا في تلك المناطق بعينها، بينما الفارق ليس في العدد فقط، بل في طبيعة المخاطرة السياسية، لأن قيادة معركة فردية في مواجهة مباشرة تختلف جذريا عن الظهور ضمن لائحة جماعية محمية.

  • من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    تحول القضاء على دور الصفيح في المغرب من مجرد مشروع للسكن إلى واحد من أكبر الأوراش الاجتماعية والعمرانية التي أطلقتها المملكة منذ مطلع الألفية الثالثة، فعندما أعطى الملك محمد السادس سنة 2004 انطلاقة البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كان الهدف يتمثل في تمكين نحو 270 ألف أسرة من مغادرة السكن غير اللائق ووضع حد لظاهرة ظلت لعقود عنوانا للفوارق الاجتماعية والهشاشة داخل المجال الحضري، غير أن تعقيدات العقار وتسارع التوسع العمراني واستمرار الهجرة نحو المدن، إلى جانب ظهور تجمعات جديدة للسكن الصفيحي جعلت حجم التحدي يتضاعف مع مرور السنوات ليرتفع عدد الأسر المعنية بالبرنامج إلى أكثر من 509 آلاف أسرة.

    وبعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش، عاد الملف إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما أعلنت الحكومة الحالية أنها رفعت وتيرة معالجة دور الصفيح إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة، وانتقلت من متوسط 6200 أسرة مستفيدة سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025، بالتوازي مع اعتماد مقاربة جديدة تقوم على إعادة الإسكان بدل الاقتصار على إعادة الإيواء وإشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي للمستفيدين وتشديد المراقبة للحد من ظهور تجمعات صفيحية جديدة.

    ولا يمكن تقييم حصيلة هذا الورش الوطني بمنطق الأرقام وحدها، لأن البرنامج لم يكن مجرد عملية لبناء مساكن أو إعادة إيواء أسر، بل سياسة عمومية واجهت على امتداد أكثر من عقدين تحديات عقارية واجتماعية وتمويلية وإدارية متشابكة. ومن ثم، فإن فهم نتائجه يمر عبر تتبع مساره منذ انطلاقه وقراءة التحولات التي عرفتها فلسفة تدبيره وآليات تنزيله، وقياس الأثر الذي أحدثته الإجراءات المعتمدة خلال الولاية الحكومية الحالية على وتيرة القضاء على دور الصفيح.

    من وعد بالقضاء على الصفيح إلى ورش مفتوح منذ عقدين

    عندما أعطى الملك محمد السادس في 26 يوليوز 2004، الانطلاقة الرسمية للبرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كانت الدولة تراهن على طي أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيدا داخل المجال الحضري، عبر استهداف نحو 270 ألف أسرة موزعة على 85 مدينة ومركزا حضريا.

    وقد قُدِّم البرنامج آنذاك باعتباره مشروعا وطنيا يروم القضاء التدريجي على السكن الصفيحي من خلال تعبئة مختلف المتدخلين واعتماد مقاربتي إعادة الإيواء وإعادة الهيكلة وربط التدخل السكني بتأهيل الأحياء وتجهيزها بالبنيات الأساسية، لكن مسار البرنامج لم يسر وفق التقديرات الأولى، فكلما تقدمت عمليات المعالجة كانت تتكشف معطيات جديدة توسع دائرة التدخل سواء نتيجة تحيين الإحصائيات أو إدراج تجمعات صفيحية لم تكن مشمولة عند الانطلاق أو استمرار تسجيل بؤر جديدة في عدد من المدن.

    وبذلك، لم يعد البرنامج يتعامل مع الرصيد الذي أحصي سنة 2004 فقط، بل مع واقع حضري متغير ليرتفع عدد الأسر المعنية تدريجيا إلى حوالي 509 آلاف أسرة، أي ما يقارب ضعف العدد الذي انطلق به البرنامج.

    وهذا التطور، تجاوز مجرد تغير في الأرقام إلى كشف أن القضاء على السكن الصفيحي يرتبط بتوفير وحدات سكنية بديلة، وأيضا بقدرة السياسات العمومية على مواكبة التحولات العمرانية والاجتماعية التي تعرفها المدن المغربية.

    بهذا الصدد، سجل المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الرقابية أن البرنامج واجه خلال مراحل تنزيله إكراهات متعددة من بينها صعوبة تعبئة الوعاء العقاري وتعقيد مساطر نزع الملكية واختلال التنسيق بين المتدخلين وتأخر إنجاز مشاريع التجهيز، إضافة إلى محدودية بعض آليات التتبع، وهي عوامل انعكست على وتيرة الإنجاز وأدت إلى تمديد آجال استكمال البرنامج مقارنة بالأهداف الزمنية التي حددت عند انطلاقته.

    ورغم هذه الإكراهات، حقق البرنامج نتائج مهمة خلال العقدين الماضيين، إذ أعلنت السلطات تباعا عددا من المدن والمراكز الحضرية “مدنا بدون صفيح”، فيما استفادت مئات الآلاف من الأسر من حلول سكنية مختلفة، غير أن استمرار وجود تجمعات صفيحية خاصة في الأقطاب الحضرية الكبرى أبقى هذا الورش مفتوحا، ودفع الحكومة الحالية إلى إعادة صياغة منهجية التدخل، ليس عبر رفع الاعتمادات المالية فقط، بل أيضا من خلال مراجعة أدوات التنفيذ نفسها، وهي المقاربة التي ستشكل أحد أبرز عناصر تقييم الحصيلة خلال الولاية الحكومية الحالية.

    قبل 2021.. 15 سنة من الاختلالات

    عندما تسلمت الحكومة الحالية في أكتوبر 2021، تدبير ورش “مدن بدون صفيح”، لم تكن تنطلق من برنامج يسير وفق أهدافه الأصلية، بل من ورش كانت قد شخصت اختلالاته أعلى هيئة رقابية بالمملكة.

    ففي 23 يونيو 2020، قدم المجلس الأعلى للحسابات أول تقييم شامل للبرنامج منذ إطلاقه سنة 2004، بعد افتحاص استغرق سبعة أشهر وشمل فترة 2004-2018، واعتمد على تحليل 162 عملية ميدانية وزيارات لسبع جهات تمثل 98 في المئة من الأسر المعنية إضافة إلى مراجعة 156 اتفاقية تغطي نحو 231 ألفا و675 أسرة.

    وخلص المجلس إلى أن البرنامج انحرف عن الجدول الزمني الذي وضع له، إذ كان يستهدف القضاء على دور الصفيح في أفق 2010، غير أن عدد الأسر المستهدفة ارتفع بدل أن يتراجع من نحو 270 ألف أسرة عند الانطلاق إلى 472 ألفا و723 أسرة بنهاية 2018 كما توسع نطاقه من 70 إلى 85 مدينة ومركزا حضريا، ما عكس استمرار الظاهرة بوتيرة أسرع من وتيرة معالجتها.

    وأرجع التقرير هذا التعثر إلى التمويل وتأخر بعض المشاريع، فضلا عن النموذج المعتمد نفسه، معتبرا أن البرنامج ركز على معالجة نتائج الظاهرة أكثر من أسبابها، في ظل غياب سياسة وقائية تحد من ظهور تجمعات جديدة، إلى جانب اختلالات في الحكامة تمثلت في ضعف التنسيق بين المتدخلين وغياب إطار قانوني ومنظومة معلوماتية موحدة وصعوبات مرتبطة بالعقار وتجهيز مواقع إعادة الإيواء وتعقيد المساطر، فضلا عن استمرار ظاهرة “الانزلاق” التي دفعت بعض الأسر إلى التخلي عن الوحدات أو البقع المستفاد منها.

    وهكذا، وجدت الحكومة الحالية نفسها عند بداية ولايتها أمام برنامج يعاني، وفق تشخيص رسمي للمجلس الأعلى للحسابات، اختلالات بنيوية مست الحكامة وآليات الاستهداف والسياسة العقارية ونموذج التدخل، بما جعل إصلاح هذه الأعطاب شرطا أساسيا قبل الحديث عن تسريع القضاء على دور الصفيح.

    من تغيير المقاربة إلى مضاعفة الوتيرة.. ماذا تغير منذ 2021؟

    إذا كان البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” قد حافظ منذ إطلاقه سنة 2004 على الهدف نفسه؛ وهو القضاء على السكن الصفيحي، فإن أدوات تنزيله لم تبق على حالها، فالسنوات الأخيرة عرفت تحولا في طريقة تدبير هذا الورش، انطلق من مراجعة فلسفة التدخل نفسها، بعدما أظهرت التجربة أن الصيغ المعتمدة خلال المراحل السابقة لم تعد قادرة، وحدها، على مجاراة الطلب المتزايد على السكن اللائق ولا على تقليص الرصيد المتبقي داخل المدن الكبرى.

    وتقوم المقاربة الجديدة، التي اعتمدتها الحكومة منذ الولاية الحالية، على الانتقال من منطق “إعادة الإيواء” إلى منطق “إعادة الإسكان”، ففي حين كانت الصيغة التقليدية تعتمد أساسا على إعادة إيواء الأسر داخل تجزئات سكنية مع ما يرافق ذلك من إكراهات مرتبطة بتجهيز الأحياء وإنجاز البنيات التحتية، أصبح التوجه الجديد يقوم على توفير وحدات سكنية جاهزة عبر تعبئة المنعشين العقاريين والقطاع الخاص بما يسمح بتقليص آجال الإنجاز وتسريع استفادة الأسر.

    هذا التحول، انعكس مباشرة على وتيرة التنفيذ، فبحسب المعطيات التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس النواب نهاية يونيو الماضي، ارتفع متوسط عدد الأسر التي تتم معالجة وضعيتها سنويا من حوالي 6200 أسرة خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025 أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف.

    وأكدت أن هذا التطور جاء نتيجة رفع وتيرة الإنجاز فضلا عن اعتماد هندسة جديدة لتدبير البرنامج شملت إشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي لضبط المستفيدين مع وتعزيز المراقبة الميدانية، وهو ما مكن وفق المعطيات الحكومية من تقليص انتشار دور الصفيح بنسبة 35 في المئة.

    ولتسريع إنهاء هذا الورش، اعتمدت الحكومة برنامجا خماسيا يمتد بين2024 و2028، يستهدف معالجة أوضاع 120 ألف أسرة ما تزال تقطن بدور الصفيح، تتوزع أساسا بين 62 ألف أسرة بالدار البيضاء الكبرى و30 ألف أسرة بمراكش و12 ألف أسرة بالقنيطرة وأكثر من 5100 أسرة بإقليم بنسليمان، إلى جانب تجمعات أخرى بمختلف جهات المملكة، فيما يقوم هذا البرنامج على هندسة مالية جديدة وعلى التوسع في إعادة الإسكان بدل إعادة الإيواء مع تعبئة الاستثمار الخاص لتسريع إنتاج الوحدات السكنية الجاهزة.

    وتشير الحصيلة التي قدمتها الوزيرة إلى أن المقاربة الجديدة مكنت من إنتاج31 ألفا و538 وحدة سكنية من بينها 23 ألفا و884 وحدة تم تسليمها للمستفيدين، فيما توجد 7654 وحدة في مراحل الاستكمال والتسليم، كما أكدت أن الوزارة أولت أهمية خاصة لضبط لوائح المستفيدين عبر سجل وطني رقمي باعتباره أحد الآليات الرامية إلى تعزيز الشفافية وتفادي الازدواجية في الاستفادة.

    ولا تعكس هذه الأرقام، بحسب المسؤولة الحكومية، سوى جزء من حصيلة البرنامج، فإلى غاية نهاية مارس الماضي بلغ عدد الأسر التي تحسنت ظروف عيشها في إطار البرنامج الوطني 384 ألفا و818 أسرة، فيما ارتفع عدد المدن والمراكز الحضرية التي أعلنت رسميا “بدون صفيح” إلى 62 مدينة ومركزا حضريا، بعدما كان البرنامج قد انطلق سنة 2004 مستهدفا 85 مدينة ومركزا حضريا و270 ألف أسر.

    وتشير المعطيات الحكومية إلى أن الكلفة الإجمالية للبرنامج بلغت 73.71 مليار درهم ساهمت الوزارة الوصية منها بحوالي 16.48 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم الاستثمار العمومي الذي خصص لهذا الورش منذ انطلاقته.

    ومع ذلك، فإن بلوغ 62 مدينة ومركزا حضريا خالية من دور الصفيح لا يعني نهاية البرنامج لأن التحدي انتقل من معالجة المدن التي استكملت تدخلاتها إلى استهداف الأقطاب الحضرية التي تستأثر اليوم بأكبر كثافة للسكن غير اللائق، وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى ومراكش والقنيطرة، لهذا فإن الرهان الذي تضعه الحكومة لنهاية سنة 2028 يقاس بعدد الوحدات التي سيتم إنتاجها فضلا عن مدى قدرة المقاربة الجديدة على إنهاء الرصيد المتبقي ومنع إعادة تشكل بؤر صفيحية جديدة بعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش الوطني.

    وفي هذا الإطار يرى الخبير في السياسات الحضرية والإسكان أحمد بنزيان، أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو اختزال نجاح برنامج “مدن بدون صفيح” في عدد الأسر التي غادرت السكن العشوائي، إذ إن هذا المؤشر، على الرغم من أهميته، لكنه ليس المؤشر الحاسم، سيما وأن التجارب الدولية تبين أن النجاح الحقيقي يبدأ بعد تسليم المفاتيح وليس قبلها.

    وأوضح الخبير في حديثه لـ”AM PLUS MEDIA”، بأنه “إذا انتقلت الأسرة إلى سكن جديد لكنها بقيت بعيدة عن فرص الشغل أو عن النقل العمومي أو عن المدرسة أو عن الخدمات الصحية، فإننا نكون قد غيرنا شكل الهشاشة ولم نعالج مضمونها”.

    لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه الحكومة اليوم أكثر تعقيدا من تحدي الحكومات السابقة وفق تعبيره، لأنها “لم تعد مطالبة فقط بإزالة آخر الأحياء الصفيحية، بل بضمان ألا تعود هذه الظاهرة بأشكال جديدة داخل الهوامش الحضرية.”

    وزاد الخبير في حديثه للموقع، أن ما يلفت الانتباه في المقاربة الحالية هو أنها حاولت معالجة عدد من الاختلالات التي ظلت مطروحة لسنوات مثل رقمنة المستفيدين وإشراك القطاع الخاص والانتقال نحو إعادة الإسكان وهي خطوات يراها “يمكن أن ترفع من نجاعة التنفيذ، لكن نجاحها سيظل رهينا بقدرتها على الاندماج داخل سياسة حضرية أوسع”.

    وشدد بنزيان، على أن المدينة ليست مشروعا سكنيا بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، وإذا لم تتطور سياسات النقل والتشغيل والتجهيز والعدالة المجالية بالوتيرة نفسها، فإن خطر إعادة إنتاج الهشاشة سيظل قائما، حتى وإن اختفت آخر براكة.”

    من إنهاء الصفيح إلى منع عودته.. التحدي الذي ينتظر المغرب بعد 2026

    بعد أكثر من عقدين على إطلاق البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق أكثر منه أمام خط نهاية، فالأرقام الحكومية تشير إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة المعالجة وإلى اقتراب إغلاق آخر البؤر الكبرى.

    فبينما تكشف قراءة مسار البرنامج منذ 2004 أن كل مرحلة كان يُعتقد أنها الأخيرة كانت تفتح تحديات جديدة أكثر تعقيدا، بدأ المشروع كبرنامج لإزالة دور الصفيح، ثم تحول تدريجيا إلى سياسة لإنتاج السكن قبل أن يجد نفسه اليوم أمام سؤال مختلف تماما مفاده: كيف يمكن بناء مدينة لا تعود فيها ظاهرة الصفيح إلى الظهور؟

    وهنا تحديدا تنتقل المسؤولية من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الاستدامة، فإذا كانت المرحلة الأولى من البرنامج انصبت على إخراج الأسر من المساكن غير اللائقة، فإن المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بضمان ألا تدفع التحولات الاقتصادية والضغط العقاري واتساع الهوامش الحضرية إلى إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة السكنية.

    والتجارب الدولية، كما تؤكد أدبيات السياسات الحضرية، بينت أن القضاء على الأحياء الصفيحية لا يتحقق بمجرد نقل السكان إلى مساكن جديدة بل بقدرة المدينة على توفير بيئة عمرانية واجتماعية واقتصادية تمنع عودة الظاهرة في صور أخرى، سواء عبر البناء غير النظامي أو التوسع العشوائي أو الهشاشة السكنية المقنعة.

    ولهذا، فإن الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026 لن تبدأ من الصفر، كما أنها لن ترث برنامجا في بدايته بل ستتسلم المرحلة الأكثر حساسية منذ إطلاق هذا الورش، فالرصيد المتبقي حسب آخر المعطيات الرسمية التي قدمتها فاطمة الزهراء المنصوري لم يعد موزعا على عشرات المدن بل أصبح متمركزا في الأقطاب الحضرية الأكثر تعقيدا من حيث الضغط الديمغرافي والعقاري وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى حيث تتداخل رهانات السكن مع إكراهات الوعاء العقاري، والنقل، والتشغيل، والاندماج المجالي وهذا يعني أن النجاح في السنوات المقبلة لن يرتبط فقط بقدرة الدولة على بناء وحدات سكنية إضافية، بل بقدرتها على إنتاج نموذج حضري يجعل السكن اللائق جزءا من منظومة متكاملة أكثر منه منتج عقاري.

    ومن هذه الزاوية، فإن اختزال حصيلة الولاية الحكومية الحالية في عدد الأسر التي غادرت دور الصفيح أو في عدد المدن التي أعلنت “بدون صفيح” رغم إيجابيتها يظلمها، على اعتبار أن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى نجاح الإصلاحات التي أطلقتها في تحويل البرنامج من سياسة لمعالجة آثار الهشاشة إلى سياسة تمنع إعادة إنتاجها، فالمجلس الأعلى للحسابات كان قد شخص قبل وصول الحكومة الحالية، اختلالات مست الحكامة والعقار والوقاية وآليات الاستهداف، بينما تقول الحكومة إنها أعادت بناء جزء من هذه المنظومة عبر تغيير نموذج التدخل ورقمنة تدبير المستفيدين وإشراك القطاع الخاص، ورفع وتيرة الإنجاز.

    وبهذا، فإن الحكم النهائي على هذه التحولات لن يصدر مع نهاية الولاية، وإنما مع مرور السنوات عندما يتضح ما إذا كانت قد أغلقت فعلا آخر بؤر الصفيح، أم أنها أرست فقط شروط مرحلة جديدة من تدبيرها.