قال محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، إن صناعة الألعاب الإلكترونية في المغرب تعرف تحولا متسارعا، بعدما انتقلت خلال سنوات قليلة من ثلاث مقاولات صغيرة إلى نحو 50 مقاولة، مع شروع عدد منها في توسيع فرقها وخلق فرص شغل جديدة، رابطا هذا التحول برؤية أوسع لـ”التمغربيت” التي تقوم، وفق تصوره، على الجمع بين الاعتزاز بالهوية والانتماء إلى الجذور والانفتاح على تحولات العالم في إطار رؤية الحزب التي يلخصها “المغرب الصاعد”.
وجاء ذلك، خلال استضافة المسؤول الحكومي في بودكاست AM+ Talk الذي يُبث على منصة “AM+MEDIA” وتُقدمه مديرة نشر المنصة خولة اجعيفري، حيث فتح بنسعيد أيضا ملفات الحزب والهوية والمرحلة المقبلة، معتبرا أن الأصالة والمعاصرة يعيش منذ التحاقه به سنة 2008، مرحلة استقرار تنظيمي أتاحت تقوية هياكله الجهوية والإقليمية والمحلية وتنظيماته النسائية والشبابية.
وفي موازاة ذلك، دافع عن “تامغربيت” الواردة في إصداره الأخير، باعتبارها قاعدة مشتركة تجمع المغاربة مهما اختلفت توجهاتهم السياسية والفكرية، وتقوم على معادلة الانتماء إلى التاريخ والجذور والانفتاح في الآن نفسه على تحولات العالم.
من ثلاث مقاولات إلى خمسين
وفي حديثه عن حصيلة ورش صناعة الألعاب الإلكترونية، قال بنسعيد إن المؤشرات المسجلة خلال السنوات الأخيرة تعكس بداية تشكل منظومة اقتصادية ومهنية حول القطاع بعدما انتقل المغرب، بحسب الأرقام التي قدمها من ثلاث مقاولات صغرى إلى خمسين مقاولة.
وأوضح الوزير أن الأثر بدأ يظهر أيضا على مستوى التشغيل، مشيرا إلى وجود مقاولات كانت تشغل شخصا واحدا وأصبحت تشغل سبعة أشخاص، في مؤشر على قدرة الشركات الصغيرة العاملة في المجال على توسيع نشاطها تدريجيا واستقطاب كفاءات جديدة.
ودعا بنسعيد، في هذا السياق، إلى النظر إلى تجربة Moroccan Gaming Expo وما تعرضه المقاولات المشاركة فيه من مشاريع وتجارب، باعتبارها إحدى واجهات التحول الذي بدأ يعرفه القطاع خصوصا مع دخول شباب مغاربة إلى سوق كانت إلى وقت قريب محدودة الحضور وطنيا.
ولا يقدم بنسعيد هذا الورش باعتباره رهانا على استهلاك الألعاب أو إنتاجها فقط، بل يوسع دائرته لتشمل ما يعرف بـGamification، أي توظيف تقنيات وآليات مستمدة من تصميم الألعاب في تطوير حلول وخدمات تتجاوز المجال الترفيهي.
وقال في هذا الصدد إن الحديث عن صناعة الألعاب الإلكترونية “لا يهم فقط اللعبة كلعبة” موضحا أن الاستوديوهات والكفاءات التي تتكون داخل هذه الصناعة يمكن أن تنتج حلولا تستعمل في قطاعات أخرى، من بينها الصحة والبيئة والأمن.
وشدد على أن الاستثمار في الـGaming، وفق هذا التصور الذي عرضه ويؤمن به بات مدخلا لبناء خبرة رقمية يمكن أن تتحرك بين أكثر من قطاع وليس سوقا مستقلة ينتهي نشاطها عند تطوير لعبة إلكترونية وطرحها للمستهلك.
الـGaming داخل رهان المغرب الصاعد
وربط بنسعيد تطور هذا القطاع بـ”المغرب الصاعد”، معتبرا أن ما يجري في صناعة الألعاب الإلكترونية جزء من تحول أشمل يراد من خلاله إدخال الشباب والكفاءات المغربية إلى مجالات اقتصادية وتكنولوجية جديدة.
وقال إن “تطور هذا المجال منخرط مرة أخرى، في هذا المغرب الصاعد الذي تكلمنا عليه” في إحالة على الرؤية التي يقدمها حزب الأصالة والمعاصرة للمرحلة المقبلة.
وتكشف هذه المقاربة عن محاولة وضع الصناعات الرقمية والإبداعية في قلب النقاش حول فرص الشغل الجديدة، خصوصا أن الرهان الذي يطرحه بنسعيد لا يقوم فقط على استقطاب شركات أو استهلاك منتجات جاهزة، بل على خلق مقاولات واستوديوهات مغربية وتكوين كفاءات قادرة على إنتاج خدمات وحلول من داخل المملكة.
بنسعيد: أنا في “البام” منذ 2008
وفي انتقاله من حصيلة القطاع الحكومي إلى وضع حزب الأصالة والمعاصرة، استعاد بنسعيد علاقته التنظيمية بالحزب، قائلا “أنا في الحزب من 2008”
ومن موقع هذه التجربة الممتدة، اعتبر بنسعيد أن الأصالة والمعاصرة يعيش حاليا مرحلة استقرار تنظيمي وصفها بأنها قد تكون الأولى من نوعها داخل الحزب، بالنظر إلى ما عرفه “البام” خلال مراحل سابقة من تحولات على مستوى القيادة والتنظيم.
وبالنسبة إليه، لا تتوقف أهمية هذا الاستقرار عند تدبير الهياكل المركزية، وإنما تكمن أساسا في المساحة التي أتاحها لإعادة ترتيب التنظيمات الترابية والموازية وتقوية حضور الحزب على المستويات الجهوية والإقليمية والمحلية.
وقال بنسعيد إن “الاستقرار التنظيمي” يسمح للحزب بتقوية تنظيماته الجهوية والإقليمية والمحلية، إلى جانب التنظيمات الموازية، مشيرا إلى أن المرحلة أتاحت أيضا تعزيز حضور النساء والشباب من خلال منظمتي الحزب المخصصتين لهما.
تنظيمات جديدة في جهات وأقاليم
وأوضح بنسعيد أن عددا من الأقاليم والجهات لم تكن تتوفر سابقا على تنظيمات محلية أو جهوية للحزب، بينما باتت اليوم تتوفر على هياكل تنظيمية، مع إقراره في الوقت نفسه بأن تأسيس هذه التنظيمات لا يعني أن المهمة انتهت.
وشدد القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة على أن المرحلة المقبلة تقتضي تقوية هذه الهياكل حتى تتحول إلى فاعل حقيقي داخل الأحياء والمدن التي توجد بها، في تصور يجعل التنظيم الحزبي المحلي أكثر ارتباطا بالمجال الذي يتحرك داخله.
ووضع بنسعيد، التحدي التنظيمي للحزب في مرحلة ثانية تتجاوز إنشاء الهياكل إلى قياس قدرتها على الفعل والحضور محليا، وعلى الانتقال من الوجود التنظيمي إلى التأثير داخل محيطها الاجتماعي والسياسي.
“التمغربيت هي حنا”
وفي محور آخر من الحوار، توقف بنسعيد عند مفهوم “التمغربيت” الذي يشكل أحد المرتكزات التي يدافع عنها في تصوره للثقافة والهوية.
وقال بنسعيد: “في الأخير، التمغربيت هي حنا” رافضا حصر المفهوم في الحزب الذي ينتمي إليه، قبل أن يستدرك بأن “التمغربيت” تحمل في جوهرها الجمع بين الأصالة والمعاصرة بالمعنى الثقافي والحضاري للمفهومين.
ويشرح بنسعيد ذلك بالانتماء إلى التاريخ والجذور وبالإحساس بالهوية المغربية، من دون تحويل هذا الانتماء إلى انغلاق، فالمغرب وفق قراءته، لم يكن تاريخيا بلدا منغلقا على نفسه وإنما ظل منفتحا على التجارب القادمة من الخارج واستفاد منها في تطوير مساره.
ولا يحصر هذا الانفتاح في التكنولوجيا والتحولات التقنية، بل يمده إلى الأفكار والتجارب السياسية والأيديولوجية التي عرفها العالم، مع الحفاظ في المقابل على قاعدة مشتركة يعتبر أنها تظل قائمة مهما اختلفت المرجعيات والاختيارات.
ما الذي يبقى حين يختلف المغاربة؟
في تصور بنسعيد، لا تعني “تامغربيت” إلغاء الاختلاف أو إنتاج قالب فكري واحد للمغاربة على العكس، ينطلق المفهوم لديه من الاعتراف بإمكانية اختلاف التوجهات السياسية والفكرية مع استمرار وجود أرضية مشتركة تجمع أصحابها.
ووصف بنسعيد هذه الأرضية بـ”le socle”، أي القاعدة التي تظل جامعة للمغاربة مهما تباينت مواقعهم، قائلا إن هناك “شيئا يجمعنا كلنا” وإن هذه القاعدة هي “تامغربيت”
وبصيغة أكثر مباشرة، شرح فكرته بالقول إن ما يجمع مغربيين لا يفترض أن تكون لهما التوجهات السياسية أو الفكرية نفسها، يمكن لكل واحد منهما أن يحمل تصورا مختلفا، فيما يظل الانتماء المغربي قاعدة مشتركة لا يلغيها ذلك الاختلاف.
ويحاول بنسعيد، من خلال هذا التعريف نقل “تامغربيت” من مستوى الشعار الهوياتي إلى مفهوم يراد له أن يؤطر تصورا أوسع للثقافة والسياسات العمومية وهي جذور تاريخية وهوية مشتركة من جهة، وانفتاح على العالم وتجاربه وأفكاره من جهة ثانية.
وربط بنسعيد هذا التصور أيضا بالكتاب الذي قدم فيه رؤيته للمشروع الثقافي، موضحا أن الغاية كانت شرح مضمون “تامغربيت” باعتبارها أساسا يمكن أن يؤطر المشروع الثقافي نفسه.
ولا يقف الأمر بحسب حديثه، عند التأطير النظري أو الثقافي إذ يعتبر أن المفهوم يمكن أن يمتد إلى طريقة بناء السياسات العمومية التي تقدم مستقبلا للمغاربة.

اترك تعليقاً