27 سنة من الرؤية الملكية.. هندسة متعددة الأبعاد للعقيدة الأمنية المغربية في مواجهة الإرهاب

منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، أصبح ملف مكافحة الإرهاب أحد أبرز أولويات الدولة المغربية، في سياق إقليمي ودولي مطبوع بصعود التنظيمات المتطرفة وتنامي المخاطر العابرة للحدود.

وجعل المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، جعل من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية وطنية واستراتيجية، بما ينسجم مع خياره الدستوري الثابت في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز مكانته داخل المنظومة المالية الدولية.

وخلال سبعة وعشرين سنة من الحكم، تبلورت استراتيجية شمولية انتقلت بالمغرب من دولة مهددة إلى دولة مرجعية في إدارة المخاطر الإرهابية، تجمع بين المقاربة الأمنية الصارمة، والإصلاحات القانونية، وإعادة هيكلة الحقل الديني، فضلا عن الانخراط في المبادرات الدولية والإفريقية لمحاربة الإرهاب والتطرف العنيف.

إعادة بناء المنظومة الأمنية

وتزامن جزء كبير من عهد جلالة الملك محمد السادس مع حدثين مفصليين، هما هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة، وتفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، اللذان كشفا هشاشة المنظومة الأمنية التقليدية وفرضا مراجعة شاملة للأدوات المعتمدة في مواجهة الإرهاب.

وساهمت التحولات في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وصعود جماعات مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في دفع المغرب إلى بناء رؤية استباقية تتجاوز الدفاع عن الحدود الوطنية إلى المشاركة النشطة في أمن الفضاء الإقليمي الأوسع.

وأعاد المغرب هيكلة أجهزته الأمنية والاستخباراتية، وعزز التنسيق بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والأمن الوطني، والدرك الملكي، ما مكّن من الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي.

وشكّل إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015 نقطة تحول، حيث أصبح هذا الجهاز المتخصص في جرائم الإرهاب أحد الفاعلين الرئيسيين في تفكيك الخلايا المتطرفة وضربها في مهدها قبل المرور إلى التنفيذ.

وبعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003، اعتمد المغرب قانونا خاصا بمكافحة الإرهاب يجرّم الأعمال الإرهابية ويحدد صور الجريمة عندما تستهدف النظام العام بالتخويف أو العنف، مع تشديد العقوبات على الانضمام للتنظيمات الإرهابية وتمويلها.

وتطورت هذه الترسانة مع قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي سمحت برفع السرية البنكية في حالات الاشتباه، واعتماد آليات مثل التسليم المراقب، واعتراض الاتصالات، وتوسيع الاختصاص القضائي لملاحقة المتورطين داخل وخارج التراب الوطني.

البعد الديني والفكري في رؤية الملك 

وتبنى المغرب، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه، فلسفة أن الأمن لا يتحقق فقط عبر الزجر، بل يتطلب أيضا “أمنا روحيا” يحول دون استغلال الدين في نشر خطاب الكراهية والتكفير، لذلك أعيد تنظيم الحقل الديني عبر المجلس العلمي الأعلى، وتقنين الفتوى، وإعادة هيكلة وزارة الأوقاف.

كما أطلقت برامج نوعية مثل برنامج “مصالحة” داخل السجون، الذي يقوم على إعادة التأهيل الديني والمواكبة النفسية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ما يعكس محاولة معالجة جذور التطرف، لا الاكتفاء بالعقاب الزجري.

وفي نونبر الماضي، أعلنت المندوبية العامة لإدارة السجون أنه تم الإفراج عن 288 سجينا مدانين بقضايا “التطرف والإرهاب” منذ إطلاق البرنامج عام 2017.

وأوضحت أن “198 سجينا استفادوا من برنامج المصالحة بإطلاق سراحهم بعفو ملكي و90 سجينا الباقون انتهت مدة سجنهم”.

نجاح البرنامج شكل منطلقا حاسما للعبور نحو مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ نهج المأسسة، وفق ما أكده رئيس مركز “مصالحة”، أحمد عبادي، يوليوز الماضي، معلنا إطلاق برنامج خاص بالعائدين من بؤر التوتر.

وكشف أن البرنامج انطلق بمشاركة الفوج الأول الذي يضم 21 نزيلا، موضحا أن هذا البرنامج يأتي في سياق استكمال وتطوير المقاربة الوطنية في مجال الوقاية من التطرف العنيف وإعادة التأهيل والإدماج، من خلال توفير مواكبة متعددة الأبعاد لهذه الفئة تراعي خصوصيات مساراتها، وتستجيب لحاجياتها النفسية والاجتماعية والفكرية، وتلبي متطلبات إدماجها الآمن والمسؤول داخل حضن المجتمع.

الأمن الاستباقي بلغة الأرقام

وأصبح المغرب نموذجا في استباق الخطر الإرهابي محليا وإقليميا ودوليا، إذ كشفت وزارة الداخلية عن تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية منذ سنة 2002 إلى غاية نونبر 2025، من بينها ثلاث خلايا خلال 2025، وخمس خلايا خلال سنة 2024.

 وأظهرت الأبحاث ارتباط عدد من أفراد هذه الخلايا بتنظيمات إرهابية تنشط، على الخصوص، بمنطقة الساحل والصحراء، وهو ما يعكس استمرار التهديدات الإقليمية وتطورها.

وأكدت الداخلية أن مواجهة هذه الأخطار تقوم على مقاربة استباقية ترتكز على الرصد المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون الدولي، وهو ما مكن المغرب من الإسهام في إحباط عدد من المخططات الإرهابية وتعزيز مكانته كشريك موثوق في جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

ولم تعد المقاربة الاستباقية تقتصر على المجال الميداني، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث واصلت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، تنزيل الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030. وخلال سنة 2025،

 تم رصد 879 حادثا سيبرانيا، استدعى 109 منها تدخلا مباشرا من مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية، كما خضعت 76 منصة وتطبيقا إلكترونيا لعمليات افتحاص أمني، كشفت عن 20 ثغرة أمنية حرجة تمت معالجتها، إلى جانب مواصلة تأهيل مقدمي خدمات افتحاص أمن نظم المعلومات وخدمات الثقة الرقمية، بما يعزز حماية البنيات التحتية الحيوية ويكرس الأمن السيبراني كركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني.

تدخلات متعددة الأبعاد

ولا يمكن اختزال المقاربة الأمنية الاستباقية التي يعتمدها المغرب في مكافحة الإرهاب فقط، إذ باتت تقوم على مواجهة مختلف التهديدات العابرة للحدود، من الجريمة المنظمة والاتجار الدولي بالمخدرات إلى التهريب والجرائم السيبرانية.

وتعكس حصيلة سنة 2025 توسيع نطاق هذه المقاربة، من خلال تعزيز القدرات الاستخباراتية والتقنية، وتكثيف العمليات الميدانية، وتطوير آليات التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية.

وتظهر حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني برسم سنة 2025 استمرار تنفيذ الاستراتيجية المرحلية لمكافحة الجريمة للفترة الممتدة بين 2022 و2026، عبر تقوية بنيات مكافحة الجريمة، وتطوير مختبرات الشرطة العلمية والتقنية، وتوسيع استخدام الاستعلام الجنائي والدعم التقني في الأبحاث.

وأسفرت هذه الجهود عن تفكيك 1112 شبكة إجرامية وتوقيف 1737 شخصا مرتبطين بها، إلى جانب حجز 166 سيارة و112 دراجة نارية استُعملت في أنشطتها.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها بالنظر إلى الطبيعة المركبة للشبكات الإجرامية، التي تنشط في تهريب المخدرات والأشخاص، واستعمال الوثائق المزورة، وتبييض الأموال، مع امتدادات تتجاوز الحدود الوطنية.

وفي السياق نفسه، سجلت وحدات الدرك الملكي خلال سنة 2025 ما يناهز 9000 قضية مرتبطة بتهريب المخدرات، مكنت من تفكيك 75 شبكة إجرامية، وحجز أزيد من 500 طن من المخدرات بمختلف أنواعها، إضافة إلى أكثر من 1812 وسيلة نقل استُعملت في الأنشطة الإجرامية.

المخدرات جسر الجريمة إلى التمويل

وتشكل المخدرات أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى شبكات الجريمة المنظمة، كما أن عائداتها قد تمر عبر الوسطاء وشركات الواجهة والتحويلات المالية والعقارات قبل إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية.

وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 106 آلاف و117 قضية مرتبطة بالمخدرات، وأوقفت 134 ألفا و126 شخصا، من بينهم 378 أجنبيا من جنسيات مختلفة.

وبلغت المحجوزات 170 طنا و796 كيلوغراما من الحشيش ومشتقاته، وطنا و731 كيلوغراما و558 غراما من الكوكايين، و5 كيلوغرامات و996 غراما من الهيروين، فضلا عن مليون و591 ألفا و455 قرصا من المؤثرات العقلية، من بينها 350 ألفا و572 قرصا من مخدر “الإكستازي”.

ولا تعكس هذه الأرقام فقط حجم سوق المخدرات، بل تظهر الطابع الدولي للشبكات المتورطة فيه، فقد شهدت سنة 2025 تنفيذ ست عمليات للتسليم المراقب بتنسيق مع إسبانيا، أسفرت عن حجز 55 طنا و471 كيلوغراما من مخدر الشيرا وتوقيف 38 شخصا يشتبه في تورطهم في الاتجار الدولي بالمخدرات.

وتختلف عملية التسليم المراقب عن الحجز التقليدي، إذ تسمح للأجهزة الأمنية بمتابعة الشحنة تحت المراقبة، بهدف الوصول إلى باقي أعضاء الشبكة، وتحديد أماكن التخزين والتوزيع، وكشف الوسطاء والجهات التي تتولى تمويل العملية أو غسل عائداتها.

وهذا النوع من العمليات يوضح كيف تتحول مكافحة المخدرات إلى مدخل للتعاون الاستخباراتي، لأن الشحنة قد تنطلق من دولة، وتعبر عدة بلدان، ويجري تمويلها من جهة أخرى، بينما توجد وجهتها النهائية داخل السوق الأوروبية.

ما وراء الهجرة غير النظامية

غالبا ما يظهر ملف الهجرة غير النظامية في صورة مجموعات من الأشخاص تحاول عبور الحدود أو الوصول إلى السواحل الأوروبية، لكن خلف هذه الصورة توجد شبكات تنظم النقل، وتجمع الأموال، وتوفر أماكن الإيواء، وتزور الوثائق، وتنسق مواعيد العبور.

وخلال سنة 2025، فككت مصالح الأمن الوطني 105 شبكات تنشط في تنظيم الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وأوقفت 415 منظما ووسيطا، كما حجزت 684 وثيقة سفر مزورة.

وتمكنت العمليات الأمنية من إحباط محاولات هجرة غير نظامية كان يستعد لتنفيذها 34 ألفا و211 شخصا، من بينهم 7008 أجانب ينتمون إلى جنسيات إفريقية وعربية وآسيوية.

وتظهر هذه المعطيات أن التعامل الأمني مع الهجرة لم يعد يقتصر على منع العبور، بل يتجه نحو تفكيك الشبكات التي تستفيد ماليا من المهاجرين. وهو تحول مهم، لأن المرشح للهجرة قد يكون ضحية للاستغلال أو الاتجار بالبشر، بينما يوجد المستفيد الحقيقي بعيدا عن نقطة الانطلاق أو العبور.

كما أن شبكات الهجرة غير النظامية تمتلك خبرة في المسارات السرية وتزوير الوثائق وإخفاء الأشخاص ونقل الأموال. وهذه القدرات قد تجعلها موضع استغلال من شبكات أخرى تعمل في المخدرات أو تهريب المطلوبين، وقد تستفيد منها تنظيمات متطرفة في تحريك عناصر أو توفير دعم لوجستي.

لذلك، أصبح التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة يشمل تبادل المعلومات حول المنظمين والوسطاء ومسارات الأموال والوثائق المزورة، وليس فقط مراقبة الحدود البحرية والبرية.

الفضاء الرقمي “نواة” الاهتمام المغربي

إلى جانب الطرق التقليدية للتهريب والتنقل، أصبح الإنترنت مجالا أساسيا لنشاط الجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية. فمن خلاله يجري الاستقطاب ونشر الدعاية وتبادل التعليمات وجمع الأموال والتنسيق بين أفراد لا يلتقون بالضرورة على أرض الواقع.

وخلال سنة 2025، عالجت مصالح الأمن الوطني 13 ألفا و643 قضية مرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة والابتزاز المعلوماتي، ورصدت 3131 محتوى ذا طبيعة إجرامية، كما بلغ عدد الانتدابات الدولية الموجهة في هذه القضايا 1036 انتدابا، فيما تم توقيف وإحالة 415 شخصا على العدالة.

ومنذ إطلاق منصة “إبلاغ” في يونيو 2024، توصلت المنصة بـ25 ألفا و876 إشعارا وبلاغا، شملت التشهير والتحريض والتهديد بارتكاب جرائم والابتزاز الجنسي وانتحال الصفة والإشادة بالأعمال الإرهابية.

وفي الشق المتعلق بالإرهاب والتطرف، أحالت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية خلال سنة 2025 ما مجموعه 21 شخصا على النيابة العامة المختصة، دون احتساب الملفات التي عالجها المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

وتوزعت الحالات بين ثمانية أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بخلية إرهابية والإعداد لأعمال إرهابية والإشادة بها، وسبعة أشخاص من أجل تحريض الغير على الالتحاق بتنظيمات إرهابية في الخارج، وشخصين للاشتباه في التخطيط لعمل إرهابي ضمن عصابة إجرامية، وأربعة أشخاص من أجل التهديد بارتكاب عمل إرهابي.

ولا تمثل هذه الأرقام الحصيلة الكاملة لمكافحة الإرهاب في المغرب، لأنها لا تشمل القضايا التي باشرها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكنها تكشف تعدد المراحل التي يمكن أن يتدخل فيها العمل الاستباقي، من الإشادة والتحريض إلى التجنيد والتخطيط.

الساحل… مصدر للتهديد ومحرك للتحالفات

تكتسب الشراكات الأمنية التي يبنيها المغرب بتوجيهات ملكية سامية أهميتها في سياق إقليمي مضطرب، فقد ساهمت الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب انسحاب أو تقليص حضور عدد من بعثات حفظ السلام الأممية، في تغيير موازين القوة داخل الساحل.

وفي المناطق التي تراجع فيها حضور الدولة، وجدت التنظيمات المتطرفة مجالا أوسع للتحرك، وفرض الإتاوات، والسيطرة على بعض الطرق، واستغلال التجارة غير المشروعة، كما أصبحت قادرة على بناء علاقات مع شبكات محلية تنشط في تهريب الوقود والذهب والأسلحة والمخدرات والبشر.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اندماج كامل بين كل الشبكات الإجرامية والجماعات الإرهابية، لكن الطرفين قد يستفيدان من الطرق نفسها والوسطاء أنفسهم، فقد تدفع جماعة مسلحة مقابلا لشبكة تهريب من أجل نقل عناصر أو أسلحة، بينما تستفيد الشبكة الإجرامية من حالة الفراغ الأمني التي تفرضها الجماعة داخل منطقة معينة.

وهنا يكمن الخطر بالنسبة إلى المغرب ودول جنوب أوروبا، فالمسافة الجغرافية بين مناطق نشاط الجماعات الإرهابية في الساحل وبين السواحل المتوسطية لم تعد حاجزا أمنيا كافيا، خصوصا مع وجود مسارات للتهريب وشبكات دعم لوجستي واتصالات رقمية تسمح بإدارة العمليات عن بعد.

وأظهرت عملية أمنية مشتركة نفذها المغرب وإسبانيا في 25 مارس 2026 هذا الترابط بين التهديد الإفريقي والخطر الأوروبي، بعدما جرى تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم “داعش”، بعد توقيف عنصرين في طنجة ومشتبه فيه ثالث في جزيرة مايوركا الإسبانية، وأفادت المعطيات المنشورة بأن التحقيقات شملت شبهات تتعلق بتمويل الإرهاب والإعداد لتنفيذ هجوم داخل إسبانيا.

وتعكس هذه العملية انتقال التعاون المغربي الإسباني إلى مستوى التدخل المتزامن، فبدلا من أن يعمل كل جهاز بصورة منفصلة، أصبحت التحقيقات تدار بطريقة تسمح بتوقيف أعضاء الشبكة في أكثر من دولة وفي توقيت متقارب، بما يقلل من إمكانية فرار المشتبه فيهم أو إتلاف الأدلة.

كما تعكس العملية تغير طبيعة الخلايا الإرهابية نفسها، إذ لم تعد الخلية بالضرورة مجموعة مجتمعة في مكان واحد، بل قد يكون أعضاؤها موزعين بين مدينتين أو دولتين، ويتولون أدوارا مختلفة تشمل التمويل والاستقطاب والتواصل وجمع المعلومات والتحضير الميداني.

وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير في القضايا الأمنية محمد شقير، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن ما يميز التجربة المغربية اليوم هو أنها لم تعد تقتصر على تبادل المعلومات الأمنية مع الشركاء الدوليين، بل أصبحت تساهم في إنتاج المعلومة الاستخباراتية التي تُبنى عليها تحقيقات وعمليات دولية معقدة.

ويؤكد شقير أن الثقة التي تحظى بها الأجهزة المغربية لم تأت من فراغ، وإنما هي نتيجة سنوات من اعتماد المقاربة الاستباقية، وتطوير قدرات الرصد والتحليل، والنجاح في تفكيك الخلايا الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما جعل المغرب ينتقل تدريجيا من دولة تتلقى المعلومات الأمنية إلى شريك يشارك في إنتاج الأمن الإقليمي والدولي.

من حماية الداخل إلى المساهمة في الأمن الدولي

وأصبح المغرب، بفضل هذه الاستراتيجية المتعددة الأبعاد، شريكا رئيسيا للعديد من الدول الأوروبية والإفريقية في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات الإرهابية، وساهمت معطياته في إحباط عمليات خارج حدوده الوطنية.

المغرب اليوم، بفضل الرؤية الملكية، أضحى أيضا مرجعا في المقاربة الشمولية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وهو ما يتجلى في انتخابه لرئاسة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وتجديد الثقة فيه داخل الأطر متعددة الأطراف.

وبُنيت المقاربة المغربية في مكافحة الإرهاب على فكرة أساسية هي عدم انتظار وصول الخطر إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما يفسر حضور مفهوم “الأمن الاستباقي” في الخطاب الأمني المغربي، باعتباره عملا يبدأ بجمع المعطيات وتحليلها، ويمر برصد مؤشرات التطرف والتجنيد والتمويل، وينتهي بالتدخل قبل الانتقال إلى الفعل الإرهابي.

لكن قيمة هذه المقاربة لم تعد تقاس فقط بعدد الخلايا التي يجري تفكيكها داخل المغرب، بل أيضا بقدرة الأجهزة المغربية على توفير معلومات تسمح بإحباط عمليات أو تفكيك شبكات خارج التراب الوطني.

وتكشف قضايا دولية عرضت أمام القضاء الأمريكي أن العلاقة الأمنية بين المغرب والولايات المتحدة تجاوزت مستوى التعاون التقليدي، من خلال تبادل المعلومات أو تقديم الدعم التقني، بل اتخذ طابعا عملياتيا مباشرا.

ففي مارس الفارط، كشفت وثائق قضائية صادرة عن مكتب المدعي العام للولايات المتحدة للمنطقة الشرقية لولاية فيرجينيا، في قضية تسليح كارتل “خاليسكو الجيل الجديد”، أن الأجهزة الأمنية المغربية نفذت عملية توقيف المتهم الكيني إليشا أوديامبو أسومو بالدار البيضاء، قبل استكمال إجراءات تسليمه إلى الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرتها واشنطن حاسمة في تفكيك الشبكة

 وفي قضية ثانية خاصة بـ”الناركو-إرهاب” متعلقة بأنطوان قسيس، فقد ساهمت المديرية العامة للأمن الوطني في دعم التحقيق الدولي عبر توفير معطيات أمنية واستخباراتية ضمن فريق دولي تقوده إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، ما أسهم في جمع الأدلة التي قادت إلى إدانة المتهم.

ويعكس هذا التدخل المباشر انتقال المغرب إلى موقع الشريك التنفيذي في العمليات الأمنية الدولية، إذ لم يعد مجرد طرف يقدم المساندة أو يتجاوب مع طلبات التعاون القضائي.

أيضا، يعد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا نموذجا واضحا لشراكة تتجاوز البعد الثنائي التقليدي نحو تنسيق استراتيجي قائم على الثقة وتبادل الخبرات.

وأضحت المملكة المغربية، في السياق الأوروبي والمتوسطي، ينظر إليها باعتبارها فاعلا أمنيا لا يكتفي بحماية حدوده ومجاله الداخلي، بل يساهم أيضا في دعم الاستقرار الإقليمي عبر عمل استخباراتي وعملياتي متقدم، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

هذا التحول يعكس مكانة المغرب كقوة أمنية ذات وزن متزايد في محيطه الجغرافي، وقادرة على بناء شراكات عملية مع الدول الأوروبية الأكثر احتياجا إلى التنسيق الأمني.

وتبرز أهمية هذا التعاون أيضا في كونه تعاونا وظيفيا وميدانيا، لا يقتصر على اللقاءات الدبلوماسية أو البروتوكولات الرسمية، بل يمتد إلى عمليات مشتركة وتبادل للمعلومات أفضى في أكثر من مناسبة إلى تفكيك شبكات إجرامية عابرة للحدود.

وفي هذا السياق، يظهر المغرب كشريك أمني موثوق لدى مدريد، بالنظر إلى خبرته في تتبع التهديدات الإرهابية وتفكيك الشبكات الدولية المرتبطة بتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع.

كما اكتسبت الشراكة الأمنية المغربية بعدا دوليا أوسع مع مساهمة الأجهزة المغربية في تأمين مونديال قطر 2022، حيث تم الاستعانة بالخبرة المغربية ضمن الجهود الأمنية المرتبطة بهذا الحدث العالمي.

وقد عكس ذلك اعترافا عمليا بالكفاءة التي راكمتها الأجهزة الأمنية المغربية في إدارة المخاطر الكبرى وتأمين التظاهرات ذات الحساسية العالية، وهو ما عزز صورة المغرب كفاعل أمني دولي قادر على تصدير خبرته خارج حدوده.

تحول عميق في العقيدة الأمنية

ويرى الخبير محمد شقير، أن الأرقام المسجلة لا تعكس فقط كفاءة في ضبط الجريمة، بل تحولا عميقا في العقيدة الأمنية المغربية، التي انتقلت من التدخل بعد وقوع الجريمة إلى استباقها وضرب بنيتها التنظيمية والمالية واللوجستية قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

ويوضح، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذا التحول هو نتيجة تراكم خبرة استخباراتية امتدت لعقود، بدأت مع مواجهة التنظيمات المتطرفة منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم تعززت بعد هجمات الدار البيضاء سنة 2003، حيث طور المغرب منظومة متكاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي والبحث القضائي والتنسيق الميداني.

ويؤكد أن التعاون الأمني المغربي الأمريكي دخل مرحلة جديدة بعد هجمات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لم يعد المغرب مجرد متلق للمعلومات، بل أصبح شريكا يساهم في إنتاجها وتحليلها، وشارك في تحقيقات مرتبطة بعناصر متطرفة بفضل الخبرة التي راكمها محققوه في فهم بنية التنظيمات الإرهابية وخطابها وأساليب تجنيدها.

وأسهمت معلومات قدمتها الأجهزة المغربية في إحباط مخططات إرهابية خارج المملكة، سواء في الولايات المتحدة أو في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما رسخ مصداقية الاستخبارات المغربية لدى شركائها الدوليين.

ويضيف شقير أن نجاح المقاربة الاستباقية لم يرتبط فقط بقدرات التدخل، وإنما ببناء منظومة استخباراتية متكاملة تضم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والمديرية العامة للدراسات والمستندات، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية، إلى جانب توظيف الوسائل الرقمية والرصد الإلكتروني والعمل الميداني، ما أتاح تكوين بنك معلومات واسع حول تحركات التنظيمات الإرهابية، خصوصا بعد انتقال نشاط تنظيم “داعش” إلى منطقة الساحل.

ويبرز الخبير ذاته أن هذه المعطيات جعلت المغرب فاعلا أساسيا في الأمن الإقليمي، وأحد أبرز الشركاء الذين تعتمد عليهم الدول الغربية في مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، ما يفسر اتساع نطاق التعاون الأمني وتزايد الإشادة الدولية بالتجربة المغربية وتكريم مسؤوليها الأمنيين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *