من البنية التحتية إلى القوة الجيو-اقتصادية.. رؤية ملكية تصنع مغرب المستقبل

لم تكن البنية التحتية في المغرب، خلال العقود الماضية، مجرد قطاع من قطاعات الاستثمار العمومي، بل تحولت إلى أحد أبرز أعمدة المشروع التنموي الذي قاده الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش في 30 يوليوز 1999.

ومنذ السنوات الأولى للعهد الجديد، برز توجه واضح نحو بناء اقتصاد أكثر تنافسية، يقوم على تحديث شبكات النقل، وتوسيع الموانئ والمطارات، وتأهيل البنيات المائية، وربط مختلف جهات المملكة بشبكة متكاملة من التجهيزات الكبرى.

هذا التوجه لم يتشكل دفعة واحدة، بل تدرج عبر خطابات ملكية، ومجالس وزارية، وجلسات عمل، قبل أن يترجم إلى مشاريع مهيكلة غيرت الخريطة الاقتصادية للمغرب، وجعلته اليوم من بين الدول الإفريقية الأكثر استثمارا في البنية التحتية. ولم تعد هذه المشاريع تقاس بعدد الكيلومترات أو المنشآت التي أنجزت، وإنما بقدرتها على استقطاب الاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستيكي يربط أوروبا بإفريقيا.

سنة 2000.. التنمية الاقتصادية مدخل لبناء المغرب الجديد

بعد أقل من سنة على اعتلاء العرش، وضع الملك محمد السادس أولى ملامح هذه الرؤية في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2000، حين أكد أن التنمية الاقتصادية تشكل أساس الإصلاح الشامل، قائلا: “إنه لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية، مما يستوجب بناء اقتصاد جديد، قادر على مواكبة العولمة، ورفع تحدياتها.”

ذا التوجيه رسم الإطار العام الذي ستنبثق منه مختلف الأوراش الكبرى خلال السنوات اللاحقة، لأن بناء اقتصاد قادر على المنافسة كان يقتضي توفير بنية تحتية حديثة، تسمح بتنقل الأشخاص والسلع في ظروف أفضل، وتخفض كلفة الإنتاج، وتجعل المغرب أكثر جاذبية للمستثمرين.

ومنذ تلك المرحلة، بدأت الدولة رفع وتيرة الاستثمار في الطرق السيارة، وتأهيل الموانئ، وتطوير المطارات، إلى جانب إطلاق برامج لفك العزلة عن العالم القروي، في إطار تصور يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة المجالية.

من الرؤية إلى التنفيذ.. بداية الأوراش المهيكلة

مع مطلع الألفية الجديدة، انتقل المغرب من مرحلة وضع التصورات إلى مرحلة إطلاق المشاريع الكبرى، فخلال خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية لسنة 2003، جدد الملك تأكيد ضرورة تحسين مناخ الاستثمار وتطوير التجهيزات الأساسية، باعتبارها أحد الشروط الرئيسية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفي السنة نفسها، تكثفت الدراسات المتعلقة بأحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ المملكة، وهو ميناء طنجة المتوسط، الذي خضع لسلسلة من جلسات العمل الملكية قبل إعطاء انطلاقة الأشغال في فبراير 2003، ليصبح لاحقا أبرز نقطة في السياسة اللوجستية للمغرب.

ولم يكن اختيار طنجة اعتباطيا، فموقعها عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وعلى مقربة من مضيق جبل طارق، منحها مؤهلات طبيعية جعلت المشروع يتجاوز فكرة إنشاء ميناء جديد، إلى بناء منصة قادرة على إعادة تموقع المغرب داخل سلاسل التجارة العالمية.

لكن أهمية المشروع لا تكمن في الميناء وحده، بل في المنظومة الاقتصادية التي نشأت حوله. فقد واكبت الدولة إنجازه بإحداث مناطق صناعية ولوجستيكية، وربطه بالطرق السيارة والسكك الحديدية، مما جعل طنجة تستقطب استثمارات صناعية كبرى، خاصة في قطاعي السيارات والطيران، وأسهم في تحول الجهة إلى أحد أهم مراكز التصدير بالمملكة.

وبهذا الانتقال، لم يعد الميناء مجرد فضاء لعبور السفن، بل أصبح محورا اقتصاديا متكاملا، يجسد الفلسفة التي طبعت سياسة البنية التحتية خلال العهد الجديد: مشاريع مترابطة تخدم الاستثمار، وتعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمغرب.

وفي موازاة ذلك، واصلت الدولة توسيع شبكة الطرق السيارة، بهدف ربط أهم الأقطاب الاقتصادية للمملكة، وتقليص زمن التنقل بين المدن، وهو ما شكل بداية تحول نوعي في طريقة تدبير البنية التحتية، إذ لم تعد المشاريع تنجز بشكل منفصل، بل ضمن رؤية تجعل كل ورش يكمل الآخر.

الطرق السيارة.. ربط الجهات قبل جذب المستثمرين

عند بداية العهد الجديد، كانت شبكة الطرق السيارة بالمغرب لا تزال محدودة، وهو ما كان ينعكس على حركة نقل البضائع والأشخاص، ويرفع كلفة اللوجستيك بالنسبة للمقاولات.

ومنذ سنة 2000، شهد هذا القطاع دينامية متسارعة، حيث جرى إطلاق وإنجاز محاور استراتيجية ربطت الدار البيضاء بطنجة، ثم توسعت الشبكة نحو مراكش وأكادير ووجدة، مع إطلاق مشاريع للطرق السريعة لفك العزلة عن عدد من الجهات الداخلية.

ولم يكن الهدف مجرد اختصار زمن السفر، بل خلق فضاء اقتصادي أكثر اندماجا، يسمح بانتقال السلع بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والموانئ في وقت أقل، ويعزز جاذبية المناطق الصناعية الجديدة.

وتشير معطيات الشركة الوطنية للطرق السيارة إلى أن الشبكة أصبحت تمتد على نحو 1800 كيلومتر، لتعد من بين الأكبر على الصعيد الإفريقي، بينما تجاوزت مشاريع الطرق السريعة آلاف الكيلومترات الإضافية، في إطار سياسة تستهدف تحسين الربط الترابي بين مختلف جهات المملكة.

وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الاستثمار في الطرق السيارة لم يكن هدفا في حد ذاته، بل كان جزءا من سياسة اقتصادية أوسع جعلت البنية التحتية رافعة لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني

“عندما نستثمر في الطرق السيارة، فنحن لا نبني فقط مسالك للتنقل، بل نخفض الكلفة اللوجستيكية، ونختصر آجال نقل البضائع، ونرفع إنتاجية المقاولات، يؤكد جدري، الذي أبرز أن المستثمر، سواء كان مغربيا أو أجنبيا، يبحث أولا عن سهولة الولوج إلى الموانئ والأسواق ومناطق الإنتاج.

وأشار إلى أن توسع الشبكة الطرقية ساهم في إعادة توزيع الاستثمار على عدد من الجهات، ولم يعد النشاط الاقتصادي متمركزا فقط في محور الدار البيضاء، كما أن الربط بين الطرق السيارة والمناطق الصناعية والموانئ خلق منظومة متكاملة، انعكس أثرها على تنافسية الصادرات، وسهّل اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية.

وشدد الخبير على أن العائد الاقتصادي للبنية التحتية لا يقاس بعدد الكيلومترات المنجزة، وإنما بحجم الاستثمارات وفرص الشغل والقيمة المضافة التي تخلقها.

البراق.. مشروع نقل أم خيار استراتيجي؟

مع بداية العقد الثاني من الألفية، دخل المغرب مرحلة جديدة في تطوير بنياته التحتية، انتقل فيها من توسيع الشبكات الطرقية والمينائية إلى الاستثمار في النقل السككي عالي السرعة.

وفي 29 شتنبر 2011، أشرف جلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي على إعطاء الانطلاقة الرسمية لأشغال الخط فائق السرعة بين طنجة والقنيطرة، وهو مشروع أثار آنذاك نقاشا واسعا حول أولوياته وكلفته، قبل أن يتحول بعد سنوات إلى أحد أبرز رموز تحديث منظومة النقل بالمملكة.

وبعد سبع سنوات من الأشغال، دشن الملك محمد السادس في 15 نونبر 2018 قطار “البراق”، أول قطار فائق السرعة في إفريقيا، مؤكدا في كلمته بالمناسبة أن المشروع “ليس غاية في حد ذاته، وإنما يندرج ضمن رؤية شاملة تروم تطوير المنظومة الوطنية للنقل.”

هذا التوجيه يعكس فلسفة مختلفة في تدبير البنية التحتية، تقوم على اعتبار كل مشروع جزءا من شبكة متكاملة، وليس ورشا معزولا، فالبراق لم يقتصر أثره على تقليص زمن الرحلة بين طنجة والدار البيضاء، بل ساهم في تعزيز الربط بين ميناء طنجة المتوسط والمراكز الاقتصادية الكبرى، ورفع جاذبية المدن الواقعة على مساره، وتحسين تنقل رجال الأعمال والسياح، ودعم التكامل بين مختلف وسائل النقل.

خريطة اقتصادية جديدة تتشكل

ولم يقتصر أثر ميناء طنجة المتوسط وقطار البراق على تطوير البنية التحتية للنقل، بل امتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمملكة، من خلال تعزيز التكامل بين الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية.

وفي هذا الإطار، يرى مدير المرصد للعمل الحكومي، محمد جدري، أن هذه المشاريع تعكس تحولا في فلسفة الاستثمار العمومي، موضحا أن “ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تعتمد على إنجاز مشاريع منفصلة، بل على بناء منظومة لوجستيكية متكاملة”.

فميناء طنجة المتوسط لم ينجح لأنه ميناء حديث فقط، وإنما لأنه ارتبط بشبكة طرق سيارة، وسكك حديدية، ومناطق صناعية ولوجستيكية، ما خفض كلفة النقل وسهل اندماج المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج العالمية، يؤكد الخبير الاقتصادي.

ويضيف بأن الأمر نفسه ينطبق على قطار البراق، الذي عزز الربط بين الأقطاب الاقتصادية، ورفع من جاذبية محور طنجة-القنيطرة-الرباط-الدار البيضاء بالنسبة للمستثمرين.

2015.. الصحراء في قلب الرؤية التنموية

شكل خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، في 6 نونبر 2015، محطة مفصلية في مسار البنية التحتية بالمغرب، بعدما أعلن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، باعتباره رؤية متكاملة تهدف إلى تحويل الصحراء إلى قطب اقتصادي استراتيجي.

ومما جاء في الخطاب الملكي في هذا الصدد: “إن تطبيق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، يجسد وفاءنا بالتزاماتنا تجاه المواطنين بأقاليمنا الجنوبية، بجعلها نموذجا للتنمية المندمجة.. كما نريده دعامة لترسيخ إدماجها، بصفة نهائية في الوطن الموحد، وتعزيز إشعاع الصحراء كمركز اقتصادي، وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي”.

ولم يقتصر الخطاب على تحديد الأهداف، بل أعلن عن برنامج استثماري ضخم تجاوز 77 مليار درهم، شمل مشاريع في الطرق والموانئ والطاقة والماء والتكوين والصناعة والخدمات الاجتماعية.

ويعتبر هذا الخطاب نقطة تحول، لأنه نقل البنية التحتية من منطق الربط الداخلي إلى منطق التموضع الجيو-اقتصادي، حيث أصبحت المشاريع الكبرى تخدم أيضا الحضور الاقتصادي للمغرب في القارة الإفريقية.

ولم تبق هذه التوجيهات في حدود التصور، بل تحولت إلى أوراش ميدانية أعادت رسم ملامح الأقاليم الجنوبية، فقد تم إنجاز الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، الذي أطلق عليه المغرب اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو الطريق الذي وفر محورا استراتيجيا يربط شمال المملكة بجنوبها، وساهم في تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين مختلف الجهات.

وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعد من أكبر المشاريع المينائية بالمغرب، ويُرتقب أن يشكل منصة لوجستيكية موجهة نحو إفريقيا، بما يعزز مكانة المملكة في سلاسل التجارة البحرية، ويدعم قطاعات الصيد البحري والصناعة والخدمات.

وتؤكد هذه المشاريع أن الرؤية الملكية التي أعلن عنها في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2015 تجاوزت مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز، حيث تحولت الأقاليم الجنوبية إلى ورش تنموي مفتوح، أصبحت فيه البنية التحتية أداة لتعزيز الاندماج الوطني، وتقوية الحضور الاقتصادي للمغرب في عمقه الإفريقي.

الماء.. من سياسة السدود إلى الأمن المائي

إذا كانت السنوات الأولى من العهد الجديد قد تميزت بتوسيع الطرق والموانئ، فإن السنوات الأخيرة عرفت انتقال الاهتمام إلى تحدٍ لا يقل أهمية، وهو الأمن المائي.

ففي ظل توالي سنوات الجفاف، ترأس الملك محمد السادس عدة جلسات عمل خصصت لتتبع وضعية الموارد المائية، كان أبرزها جلسة العمل المنعقدة في 13 يناير 2020، التي خُصصت لإطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، والذي رصدت له اعتمادات مالية مهمة لإنجاز السدود، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، وتحسين شبكات نقل المياه.

وتعزز هذا التوجه في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2023، عندما أكد الملك أن “إشكالية الماء ليست ظرفية، ولا مرتبطة فقط بتأخر التساقطات، وإنما أصبحت تحديا بنيويا”، موجها الحكومة إلى “التسريع بإنجاز السدود المبرمجة، ومشاريع تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية.”

وبذلك انتقلت السياسة المائية من التركيز على بناء السدود فقط إلى اعتماد مقاربة أشمل تقوم على تنويع مصادر المياه، من بينها محطات التحلية، التي أصبح المغرب يتوفر على 17 محطة لتحلية مياه البحر بقدرة إنتاجية تصل إلى 350 مليون م³ في السنة، إضافة إلى 4 مشاريع أخرى قيد الإنجاز بقدرة إنتاجية تصل إلى 567 مليون م³ في السنة.

من إنجاز البنيات إلى بناء مغرب 2030

شكل إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم، يوم 4 أكتوبر 2023، اختيار الملف المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، لحظة مفصلية في مسار المملكة، غير أن الرؤية الملكية تعاملت مع هذا الإنجاز بمنطق يتجاوز تنظيم تظاهرة رياضية عالمية.

فمنذ الإعلان الرسمي، برز توجه واضح يقوم على جعل كأس العالم رافعة لتسريع إنجاز مشاريع مهيكلة كانت المملكة قد شرعت في إطلاقها، مع توسيعها وتسريع وتيرتها حتى تتحول إلى إرث تنموي دائم يخدم المواطنين والاقتصاد الوطني لعقود مقبلة.

ويعكس هذا المسار، الممتد من إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية إلى الأوراش المرتبطة بمونديال 2030، تطورا في فلسفة الاستثمار العمومي بالمغرب، حيث لم تعد البنية التحتية تقتصر على توفير التجهيزات الأساسية، بل أصبحت أداة لتعزيز التنافسية الاقتصادية والاندماج الترابي وترسيخ مكانة المملكة إقليميا وقاريا.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن ما يميز التجربة المغربية هو اعتماد رؤية متكاملة تقوم على ترابط مختلف المشاريع، موضحا أن “الطرق السيارة والموانئ والسكك الحديدية لم تُنجز باعتبارها مشاريع مستقلة، وإنما كأجزاء من منظومة لوجستيكية واقتصادية واحدة”.

وأكد جدري أنه مع إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، اكتسب هذا التوجه بعدا جيو-اقتصاديا من خلال تعزيز الربط مع العمق الإفريقي، فيما فرضت التحولات المناخية إدماج الأمن المائي ضمن أولويات التنمية.

 وأشار إلى أوراش مونديال 2030 تشكل امتدادا لهذه الرؤية، لأنها تسرّع إنجاز مشاريع النقل والمطارات والتهيئة الحضرية، وتترك إرثا تنمويا يتجاوز الحدث الرياضي نفسه. فالقيمة الحقيقية لهذه الأوراش لا تُقاس بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بقدرتها على رفع تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز جاذبية مختلف جهات المملكة للاستثمار.”

الملاعب.. إرث تنموي يتجاوز المنافسات

انسجاما مع هذه الرؤية، يشهد المغرب أكبر برنامج لتحديث البنيات الرياضية في تاريخه، لا باعتبارها منشآت مخصصة للمنافسات فقط، وإنما كجزء من مشروع أشمل لتأهيل المدن.

وفي هذا الإطار، تم خلال سنة 2025 تدشين المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط بعد إعادة تشييده بالكامل وفق أحدث المعايير الدولية، ليصبح إحدى أبرز المنشآت الرياضية بالقارة الإفريقية، والتي استضافت افتتاح ونهائي كأس إفريقيا للأمم سنة 2025.

وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، الذي سيكون أكبر الملاعب في العالم بسعة 115 ألف متفرج، فيما شهدت ملاعب طنجة، ومراكش، وفاس، وأكادير برامج واسعة للتأهيل والتحديث استعدادا للاستحقاقات القارية والعالمية.

غير أن هذه المشاريع لا تقتصر على الملاعب، بل تشمل إعادة تهيئة محيطها، وإنجاز محاور طرقية جديدة، وتحسين الولوج إليها، وتطوير شبكات النقل الجماعي، بما يجعلها مشاريع حضرية متكاملة تترك أثرا دائما بعد انتهاء المنافسات.

السكك الحديدية.. جيل جديد من النقل في أفق 2030

بعد نجاح تجربة القطار فائق السرعة “البراق”، دخل المشروع السككي المغربي مرحلة جديدة أكثر طموحا.

فقد أشرف الملك محمد السادس سنة 2025 على إعطاء انطلاقة أشغال الخط فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، وهو مشروع استراتيجي سيقلص مدة السفر بين شمال المملكة ووسطها، ويعزز الربط بين أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية، كما يهيئ لمرحلة لاحقة تمتد نحو الجنوب.

ولم يتوقف هذا الورش عند الخطوط عالية السرعة، إذ أشرف جلالته يوم 24 شتنبر 2025 على إطلاق مشاريع سككية مهيكلة باستثمار يبلغ 20 مليار درهم.

وتشمل هذه المشاريع إنجاز 260 كيلومترا من السكك المكهربة الجديدة، وبناء وتوسعة 50 منشأة فنية، وإنشاء 11 محطة فرعية كهربائية، وتشييد 10 محطات جديدة لخدمات القرب، وتأهيل 5 محطات، وبناء 3 محطات كبرى من الجيل الجديد، إضافة إلى إحداث مركزين وخمس ورشات للصيانة، واقتناء 48 قطارا مخصصا لخدمات القرب والنقل الجهوي.

وتعكس هذه الأوراش انتقال الرؤية الملكية من ربط المدن الكبرى فقط، إلى تطوير منظومة نقل حديثة تخدم التنقل اليومي للمواطنين، وتخفف الضغط على الطرق، وتواكب النمو الحضري، وتدعم التنمية الاقتصادية في أفق 2030.

مطارات وطرق تستعد لمغرب 2030

وبالموازاة مع الأوراش الرياضية والسككية، تشهد المملكة برنامجا غير مسبوق لتوسعة وتحديث مطاراتها، بهدف رفع طاقتها الاستيعابية وتحسين جودة خدماتها، بما يواكب النمو المتواصل لحركة المسافرين ويعزز مكانة المغرب كمنصة جوية بين إفريقيا وأوروبا.

كما تتواصل مشاريع الطرق السيارة، والطرق السريعة، والتهيئة الحضرية، وربط المدن بالموانئ والمطارات، بما يضمن انسيابية أكبر في حركة الأشخاص والبضائع، ويقوي جاذبية مختلف الجهات للاستثمار.

وتؤكد هذه المشاريع أن الاستعداد لكأس العالم 2030 لم يقتصر على تشييد الملاعب، بل تحول إلى ورش وطني شامل لتحديث البنية التحتية ورفع تنافسية المملكة.

مشاريع مختلفة… ورؤية ملكية واحدة

بعد سبعة وعشرين عاما من الأوراش المتواصلة، لم تعد البنية التحتية مجرد حصيلة من الطرق والموانئ والسكك الحديدية والملاعب، بل أصبحت أحد أبرز تجليات الرؤية الملكية التي جعلت من الاستثمار في التجهيزات الأساسية مدخلا لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز مكانة المغرب قاريا ودوليا.

ومن ميناء طنجة المتوسط إلى ميناء الداخلة الأطلسي، ومن البراق إلى الخط فائق السرعة نحو مراكش، ومن مشاريع النقل الجهوي إلى برامج الأمن المائي، ومن تحديث المطارات إلى تأهيل الملاعب استعدادا لكأس العالم 2030، يتواصل بناء مغرب جديد، قوامه التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في المستقبل، وفق رؤية ملكية تجعل من البنية التحتية رافعة للتنمية الشاملة، وليست مجرد مشاريع عمرانية.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *