أقر محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، بوجود خصاص حقيقي في مواكبة الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، خصوصا في ما يتعلق بالولوج إلى التعليم والخدمات الصحية والمتابعة المتخصصة، معتبرا أن التحدي الذي يتعين على المغرب رفعه خلال المرحلة المقبلة هو استكمال الانتقال من التعامل مع الإعاقة بمنطق “الإحسان والمساعدة” إلى تكريسها باعتبارها قضية حقوق يجب أن تضمنها المؤسسات والسياسات العمومية.
وجاء موقف بنسعيد ردا على مواطنة من الأمهات، كشفت خلال برنامج “ساعة الصراحة” على القناة الثانية عن معاناتها مع ابنها الذي يعاني إعاقة ذهنية مرتبطة بالثلاثس الصبغي، والصعوبات التي تواجهها لإيجاد مدرسة عمومية وقسم مدمج قادرين على استقباله، فضلا عن غياب الأطر المتخصصة والخدمات الصحية والنفسية التي يحتاج إليها بالقرب من مقر إقامتها في بوزنيقة، ما يضطر الأسرة إلى التنقل نحو المحمدية أو الرباط.
وقال بنسعيد إن ما عرضته الأم لا يتعلق بحالة معزولة يمكن التعامل معها بمنطق إيجاد حل فردي لأسرة بعينها، وإنما يعكس “إشكالية حقيقية نعيشها في المغرب”، وتستدعي، بحسب جوابه، معالجة ترتكز على ضمان الحقوق وتوفير الإمكانيات والمؤسسات والموارد البشرية المؤهلة.
واعتبر أن المغرب راكم بعض المكتسبات في هذا المجال وأبرزها في نظره، بدء الانتقال من مفهوم الإحسان وتقديم المساعدة إلى الاعتراف بأن الأطفال في وضعية إعاقة وأسرهم أصحاب حقوق، وهو التحول الذي يرى أنه ينبغي أن يشكل أساس السياسات الموجهة إلى هذه الفئة.
وتوقف بنسعيد عند الجانب المالي، مشيرا إلى أن الميزانية المخصصة لهذا المجال انتقلت، وفق الأرقام التي قدمها خلال البرنامج، من حوالي 200 مليون درهم سنة 2020 إلى نحو 500 مليون درهم.
غير أن بنسعيد لم يقدم ارتفاع الميزانية باعتباره حلا كافيا في حد ذاته، بل ربط أثر التمويل بقدرته على توفير خدمة فعلية للأسر والأطفال وأوضح أن الحديث عن الميزانية يعني في نهاية المطاف، توفير الإمكانيات الضرورية لتكوين أشخاص قادرين على مواكبة الأطفال والتجاوب مع خصوصيات أوضاعهم، سواء داخل المدرسة أو المؤسسات التي يفترض أن تستقبلهم.
وبالنسبة لبنسعيد، فإن أحد جوانب الخلل يكمن تحديدا في الفجوة بين وجود الحق من حيث المبدأ وبين قدرة المؤسسة على ضمان ممارسته على أرض الواقع فالطفل أو الشاب قد يكون من حقه الولوج إلى التعليم ومواصلة دراسته، لكن غياب الأطر المؤهلة أو المرافقين وشروط الاستقبال الملائمة يمكن أن يحول هذا الحق عمليا إلى مسار شاق تتحمل الأسرة الجزء الأكبر من أعبائه.
واستحضر بنسعيد، لتوضيح ذلك، تجربة قال إنه عايشها على مستوى المعهد العالي للإعلام والاتصال حين رغبت أسرة في تسجيل ابنها ومواصلة دراسته في مجال الصحافة، وهي الحالة التي كشفت بحسب ما رواه الحاجة إلى توفير شروط خاصة حتى يصبح الحق في الدراسة قابلا للممارسة فعليا.
وأوضح أن تدخلات تمت من أجل توفير إمكانية متابعة الطالب لدراسته، غير أن الأسرة نفسها اضطرت إلى توفير شخص مرافق له، واعتبر بنسعيد أن غياب هذا التدخل العائلي كان سيجعل الوضع أكثر صعوبة بالنظر إلى أن أطر المؤسسة تحتاج بدورها إلى تكوين يمكنها من فهم مثل هذه الوضعيات والتفاعل معها بالشكل المطلوب.
ومن هذا المثال، خلص بنسعيد إلى أن النقاش بشأن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة لا ينبغي أن ينتهي عند فتح أبواب المؤسسات أمامهم، وإنما يجب أن يشمل أيضا جاهزية هذه المؤسسات لاستقبالهم ومواكبتهم.
وأكد في هذا السياق، أن رغبة أي شخص في استكمال مساره الدراسي يجب أن تقابل بتهيئة الشروط التي تسمح له بذلك قائلا في معرض حديثه عن حالة الطالب الذي اختار الصحافة، إن كونه يريد مواصلة دراسته في هذا المجال لا يمكن أن يكون سببا لحرمانه من حقه بسبب عدم توفر المؤسسة على الوسائل أو الكفاءات اللازمة للتعامل مع وضعيته.
وربط بنسعيد هذا الإشكال مباشرة بتكوين الموارد البشرية، مشددا على أن القضية “ماشي إمكانيات وماشي موارد بشرية” فقط، وإنما تتعلق أيضا بضرورة تكوين أشخاص قادرين على التعامل مع هذه الإشكاليات وهو ما يعني وفق منطقه أن زيادة الاعتمادات أو عدد العاملين لن تكون كافية إذا لم يصاحبها تأهيل متخصص يسمح بتحويل الموارد المتاحة إلى مواكبة حقيقية للأطفال والأسر.
كما توقف عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة عند البعد المجالي للمشكلة، معتبرا أن تمركز المؤسسات والخدمات المتخصصة في المدن الكبرى يطرح إشكالا آخر أمام الأسر التي تقيم في المدن الصغيرة أو المناطق التي لا تتوفر على بنيات مماثلة.
وقال بنسعيد إن موقف حزب الأصالة والمعاصرة يقوم على ضرورة توفير هذه الإمكانيات وعدم ترك المؤسسات المتخصصة محصورة في المدن الكبرى، مؤكدا أن تعميمها أصبح ضروريا حتى لا يكون مكان إقامة الأسرة عاملا محددا لقدرة طفلها على الاستفادة من التعليم أو الرعاية والمواكبة التي يحتاج إليها.
وشدد بنسعيد على أن التعميم الترابي للخدمات يجب أن يسير بالتوازي مع تأهيل العاملين فيها، حتى لا يقتصر الأمر على توفير بنايات أو أقسام دون موارد بشرية تمتلك المعرفة اللازمة للتعامل مع خصوصيات الأطفال في وضعية إعاقة.
وجعل بنسعيد من عبارة “الانتقال من سياسة الإحسان إلى الحق” جوهر مقاربته للموضوع، معتبرا أن المرحلة تقتضي تجاوز النظر إلى الخدمات المقدمة للأشخاص في وضعية إعاقة باعتبارها مساعدة تمنح لهم، نحو التعامل معها باعتبارها حقوقا تفرض توفير شروط ممارستها.

اترك تعليقاً