المدونة

  • أمينة بنخضرة لـ”AM+MEDIA”: أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي دخل مرحلة التفعيل

    أمينة بنخضرة لـ”AM+MEDIA”: أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي دخل مرحلة التفعيل

    لم يعد مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب في مرحلة التصورات أو الدراسات الأولية، بل دخل مرحلة جديدة بعد استكمال الدراسات الهندسية ووضع الإطار القانوني والتنظيمي الذي سيؤطر تنفيذه، تمهيدا لإنشاء شركة المشروع وإطلاق ترتيبات التمويل واتخاذ قرار الاستثمار النهائي.

    في هذا الحوار مع جريدة “AM+ MEDIA”، تكشف المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، آخر مستجدات هذا الورش القاري، وتوضح المراحل المقبلة، كما تتوقف عند رهاناته الاقتصادية والاستراتيجية، معتبرة أن المشروع يتجاوز نقل الغاز ليؤسس لممر تنموي يربط غرب إفريقيا بالمغرب وأوروبا، ويعزز الاندماج الاقتصادي والأمن الطاقي في القارة.

     مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب قطع أشواط مهمة منذ انبثاقه من الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري. كما تم تأكيد هذا الالتزام من قبل فخامة الرئيس بولا أحمد تينوبو. وقد تمت مواصلة تطوير هذا المشروع الضخم بشكل مشترك من قبل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية حيث تم انهاء الدراسات الهندسية التفصيلية وتم تنفيذ حملات مسح واستطلاع مسار الانبوب، وشهدت الدراسات البيئية والاجتماعية تقدما ملحوظا، كما تم وضع الأسس القانونية والتنظيمية والتجارية الرئيسية للمشروع، مما يتيح الاقتراب من تنفيذ مرحلة تفعيل المشروع.

    كما يعد التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي من طرف رؤساء الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ضمن اشغال قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في فريتاون، تتويجا للجهود التي بدأت بالتنسيق مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وفقا لمذكرة التفاهم الموقعة مع المغرب ونيجيريا، والتي تعكس الالتزام الجماعي والمشترك للأطراف.

    وتُضفي الاتفاقية الحكومية الدولية على هذا التعاون طابعا قانونيا ومؤسساتيا، حيث تُحدِّد حقوق الدول الأطراف والتزاماتها، ومبادئ حوكمة المشروع، فضلا عن الالتزامات المتعلقة باستقرار الإطار التنظيمي، والنظام الضريبي، وضمان أمن الاستثمارات، والتعاون العابر للحدود.

    ستشمل المراحل المقبلة من إطلاق المشروع، والتي ستشمل على وجه الخصوص إنشاء شركة المشروع، التي سيكون مقرها بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب إحداث الهيئة العليا لخط أنبوب الغاز (Pipeline Higher Authority)، وهي هيئة الحوكمة الخاصة بالمشروع، والمقرر أن يكون مقرها في أبوجا، وذلك قبل الشروع في تعبئة المستثمرين والإعداد لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي.(FID)

    ستكون شركة المشروع بمثابة الأداة التنفيذية المكلَّفة بتطوير المشروع، إذ تنهض بمهمة هيكلة أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي وتمويله وتطويره وإنجازه وتشغيله. وتتولى، على وجه الخصوص، قيادة الهيكلة المالية، وتعبئة المستثمرين، والإشراف على إجراءات طرح المناقصات، وإبرام العقود مع الموردين وشركات الإنجاز، فضلا عن ضمان تشغيل هذه البنية التحتية في مرحلة لاحقة.

    أما الهيئة العليا لأنبوب الغاز، فتضطلع بمهام الحوكمة المشتركة بين الدول الأطراف، إذ تسهر على حسن تنفيذ أحكام الاتفاقية الحكومية الدولية، وتكفل التنسيق ما بين الدول الشريكة، وتعمل على مواءمة الأطر التنظيمية والبيئية والضريبية والتعريفية، وتسهر على ضمان انسجام مسار تطوير المشروع وتماسكه.

    وستُتوَّج المرحلة الأخيرة بتنظيم مراسم خاصة ستُعقد في موعد لاحق بالمملكة المغربية، يتم خلالها التوقيع المشترك على الاتفاق من قبل المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، وذلك بحضور فخامة رئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية

    المشروع تم تصميمه كبنية تحتية مهيكلة حيت يهدف إلى ربط موارد الغاز في غرب أفريقيا بمراكز الاستهلاك الإقليمية الرئيسية، مع تعزيز ادماج أسواق الطاقة الأفريقية وإنشاء ممر تنمية جديد يربط غرب أفريقيا، بدول الساحل والمملكة المغربية ووصولا الى أوروبا.

    كما تزخر منطقة غرب أفريقيا بموارد طبيعية هائلة من معدن الحديد والبوكسيت والفوسفات والمعادن الاستراتيجية، الأمر الذي يستلزم توفر طاقة بتكلفة تنافسية تمكن من تثمين هذه الموارد على الوجه الأمثل. كما سيُسهم في تطوير الصناعات التحويلية، لا سيما صناعات الإسمنت والزجاج والخزف والصلب والألومنيوم، في إحداث تحول هيكلي مستدام في اقتصادات الدول المعنية

    ستتيح مرحلة الإنجاز دينامية متجددة لأسواق رؤوس الأموال المحلية، فضلا عن تحفيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لفائدة القارة الإفريقية. وستمكن هذه المرحلة أيضا من استحداث ما يقارب 12.000 منصب شغل، مباشر وغير مباشر، بالنسبة للأجزاء الأولى من المسار، فضلا عن أثر اقتصادي يُقدَّر بنحو 3,5 نقطة من الناتج الداخلي الخام بالنسبة للدول المعنية، وذلك وفق التوقعات الأولية المعتمدة.

    أما في المراحل التشغيلية للمشروع، وبمجرد بلوغ وتيرة الإنتاج القصوى المحددة في 30 مليار متر مكعب سنويا، فإن تسويق الغاز من شأنه أن يُدرّ موارد سنوية تُناهز 13 مليار دولار أمريكي، في حين قد تبلغ عائدات نقل الغاز ما يقارب 4 مليارات دولار سنويا.

    وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن حصة من عائدات النقل هذه ستُخصَّص لفائدة دول العبور في شكل إتاوة، تخضع طريقة احتسابها لمعايير منسجمة مع الممارسات الإقليمية السائدة، ومتماشية في الآن ذاته مع أفضل المعايير الدولية المعمول بها. ويُقدَّر الأثر المرتقب على الناتج الداخلي الخام للدول المعنية خلال المرحلة التشغيلية بنسبة 2,5% بالنسبة للمقاطع الأولى من هذا الصرح الاستراتيجي.

    وسيمكن المشروع من ربط ثلاثة عشرة دولة مطلة على الساحل الأطلسي الأفريقي، وكذلك الدول غير الساحلية عبر الربط الجهوي، كما سيتم ربطه بخط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي وبالتالي شبكة الغاز الأوروبية وسيشكل هذا الانبوب ممرا استراتيجيا للطاقة يربط موارد الغاز بغرب أفريقيا بالأسواق الإقليمية والدولية.

    بقدرة نقل تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، بما في ذلك 15 مليار متر مكعب مخصصة للتصدير إلى المغرب وأوروبا، ستمكن هذه البنية التحتية الاستراتيجية من تلبية الاحتياجات المتزايدة لأسواق الغاز الأفريقية مع تعزيز الأمن الطاقي في القارة وتنويع الإمدادات الدولية.

    وبهذا، لا يمكننا اعتبار أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي مجرد مشروع لنقل الغاز، بل يُشكِّل، بالدرجة الأولى، إرساء لممر استراتيجي للتنمية الاقتصادية، تُقاس مردوديته بالأساس من خلال تسريع مسار التصنيع، وتعزيز الأمن الطاقي، وخلق فرص الشغل، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام يشمل مجموع دول المنطقة.

  • بنك المغرب: الولوج للتمويل البنكي في الصناعة “عادي”

    بنك المغرب: الولوج للتمويل البنكي في الصناعة “عادي”

     أفاد بنك المغرب بأن الولوج إلى التمويل البنكي اعتبر “عاديا” برسم الفصل الثاني من سنة 2026 في جميع فروع النشاط، باستثناء “النسيج والجلد” و”الميكانيك والتعدين”، حيث وصف بـ”السهل”.

    وأوضح بنك المغرب، في النتائج الفصلية لاستقصاء الظرفية برسم الفصل الثاني من سنة 2026، أن كلفة القروض سجلت ركودا حسب 83 في المائة من المقاولات، وارتفاعا حسب 17 في المائة منها.

    وحسب فروع النشاط، تتوزع هذه النسب (الركود والارتفاع) على التوالي بين 89 في المائة و11 في المائة في قطاع “الميكانيك والتعدين”، و67 في المائة و33 في المائة في قطاع “الكيمياء وشبه الكيمياء”. وفي المقابل، أفادت مقاولات “الصناعات الغذائية” و”النسيج والجلد” باستقرار كلفة القروض.

    وفي ما يتعلق بنفقات الاستثمار، فقد سجلت ارتفاعا حسب الصناعيين. وعلى مستوى الفروع، ارتفعت هذه النفقات في جميع القطاعات، باستثناء “النسيج والجلد”، حيث سجلت تراجعا.

    وقد تم تمويل هذه النفقات بنسبة 70 في المائة عبر الموارد الذاتية، و30 في المائة عن طريق القروض.

    وخلال الأشهر الثلاثة المقبلة، يتوقع الصناعيون ارتفاع نفقات الاستثمار في جميع الفروع، باستثناء “النسيج والجلد”، حيث ينتظرون استقرارها.

  • انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    تدخل الأحزاب السياسية المغربية مرحلة حاسمة من التحضير للانتخابات المقررة في 23 شتنبر المقبل، و لتبدأ معها الاستعدادات التنظيمية للحملة الانتخابية مرحلة جديدة بعدما أجريت في 23 يوليوز الفائت القرعة الخاصة بتوزيع الحصص الإعلامية للأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية.

    وبينما تبدو العملية في ظاهرها إجراء تقنيا يقتصر على تحديد مواعيد بث الوصلات الانتخابية، فإنها تستند في الواقع إلى منظومة قانونية تنظم حضور الأحزاب في الإعلام العمومي، وتحدد كيفية تحقيق التوازن بين مبدأ تكافؤ الفرص وبين اختلاف التمثيلية السياسية للأحزاب.

    وأجرت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بحضور ممثلي الأحزاب السياسية ومؤسسات الإعلام العمومي، القرعة الخاصة ببرمجة الحصص الإعلامية الخاصة بالحملة الانتخابية، بعد تقسيم الأحزاب المشاركة، وعددها 27 حزبا، إلى ثلاث مجموعات وفق معيار التمثيلية البرلمانية، مع تحديد مدة البث المخصصة لكل فئة، إضافة إلى آليات تغطية التجمعات الانتخابية واستضافة ممثلي الأحزاب في النشرات الإخبارية.

    غير أن هذه العملية تطرح أسئلة تتجاوز الجانب التنظيمي، من قبيل: لماذا لا تستفيد جميع الأحزاب من المدة الزمنية نفسها؟ وما الأساس القانوني لاعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا للتوزيع؟ وكيف يضمن الإعلام العمومي الحياد خلال الحملة الانتخابية؟

    من ينظم الظهور الإعلامي للأحزاب؟

    لا يخضع توزيع الحصص الإعلامية لاجتهادات ظرفية، وإنما تنظمه مقتضيات المرسوم رقم 2.11.610 المتعلق باستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية، والذي يحدد المبادئ العامة المؤطرة لحضور الأحزاب السياسية في القنوات التلفزية والإذاعات العمومية.

    وينص هذا الإطار التنظيمي على تخصيص فترات بث للأحزاب المشاركة في الانتخابات، مع مراعاة مجموعة من الضوابط، من بينها توزيع الحصص على مختلف الفترات الزمنية خلال اليوم، واستمرار حضور الأحزاب طيلة الحملة، وتفادي بث الحصة نفسها في أكثر من وسيلة إعلامية في التوقيت ذاته، بما يسمح بوصول الرسائل الانتخابية إلى أكبر شريحة من المواطنين.

    ويشمل التنظيم تغطية الأنشطة الميدانية للأحزاب، واستضافة ممثليها في النشرات الإخبارية وفق قواعد موحدة، بما يضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين داخل الإعلام العمومي خلال فترة الحملة.

    ويأتي هذا التنظيم في إطار تنزيل المبادئ الدستورية المرتبطة بالتعددية السياسية، وحق المواطنين في الاطلاع على البرامج الانتخابية، مع ضمان حياد وسائل الإعلام العمومية وعدم توظيفها لخدمة أي طرف سياسي.

    لماذا تختلف مدة البث بين الأحزاب؟

    أبرز ما يلفت الانتباه في توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملة الانتخابية هو اختلاف الزمن المخصص لكل حزب، فالأحزاب التي تمتلك فريقا برلمانيا تحظى بحيز زمني أكبر، تليها الأحزاب الممثلة في البرلمان دون فريق، بينما تستفيد الأحزاب غير الممثلة من مدة أقل.

    ويستند هذا التوزيع إلى معيار التمثيلية البرلمانية التي أفرزتها آخر انتخابات تشريعية، باعتبارها مؤشرا على حجم الحضور السياسي لكل تنظيم داخل المؤسسات المنتخبة.

    ولا يقوم هذا النظام على مبدأ المساواة المطلقة في عدد الدقائق، بل على مبدأ الإنصاف القانوني، الذي يميز بين الأحزاب وفق وضعيتها التمثيلية مع ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع التنظيمات المشاركة في الانتخابات.

    وبهذا المعنى، فإن جميع الأحزاب تستفيد من حق الولوج إلى الإعلام العمومي، لكن حجم الاستفادة يختلف وفق معايير محددة سلفا في النصوص التنظيمية، وليس بناء على قرارات تقديرية أو اعتبارات سياسية.

    ويهدف هذا التصور إلى التوفيق بين اعتبارات متوازنة؛ فمن جهة، يمنح الأحزاب الناشئة أو الصغيرة فرصة التعريف ببرامجها والوصول إلى الناخبين، ومن جهة أخرى، يعكس الوزن الانتخابي للأحزاب التي سبق أن نالت ثقة الناخبين وحصلت على تمثيلية داخل البرلمان، انطلاقا من أن نتائج الاقتراع تشكل أساسا لتوزيع بعض الحقوق المرتبطة بالمنافسة الانتخابية.

    ورغم ذلك، يظل هذا النظام محل نقاش مع كل استحقاق انتخابي، إذ يرى مؤيدوه أنه يجسد مبدأ التمثيلية ويحترم الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بينما تعتبر أطراف أخرى أن التفاوت في الزمن الإعلامي، إلى جانب الفوارق في الإمكانيات التنظيمية والمالية، قد يحد من تكافؤ فرص الأحزاب الأقل تمثيلا في الوصول إلى الناخبين.

    ولا يقتصر دور الإعلام العمومي، في هذا الإطار، على بث الوصلات والرسائل الانتخابية، بل يضطلع بوظيفة ديمقراطية تتمثل في إتاحة فضاء تعددي يعرض مختلف البرامج والرؤى السياسية وفق قواعد موحدة وشفافة، بما يساعد الناخب على المقارنة بين الخيارات المطروحة وتكوين رأي قبل الإدلاء بصوته يوم الاقتراع.

    وفي تفسيره للأساس القانوني الذي يقوم عليه توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملات الانتخابية، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن اعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا لتوزيع الزمن الإعلامي يعكس فلسفة تشريعية تسعى إلى التوفيق بين احترام نتائج الاقتراع السابق وضمان حق جميع الأحزاب المشاركة في الولوج إلى وسائل الإعلام العمومية.

    ويؤكد بلغيث، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن اعتماد المشرع معيار التمثيلية البرلمانية يستند إلى الإرادة الشعبية التي أفرزتها الانتخابات السابقة، ويعكس الوزن السياسي لكل حزب داخل المؤسسات المنتخبة”، غير أنه يشدد على أن ذلك لا يعني المساواة المطلقة في الزمن الإعلامي، بل تحقيق تكافؤ الفرص وفق معايير قانونية موضوعية.

    ويبرز أن المساواة في الزمن تختلف عن المساواة في الحقوق الانتخابية، التي تضمن لجميع الأحزاب الحق في الترشح، والولوج إلى الإعلام العمومي، والاستفادة من الضمانات القانونية نفسها، مشيرا إلى أن القانون ألزم وسائل الإعلام العمومية باحترام مبادئ الحياد والتعددية والإنصاف، مع إخضاعها لرقابة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، التي تتولى تتبع توزيع الزمن الإعلامي ورصد مدى الالتزام بالمقتضيات القانونية، بما يضمن شفافية الحملة الانتخابية ونزاهة المنافسة السياسية.

    الإعلام العمومي.. أي دور خلال الحملة الانتخابية؟

    لا يقتصر دور وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال فترة الحملة الانتخابية على بث الوصلات الخاصة بالأحزاب، بل يمتد إلى توفير فضاء إعلامي يخضع لقواعد قانونية تضمن احترام التعددية السياسية وتكافؤ فرص الوصول إلى الناخبين.

    ولهذا السبب، لا تقتصر برمجة الحملة على الحصص الانتخابية فقط، إذ يشمل التنظيم أيضا تغطية التجمعات الانتخابية، واستضافة ممثلي الأحزاب داخل النشرات الإخبارية وفق ضوابط محددة سلفا.

    وبحسب التنظيم المعتمد، تستفيد الأحزاب الممثلة في البرلمان من فقرة “ضيف النشرات الإخبارية”، كما تتولى وسائل الإعلام العمومية تغطية تجمع انتخابي واحد لكل حزب، مع اختلاف مدة التغطية بحسب المجموعة التي ينتمي إليها الحزب.

    ويهدف هذا التنظيم إلى ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع الأحزاب المشاركة، مع تفادي احتكار الفضاء السمعي البصري العمومي من قبل جهة سياسية واحدة، ما يجعل الإعلام العمومي جزءا من الضمانات المؤسساتية المنظمة للعملية الانتخابية، وليس مجرد ناقل للأنشطة الحزبية.

    غير أن تحقيق الحياد لا يرتبط فقط بتوزيع الزمن الإعلامي، بل يشمل كذلك طريقة تقديم الأخبار، وترتيب المواضيع، واحترام التوازن في تغطية الأنشطة، وهي عناصر تخضع بدورها للمراقبة من قبل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا”، باعتبارها المؤسسة المكلفة بالسهر على احترام قواعد التعددية داخل وسائل الإعلام السمعية البصرية.

    هل ما زال التلفزيون يصنع القرار الانتخابي؟

    خلال العقد الأخير، تغيرت أنماط استهلاك الأخبار والمضامين السياسية، وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تحتل موقعا متقدما في متابعة النقاش العمومي، خصوصا لدى فئة الشباب.

    وأصبحت الأحزاب السياسية تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لنشر برامجها، وبث لقاءاتها، والتفاعل المباشر مع المواطنين، وهو ما جعل الحملة الانتخابية لا تقتصر على الفضاء الذي ينظمه القانون داخل وسائل الإعلام العمومية، بل تمتد أيضا إلى فضاءات رقمية مفتوحة تختلف فيها قواعد المنافسة.

    ويلاحظ أن هذا التحول لا يلغي أهمية الإعلام العمومي، بل يعيد تحديد وظيفته، لأن المنصات الرقمية تمنح الأحزاب إمكانية الوصول السريع إلى جمهور واسع، لكن الإعلام العمومي يظل الفضاء الذي يخضع لضوابط قانونية واضحة، ويضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين وفق قواعد موحدة، بعيدا عن منطق الخوارزميات أو الإمكانيات المالية المخصصة للإعلانات الرقمية.

    وفي قراءته للتحولات التي يعرفها التواصل السياسي، يرى جلال زين العابدين، أستاذ التواصل السياسي، أن الحملات الانتخابية لم تعد تعتمد على الإعلام العمومي بالكيفية نفسها التي كانت عليها في السابق، في ظل تنامي حضور المنصات الرقمية وتغير أنماط تفاعل الناخبين مع الخطاب السياسي، وهو ما يطرح، بحسبه، تحديات جديدة أمام الإطار القانوني المنظم للحملات الانتخابية.

    ويؤكد، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن “الإعلام العمومي لا يزال يحتفظ بدور أساسي داخل الحملات الانتخابية، باعتباره فضاء يضمن حضورا مؤسساتيا متوازنا للأحزاب وفق قواعد قانونية واضحة، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة المؤثرة في تشكيل الرأي العام كما كان في السابق”.

    ويشرح زين العابدين هذا التوحل بالتغيير الذي أحدثه المنصات الرقمية في قواعد التواصل السياسي، بعدما أتاحت للأحزاب الوصول المباشر إلى الناخبين، والتفاعل الفوري معهم، واستهداف فئات محددة برسائل موجهة، مشددا على أنه أصبح من الضروري أن يواكب الإطار القانوني هذا التحول، من خلال تنظيم التواصل السياسي الرقمي بما يضمن الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحد من التضليل الإعلامي، مع الحفاظ على حرية التعبير والتنافس الديمقراطي.

    بين التنظيم القانوني والتحول الرقمي

    ويطرح هذا الواقع تحديا جديدا أمام المنظومة الانتخابية، يتمثل في كيفية الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص داخل فضاء إعلامي أصبح منقسما بين وسائل إعلام عمومية منظمة قانونا، ومنصات رقمية يصعب إخضاعها للقواعد نفسها.

    ففي الوقت الذي يحدد فيه القانون مدة بث كل حزب داخل التلفزيون والإذاعة، تبقى المنافسة على المنصات الرقمية مرتبطة بقدرات الأحزاب على إنتاج المحتوى، وتدبير الحملات الرقمية، واستثمار الإعلانات الممولة، وهو ما يفتح نقاشا حول مدى الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني المنظم للاتصال السياسي بما يواكب التحولات التكنولوجية.

    ويثير هذا التطور تساؤلات حول تأثير المحتوى الرقمي في تشكيل الرأي العام، خاصة مع تنامي استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وانتشار المحتويات القصيرة، وتزايد مخاطر الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة خلال الفترات الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التحدي لم يعد يقتصر على ضمان عدالة توزيع الزمن الإعلامي داخل القنوات العمومية، بل أصبح يشمل أيضا التفكير في آليات تعزز شفافية الحملات الرقمية، وتحافظ على ثقة الناخبين في سلامة المنافسة الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين توسيع فضاءات التعبير السياسي وضمان منافسة نزيهة تحترم قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، كما تزداد أهمية تطوير آليات الرقابة والتقنين بما يواكب تطور وسائل الاتصال، ويحافظ على حق المواطن في الوصول إلى معلومة سياسية دقيقة ومتوازنة بعيدا عن التضليل أو الممارسات غير المشروعة.

  • برعاية بيت مال القدس.. مدرسة صيفية بالقدس تمزج الحرف التقليدية بالذكاء الاصطناعي

    برعاية بيت مال القدس.. مدرسة صيفية بالقدس تمزج الحرف التقليدية بالذكاء الاصطناعي

    لم تقتصر المدرسة الصيفية في مقر مؤسسة العلية للعلوم والبيئة والفنون ببلدة بيت حنينا شمال القدس، على تعليم اليافعين الحرف التقليدية، بل حولتها إلى مساحة للابتكار، تستمر على مدى أربعة أسابيع، لتنمية المهارات الحرفية والإبداعية للمستفيدين، من خلال دمج الصناعات اليدوية بالتفكير التصميمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

    ويستهدف التدريب، الذي يأتي ضمن برنامج المدارس الصيفية لموسم 2026 الذي ترعاه وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، 45 يافعا ويافعة تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما.

    ويجمع البرنامج بين ورشات التدريب على الحرف التقليدية والتصميم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، يتعرف خلالها المشاركون إلى أنواع الخشب والنسيج وتقنيات العمل المختلفة، إلى جانب مفاهيم الاستدامة وإعادة التدوير، قبل الانتقال إلى مرحلة تصميم أعمالهم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح لهم تطوير تصاميمهم واختيار الألوان المناسبة لها.

    وقالت مديرة مؤسسة العلية للعلوم والبيئة والفنون، سمر قرش، إن المدرسة الصيفية صممت لتمنح اليافعين فرصة لاكتشاف قدراتهم واهتماماتهم من خلال التعلم العملي، مؤكدة أن الهدف لا يقتصر على تعليم الحرف، وإنما يمتد إلى مساعدة المشاركين على إيجاد مسار إبداعي يمكن البناء عليه مستقبلا.

    وأوضحت أن المؤسسة تأمل في استكمال هذا المسار من خلال برامج لاحقة في ريادة الأعمال، بما يحول المهارات الحرفية إلى مسار إنتاجي، مثمنة استمرار دعم وكالة بيت مال القدس الشريف، ومشيرة إلى أن المدرسة الصيفية جاءت امتدادا للبرنامج الحرفي الذي نفذته الوكالة خلال شهر رمضان الماضي بتأطير من حرفيين مغاربة.

    ويقوم البرنامج على التدريب في مجالات صناعة المجوهرات والحلي، والنسيج، والحفر والنقش على الخشب، ويختتم بمعرض لأعمال المشاركين، كما يتيح للشباب الذين شاركوا في البرامج السابقة نقل خبراتهم إلى الجيل الأصغر، في خطوة تعكس استدامة المشروع.

    وقالت المدربة سدين أبو ليل، وهي إحدى خريجات البرنامج الحرفي السابق، إنها انتقلت من المشاركة في التدريب إلى الإشراف على مجموعة من اليافعين في المدرسة الصيفية، معتبرة أن ذلك يعكس استمرارية البرنامج.

    وأضافت أنها لمست منذ الأيام الأولى شغفا كبيرا لدى المشاركين بالحرف اليدوية، ولا سيما صناعة الأساور النحاسية والأعمال الخشبية، رغم انتمائهم إلى جيل يعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا.

    وفي الورش التطبيقية، تنوعت تجارب المشاركين، وقال الطالب جاد عميرة إنه صنع علاقة مفاتيح مستوحاة من الزخارف المغربية، وعمل على حفرها وصقلها تمهيدا لتلوينها والاحتفاظ بها كتذكار، مضيفا: “في البداية لم أكن أعرف ماذا سأصنع، لكن عندما بدأت العمل ورأيت النتيجة أحببت الحرفة أكثر”.

    أما الطالبة سوزان دجاني، فقالت إنها تعلمت صناعة أساور من النحاس باستخدام تقنيات الطرق والتشكيل وإضافة الخرز، معربة عن رغبتها في تطوير ما تعلمته إلى مشروع صغير مع صديقاتها.

    بدورها، أوضحت الطالبة آسيا مهاني أن أكثر ما لفت انتباهها كان تصميم ساعة خشبية، مبينة كيف تتحول القطع الخشبية المنفصلة إلى عمل فني متكامل، معتبرة أن الأعمال اليدوية تمنح كل قطعة طابعا خاصا يجعلها فريدة ولا تتكرر.

  • بعد أزمة سبتة.. شبيبة “البام” تفتح “المايك” أمام الشباب في أول تحرك لفهم دوافع الهجرة

    بعد أزمة سبتة.. شبيبة “البام” تفتح “المايك” أمام الشباب في أول تحرك لفهم دوافع الهجرة

    شهدت الأسابيع الأخيرة عودة ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش العمومي، بعد الأحداث التي عرفتها نقط العبور نحو باب سبتة ومعبر بني أنصار، والتي أعادت طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول الأسباب التي تدفع عددا من الشباب إلى المجازفة بحياتهم أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى.

    محاولات الهجرة إلى سبتة المحتلة أبرزت، من خلال القراءات الأمنية والتفسيرات السياسية، الحاجة إلى الإنصات المباشر لأصوات الشباب وفهم واقعهم الاجتماعي والاقتصادي، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.

    وامتد نقاش الظاهرة إلى قضايا أوسع تتعلق بقطاعات مختلفة، التعليم والتكوين والشغل، إضافة إلىوتراجع الإحساس بفرص الاندماج، واتساع الفجوة بين تطلعات الشباب وما يواجهونه من تحديات يومية.

    لذلك، يجمع عدد من الباحثين أن معالجة هذه الظواهر لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تقتضي أيضا فتح فضاءات للحوار والإنصات، وإشراك الشباب في صياغة الحلول التي تمس حاضرهم ومستقبلهم.

    وفي هذا السياق، نظمت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أول أمس الثلاثاء، لقاء حواريا مفتوحا في إطار مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC”، تحت شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، وذلك في أعقاب الأحداث التي شهدها باب سبتة ومعبر بني نصار، بهدف فتح نقاش مباشر حول الظواهر الاجتماعية المهددة لمستقبل الشباب، والاستماع إلى آرائهم وتصوراتهم بشأن القضايا التي تشغلهم. 

    وشهد اللقاء حضورا لافتا لشباب من خلفيات مختلفة، إلى جانب باحثين وفاعلين، حيث تحول إلى فضاء للنقاش الحر حول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء تنامي مشاعر الإحباط، وتدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة غير النظامية.

    عبقري: الاستماع مدخل لفهم حقيقي للمشكلات

    وأكد رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، صلاح الدين عبقري، أن المبادرة جاءت انطلاقا من ملاحظة وجود شعور بالإحباط وفقدان الثقة لدى جزء من الشباب، نتيجة تراكم عدد من العوامل والظواهر الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في حاضرهم ومستقبلهم.

    وأوضح عبقري أن الهدف من هذا الفضاء الحواري لا يتمثل في تقديم أجوبة جاهزة، وإنما في الاستماع إلى الشباب، إلى جانب باحثين ومختصين، من أجل تحليل هذه الظواهر وفهم أسبابها الحقيقية، قبل التفكير في سبل معالجتها.

    وأضاف أن مبادرة “نرجعو الثقة” تنطلق من قناعة بأن الحوار والإنصات يشكلان الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة، موجها شكره إلى جميع الشباب الذين لبوا الدعوة وشاركوا في هذا النقاش.

    ودعا عبقري الحاضرين إلى التعبير عن آرائهم بكل شفافية ووضوح، معتبرا أن اختلاف التجارب ووجهات النظر يمثل مدخلا أساسيا لفهم واقع الشباب وصياغة حلول أكثر ارتباطا بتطلعاتهم.

    وفي معرض حديثه عن التحولات التي يعرفها المجتمع، أشار المتحدث إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تضطلع بدور متزايد في التأثير على وعي الشباب وتوجيه سلوكهم، بعدما تحولت لدى كثير منهم إلى مصدر رئيسي لتشكيل القناعات والمواقف.

    واعتبر أن هذا الواقع أفرز، في بعض الأحيان، سلوكيات لا تنسجم مع قيم المجتمع، في ظل تراجع أدوار مؤسسات التنشئة، وعلى رأسها الأسرة، إلى جانب الحاجة إلى مناهج تعليمية أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية وتعزيز قيم المواطنة والتفكير النقدي لدى الأجيال الصاعدة.

    السياسة أمام المرآة

    ولم يقتصر اللقاء على كلمات الخبراء  وأعضاء المكتب التنفيدي لمنظمة شباب “البام”، بل منح الكلمة للشباب أنفسهم لعرض تجاربهم وانشغالاتهم.

    وفي هذا السياق، اعتبر أحد المشاركين الشباب أن فقدان الثقة يرتبط، في جانب منه، بتراكم الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما انعكس على نظرتهم إلى العمل العام وإمكانية تحقيق التغيير.

    وأضاف، بصفته فنانا، أنه يسعى إلى توظيف الموسيقى للتعبير عن معاناته الشخصية ومعاناة الشباب الذين يعيش بينهم، معتبرا أن الفن ينبغي أن يكون وسيلة لنقل الواقع وطرح القضايا التي تشغل الشباب، بما يتيح لهم إيصال أصواتهم والتعبير عن همومهم وتطلعاتهم.

    من جانب آخر، تقاسم عدد من الشباب الذين سبق لهم خوض تجربة محاولة الهجرة غير النظامية تفاصيل ما عاشوه قبل اتخاذ قرار المغادرة، مستحضرين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي دفعتهم إلى التفكير في الهجرة باعتبارها مخرجا من واقع صعب.

    وتحدث بعضهم عن الضغوط المعيشية، والشعور بانسداد الأفق، وقلة فرص الشغل، مؤكدين أن هذه العوامل رسخت لديهم فكرة الهجرة، قبل أن يصطدموا بحقيقة المخاطر التي ترافقها أثناء محاولات العبور.

    إعادة بناء جسور الثقة ضرورة ملحة

    ولم يتوقف اللقاء عند حدود عرض الشهادات، بل تحول إلى فضاء للنقاش المفتوح بين الشباب وأعضاء منظمة شباب “البام” والخبراء، حيث تفاعلت مختلف المداخلات مع الأسئلة والملاحظات المطروحة.

    وتناول النقاش قضايا متعددة، من الهجرة غير النظامية والبطالة، إلى دور المدرسة والأسرة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وسبل استعادة الثقة في المؤسسات، في أجواء اتسمت بالصراحة وتبادل الآراء.

    وامتد هذا الحوار لأكثر من خمس ساعات، أتيحت خلالها الفرصة لكل المشاركين للتعبير عن وجهات نظرهم ومناقشة تجاربهم الشخصية، دون قيود أو أحكام مسبقة، فيما حرص المتدخلون على التفاعل مع مختلف المداخلات والإجابة عن تساؤلات الشباب، مؤكدين أن الإنصات والحوار الصريح يمثلان مدخلا أساسيا لفهم الإشكالات التي تواجه الشباب، وتحويلها إلى مقترحات يمكن أن تسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر قربا من واقعهم وتطلعاتهم.

    واختُتم اللقاء بالتأكيد على شعار “نرجعو الثقة” (Get the Trust Back)، باعتباره دعوة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والعمل السياسي، من خلال الإنصات الجاد لانشغالاتهم، وفتح فضاءات دائمة للحوار، وتوفير فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز التنمية المحلية. كما شدد المشاركون على أن استمرار مثل هذه المبادرات من شأنه أن يتيح نقل صوت الشباب وتطلعاتهم إلى مراكز القرار، بما يسهم في بلورة سياسات عمومية أكثر استجابة لواقعهم وأكثر قدرة على استعادة ثقتهم في المستقبل.

    ويشار إلى أن مبادرة “PAM YOUTH OPEN MIC” تأتي تفعيلا لإعلان منظمة شباب “البام”، في 31 يوليوز، عن نيتها فتح نقاش رصين مع مختصين وأكاديميين وممارسين، في أفق إعداد قراءة سياسية دقيقة واقتراح إجراءات عملية وواقعية، تسهم في فهم الظواهر التي تسببت في الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة والحد من أسبابها وتداعياتها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة ودون إقصاء لأي سؤال مشروع.

  • المغرب ردا على ادعاءات عدم التعاون لإعادة القاصرين: عالجوا عراقيلكم قبل اتهامنا

    المغرب ردا على ادعاءات عدم التعاون لإعادة القاصرين: عالجوا عراقيلكم قبل اتهامنا


    لم يترك المغرب الاتهامات الموجهة إليه بشأن ملف القاصرين غير المرفوقين المتسللين إلى سبتة المحتلة تمر من دون رد، إذ دعا شركاءه الإسبان والأوروبيين إلى معالجة جوهر المشكلة، أي العراقيل الإدارية والقضائية التي تحول دون تنفيذ عمليات الإعادة.

    وأكد مصدر دبلوماسي في تصريح لوكالة الأنباء المغربية “لاماب” أن المملكة المغربية “لا يمكنها بأي حال من الأحوال قبول استخدام هذه الذريعة كورقة ضغط سياسي للقول بأنها ترفض التعاون أو لا تولي اهتماما لهذه القضية”.

    وأشار إلى أنه “إذا كان الشركاء يرغبون في العمل من أجل تيسير هذه الإعادة، فيتعين عليهم القيام بعمل داخلي ليتمكنوا من تجاوز العراقيل التي تفرضها تشريعاتهم وسلطاتهم الإدارية والقضائية أمام هذه العملية”.

    وشدد المصدر الدبلوماسي على أن “المغرب انخرط، وفقا للتعليمات الملكية السامية إلى وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، في العمل على تحديد هوية القاصرين غير المرفوقين بهدف إعادتهم إلى الوطن”.

    وفي هذا الإطار، أكد أن المملكة المغربية مستعدة للتنسيق مع شركائها الإسبان والأوروبيين من أجل إعادة القاصرين غير المرفوقين.

    وأعرب المصدر ذاته عن الأسف لكونه “في كل مرة يتجدد فيها النقاش حول الهجرة، تتهم أصوات المغرب بعدم التعاون أو عدم الرغبة في إعادة هؤلاء القاصرين غير المرفوقين، كما هو الحال تماما بالنسبة لهذه الحالة في إسبانيا”.

    وأوضح أن “بعض الفاعلين السياسيين يوظفون هذه القضية لأغراض انتخابية، فيما الواقع مغاير لذلك، ولا يمت بصلة إلى هذه التلميحات”.

    وحسب المصدر الدبلوماسي، فإن هذه الادعاءات “زائفة ولا أساس لها من الصحة”، مضيفا أن “المغرب يفي دائما بالتزاماته، والمشكل يكمن كل مرة في العراقيل ذات الطابع الإداري والقضائي التي تعيق أي عملية إعادة”.

    ويوم الإثنين الماضي، رد المغرب بلغة شديدة اللهجة على جيرانه الأوروبيين على خلفية أحداث سبتة الأخيرة، مشددا على أننا “لسنا شرطيا ولا حارسا لأوروبا؛ بل نحن شريك ذو سيادة ولسنا مناولا” في مجال تدبير ملف الهجرة، متسائلا عما إذا كان نموذج التدبير الحالي ما يزال مجديا ومناسبا للسياق الجديد.

    أكد مصدر حكومي، اليوم الاثنين بالرباط، أن المملكة المغربية ظلت شريكا “ذا سيادة ومخلصا ومسؤولا” في إطار محاربة الهجرة غير النظامية، مشددا على أن تدبير ملف الهجرة يمثل “مسؤولية مشتركة” طالما “تحمل المغرب نصيبه منها”.

    وأبرز المصدر ذاته أن “المغرب لم يخضع يوما للضغط، ولم يتحرك قط بدافع الإكراه أو تحت وطأة الابتزاز”، مؤكدا أن “الالتزام والمسؤولية كانا دوما الدافع الأساسي لعملنا”.

    وأشار، في هذا السياق، إلى أن الهجرة تشكل “ظاهرة معقدة تقتضي من كل طرف تحمل مسؤولياته”، مضيفا “نحن نتحمل مسؤولياتنا كاملة”.

    وتابع المصدر الحكومي أن هذا الالتزام يتجلى في “نتائج ملموسة للجميع، حتى وإن كان البعض يتعامل معها كبديهيات دون إدراك حجم الإنجاز الذي تمثله”.

    وفي هذا الصدد، حرص على التذكير بحقيقة غالبا ما يتم تناسيها “إذا كانت الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هي الأقل إشكالية بالنسبة لأوروبا منذ سنوات، فليس لأنها غير مستهدفة من طرف شبكات الاتجار بالبشر، بل لأن المغرب عبأ بفاعلية وسائل ضخمة – وما يزال يواصل ذلك إلى اليوم”.

    وشدد المصدر ذاته على أنه تمت تعبئة إمكانيات بشرية وتقنية ومالية مهمة لهذه الغاية، مسجلا أن التعاون بين المغرب والحكومة الإسبانية يعتبر “نموذجيا”.

    واستنادا إلى الأرقام، أفاد المصدر بأنه تم إحباط 74 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2025، و79 ألف محاولة سنة 2024، أي نحو 160 ألف محاولة خلال سنتين، موضحا أنه تم أيضا تفكيك 632 شبكة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وتنفيذ أزيد من 32 ألف عملية إنقاذ في عرض البحر بنجاح خلال الفترة نفسها، مع الإشارة إلى إحباط أكثر من 360 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال السنوات الخمس الماضية.

    ونبه المصدر الحكومي إلى أنه لا يمكن لقاض إسباني أن يقوض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات.

    وأوضح أن “الحاجز أمام الهجرة لم ينهر بسبب المهربين، بل نتيجة قرار قضائي إسباني”، مضيفا أن “المغرب، من جهته، لم يتخلف يوما” عن الوفاء بالتزاماته أو بمسؤولياته.

    وفي هذا السياق، ذكر المصدر بأن قاضيا إسبانيا قرر، في الثامن من يوليوز الماضي، اعتبار وصول المهاجرين غير النظاميين عن طريق البحر مانعا من الترحيل التلقائي، “وهو الإجراء الذي يشكل حجر الزاوية في منظومتنا الردعية”.

    وأوضح المصدر نفسه أنه في نظر شبكات التهريب والاتجار بالبشر والمرشحين للهجرة غير النظامية، يوفر قرار القاضي “ببساطة حصانة للوصول غير القانوني عن طريق البحر”.

    وأعرب عن أسفه لانهيار العنصر الرادع في المنظومة وسقوط الحاجز نتيجة لهذا القرار، وليس تحت ضغط المجرمين.

    كما أشار إلى أن هذا الحكم “كان معروفا لدى السلطات الإسبانية، ولم يكن بإمكانها تجاهل كونه يضعف المنظومة برمتها”، متسائلا: “هل قام أحد بإبلاغ المغرب حتى يستعد؟ لا. وهل استبق أحد العواقب التي كانت مع ذلك متوقعة جدا؟ لا!”.

    وأضاف أنه “ليس مستغربا، في ظل هذه الظروف، أن تستغل هذه الشبكات هذه الفرصة”.

    وخلص المصدر إلى أن “نقطة التحول” تكمن في التباين بين العامل المسبب (قرار القاضي)، وردة الفعل المتأخرة.

    وأشار إلى أنه “من المخيب للآمال أن توظف أحداث سبتة لتحقيق مكاسب انتخابية وتصفية حسابات سياسية”، لافتا إلى أنه “عندما كانت الأزمة في أوجها، وفي ظل تغطية إعلامية طغى عليها التهويل والسعي إلى الإثارة، رصدت أكثر التعليقات تحريضا وأكثر التحليلات شططا”.

    وأعرب المصدر عن أسفه، بالقول “رأينا إلى أي حد كان بعض الفاعلين السياسيين دون مستوى اللحظة التاريخية، وكم كانت ردود أفعالهم مخيبة للآمال”، معربا عن صدمته الكبيرة ليس فقط بغياب الرؤية، بل بالقصور الاستراتيجي الشديد لدى البعض، والاستغلال السياسي لدى البعض الآخر.

    وأضاف أنه اليوم، وبعد التثبت من غياب الجدية، وغياب النظرة الشاملة إلى الشراكة، بل وحتى الغياب التام لأي إرادة لتمييز الأمور، “نصل إلى خلاصة واضحة: يجب أن تتغير قواعد التعامل مع الوضع!”، مشددا على ضرورة وضوح الأمر في أذهان الجميع: “المغرب يحمي أراضيه، ولا أحد يقوم بذلك نيابة عنه”.

    وشدد المصدر الحكومي على أنه “يتعين على الجميع تحمل مسؤولياتهم، فالمغرب ليس شرطيا ولا حارسا لأوروبا. نحن نتصرف كشريك موثوق وملتزم، في إطار شراكة واضحة المعالم، لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد”، مؤكدا على وجوب تحيين قواعد هذه الشراكة.

    واعتبر أنه لا بد من إعادة تعبئة الإرادات السياسية، وإعادة إرساء الوضوح واستشراف المستقبل في صلب هذه المنظومة، وإعادة الاعتبار للثقة والمسؤولية، فضلا عن إعادة تأطير ضوابط التعامل.

    وأكد أنه “لا ينبغي الاعتقاد بأن ضخ الأموال يكفي لتسير الأمور من تلقاء نفسها”، مسجلا أن التمويلات لم تكن يوما الدافع لعمل المغرب.

    وتابع المصدر الحكومي أن المغرب أكد مرارا أنه “لا وجود لحل أمني صرف لقضية الهجرة”، مضيفا أن هذه القناعة الثابتة تتأكد اليوم، حيث عاين الجميع حركة عودة طوعية تعادل في حجمها حركة التدفق نحو سبتة.

    وقال إن “هذه العودة هي الدليل القاطع على الحقيقة، المتمثلة في أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس استثمر بشكل مكثف في التنمية السوسيو-اقتصادية للمغرب وللأقاليم الشمالية”.

    وسجل المصدر ذاته أن “هؤلاء الشباب عادوا لأنهم عاينوا عن قرب أن الوضع في المغرب أفضل من (الفردوس الموعود) الذي كانوا يتوهمونه”.

    وأبرز أن “عودتهم كانت بالتالي طوعية؛ حيث تؤكد إسبانيا أن 95 في المئة من الأشخاص غادروا سبتة”، موضحا أن هؤلاء الأشخاص لم يعودوا بفضل تدخل إسبانيا، بل بناء على قناعتهم الخاصة واختيارهم”.

    وأكد المصدر الحكومي أن هذا الأمر يعزز مسار المغرب التنموي ووجاهة الخيارات الاستراتيجية التي نفذت تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية في الأقاليم الشمالية أحدثت طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في خلق أكثر من 430 ألف فرصة شغل.

    وأضاف أن “(الفردوس الموعود) ليس سوى وهم فككه شبابنا بأنفسهم من خلال عودتهم الطوعية. فالرد الأمثل على الهجرة غير النظامية يكمن في تحقيق التنمية”.

    وخلص المصدر الحكومي إلى أنه يتوجب على أوروبا أن تكون شريكا معنيا بتنمية المغرب، وأن تتوقف عن اتخاذ قرارات وإجراءات تعيق هذه التنمية، ولا سيما الإجراءات التي تؤثر سلبا على الموانئ المغربية، وصناعة السيارات الوطنية، وقطاع المالية، والخدمات، والنقل، و ترحيل الخدمات.

  • من 40 إلى 80 ألفا.. كيف كشفت “معركة الأرقام” ارتباك الرواية الإسبانية إزاء أحداث سبتة؟

    من 40 إلى 80 ألفا.. كيف كشفت “معركة الأرقام” ارتباك الرواية الإسبانية إزاء أحداث سبتة؟

    بعد ستة أيام من موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، لم تتمكن السلطات الإسبانية من الاتفاق على رقم واحد يحدد حجم ما وقع، فبين وزارة الداخلية في مدريد، ورئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، تغيرت الحصيلة الرسمية أكثر من مرة، وانتقلت تقديرات الوافدين من 40 ألفا إلى 50 ألفا ثم إلى 72 ألفا، قبل أن يتحدث فيفاس عن 80 ألف شخص، فيما ظل عدد الموجودين داخل المدينة وعدد الضحايا محل خلاف بين المؤسستين.

    هذا التباين لم يقتصر على التصريحات السياسية، بل شمل المعطيات التي قدمتها الحكومة الإسبانية نفسها أمام شركائها الأوروبيين، في وقت يتمسك فيه المغرب بحصيلة رسمية أعلنها في 2 غشت تستند بحسب وزارة الداخلية، إلى أنظمة الرصد والتتبع المعتمدة ميدانيا.

    بداية الأزمة.. أرقام أولية

    عندما بدأت محاولات العبور يوم الخميس 30 يوليوز، كانت السلطات الإسبانية تتحدث عن ما بين 1500 وألفي حالة دخول غير نظامي خلال الأيام السابقة، لكن مع اتساع نطاق العبور خلال ساعات، اكتفت البيانات الرسمية بالحديث عن “آلاف” الأشخاص الذين وصلوا إلى المدينة برا وبحرا.

    وفي صباح اليوم الموالي، قدرت الأجهزة الأمنية الإسبانية عدد الوافدين بأكثر من 40 ألف شخص، وهو أول رقم كبير يصدر بعد الأحداث، قبل أن تبدأ الحصيلة في التغير يوما بعد آخر.

    أول خلاف بين مدريد وسبتة

    يوم الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ نحو 50 ألف شخص، بينما أكد رئيس حكومة الثغر المحتل خوان خيسوس فيفاس أن العدد وصل إلى 60 ألفا.

    ولم يكن الخلاف مقتصرا على الوافدين، بل طال أيضا عدد العائدين إلى المغرب.

    فالوزارة أعلنت في منتصف النهار عودة 25 ألف شخص، ثم رفعت العدد بعد ساعات إلى 37 ألفا و500، قبل أن تؤكد مساء عودة 48 ألفا و300 شخص، معتبرة أن أقل من ألفي شخص ظلوا داخل المدينة.

    غير أن هذا التقدير لم يكن ينسجم مع أرقام فيفاس، فإذا كان 60 ألف شخص دخلوا المدينة، فإن عودة 48 ألفا و300 تعني بقاء أكثر من 11 ألف شخص دون تفسير أو إحصاء، وهو ما لم تقدم الحكومة الإسبانية أي توضيح بشأنه.

    مارلاسكا يرفعه الأرقام إلى 72 ألفا

    خلال عطلة نهاية الأسبوع، تمسكت مدريد برقم خمسين ألف وافد، بينما واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن ستين ألفا.

    وفي الاثنين 3 غشت ظهر خلاف جديد، بعدما أعلنت الحكومة المركزية أن نحو 2500 شخص ما زالوا داخل المدينة، في حين تحدثت سلطات سبتة عن وجود ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف شخص.

    وامتد التباين إلى حصيلة الضحايا، إذ تحدثت مدريد آنذاك عن 74 وفاة، بينما أعلنت سلطات المدينة تسجيل 88 وفاة.

    أثناء اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن عدد الذين دخلوا سبتة بلغ 72 ألف شخص، مضيفا أن 70 ألفا منهم عادوا إلى المغرب، وأن نحو ألفي شخص فقط ما زالوا داخل المدينة.

    ولم يقدم الوزير أي توضيح بشأن انتقال الحصيلة من خمسين ألفا إلى اثنين وسبعين ألفا، رغم أن الفارق يبلغ 22 ألف شخص.

    فيفاس: العدد بلغ 80 ألفا

    بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، عاد خوان خيسوس فيفاس ليطرح رواية جديدة، وقال إن عدد الوافدين بلغ نحو 80 ألف شخص، وإن قرابة ستة آلاف ما زالوا داخل سبتة، متسائلا، في تصريح للتلفزيون الإسباني الرسمي: “كيف يمكن أن نكون إلى اليوم لا نعرف عدد الأشخاص الموجودين في سبتة؟”.

    وبهذا التصريح، اتسع الفارق مع وزارة الداخلية الإسبانية إلى ثمانية آلاف شخص في عدد الوافدين، وأربعة آلاف شخص في عدد الموجودين داخل المدينة.

    أرقام المغرب

    في مقابل هذه التقديرات المتغيرة، أعلنت وزارة الداخلية المغربية، في بلاغ رسمي صدر في 2 غشت، أن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات العبور نحو سبتة، مقابل 1135 شخصا باتجاه مليلية.

    وأكدت الوزارة أن هذه الحصيلة اعتمدت على وسائل الرصد والتتبع الميداني، معتبرة إياها المرجع الرسمي.

    كما أعلنت تسجيل 11 وفاة داخل التراب المغربي، بينها عشر حالات غرق وحالة وفاة واحدة بسبب سقوط عرضي من منطقة صخرية مجاورة لسبتة، مشيرة إلى أن التنسيق مع السلطات الإسبانية ما يزال متواصلا لتحديد عدد الضحايا الذين سقطوا داخل المدينة وهوياتهم.

    أزمة تعكس أزمة تدبير

    لا يقتصر الخلاف بين مدريد وحكومة سبتة على اختلاف في طرق الإحصاء، بل يكشف أيضا عن تباين في تقييم حجم الأزمة وكيفية تدبيرها.

    فبينما سعت الحكومة المركزية إلى التأكيد أمام شركائها الأوروبيين أن الوضع أصبح تحت السيطرة وأن أغلب الوافدين عادوا إلى المغرب، واصل رئيس حكومة سبتة الحديث عن أعداد أكبر وعن ضغط مستمر على المدينة، مستندا إلى هذه الأرقام للمطالبة بنقل القاصرين غير المصحوبين إلى البر الإسباني وتوفير دعم إضافي لسلطات المدينة.

    وبعد مرور أسبوع على الأحداث، لا تزال إسبانيا تقدم أكثر من رواية حول عدد الذين دخلوا سبتة وعدد الذين غادروها وعدد الذين بقوا داخلها، في حين بقيت الحصيلة الرسمية المغربية ثابتة منذ إعلانها.

    صراع صلاحيات داخل الدولة الإسبانية

    في هذا الإطار، قال محمد مزوز، الباحث في العلاقات الدولية والهجرة وسياسات الحدود، إن المشكل في هذه الأزمة ليس أن المؤسسات الإسبانية قدمت أرقاما مختلفة فحسب، بل أن هذا الاختلاف كشف غياب تعريف موحد لما يجري إحصاؤه أصلا.

    وأوضح مزوز في حديثه لـ “AM+MEDIA”، أن هناك فرق جوهري بين عدد الأشخاص وعدد محاولات العبور وعدد من وطأت أقدامهم المجال الترابي لسبتة، وعدد من سجلتهم المصالح الأمنية أو الصحية أو الاجتماعية، وعندما لا توضح السلطات هذه الفروق، تتحول الأرقام من أداة لفهم الأزمة إلى عنصر إضافي في تعقيدها.

    ومن الناحية المؤسساتية، يرى مزوز أننا “أمام أزمة اختصاصات وتنسيق داخل الدولة الإسبانية، فسبتة تتمتع بوضع إداري خاص، لكنها لا تملك الأدوات السيادية المتعلقة بمراقبة الحدود والهجرة والإبعاد، وهي اختصاصات تعود إلى الحكومة المركزية، في المقابل، تتحمل سلطات المدينة العبء المباشر المرتبط بالإيواء، والرعاية الاجتماعية، وتدبير القاصرين، والضغط على المرافق المحلية وهذا الفصل بين الجهة التي تملك القرار والجهة التي تتحمل الكلفة اليومية يفسر جزءا من التوتر بين مدريد وسبتة”.

    ونبه المتحدث، إلى أن رئيس حكومة المدينة ينظر إلى الأزمة من داخل المجال المحلي بما فيها مراكز إيواء ممتلئة، قاصرون يحتاجون إلى الرعاية، أشخاص غير مسجلين، ومرافق عمومية تعمل فوق طاقتها، أما الحكومة المركزية فتنظر إليها من زاوية أخرى ترتبط بالسيادة، وحدود فضاء شنغن والعلاقة مع المغرب والصورة التي ستقدم إلى الاتحاد الأوروبي.

    لذلك، يعتبر أنه “لا يختلف الطرفان فقط حول الرقم، بل حول تعريف الأزمة ذاتها هل هي أزمة محلية تستوجب توزيع العبء على باقي التراب الإسباني، أم أزمة حدودية جرى احتواؤها ولا ينبغي تضخيم آثارها السياسية؟”.

    وهذا التباين، يفسر أيضا لماذا يحرص كل طرف على تثبيت روايته، فبالنسبة إلى سلطات سبتة، كلما ظهر أن عدد الموجودين في المدينة أكبر أصبحت مطالبتها بنقل القاصرين وتوفير موارد إضافية أكثر إلحاحا.

    أما بالنسبة إلى مدريد، فإن الإقرار باستمرار وجود أعداد كبيرة يعني الاعتراف بأن السيطرة لم تستعد بالكامل وأن تدبير الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تعرض لاختلال أكبر مما قدم رسميا.

    وهناك بعد آخر يتعلق بجودة الدولة في إدارة الأزمات، فالدولة وفق الباحث لا تقاس فقط بقدرتها على نشر قواتها أو وقف التدفقات، بل أيضا بقدرتها على معرفة من دخل ومن عاد ومن بقي ومن يحتاج إلى حماية، ومن يخضع لإجراء قانوني، وغياب هذه الصورة بعد أيام من الأحداث يعني أن الاستجابة الأمنية سبقت بناء منظومة دقيقة للمعلومات، أو أن قواعد البيانات بين الأجهزة لم تكن متطابقة، أو أن التواصل المؤسساتي لم يعكس المعطيات المتوفرة فعليا، وفي الحالات الثلاث نحن أمام خلل يتجاوز الجانب الإعلامي.

    وتابع: “كما أن الارتباك الرقمي ستكون له آثار قانونية، فكل شخص يوجد داخل سبتة يفترض أن يخضع لتحديد الهوية والوضعية، هل هو راشد أم قاصر؟ هل يحتاج إلى حماية دولية؟ هل يمكن إعادته قانونيا؟ وهل دخل مرة واحدة أم ظهر اسمه في أكثر من سجل؟ من دون قاعدة بيانات موحدة، يصبح من الصعب ضمان سلامة الإجراءات، كما ترتفع احتمالات الخطأ في تصنيف الأشخاص أو تكرار تسجيلهم أو إسقاطهم من الإحصاء”.

    وأعادت الأزمة أيضا، كذلك طرح سؤال القاصرين غير المصحوبين، وهم الفئة الأكثر حساسية في هذا الملف، فهؤلاء لا يمكن التعامل معهم بمنطق التدبير الأمني نفسه المعتمد مع الراشدين، لأن وضعهم يخضع لالتزامات قانونية خاصة مرتبطة بالحماية والرعاية والتحقق من السن والمصلحة الفضلى للطفل، ولهذا فإن الخلاف بين سبتة ومدريد حول نقلهم “يعكس نقاشا قديما داخل إسبانيا بشأن توزيع المسؤولية بين الجهات، خصوصا عندما تقع مدن الحدود تحت ضغط يفوق قدراتها” وفق تعبير مزوز.

    أما في العلاقة مع المغرب، فإن تضارب الأرقام الإسبانية يضعف القدرة على إجراء تقييم مشترك للأزمة، حيث أكد المتحدث أن “التعاون الحدودي يحتاج إلى معطيات متطابقة، أو على الأقل إلى منهجية واضحة تسمح بمقارنة البيانات فعندما تعلن كل مؤسسة رقما مختلفا، يصعب تحديد حجم عمليات العودة وعدد المفقودين وهويات الضحايا، وطبيعة التدفقات وهذا يعرقل ليس فقط التواصل السياسي، بل أيضا العمل القنصلي والقضائي والإنساني”.

    مع ذلك، ينبغي الحذر من المقارنة الآلية بين الرقم المغربي والأرقام الإسبانية، حيث شدد المتحدث على أنه ” قد يكون المغرب قد أحصى المشاركين في محاولات الاقتراب والعبور، بينما أحصت جهات إسبانية عمليات وصول أو تسجيل أو تنقل داخل المدينة”، لذلك فإن الحكم على صحة رقم وخطأ آخر يتطلب أولا توحيد المفاهيم والفترة الزمنية ومكان الإحصاء أما المشكلة الأساسية ليست في أن الأرقام غير متطابقة، فهذا أمر وارد في الأزمات الواسعة، وإنما في أن السلطات لم تقدم للرأي العام تفسيرا منهجيا للفروق بينها.

    سياسيا، يتوقع الباحث أن تترك هذه الأزمة أثرا داخل إسبانيا، فالمعارضة ستستخدم التناقضات لمساءلة الحكومة عن جاهزية الحدود ودقة المعلومات، وسلطات سبتة ستضغط من أجل موارد وصلاحيات أكبر، بينما ستحاول الحكومة المركزية منع تحول الملف إلى دليل على فقدان السيطرة أو إلى أزمة أوروبية مفتوحة.

  • اتفاق هرمز يفتح باب استئناف حوار إيران وأمريكا

    اتفاق هرمز يفتح باب استئناف حوار إيران وأمريكا

    أبدت باكستان أملها في أن يؤدي الاتفاق المتعلق بمضيق هرمز إلى استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار مذكرة تفاهم ساهمت إسلام أباد في التوسط لإبرامها.

    وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستاني، طاهر أندرابي، في بيان اليوم الخميس، “نأمل أن يمهد الاتفاق بشأن المضيق لمواصلة الحوار، سيما استئناف المحادثات على المستوى التقني بين إيران والولايات المتحدة”.

    وحري بالذكر أن إيران أعلنت يوم أمس الأربعاء التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عمان على مسار جديد لعبور السفن في مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية والذي يقع في صلب المواجهة مع الولايات المتحدة.

  • قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    قُبيل أسابيع من الانتخابات.. الحكومة ترسم ملامح مالية 2027 وتستهدف عجزا بـ3% وتقليصا للدين بـ65%

    دخلت الحكومة مرحلة إعداد آخر مشروع قانون مالية يرتبط بولايتها الحالية بأهداف مالية واضحة، تكمن في خفض عجز الميزانية إلى 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2027، وتقليص الدين العمومي إلى 65 بالمئة، مع إبقاء الإنفاق تحت المراقبة وتشديد التعليمات على نفقات السيارات والسفريات والمقرات الإدارية.

    لكن الأرقام التي يتضمنها منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026 تكشف أن الوصول إلى هذه الأهداف سيمر عبر هامش مالي ضيق، فكلفة التدابير المتخذة لفائدة القطاع العام ستبلغ 49.7 مليار درهم سنة 2027، والدعم الاجتماعي المباشر يتجاوز 26 مليار درهم سنويا، ودعم غاز البوتان والسكر والدقيق يحتاج 13.2 مليار درهم، فيما سترتفع التحويلات إلى الجهات إلى 12 مليار درهم على الأقل سنويا، بالتزامن مع استمرار تمويل أوراش البنية التحتية والنقل والماء وإعادة إعمار الحوز.

    وتزداد معادلة مالية 2027 تعقيدا مع توقع تباطؤ النمو من 5.3 بالمئة في 2026 إلى 4.1 بالمئة في السنة المقبلة، وارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في وقت تتقدم فيه الواردات، التي ارتفعت بـ15.3 بالمئة، بوتيرة أسرع من الصادرات التي زادت بـ9.7 بالمئة.

    وفوق هذه الحسابات الاقتصادية، تحمل الميزانية مفارقة سياسية مرتبطة بتوقيتها، فالانتخابات التشريعية مقررة في 23 شتنبر المقبل، بعد ستة أيام فقط من انتهاء لجان التحكيم الميزانياتي المبرمجة بين 7 و17 من الشهر نفسه، ما يعني أن الحكومة المنتهية ولايتها ستشارك في رسم سقوف ميزانية ستكون الحكومة المنبثقة عن صناديق الاقتراع مطالبة بتنفيذها.

    وبين هدف إعادة العجز إلى 3 بالمئة، والمحافظة على تمويل الدولة الاجتماعية، واستمرار المشاريع الكبرى المرتبطة بالماء والسكك الحديدية والموانئ والمطارات ومونديال 2030، كشف منشور إعداد مشروع قانون المالية 2027 أين توجد هوامش الإنفاق التي تريد الحكومة تقليصها، لكنه ترك رقما أساسيا خارج الوثيقة المنشورة وهو الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة، فضلا عن سقوف نفقات كل قطاع وزاري الواردة في وثيقة مرفقة لم تنشر للعموم.

    نمو بـ5.3 بالمئة.. الفلاحة تدفع الأرقام إلى الأعلى

    تبدأ حسابات مالية 2027 من فرضية نمو أقل من المستوى المتوقع خلال السنة الجارية، فالمنشور يقدر نمو الاقتصاد المغربي بـ5.3 بالمئة في 2026، قبل أن تتراجع الوتيرة إلى 4.1 بالمئة في 2027، مستندا في تقييم مسار الاقتصاد والمالية العمومية إلى تقديرات صندوق النقد الدولي ووكالتي التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” و”موديز”.

    وتقدم الوثيقة توقع 5.3 بالمئة باعتباره مؤشرا على تقليص تبعية الاقتصاد المغربي للتقلبات المناخية والتساقطات المطرية، غير أن تفصيل مكونات النمو يكشف الوزن الكبير للفلاحة في انتعاش السنة الجارية.

    فالقيمة المضافة الفلاحية مرشحة للارتفاع بـ15.1 بالمئة خلال 2026، مقابل نمو بـ4.2 بالمئة للأنشطة غير الفلاحية، على أن تنتقل قيمتها من 111.6 مليار درهم في 2025 إلى 130 مليار درهم هذه السنة.

    ويضع هذا المعطى نسبة النمو المتوقعة في سياقها، خصوصا أن الحكومة نفسها تتوقع تراجعها بـ1.2 نقطة في 2027، من 5.3 إلى 4.1 بالمئة، بالتزامن مع انحسار أثر الانتعاش الفلاحي الذي ميز السنة الجارية.

    المداخيل تتحسن.. لكن النفقات ترتفع بالوتيرة نفسها تقريبا

    وتظهر أرقام تنفيذ الميزانية حتى نهاية يونيو 2026 تحسنا واضحا في موارد الدولة، فقد بلغت المداخيل العادية الصافية 225.2 مليار درهم، مقابل 195.2 مليار درهم في الفترة نفسها من 2025، مسجلة زيادة بـ15.4 بالمئة، فيما تشكل المداخيل الضريبية الجزء الأكبر من هذه الموارد بعدما بلغت 197.8 مليار درهم.

    غير أن النفقات تسير بدورها بوتيرة تصاعدية قريبة من وتيرة نمو المداخيل، فقد ارتفعت النفقات العادية بـ14.7 بالمئة إلى 203.9 مليارات درهم، أي أن الفارق بين وتيرة ارتفاع الموارد والنفقات لا يتجاوز 0.7 نقطة مئوية.

    وضمن هذه النفقات، ارتفعت فوائد الدين من 10.4 إلى 11.4 مليار درهم، بينما قفزت نفقات الاستثمار بـ20.2 بالمئة لتصل إلى 59.8 مليار درهم.

    وسمحت هذه التطورات بخفض عجز الميزانية إلى 24 مليار درهم عند نهاية يونيو، مقابل 30.8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

    ويأتي ذلك ضمن مسار تريد الحكومة مواصلته في 2027، بعدما انتقل العجز، بحسب المنشور، من 7.1 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2020 إلى 3.5 بالمئة في 2025، على أن يستقر عند 3 بالمئة في السنة المقبلة.

    ويشمل الاتجاه نفسه الدين العمومي، المتوقع أن يمثل 66 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، قبل تراجعه إلى 65 بالمئة في 2027 ونحو 63 بالمئة في أفق 2029.

    التجارة الخارجية.. الواردات تركض أسرع من الصادرات

    لكن تحسن مؤشرات المالية العمومية يقابله ضغط أكبر على الحسابات الخارجية، فخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت الصادرات المغربية بـ9.7 بالمئة لتبلغ 260.4 مليار درهم، في حين سجلت الواردات نموا بـ15.3 بالمئة ووصلت إلى 458.8 مليار درهم، مدفوعة أساسا بارتفاع واردات سلع التجهيز والمنتجات الطاقية.

    وتنعكس هذه الفجوة على الحساب الجاري، الذي تتوقع الحكومة ارتفاع عجزه إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، بعدما بلغ 2.4 بالمئة في 2025، فيما استقر معدل تغطية الواردات بالصادرات عند 57 بالمئة خلال السنة الماضية.

    في المقابل، تستفيد الحسابات الخارجية من ثلاثة تدفقات رئيسية للعملة الصعبة، فقد ارتفعت مداخيل السفر بـ15.9 بالمئة إلى 64.9 مليار درهم في نهاية يونيو، وبلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 61.5 مليار درهم، بينما وصل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 26.2 مليار درهم.

    ويضع المنشور ضمن هذه الدينامية الأداء المسجل في القطاع السياحي، بعدما استقبل المغرب 19.8 مليون زائر خلال 2025، وبلغت المداخيل السياحية بالعملة الصعبة 138 مليار درهم.

    49.7 مليار درهم لكلفة تدابير القطاع العام

    الجانب الأكثر ضغطا على حسابات 2027 يرتبط بالنفقات التي سبق الالتزام بها، والتي لا تملك الحكومة هامشا واسعا لتقليصها.

    فالكلفة السنوية للتدابير المعتمدة لفائدة القطاع العام، بما فيها مراجعة الضريبة على الدخل، ستصل إلى 48.3 مليار درهم في نهاية 2026، قبل أن ترتفع إلى 49.7 مليار درهم في 2027.

    وإلى جانب هذه الكلفة، تحتاج الحكومة إلى 13.2 مليار درهم لمواصلة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني، فضلا عن 3.9 مليارات درهم مخصصة للتدابير المتبقية من الحوار الاجتماعي.

    أما الدعم الاجتماعي المباشر، فتبلغ كلفته 2.2 مليار درهم شهريا، بما يتجاوز 26 مليار درهم سنويا.

    ومن المنتظر أن يضاف إلى هذه الالتزامات ارتفاع التحويلات الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من 2027.

    وهكذا، يدخل مشروع قانون المالية المقبل مرحلة الإعداد وجزء مهم من النفقات محدد مسبقا، بينما يفترض تحقيق هدف خفض العجز إلى 3 بالمئة مواصلة التحكم في الإنفاق دون المساس بالالتزامات الاجتماعية والاستثمارية القائمة.

    4 ملايين أسرة تستفيد من الدعم.. ومؤشرات تغيب عن المنشور

    ويخصص المنشور مساحة واسعة لحصيلة الدولة الاجتماعية، إذ يشير إلى استفادة أربعة ملايين أسرة وأكثر من خمسة ملايين طفل من الدعم الاجتماعي المباشر، وإلى صرف 64.2 مليار درهم منذ 2023.

    وفي التأمين الإجباري عن المرض، تفيد الوثيقة بأن نسبة التغطية انتقلت من 42 بالمئة قبل الإصلاح إلى أكثر من 87 بالمئة حاليا.

    غير أن الدقة التي يعتمدها المنشور في عرض عدد المستفيدين وكلفة البرامج الاجتماعية لا تمتد إلى عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، إذ لا يورد معدل البطالة أو التضخم أو مؤشرا للفقر النقدي.

    ويظهر هذا الغياب بشكل أكبر في الجزء المتعلق بالتشغيل، فالوثيقة تحدد ثلاثة محاور لخارطة الطريق، هي “عرض الشغل” و”الطلب على الشغل” و”آليات الوساطة”، إلى جانب إعادة هيكلة البرامج النشيطة للتشغيل، دون تحديد هدف رقمي لإحداث فرص الشغل أو أفق زمني لتحقيقه.

    أما الهدف الكمي الواضح في الجانب التعليمي، فيهم برامج الفرصة الثانية، حيث تستهدف الحكومة رفع عدد المستفيدين من 35 ألفا خلال الدخول المدرسي 2026-2027 إلى 80 ألفا بحلول 2030.

    الحوز.. إعادة الإعمار مستمرة في 2027

    ولا تنتهي الالتزامات عند البرامج الاجتماعية، إذ سيستمر تمويل إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز ضمن حسابات السنة المقبلة.

    وإلى نهاية يونيو 2026، بلغت مدفوعات الدولة المرتبطة بهذا الورش 8.02 مليارات درهم وشملت 2.52 مليار درهم من المساعدات الشهرية، بقيمة 2500 درهم لفائدة 63 ألفا و786 أسرة، إضافة إلى 759.7 مليون درهم لإعادة بناء 5751 مسكنا، بمساعدة قدرها 140 ألف درهم لكل مسكن.

    كما جرى صرف 3.98 مليارات درهم لإعادة تأهيل 52 ألفا و240 مسكنا، بمبلغ 80 ألف درهم لكل مسكن، وخصصت الدولة بالتوازي غلافا بقيمة 6.42 مليارات درهم للأشغال القطاعية، فيما أفردت برنامجا آخر بقيمة 3 مليارات درهم لمواجهة تداعيات الفيضانات التي شهدتها مناطق شمال وغرب المملكة.

    من السيارات إلى الفنادق.. أين تريد الحكومة خفض الإنفاق؟

    أمام محدودية هامش التحرك في النفقات الاجتماعية والالتزامات القائمة، تنتقل تعليمات رئيس الحكومة إلى المصاريف الإدارية التي يمكن التحكم فيها.

    ويطالب المنشور القطاعات الحكومية بأن يكون إحداث المناصب المالية “محددا ومبررا بدقة”، وأن تعمل على ضبط نفقات الماء والكهرباء وكراء السيارات وتهيئة المقرات.

    وتشمل التعليمات أيضا نفقات التنقل داخل المملكة وخارجها، والإقامة في الفنادق والاستقبالات والحفلات والملتقيات، مع ربطها بأهداف “ميثاق مثالية الإدارة”.

    ويذهب المنشور بصورة أكثر مباشرة إلى مطالبة الإدارات بـ”تقليص نفقات اقتناء السيارات وبناء وتهيئة وتجهيز المقرات الإدارية إلى أقصى حد”.

    لكن هذه التعليمات ليست جديدة في قاموس إعداد الميزانية، إذ تعيد إلى حد بعيد مقتضيات سبق تضمينها في مناشير السنوات السابقة، ما يجعل الرهان الفعلي مرتبطا بحجم ما يمكن توفيره من هذه البنود مقارنة بالنفقات الاجتماعية والاستثمارية الكبرى.

    لا اعتمادات لمشاريع لا تستطيع القطاعات تنفيذها

    التشدد يمتد إلى الاستثمار العمومي، لكن من زاوية مختلفة، إذ يطلب المنشور من القطاعات الحكومية بناء مقترحاتها الاستثمارية انطلاقا من قدرتها الحقيقية على التنفيذ، مع مراعاة معدلات ترحيل الاعتمادات من سنة إلى أخرى.

    وتعطى الأولوية للالتزامات الناتجة عن التعليمات الملكية، فضلا عن الاتفاقيات الموقعة مع المانحين الدوليين.

    أما الإعانات الموجهة إلى المؤسسات العمومية، فسيجري صرفها بحسب تقدم المشاريع والسيولة المتوفرة لديها، بما يربط تحويل الموارد بوتيرة الإنجاز الفعلي.

    وتأتي هذه التوجيهات في سياق تعديل عدد من قواعد الصفقات العمومية، إذ ارتفع سقف سندات الطلب من 500 ألف إلى 800 ألف درهم، فيما انتقل سقف المسطرة المبسطة المعفاة من شهادات المراجع من مليون إلى 1.5 مليون درهم.

    168 مليار درهم إضافية في مداخيل الدولة

    وتراهن الحكومة في الجانب الآخر من المعادلة على استمرار تعبئة الموارد الجبائية، بحيث يؤكد المنشور مواصلة توسيع الوعاء الضريبي وترشيد الامتيازات وتشديد مكافحة الغش، مع التأكيد على أن ذلك سيتم “دون زيادة الضغط الضريبي”.

    وتظهر الأرقام التي تقدمها الوثيقة أن المداخيل العادية للدولة انتقلت من 256.2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424.2 مليار درهم في 2025، أي بزيادة بلغت 168 مليار درهم خلال أربع سنوات.

    ويعادل ذلك متوسط نمو سنوي بـ13.5 بالمئة، فيما سجلت المداخيل الضريبية وحدها متوسط زيادة سنوية قدره 12.4 بالمئة خلال الفترة نفسها.

    ويربط المنشور هذا التطور بالقانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، لكنه لا يفصل داخل الزيادة المسجلة بين ما نتج عن توسيع القاعدة الضريبية وما يرتبط بالنمو الاسمي للاقتصاد أو بالتضخم.

    قانون المالية نفسه على طاولة الإصلاح

    ولا تقتصر أجندة 2027 على تدبير الموارد والنفقات، بل تشمل إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يحكم جزءا من المالية العمومية.

    وتعلن الحكومة مراجعة القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، مع توجه نحو توسيع نطاقه ليشمل المؤسسات العمومية المستفيدة من الدعم، إلى جانب اعتماد الميزنة متوسطة المدى ووضع سقف للمداخيل المرصدة.

    كما ستتواصل عملية تنزيل القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، مع إحداث هيئة مركزية مكلفة بعمليات التصفية.

    ويشير المنشور أيضا إلى مشروعي القانونين رقم 047.26 و046.26، المتعلقين بجعل المندوبية السامية للتخطيط هيئة للحكامة وإعادة تنظيم النظام الإحصائي الوطني.

    القطار والمطارات والموانئ والماء.. أوراش بلا غلاف استثماري إجمالي

    رغم التشديد على ضبط النفقات، لا تعني مالية 2027 التراجع عن الأوراش الاستثمارية الكبرى، فالمنشور يسرد مجموعة واسعة من المشاريع التي ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يحدد الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة.

    في السكك الحديدية، يبرز مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة-مراكش على امتداد 430 كيلومترا، إلى جانب شبكات القطارات السريعة الجهوية في ثلاث جهات.

    وفي النقل الجوي، تستهدف الاستراتيجية المعلنة رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر بحلول 2030، فيما يفترض أن يصل أسطول الخطوط الملكية المغربية إلى 200 طائرة في أفق 2037.

    وتضم لائحة الأوراش أيضا ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي.

    وفي قطاع الماء، تستهدف المشاريع بلوغ قدرة لتحلية مياه البحر في حدود 1.7 مليار متر مكعب، ورفع قدرة التخزين إلى 22 مليار متر مكعب بحلول 2030.

    ويضاف إلى كل ذلك جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تقدر الوثيقة كلفتها بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

  • مطار الرباط-سلا يستقبل أزيد من 1.2 مليون مسافر

    مطار الرباط-سلا يستقبل أزيد من 1.2 مليون مسافر

    أفاد المكتب الوطني للمطارات بأن مطار الرباط-سلا سجل خلال الفصل الأول من سنة 2026 ارتفاعا بنسبة 14,8 في المئة في حركة المسافرين مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية.

    واستقبل هذا المطار مليون و217 ألف و574 مسافرا خلال الستة أشهر الأولى من السنة الجارية، مقابل مليون و60 ألف و480 مسافرا خلال الفترة ذاتها من سنة 2025 .

    وأوضح المكتب، أنه خلال شهر يونيو لوحده، استقبلت هذه المنشأة المطارية، ما مجموعه 215 ألفا و416 مسافرا، أي بارتفاع بلغت نسبته 16,3 بالمئة مقارنة مع 185 ألف و 231 مسافر سجلوا خلال يونيو 2025 .

    وفي ما يتعلق بحركة الطائرات، سجل مطار الرباط-سلا خلال الستة أشهر الأولى من هذه السنة، ما مجموعه 8.663 حركة، مقابل 7.396 حركة خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية، أي بزيادة نسبتها 17,13 في المئة.

    وعلى الصعيد الوطني، سجلت مطارات المملكة، عند متم يونيو، حركة مسافرين بلغت 18 مليونا و831 ألفا و461 مسافرا، بارتفاع نسبته 8,83 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025 (17 مليون و303 آلاف و47 مسافرا).