المدونة

  • الأميرة للا مريم تستقبل الأطفال المقدسيين

    الأميرة للا مريم تستقبل الأطفال المقدسيين

    استقبلت صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، بأمر من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، اليوم الأحد بقصر الضيافة بالرباط، الأطفال المقدسيين المشاركين في الدورة الـ 17 للمخيم الصيفي الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس الشريف.

    وتعكس هذه المبادرة المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، والتي تشرف عليها وكالة بيت مال القدس الشريف، الدعم الموصول والثابت الذي يخص به جلالة الملك، حفظه الله، المدينة المقدسة وسكانها.

    كما تأتي لتعزز الجهود المبذولة من طرف الوكالة، والتي تتوخى دعم مدينة القدس الشريف وساكنتها، من خلال المشاريع المتعددة ذات الأثر الملموس والمباشر على المقدسيين، لاسيما النساء والأطفال والأشخاص في وضعية صعبة.

    وعلى غرار الدورات السابقة، يستفيد من الدورة الحالية للمخيم، التي أ طلق عليها اسم “منارة السلام”، والمنظمة خلال الفترة ما بين 12 و26 غشت الجاري، 50 طفلا مقدسيا (إناثا وذكورا) تتراوح أعمارهم ما بين 11 و14 سنة، ويرافقهم 5 مؤطرين من المدينة المقدسة.

    وقد تميزت هذه الدورة بتنظيم الدورة الثانية من المدرسة الصيفية بالصخيرات، قبل بدء البرنامج الرسمي لهذه النسخة، والذي تميز برحلات تربوية، ومسابقات ثقافية ورياضية، فضلا عن زيارات ذات طابع ثقافي رفقة أطفال مغاربة.

    وبهذه المناسبة، تقدم للسلام على صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، السيد محمد سالم الشرقاوي، المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، والمؤطرون والأطفال المقدسيون المشاركون في الدورة الـ 17 للمخيم.

    بعد ذلك، أخذت لصاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، صورة تذكارية مع الأطفال المقدسيين المشاركين في هذا المخيم ومؤطريهم، قبل أن تترأس سموها حفل استقبال أقامه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على شرف هؤلاء الأطفال.

    إثر ذلك، قدم الأطفال المقدسيون لصاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم هديتين تذكاريتين.

    من جهته، قدم السيد الشرقاوي لصاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم كتابا حصيلة أنجزته وكالة بيت مال القدس الشريف، والذي يوثق لأقوى محطات هذه الدورة الـ 17 من المخيم، الذي تم إطلاقه في العام 2008، وبلغ العدد الإجمالي للمستفيدين منه ما مجموعه 850 طفلا من مختلف أحياء المدينة المقدسة، يرافقهم 85 مؤطرا، والذين زاروا مختلف جهات المملكة ووقفوا بشكل ملموس على مدى قوة التضامن الفاعل للمغاربة مع الفلسطينيين.

  • الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    الاعتداء على صحفي إسباني بسبب مظهره “المغربي”.. تقرير يكشف الكراهية والتمييز ومأساة المهاجرين بسبتة

    رصد المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز استمرار وضع متباين في مدينة سبتة، خلال الفترة الممتدة من ظهر 17 غشت الجاري إلى مساء 21 من الشهر ذاته (أول أمس الجمعة)، إذ تزامن نقل مئات المهاجرين غير النظاميين من أماكن الإقامة الهشة مع تصاعد خطابات الكراهية والوصم، وظهور ممارسات أثارت مخاوف مرتبطة بالتمييز والحق في الخصوصية.

    وأفاد المجلس، في “نقطة اليقظة رقم 9” الصادرة عن معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، بأن السلطات الإسبانية شرعت في اتخاذ تدابير لإخراج عدد من الأشخاص من الظروف الصعبة التي كانوا يعيشون فيها في شاطئ “ترامبولين”، غير أن المناخ العام ظل مشحونا بخطابات معادية للهجرة، إلى جانب تسجيل وقائع مرتبطة باستهداف أشخاص بناء على مظهرهم أو أصلهم المفترض.

    تصاعد الخطاب المعادي للهجرة

    ووفق التقرير، أظهر رصد منصات التواصل الاجتماعي انتشارا متزايدا لمضامين تقدم المهاجرين باعتبارهم مصدر تهديد للمجتمع المستقبِل، مشيرا إلى أن من بين العبارات المتداولة جملة منسوبة إلى المستشار السياسي الأمريكي ستيفن ميلر، مفادها أنه “إذا استوردت العالم الثالث، فإنك تتحول إلى العالم الثالث”.

    واعتبر المجلس أن تداول هذه العبارة في سياق أحداث سبتة يتجاوز انتقاد السياسات العمومية المتعلقة بالهجرة، إذ يربط وجود أشخاص قادمين من دول مصنفة ضمن “العالم الثالث” بتدهور المجتمع المستقبِل.

    وحذر التقرير من أن هذا النوع من الخطاب يرسخ تقابلا بين “نحن” التي يجري تقديمها باعتبارها متقدمة وشرعية، و”هم” التي تُصوَّر على أنها مصدر للتراجع، بما يساهم في تجريد المهاجرين من إنسانيتهم وتحويل وجودهم إلى تهديد مفترض.

    ونبه أيضا إلى خطورة تطبيع هذا الخطاب، خصوصا عندما تعيد نشره أو تضخمه حسابات تحظى بمتابعة واسعة، لما لذلك من أثر في إضفاء المشروعية على المضامين التمييزية وتعميق التوتر بين السكان.

    الاعتداء على صحفي بسبب مظهره “المغربي”

    وتوقف التقرير عند واقعة الاعتداء على صحفي يعمل في منبر “إل بويبلو دي سبتة”، الإثنين الماضي، أثناء تغطيته احتجاجا تزامن مع زيارة وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز.

    ونقلا عن معطيات نشرتها وسائل إعلام، قال المجلس إن أحد المشاركين في الاحتجاج ظن أن الصحفي مهاجرا مغربيا، وطالبه بـ”العودة إلى بلده”، قبل أن يوجه إليه ضربة أدت إلى سقوط معداته.

    واعتبر التقرير أن استهداف الصحفي، رغم وجود مهنيين آخرين في المكان، يبرز كيف يمكن للمظهر الجسدي أو الأصل والدين المفترضين أن تؤدي إلى تصنيف شخص باعتباره مهاجرا، بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه الحقيقي أو انتمائه إلى المجتمع المحلي.

    مهاجرون ممنوعون من دخول المتاجر

    ورصد المجلس، يومي 20 و21 غشت، وقوف أشخاص من أصول مغربية ممن عبروا إلى سبتة في طوابير طويلة أمام عدد من المتاجر، مع فرض قيود على دخولهم لشراء المواد الغذائية.

    ودعا إلى التمييز بين الإجراءات العامة لتنظيم تدفق الزبائن، التي قد تستند إلى اعتبارات موضوعية مرتبطة بالأمن أو الاكتظاظ، وبين الممارسات التي تحد من دخول الأشخاص بسبب أصلهم أو جنسيتهم أو وضعهم المفترض في مجال الهجرة.

    وأكد ضرورة مواصلة توثيق هذه الحالات لتحديد طبيعة القيود ومبرراتها، وما إذا كانت تطبق على الجميع أو تستهدف فئات بعينها.

    نقل المهاجرين بلا ضمانات

    وفي الجانب الإنساني، وصف التقرير شروع السلطات، يوم 20 غشت الجاري، في نقل الأشخاص المقيمين بشاطئ “ترامبولين” إلى مرافق استقبال مؤقتة، بأنه تطور إيجابي من حيث المبدأ.

    وتشير المعطيات إلى نقل أكثر من 1200 شخص نحو مواقع من بينها “لوما مارغاريتا” ومنطقة الاستقبال في “لوما كولمينار”، فيما تحدثت مصادر أخرى عن أعداد أكبر تبعا لطريقة احتساب المستفيدين.

    وأكد المجلس المدني الإسباني لمناهضة جميع أشكال التمييز أن النقل ينبغي أن يقترن بضمانات فعلية تشمل الأمن والإيواء والتغذية والرعاية الصحية والوصول إلى المعلومات، إلى جانب توفير حماية خاصة للنساء والأطفال والقاصرين غير المصحوبين وغيرهم من الأشخاص في أوضاع هشة.

    ولاحظ التقرير أن عودة بعض الأشخاص إلى الشاطئ بعد عمليات النقل، وتنظيمهم احتجاجا في وقت لاحق، تظهر أن تغيير مكان وجودهم لا يشكل بمفرده حلا مستداما.

    وطالب السلطات بنشر بيانات مفصلة ومجهلة الهوية حول أعداد المنقولين، وتوزيعهم حسب الجنس والعمر والجنسية، وأعداد القاصرين غير المصحوبين، والحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية، والراغبين في تقديم طلبات اللجوء أو الاستفادة من أشكال أخرى للحماية.

    احتجاجات ضد المهاجرين

    وأثارت إقامة مركز استقبال في “لوما كولمينار” احتجاجات شارك فيها بعض سكان الحي، رافعين شعار “نحن مواطنون من الدرجة الثانية”.

    وقال المجلس إن للسكان الحق في التعبير سلميا عن مخاوفهم المتعلقة بالخدمات العمومية والأمن وظروف العيش، لكنه شدد على أن هذه المخاوف لا ينبغي أن تتحول إلى ترهيب أو تمييز أو تهديد لسلامة الأشخاص المستقبَلين.

    ودعا السلطات إلى تعزيز التدابير الأمنية والوقائية حول مراكز الإيواء، مع إيلاء اهتمام خاص لسلامة النساء والأطفال، وفتح حوار منظم مع سكان الأحياء المعنية للحيلولة دون تحول المخاوف المحلية إلى وصم أو رفض للمهاجرين.

    تساؤلات حول دفن جثامين مجهولة الهوية

    وأثار التقرير تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة من طرف السلطات الإسبانية لتحديد ديانة الأشخاص المتوفين خلال محاولات العبور، بعدما بدأت السلطات الإسبانية، في 21 غشت، التحضير لدفن غالبية الجثامين في المقبرة الإسلامية “سيدي امبارك”.

    وأورد المجلس، استنادا إلى مصادر إعلامية، أن 76 جثمانا مجهول الهوية كانت ضمن الجثامين المقرر دفنها، في حين جرى التعرف على ستة فقط من أصل 82 ضحية جرى انتشال جثامينهم.

    ورحب التقرير بالموارد التي عبأتها السلطات الطبية والقضائية للتعرف على الضحايا، بما فيها الاستعانة بأطباء شرعيين وتقنيين من مناطق إسبانية مختلفة، لكنه أشار إلى أن المعلومات المعلنة لا توضح الأسس التي اعتمدت لتحديد ديانة الجثامين مجهولة الهوية.

    وطالب المجلس بتوضيح ما إذا كان تحديد المعتقد الديني يستند إلى نتائج الفحوص الطبية الشرعية، أو الأغراض والعلامات الدينية الموجودة مع الضحايا، أو المعلومات السابقة للوفاة، أو إفادات العائلات والسلطات المغربية والأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا على معرفة بالضحايا.

    ودعا التقرير السلطات الإسبانية إلى شرح المنهجية المعتمدة، بصورة عامة ومن دون كشف بيانات شخصية، للتأكد من أن اختيار الشعائر الجنائزية يستند إلى معطيات كافية ويحترم، قدر الإمكان، هوية المتوفين وقناعاتهم وكرامتهم.

    الأحوال الجوية تزيد الطين بلّة

    وفي سياق متصل، حذر المجلس من هشاشة ظروف النساء والأطفال والقاصرين الذين ما زالوا يعيشون في مخيمات عشوائية، خصوصا في منطقتي “برينسيبي” و”سيدي امبارك”.

    وأوضح أن الأمطار الأولى التي شهدتها سبتة أثرت في الأغطية البلاستيكية وبعض الأغراض الشخصية للقاصرين، مشيرا إلى أن هذه الوسائل البدائية لا توفر حماية مناسبة من التقلبات الجوية.

    وطالب بإدراج تطورات الطقس ضمن الأولويات المرتبطة بالتخطيط لمراكز الاستقبال، وتسريع نقل الأشخاص الموجودين في المخيمات المؤقتة إلى مرافق آمنة وملائمة.

    وشدد التقرير على أن تحسين الإيواء لا يكفي وحده لمعالجة الوضع، إذ يتعين أن ترافقه ضمانات تحمي السلامة والكرامة والحياة الخاصة، وتكفل الوصول غير التمييزي إلى المواد الأساسية، إلى جانب التصدي لخطابات الكراهية والممارسات القائمة على الأصل أو المظهر أو الوضع المفترض في مجال الهجرة.

  • المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    المغرب يُطوّق القرصنة الرقمية بقانون جديد يلاحق شبكة الاستغلال غير المشروع

    دخل القانون رقم 013.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، حيز التنفيذ في المغرب، في وقت أصبحت فيه طرق إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه مختلفة بشكل كبير عما كانت عليه عند وضع الإطار القانوني السابق، حيث لم يعد المحتوى يصل إلى الجمهور عبر التلفزيون أو وسائل التوزيع التقليدية فقط، بل أصبح ينتقل أيضا عبر الإنترنت والمنصات الرقمية والتطبيقات والخوادم.

    ويأتي القانون الجديد لتحديث هذا الإطار، من خلال توسيع عدد من المفاهيم المرتبطة بالبث والنقل إلى الجمهور، وإدخال تعريف صريح للقرصنة يشمل الاستغلال غير المرخص للمحتويات المحمية عبر الوسائل الرقمية، إلى جانب تعزيز آليات البحث والمعاينة وإمكانية تدخل القضاء لوقف الاعتداءات على الحقوق المحمية.

    وبذلك، لا يتعلق الأمر بقانون خاص بتقنية معينة مثل “IPTV”، وفق ما تم تداوله مؤخرا، وإنما بإعادة تكييف قواعد حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة مع واقع رقمي أصبحت فيه إعادة بث القنوات والأفلام والمنافسات الرياضية وغيرها من المحتويات تتم بوسائل أكثر تعقيدا وأوسع انتشارا.

    ومن هنا تبرز أهمية قراءة القانون من زاوية ما الذي تغير فعليا وكيف أعاد المشرع تعريف القرصنة؟ وما الأدوات الجديدة التي وضعها لمواجهة الاستغلال غير المرخص؟ وإلى أي حد أصبحت القواعد القانونية قادرة على مواكبة سوق محتوى تغيرت طريقة إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه؟

    من وسيلة البث إلى فعل الاستغلال

    أبرز ما يميز القانون الجديد أنه لا يحاول ملاحقة تقنية محددة، وإنما يعيد صياغة المفاهيم القانونية بما يجعلها قابلة للتطبيق على وسائل مختلفة.

    فمفهوم “البث الإذاعي والتلفزي” أصبح يشمل تبليغ المصنفات والأداءات والتسجيلات إلى الجمهور، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر وسائل الإرسال السلكية أو اللاسلكية وبأي وسيلة كانت، بما فيها الأقمار الاصطناعية والشبكات الإلكترونية، كما جرى توسيع مفهوم “النقل إلى الجمهور” ليشمل النقل الرقمي عبر الإنترنت بالصوت أو الصورة.

    لكن التحول الأبرز يتمثل في إدخال تعريف قانوني صريح لـ”القرصنة”، باعتبارها كل استغلال غير مرخص لمصنف أو أداء أو تسجيل صوتي أو سمعي بصري، أيا كانت الوسيلة المستخدمة، بما فيها الوسائل الرقمية وشبكة الإنترنت.

    وهنا لا تكمن أهمية التعديل فقط في إضافة مصطلح جديد، وإنما في الانتقال من حماية كانت مرتبطة بدرجة كبيرة بوسائل الاستغلال التقليدية إلى حماية تركز على فعل استغلال المحتوى نفسه، بصرف النظر عن الأداة التقنية المستخدمة.

    ويعتبر الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن عدم تخصيص القانون لمصطلح “IPTV” بشكل مستقل يمكن اعتباره اختيارا أكثر مرونة، لأن التقنيات المستخدمة في القرصنة تتغير باستمرار، بينما يركز النص على الفعل غير المشروع، أي استغلال أو إعادة نقل المحتوى المحمي دون الترخيص اللازم.

    ويوضح الهزاز أن ربط التجريم بتقنية محددة قد يجعل النص متجاوزا مع ظهور وسائل جديدة، في حين أن توسيع مفاهيم البث والنقل إلى الجمهور يسمح للمنظومة القانونية باستيعاب أشكال مختلفة من القرصنة الرقمية.

    IPTV.. تطبيق عملي لقواعد أوسع

    في هذا الإطار، تبرز خدمات “IPTV” باعتبارها واحدة من أكثر الأمثلة وضوحا على التحول الذي يحاول القانون مواكبته، ففالنص لا يذكرها بالاسم، ولا ينشئ جريمة مستقلة تحمل اسم قرصنة “IPTV”، كما لا يحصر المقتضيات في القنوات التلفزيونية أو المباريات الرياضية، غير أن إعادة بث محتوى محمي عبر تطبيقات أو خوادم دون الحصول على حقوق الاستغلال وإعادة البث يمكن، بحسب طبيعة كل حالة، أن تدخل ضمن الاستغلال غير المرخص والقرصنة والنقل إلى الجمهور.

    وهنا يجب التمييز بين التقنية وطريقة استعمالها؛ فـ”IPTV”  كوسيلة لنقل المحتوى لا يعني في حد ذاته قرصنة، وإنما تطرح المسؤولية القانونية عندما تستعمل التكنولوجيا لإعادة توزيع محتوى محمي خارج شروط الترخيص.

    وبذلك، اختار المشرع صياغة قاعدة أوسع من مجرد تسمية تقنية، بما يسمح لها بمواكبة سوق تتغير أدواتها بسرعة.

    من ملاحقة المحتوى إلى إمكانية وقف النقل

    ولا يتوقف الإصلاح عند تعريف القرصنة، بل يمتد إلى وسائل وقف الاعتداء، إذ تنص المادة 61 بصيغتها الجديدة على إمكانية إصدار المحكمة حكما أو أمرا بمنع أو إيقاف أو إنهاء أي خرق لحق يحميه القانون.

    وفي حالة الخرق عن طريق “النقل إلى الجمهور”، يمكن أن يستهدف الحكم أو الأمر الشخص الذاتي أو الاعتباري الذي تكون لديه، بحكم وظيفته أو اختصاصاته، القدرة على وقف عملية النقل.

    وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في البيئة الرقمية، حيث قد لا يكون الشخص الذي يقف وراء المحتوى غير المرخص هو نفسه الجهة التي تملك القدرة التقنية على إيقاف عملية نقله.

    ويشير الهزاز إلى أن القرصنة الرقمية أصبحت تعتمد، في عدد من الحالات، على منظومات تقنية تضم خوادم وتطبيقات وشبكات لإعادة نقل المحتوى إلى أعداد كبيرة من المستخدمين، لذلك، فإن إمكانية التدخل لوقف عملية النقل تكتسي أهمية خاصة، لأنها تفتح المجال أمام استهداف سلسلة التوزيع غير المشروع، وليس فقط ملاحقة المستخدم النهائي.

    لكن ذلك لا يعني أن القانون أقر حجبا إداريا تلقائيا للمواقع أو الخوادم؛ فالتدخل في هذا المجال يمر عبر القضاء، الذي يمكنه إصدار الأوامر اللازمة وفق الشروط والمساطر القانونية.

    ملاحقة البنية التقنية للقرصنة

    ولمواجهة طبيعة المخالفات الرقمية، عزز القانون أدوات المعاينة والبحث، إذ يتيح للأعوان المؤهلين الولوج إلى المحلات والأماكن ونظم المعلومات ووسائل النقل، والاطلاع على السجلات والمستندات والوثائق وأخذ نسخ منها، والحصول على المعلومات الضرورية للبحث، فضلا عن حجز المعدات والوسائل والأدوات والوثائق المرتبطة بالمخالفات.

    وتحرر بشأن المخالفات محاضر قبل إحالتها على النيابة العامة المختصة، ما يعني أن المواجهة لم تعد موجهة فقط إلى المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وإنما يمكن أن تمتد إلى الأدوات والبنية التقنية التي تسمح بإعادة توزيعه بشكل غير قانوني.

    العقوبة ليست وحدها عنوان الإصلاح

    على المستوى الزجري، يحيل القانون المعدل على منظومة العقوبات المنصوص عليها في المادة 64 من القانون رقم 2.00، مع إدخال مقتضيات جديدة وتوسيع بعض حالات الاستغلال غير المرخص، فضلا عن تجريم عرقلة الأعوان المؤهلين أثناء قيامهم بمهامهم.

    وبالنسبة إلى عدد من الانتهاكات العمدية، يمكن أن تصل العقوبة إلى الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، فيما يمكن أن ترتفع في حالة العود إلى الحبس من سنة إلى أربع سنوات وغرامة من 60 ألفا إلى 600 ألف درهم، وفق الحالات والشروط المحددة في القانون.

    قانون يتجاوز القرصنة إلى اقتصاد المحتوى

    سيكون اختزال القانون في خدمات “IPTV” قراءة ناقصة، لأن التعديل يأتي ضمن ورش أوسع لتحديث منظومة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة ومواكبة أنماط استهلاك المصنفات عبر المنصات الإلكترونية.

    وسبق لوزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أن أكد أن الإصلاح بمواكبة التطورات التكنولوجية والتحولات الرقمية والاستحقاقات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، بما يجعل حماية حقوق البث واستغلال المحتويات الرياضية جزءا من رهانات أوسع مرتبطة بسوق المحتوى.

    ومن هذه الزاوية، لا يتعامل المشرع مع الإنترنت فقط باعتباره فضاء للمخالفات، وإنما باعتباره سوقا جديدة للمحتوى تحتاج إلى قواعد واضحة للاستغلال والتوزيع والاستفادة الاقتصادية.

    ويخلص الهزاز إلى أن الرهان الحقيقي للقانون الجديد لا يتمثل فقط في العقوبات، وإنما في الانتقال من التعامل مع القرصنة بعد انتشار المحتوى إلى محاولة تعطيل منظومة الاستغلال غير المشروع نفسها.

    ويعتبر الخبير في الأمن السيبراني أن الجمع بين التعريف القانوني الأوسع للقرصنة، وصلاحيات البحث والمعاينة، وإمكانية اللجوء إلى القضاء لوقف النقل، يمكن أن يوفر أساسا أكثر ملاءمة لمواجهة القرصنة الرقمية، شرط أن تواكب هذه المقتضيات آليات تقنية قادرة على الرصد والتحديد السريع لمصادر البث غير المرخص.

  • أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    أسباب رفض تسلم الجثامين ومطالب المغرب لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.. وهبي يكشف مستجدات أزمة سبتة

    كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن المغرب يرفض تسلم الجثامين المرتبطة بأزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 و31 يوليوز الماضي، مؤكدا أن النقاش بين الرباط ومدريد لم يصل إلى نتائج حتى الآن، مجدد استعداد الرباط لاستعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة.

    وقال وهبي، اليوم السبت في أثناء حلوله ضيفا على قناة “العربية” السعودية، إن موقف المغرب من الجثامين يستند أولا إلى غياب المعطيات التي تسمح بتحديد هوية أصحابها وأصولهم، موضحا: “لم نرفض هكذا بشكل عبثي، بل لأننا لم نتوصل بالملفات الطبية والملفات التعرف على هذه الجثث، فلا يمكن أن تسلم لنا الجثث دون معرفة من هؤلاء الأشخاص”.

    وأضاف أن الرباط سبق أن طالبت بإعادة القاصرين غير المصحوبين الأحياء، غير أن هذا الطلب لم يجد استجابة من الجانب الإسباني، في وقت يجري فيه الحديث عن تسليم الجثامين، مضيفا “طالبنا بالأحياء ورفضوا تسليمهم، ويتكلمون الآن عن الجثث، لكننا لا نفصل بين الأموات والأحياء، نريد إعادتهم كلهم”، متسائلا “لماذا هذا الفصل؟ يرتكون عندهم القاصرين الأحياء ويطلبون أن نقبل الأموات، وهذا منطق غير منطقي”.

    وفي رسالة مباشرة إلى الجانب الإسباني، جدد وزير العدل استعداد المغرب لاستقبال القاصرين قائلا: “ونقول لهم للمرة الأخيرة: نحن مستعدون لقبول القاصرين بل مستعدون لبعث الحافلات لإعادتهم للمغرب، فهل هناك تعبير أوضح من هذا؟”.

     المغرب يرفض تسلم الجثامين.. ما الأسباب؟

    ويرتبط رفض المغرب، وفق وهبي، بمسألة عدم التوصل بعد بالمعطيات التي تسمح بالتأكد من هويات الضحايا وجنسياتهم، مبرزا أن الحديث عن جثامين مجهولة الهوية يجعل من الصعب على السلطات المغربية تحديد عدد المغاربة من بين الضحايا أو التأكد من انتمائهم إلى عائلات مغربية.

    وتابع موضح “إذا كانت الجثامين مجهولة الهوية كيف سنعرف عددهم؟”، مؤكدا أن من سيعرف عددهم هم الإسبان الذي قضوا عندهم، مشددا على أن المغرب “ليس لدينا رقم، ولم تصلنا بعد تصريحات بالوفاة من طرف العائلات، ولم يحل علينا الإسبان تقارير حول هذا الموضوع”، مضيفا “نريد أن نعرف هل هم مغاربة أم من جنوب الصحراء أو من دول عربية أخرى، يجب أن نضبط كل شيء حتى يمكننا تسيير الأمور بشكل جيد”.

    ولا يعتبر المسؤول الحكومي أن القضية مرتبطة بإعلان النوايا، بل بضرورة إنشاء إطار إجرائي واضح بين البلدين، يحدد المسؤوليات والوثائق والخطوات التي تسبق نقل الجثامين، مسترسلا: “ليس التعبير عن النوايا هو المطروح، خلق مساطر محددة ومضبوطة بيننا وبين إسبانيا هي التي ستحل الإشكال”.

    وفي سياق حديث إسبانيا عن صوعوبات تحديد هويات الجثامين، وعدم تعاون المغرب، أكد وزير العدل أنه “منذ سنوات موضوع الحمض النووي مطروح، وعندما يحدثون ملفا صحيا وطبيا، ويحددون الحمض النووي ويبعثون الملفات إلينا، سنقوم نحن آن ذاك بعملية البحث في هؤلاء الأشخاص وصورهم لنتأكد من عائلاتهم أنهم مغاربة، وآن ذاك سنكون مستعدين لاستقبالهم، لأنهم أبناؤنا وينتمون لعائلات مغربية، ولا مانع في استقبالهم”.

    ويرى المتحدث أن المسؤولية عن إثبات هوية الجثامين تقع أولا على الجانب الإسباني باعتباره الجهة التي عاينت الوفيات وتوجد لديها الجثامين والملفات المرتبطة بها، مؤكدا أنه “لا يمكن أن يبعثوا لنا جثثا لا نعرف من هم وما هي أصولهم، ثم يلقون الإثبات علينا، فالإثبات عليهم”.

    لا لتجزئة ملف القاصرين والجثامين

    ويصر عبد اللطيف وهبي على أن المغرب لا يريد التعامل مع الجثامين والقاصرين باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما ضمن أزمة واحدة تتطلب حلا شاملا، وصرح بالقول: “لا يمكننا أن نسمح لأي جثة أن تدخل بدون حل الإشكال ككل، لا ندخل في الجزئيات، يجب أن نتفق ونضع مسطرة وتصورا”، مردفا “ليس كل من نقل جثة إلى الحدود يقول لنا هذا مغربي ونقبل بدخوله، يجب أن تتم الأمور وفق اتفاق مع الإسبان ومسطرة محددة، وفي إطار التزامات كل طرف على حدة”.

    وأضاف: “لا يمكن أن يُزايِد علينا أحد بالكلام، ومستعدون لاستقبال القاصرين، ولكن كيف يفصلون بين الأموات والأحياء؟ إذا كان الموضوع كاملا نحله كاملا بأحياء والأموات”.

    لا اتفاق مع مدريد حتى الآن

    ويكشف هذا الموقف عن استمرار غياب اتفاق عملي بين الرباط ومدريد بشأن تدبير ملف القاصرين والضحايا الذين سقطوا خلال أزمة سبتة، إذ يؤكد وزير العدل أن البلدين لم يتوصلا، حتى الآن، إلى تفاهم يحدد آلية التعامل مع هذه الملفات.

    وقال وهبي صراحة: “لم نصل حتى الآن لأي تفاهم، وأعتقد أنه سيكون في القريب العاجل، لأن إسبانيا والمغرب دولتان صديقتان وستصلان إلى حل في الموضوع”.

    وفي الوقت الذي تشدد فيه السلطات الإسبانية على وجود قيود قانونية وإجراءات قضائية تحكم إعادة القاصرين، يرى المسؤول المغربي أن المطلوب أولا هو وضوح الموقف الإسباني وتطابق الأقوال مع الأفعال، مشيرا إلى أن “كل ما نطلبه من السلطات الإسبانية هو الوضوح، وأن تكون الأفعال كالأقوال، أعطونا القاصرين والملفات الطبية للجثامين ونحن مستعدون لاستقبالهم”.

    وربط وزير العدل الخلاف بغياب سياسة هجرة مشتركة وواضحة بين المغرب وإسبانيا، إذ لا يمكن للمغرب أن يتحمل مسؤولية منع الهجرة في الوقت الذي يرى فيه أن جزءا من المهاجرين يجدون إمكانية للعبور والاستقرار في إسبانيا.

    وأوضح موقف المغرب بالقول: “لا يمكن أن يكون هناك ردع من طرفنا وتنازل عن الردع بحكم قضائي من طرفهم (إسبانيا)، يجب أن نعالج هذا المشكل، ليس كل مرة نعالج هذه الجزئيات والنتائج، يجب أن نعالج المشكل من أصله”، مضيفا “لا يمكن أن نمنع نحن الهجرة وهم يقبلونها، ثم يتهموننا في ما بعد، وهذا خطأ وليس صحيحا في العلاقات بين الدول، ونحن نعتبرهم أصدقاء ويمكن أن نتعاون”.

    واقترح وهبي أن يكون تدبير الهجرة قائما على سياسة مشتركة بين البلدين، قائلا: “لنتفق على سياسة الهجرة بشكل مشترك، إذا أرادوا أن يفتحوا الباب نفتحه نحن كذلك، ولكن إذا أرادوا أن يمنعوا سنمنعه نحن كذلك، ولكن أن نمنعه نحن ويفتحونه هم فهناك إشكال”.

     إسبانيا تتمرد على الاتحاد الأوروبي

    ويمتد الخلاف مع إسبانيا، بحسب وهبي، إلى ما يعتبره تناقضا بين الموقف الأوروبي من إعادة القاصرين وموقف مدريد الذي يستند إلى عوائق قانونية وقضائية.

    وأكد وهبي في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي أصدر قرار بإرجاع القاصرين، غير أنه سجل باستغراب تلكؤ الإسبان في تنفيذه، مفيدا أنه “لا يمكن فصل الملف، أي نعطيكم الجثامين وبعدها سنرى موضوع القاصرين، وعندما يموت بعض من الأحياء ترسل لنا وعلينا استقبالها، أي نحن سنستقبل القاصرين كجثث فقط ولا نقبلهم أحياء، وهذا منطق غير مقبول”.

    وجاءت تصريحات وهبي ردا على انتقادات وجهها رئيس لجنة الحريات المدنية والعضو في البرلمان الأوروبي بشأن إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين، مقابل التشكيك في المسافة بين الموقف المعلن والممارسة العملية، وإثارة مخاوف بشأن سلامة هؤلاء القاصرين في حال إعادتهم.

    ورد الوزير بالتشكيك في حياد الموقف الأوروبي، قائلا: “أولا عضو في الاتحاد الأوروبي سيدافع عن الاتحاد الأوروبي ولن يدافع عن عضو في الاتحاد الإفريقي”، مؤكدا أن الملف، في جوهره “يتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية، والاتحاد الأوروبي طرف فيه، ويريدوننا أن نرجع القاصرين وليس لدينا إشكال، فقط لنتفق على المسطرة والملفات”.

    وأشار إلى أن القاصرين الموجودين في إسبانيا لا ينحدرون جميعا من المغرب، بل بينهم أشخاص ينتمون إلى دول عربية أخرى وإلى دول جنوب الصحراء، وهو ما يجعل تحديد الهوية والجنسية والوضعية الأسرية، شرطا أساسيا قبل أي عملية إعادة.

     مدريد تحتبئ وراء الأحكام القضائية

    وانتقد وزير العدل ما يعتبره لجوء الجانب الإسباني إلى الأحكام القضائية لتبرير عدم إعادة القاصرين، داعيا إلى معالجة الملف عبر المؤسسات والاتفاقات بين الدول قائلا: “يقولون إنهم سيسلموننا وفي الأخير لا يسلموننا القاصرين بل الجثث”، متسائلا “لماذا يقدمون الجثث في الحدود ولا يسلمون القاصرين، لماذا لا يأتون بالأحياء؟”.

    واسترسل بالقول: “يبررون ذلك بأن هناك حكما قضائيا ومانعا قانونيا ويدخلون في متاهات الإجراءات، ونحن لا نفهم هل الإسبان يريدون المهاجرين أو لا يريدونهم، لذلك لا يجب أن يختفوا وراء أحكام قضائية، فنحن نتعامل مع دولة صديقة ونتعاون معها، ونريد أن يكون هناك وضوح”.

    واعتبر وهبي أن الاستناد إلى الموانع القانونية لا ينبغي أن يحول دون البحث عن حل سياسي ومؤسساتي متفق عليه، قائلا: “إذا كان لديه مانع قانوني لفتح الأبواب نحن لدينا مانع أخلاقي إذا أردنا الذهاب في هذا المنطق، ولا يمكن أن يكون هناك ازدواجية في الخطاب؛ الاتحاد الأوروبي يقرر إعادة القاصرين وإسبانيا تخالف ذلك”.

    وربط الوزير هذا الخلاف بحكم قضائي إسباني حال دون إعادة من يدخلون البر الإسباني سباحة، متسائلا عن كيفية معالجة الوضع في ظل الموقع الجغرافي للبلدين.

    القاصر لا يقرر مصيره بمفرده

    وفي جانب آخر من تصريحاته، رفض وهبي التعامل مع رغبة القاصر في الهجرة باعتبارها وحدها المحدد لمصيره، معتبرا أن الطفل لا يمتلك الأهلية القانونية لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبله.

    وأبرز المسؤول الحكومي في حديثه أن “الطفل ليس لديه الشخصية القانونية ليقرر في حياته، الدولة والأسرة هما من لهما صلاحية القرار، وجميع هؤلاء الأطفال كانوا أمام الإغراءات، لأن المغرب تعرض لهجمة إلكترونية أغرت كثيرا من الشباب للذهاب إلى إسبانيا”.

    وربط أزمة العبور الأخيرة بما اعتبره حملات رقمية للتأثير في الشباب، مشيرا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في الترويج لفكرة الهجرة إلى إسبانيا، موضحا “”في كأس إفريقيا التي نظمت بالمغرب وصل الهجوم على المملكة 300 ألف تغريدة من أجل إفشال كأس إفريقيا، وقبل أيام من حملة الهجرة الأخيرة قامت الآلاف إن لم أقل مئات الآلاف من التغريدات والصور داخل وسائل التواصل الاجتماعي بإغراء الشباب للذهاب إلى هناك”.

    وحذر عبداللطيف وهبي من أن الصورة التي تقدمها شبكات التواصل الاجتماعي عن الحياة في أوروبا لا تعكس بالضرورة واقع المهاجرين بعد الوصول، مشيرا إلى أن هناك الآن في سبتة “شباب اغتصب ومن مات ومن اختفى ومن يتعرض للاضطهاد يوميا”، متسائلا “هل هذه الأشياء أفضل من المغرب؟”.

    وتابع “أما القاصر أو المراهق عندما يرى وسائل التواصل الاجتماعي وتكون لديه الإغراءات، فطبعا سيريد أن يهاجر من أجل الأفضل في تصوره، لكنه أنه حينما يصل إلى هناك سيجد عالما آخر، لن يجد الفردوس الموعود بل المفقود”.

     كيف أدار المغرب أزمة يوليوز؟

    واستعاد وهبي، في حديثه، ظروف أزمة العبور الجماعي إلى سبتة في 30 يوليوز الفارط، مؤكدا أنه كان حاضرا في شمال المغرب خلال الأحداث، وأن السلطات تعاملت مع الوضع بحذر لتجنب سقوط ضحايا.

    وأبرز الوزير أن السلطات ما تزال تحقق في ما حدث نهاية يوليوز الفارط، كاشفا أنه “كنت هناك في الشمال عندما حدث الأمر، ورأيت الشباب وكثيرا من الأطفال والمراهقين يتجهون إلى سبتة، ولو دخلنا في مواجهة معهم لكنا أمام ضحايا شباب ومراهقين مغاربة كثيرين، لأنهم سيردون على أي محاولة منا، لذلك كنا ندير الأزمة بذكاء ودهاء وببرودة أعصاب ورصانة”.

    وأوضح بخصوص إغلاق الطرق المؤدية إلى الفنيدق أن “الشاب يقول لنا أنا أسافر في المغرب وحقي الدستوري أن أسافر في المغرب، وهناك من قال لنا أريد أن أدخل سبتة لأنها مغربية، فكيف لي أمنعه؟”، مضيفا “عندما وصلوا الحدود منعناهم، وذهبوا عن طريق البحر، لأننا نؤمن كذلك أن الحل الأمني ليس حلا مستداما”.

    وأكد وهبي أن معالجة أزمة الهجرة لا يمكن أن تستمر من خلال التدخلات الأمنية الظرفية، وإنما تتطلب اتفاقا نهائيا بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي حول قواعد واضحة للمنع والقبول وإعادة القاصرين وتدبير الحدود، مشيرا إلى أن المغرب “يعزز المراقبة في الحدودي ويستفر الشرطة والسلطات والأمن، لكنهم (في إسبانيا) يستقبلون كل من استطاع أن يتغلب على الحدود ويقفز ويصل إليهم، وهذا موقف متناقض”.

    وزاد شارحا “هذا الوضع يضع المغرب أمام تساؤلات من مهاجرين من دول جنوب الصحراء حول سبب منعهم من العبور، في الوقت الذي يرون أن إسبانيا مستعدة لاستقبالهم، مضيفا “يسألوننا مادام الإسبان يقبلوننا لماذا أنتم تمنعوننا؟ أنتم ضد إفريقيا؟ في حين نحن نريد الحفاظ على حدودنا ونقوم بدورنا كدولة ونحمي سيادتنا”.

    وشدد وهبي على أن إدارة الأزمة ليست الغاية، لأن “المشكل ليس إدارة الأزمة، بل حل الأزمة، والحل هو قرارات نهائية تحد من هذه الهجرة”، موجها دعوة للأوربيين: “نقول لإسبانيا مستعدون لنجلس ونتخذ قرارات ونضع القوانين، ونقول للاتحاد الأوروبي يوم تقتنعون بأنه يجب وضع حد نهائي لهذه الهجرة تعالوا نجلس ونتفق”.

  • بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    بروكسل تتجه لرفع تمويل المغرب ومدريد تجدد رفض إعادة القاصرين وسبتة تئن تحت الضغط

    يتجه الاتحاد الأوروبي إلى زيادة التمويل المخصص للمغرب في مجالات مراقبة الحدود وإدارة الهجرة، بالتزامن مع مساعي بروكسل والرباط لإبرام شراكة استراتيجية وشاملة قبل نهاية العام، في خطوة تعكس تنامي أهمية التعاون في الملف الأمني والهجروي داخل العلاقات بين الجانبين.

    وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، في تصريحات نقلتها قناة “يورونيوز”، إن المغرب يستفيد بالفعل من دعم مالي أوروبي مخصص لإدارة الهجرة، مشيرا إلى التزام الاتحاد بتقديم 222 مليون يورو خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024.

    وبحسب المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”، فإن المفوضية الأوروبية تتوقع تقديم 190 مليون يورو إضافية للمغرب حتى نهاية دورة الميزانية الحالية في 2027.

    ودخل نحو 72 ألف شخص، وفق الأرقام الإسبانية، إلى سبتة المحتلة بشكل غير نظامي خلال أزمة يوليوز الماضي، بينما أسفرت الأحداث عن عشرات الوفيات، في واحدة من أخطر أزمات الحدود التي شهدها الثغر المحتل.

    ورغم أن الأزمة لم تدفع، وفق مسؤولين أوروبيين، إلى تقديم موعد الشراكة الاستراتيجية، فإنها ساهمت في تعزيز التوجه نحو تخصيص موارد إضافية للأمن والهجرة وإدارة الحدود، بعدما دعا المغرب الاتحاد الأوروبي وإسبانيا إلى نقاش جاد وفعال للاتفاق على حل جذري ونهائي لمشكل الهجرة غير النظامية.

    وأوضحت القناة الأوروبية أن بروكسل تراهن، من خلال الشراكة المرتقبة مع الرباط، على بناء إطار أوسع للتعاون، لا يقتصر على تدبير تدفقات الهجرة، وإنما يشمل أيضا الاستثمار والتنمية والاستقرار الإقليمي.

    وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية تستحضر في هذا السياق النموذج الذي اعتمدته مع مصر سنة 2024، عندما أطلقت حزمة تمويل واستثمار بقيمة 7.4 مليارات يورو، تضمنت دعما للاقتصاد المصري وتعاونا في مجال الهجرة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

    غير أن مسار المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لم يكن مستقرا خلال السنوات الأخيرة، إذ تأخر التوصل إلى صيغة متقدمة للشراكة، قبل أن تعود الاتصالات إلى الواجهة في يناير 2026، عقب اجتماع بين الجانبين في بروكسل ساهم في إعادة تحريك الملف.

    ولا تبدو الزيادة المرتقبة في التمويل مجرد استجابة ظرفية لأزمة سبتة، بقدر ما تعكس تحولا في طريقة تعاطي الاتحاد الأوروبي مع المغرب باعتباره شريكا رئيسيا في إدارة حدوده الجنوبية، سيما أن الرباط أكدت، عقب أحداث سبتة الأخيرة، أنها ليست حارسا لحدود أحد، وشددت على أن تدبير أمن الحدود لا يقتصر على الجانب المالي فقط.

    غير أن بروكسل تربط بشكل متزايد بين التعاون في مجال الهجرة وبين الدعم المالي والأمني، في وقت أصبح فيه التحكم في طرق العبور نحو الأراضي الأوروبية أحد الملفات الأكثر حساسية في علاقاتها مع دول جنوب المتوسط.

    رفض جديد لفتح باب عودة القاصرين

    رغم المطالب المغربية المتكررة بتسريع إعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين الذين وصلوا إلى سبتة خلال أزمة العبور الجماعي الأخيرة، أغلقت النيابة العامة الإسبانية الباب أمام أي عملية إعادة تلقائية، مؤكدة أن عودة أي قاصر لا يمكن أن تتم إلا بعد دراسة وضعه بشكل فردي، والتحقق من ظروفه الأسرية وضمان عدم تعرضه لانعدام الحماية في بلده الأصلي.

    ويأتي هذا المواقف في وقت جدد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يوم أمس الجمعة، مطالبة مدريد بتسليم القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، بالتوازي مع دعوته إلى فتح حوار بشأن مستقبل سبتة ومليلية.

    وأكدت المدعية العامة المكلفة بالقاصرين، تيريزا غيسبرت، أمس الجمعة في تصريحات صحفية، أن إعادة القاصرين لا يمكن أن تكون “فورية أو مباشرة”، موضحة أن دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026 فرض مجموعة من الضمانات والإجراءات التي يتعين احترامها، وتشمل إجراء مقابلة شخصية مع كل قاصر، والاستعانة بمترجم عند الحاجة، ودراسة وضعه الشخصي والأسري، إلى جانب التحقق من ظروف الحماية المتوفرة في بلد المنشأ.

    وبحسب غيسبرت، فإن الإطار القانوني لا ينظر إلى هؤلاء الوافدين باعتبارهم مهاجرين في وضعية غير نظامية، وإنما باعتبارهم قاصرين، وهو ما يجعل مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” أساسا لأي قرار بشأن مستقبلهم، موضحة أنه في حال وجود خلاف بين الإدارة والقاصر حول إعادته، يتعين، وفق النيابة العامة، توفير الضمانات القانونية اللازمة وتعيين مدافع قضائي.

    وتربط النيابة العامة الإسبانية أي عودة محتملة بتوفر شروط محددة في بلد المنشأ، إذ أبرزت غيسبرت أن إعادة القاصر تتطلب معرفة وضعه الأسري والتأكد من أنه لن يجد نفسه في حالة انعدام حماية، وهو ما يستدعي تعاون القنصلية والسلطات في بلده الأصل.

    وتواجه سبتة المحتلة ضغطا كبيرا على منظومة حماية القاصرين، بعدما كانت تضم نحو 800 قاصر تحت الحماية قبل أزمة 30 يوليوز، وهي أعداد كانت تتجاوز قدرتها الاستيعابية.

    ومع وصول أعداد جديدة خلال الأزمة الأخيرة، تحولت مسألة نقل القاصرين إلى شبه الجزيرة لأحد أبرز الملفات المطروحة على السلطات الإسبانية.

    وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة الإسبانية عن تخصيص موارد إضافية لنقل مئات القاصرين إلى شبه الجزيرة، بينما تستمر الضغوط السياسية المطالبة بإعادتهم إلى المغرب.

    بدورها، تواجه النيابة العامة الإسبانية ضغطا متزايدا بسبب حجم الملفات، إذ كشفت غيسبرت أن نيابة سبتة تعمل بثمانية مدعين عامين من أصل تسعة، في وقت تضاعفت فيه المهام المرتبطة بتحديد أعمار القاصرين وإجراء المقابلات ودراسة أوضاعهم، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من المترجمين، باعتبار أن المقابلات الفردية تمثل جزءا أساسيا من المسار القانوني للإعادة.

    دفن 18 مهاجرا

    ولم تتوقف تداعيات الأزمة الأخيرة عند التدبير الأمني والحدودي، بل امتدت إلى ملف الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال موجة الدخول الجماعي، فبعد ثلاثة أسابيع من الأحداث، دفن أمس الجمعة 18 مهاجرا في المقبرة الإسلامية بالمدينة، فيما تواصل السلطات الإسبانية إجراءات تحديد هويات الضحايا الذين عثر عليهم عقب الأزمة.

    وفق تقارير إسبانية، وضعت أرقام على القبور لتسهيل التعرف على أصحابها مستقبلا في حال تقدم أفراد أسرهم للمطالبة بالرفات، بينما تتواصل عملية تحديد الهوية وسط مطالب من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوقف عمليات الدفن إلى حين استكمال إجراءات التعرف على الجثث وإعادتها إلى المغرب.

    الوضع الصحي مقلق

    بينما تحاول السلطات الإسبانية استكمال عمليات تحديد هوية الضحايا، بدأت تداعيات الأزمة تظهر أيضا داخل صفوف الأجهزة الأمنية التي تولت عمليات الاحتواء والاستقبال والنقل، في وقت تئن فيه المدينة تحت وطأت وضع مأساوي يعيشه المهاجرون كل يوم.

    وأعلنت الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني “AUGC” تسجيل أول حالة جرب بين أفراد الحرس المدني المنتشرين في سبتة منذ 30 يوليوز، مطالبة باتخاذ إجراءات وقائية لتفادي تسجيل إصابات إضافية.

    وحذرت الجمعية من المخاطر الصحية التي يمكن أن يتعرض لها عناصر الأمن خلال عمليات احتواء الوافدين وتحديد هوياتهم واحتجازهم ونقلهم وتقديم الرعاية لهم، مشيرة إلى احتمال التعرض للجرب والطفيليات الخارجية، إضافة إلى أمراض معدية أخرى، من بينها السل والتهاب الكبد والتهاب السحايا وبعض أنواع العدوى البكتيرية.

    وطالبت بإجراء تقييم خاص للمخاطر، وتوفير معدات الحماية الشخصية، وتعزيز عمليات تنظيف وتعقيم المرافق والمركبات، إلى جانب تشديد المراقبة الصحية على أفراد الحرس المدني ووضع بروتوكول للتعامل مع حالات التعرض المحتملة للعدوى.

    وأثارت الجمعية مسألة نقل بعض عناصر الأمن لملابسهم الرسمية إلى منازلهم لغسلها، معتبرة أن هذه الممارسة قد ترفع مستوى المخاطر الصحية على أفراد أسرهم.

    الضغط ينتقل إلى محيط المساكن

    لم ينجح تغيير موقع مخيم إيواء المهاجرين بسبتة في إنهاء التوتر في حي لوما كولمنار، إذ ظل مئات الأشخاص منتشرين في محيط المباني السكنية، بينما تشكلت طوابير طويلة أمام مركز الإيواء الجديد في إمبولساميينتو، وفق ما كشفته تقارير صحفية إسبانية.

    وأكدت المصادر ذاتها أنه في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية للمخيم، بقي العشرات أو المئات خارج المنشأة، بعضهم ينام في المناطق المشتركة ومداخل المباني، ما دفع السكان إلى الاحتجاج يومين متتاليين للمطالبة بحل لا ينقل المشكلة من مكان إلى آخر.

    وأشارت إلى أن تشغيل مركز الإيواء لم يبدد الضغط عن الحي، بل نقل جزءا منه إلى الشوارع المحيطة به، فقد اضطرّت الشرطة إلى التدخل لتنظيم طوابير الدخول والسيطرة على حالة الازدحام، فيما سجلت احتكاكات بين المنتظرين بسبب محاولات تجاوز الطابور.

    نفايات ونيران وسط خطر الحرائق

    لا تقتصر تداعيات أزمة الهجرة في سبتة على محيط مراكز الإيواء والأحياء السكنية، بل امتدت إلى المناطق الغابوية، حيث يواصل مئات المهاجرين العيش في ملاجئ عشوائية أقيمت باستخدام البلاستيك والبطانيات والكرتون والأخشاب، في ظل غياب بدائل للإقامة.

    وكشفت صحيفة “سوتا” إثر جولة ميدانية في محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين CETI” انتشار مخلفات الطعام والملابس والأكياس والعبوات بين الأشجار وعلى المسالك وفي محيط أماكن النوم.

    وأكدت أن حدة الوضع تزداد مع تسجيل آثار نيران مشتعلة وسط الغطاء النباتي الجاف، إذ يستخدم المهاجرون النيران للطهي والتدفئة والإنارة، بينما يحذر المشهد من احتمال تحول أي شرارة إلى حريق في ظل ارتفاع درجات الحرارة وجفاف النباتات خلال شهر غشت، وقد اضطر رجال الإطفاء بالفعل إلى التدخل لإخماد حرائق صغيرة في مناطق غابوية خلال الأسابيع الأخيرة.

  • المنهجية الديمقراطية الجديدة.. من شرعية الاختيار إلى الحق في الفرصة

    المنهجية الديمقراطية الجديدة.. من شرعية الاختيار إلى الحق في الفرصة

    حين تحدث الراحل عبد الرحمن اليوسفي عن “المنهجية الديمقراطية”، لم يكن يدافع فقط عن موقع حزب أو عن أحقية سياسية مرتبطة بنتائج انتخابات بعينها، بقدر ما كان يطرح سؤالا سيظل حاضرا في التجربة السياسية المغربية: كيف نجعل لاختيار المواطن معنى، وكيف نحافظ على ثقته في السياسة وفي قدرتها على التأثير في مسار حياته ومستقبل بلاده؟

    لقد تغير المغرب كثيرا منذ تلك المرحلة، وتغير المجتمع وتبدلت انتظاراته، لكن جوهر السؤال لم يتغير. بل ربما أصبح اليوم أكثر إلحاحا، لأننا لم نعد أمام إشكالية احترام الاختيار الديمقراطي فقط، وإنما أمام تحدٍّ أكبر يتعلق بقدرة الفاعل السياسي نفسه على استعادة ثقة المجتمع، وخصوصا ثقة جيل جديد ينظر إلى السياسة بعين مختلفة.

    لقد قطع المغرب خلال العقود الأخيرة أشواطا مهمة في بناء المؤسسات وتطوير البنيات التحتية وتوسيع الحماية الاجتماعية وجذب الاستثمار وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي. وهذه مكتسبات لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها. لكن قوة الدول لا تقاس فقط بما تنجزه من طرق وموانئ ومشاريع كبرى، وإنما أيضا بقدرتها على جعل مواطنيها يشعرون بأنهم جزء من قصة النجاح، وأن لكل واحد منهم مكانا وفرصة داخل المشروع الوطني. وهنا تحديدا يظهر أحد أكبر تحديات المرحلة المقبلة: الهوة المتزايدة بين جزء من الشباب وبين الفعل السياسي، وبين سرعة التحولات التي يعرفها المغرب وبين قدرة السياسة على تحويل هذه التحولات إلى أمل ملموس في الحياة اليومية.

    هذه الهوة لا يمكن اختزالها في ضعف التواصل، ولا في القول إن الشباب لم يعد يهتم بالشأن العام. ربما العكس هو الصحيح. الشباب اليوم أكثر اتصالا بالعالم، وأكثر قدرة على المقارنة، وأشد حساسية تجاه التفاوتات والامتيازات وعدم تكافؤ الفرص. يرى كيف يعيش الآخرون، ويتابع تجارب النجاح في كل مكان، ويقارن بين ما يسمعه من خطابات وما يلمسه في واقعه. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه ليس فقط: ماذا أنجز المغرب؟ بل أيضا: ما نصيبي أنا من هذا التقدم؟ أين مكاني في هذا التحول؟ وهل أملك، بغض النظر عن أصلي الاجتماعي أو الجغرافي وعن شبكة علاقاتي، فرصة حقيقية لكي أتعلم وأعمل وأبادر وأتقدم؟

    وهنا تبدأ مسؤولية الفاعل السياسي. فعندما يترسخ لدى الناس الانطباع بأن السياسة تدار لحساب نخبة محدودة، أو أن بعض الفاعلين السياسيين أصبحوا أكثر انشغالا بحماية المواقع والمصالح من الدفاع عن المصلحة العامة، يتغير سلوك المواطن تجاه المجال العام. فالمجتمعات لا تطلب من أفرادها التضحية والانخراط بمجرد رفع الشعارات؛ التضحية تحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى العدالة. وعندما يشعر الفرد بأن قواعد اللعبة ليست واحدة بالنسبة للجميع، يصبح من الطبيعي أن ينتقل تدريجيا من سؤال “ماذا يمكنني أن أقدم لوطني؟” إلى سؤال “كيف أحمي مصلحتي ومستقبلي؟”، وعندما ينتشر هذا المنطق، لا نخسر فقط الثقة في السياسة، بل نخسر شيئا أعمق: القدرة على بناء أمل جماعي.

    لهذا أعتقد أن المعركة السياسية الحقيقية في مغرب السنوات المقبلة ستكون معركة الأمل والكرامة. الأمل بمعناه الملموس، أي أن يشعر الشاب بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا، وأن الاجتهاد ما زال طريقا ممكنا للارتقاء. والكرامة بمعناها العميق، أي أن يشعر المواطن بأن قيمته لا تتحدد باسم عائلته أو علاقاته أو موقعه الاجتماعي، وإنما بما يملكه من كفاءة وعمل واستحقاق. فالكرامة ليست فقط حماية اجتماعية أو دخلا أو خدمة عمومية، على أهميتها جميعا؛ الكرامة أيضا أن تقف أمام باب الفرصة وأنت تعرف أنك لن تحتاج إلا إلى كفاءتك لكي تنافس عليها.

    من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو مغرب الاستحقاق. المغرب الذي لا يسأل أبناءه من تعرفون، بل ماذا تعرفون وماذا تستطيعون أن تقدموا. مغرب لا يلغي الفوارق الطبيعية في النتائج، ولكنه يرفض أن تكون نقطة الانطلاق محددة سلفا بحسب الأصل الاجتماعي أو المجال الترابي أو شبكة العلاقات. فنحن لا نستطيع أن نعد جميع المغاربة بالنتيجة نفسها، لكننا نستطيع، ويجب علينا، أن نضمن لهم الحق نفسه في المحاولة. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نعطيه اليوم لمفهوم الحق في الفرصة.

    إن العدالة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بإعادة توزيع الدخل والثروة، بل أصبحت مرتبطة أيضا بعدالة توزيع الفرص: فرصة التعليم الجيد، وفرصة الشغل، وفرصة الاستثمار، وفرصة الولوج إلى المسؤولية، وفرصة أن يفشل الإنسان ثم يبدأ من جديد. حين يشعر الشاب بأن الطريق مفتوح أمامه، يصبح النجاح الفردي جزءا من النجاح الوطني. أما حين يعتقد أن الأبواب موزعة مسبقا، فإن أول ما يبحث عنه ليس كيف يساهم في تطوير المجتمع، بل كيف يجد لنفسه منفذا خارج قواعده.

    ومغرب الاستحقاق لا يمكن أن يقوم دون مغرب الشفافية. فالشفافية ليست شعارا أخلاقيا ولا مجرد أداة لمحاربة الفساد، بل هي شرط لبناء الثقة. المواطن يحتاج إلى أن يعرف كيف تُتخذ القرارات، وكيف توزع الفرص، ولماذا استفاد هذا المشروع ولم يستفد الآخر، ولماذا اختير هذا المسؤول دون غيره. كلما كانت القواعد واضحة، تقلصت مساحة الشك والإشاعة والإحساس بالحيف. وكلما كانت المعلومة متاحة، أصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين النجاح والفشل، وبين المسؤولية والادعاء، وبين السياسة التي تنتج النتائج والسياسة التي تنتج الخطابات.

    ولا معنى للشفافية إذا لم تقترن بمبدأ آخر أقره دستور 2011 بوضوح، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حان الوقت لكي يصبح هذا المبدأ ثقافة سياسية وليس مجرد مقتضى دستوري. من يتولى المسؤولية يجب أن يقبل بأن يُسأل عن حصيلته، ومن يقدم وعدا يجب أن يقبل بأن يُقاس بما أنجز منه، ومن يفشل ينبغي أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بذلك وتحمل نتائجه. لا يمكن أن نبني الثقة عندما تصبح المسؤولية امتيازا بينما تظل المحاسبة احتمالا بعيدا. السياسة التي نحتاجها في أفق 2030 هي سياسة تقول للمواطن بوضوح: هذه التزاماتنا، وهذه آجالها، وهذه مؤشرات قياسها، وحاسبونا عليها.

    وهنا يمكن أن نستعيد مفهوم “المنهجية الديمقراطية” ونمنحه امتدادا يتناسب مع أسئلة مغرب اليوم. بالأمس كان السؤال الذي طرحه اليوسفي مرتبطا أساسا باحترام الإرادة التي تعبر عنها صناديق الاقتراع. واليوم يجب أن نضيف إليه أسئلة أخرى: هل نحترم المواطن بين انتخابين؟ هل نضمن له الحق في الفرصة؟ هل نجعل الكفاءة والاستحقاق طريقا للارتقاء؟ هل يعرف من المسؤول عن القرار حتى يستطيع محاسبته؟ وهل يشعر بأن السياسة تخدم المصلحة العامة قبل أن تخدم مصالح الفاعلين فيها؟

    هذه في تقديري هي المنهجية الديمقراطية الجديدة التي يحتاجها المغرب: ديمقراطية لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، بل تبدأ منه؛ ديمقراطية تجعل من الانتخابات عقدا للمحاسبة وليس موعدا موسميا للوعود، وتجعل من المسؤولية التزاما أمام المواطن وليس امتيازا لصاحبها.

    ليس المطلوب إضافة خطاب شبابي جديد إلى الخطابات الموجودة، ولا التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية يجب استمالتها. الرهان الحقيقي هو إعادة السياسة إلى المستقبل، وإعادة جيل كامل إلى السياسة باعتباره شريكا في صناعة ذلك المستقبل. جيل لا يطلب امتيازا، بل يطالب بالحق في الفرصة؛ لا يريد حماية خاصة، بل قواعد عادلة؛ لا ينتظر من السياسة أن تضمن له النجاح، بل أن تضمن له ألا يكون النجاح محجوزا مسبقا لغيره.

    إن المغرب مقبل على استحقاقات وتحولات كبرى، وما تحقق إلى اليوم يمنحنا أسبابا حقيقية للثقة، لكنه يضع علينا أيضا مسؤولية أكبر. لأن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بسرعة القطارات أو عدد الملاعب والمشاريع الكبرى، بل سيقاس أيضا بقدرتنا على جعل شاب في قرية أو حي هامشي أو مدينة صغيرة يؤمن بأن له مكانا في مغرب 2030، وأن مستقبله لا يوجد بالضرورة في مكان آخر، وأن وطنه قادر على أن يمنحه فرصة عادلة ليصنع مصيره بكرامة.

    أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تجربة سياسية ليس أن ينتقدها الشباب، فالانتقاد دليل على أن السياسة ما زالت تعني لهم شيئا. الخطر الحقيقي يبدأ يوم لا ينتظرون منها شيئا، ويصبح الانسحاب أو اللامبالاة أو البحث الفردي عن الخلاص هو الخيار الأكثر عقلانية في نظرهم. لذلك فإن معركة الثقة ليست معركة تواصل، بل معركة سياسات وممارسات وقواعد جديدة.

    إنها معركة الانتقال من منطق الامتياز إلى مغرب الاستحقاق، ومن الغموض إلى مغرب الشفافية، ومن المسؤولية دون تبعات إلى مغرب ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن انتظار الفرصة إلى ضمان الحق في الفرصة. وفوق كل ذلك، هي معركة إعادة الأمل والكرامة إلى قلب العمل السياسي.

    ربما يكون هذا هو الامتداد الأكثر وفاء اليوم لدرس عبد الرحمن اليوسفي: أن تكون لإرادة المواطن قيمة، ولصوته أثر، وللكفاءة مكان، وللمسؤولية ثمن. لأن الديمقراطية ليست فقط أن يعرف المواطن من يحكمه، بل أن يقتنع بأن المؤسسات السياسية تعمل من أجله أيضا، وأن يشعر بأن نجاح وطنه يمكن أن يكون نجاحه هو كذلك.

    مغرب 2030 الذي نطمح إليه يجب ألا يكون مغرب الامتياز، بل مغرب الاستحقاق؛ وألا يكون مغرب الوعود، بل مغرب النتائج؛ وألا يكون مغرب الفرص المغلقة، بل مغرب الحق في الفرصة. مغرب يصنع الأمل ويحفظ الكرامة، لأن الوطن الذي يمنح أبناءه الأمل هو الوطن الذي يكون أبناؤه مستعدين لبذل الكثير من أجله.

    لكن علينا أن ندرك أن نافذة التغيير لن تبقى مفتوحة إلى الأبد؛ فالثقة ليست رصيدا دائما، والأمل ليس موردا لا ينضب. وكل فرصة نضيعها اليوم لإصلاح السياسة، وتوسيع دائرة الاستحقاق، وفتح أبواب الفرص أمام جيل جديد، ليست مجرد موعد يمكن تأجيله إلى الغد، بل رقعة من الأمل قد نفقدها إلى الأبد. فالخطر الحقيقي ليس أن ينتقد الشباب السياسة، بل أن يتوقفوا عن انتظار أي شيء منها. لذلك فإن معركة استعادة الثقة هي أيضا معركة مع الزمن، ومسؤوليتنا اليوم أن نجعل للشباب سببا حقيقيا للإيمان بأن لهم مكانا وفرصة ومستقبلا في وطنهم.

    عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة (*)

  • الأمم المتحدة تحذّر من كارثة صحية بسبب إيبولا

    الأمم المتحدة تحذّر من كارثة صحية بسبب إيبولا

    حذرت الأمم المتحدة، الجمعة، من كارثة صحية عالمية بعد تسارع تفشي فيروس “إيبولا” في جمهورية الكونغو الديمقراطية، داعية في الوقت ذاته إلى التحرك العاجل لمواجهة تفشي الفيروس في إفريقيا.

    وقال كبير منسقي الأمم المتحدة لمكافحة الإيبولا، جوليان هارنيس، إن تفشي الفيروس في جمهورية الكونغو الديمقراطية أودى بحياة أكثر من 2500 شخص، وينتشر بسرعة هائلة.

    وأضاف هارنيس أن التمويل المخصص للمساعدات لا يغطي سوى الأسابيع القليلة المقبلة، وقد ينفد ما لم يتم تقديم المزيد من الأموال، محذرا من الانتشار السريع إلى الدول المجاورة والمستويين الإقليمي والدولي إذا لم يتم تعزيز موارد الاحتواء والتحرك العاجل.

    ويأتي هذا التحذير في الوقت الذي يواصل فيه فيروس إيبولا انتشاره المتسارع في الكونغو، متجاوزا جهود الاحتواء، بعدما تخطت الإصابات 5000 حالة والوفيات 2000، وسط تحذيرات دولية من تفاقم الوباء وامتداد خطره محليا وعبر الحدود المجاورة.

    ويعد فيروس إيبولا من أخطر الفيروسات التي عرفها الطب الحديث، لقدرته العالية على التسبب بحمى نزفية شديدة قد تؤدي إلى الوفاة في صفوف نسبة كبيرة من المصابين.

  • 210 مليارات للتنمية الترابية.. الولاة والعمال يمسكون بمفاتيح الصرف والصفقات والتنفيذ

    210 مليارات للتنمية الترابية.. الولاة والعمال يمسكون بمفاتيح الصرف والصفقات والتنفيذ

    تدخل برامج التنمية الترابية المندمجة مرحلة جديدة في مسار تنزيلها، مع إعادة ترتيب سلسلة القرار المالي على المستوى المحلي، ومنح الولاة والعمال صلاحيات مباشرة في صرف الاعتمادات والتعامل مع الصفقات الممولة من الصندوق المخصص لهذا الورش، في خطوة تضع الإدارة الترابية في قلب التنفيذ المالي، بعدما كانت منذ صيف 2025 في صلب إعداد البرامج وتشخيص حاجيات الأقاليم.

    وبموجب قرارات أصدرها الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، جرى تعيين ولاة وعمال بعدد من العمالات والأقاليم آمرين مساعدين بالصرف في الحساب الخصوصي للخزينة المسمى “صندوق التنمية الترابية المندمجة” مع تفويض صلاحيات مرتبطة بأداء النفقات وتدبير الصفقات والاتفاقيات الممولة من الاعتمادات المفوضة.

    ولا يتعلق الأمر بتفويض إداري محدود، إذ تشمل الصلاحيات إصدار بيانات الدفع والأوامر بالتحصيل المرتبطة بالصفقات، بما فيها الغرامات الناتجة عن التأخر في التنفيذ، وحجز الضمان المؤقت أو النهائي والاقتطاع الضامن، إلى جانب استرجاع المدفوعات الزائدة المرتبطة بالنفقات المنفذة في إطار الاعتمادات المفوضة.

    كما حدد القرار بنود الحساب التي يمكن لكل آمر مساعد بالصرف تنفيذ النفقات في إطارها، على أن يستمر العمل بهذه الترتيبات إلى غاية 31 دجنبر 2026.

    وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من السياق الذي تأتي فيه، فالمغرب يستعد لتنزيل ورش تقدر كلفته الأولية بنحو 210 مليارات درهم خلال ثماني سنوات، بعد أشهر من التشخيص والمشاورات على مستوى مختلف العمالات والأقاليم.

    ولم تعد المسألة تبعا لذلك، مرتبطة فقط بتحديد المشاريع التي تحتاجها المجالات الترابية، بل بالانتقال إلى بناء الآليات المالية والإدارية القادرة على تحويل تلك الأولويات إلى صفقات وأوراش قابلة للتنفيذ.

    من التشخيص المحلي إلى القرار المالي

    انطلقت عملية إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة في غشت 2025، عقب التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز من السنة نفسها.

    ووجه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت في 15 غشت 2025، الولاة والعمال إلى إطلاق مشاورات مع مختلف الفاعلين على المستوى المحلي، على أساس تحديد الأولويات انطلاقا من الحاجيات الفعلية لكل مجال، بدل بناء البرامج انطلاقا من مقاربة قطاعية موحدة.

    وحددت هذه المقاربة منذ البداية أربعة مجالات مركزية تتمثل أساسا في دعم التشغيل من خلال استثمار المؤهلات الاقتصادية المحلية، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، سيما التعليم والصحة، والتدبير الاستباقي والمستدام للموارد المائية، ثم التأهيل الترابي المندمج.

    وتؤكد الوثائق الرسمية المرتبطة بقانون المالية لسنة 2026 أن المقاربة الجديدة تسعى إلى الجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبشرية داخل برنامج واحد مرتبط بخصوصيات كل مجال ترابي.

    لكن التحول الأبرز ظهر في أبريل الماضي، عندما قدم وزير الداخلية أمام جلالة الملك محمد السادس، خلال المجلس الوزاري المنعقد في 9 أبريل 2026، الخطوط العريضة لحكامة هذه البرامج.

    وكشفت المعطيات الرسمية حينها أن إعداد البرامج سبقته عمليات إنصات وتشخيص ترابي على مستوى مختلف عمالات وأقاليم المملكة، شملت تحليل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وتحديد مكامن القوة والضعف في التشغيل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي.

    ومن هذه المرحلة، خرج الرقم الأكبر المرتبط بالورش بنحو 210 مليارات درهم كغلاف مالي إجمالي تقديري لتنفيذ البرامج خلال ثماني سنوات، أعلن عنه خلال المجلس الوزاري.

    صندوق جديد و20 مليار درهم بين الأداء والالتزام

    شكّل قانون المالية لسنة 2026 الأساس المالي للمرحلة الجديدة، من خلال تحويل “صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية” إلى “صندوق التنمية الترابية المندمجة”، بما يعكس انتقالا من منطق يستهدف أساسا العالم القروي والمناطق الجبلية إلى تصور أوسع للتدخل الترابي.

    وبرسم سنة 2026، رُصد للصندوق 5 مليارات درهم كاعتمادات للأداء، إلى جانب ترخيص بالالتزام المسبق بـ15 مليار درهم من اعتمادات سنة 2027، أي أن مبلغ 20 مليار درهم المتداول يجمع بين اعتمادات الأداء المتاحة خلال 2026 والتزامات مسبقة على السنة الموالية، وليس اعتمادات أداء بقيمة 20 مليار درهم متاحة للصرف خلال السنة الحالية.

    وترك قانون المالية تحديد الآمر بقبض موارد الصندوق وصرف نفقاته للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل.

    وفي 3 غشت الجاري، حُسم هذا الجانب بمرسوم لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، جرى بموجبه تعيين الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، بصفة انتقالية، آمرا بالصرف في الصندوق.

    وبعد يومين فقط، بدأت ترجمة هذا الاختيار على المستوى الترابي، من خلال القرارات التي جعلت الولاة والعمال آمرين مساعدين بالصرف، ووسعت دائرة المسؤولين المخول لهم التدخل في تنفيذ الاعتمادات.

    الولاة والعمال لا يختارون المشاريع فقط

    تتجلى أهمية القرارات الجديدة في أنها تستكمل هندسة حكامة سبق الإعلان عنها رسميا في أبريل الفارط، وليس في طبيعة الاختصاصات المالية المفوضة.

    ويقسم التصور المعتمد قيادة البرامج إلى ثلاثة مستويات مترابطة، إذ تُحدث على المستوى المحلي لجنة برئاسة عامل العمالة أو الإقليم تضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، وتتولى صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع والتشاور مع الساكنة المستهدفة.

    وعلى المستوى الجهوي، يرأس والي الجهة لجنة تتولى تجميع برامج مختلف العمالات والأقاليم وضمان الانسجام بينها.

    أما على المستوى الوطني، فتُحدث لجنة يرأسها رئيس الحكومة وتضم القطاعات الوزارية المعنية، وتتولى المصادقة على البرامج وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع اعتماد مؤشرات لتتبع المشاريع وقياس آثارها.

    ويصبح بذلك العامل، في الهندسة الجديدة، موجودا في أكثر من حلقة؛ إذ يترأس عملية صياغة البرنامج وتتبع تنفيذه محليا، وأصبح بموجب قرارات الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ضمن المسؤولين المخول لهم تدبير الاعتمادات المفوضة لتنفيذ النفقات.

    هذا التحول يمنح المستوى الترابي قدرة أكبر على الانتقال من تشخيص الحاجة إلى تنفيذ المشروع، لكنه يرفع في المقابل مستوى المسؤولية المرتبطة بالآجال والكلفة وجودة الإنجاز.

    صلاحية التوقيع والفسخ

    وفوض قرار آخر لوزير الميزانية فوزي لقجع، يحمل رقم 1768.26 وصدر بدوره بتاريخ 5 غشت الجاري في الجريدة الرسمية، للولاة والعمال المعنيين صلاحية الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات والاتفاقيات المبرمة في إطار الاعتمادات المفوضة من صندوق التنمية الترابية المندمجة، فضلا عن إمكانية فسخها، على أن يستمر العمل بالقرار إلى غاية نهاية دجنبر 2026.

    وهذا التفويض مهم عمليا لأن تنفيذ البرامج الترابية لا ينتهي عند توفير الاعتماد المالي، فبين رصد الأموال وظهور المشروع على الأرض تمر سلسلة من المساطر، تبدأ بالبرمجة والالتزام بالنفقة، وتمر بإبرام الصفقة وتنفيذها ومراقبة الآجال، وتنتهي بالأداء أو، عند الاقتضاء، تطبيق الغرامات أو فسخ العقد.

    وتشير المعطيات كذلك إلى توسيع التفويض ليشمل مسؤولين محليين وجهويين في قطاعات وزارية مختلفة، من بينها التجهيز والصحة والفلاحة والتعمير والتعليم، باعتبارهم نوابا عن الآمرين المساعدين بالصرف أو مسؤولين مخولا لهم الإمضاء في نطاق الاختصاصات المفوضة.

    أما القرارات المتعلقة بالولاة والعمال فتستثني بعض العمالات من الجداول المنشورة، ومن بينها الرباط وبعض عمالات مقاطعات الدار البيضاء وطنجة-أصيلة.

    لماذا وُضع المستوى الترابي في قلب المنظومة؟

    وتعكس طبيعة الفلسفة التي بُني عليها الجيل الجديد من البرامج الهندسة الجديدة، فالمنطلق المعلن رسميا هو أن الحاجيات التنموية لا تتطابق بالضرورة بين إقليم وآخر، لأن منطقة تعاني نقصا في الماء ليست في الوضع نفسه الذي تعيشه منطقة يتوفر فيها الماء، لكن تعاني بطالة مرتفعة، كما أن إقليما يحتاج إلى تحسين الولوج إلى المستشفى أو المدرسة قد تختلف أولوياته عن مجال يملك بنية اجتماعية أفضل لكنه يفتقر إلى الطرق أو النشاط الاقتصادي.

    لذلك تقوم المقاربة على التشخيص على مستوى العمالة أو الإقليم، قبل تجميع المشاريع على المستوى الجهوي وربطها بالتنسيق والتمويل على المستوى المركزي.

    ويهدف هذا البناء، بحسب التصور الرسمي، إلى الانتقال من البرامج القطاعية المتفرقة إلى تدخل مندمج تكون فيه الأولوية للأثر المحقق داخل المجال الترابي.

    وهذا ما يفسر أيضا الثقل الذي مُنح للولاة والعمال، بما فيه الإدارة الترابية التي يفترض أن تكون نقطة التقاء المصالح اللاممركزة للوزارات والجماعات الترابية والفاعلين المحليين، قبل رفع البرامج إلى المستوى الجهوي ثم الوطني.

    وويجعل حجم التمويل المتوقع برامج التنمية الترابية المندمجة من بين أكبر الأوراش العمومية متعددة السنوات المبرمجة حاليا في المغرب، لكن الوثائق الرسمية نفسها تجعل التقييم جزءا من هندسة البرنامج، إذ أقر المجلس الوزاري في أبريل اعتماد مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس أثر المشاريع، وربط الحكامة المحلية والجهوية بالقيادة الوطنية.

    في هذا الإطار، يرى الخبير في المالية العمومية والحكامة الترابية، سعيد القرنفلي، أن أهمية هذا التوجه تكمن في أنه يمنح التنمية الترابية مضمونا تنفيذيا، بعدما ظلت لسنوات مرتبطة أساسا بمنطق التخطيط والبرمجة.

    وأوضح الخبير في تصريحه لـ “AM+MEDIA”، أنه عندما تتقارب سلطة التنسيق مع القدرة على تحريك الاعتمادات وتنفيذ المشاريع، يصبح بالإمكان بناء تدخل عمومي أكثر تماسكا وأسرع في تحويل القرار إلى أثر داخل المجال.

    وأضاف القرنفلي: “نحن أمام تطور مهم في مفهوم اللامركزية واللاتمركز الإداري، لأن الدولة لا تنقل فقط مهام التنفيذ إلى التراب، بل تعزز قدرته على قيادة الاستثمار العمومي انطلاقا من المجال نفسه”.

    وهذا مهم وفق الخبير ذاته، لأن القيمة المضافة للوالي أو العامل لا تكمن فقط في قربه الجغرافي وإنما في امتلاكه رؤية أفقية للمجال، سيما وأن الوزارة تنظر عادة إلى قطاعها، بينما المسؤول الترابي يرى الصحة والتعليم والماء والاستثمار والتشغيل باعتبارها مكونات لمنظومة واحدة.

    وشدد المتحدث على أن الأهم اليوم أن هذه المقاربة يمكن أن تجعل الاستثمار العمومي أكثر قدرة على خلق التكامل بين المشاريع، موضحا أن “الطريق مثلا، لا تُقرأ فقط باعتبارها بنية تحتية وإنما من خلال قدرتها على فك العزلة عن السكان، وتقريب المدرسة والمستشفى، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق وتحسين جاذبية المجال للاستثمار”، مردفا “وهنا تنتقل التنمية من تجميع مشاريع متفرقة إلى بناء سلسلة مترابطة من الأثر الاقتصادي والاجتماعي”.

    وأبرز القرنفلي أن هذا التحول يعطي للمجال الترابي مكانة مختلفة داخل السياسة العمومية إذ لم يعد مجرد نقطة وصول للميزانية المركزية، بل يصبح فضاء، في تقديره، تُبنى داخله الأولويات وتلتقي فيه السياسات العمومية وتُقاس نتائجها لتصبح إحدى أهم الإضافات التي يحملها الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.

    وبهذه الهندسة، تدخل التنمية الترابية مرحلة يصبح فيها الرهان على التنفيذ بقدر الرهان على التمويل، بعد ارتباط معالجة الفوارق المجالية لسنوات بتعدد البرامج والمتدخلين ومحدودية الأثر.

  • طواف المشاعل يضيء سماء المضيق وتطوان احتفالا بعيد الشباب

    طواف المشاعل يضيء سماء المضيق وتطوان احتفالا بعيد الشباب

    عاشت مدينتا المضيق وتطوان، مساء أمس الجمعة، على إيقاع الطواف التقليدي بالمشاعل، الذي أضفى على شوارع المدينتين أجواء من البهجة والفرح والاعتزاز بالهوية الوطنية، وذلك تخليدا للذكرى الثالثة والستين لعيد الشباب السعيد.

    وانطلقت هذه الاحتفالات من كورنيش شاطئ المضيق وساحة المشور السعيد بمدينة تطوان قبل أن تمر عبر شوارع المدينتين، حيث قدمت تشكيلات من الموسيقيين والمشاة والخيالة وحملة المشاعل التابعة للحرس الملكي استعراضات احتفالية بديعة، اتسمت بالدقة العالية والانضباط والتناغم، وسط أجواء احتفالية طبعتها الهيبة والبهاء.

    وتابع سكان المدينتين وزوارهما لوحات استعراضية جمعت بين الأناقة والتناسق والإتقان، على إيقاع معزوفات مستوحاة من غنى وتنوع الريبرتوار الموسيقي الوطني، حيث تفاعل الجمهور مع جميع المعزوفات التي قدمتها الفرق الموسيقية العسكرية.

    وقد استقطبت هذه العروض جمهورا غفيرا اصطف على جنبات المسارات لمتابعة هذا الموعد الاحتفالي، الذي أبان عن مستوى عال من الانسجام بين مختلف التشكيلات المشاركة.

    وأبدعت عناصر الحرس الملكي في عروض فنية متنوعة، شملت حركات دقيقة في التحكم بالبنادق، ورسم تشكيلات هندسية متناغمة على شكل مربعات ودوائر ونجمة خماسية ورسم خريطة المملكة، فيما قدم حملة المشاعل والخيالة عروضا أدهشت المتتبعين.

    كما زادت اللوحات الفنية، التي قدمتها الفرقة الموسيقية التابعة لفوج المقر العام وتلك التابعة للقوات المسلحة الملكية الجوية والفرقة الموسيقية التابعة للدرك الملكي والفرقة الموسيقية التابعة للبحرية الملكية، من جمالية العروض التي عرفتها الأمسية، حيث أثارت عروضهم إعجاب الحاضرين بما حملته من تنوع إيقاعي وبصري، يعكس روح الانضباط والإبداع في صفوف القوات المسلحة الملكية.

    ويعتبر الطواف بالمشاعل من بين مظاهر الإبداع المغربي المتفرد والأصالة المغربية، وأضحى بما يحمله من رمزية تقليدا سنويا دأب على إنجازه بإتقان كبير الحرس الملكي منذ سنوات عديدة، خاصة خلال الاحتفال بعيدي العرش والشباب.

    ويتنافس حملة المشاعل والخيالة والموسيقيون على السواء لجعل بذلاتهم في أبهى حلة، ولتقديم أجمل العروض لإمتاع الجمهور ومشاركة الشعب المغربي احتفالاته بالأعياد الوطنية التي لها وقع خاص في نفوس المغاربة من كل الأجيال.

    تجدر الإشارة إلى أنه تم تنظيم الطواف بالمشاعل بمناسبة عيد العرش لأول مرة سنة 1947 انطلاقا من القصر الملكي بالرباط ليجوب أهم شوارع المدينة، على وقع نغمات الموسيقى العسكرية وفق نظام محكم.

    ومنذ سنة 1992، تم إغناء الطواف بالمشاعل باستعراض عسكري في المدينة التي تحتضن الاحتفالات الرسمية، لكن قبل ثلاث سنوات، أدخل الحرس الملكي عروضا كوريغرافية مقدمة من عسكريين شباب على هذا الطواف الذي صار يجتذب كل سنة الآلاف من المتفرجين، وهي عروض مصممة من طرف الحرس الملكي وتتطلب دقة متناهية لرسم لوحات بحركات الجنود.

  • الإعلام الإسباني يسقط في فخ التضليل وانتقائية شهادات قاصرين لمهاجمة المغرب

    الإعلام الإسباني يسقط في فخ التضليل وانتقائية شهادات قاصرين لمهاجمة المغرب

    تحولت أزمة العبور الجماعي من المغرب في 30 يوليوز الماضي إلى ساحة تنازع إعلامي داخل إسبانيا، بين روايات متضاربة وقصص إنسانية سريعة حول شباب وأطفال يقولون إنهم يريدون الدراسة والعمل ولا يرغبون في الرجوع إلى عائلاتهم.

    انزياح مهني عن الحقيقة

    في 19 غشت الجاري، نشرت “إل باييس” الإسبانية شريطا قصيرا عن وفاء عتيد، وعرّفها منذ البداية بأنها مغربية في الثامنة والعشرين دخلت سبتة سباحة.

    ركزت الصحيفة على روايتها بشأن الخلاف مع أسرتها، ورفضها ارتداء الحجاب، وشعورها بأن النساء في المغرب في مرتبة أدنى من الرجال.

    غير أن المعالجة المهنية غابت عن “إل باييس”، لأنها قدّمت قصة فردية عالية التأثير، مبنية أساسا على قول صاحبتها، من دون أن تضع أمام القارئ في اللحظة نفسها سجلها السابق الذي يغيّر صورة المرأة “المكبلة” إلى امرأة غادرت بيت أسرتها منذ سنوات، وعملت وسافرت، ثم تعذر عليها تثبيت إقامة قانونية خارج المغرب.

    بعد تصاعد الانتقادات، نشرت “إل باييس” في 21 غشت الجاري تقريرا أطول قالت في إن عتيد ليست مهاجرة باحثة عن ظروف اقتصادية مواتية، ونقلت عنها: “لست فقيرة”، وذكرت أنها عملت في الاستقبال وأقامت في الإمارات وسافرت إلى دول في الشرق الأوسط وإفريقيا، لكنها جاءت بعد أن انتشرت النسخة المختصرة المضللة والأكثر عاطفية من القصة.

    وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لعتيد وهي في قطر في دجنبر 2025، لمساندة المنتخب المغربي بملعب لوسيل حيث أجرب نهائي كأس العرب بين المغرب والأردن، وهو تناقض صارخ مع أي ادعاء مطلق بأنها لم تكن قادرة على السفر أو العمل.

    وانتقلت بعض المنابر الإسبانية إلى إصدار أحكام حاهزة، على غرار “إل ديباتي” التي أكدت أن وسائل الإعلام جعلت عتيد “لاجئة”، كما استخدمت مواقع أخرى تعبير “القادمة من الفقر”، مع أن متابعة “إل باييس” نقلت عنها العكس.

    من شهادات فردية إلى فخ التعميم

    وركزت الصحافة الإسبانية أيضا على القاصرين المغاربة غير المصحوبين، ففي 5 غشت الجاري، نشرت “إل فارو دي سوتا” شهادة يوسف، وهو فتى قال إن عمره 17 عاما وإن والدته مريضة ولا تملك الأسرة مالا لعلاجها، وأضاف أنه يريد العمل في إسبانيا ويفضل شوارع سبتة على العودة.

    وفي 14 شغت، نقلت “إل باييس” عن سراج، وسنه لا يتجاوز 16 عاما، أنه يريد البقاء لدراسة التكنولوجيا، وأنه سيحاول متابعة الدراسة في المغرب والعودة قانونيا إذا رُحّل. كما حرصت “إل إسبانيول” على وضع عبارة “لن نعود إلى المغرب” في عنوان “شامل” لآلاف القصارين، رغم أن المقال لم يتضم لا عدد ولا أوضاع هؤلاء القاصرين.

    وفي 20 و21 غشت، كررت “كادينا سير” و”20 مينوتوس” تصريح المدعية المنسقة لشؤون القاصرين، تيريسا خيسبرت، بأن القاصرين الذين كانت تُجرى معهم مقابلات لا يريدون العودة بل الانتقال إلى شبه الجزيرة، وأن آباء اتصلوا مرحبين بإيواء أبنائهم في نظام الحماية الإسباني.

    عودة أكثر من 95% تكذب الرواية الإسبانية

    تبدو الرواية التي قدمت المشاركين في أحداث 30 يوليوز باعتبارهم كتلة بشرية قطعت صلتها بالمغرب ورفضت العودة إليه رواية مهترئة أمام الأرقام الإسبانية نفسها.

    فقد أعلن وزير الداخلية الإسباني أن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال تلك الأحداث، بينما غادرها نحو 70 ألفا وعادوا باتجاه المغرب، أي ما يعادل أكثر من 97 في المئة من مجموع الوافدين. وهي نسبة لا تسمح بتقديم الواقعة باعتبارها هجرة جماعية نهائية لشباب يرفضون بلدهم، بل تؤكد أن الأغلبية الساحقة تراجعت وعادت خلال فترة قصيرة.

    هذه النسبة الصادرة عن السلطات الإسبانية، لا عن جهة مغربية. تؤكد أنه لم يبق في سبتة سوى جزء محدود من المشاركين، بينما عاد معظمهم طوعا، وهو معطى يناقض الصورة التي روجتها بعض المنابر الإسبانية عن عشرات الآلاف من المغاربة المصممين على عدم العودة، ويكشف أن حالات فردية جرى تضخيمها وتحويلها إلى موقف جماعي لا تدعمه الوقائع.

    وسقطت الصحافة الإسبانية في التعميم الإعلامي الذي اختزل الواقعة في عبارة “مغاربة يفرون من الفقر ويرفضون العودة”، متناسية نتائج التحقيقات الإسبانية، والتي أظهرت أن نسبة كبيرة من المشاركين في أحداث 30 و31 يوليوز الفارط تحركت تحت تأثير دعوات رقمية وصور مضللة واعتقاد بأن الطريق نحو أوروبا أصبح مفتوحا، ثم عادت عندما اصطدمت بحقيقة الحصار داخل سبتة واستحالة العبور نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.

    من وعود العبور إلى العراء

    وجد المهاجرون غير النظاميون الذين ظلوا في سبتة أنفسهم أمام وضع إنساني مأساوي، فآلاف الأشخاص ناموا في الشوارع وعلى الشواطئ وفوق قطع الكرتون، بينما أقام آخرون ملاجئ بدائية وسط غياب الغذاء الكافي والمرافق الصحية وخدمات النظافة والرعاية الطبية.

    وتحولت سبتة المحتلة، التي قدمتها منشورات مواقع التواصل بوصفها بوابة سهلة نحو أوروبا، إلى فضاء مغلق يعيش فيه العالقون تحت المراقبة وفي ظروف شديدة الهشاشة.

    ولم يشكل القاصرون الاستثناء، فقد كشف الإعلام الإسباني الرسمي بأن مراكز سبتة كانت تستقبل في بداية الأزمة 862 قاصرا، رغم أن طاقتها النظامية لم تكن تتجاوز 29 سريرا، أي بنسبة اكتظاظ قاربت ثلاثة آلاف في المئة.

    وفي الوقت نفسه، ظل أطفال آخرون يتجولون في الشوارع أو يختبئون خوفا من إعادتهم، ومن بينهم أطفال صغار كانوا يبحثون عن هاتف للاتصال بأمهاتهم في المغرب وفق “RTVE” الإسبانية,

    ولم تكن مراكز إيواء البالغين في وضع أفضل، فقد تجاوز عدد المقيمين في أحد مراكز الاستقبال 700 شخص، رغم أن طاقته لا تتعدى 500 سرير، في حين اضطرت نساء إلى الإقامة داخل مخيمات وملاجئ عشوائية قرب المركز.

    وسجلت سلطات سبتة شكايات مرتبطة باعتداءات جنسية، كان معظم الضحايا المبلغ عنهم من القاصرين، ما يكشف عجز منظومة الاستقبال الإسبانية عن توفير الحماية الأساسية للأشخاص الذين شجعتهم صور “الفردوس الأوروبي” على دخول المدينة، لينتقل القاصرون خلال ساعات من وهم السفر نحو أوروبا إلى واقع النوم في العراء والاكتظاظ والخوف والاستغلال.

    المغرب يفتح باب الإعادة السريعة

    في مقابل هذا الوضع، أعلن المغرب فتح أبوابه أمام الراغبين في العودة، وأكد استعداده لاستقبال قاصريه، داعيا السلطات الإسبانية إلى تسريع الإجراءات المتعلقة بإعادة الأطفال إلى أسرهم في المغرب، وتجاوز التعقيدات الإدارية والقضائية التي تؤخر لمّ شملهم، مع مراعاة المصلحة الفضلى لكل قاصر.

    ويتعلق الأمر باستقبال فوري من الجانب المغربي وتسريع ملفات الإعادة الفردية، وليس بإعادة جماعية آلية تتجاوز الضمانات القانونية.

    وأمس الجمعة، قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريحات للقناة الثانية، إن المغرب يتمسك بضرورة تسريع ملف عودة القاصرين المغاربة في إسبانيا، والتي يضعها على رأس أولوياته في النقاش الجاري مع مدريد والاتحاد الأوروبي، مجددا التأكيد أن “المغرب يريد عودة قاصريه، بل أكثر من ذلك نحن مستعدون لنبعث الحافلات لنقلهم إلى المغرب، ونحن مستعدون للتعاون مع الإسبان لإعادتهم”.

    ويربط وهبي هذا الموقف بضرورة إيجاد معالجة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف، مشددا على أن “هذا الموضوع يهمنا نحن وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب أن نتعاون من أجل إيجاد حل لهذا المشكل، ليس حلا جزءيا أو ظرفيا، بل حلا طويل الأمد ونهائيا للتعامل مع هذا الموضوع وإيقافه، لأنه يؤدي إلى مآس إنسانية واجتماعية”.

    ويرى المغرب أن هؤلاء القاصرين فئة جرى التغرير بها، إذ ربطت وزارة الداخلية المغربية أحداث 30 يوليوز بالاستغلال المضلل للفضاء الرقمي، ونشر معلومات مغلوطة، وتحركات شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن ترويج تفسيرات خاطئة لبعض القرارات القانونية والإدارية الإسبانية، بما خلق وهما بإمكان دخول أوروبا والبقاء فيها من دون شروط أو عواقب.