التصنيف: الرأي

  • الأصالة والمعاصرة في أفق 2026.. من حيوية التجربة إلى مشروعية الطموح لقيادة الحكومة

    الأصالة والمعاصرة في أفق 2026.. من حيوية التجربة إلى مشروعية الطموح لقيادة الحكومة

    لا ينبغي قراءة المواقف الأخيرة الصادرة عن بعض قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها موقف هشام عيروض بشأن مستقبل التحالف الحكومي، باعتبارها مجرد محاولة للتمايز الانتخابي مع اقتراب استحقاقات 2026، ولا باعتبارها مؤشراً على أزمة داخل الأغلبية. فالقراءة الأعمق تقتضي وضعها في سياق التحول الذي عرفه الحزب نفسه خلال السنوات الأخيرة، وفي سياق سؤال أكبر يتعلق بموقعه داخل المشهد السياسي المغربي: هل استنفد الحزب مرحلة المشاركة في صناعة الأغلبية، وأصبح مؤهلاً للانتقال إلى مرحلة الطموح إلى قيادتها؟

    هذا السؤال لا يبدو اليوم مفتعلاً. فالأصالة والمعاصرة لم يعد الحزب نفسه الذي دخل التجارب الانتخابية الأولى بعد تأسيسه، كما أنه لم يتجمد داخل نموذج تنظيمي واحد. وربما تكمن إحدى أهم نقاط قوته في هذه القدرة المستمرة على مراجعة ذاته وإعادة تشكيل أدواته وخطابه ونخبه، في وقت تعاني فيه أحزاب كثيرة من صعوبة تجديد قياداتها وقواعدها وأساليب اشتغالها.

    حزب يتحرك ولا يخشى مراجعة نفسه

    من الخصائص التي ميزت تجربة الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه أنها لم تكن تجربة ساكنة.

    تعاقبت على الحزب قيادات وتجارب تنظيمية وسياسية مختلفة، ومر بفترات صعود وأزمات ومراجعات داخلية، لكنه استطاع في كل مرة أن يعيد إنتاج نفسه بدل التحول إلى بنية جامدة تعيش على تاريخها.

    وقد يكون من السهل النظر إلى تغير القيادات والخطابات باعتباره علامة اضطراب، لكن القراءة المقابلة ممكنة أيضاً: الحزب الذي يستطيع تغيير قياداته ومراجعة اختياراته واستيعاب أخطائه هو حزب يمتلك قابلية سياسية للحياة.

    فالجمود التنظيمي ليس دليلاً على الاستقرار بالضرورة، كما أن النقاش الداخلي ليس علامة ضعف. الأحزاب الحية هي تلك التي تتفاعل داخلها الأجيال والطموحات والتصورات المختلفة وتظل قادرة، رغم ذلك، على إنتاج القرار السياسي.

    ومن هذه الزاوية، فإن الحيوية التي يعرفها البام اليوم يمكن أن تشكل رصيداً وليس عبئاً، خصوصاً في مرحلة سياسية أصبحت فيها قطاعات واسعة من المجتمع تبحث عن أحزاب تتحرك بالسرعة نفسها التي يتحرك بها المجتمع.

    قدرة استثنائية على استقطاب أجيال جديدة

    من أبرز عناصر القوة التي ينبغي التوقف عندها قدرة الحزب على الاستقطاب.

    فالاستقطاب السياسي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الملتحقين بالحزب، وإنما بقدرته على إدخال دماء جديدة إلى دوائر المسؤولية والترشيح والقرار.

    وهنا استطاع الأصالة والمعاصرة أن يفتح المجال أمام فئات مختلفة من المنتخبين والأطر والنساء والشباب والفاعلين المحليين والمهنيين، دون أن يحصر إعادة إنتاج نخبه في مسارات حزبية مغلقة.

    وهذا عنصر بالغ الأهمية.

    فالحزب الحديث لا ينبغي أن يكون نادياً سياسياً مغلقاً، وإنما مؤسسة قادرة على اكتشاف الكفاءات الموجودة داخل المجتمع وإدماجها في العمل السياسي.

    وتشبيب القواعد لا يعني مجرد وضع الشباب في واجهة الاجتماعات أو اللوائح الانتخابية؛ وإنما يعني منح أجيال جديدة إمكانية الصعود داخل التنظيم وتحمل المسؤولية والتأثير في القرار.

    وهذه الدينامية تمنح الحزب قدرة على التجدد لا تتوفر بالدرجة نفسها للأحزاب التي أصبحت بنياتها التنظيمية محكومة بتوازنات تاريخية يصعب تجاوزها.

    الامتداد الترابي.. القوة التي لا تصنعها الخطابات

    إلى جانب التجدد البشري، يمتلك البام رصيداً لا يقل أهمية يتمثل في امتداده الترابي.

    فالسياسة المغربية لا تُمارس في الرباط والدار البيضاء وحدهما. قوتها الحقيقية تقاس بقدرة الحزب على الحضور داخل الجهات والأقاليم والجماعات، وفهم الفوارق بين المجال الحضري والقروي وبين المركز والأطراف.

    وقد سمحت التجارب الانتخابية المتعاقبة للأصالة والمعاصرة ببناء شبكة مهمة من المنتخبين والفاعلين المحليين.

    وهذه الخبرة الترابية ليست مجرد رأسمال انتخابي؛ إنها مصدر معرفة سياسية.

    فالمنتخب المحلي الذي يواجه يومياً مشكلات الماء والنقل والتعمير والاستثمار والطرق والتعليم والصحة يعرف، بصورة مباشرة، أين تنتهي فعالية القرار المركزي وأين تبدأ صعوبات التنفيذ.

    وعندما تنتقل هذه الخبرة من الجماعة والإقليم والجهة إلى البرلمان والحكومة، فإنها تساعد على إنتاج سياسة أكثر واقعية وأقل انفصالاً عن المجتمع.

    التنوع الاجتماعي بدل الحزب أحادي الهوية

    إحدى نقاط القوة الأخرى في تجربة البام هي صعوبة اختزاله في فئة اجتماعية واحدة.

    فداخله يلتقي المنتخب المحلي بالإطار، ورجل الأعمال بالفاعل الجمعوي، والمرأة المنتخبة بالشاب القادم حديثاً إلى السياسة، كما يتجاور داخله المجال الحضري والقروي ومناطق ذات خصوصيات اقتصادية واجتماعية مختلفة.

    قد يجعل هذا التنوع إدارة الحزب أكثر تعقيداً، لكنه يمنحه في المقابل ميزة سياسية مهمة: القدرة على الاستماع إلى مصالح اجتماعية متعددة بدل الارتهان إلى قاعدة واحدة مغلقة.

    والأحزاب التي تطمح إلى قيادة الحكومات لا يمكن أن تكون أحزاب فئة واحدة؛ لأن الحكومة مطالبة بإدارة مصالح مجتمع كامل.

    ومن هذه الزاوية، فإن التنوع الفئوي والترابي داخل الأصالة والمعاصرة يمكن أن يتحول إلى أحد أهم مؤهلاته إذا استطاع الحزب تحويله من مجرد تعدد في الأشخاص إلى تعدد منتج للأفكار والسياسات.

    ديمقراطية داخلية لا تخشى الاختلاف

    كما ينبغي التوقف عند طبيعة النقاش الذي يعرفه الحزب.

    أن يستطيع عضو في المكتب السياسي أن يناقش علناً مستقبل التحالف الحكومي، وأن يطرح احتمال عدم إعادة إنتاجه، وأن يرفع سقف الطموح إلى قيادة الحكومة، دون أن يتحول ذلك تلقائياً إلى أزمة تنظيمية، يحمل في ذاته دلالة سياسية.

    فالديمقراطية الحزبية لا تعني أن يتحدث الجميع بالصوت نفسه.

    بل تعني أن توجد مؤسسات تحسم القرار، وفي الوقت نفسه توجد مساحة تسمح بإنتاج الأفكار والاختلاف والتنافس المشروع داخل الإطار التنظيمي.

    ومن هنا تكتسب إشارة عيروض إلى أن القرار النهائي يعود إلى مؤسسات الحزب، وفي مقدمتها المجلس الوطني، أهمية خاصة: الرأي السياسي شيء، والقرار المؤسساتي شيء آخر.

    وهذا التوازن بين حرية المبادرة الفكرية واحترام المؤسسات هو ما تحتاج إليه الأحزاب الحديثة.

    تجربة الحكومة غيرت الحزب

    لكن أهم تحول عرفه الأصالة والمعاصرة خلال السنوات الأخيرة ربما كان انتقاله من موقع القوة الانتخابية والمعارضة إلى الاختبار الفعلي للحكم.

    فالوجود في الحكومة يختلف جذرياً عن إنتاج الخطاب من خارجها.

    الحكومة تفرض الاختيار بين البدائل، وتفرض ترتيب الأولويات، وتفرض التعامل مع الميزانية والإدارة والإكراهات الاجتماعية والاقتصادية، كما تجعل الحزب مسؤولاً أمام المواطنين عن نتائج ملموسة وليس عن المواقف فقط.

    وقد أعطت تجربة 2021–2026 للبام مدرسة سياسية لا يمكن التقليل من قيمتها.

    فقد اختبر الحزب العمل الحكومي، وتحمل مسؤوليات في قطاعات أساسية، واكتسبت أطره خبرة مباشرة في تدبير الدولة والتفاوض داخل الأغلبية والتعامل مع البرلمان والمؤسسات والإدارة.

    وهذه الخبرة تجعل الحزب الذي يتوجه نحو انتخابات 2026 مختلفاً عن الحزب الذي دخل انتخابات 2021.

    إنه يدخلها هذه المرة وهو يعرف الدولة من الداخل، والمجال الترابي من الأسفل، والعمل البرلماني من المؤسسة التشريعية، والتنظيم السياسي من قواعده.

    الثقة المؤسساتية رأسمال سياسي

    ولا يمكن إغفال عنصر آخر يتعلق بما يمكن تسميته الثقة المؤسساتية.

    ففي الأنظمة السياسية الحديثة لا تكفي الشعبية وحدها لقيادة الحكومة. يحتاج الحزب إلى نخبة تستطيع إدارة المؤسسات، واحترام استمرارية الدولة، وفهم حدود الاختصاصات، وتحويل الإرادة السياسية إلى قرارات قابلة للتطبيق.

    وقد ساهمت المشاركة الحكومية في تعزيز هذا الجانب داخل تجربة الأصالة والمعاصرة.

    فالحزب لم يعد مطالباً بإثبات أنه قادر على المشاركة في المؤسسات؛ لقد فعل ذلك بالفعل.

    والسؤال الذي يمكن أن يطرحه الآن هو ما إذا كان قادراً على الانتقال من المشاركة المسؤولة في التدبير إلى قيادة التدبير.

    الواقعية باعتبارها اختياراً سياسياً

    ربما تكون الواقعية من الخصائص الأكثر أهمية في التجربة الحالية للحزب.

    فالمجتمع المغربي تغير. ولم يعد المواطن ينتظر من الحزب السياسي بناء خطاب إيديولوجي ضخم بقدر ما ينتظر منه أجوبة قابلة للقياس حول الشغل والسكن والصحة والتعليم والماء والاستثمار والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية.

    وهنا تظهر قيمة الحزب الذي يستطيع الجمع بين الرؤية السياسية والواقعية التنفيذية.

    فالواقعية لا تعني غياب المبادئ، وإنما تعني القدرة على التمييز بين ما هو مرغوب وما هو ممكن، ثم توسيع دائرة الممكن عن طريق القرار السياسي.

    والخبرة الحكومية والترابية المتراكمة لدى البام تمنحه فرصة لبناء مشروع من هذا النوع: مشروع لا يقوم على الوعود القصوى، وإنما على التزامات قابلة للإنجاز والمحاسبة.

    لماذا يصبح طموح قيادة الحكومة مشروعاً؟

    من هنا يمكن فهم عبارة عيروض بشأن ضرورة ألا يقتصر طموح الحزب في 2026 على البحث عن مكان داخل أغلبية جديدة.

    إذا كان الحزب قد راكم تجربة انتخابية وترابية وبرلمانية وحكومية، واستطاع الحفاظ على قدرته على الاستقطاب والتجدد، ويملك أطراً أصبحت تعرف آليات تدبير المؤسسات، فإن الانتقال إلى الطموح لقيادة الحكومة لا يكون مغامرة خطابية، وإنما نتيجة منطقية لمسار سياسي.

    فالحزب السياسي لا يتطور لكي يبقى إلى الأبد شريكاً ثانوياً.

    وعندما يصل إلى درجة معينة من النضج، يصبح عليه أن يعرض مشروعه مباشرة على المواطنين ويطلب منهم تفويضاً واضحاً لتنفيذه.

    وهذا بالضبط ما يجعل موقف عيروض مثيراً للاهتمام: فهو ينقل النقاش من سؤال «مع من سيتحالف البام؟» إلى سؤال أكثر طموحاً:

    «لماذا لا يكون البام هو الحزب الذي تتشكل حوله الأغلبية المقبلة؟»

    الاختلاف مع الحلفاء ليس إنكاراً للتجربة

    من الخطأ، في المقابل، تحويل هذا الطموح إلى محاكمة للتحالف الحالي.

    لقد شارك البام في تجربة 2021، ويتحمل مسؤوليتها السياسية كاملة، وله أن يدافع عن منجزاتها بقدر ما يراجع حدودها.

    لكن الوفاء السياسي لا يعني الجمود.

    فالتحالف الحكومي عقد سياسي مرتبط بمرحلة وبتوازن انتخابي وبرنامج محدد، وليس زواجاً دائماً بين الأحزاب.

    والحزب الذي يحترم حلفاءه هو أيضاً الحزب الذي يستطيع أن يقول لهم، عند نهاية التجربة، إن نقاط الالتقاء التي أنتجت تحالف الأمس قد لا تكون كافية لإنتاج تحالف الغد.

    بل إن احترام الناخب نفسه يقتضي أن تدخل الأحزاب الانتخابات بهويات واضحة، لا أن تتصرف وكأن التحالفات محسومة قبل أن يقول المواطن كلمته.

    2026 ينبغي أن تكون انتخابات المشاريع لا المقاعد فقط

    وهنا توجد فرصة حقيقية أمام الأصالة والمعاصرة.

    فبدلاً من الدخول في منافسة تقوم فقط على عدد المقاعد وترتيب الأحزاب، يستطيع الحزب تحويل انتخابات 2026 إلى نقاش حول المشروع الذي يريد تنفيذه إذا تولى مسؤولية القيادة.

    وهذا يتطلب الانتقال من تعداد الإنجازات إلى تقديم رؤية متكاملة: ما الأولويات الخمس الكبرى للحكومة؟ ماذا سيفعل الحزب خلال المائة يوم الأولى؟ كيف سيمول برامجه؟ ما رؤيته للطبقة الوسطى؟ كيف سيعالج أزمة التشغيل؟ ما تصوره للمدرسة العمومية والصحة والسكن والماء والاستثمار؟ وكيف سيعيد الثقة إلى العلاقة بين المواطن والسياسة؟

    عندها تصبح القوة التنظيمية والامتداد الترابي وتشبيب النخب والتنوع الاجتماعي والخبرة الحكومية وسائل لخدمة مشروع واضح، وليست مجرد عناصر قوة انتخابية.

    قوة البام الحقيقية في أنه لم يكتمل بعد

    ولعل المفارقة الأكثر إثارة في تجربة الأصالة والمعاصرة أن نقطة قوته الأساسية ليست أنه وصل إلى صيغة نهائية، وإنما أنه ما يزال قادراً على التحول.

    فالحزب الذي يعتبر نفسه مكتملاً يبدأ عادة في الشيخوخة.

    أما الحزب الذي يسمح بظهور قيادات جديدة، ويعيد النظر في اختياراته، ويجدد أدواته، ويستوعب كفاءات من خارج دوائره التقليدية، ويقبل بأن تناقش داخله تصورات مختلفة لمستقبله، فهو حزب لا يزال يمتلك طاقة سياسية.

    وهذه الحيوية قد تكون أهم ما يميز البام في مرحلة تعرف فيها السياسة، في المغرب كما في كثير من الديمقراطيات، أزمة ثقة وتجدد وتمثيل.

    لكنها تضع على الحزب مسؤولية أكبر أيضاً: أن يحول هذه الحيوية إلى مؤسسات، وهذه المؤسسات إلى كفاءات، وهذه الكفاءات إلى سياسات، وهذه السياسات إلى نتائج يلمسها المواطن.

    من حزب قوي داخل الأغلبية إلى حزب يطلب قيادتها

    بهذا المعنى، يمكن النظر إلى تجربة الأصالة والمعاصرة باعتبارها دخلت مرحلة جديدة.

    لقد تجاوز الحزب اختبار البقاء، واختبار الانتشار الترابي، واختبار المعارضة، ثم اختبار المشاركة الحكومية. وراكم خلال ذلك شبكة واسعة من المنتخبين، ونخباً وأطراً وتجربة مؤسساتية وقدرة ملحوظة على التجدد والاستقطاب.

    أما الاختبار المقبل فهو أصعب: اختبار القيادة.

    والقيادة هنا لا تعني الحصول على منصب أو تصدر ترتيب انتخابي فقط. إنها القدرة على إنتاج مشروع حكومي يحمل بصمة سياسية واضحة، ويجمع حوله أغلبية اجتماعية قبل أن يبحث عن الأغلبية البرلمانية.

    فإذا استطاع البام أن يدخل انتخابات 2026 بهذه الروح، فإن السؤال لن يعود هو ما إذا كان سيشارك في الحكومة المقبلة.

    سيصبح السؤال:

    هل أصبح حزب الأصالة والمعاصرة، بعد سنوات من التعلم والتجدد والامتداد والممارسة الحكومية، مستعداً لأن يطلب من المغاربة الثقة ليس للمشاركة في الحكومة فحسب، وإنما لقيادتها؟

    إن هذا الطموح لا ينتقص من تجربة الأغلبية الحالية ولا من شركائها، بل يعبر عن التطور الطبيعي لأي حزب حي يؤمن بأن لديه رؤية وأطراً وتجربة تستحق أن تعرض مباشرة على الناخب.

    فالتحالفات تأتي بعد الانتخابات، أما المشروع والثقة والشرعية فيأتي مصدرها أولاً من المواطن.

    ومن هذه الزاوية، لا يبدو النقاش الذي فتحه عيروض دعوة إلى القطيعة بقدر ما يبدو تعبيراً عن شيء أعمق: حزب يتحرك، يراجع نفسه، يجدد نخبه، يتعلم من الحكم، ويستعد للانتقال من منطق إثبات القدرة على المشاركة إلى منطق إثبات القدرة على القيادة.

  • انتخابات 2026 والشباب.. من العزوف إلى المشاركة وصناعة المستقبل

    انتخابات 2026 والشباب.. من العزوف إلى المشاركة وصناعة المستقبل

    تأتي انتخابات 2026 في لحظة سياسية تفرض إعادة النظر في علاقة الشباب بالسياسة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة. فالانتخابات ليست مجرد موعد لاختيار ممثلين داخل المؤسسات، وإنما محطة أساسية لطرح سؤال أكبر: كيف نعيد الشباب إلى قلب الحياة السياسية، ونحول مشاركته من حضور موسمي إلى مشاركة حقيقية في صناعة القرار؟

    إن الحديث عن عزوف الشباب عن السياسة لا ينبغي أن يختزل في عدم التصويت أو ضعف الانخراط الحزبي. فالشباب حاضر بقوة في المجتمع، وفي الجمعيات والرياضة والثقافة والعمل التطوعي والفضاء الرقمي ومختلف المبادرات المدنية. وبالتالي، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يهتم الشباب؟ وإنما لماذا لا تتحول هذه الطاقة دائما إلى مشاركة سياسية ومؤسساتية منظمة؟

    الشاب المغربي اليوم يريد أن يفهم ويناقش ويعرف ماذا ستقدم له السياسة في حياته اليومية. يريد فرصا في التعليم والتكوين والعمل، وفضاءات للرياضة والثقافة، ويريد أن يشعر بأن صوته مسموع وأن مشاركته يمكن أن تحدث فرقا.

    لذلك فإن التعامل مع الشباب باعتباره مجرد كتلة انتخابية لا يمكن أن ينتج إلا مزيدا من المسافة بينه وبين العمل الحزبي. فالشباب لا يرفض السياسة بالضرورة، وإنما قد يرفض أحيانا الطريقة التي تقدم بها السياسة إليه.

    عندما يتم استدعاء الشاب فقط خلال فترة الانتخابات ويقتصر دوره على الحضور في التجمعات أو الحملات أو نشر الصور، فإنه سيشعر بأن دوره مؤقت ومحدود. أما عندما يصبح شريكا في النقاش ومشاركا في إعداد البرامج ومؤهلا لتحمل المسؤولية، فإن علاقته بالسياسة تتحول من المتابعة إلى المشاركة ومن التردد إلى الفعل.

    وهنا يظهر الدور الحقيقي للأحزاب السياسية، ومن بينها حزب الأصالة والمعاصرة، في بناء جيل جديد من الكفاءات السياسية. فالحزب السياسي لا ينبغي أن يكون مجرد آلة انتخابية، بل مؤسسة للتأطير والتكوين وإنتاج الأفكار وتجديد النخب.

    ومن هذا المنطلق، فإن شبيبة الأصالة والمعاصرة مطالبة، إلى جانب باقي التنظيمات الشبابية الحزبية، بأن تجعل من التأطير السياسي عملا مستمرا لا نشاطا مرتبطا فقط بالاستحقاقات الانتخابية.

    فالشبيبة الحزبية الحقيقية هي التي تفتح أمام الشباب فضاءات للتكوين والحوار والنقاش، وتساعدهم على فهم القوانين والمؤسسات والحكامة الترابية والسياسات العمومية والتواصل السياسي، وتمنحهم فرصة حقيقية للتعبير عن أفكارهم والمساهمة في صياغة الحلول.

    نحن بحاجة إلى شبيبات حزبية تكون مدارس حقيقية للقيادات المستقبلية؛ شبيبات لا تكتفي بالحديث عن الشباب، وإنما تستمع إليه وتشركه وتؤهله. لأن الانتقال من شباب يستقطب انتخابيا إلى شباب يمكن سياسيا، هو أحد أهم المداخل لإعادة بناء الثقة في العمل الحزبي.

    وفي هذا الإطار، يكتسي الفحص أنجرة أهمية خاصة. فالمنطقة ليست مجرد مجال انتخابي، وإنما منطقة تعرف تحولات متسارعة بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وتعيش مجموعة من التحديات المرتبطة بالنقل والتعليم والتكوين والتشغيل والبنيات الرياضية والثقافية والخدمات الأساسية، إضافة إلى موضوع الهجرة ومستقبل الأجيال الصاعدة.

    وشباب الفحص أنجرة ليس بعيدا عن الشأن العام كما قد يعتقد البعض. فهناك شباب حاضر في العمل الجمعوي والرياضي والثقافي والتطوعي، وطاقات تشتغل بشكل يومي من أجل الأطفال والشباب والمجتمع.

    وهذه الدينامية تؤكد أن الطاقات موجودة، وأن المطلوب هو توفير قنوات حقيقية لتحويل هذه الطاقة المدنية إلى قوة اقتراحية وسياسية قادرة على المساهمة في التنمية المحلية.

    ومن هنا تأتي أهمية شبيبة الأصالة والمعاصرة بالفحص أنجرة باعتبارها جزءا من المشهد الشبابي والسياسي المحلي، ومساحة يمكن من خلالها فتح النقاش مع الشباب حول مستقبل المنطقة وقضاياها وانتظارات سكانها.

    فالشباب داخل الحزب لا ينبغي أن يكون مجرد رقم تنظيمي، بل قوة اقتراحية وحاضرا في النقاش الداخلي والمبادرات الميدانية وبناء التصورات والبرامج.

    كما أن خصوصية الفحص أنجرة تفرض إعطاء أهمية خاصة للشباب القروي. فالشاب الذي يعيش في دوار بعيد قد تكون له انتظارات مختلفة عن الشاب الذي يعيش في مركز حضري. النقل والمسافة والولوج إلى التعليم والتكوين والفضاءات الرياضية والثقافية وفرص العمل، كلها قضايا تؤثر بشكل مباشر في علاقة الشباب بالمؤسسات وبالمجال الذي يعيش فيه.

    لذلك لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في الفحص أنجرة دون وضع الشباب القروي في قلب السياسات العمومية المحلية، ولا عن العدالة المجالية دون عدالة حقيقية في فرص الشباب، سواء تعلق الأمر بالتكوين أو التشغيل أو الرياضة أو الثقافة أو المشاركة في الحياة العامة.

    ومن القضايا التي يجب أن تحضر كذلك في النقاش قضية الهجرة. فموقع المنطقة يجعل هذا الموضوع قريبا من واقع الشباب، لكن معالجة الهجرة لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة الأمنية، لأنها ترتبط أيضا بالأمل والفرص والمستقبل.

    عندما يبحث الشاب عن فرصة للعمل أو التكوين أو تحسين ظروف حياته، فهو في النهاية يبحث عن أفق. ولهذا فإن مواجهة أسباب الهجرة تمر أيضا عبر خلق فرص حقيقية داخل المنطقة، ودعم المبادرات الشبابية، وتشجيع المشاريع، وتطوير التكوين، وتقوية الأنشطة الرياضية والثقافية، وخلق فضاءات تجعل الشاب يشعر بأن له مستقبلا داخل منطقته.

    أما الحديث عن استحقاقات 2026، فيجب أن يقودنا أيضا إلى الحديث عن تجديد النخب. وتجديد النخب لا يعني فقط تقديم وجوه شابة، فالشباب وحده ليس معيارا كافيا، كما أن الأقدمية وحدها ليست معيارا كافيا.

    المطلوب هو الجمع بين الخبرة والكفاءة والطاقة الجديدة.

    نحتاج إلى شباب يمتلك المعرفة، وله حضور حقيقي داخل المجتمع، ويفهم مشاكل منطقته، وقادر على التواصل مع المواطنين ومستعد لتحمل المسؤولية. فالموقع السياسي ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لخدمة الناس والدفاع عن مصالحهم وتحويل انتظاراتهم إلى برامج قابلة للتنفيذ.

    وفي الفحص أنجرة تحديدا، فإن تجديد النخب يجب أن يرتبط بتجديد طريقة التفكير في التنمية المحلية. فالمنطقة تحتاج إلى كفاءات قادرة على قراءة التحولات التي تعرفها، واستثمار موقعها وإمكاناتها لصالح السكان، والدفاع عن قضايا الإقليم داخل المؤسسات بعيدا عن الحسابات الضيقة والشخصنة.

    كما أن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تبدأ وتنتهي يوم الاقتراع. فالانتخابات مرحلة من مراحل المشاركة وليست المشاركة كلها.

    المواطن يمارس السياسة عندما يناقش قضايا منطقته، ويتابع المشاريع، ويطرح الأسئلة، وينخرط في المجتمع المدني، ويراقب أداء المؤسسات والمنتخبين، ويساهم في اقتراح الحلول.

    ولهذا فإن الرهان الحقيقي في استحقاقات 2026 يجب ألا يكون فقط حول عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما حول قدرتنا على إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة.

    والثقة لا تبنى بالشعارات، وإنما بالقرب من المواطن والإنصات إليه والوضوح معه والوفاء بالالتزامات وربط الخطاب بالفعل.

    ومن مسؤولية حزب الأصالة والمعاصرة وشبيبته أن يساهموا في هذا المسار من خلال الاستثمار في الشباب وتأهيل الكفاءات وتشجيع المبادرة وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة وربط العمل السياسي بالعمل الميداني.

    فالشباب الذي يشتغل داخل المجتمع ويعرف مشاكل الناس يجب أن يجد الطريق مفتوحا أمامه للمساهمة في المؤسسات وصناعة القرار.

    وفي المقابل، فإن الشباب نفسه مطالب بتحمل مسؤوليته. فلا يمكن أن نطالب بتجديد الحياة السياسية دون أن نساهم نحن في هذا التجديد، ولا يمكن أن نطالب بالثقة دون أن نثبت بالعمل أننا قادرون على تحمل المسؤولية.

    المشاركة السياسية تتطلب القراءة والتكوين والحضور والنقاش والعمل الميداني، وليس فقط انتظار الفرصة.

    إن الفحص أنجرة بحاجة إلى خطاب سياسي جديد؛ خطاب يحترم عقل المواطن، ويضع مصلحة المنطقة فوق الحسابات الشخصية، ويجعل المنافسة السياسية حول البرامج والأفكار والكفاءة.

    فالاختلاف السياسي أمر طبيعي في الديمقراطية، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة اجتماعية أو عداء شخصي. فالانتخابات تنتهي، لكن المنطقة تبقى، والمنافسة تنتهي، لكن الجيران والأصدقاء والعائلات يستمرون في العيش معا.

    ولهذا فإن السياسة التي نريدها للفحص أنجرة هي سياسة تجمع ولا تفرق، وتتنافس حول الحلول لا حول الخصومات، وتبحث عن المشترك بدل تكريس الانقسام.

    إن استحقاقات 2026 يجب أن تكون فرصة للانتقال من شباب يستقطب انتخابيا إلى شباب يمكن سياسيا، ومن شباب يستعمل في الحملات إلى شباب يشارك في صناعة البرامج والقرارات، ومن شبيبات حزبية موسمية إلى شبيبات تشكل مدارس حقيقية للتكوين السياسي.

    والفحص أنجرة يمكن أن يكون نموذجا في هذا المسار، ليس لأنه يملك كل الإجابات، وإنما لأنه يملك طاقات شبابية قادرة على البحث عن الإجابات وصناعة الحلول.

    وما نحتاجه اليوم هو أن نفتح أمام هذه الطاقات الأبواب، وأن نؤمن بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى دون إشراك شبابها.

    وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يرافقنا ونحن نتجه نحو استحقاقات 2026 ليس فقط: من سيفوز؟

    بل السؤال الأهم هو: ماذا سنربح من هذه الانتخابات؟

    إذا ربحنا مقاعد دون أن نربح ثقة الشباب، فسنكون قد حققنا جزءا من الهدف فقط.

    أما إذا استطعنا أن نجعل شابا يؤمن بأن صوته مهم، وأن مشاركته مؤثرة، وأن السياسة يمكن أن تكون وسيلة لخدمة الناس، وأن الكفاءة قادرة على الوصول إلى مواقع القرار، فسنكون قد ربحنا شيئا أكبر من الانتخابات.

    سنكون قد ربحنا جيلا جديدا للحياة السياسية؛ جيلا يؤمن بأن الفحص أنجرة تستحق الأفضل، وأن مستقبلها لا ينتظر، وإنما يصنع بالمشاركة والعمل والمسؤولية.

    المنسق الإقليمي لشبيبة الأصالة والمعاصرة بإقليم الفحص أنجرة (*)

  • ليست حربا ولسنا أعداء.. من أجل ميثاق أخلاقي للانتخابات بإقليم ميدلت

    ليست حربا ولسنا أعداء.. من أجل ميثاق أخلاقي للانتخابات بإقليم ميدلت

    العملية السياسية، بما تنطوي عليه من “صراع” في المعجم اليساري، و”تدافع” في التعبير الإسلامي، و”منافسة” في التصور الليبرالي، لا يمكن أن تكون فعلا سياسيا حيا من دون اختلاف، ولا يمكن أن تكون الانتخابات انتخابات من دون احتدام وتنافس وتدافع حول البرامج والاختيارات والمشاريع، لكن حرارة المنافسة، مهما بلغت، لا ينبغي أن تحرق الجميع، ولا أن تحرق معها الربيع الانتخابي.

    وما تشهده الاستحقاقات الانتخابية، بإقليم ميدلت كما في ربوع المملكة، من احتقان سياسي وتنافس شديد، ينبغي ألا ينزلق إلى ما يشبه “انتخابات غابوية” أو “حرب الجميع ضد الجميع” بالمعنى الهوبزي، حيث يصير المرشح، مجازا، ذئبا لأخيه المرشح.

    إن خصوصية إقليم ميدلت، بجغرافيته الجبلية المعقدة، وبنيته الاجتماعية المتنوعة، وتراكم انتظاراته التنموية، تجعلنا في حاجة أكبر إلى أن نحمي العملية الانتخابية من التحول إلى معركة لتكسير الأشخاص بدل أن تكون مواجهة بين الأفكار. ومن تهشيم عظام الأطراف المتفاعلة، إلى محاولة ترميم عظام إقليم نال منه جور السياسة والساسة وأنهكته الجغرافية النائية.

    ليست حربا ولسنا أعداء

    فالانتخابات ليست حربا بين الأشخاص، ولا مناسبة لتصفية الحسابات الشخصية، ولا ساحة لاستباحة الهيئات السياسية وسمعة الفاعلين إنها، في جوهرها، مواجهة سياسية صريحة بين برامج ورؤى ومشاريع، يملك فيها المواطن حق الاختيار، ويملك فيها الصندوق الكلمة الفصل.

    نحن لا نخوض معركة لتكسير العظام، وإنما نخوض استحقاقا ينبغي أن يكون جزءا من مسار ترميم وبناء اقتصادي واجتماعي وثقافي لإقليم نالت منه الجغرافيا النائية، كما نالت منه اختلالات وتراكمات سياسية وتنموية لا يمكن اختزالها في أسماء الأشخاص.

    حتى الواقعية السياسية، بأكثر أجنحتها براغماتية ومكيافيلية، لا تعني الفوضى، ولا تعني الانفلات من كل قيد أخلاقي أو شرط قانوني أو التزام سياسي.

    فالسياسة ليست رخصة للاستباحة، والمناورة السياسية ليست مرادفا للفوضى الأخلاقية، والذكاء الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى دهاء في الإيذاء. وإذا كانت المنافسة حقا مشروعا، فإن شرف المواجهة مسؤولية مشتركة.

    نحو ميثاق أخلاقي انتخابي

    من هنا، تبدو الحاجة إلى مبادرة سياسية وأخلاقية جدية: ميثاق أخلاقي للانتخابات بإقليم ميدلت، لا تفرضه جهة على أخرى، ولا يكون وثيقة حزبية مغلقة، وإنما تصوغه الأحزاب والفاعلون الانتخابيون أنفسهم، كل بقلمه، وكل من موقعه، وكل بما يراه ضروريا لحماية سلامة العملية الانتخابية.

    ليس المطلوب أن نبني ديمقراطية أثينا، ولا أن نحول الانتخابات إلى مدينة فاضلة، المطلوب أبسط وأعمق من ذلك: أن نحصّن الحد الأدنى من الأخلاق السياسية الذي يجعل المنافسة ممكنة، والاختلاف محترما، والناخب حرا، والصندوق سيدا، وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل الميثاق أرضية مشتركة حول عدد من المبادئ.

    أولاً: تحريم التضليل والدعاية المغرضة

    الحقيقة هي أول ضحية في الانتخابات حين تتحول المنافسة إلى معركة بلا ضوابط. إن نشر الأخبار المضللة، والاجتزاء المتعمد، وتحريف الوقائع، وصناعة الادعاءات الكاذبة، لا يضر بمرشح أو حزب وحده؛ إنه يضر بالناخب نفسه، فالناخب الذي يبني اختياره على معلومة زائفة قد يصل إلى قرار زائف. وحين يتأسس الاختيار على الخطأ، قد تتحول السنوات الخمس التالية كلها إلى خطأ تنموي وسياسي ممتد. لذلك، فإن حماية الحقيقة ليست ترفاً أخلاقياً، بل شرطاً من شروط سلامة الديمقراطية.

    ثانياً: منع الضربات تحت الحزام

    يمكن أن تكون الانتخابات قاسية، لكن لا ينبغي أن تكون دنيئة.

    المنافس السياسي ليس عدواً، والاختلاف معه لا يمنح أحداً الحق في استعمال كل الوسائل لإسقاطه.

    ينبغي أن تبقى المواجهة داخل حدود السياسة: البرنامج، الحصيلة، الرؤية، المواقف، البدائل، القدرة على الإقناع.

    أما تحويل المنافسة إلى حملة لاستهداف الأشخاص، أو التشهير بهم، أو النيل من كرامتهم، فهو خروج من المجال السياسي إلى مجال آخر لا يخدم الديمقراطية ولا الناخب.

    ثالثاً: رفض الشخصنة واقتحام الحياة الخاصة

    الناخب لا يحتاج إلى معرفة أسرار الحياة الخاصة للمرشح كي يقرر، ما يحتاج إلى معرفته هو: ماذا اقترح؟ ماذا أنجز؟ ماذا أخفق فيه؟ ماذا يريد أن يفعل؟ وما البديل الذي يقدمه؟

    يمكن للناخب أن يحاسب الفاعل السياسي، بل يمكنه أن “يضربه على رأسه ويقسم ظهره بالصندوق” إذا اقتضى الأمر.

    لكن ذلك ينبغي أن يحدث على أساس سياسي، لا على أساس اقتحام النوايا أو الحياة الخاصة أو الكرامة الشخصية، فالانتخابات ليست محكمة للتشهير، إنها فضاء للمساءلة.

    رابعاً: مخاطبة الرأي العام باحترام

    الكتلة الناخبة ليست قطيعاً، وليست جمهوراً سلبياً ينتظر أن تتحدث باسمه النخب. إنها صاحبة السيادة.

    والفاعل السياسي الذي يطلب ثقة المواطنين مطالب، قبل شجاعة الحديث، بامتلاك جرأة الاستماع، فالسياسة فعل اتصال دائم، والانتخابات ليست سوى لحظة مكثفة من هذا الاتصال.

    لذلك، ينبغي أن تكون الحملات الانتخابية فضاءً لشرح البرامج، والإنصات للانتظارات، ومناقشة البدائل، والجواب عن الأسئلة، لا مجرد تدفق أحادي الاتجاه للخطابات والشعارات.

    خامساً: احترام القانون والمؤسسات

    القانون هو مسافة الأمان بين مركبات سياسية فائقة السرعة وقيادات مفرطة الحماسة. وقد يكون التنافس محتدماً، وقد تكون الحسابات دقيقة، وقد تكون المناورات جزءاً من طبيعة السياسة، لكن كل ذلك يجب أن يبقى داخل الإطار القانوني.

    فالانتخابات التي لا تحترم القانون تفقد جزءاً من شرعيتها، حتى وإن كانت نتائجها صحيحة من الناحية التقنية.

    من “حرب العصابات” إلى المنافسة الديمقراطية

    قد تغري الطبيعة الجبلية للإقليم، وتعقيد جغرافيته، وشدة التنافس، بعض الفاعلين بتحويل العملية الانتخابية إلى ما يشبه “حرب عصابات” سياسية: الأحزاب “قواعد شبه حربية”، والصفحات بنادق، والأتباع جيوش، والمنافسون أهدافاً.

    وهنا تحديداً يجب أن نسجلها للتاريخ: ليست حرباً، ولسنا أعداء.

    لا نريد صفحات تتحول إلى ساحات قصف. ولا نريد قواعد حزبية تتحول إلى غرف عمليات للخصومة الشخصية. ولا نريد أن يصبح الشباب وقوداً لمعركة لا يعرفون في نهايتها من خسر ومن ربح، بينما يخسر الإقليم كله.

    إن اختلافنا ينبغي أن يكون وسيلة لتوسيع الخيارات أمام المواطن، لا لتضييقها.

    الميثاق ليس صورة جماعية أمام الكاميرات، بل التزام جماعي أمام الناخب صاحب السيادة.

    إن أي ميثاق، مهما تفننا في تدبيجه، سيبقى حبراً على ورق إذا لم يمتلك آليات فعلية للالتزام والمتابعة.

    لذلك، فإن إحدى ضمانات فعاليته أن يكون توقيعه علنياً، بحضور ممثلي الأحزاب والفاعلين المعنيين، وأن تشهد عليه وسائل الإعلام والرأي العام، حتى يصبح الالتزام مسؤولية سياسية وأخلاقية أمام القواعد والناخبين.

    والأهم من ذلك، أن تتعزز العلنية بالاستمرارية، من خلال التفكير في إحداث هيئة إقليمية لليقظة السياسية والرصد الأخلاقي الانتخابي، تضم مندوبين عن الأحزاب الموقعة، تكون مهمتها اليقظة والتتبع والرصد، وإصدار تقارير وبيانات حول مدى احترام الميثاق.

    وكما يحرص المنتدبون الحزبيون يوم الاقتراع على حماية الصندوق والدفاع عن إرادة ناخبيهم وحظوظ أحزابهم، يُفترض في هذه الهيئة أن تضطلع بذات الحماسة والغيرة بحماية السلامة الأخلاقية للعملية الانتخابية، وتتبع الدفتر الصحي لأخلاقيات الفاعلين.

    ليس باعتبارها شرطة سياسية، ولا محكمة حزبية، وإنما باعتبارها آلية يقظة سياسية وأخلاقية تذكّر الجميع بأن هناك حدوداً ينبغي ألا نتجاوزها.

    مرة أخرى وأخيرة.. حتى نضمن للفاعل السياسي سلامته، وللفعل نبله، وللديمقراطية آخر شرايين الحياة فيها، وللعملية السياسية آخر أوردة الثقة، وللناخب صاحب السيادة سلامة عرشه وحرمة معزله، ونحفظ للحظة قداستها.

    باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري، وعضو شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة (*)

  • ما يفرقنا أكثر مما يجمعنا.. لماذا يحتاج “البام” إلى طريق مختلف في 2026؟

    ما يفرقنا أكثر مما يجمعنا.. لماذا يحتاج “البام” إلى طريق مختلف في 2026؟

    ما يفرقنا أصبح أكثر مما يجمعنا…

    كانت تجربة السنوات الخمس الماضية فرصة حقيقية لكي نكتشف، من داخل الممارسة لا من خارجها، ما يجمعنا مع حلفائنا وما يفرقنا عنهم. واليوم، أعتقد أن من واجبنا أن نقول بوضوح إن ما يفرقنا أصبح، سياسياً وفي ترتيب الأولويات، أكثر مما يجمعنا.

    لقد كان البام وفياً لتحالف الأغلبية، وربما تحمّل أحياناً كلفة هذا الوفاء. التزمنا بمسؤوليتنا الحكومية، ودافعنا عن استقرار الأغلبية، لكننا لم نتخلَّ في المقابل عن حقنا في التنبيه عندما كنا نرى أن بعض الاختيارات قد تمس بالمكتسبات الحقوقية والسياسية والاجتماعية للمغاربة، أو عندما اعتبرنا أن الحكومة مطالبة بأن تكون أكثر إنصاتاً للمواطنين وأكثر وفاءً للثقة التي وضعوها فيها.

    بالنسبة لي، هذه مسألة هوية سياسية قبل أن تكون مسألة تحالفات. البام لم يعتد الرقص على حبلين، ولم يختر يوماً المنطقة الرمادية. اخترنا الوضوح مع المغاربة حتى عندما كان مكلفاً، واخترنا أن نقول رأينا من داخل الأغلبية عندما كان الصمت أكثر راحة.

    ولا يمكن إنكار أن المشاركة في الحكومة منحتنا فرصة لترجمة جزء من أولوياتنا إلى سياسات وقرارات ومكتسبات ملموسة. لكنها علمتنا أيضاً أن هناك فرقاً بين أن تشارك في تنفيذ أولويات داخل تحالف، وبين أن تكون في موقع يسمح لك بوضع رؤيتك وأولوياتك في صلب المشروع الحكومي نفسه.

    ولهذا أعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مختلفة.

    القرار في التحالفات يبقى، بطبيعة الحال، أمانة واختصاصاً لمؤسسات الحزب، وعلى رأسها المجلس الوطني. لكن السؤال السياسي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بكل وضوح هو: هل نعيد إنتاج تجربة أظهرت حدودها، أم نمتلك الجرأة لفتح صفحة جديدة؟

    بالنسبة لي، الاختيار واضح. لسنا مع الأغلبية لمجرد الأغلبية، ولسنا مع المعارضة لمجرد المعارضة. نحن مع المواطن المغربي، ومع المشروع السياسي الذي نعتقد أنه يستجيب لأولوياته وانتظاراته. نحترم تجربة 2021، ونتحمل مسؤوليتنا فيها كاملة إلى نهايتها، لكن الوفاء بالتجربة لا يعني إعادة إنتاجها.

    قد يكون ما جمعنا في 2021 كافياً لبناء تحالف، لكن ما فرّقت بيننا بشأنه خمس سنوات من الممارسة كافٍ اليوم لكي نفكر في طريق مختلف.

    وإذا كنا نؤمن فعلاً بأن للبام تصوراً مختلفاً للأولويات، وبأن لدينا مشروعاً يستحق أن نقدمه للمغاربة، فمن الطبيعي ألا يكون طموحنا في 2026 مجرد البحث عن مكان داخل أغلبية جديدة. طموحنا يجب أن يكون طلب ثقة المغاربة لقيادة الحكومة، حتى نتحمل مسؤولية اختياراتنا كاملة، ونضع أولوياتنا في قلب القرار الحكومي.

    عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة (*)

  • المنهجية الديمقراطية الجديدة.. من شرعية الاختيار إلى الحق في الفرصة

    المنهجية الديمقراطية الجديدة.. من شرعية الاختيار إلى الحق في الفرصة

    حين تحدث الراحل عبد الرحمن اليوسفي عن “المنهجية الديمقراطية”، لم يكن يدافع فقط عن موقع حزب أو عن أحقية سياسية مرتبطة بنتائج انتخابات بعينها، بقدر ما كان يطرح سؤالا سيظل حاضرا في التجربة السياسية المغربية: كيف نجعل لاختيار المواطن معنى، وكيف نحافظ على ثقته في السياسة وفي قدرتها على التأثير في مسار حياته ومستقبل بلاده؟

    لقد تغير المغرب كثيرا منذ تلك المرحلة، وتغير المجتمع وتبدلت انتظاراته، لكن جوهر السؤال لم يتغير. بل ربما أصبح اليوم أكثر إلحاحا، لأننا لم نعد أمام إشكالية احترام الاختيار الديمقراطي فقط، وإنما أمام تحدٍّ أكبر يتعلق بقدرة الفاعل السياسي نفسه على استعادة ثقة المجتمع، وخصوصا ثقة جيل جديد ينظر إلى السياسة بعين مختلفة.

    لقد قطع المغرب خلال العقود الأخيرة أشواطا مهمة في بناء المؤسسات وتطوير البنيات التحتية وتوسيع الحماية الاجتماعية وجذب الاستثمار وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي. وهذه مكتسبات لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها. لكن قوة الدول لا تقاس فقط بما تنجزه من طرق وموانئ ومشاريع كبرى، وإنما أيضا بقدرتها على جعل مواطنيها يشعرون بأنهم جزء من قصة النجاح، وأن لكل واحد منهم مكانا وفرصة داخل المشروع الوطني. وهنا تحديدا يظهر أحد أكبر تحديات المرحلة المقبلة: الهوة المتزايدة بين جزء من الشباب وبين الفعل السياسي، وبين سرعة التحولات التي يعرفها المغرب وبين قدرة السياسة على تحويل هذه التحولات إلى أمل ملموس في الحياة اليومية.

    هذه الهوة لا يمكن اختزالها في ضعف التواصل، ولا في القول إن الشباب لم يعد يهتم بالشأن العام. ربما العكس هو الصحيح. الشباب اليوم أكثر اتصالا بالعالم، وأكثر قدرة على المقارنة، وأشد حساسية تجاه التفاوتات والامتيازات وعدم تكافؤ الفرص. يرى كيف يعيش الآخرون، ويتابع تجارب النجاح في كل مكان، ويقارن بين ما يسمعه من خطابات وما يلمسه في واقعه. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه ليس فقط: ماذا أنجز المغرب؟ بل أيضا: ما نصيبي أنا من هذا التقدم؟ أين مكاني في هذا التحول؟ وهل أملك، بغض النظر عن أصلي الاجتماعي أو الجغرافي وعن شبكة علاقاتي، فرصة حقيقية لكي أتعلم وأعمل وأبادر وأتقدم؟

    وهنا تبدأ مسؤولية الفاعل السياسي. فعندما يترسخ لدى الناس الانطباع بأن السياسة تدار لحساب نخبة محدودة، أو أن بعض الفاعلين السياسيين أصبحوا أكثر انشغالا بحماية المواقع والمصالح من الدفاع عن المصلحة العامة، يتغير سلوك المواطن تجاه المجال العام. فالمجتمعات لا تطلب من أفرادها التضحية والانخراط بمجرد رفع الشعارات؛ التضحية تحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى العدالة. وعندما يشعر الفرد بأن قواعد اللعبة ليست واحدة بالنسبة للجميع، يصبح من الطبيعي أن ينتقل تدريجيا من سؤال “ماذا يمكنني أن أقدم لوطني؟” إلى سؤال “كيف أحمي مصلحتي ومستقبلي؟”، وعندما ينتشر هذا المنطق، لا نخسر فقط الثقة في السياسة، بل نخسر شيئا أعمق: القدرة على بناء أمل جماعي.

    لهذا أعتقد أن المعركة السياسية الحقيقية في مغرب السنوات المقبلة ستكون معركة الأمل والكرامة. الأمل بمعناه الملموس، أي أن يشعر الشاب بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا، وأن الاجتهاد ما زال طريقا ممكنا للارتقاء. والكرامة بمعناها العميق، أي أن يشعر المواطن بأن قيمته لا تتحدد باسم عائلته أو علاقاته أو موقعه الاجتماعي، وإنما بما يملكه من كفاءة وعمل واستحقاق. فالكرامة ليست فقط حماية اجتماعية أو دخلا أو خدمة عمومية، على أهميتها جميعا؛ الكرامة أيضا أن تقف أمام باب الفرصة وأنت تعرف أنك لن تحتاج إلا إلى كفاءتك لكي تنافس عليها.

    من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو مغرب الاستحقاق. المغرب الذي لا يسأل أبناءه من تعرفون، بل ماذا تعرفون وماذا تستطيعون أن تقدموا. مغرب لا يلغي الفوارق الطبيعية في النتائج، ولكنه يرفض أن تكون نقطة الانطلاق محددة سلفا بحسب الأصل الاجتماعي أو المجال الترابي أو شبكة العلاقات. فنحن لا نستطيع أن نعد جميع المغاربة بالنتيجة نفسها، لكننا نستطيع، ويجب علينا، أن نضمن لهم الحق نفسه في المحاولة. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نعطيه اليوم لمفهوم الحق في الفرصة.

    إن العدالة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بإعادة توزيع الدخل والثروة، بل أصبحت مرتبطة أيضا بعدالة توزيع الفرص: فرصة التعليم الجيد، وفرصة الشغل، وفرصة الاستثمار، وفرصة الولوج إلى المسؤولية، وفرصة أن يفشل الإنسان ثم يبدأ من جديد. حين يشعر الشاب بأن الطريق مفتوح أمامه، يصبح النجاح الفردي جزءا من النجاح الوطني. أما حين يعتقد أن الأبواب موزعة مسبقا، فإن أول ما يبحث عنه ليس كيف يساهم في تطوير المجتمع، بل كيف يجد لنفسه منفذا خارج قواعده.

    ومغرب الاستحقاق لا يمكن أن يقوم دون مغرب الشفافية. فالشفافية ليست شعارا أخلاقيا ولا مجرد أداة لمحاربة الفساد، بل هي شرط لبناء الثقة. المواطن يحتاج إلى أن يعرف كيف تُتخذ القرارات، وكيف توزع الفرص، ولماذا استفاد هذا المشروع ولم يستفد الآخر، ولماذا اختير هذا المسؤول دون غيره. كلما كانت القواعد واضحة، تقلصت مساحة الشك والإشاعة والإحساس بالحيف. وكلما كانت المعلومة متاحة، أصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين النجاح والفشل، وبين المسؤولية والادعاء، وبين السياسة التي تنتج النتائج والسياسة التي تنتج الخطابات.

    ولا معنى للشفافية إذا لم تقترن بمبدأ آخر أقره دستور 2011 بوضوح، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حان الوقت لكي يصبح هذا المبدأ ثقافة سياسية وليس مجرد مقتضى دستوري. من يتولى المسؤولية يجب أن يقبل بأن يُسأل عن حصيلته، ومن يقدم وعدا يجب أن يقبل بأن يُقاس بما أنجز منه، ومن يفشل ينبغي أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بذلك وتحمل نتائجه. لا يمكن أن نبني الثقة عندما تصبح المسؤولية امتيازا بينما تظل المحاسبة احتمالا بعيدا. السياسة التي نحتاجها في أفق 2030 هي سياسة تقول للمواطن بوضوح: هذه التزاماتنا، وهذه آجالها، وهذه مؤشرات قياسها، وحاسبونا عليها.

    وهنا يمكن أن نستعيد مفهوم “المنهجية الديمقراطية” ونمنحه امتدادا يتناسب مع أسئلة مغرب اليوم. بالأمس كان السؤال الذي طرحه اليوسفي مرتبطا أساسا باحترام الإرادة التي تعبر عنها صناديق الاقتراع. واليوم يجب أن نضيف إليه أسئلة أخرى: هل نحترم المواطن بين انتخابين؟ هل نضمن له الحق في الفرصة؟ هل نجعل الكفاءة والاستحقاق طريقا للارتقاء؟ هل يعرف من المسؤول عن القرار حتى يستطيع محاسبته؟ وهل يشعر بأن السياسة تخدم المصلحة العامة قبل أن تخدم مصالح الفاعلين فيها؟

    هذه في تقديري هي المنهجية الديمقراطية الجديدة التي يحتاجها المغرب: ديمقراطية لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، بل تبدأ منه؛ ديمقراطية تجعل من الانتخابات عقدا للمحاسبة وليس موعدا موسميا للوعود، وتجعل من المسؤولية التزاما أمام المواطن وليس امتيازا لصاحبها.

    ليس المطلوب إضافة خطاب شبابي جديد إلى الخطابات الموجودة، ولا التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية يجب استمالتها. الرهان الحقيقي هو إعادة السياسة إلى المستقبل، وإعادة جيل كامل إلى السياسة باعتباره شريكا في صناعة ذلك المستقبل. جيل لا يطلب امتيازا، بل يطالب بالحق في الفرصة؛ لا يريد حماية خاصة، بل قواعد عادلة؛ لا ينتظر من السياسة أن تضمن له النجاح، بل أن تضمن له ألا يكون النجاح محجوزا مسبقا لغيره.

    إن المغرب مقبل على استحقاقات وتحولات كبرى، وما تحقق إلى اليوم يمنحنا أسبابا حقيقية للثقة، لكنه يضع علينا أيضا مسؤولية أكبر. لأن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بسرعة القطارات أو عدد الملاعب والمشاريع الكبرى، بل سيقاس أيضا بقدرتنا على جعل شاب في قرية أو حي هامشي أو مدينة صغيرة يؤمن بأن له مكانا في مغرب 2030، وأن مستقبله لا يوجد بالضرورة في مكان آخر، وأن وطنه قادر على أن يمنحه فرصة عادلة ليصنع مصيره بكرامة.

    أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تجربة سياسية ليس أن ينتقدها الشباب، فالانتقاد دليل على أن السياسة ما زالت تعني لهم شيئا. الخطر الحقيقي يبدأ يوم لا ينتظرون منها شيئا، ويصبح الانسحاب أو اللامبالاة أو البحث الفردي عن الخلاص هو الخيار الأكثر عقلانية في نظرهم. لذلك فإن معركة الثقة ليست معركة تواصل، بل معركة سياسات وممارسات وقواعد جديدة.

    إنها معركة الانتقال من منطق الامتياز إلى مغرب الاستحقاق، ومن الغموض إلى مغرب الشفافية، ومن المسؤولية دون تبعات إلى مغرب ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن انتظار الفرصة إلى ضمان الحق في الفرصة. وفوق كل ذلك، هي معركة إعادة الأمل والكرامة إلى قلب العمل السياسي.

    ربما يكون هذا هو الامتداد الأكثر وفاء اليوم لدرس عبد الرحمن اليوسفي: أن تكون لإرادة المواطن قيمة، ولصوته أثر، وللكفاءة مكان، وللمسؤولية ثمن. لأن الديمقراطية ليست فقط أن يعرف المواطن من يحكمه، بل أن يقتنع بأن المؤسسات السياسية تعمل من أجله أيضا، وأن يشعر بأن نجاح وطنه يمكن أن يكون نجاحه هو كذلك.

    مغرب 2030 الذي نطمح إليه يجب ألا يكون مغرب الامتياز، بل مغرب الاستحقاق؛ وألا يكون مغرب الوعود، بل مغرب النتائج؛ وألا يكون مغرب الفرص المغلقة، بل مغرب الحق في الفرصة. مغرب يصنع الأمل ويحفظ الكرامة، لأن الوطن الذي يمنح أبناءه الأمل هو الوطن الذي يكون أبناؤه مستعدين لبذل الكثير من أجله.

    لكن علينا أن ندرك أن نافذة التغيير لن تبقى مفتوحة إلى الأبد؛ فالثقة ليست رصيدا دائما، والأمل ليس موردا لا ينضب. وكل فرصة نضيعها اليوم لإصلاح السياسة، وتوسيع دائرة الاستحقاق، وفتح أبواب الفرص أمام جيل جديد، ليست مجرد موعد يمكن تأجيله إلى الغد، بل رقعة من الأمل قد نفقدها إلى الأبد. فالخطر الحقيقي ليس أن ينتقد الشباب السياسة، بل أن يتوقفوا عن انتظار أي شيء منها. لذلك فإن معركة استعادة الثقة هي أيضا معركة مع الزمن، ومسؤوليتنا اليوم أن نجعل للشباب سببا حقيقيا للإيمان بأن لهم مكانا وفرصة ومستقبلا في وطنهم.

    عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة (*)

  • وادي الذهب.. من ذاكرة الاسترجاع إلى صورة الوطن الموحد

    وادي الذهب.. من ذاكرة الاسترجاع إلى صورة الوطن الموحد

    في الرابع عشر من غشت من كل سنة، يستحضر المغرب ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979، باعتبارها محطة بارزة في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، وذكرى وطنية تختزن أبعادا تاريخية وسياسية ورمزية تتجاوز حدود المناسبة نفسها.

    لكن استحضار هذه الذكرى اليوم لا ينبغي أن يظل مجرد عودة إلى صفحات الماضي، بل يفترض أن يكون مناسبة للتأمل في معنى الوطن الموحد، وفي المسار الذي قطعه المغرب منذ الاستقلال، وفي المسؤولية الجماعية تجاه صون وحدته وتعزيز تنميته وترسيخ الثقة في مستقبله.

    في هذا المعنى، يصبح وادي الذهب أكثر من اسم في الذاكرة الوطنية، إنه محطة من محطات مسار طويل، ارتبط باسترجاع الأقاليم الجنوبية وبناء مغرب يواصل، جيلا بعد جيل، ترسيخ وحدته وتعزيز اندماج مختلف جهاته ومناطقه في مشروع وطني واحد.

    والأهم أن قيمة هذه الذكرى لا تقاس فقط بما وقع في سنة 1979، وإنما بما راكمه المغرب منذ ذلك التاريخ من مشاريع وتنمية وحضور مؤسساتي، وبقدرته على تحويل الوحدة الترابية إلى واقع معاش، يشعر فيه المواطن، أينما كان، بأن المسافة الجغرافية لا تعني مسافة في الانتماء أو الحقوق أو الطموحات.

    ولأن الكتابة عن وادي الذهب لا تكتمل من وراء مكتب، فقد كتب هذا المقال في أصيلة مع شمس الأصيل، عابرا بين القراء في مختلف تراب الوطن؛ من الشمال إلى الجنوب، مرورا بكل القرى والمداشر والمدن، في رحلة رمزية عبر الجغرافيا المغربية، وصولا إلى الداخلة، عاصمة جهة الداخلة- وادي الذهب، ثم مواصلة الطريق في اتجاه الكويرة، حتى تكتمل الصورة: صورة الوطن الموحد.

    إنها صورة لا ترسمها الخرائط وحدها، وإنما يرسمها امتداد الناس في فضاء وطني واحد، وتنوع المدن والقرى والمداشر، وتعدد اللهجات والثقافات والتقاليد، وتوحد الإحساس بالانتماء إلى وطن واحد.

    ومن هنا، فإن استرجاع وادي الذهب يطرح سؤالا يتجاوز التاريخ: ماذا يعني أن يكون الوطن موحدا؟

    الوحدة الترابية ليست فقط حدودا جغرافية، ولا قضية تستحضر في المناسبات الوطنية فحسب؛ إنها أيضا تنمية وعدالة مجالية ومؤسسات قوية وفرص متكافئة وشعور مشترك بالمواطنة.

    فكلما تقلصت الفوارق بين المجالات، واتسعت فرص التنمية، وتعززت الثقة في المؤسسات، أصبح معنى الوحدة أكثر رسوخا في الحياة اليومية للمواطنين.

    ولذلك فإن أفضل احتفاء بذكرى وادي الذهب هو أن نواصل بناء المغرب الذي يجعل من امتداد جغرافيته مصدر قوة، ومن تنوعه رصيدا، ومن وحدته قاعدة لمستقبل أكثر استقرارا وازدهارا.

    كما أن استحضار هذه المحطة التاريخية يفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتعرف على تاريخ بلادها، ليس باعتباره مجموعة من التواريخ والأحداث، وإنما باعتباره مسارا وطنيا متواصلا، صنعته أجيال وراكمته أخرى، وتتحمل الأجيال الحالية مسؤولية الحفاظ على مكتسباته وتطويرها.

    إن الطريق من أصيلة إلى الداخلة، ومن الداخلة في اتجاه الكويرة، ليس مجرد مسافة تقاس بالكيلومترات، إنه، في رمزيته، خط يصل أطراف الوطن ببعضها، ويمنح الجغرافيا معنى سياسيا وإنسانيا ووطنيا أعمق.

    وعندما نصل في هذه الرحلة المتخيلة إلى أقصى الجنوب، لا تكون الغاية مجرد بلوغ نقطة جغرافية، بل اكتمال المشهد: شمال يلتقي بجنوب، قرية بالمدينة، ساحل بالداخل، ومجالات متعددة تلتقي في وطن واحد.

    تلك هي الصورة التي تستحق أن تستعاد في ذكرى 14 غشت: صورة المغرب الموحد، الممتد من طنجة، وبعدها أصيلة إلى الداخلة، ومن الداخلة في اتجاه الكويرة، وطن تتعدد جغرافياته وتتوحد هويته، وتتجدد فيه مسؤولية الأجيال عن صون الوحدة وبناء المستقبل.

    فالتاريخ يمنحنا الذاكرة، والجغرافيا تمنحنا الامتداد، لكن المستقبل يحتاج إلى العمل.

    ومن هنا، فإن ذكرى استرجاع وادي الذهب ليست فقط مناسبة لاستحضار ما تحقق بالأمس، بل دعوة إلى مواصلة بناء ما نريده غدا: مغربا موحدا، قويا في تنوعه، متماسكا في مجاله، وواثقا في مستقبله.

  • إصلاح الخصم عن الأعباء العائلية بالضريبة على الدخل

    إصلاح الخصم عن الأعباء العائلية بالضريبة على الدخل

    تشكل الجبايات، وضمنها الضرائب، أهم  وأكبر مداخيل ميزانية الدولة. لذلك عوّل عليها المشرع كثيرا من أجل توطيد أدوار الدولة في تحقيق الأمن والاستقرار داخل المجتمع.

    وتتعدد وظائف الضريبة، بين الوظائف السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية، إلا أن ما سنحاول تناوله بهذا الصدد هو هذه الاخيرة، ليس فيما يخص توجيه إنفاقها، وإنما باعتبارها إحدى أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين الخاضعين للضريبة. ونقصد هنا، على وجه التحديد، مفهوم العدالة الجبائية، أي كيفية تحقيق المساواة بين الخاضعين أثناء عملية فرض الضريبة وتحصيلها.

    ويُعد الخصم عن الأعباء العائلية إحدى الآليات الرئيسية لتحقيق هذه الغاية، وقد بلوره المشرع من خلال المادة 74 من المدونة العامة للضرائب، التي تعرضت لعدة تغييرات، كان آخرها بموجب قانون المالية لسنة 2026. وتنص المادة المذكورة على إمكانية خصم مبلغ 600 درهم من الواجب السنوي للضريبة على الدخل عن كل شخص يعيله الخاضع للضريبة، أي عن زوجته، أو عن أولاده أو أولاد غيره الذين يأويهم بصورة شرعية، شريطة ألا يتجاوز عمرهم 27 سنة، وألا يتجاوز دخلهم السنوي المبلغ المعفى من الضريبة على الدخل حسب الأسعار التصاعدية المنصوص عليها في المادة 73 من المدونة ذاتها، أي 40 ألف درهم. غير أن شرط السن لا يسري على المصابين بعاهة تحول دون كسب الموارد اللازمة لعيشهم. هذا وقد حُدد المبلغ الأقصى القابل للخصم من الواجب الضريبي في 3600 درهم، وهو ما يعني أن المشرع، من خلال هذا التسقيف، حصر عدد الأشخاص الذين يمكن للخاضع للضريبة أن يستفيد من الخصم عنهم في ستة أشخاص فقط.

    بهذا المعنى، فإن الدولة تدعم عمليا بمبلغ 50 درهما شهريا كل شخص متزوج أو لديه أطفال أو يتكفل بأشخاص آخرين بطريقة شرعية، بغض النظر عن مستوى دخله، إذ إن هذا الخصم يُعد امتيازا ممنوحا لجميع الأشخاص الذاتيين الخاضعين للضريبة على الدخل. وتضيف المادة 74 أن الخاضعات للضريبة يستفدن كذلك من هذا الخصم، شريطة أن يكنّ منفقات على أزواجهن أو أولادهن، إذا كانت نفقتهم تجب عليهن شرعا.

    في هذا الصدد، سنعمل على عرض 6 اقتراحات لتجويد آلية الخصم هذه، قصد تعزيز بُعد العدالة الجبائية فيها من جهة، وتحقيق مزيد من الضبط لشروط الاستفادة منها، لأجل رفع مردودية الضريبة على الدخل من جهة أخرى.

    ويتعلق الاقتراح الأول باشتراط عدم تجاوز الدخل السنوي الخاضع للضريبة مبلغ 360.000 درهم، أي ما يعادل 30.000 درهم شهريا، للاستفادة من الخصم المذكور؛ إذ إن إقرار هذا الشرط سيساهم في توجيه الدعم الضريبي إلى الفئات التي تستحقه، بدل استفادة ذوي الدخول المرتفعة منه، الأمر الذي لا يتماشى مع فلسفة تشخيص الضريبة على الدخل، التي تهدف أساسا إلى مراعاة القدرة التكليفية للخاضعين، حتى لا يشكل الواجب الضريبي عبئا مرهقا لقدراتهم المالية. فمنح هذا الخصم لجميع الخاضعين للضريبة، دون تمييز على أساس مستوى الدخل، يبدو غير عادل وغير ناجع من الناحية الاجتماعية؛ إذ كيف يُتصور أن تخفض الدولة مبلغ الضريبة على الدخل لفائدة أشخاص من ذوي الدخول المرتفعة. ومن ثم، يثور التساؤل حول مدى جدوى دعم أشخاص من ذوي الدخول المرتفعة بهذا المبلغ، في الوقت الذي قد يتقاضون فيه دخولا شهرية تفوق 30.000 درهم، بل وقد تصل إلى 50.000 درهم أو أكثر.

    هذا و يقترح أيضا ضبط هذا الخصم وعدم جعله وسيلة لخفض الواجبات الضريبية بشكل حاد، أو تصفيرها في حالات عديدة؛ مثل الوضعية التي يكون فيها المبلغ السنوي المستحق للضريبة، على سبيل المثال، 2000 درهم، بالنسبة لخاضع للضريبة متزوج وله ثلاثة أبناء تتوفر فيهم الشروط سالفة الإشارة. ففي هذه الحالة، سؤدي تطبيق الخصم إلى نتيجة سالبة، وبالتالي عدم تادية الخاضع للضريبة.

    وهو ما لا يجسد بصورة فعلية مبدأ المواطنة الضريبية وتحمل التكاليف العمومية التي تتطلبها تنمية البلاد، كما يؤكد على ذلك الفصل 39 من دستور المملكة. لذا، ينبغي في هذا الصدد التنصيص على عدم منح حق الخصم للخاضعين الذين تساوي واجباتهم الضريبية أو تقل عن 1000 درهم، إضافة إلى منع خفض الخصم ذاته للمبالغ المستحقة كضرائب على الدخل إلى ما دون 1000 درهم.

    الى جانب ما تقدم،  يقترح ايضا حصر حق الاستفادة من هذا الخصم بالنسبة إلى الأشخاص الذاتيين في واجب ضريبي واحد، دون إمكانية تمتيعهم به بشأن واجبات أخرى ضمن الضريبة على الدخل؛ ذلك أن الخصم المذكور أُقرّ أساسا بهدف تخفيف العبء الضريبي على الأشخاص الذاتيين. فلا يتصور، بهذا الصدد، أن تتحول هذه الآلية من أداء هذا الدور إلى لعب دور سلبي يتجسد في تخفيض مردودية الضريبة على الدخل لفائدة أشخاص متعددِي الدخول.

     ويُقترح على جانب اخر، ضم فئة المكفولين في إطار أسر الخاضعات للضريبة إلى قائمة الأشخاص الذين يمكن أن تستفيد الخاضعة من الخصم عنهم، على غرار أولادهن من أصلابهن. وذلك لرفع الحيف عن الخاضعات المنفقات على أسرهن التي تضم مكفولين، لاجل إحداث انسجام وتكامل بين قواعد الخصم المتعلقة بالخاضعين من الرجال وتلك المتعلقة بالخاضعات من النساء في إطار المادة 74 من المدونة المذكورة، تجسيدا لمبدأ المساواة بين الجنسين، باعتباره أحد ركائز العدالة الجبائية والاجتماعية.

    وعلاوة على ذلك، تُرى  ضرورة توضيح شروط الخصم بالنسبة إلى الخاضعة المتزوجة فيما يخص زوجها؛ في ظل الابهام الذي يطبع الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 74 سالفة بخصوص شروط منح حق الخصم ذاك، حيث تحيل هذه المادة الشروط المتعلقة بهذا الصدد إلى الشرع، أي الشريعة الإسلامية، إلا أن ذلك قد يخلق تفسيرات مختلفة، من شأنها الإضرار بمبدأ الأمن القانوني الذي يتطلب وضوح ومقروئية النص القانوني، وضمنه الضريبي.

    لذا، يُقترح في هذا الإطار، اعتماد شرطين محددين؛ أولهما يتعلق بعدم قدرة الزوج على العمل، وينبغي إثبات ذلك بشهادة طبية صادرة عن طبيب مختص بالحالة الصحية للمعني بالأمر، تُرفق بالإقرار السنوي بالضريبة من طرف الخاضعة أو من يحجز الضريبة عنها. كما يتوجب تقديم الشهادة الطبية المذكورة كل خمس سنوات، مع إمكانية إحالة الادارة الضريبية الزوج إلى مستشفى عمومي قصد التحقق من حالته الصحية.

    أما الشرط الثاني، فيخص عدم تجاوز الدخل السنوي للزوج مبلغ 40.000 درهم من جهة، وألا يكون خاضعا بأي شكل من الأشكال للضريبة على الدخل بصورة متصلة تحت أي صنف من أصناف الدخولمن جهة اخرى. وينبغي أن تدلي الخاضعة، أو من يحجز الضريبة عنها في اطار الإقرار السنوي لدخلها، بشهادة تثبت عدم خضوع الزوج للضريبة على الدخل. كما ينبغي إلزام الخاضعة بإبلاغ الإدارة فورا بأي مستجد من شأنه إسقاط حقها في الخصم، تحت طائلة استرجاع الإدارة للمبالغ التي سبق خصمها لفائدتها بصورة غير مشروعة.

    باحث في القانون العام (*)

  • “البام” في عامه الـ18.. من “العمل والأمل” إلى صناعة مستقبل أجمل

    “البام” في عامه الـ18.. من “العمل والأمل” إلى صناعة مستقبل أجمل

    يحتفل حزب الأصالة والمعاصرة، في الثامن من غشت 2026، بالذكرى الثامنة عشرة لتأسيسه، في محطة لا تختزل في استحضار تاريخ ميلاد حزب سياسي، بقدر ما تشكل مناسبة للاحتفاء بمسار سياسي وتنظيمي راكم، على مدى ما يقارب عقدين من الزمن، تجارب ومحطات وتحديات ونجاحات، ونسج علاقات إنسانية وسياسية مع المواطنات والمواطنين في مختلف ربوع المملكة.

    ثمانية عشر عاما مرت منذ أن اختارت أطر وفعاليات من تجارب وآفاق متعددة أن تلتقي حول مشروع سياسي جديد، انطلق من قراءة للتحولات التي كان يعيشها المغرب خلال العشرية الأولى من الألفية الجديدة، ومن قناعة بأهمية مواصلة الإصلاحات المهيكلة التي عرفتها البلاد تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وتعزيز الاختيار الديمقراطي والحداثي، وتطوير الممارسة السياسية بما يجعل الأحزاب أكثر قدرة على مواكبة المجتمع وتحولاته وانتظارات أجياله الجديدة.

    ففي الثامن من غشت 2008، تأسس حزب الأصالة والمعاصرة على أرضية وعي واقتناع بأهمية التحولات التي عرفتها بلادنا، وبالحاجة إلى إسهام سياسي جديد في تعزيز البناء الديمقراطي، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، والانفتاح على كفاءات وطاقات وفعاليات من مشارب وتجارب مختلفة.

    وكان من بين الرهانات التي حملها المشروع منذ بدايته الإسهام في معالجة مظاهر العزوف السياسي، واستعادة الثقة في المؤسسات، وتشجيع المشاركة السياسية للنساء والشباب، وتوسيع دائرة الانخراط في الحياة العامة، إلى جانب مواجهة عدد من التحديات التي كانت ولا تزال مطروحة أمام مسار التنمية وترسيخ دولة الحق والقانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة والتقليص من التفاوتات الاجتماعية والمجالية.

    كما لم يكن هذا التصور منفصلا عن مسار الإصلاحات الوطنية الكبرى، ولا عن النقاشات التي أثارتها تقارير مرجعية، وفي مقدمتها تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، بما حملاه من خلاصات وتوصيات حول بناء دولة المؤسسات وتعزيز الديمقراطية والعدالة والإنصاف.

    لكن قيمة أي تجربة سياسية لا تكمن فقط في ما حملته لحظة التأسيس من أفكار، وإنما في قدرتها على الاستمرار والتطور والتكيف مع تحولات المجتمع.

    ومن هذه الزاوية، فإن ثمانية عشر عاما من عمر الأصالة والمعاصرة هي قبل كل شيء 18 سنة من التحدي والوفاء؛ تحديات واجهها الحزب في مراحل مختلفة، ووفاء لفكرة الانخراط في الحياة السياسية، ووفاء للمواطنات والمواطنين الذين منحوا الحزب ثقتهم، ووفاء لمناضلات ومناضلين وفاعلين آمنوا بأن السياسة يمكن أن تكون فضاء للعمل والبناء وخدمة الصالح العام.

    فالسياسة لا تبنى فقط داخل المؤسسات، وإنما تبنى أيضا في الشوارع والأحياء والقرى والمدن، وفي اللقاءات المباشرة مع المواطنين، وفي القدرة على الإنصات إلى انشغالاتهم، وفي تحويل انتظاراتهم إلى أفكار وبرامج ومبادرات.

    ولهذا، فإن مسيرة الأصالة والمعاصرة هي كذلك قصة آلاف اللقاءات والحوارات والمبادرات، وقصة نساء ورجال وشباب اختاروا الانخراط في الشأن العام، وقصة مناطق ومدن وأحياء فتحت أبوابها للحزب، واختلفت معه أحيانا، وساندته أحيانا أخرى، لكنها ظلت جزءا من النقاش السياسي الذي يشكل جوهر الديمقراطية.

    وفي هذا السياق؛ نتوجه بالشكر والتقدير لكل سكان المناطق والمدن، ولكل المواطنات والمواطنين الذين تقاسموا معنا الطريق، واختلفوا معنا، وساندونا، وواصلوا المسير معنا.

    هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة في حساب السياسة، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع التراكم، وتمنح العمل الحزبي معناه الإنساني والمجتمعي.

    وبعد ثمانية عشر عاما، يظل السؤال المركزي هو: كيف يمكن مواصلة بناء الثقة في السياسة؟.

    الثقة ليست مفهوما مجردا، ولا تقاس فقط بعدد الأصوات أو المقاعد الانتخابية، إنها علاقة يومية بين المواطن والمؤسسة، وبين الناخب والمنتخب، وبين الشباب والأحزاب، وبين المجتمع والسياسة.

    وهي ثقة تبنى حين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن مطالبه تجد طريقها إلى المؤسسات، وأن المنتخب قريب منه، وأن السياسة قادرة على تقديم حلول حقيقية لمشاكله.

    وتزداد أهمية هذا الرهان عندما يتعلق الأمر بالشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر ارتباطا بأسئلة المستقبل، والأكثر حساسية تجاه الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيش.

    فالشاب المغربي اليوم لا يريد فقط أن يسمع وعودا عن المستقبل؛ بل يريد أن يعرف كيف سيصل إليه، وما الذي يمكن أن يتغير فعليا في حياته، وما الذي يمكن أن تمنحه له المؤسسات من فرص للتعليم والتكوين والعمل والمشاركة وتحقيق الذات.

    لكن هذه الانتظارات، مهما كانت كبيرة، لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر لليأس أو التشاؤم.

    وهنا تكتسب التوجيهات الملكية الداعية إلى مواجهة التيئيس وتعزيز الثقة في المستقبل دلالتها العميقة.

    فالمغرب، كما تؤكد مختلف محطات مسيرته، لم يكن بلدا يستسلم للصعوبات، بل استطاع أن يحول كثيرا من التحديات إلى أوراش للإصلاح والتنمية، وأن يواصل بناء مؤسساته وتعزيز بنياته الاقتصادية والاجتماعية، في ظل رؤية استراتيجية جعلت من التنمية والتحديث والاستقرار رهانات متواصلة.

    ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف بالتحديات لا يعني الاستسلام لها، وانتقاد الاختلالات لا ينبغي أن يتحول إلى جلد للذات، والاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك في قدرة الوطن على التقدم.

    فثمة فرق كبير بين النقد الذي يفتح الطريق نحو الإصلاح، والخطاب الذي يغلق أبواب الأمل.

    ولعل إحدى أهم الرسائل التي ينبغي استحضارها اليوم هي تلك التي تؤكد المكانة المركزية للشباب في بناء مغرب المستقبل.

    لقد أبرز جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة أن الشباب المغربي، حين تتوفر له الظروف المناسبة ويتسلح بالجد والوطنية، قادر على تحقيق إنجازات كبيرة، وأن طاقاته تمثل رصيدا حقيقيا للمملكة.

    وليس صدفة أن تتحول إنجازات الشباب المغربي في مجالات مختلفة إلى مصدر فخر وطني؛ من الرياضة إلى الثقافة والابتكار والمقاولة والعلوم وغيرها، وهي نماذج تؤكد أن المشكلة ليست في غياب الطاقات، وإنما في ضرورة توفير المزيد من فضاءات التمكين والفرص والإمكانات أمامها.

    ومن هنا، فإن الرهان على الشباب داخل حزب الأصالة والمعاصرة لا ينبغي أن يكون مجرد رهان تنظيمي أو انتخابي، بل هو رهان على المستقبل نفسه.

    فالانتقال المطلوب اليوم هو من إشراك الشباب إلى تمكينهم، ومن الاستماع إليهم إلى الثقة في قدراتهم، ومن الحديث عن المستقبل إلى إشراكهم فعليا في صناعته.

    وإذا كان بعض الشباب يشعر أحيانا بأن المستقبل بعيد أو أن الفرص محدودة، فإن مسؤولية السياسة هي أن تجعل هذا المستقبل أقرب، وأن تحول الطموحات إلى سياسات، والأفكار إلى برامج، والبرامج إلى نتائج ملموسة.

    ومن هنا أيضا ينبغي النظر إلى بعض الظواهر التي تعكس إحساسا بالإحباط أو البحث عن أفق آخر، لا باعتبارها سبباً لليأس، وإنما باعتبارها دعوة إلى مضاعفة العمل.

    فالشباب الذين يتطلعون إلى حياة أفضل يرسلون، قبل كل شيء، رسالة مفادها أنهم يريدون مستقبلا أفضل.

    والسياسة الناجحة هي التي تستطيع أن تحول هذا الطموح إلى طاقة للبناء، وأن تجعل من الوطن فضاء لتحقيق الأحلام، لا مجرد مكان للإقامة.

    فالأمل الحقيقي ليس تجاهلا للمشاكل، وإنما هو القدرة على النظر إليها بعين المسؤولية والثقة في إمكانية تجاوزها.

    وهنا يمكن للخطاب السياسي أن يؤدي دورا أساسيا: أن يكون صريحا في تشخيص التحديات، لكنه متفائل في تقديم الحلول؛ أن ينتقد حين يكون النقد ضروريا، لكنه لا يزرع الإحباط؛ وأن يفتح النقاش حول ما ينقصنا، دون أن يغفل ما راكمناه من مكتسبات.

    إن المغرب الذي تغير كثيرا خلال السنوات الثماني عشرة الماضية ليس هو مغرب سنة 2008؛ فقد تطورت بنياته التحتية، وتوسعت أوراشه الاقتصادية والاجتماعية، وتغيرت المدن والمجالات الترابية، وبرزت أجيال جديدة أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والمعرفة والانفتاح على العالم.

    وإذا كانت هناك اختلالات وتحديات، فإن وجودها لا يلغي ما تحقق، بل يجعل مواصلة الإصلاح أكثر ضرورة. فما تحقق ليس نهاية الطريق، وما لم يتحقق بعد ليس مستحيلا.

    وهذه ربما تكون أفضل طريقة لمواجهة خطاب التيئيس: أن نقول بوضوح إن هناك الكثير مما ينبغي إنجازه، لكن هناك أيضا الكثير مما يمكن البناء عليه.

    وتأتي الذكرى الثامنة عشرة لتأسيس الأصالة والمعاصرة في سياق سياسي بالغ الأهمية، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

    وهذه المحطة لا ينبغي أن تكون مجرد سباق انتخابي على المقاعد، بل فرصة لتجديد النقاش حول مستقبل البلاد، وتقديم برامج واقعية وطموحة، وإعادة السياسة إلى موقعها الطبيعي باعتبارها وسيلة للتعبير عن انتظارات المواطنين وصناعة الحلول.

    والمطلوب أن تكون المنافسة الانتخابية مناسبة لترسيخ الأمل، لا لتوسيع دائرة التشاؤم؛ وأن تقدم السياسة باعتبارها مجالا للتنافس حول الأفضل، لا مجرد فضاء لتبادل الاتهامات.

    كما أن مسؤولية الأحزاب تتمثل في إقناع المواطن بأن صوته قادر على صناعة الفرق، وأن المشاركة الانتخابية ليست مجرد واجب، وإنما إحدى أهم أدوات بناء المستقبل.

    ومن هنا، فإن الاستحقاقات المقبلة ينبغي أن تكون أيضا مناسبة لتقديم أجوبة واضحة عن قضايا الشباب، والتشغيل والتعليم والصحة والسكن والعدالة المجالية والاستثمار والرقمنة، وعن كيفية جعل التنمية أكثر حضورا في حياة المواطن اليومية.

    ولعل شعار المؤتمر الوطني الخامس لحزب الأصالة والمعاصرة، “العمل والأمل”، يكتسب في هذه اللحظة دلالة خاصة.

    فهو ليس مجرد شعار تنظيمي أو عبارة انتخابية، وإنما يمكن أن يكون فلسفة كاملة للمرحلة المقبلة.

    العمل لأن الأمل من دون إنجاز يفقد معناه، والأمل لأن العمل من دون رؤية للمستقبل يتحول إلى مجرد تدبير للحاضر؛ وبين الاثنين توجد الثقة… الثقة في المؤسسات، والثقة في الشباب، والثقة في الكفاءات، والثقة في قدرة الأحزاب على التطور، والثقة قبل ذلك كله في قدرة المغرب على مواصلة مسيرته.

    وهنا يمكن لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو يطوي عامه الثامن عشر ويفتح صفحة عامه التاسع عشر، أن يستفيد من تجربته المتراكمة لبناء مرحلة جديدة؛ مرحلة أكثر انفتاح، وأكثر قربا، وأكثر قدرة على الإنصات، وأكثر ثقة في الطاقات الجديدة.

    فالحزب الذي راكم تجربة تمتد على مدى ثمانية عشر عاما يستطيع أن ينظر إلى المستقبل بثقة أكبر، وأن يجعل من كل تحد فرصة للتطور، ومن كل اختلاف مناسبة للتعلم، ومن كل نجاح لبنة في بناء نجاح أكبر.

    إن الاحتفاء بثمانية عشر عاما من عمر الأصالة والمعاصرة لا ينبغي أن يكون مناسبة للوقوف طويلا عند الماضي، وإنما فرصة لاستحضار ما تحقق واستشراف ما هو قادم.

    ثمانية عشر عاما مضت بما حملته من تحديات وتجارب ومحطات ونجاحات، لكن الطريق ما زال مفتوحا أمامنا.

    ومادام هناك عمل، ومادام هناك شباب يؤمن ببلده، ومادامت هناك إرادة للإصلاح والبناء، فإن الأمل سيظل أقوى من الصعوبات.

    فالمغرب الذي استطاع خلال العقود الماضية أن يراكم أوراشا وإصلاحات ومشاريع كبرى، قادر على أن يواصل المسيرة بثقة، وأن يفتح أمام أجياله الجديدة آفاقا أوسع.

    وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الشباب: لا تجعلوا الصعوبات تختصر صورة الوطن، ولا تسمحوا للتحديات بأن تحجب ما يمكن أن يكون عليه المستقبل، فالوطن لا يبنى بالتشاؤم، ولا يتقدم بالتيئيس، وإنما بالعمل والثقة والمشاركة والإيمان بأن الأفضل ممكن.

    وبعد ثمانية عشر عاما من التأسيس، فإن التحدي الحقيقي أمام الأصالة والمعاصرة، كما أمام مختلف الفاعلين السياسيين، ليس فقط كم سنة مضت، وإنما كم مقدارا من الثقة استطعنا أن نبني، وكم مساحة من الأمل استطعنا أن نفتح أمام الأجيال القادمة.

    وفي الذكرى الثامنة عشرة، ليست الرسالة أن كل شيء تحقق، وإنما أن الكثير تحقق، والكثير ما زال ممكنا.

    إنها ذكرى للتحدي والوفاء، لكنها قبل ذلك مناسبة للنظر إلى الأمام.

    بالعمل نصنع الفرق، وبالأمل نصنع المستقبل.. والقادم أجمل بإذن الله.

    رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة (*)

  • رسوم التوقيت الميسر.. الإصلاح لا يحتمل المزايدات الشعبوية

    رسوم التوقيت الميسر.. الإصلاح لا يحتمل المزايدات الشعبوية

    في الوقت الذي تستعد فيه العديد من الجامعات المغربية لاستقبال موسم جامعي جديد، متميز بتحولات جذرية تصب في اتجاه الرفع من جودة التكوين، وتنويع العرض الجامعي، وتخفيف الضغط على المؤسسات الجامعية، كي نوفر للطالب إمكانية متابعة دراسته الأكاديمية في ظروف أفضل وأكثر إيجابية، نفاجأ اليوم بانطلاق سجال آخر يستهدف، في عمقه، نسف كل هذه المجهودات وإفراغها من محتواها، خدمةً لأجندات سياسوية يغيب عنها الحس الوطني النبيل الذي يقدم المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.

    هو سجال يحاول أن يتمظهر بلبوس الدفاع عن الجامعة، لكنه في الحقيقة مجرد مزايدات شعبوية غير مسؤولة، تحاول اللعب على حبل قطاع هام، ذي حساسية مفرطة ورهانات مجتمعية كبيرة، ألا وهو قطاع التعليم العالي، الذي يحتاج إلى تعبئة وطنية واسعة يشارك فيها الجميع بروح من المسؤولية والموضوعية، وبعيدًا عن دغدغة العواطف، خدمةً لرهانات ظرفية تسمو عليها مصلحة الوطن وقضاياه الاستراتيجية الكبرى.

    في هذا الإطار، أود التأكيد، على أن النقاش الذي صاحب إقرار واجبات التسجيل المرتبطة بالتكوين وفق صيغة التوقيت الميسر، والخاصة بالموظفين وأجراء القطاع الخاص، هو نقاش موجَّه ويتضمن العديد من المغالطات، وبالتالي فهو بعيد جدًا عن المبررات الموضوعية التي أدت إلى إقراره، ويحتاج منا، كمسؤولين عن إدارة المؤسسات الجامعية، توضيح كل الملابسات التي صاحبته ، وتمكين الرأي العام من المعطيات الحقيقية، التي تسمح ببناء موقف موضوعي مسؤول وبعيد عن كل الخلفيات.

    وقبل ذلك، أؤكد مرة أخرى أن البلاغ التوضيحي الذي صدر عن منتدى رؤساء الجامعات، باعتباره أعلى جهاز لتنسيق عمل الجامعات، أحدثه القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي (59.24) بهذا الخصوص، فيه من المعطيات ما يغني عن أي إضافات. وحسبي، في هذه الورقة التفاعلية، أن أعود إلى بعض النقط التي أرى أنها جديرة بالتوضيح والبيان.

    نقط أوردها كالتالي:

    • ليس في هذا القرار أي ضرب لمجانية التعليم في السلك العالي، كما أُريد الترويج لذلك عمدًا ، على اعتبار أن مجانية هذه الرسوم ستستمر سارية في حق كل الطلبة الذين لا دخل لهم، والذين لا ينتمون إلى واحدة من الفئتين المعنيتين بالقرار، وهما فئة الموظفين ثم أجراء القطاع الخاص.
    • نظام التكوين بالتوقيت المستمر نظام معمول به في أغلب الجامعات بالعالم، في فرنسا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وبالتالي فهو ليس انفرادًا مغربيًا، كما جاء في بعض الادعاءات، بل نظام كان من المفروض العمل به منذ زمن، ما دامت غايته تجويد مستوى التكوين، وإعطاء قيمة للشواهد الجامعية، وضمان مبدأ الدراسة مدى الحياة.
    • من المفارقات التي سكتت الادعاءات عن توضيحها هي أن الأداء مقابل التكوين كان معمولًا به في المغرب، وما يزال إلى حد الآن، في إطار ما يعرف بالتكوين المستمر، لكن مشكلة هذا النوع من التكوين أن الطالب لا يتوج فيه، إلا بشهادة جامعية، تسلَّم إليه من المؤسسة التي درس بها بعد سنوات الدراسة، والقانون لا يخوله الارتكاز عليها لمواصلة باقي مساراته الدراسية في المستويات العليا في التخصص الذي اختاره للتكوين إذ القانون يشترط في هذه الحالة ضرورة التوفر على شهادة وطنية. ومع الأسف، أن العديد من المتكونين كانوا لا يعلمون بهذا الشرط إلا بعد فوات الأوان، وهذا فيه ما فيه من الإجحاف الذي كان يتطلب التصحيح، وهو ما يسعى إليه التكوين المستمر اليوم، إنصافًا للمتكونين ورفعًا من قيمة الشواهد التي سيحصلون عليها.
    • من الإيجابيات التي يجب التنويه بها في إطار هذا النظام الجديد، ما يمكن تسميته بالحق في الدراسة مدى الحياة، بمعنى أن كل مواطن، موظفًا أو أجيرًا، سيكون من حقه معاودة استكمال مساره الدراسي في المستويات العليا، متى تحققت فيه الشروط التي يتطلبها المسلك الذي يختاره، وهو مطمئن إلى قوة الشهادة التي سيحصل عليها.
    • القول بأن هذا النظام سيؤدي إلى مقايضة أو بيع الشهادة مقابل الأداء، يستبطن، في ظني، أعلى درجات التغليط والانتهازية والشعبوية، لأسباب ذكرنا بعضها في النقطة السابقة، ونضيف إليها أن شهادة الدكتوراه ليست شهادة عادية، وهي في أصلها شهادة لا تُقدَّر بثمن لمن عرف قدرها. وبالتالي، نؤكد أن الطلبة من غير المنتمين إلى فئة الموظفين والأجراء معفون منها قانونًا، ولكنها واجبة على المنتمين إلى إحدى هاتين الفئتين. مع الإشارة إلى أن الشهادة لن ينالها إلا المستحق لها عن جدارة واستحقاق، ووفق طرق التقييم المقررة قانونًا، سواء كان التكوين بالأداء أو بدونه. فلا مزايدة في الشهادات، التي لن تمس قيمتها بأي شكل من الأشكال.
    • كما سبقت الإشارة، نوضح أن الغاية من فرض هذه الرسوم هي الرفع من جودة التكوين، على اعتبار أن قسطًا من المداخيل سيوجَّه إلى تجهيز المؤسسات الجامعية ومختبرات البحث فيها بكل ما يلزم من معدات لوجستيكية مساعدة على الرفع من جودة التكوين (حواسيب، لوحات إلكترونية، مراجع ورقية، برمجيات…) وغيرها من اللوازم التي سيستفيد منها، في آن واحد، كل من الطالب المعفى (غير القادر على الأداء) والطالب المؤدي، في إطار نوع من التضامن الطلابي وخدمة للمشروع الجماعي الناجح وذي الجودة.
    • معنى أن التكوين سيكون ميسرًا هو صياغة أجندات زمنية مناسبة لفئتي الموظفين والأجراء، بحيث لا تتأثر التزاماتهم المهنية مع نظيرتها العلمية، بحيث إن غاية هذا التكوين هي تحقيق نوع من الملاءمة المريحة بين واجب الحضور الفعلي بمقرات العمل وواجب الحضور الفعلي بقاعات الدراسة. وعلى هذا الأساس، ستكون حصص التكوين المستمر مبرمجة حصريًا لفائدة الموظفين والأجراء في المساء وأيام السبت والأحد، مما يعني بذل جهد خاص وتعبئة إضافية من السادة الأساتذة والأطر الإدارية، لا بد أن تقابلها محفزات مستحقة سيتم تأمينها من مداخيل هذه الرسوم.
    • من الحري ذكره، في إطار مطلب التوضيح هذا، وجود صيغ مقترحة تناسب بعض الوضعيات الخاصة، على شاكلة تسهيلات في الأداء، أو التخفيض من قيمة الرسوم في حالة كان الأجر المصرح به دون الحد الأدنى للأجور.

    يتبين إذن أن قرار واجب التسجيل على التكوين المستمر قرار متكامل ومدروس بعناية فائقة، له أهداف بيداغوجية سامية، ستكون في صالح الطالب والموظف والأجير، غايته الرفع من جودة التكوين والحفاظ على قوة الشهادات. وهو قرار مندرج في إطار منهجية الإصلاح الشامل التي تستهدف كل مكونات البحث الجامعي.

    فهو مشروع وطني مترفع عن كل الاعتبارات، وعلى هذا الأساس، فمن المفروض أن يبقى في منأى عن المزايدات السياسوية والتطاحنات الانتخابية الظرفية.

    عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة*

  • الهجرة الجماعية للشباب المغربي.. ليست أزمة حدود بل أزمة أمل

    الهجرة الجماعية للشباب المغربي.. ليست أزمة حدود بل أزمة أمل

    مرة أخرى، تعيد إلينا مشاهد محاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة طرح السؤال الذي يتكرر كلما شهد المغرب مثل هذه الأحداث: هل نحن أمام أزمة مرتبطة بشبكات الاتجار بالبشر والإشاعات التي تروجها، أم أمام تعبير صامت عن أزمة أعمق يعيشها جزء من الشباب المغربي؟

    في اعتقادي، سيكون من الخطأ اختزال هذه الظاهرة في بعدها الأمني أو القانوني فقط. فالمقاربة الأمنية ضرورية لمواجهة شبكات التهريب وحماية الأرواح، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع آلاف الشباب، بل وحتى القاصرين، إلى المجازفة بحياتهم من أجل مستقبل مجهول.

    إن ما وقع ليس أزمة حدود، بل هو في العمق أزمة أمل.

    عندما يصبح الأمل سلعة نادرة

    تشير أحدث المعطيات إلى أن حوالي 2.7 مليون شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة يوجدون خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل. وهذا الرقم لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مؤشر إحصائي، بل باعتباره تحديًا استراتيجيًا يمس مستقبل النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والاستقرار.

    فكل شاب يشعر بأنه خارج دائرة الفرص هو مشروع إحباط، وإذا تراكم الإحباط يتحول إلى فقدان للثقة، وإذا غابت الثقة أصبح البحث عن أي منفذ، ولو كان محفوفًا بالمخاطر، خيارًا يبدو في نظر البعض أكثر واقعية من انتظار فرصة قد لا تأتي.

    لماذا لا يشعر المواطن بثمار النمو؟

    المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن الاقتصاد المغربي يحقق اليوم مؤشرات إيجابية مقارنة بسنوات الجفاف والأزمات الدولية. فقد سجل الاقتصاد الوطني نموًا يقارب 4.9% خلال السنة الماضية، بينما تتوقع المؤسسات الوطنية والدولية استمرار هذا المنحى خلال سنة 2026.

    لكن النمو الاقتصادي لا يكتسب قيمته من نسبته المئوية، بل من أثره المباشر على حياة المواطنين.

    فإذا لم يتحول النمو إلى فرص شغل، وتحسن في الدخل، وتقليص للفوارق، وتعزيز للطبقة المتوسطة، فإنه سيظل رقمًا إيجابيًا في التقارير، لكنه لن يغير نظرة الشباب إلى المستقبل.

    وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نحول النمو إلى تنمية يشعر بها المواطن؟

    سوق الشغل تغير.. بينما السياسات لم تواكب

    يشهد المغرب اليوم تحولًا غير مسبوق في علاقة الشباب بسوق العمل.

    فالكثير من الشباب لم يعودوا يقبلون العمل في قطاعات الفلاحة أو البناء أو الصناعة التقليدية أو بعض أنشطة السياحة، ليس رفضًا للعمل، وإنما بسبب ضعف الأجور، وطول ساعات العمل، وغياب ظروف العمل اللائق.

    في المقابل، أصبحت تطبيقات الاقتصاد الرقمي توفر للشباب مرونة أكبر ودخلًا أفضل نسبيًا، حتى وإن كانت بدورها تطرح إشكالات مرتبطة بالحماية الاجتماعية والاستقرار المهني.

    وهذا التحول يفرض مراجعة عميقة لسياسات التشغيل، لأن المشكلة لم تعد فقط في عدد مناصب الشغل، بل في جودة هذه المناصب أيضًا.

    المدرسة وسوق الشغل.. فجوة ما تزال قائمة

    من أكبر الاختلالات التي نعيشها اليوم استمرار الهوة بين مخرجات التعليم وحاجيات الاقتصاد. فالعديد من المقاولات تشتكي من نقص الكفاءات، بينما يشتكي آلاف الخريجين من البطالة.

    هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست دائمًا في عدد الخريجين، وإنما في طبيعة التكوين، وضعف إتقان اللغات، ونقص المهارات الرقمية والحياتية، وعدم مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي.

    ولهذا فإن إصلاح المدرسة والجامعة أصبح اليوم إصلاحًا اقتصاديًا بقدر ما هو إصلاح تربوي.

    التمويل.. الحلقة التي ما تزال مفقودة

    لا يمكن الحديث عن ريادة الأعمال دون الحديث عن التمويل، فقد أطلقت الدولة برامج مهمة مثل “انطلاقة” و”فرصة” و”أوراش”، وهي مبادرات تعكس إرادة حقيقية لدعم الشباب، غير أن الواقع يكشف أن عدداً كبيراً من حاملي المشاريع يصطدمون بعراقيل إدارية وبصعوبة الولوج إلى التمويل.

    فالقطاع البنكي ما يزال يعتمد بشكل كبير على منطق الضمانات التقليدية، بينما يحتاج الشباب إلى مؤسسات تؤمن بالفكرة والمشروع أكثر مما تؤمن بالعقار والضمانات.

    بدون إصلاح منظومة التمويل، ستظل آلاف الأفكار حبيسة الأدراج.

    التنمية لا يمكن أن تبقى محصورة في ثلاث جهات

    من القضايا التي تستحق النقاش أيضًا استمرار التفاوتات المجالية.

    فجزء كبير من الاستثمارات وفرص الشغل يتركز في محور طنجة–الرباط–الدار البيضاء، بينما تعاني جهات عديدة من محدودية المشاريع وفرص الإدماج الاقتصادي، وبالتالي، لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية دون عدالة مجالية.

    إن الجهوية المتقدمة ينبغي أن تتحول من إطار مؤسساتي إلى سياسة اقتصادية تمنح لكل جهة القدرة على خلق الثروة واستقطاب الاستثمار وتوفير فرص الشغل لشبابها.

    مواقع التواصل.. عندما يُسوَّق الوهم

    لا يمكن تجاهل الدور الذي أصبحت تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل أحلام الشباب.

    ففي الوقت الذي تُعرض فيه صور الرفاهية والسيارات الفاخرة والحياة المثالية في الخارج، يغيب الحديث عن المعاناة اليومية لعدد كبير من المهاجرين، وعن العمل الشاق، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الاندماج، والهشاشة القانونية التي يعيشها المهاجر غير النظامي.

    إن تقديم صورة متوازنة للهجرة أصبح ضرورة لحماية الشباب من الوقوع في فخ الوهم.

    المسؤولية مشتركة

    ليس من الإنصاف تحميل المسؤولية للحكومة وحدها، كما أنه ليس من الواقعية تحميلها للأسر فقط، فالمسؤولية اليوم جماعية.

    الدولة مطالبة بتسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، والمدرسة مطالبة بإعداد كفاءات المستقبل، والجامعة مطالبة بربط التكوين بالاقتصاد، والقطاع الخاص مطالب بالاستثمار في الرأسمال البشري، والأبناك مطالبة بتطوير أدوات التمويل، والأسرة مطالبة باستعادة دورها التربوي، والإعلام ومنصات التواصل مطالبان بنشر ثقافة الأمل والعمل بدل ثقافة الوهم والثراء السريع.

    المغرب الذي نريده

    إن بناء مغرب المستقبل لا يتحقق فقط بالطرق السيارة، والموانئ، والمناطق الصناعية، مهما كانت أهميتها، بل يتحقق أيضًا ببناء الإنسان.

    فالشباب لا يطالب بالمستحيل، وإنما يطالب بفرصة عادلة، وتعليم جيد، وعمل كريم، وأفق واضح يشعره بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه.

    وعندما يصبح الوطن قادرًا على منح الأمل، ستتراجع تلقائيًا رغبة الشباب في البحث عنه خلف البحر.

    ولهذا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس فقط الحد من الهجرة غير النظامية، بل إعادة بناء الثقة بين الشباب ووطنهم.

    وهذه، في تقديري، هي المعركة التنموية الكبرى التي ينبغي أن نكسبها خلال السنوات المقبلة.