“البام” في عامه الـ18.. من “العمل والأمل” إلى صناعة مستقبل أجمل

كُتب بواسطة

في

يحتفل حزب الأصالة والمعاصرة، في الثامن من غشت 2026، بالذكرى الثامنة عشرة لتأسيسه، في محطة لا تختزل في استحضار تاريخ ميلاد حزب سياسي، بقدر ما تشكل مناسبة للاحتفاء بمسار سياسي وتنظيمي راكم، على مدى ما يقارب عقدين من الزمن، تجارب ومحطات وتحديات ونجاحات، ونسج علاقات إنسانية وسياسية مع المواطنات والمواطنين في مختلف ربوع المملكة.

ثمانية عشر عاما مرت منذ أن اختارت أطر وفعاليات من تجارب وآفاق متعددة أن تلتقي حول مشروع سياسي جديد، انطلق من قراءة للتحولات التي كان يعيشها المغرب خلال العشرية الأولى من الألفية الجديدة، ومن قناعة بأهمية مواصلة الإصلاحات المهيكلة التي عرفتها البلاد تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وتعزيز الاختيار الديمقراطي والحداثي، وتطوير الممارسة السياسية بما يجعل الأحزاب أكثر قدرة على مواكبة المجتمع وتحولاته وانتظارات أجياله الجديدة.

ففي الثامن من غشت 2008، تأسس حزب الأصالة والمعاصرة على أرضية وعي واقتناع بأهمية التحولات التي عرفتها بلادنا، وبالحاجة إلى إسهام سياسي جديد في تعزيز البناء الديمقراطي، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، والانفتاح على كفاءات وطاقات وفعاليات من مشارب وتجارب مختلفة.

وكان من بين الرهانات التي حملها المشروع منذ بدايته الإسهام في معالجة مظاهر العزوف السياسي، واستعادة الثقة في المؤسسات، وتشجيع المشاركة السياسية للنساء والشباب، وتوسيع دائرة الانخراط في الحياة العامة، إلى جانب مواجهة عدد من التحديات التي كانت ولا تزال مطروحة أمام مسار التنمية وترسيخ دولة الحق والقانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة والتقليص من التفاوتات الاجتماعية والمجالية.

كما لم يكن هذا التصور منفصلا عن مسار الإصلاحات الوطنية الكبرى، ولا عن النقاشات التي أثارتها تقارير مرجعية، وفي مقدمتها تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، بما حملاه من خلاصات وتوصيات حول بناء دولة المؤسسات وتعزيز الديمقراطية والعدالة والإنصاف.

لكن قيمة أي تجربة سياسية لا تكمن فقط في ما حملته لحظة التأسيس من أفكار، وإنما في قدرتها على الاستمرار والتطور والتكيف مع تحولات المجتمع.

ومن هذه الزاوية، فإن ثمانية عشر عاما من عمر الأصالة والمعاصرة هي قبل كل شيء 18 سنة من التحدي والوفاء؛ تحديات واجهها الحزب في مراحل مختلفة، ووفاء لفكرة الانخراط في الحياة السياسية، ووفاء للمواطنات والمواطنين الذين منحوا الحزب ثقتهم، ووفاء لمناضلات ومناضلين وفاعلين آمنوا بأن السياسة يمكن أن تكون فضاء للعمل والبناء وخدمة الصالح العام.

فالسياسة لا تبنى فقط داخل المؤسسات، وإنما تبنى أيضا في الشوارع والأحياء والقرى والمدن، وفي اللقاءات المباشرة مع المواطنين، وفي القدرة على الإنصات إلى انشغالاتهم، وفي تحويل انتظاراتهم إلى أفكار وبرامج ومبادرات.

ولهذا، فإن مسيرة الأصالة والمعاصرة هي كذلك قصة آلاف اللقاءات والحوارات والمبادرات، وقصة نساء ورجال وشباب اختاروا الانخراط في الشأن العام، وقصة مناطق ومدن وأحياء فتحت أبوابها للحزب، واختلفت معه أحيانا، وساندته أحيانا أخرى، لكنها ظلت جزءا من النقاش السياسي الذي يشكل جوهر الديمقراطية.

وفي هذا السياق؛ نتوجه بالشكر والتقدير لكل سكان المناطق والمدن، ولكل المواطنات والمواطنين الذين تقاسموا معنا الطريق، واختلفوا معنا، وساندونا، وواصلوا المسير معنا.

هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة في حساب السياسة، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع التراكم، وتمنح العمل الحزبي معناه الإنساني والمجتمعي.

وبعد ثمانية عشر عاما، يظل السؤال المركزي هو: كيف يمكن مواصلة بناء الثقة في السياسة؟.

الثقة ليست مفهوما مجردا، ولا تقاس فقط بعدد الأصوات أو المقاعد الانتخابية، إنها علاقة يومية بين المواطن والمؤسسة، وبين الناخب والمنتخب، وبين الشباب والأحزاب، وبين المجتمع والسياسة.

وهي ثقة تبنى حين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن مطالبه تجد طريقها إلى المؤسسات، وأن المنتخب قريب منه، وأن السياسة قادرة على تقديم حلول حقيقية لمشاكله.

وتزداد أهمية هذا الرهان عندما يتعلق الأمر بالشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر ارتباطا بأسئلة المستقبل، والأكثر حساسية تجاه الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيش.

فالشاب المغربي اليوم لا يريد فقط أن يسمع وعودا عن المستقبل؛ بل يريد أن يعرف كيف سيصل إليه، وما الذي يمكن أن يتغير فعليا في حياته، وما الذي يمكن أن تمنحه له المؤسسات من فرص للتعليم والتكوين والعمل والمشاركة وتحقيق الذات.

لكن هذه الانتظارات، مهما كانت كبيرة، لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر لليأس أو التشاؤم.

وهنا تكتسب التوجيهات الملكية الداعية إلى مواجهة التيئيس وتعزيز الثقة في المستقبل دلالتها العميقة.

فالمغرب، كما تؤكد مختلف محطات مسيرته، لم يكن بلدا يستسلم للصعوبات، بل استطاع أن يحول كثيرا من التحديات إلى أوراش للإصلاح والتنمية، وأن يواصل بناء مؤسساته وتعزيز بنياته الاقتصادية والاجتماعية، في ظل رؤية استراتيجية جعلت من التنمية والتحديث والاستقرار رهانات متواصلة.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف بالتحديات لا يعني الاستسلام لها، وانتقاد الاختلالات لا ينبغي أن يتحول إلى جلد للذات، والاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك في قدرة الوطن على التقدم.

فثمة فرق كبير بين النقد الذي يفتح الطريق نحو الإصلاح، والخطاب الذي يغلق أبواب الأمل.

ولعل إحدى أهم الرسائل التي ينبغي استحضارها اليوم هي تلك التي تؤكد المكانة المركزية للشباب في بناء مغرب المستقبل.

لقد أبرز جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة أن الشباب المغربي، حين تتوفر له الظروف المناسبة ويتسلح بالجد والوطنية، قادر على تحقيق إنجازات كبيرة، وأن طاقاته تمثل رصيدا حقيقيا للمملكة.

وليس صدفة أن تتحول إنجازات الشباب المغربي في مجالات مختلفة إلى مصدر فخر وطني؛ من الرياضة إلى الثقافة والابتكار والمقاولة والعلوم وغيرها، وهي نماذج تؤكد أن المشكلة ليست في غياب الطاقات، وإنما في ضرورة توفير المزيد من فضاءات التمكين والفرص والإمكانات أمامها.

ومن هنا، فإن الرهان على الشباب داخل حزب الأصالة والمعاصرة لا ينبغي أن يكون مجرد رهان تنظيمي أو انتخابي، بل هو رهان على المستقبل نفسه.

فالانتقال المطلوب اليوم هو من إشراك الشباب إلى تمكينهم، ومن الاستماع إليهم إلى الثقة في قدراتهم، ومن الحديث عن المستقبل إلى إشراكهم فعليا في صناعته.

وإذا كان بعض الشباب يشعر أحيانا بأن المستقبل بعيد أو أن الفرص محدودة، فإن مسؤولية السياسة هي أن تجعل هذا المستقبل أقرب، وأن تحول الطموحات إلى سياسات، والأفكار إلى برامج، والبرامج إلى نتائج ملموسة.

ومن هنا أيضا ينبغي النظر إلى بعض الظواهر التي تعكس إحساسا بالإحباط أو البحث عن أفق آخر، لا باعتبارها سبباً لليأس، وإنما باعتبارها دعوة إلى مضاعفة العمل.

فالشباب الذين يتطلعون إلى حياة أفضل يرسلون، قبل كل شيء، رسالة مفادها أنهم يريدون مستقبلا أفضل.

والسياسة الناجحة هي التي تستطيع أن تحول هذا الطموح إلى طاقة للبناء، وأن تجعل من الوطن فضاء لتحقيق الأحلام، لا مجرد مكان للإقامة.

فالأمل الحقيقي ليس تجاهلا للمشاكل، وإنما هو القدرة على النظر إليها بعين المسؤولية والثقة في إمكانية تجاوزها.

وهنا يمكن للخطاب السياسي أن يؤدي دورا أساسيا: أن يكون صريحا في تشخيص التحديات، لكنه متفائل في تقديم الحلول؛ أن ينتقد حين يكون النقد ضروريا، لكنه لا يزرع الإحباط؛ وأن يفتح النقاش حول ما ينقصنا، دون أن يغفل ما راكمناه من مكتسبات.

إن المغرب الذي تغير كثيرا خلال السنوات الثماني عشرة الماضية ليس هو مغرب سنة 2008؛ فقد تطورت بنياته التحتية، وتوسعت أوراشه الاقتصادية والاجتماعية، وتغيرت المدن والمجالات الترابية، وبرزت أجيال جديدة أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والمعرفة والانفتاح على العالم.

وإذا كانت هناك اختلالات وتحديات، فإن وجودها لا يلغي ما تحقق، بل يجعل مواصلة الإصلاح أكثر ضرورة. فما تحقق ليس نهاية الطريق، وما لم يتحقق بعد ليس مستحيلا.

وهذه ربما تكون أفضل طريقة لمواجهة خطاب التيئيس: أن نقول بوضوح إن هناك الكثير مما ينبغي إنجازه، لكن هناك أيضا الكثير مما يمكن البناء عليه.

وتأتي الذكرى الثامنة عشرة لتأسيس الأصالة والمعاصرة في سياق سياسي بالغ الأهمية، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

وهذه المحطة لا ينبغي أن تكون مجرد سباق انتخابي على المقاعد، بل فرصة لتجديد النقاش حول مستقبل البلاد، وتقديم برامج واقعية وطموحة، وإعادة السياسة إلى موقعها الطبيعي باعتبارها وسيلة للتعبير عن انتظارات المواطنين وصناعة الحلول.

والمطلوب أن تكون المنافسة الانتخابية مناسبة لترسيخ الأمل، لا لتوسيع دائرة التشاؤم؛ وأن تقدم السياسة باعتبارها مجالا للتنافس حول الأفضل، لا مجرد فضاء لتبادل الاتهامات.

كما أن مسؤولية الأحزاب تتمثل في إقناع المواطن بأن صوته قادر على صناعة الفرق، وأن المشاركة الانتخابية ليست مجرد واجب، وإنما إحدى أهم أدوات بناء المستقبل.

ومن هنا، فإن الاستحقاقات المقبلة ينبغي أن تكون أيضا مناسبة لتقديم أجوبة واضحة عن قضايا الشباب، والتشغيل والتعليم والصحة والسكن والعدالة المجالية والاستثمار والرقمنة، وعن كيفية جعل التنمية أكثر حضورا في حياة المواطن اليومية.

ولعل شعار المؤتمر الوطني الخامس لحزب الأصالة والمعاصرة، “العمل والأمل”، يكتسب في هذه اللحظة دلالة خاصة.

فهو ليس مجرد شعار تنظيمي أو عبارة انتخابية، وإنما يمكن أن يكون فلسفة كاملة للمرحلة المقبلة.

العمل لأن الأمل من دون إنجاز يفقد معناه، والأمل لأن العمل من دون رؤية للمستقبل يتحول إلى مجرد تدبير للحاضر؛ وبين الاثنين توجد الثقة… الثقة في المؤسسات، والثقة في الشباب، والثقة في الكفاءات، والثقة في قدرة الأحزاب على التطور، والثقة قبل ذلك كله في قدرة المغرب على مواصلة مسيرته.

وهنا يمكن لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو يطوي عامه الثامن عشر ويفتح صفحة عامه التاسع عشر، أن يستفيد من تجربته المتراكمة لبناء مرحلة جديدة؛ مرحلة أكثر انفتاح، وأكثر قربا، وأكثر قدرة على الإنصات، وأكثر ثقة في الطاقات الجديدة.

فالحزب الذي راكم تجربة تمتد على مدى ثمانية عشر عاما يستطيع أن ينظر إلى المستقبل بثقة أكبر، وأن يجعل من كل تحد فرصة للتطور، ومن كل اختلاف مناسبة للتعلم، ومن كل نجاح لبنة في بناء نجاح أكبر.

إن الاحتفاء بثمانية عشر عاما من عمر الأصالة والمعاصرة لا ينبغي أن يكون مناسبة للوقوف طويلا عند الماضي، وإنما فرصة لاستحضار ما تحقق واستشراف ما هو قادم.

ثمانية عشر عاما مضت بما حملته من تحديات وتجارب ومحطات ونجاحات، لكن الطريق ما زال مفتوحا أمامنا.

ومادام هناك عمل، ومادام هناك شباب يؤمن ببلده، ومادامت هناك إرادة للإصلاح والبناء، فإن الأمل سيظل أقوى من الصعوبات.

فالمغرب الذي استطاع خلال العقود الماضية أن يراكم أوراشا وإصلاحات ومشاريع كبرى، قادر على أن يواصل المسيرة بثقة، وأن يفتح أمام أجياله الجديدة آفاقا أوسع.

وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الشباب: لا تجعلوا الصعوبات تختصر صورة الوطن، ولا تسمحوا للتحديات بأن تحجب ما يمكن أن يكون عليه المستقبل، فالوطن لا يبنى بالتشاؤم، ولا يتقدم بالتيئيس، وإنما بالعمل والثقة والمشاركة والإيمان بأن الأفضل ممكن.

وبعد ثمانية عشر عاما من التأسيس، فإن التحدي الحقيقي أمام الأصالة والمعاصرة، كما أمام مختلف الفاعلين السياسيين، ليس فقط كم سنة مضت، وإنما كم مقدارا من الثقة استطعنا أن نبني، وكم مساحة من الأمل استطعنا أن نفتح أمام الأجيال القادمة.

وفي الذكرى الثامنة عشرة، ليست الرسالة أن كل شيء تحقق، وإنما أن الكثير تحقق، والكثير ما زال ممكنا.

إنها ذكرى للتحدي والوفاء، لكنها قبل ذلك مناسبة للنظر إلى الأمام.

بالعمل نصنع الفرق، وبالأمل نصنع المستقبل.. والقادم أجمل بإذن الله.

رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة (*)

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *