التصنيف: الرأي

  • تمكين المرأة سياسيا.. خيار استراتيجي لحزب الأصالة والمعاصرة

    تمكين المرأة سياسيا.. خيار استراتيجي لحزب الأصالة والمعاصرة

    يشكل التمكين السياسي للمرأة في المغرب أحد أبرز التحولات التي عرفها المسار الديمقراطي خلال العقدين الأخيرين، في ظل إرادة إصلاحية واضحة تروم تعزيز حضور النساء في مواقع القرار وترسيخ مبدأ المساواة في الحياة العامة. وقد تعزز هذا المسار بشكل لافت مع اعتماد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 الذي كرس مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وجعل من تعزيز مشاركة المرأة في تدبير الشأن العام خيارا استراتيجيا للدولة والمجتمع.

    وفي هذا السياق، لعبت آليات التمييز الإيجابي، وعلى رأسها نظام اللوائح الانتخابية المخصصة للنساء، دورا محوريا في الرفع من تمثيلية المرأة داخل المؤسسات المنتخبة. فقد أسهمت هذه الآلية في فتح المجال أمام كفاءات نسائية متعددة لولوج البرلمان والمجالس الترابية، والمساهمة في النقاش العمومي وصياغة السياسات العمومية، بما يعكس تطورا تدريجيا في النظرة إلى دور المرأة في الفضاء السياسي.

    غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يخفي استمرار عدد من التحديات التي تعيق بلوغ تمثيلية نسائية أوسع وأكثر تأثيرا. فالعوائق الاجتماعية والثقافية، والصور النمطية التي ما تزال تلاحق مشاركة النساء في المجال السياسي، إلى جانب محدودية الإمكانات المالية خلال الحملات الانتخابية، كلها عوامل تجعل من مسار التمكين السياسي عملية تحتاج إلى نفس إصلاحي طويل وإلى انخراط فعلي لمختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين.

    وتكتسي هذه الرهانات أهمية مضاعفة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء على مستوى الانتخابات التشريعية أو الجماعية، والتي تشكل محطة جديدة لاختبار مدى قدرة الأحزاب السياسية على ترجمة خطاب المناصفة إلى ممارسات تنظيمية فعلية داخل هياكلها ومرشحيها. فنجاح الديمقراطية التمثيلية يظل رهينا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على عكس التنوع الحقيقي للمجتمع، وفي مقدمة ذلك الحضور الفاعل للمرأة.

    وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي يضطلع به حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره من بين الأحزاب السياسية التي راهنت بشكل واضح على الكفاءات النسائية، سواء داخل هياكله التنظيمية أو في ترشيحاته الانتخابية. فقد عمل الحزب خلال السنوات الأخيرة على تعزيز حضور النساء في مختلف المسؤوليات التنظيمية والتمثيلية، معتبرا أن تمكين المرأة ليس مجرد شعار سياسي، بل خيار استراتيجي يعكس قناعة راسخة بقدرة النساء على الإسهام الفعلي في تدبير الشأن العام.

    كما أن الدينامية التي تقودها منظمة نساء الأصالة والمعاصرة داخل الحزب تشكل نموذجا لعمل نسائي منظم يسعى إلى تأهيل القيادات النسائية وتوسيع مشاركتهن في الحياة السياسية، من خلال برامج التكوين والتأطير والترافع حول قضايا المرأة والمجتمع.

    إن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تمثل فرصة حقيقية لتعزيز المكتسبات التي حققتها المرأة المغربية في المجال السياسي، والانتقال من مرحلة الحضور العددي إلى مرحلة التأثير الفعلي في صنع القرار العمومي. كما تشكل في الوقت ذاته اختبارا لمدى قدرة الأحزاب السياسية على ترسيخ ثقافة المناصفة وإتاحة الفرصة أمام كفاءات نسائية قادرة على الإسهام في بلورة سياسات عمومية أكثر عدلا وإنصافا.

    وفي نهاية المطاف، يظل التمكين السياسي للمرأة ركيزة أساسية في مسار بناء مغرب ديمقراطي حديث، يقوم على المشاركة المتكافئة بين جميع مكوناته، ويؤمن بأن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بحضور قوي وفاعل للنساء إلى جانب الرجال في مختلف مواقع المسؤولية وصنع القرار.

  • تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    كلما كتبت عن المرأة في المغرب شعرت أنني لا أكتب عن قضية اجتماعية فقط، بل عن الهوية نفسها. عن الأرض والانتماء وعن التاريخ في عمقه وعن الحاضر وهو يحمل آثار ذلك العمق أو يبتعد عنه. أكتب عن شيء أعرفه قبل أن أقرأه. أعرفه من البيت ومن الكلام اليومي ومن صورة الأم داخل العائلة ومن الطريقة التي ظل بها اسم المرأة حاضرا في حياتنا حتى حين حاول البعض إبعاده.

    وأتوقف دائما عند اسم ليس عابرا في لغتنا: تامغارت. فهي تعني الكبيرة. ومذكرها أمغار، أي كبير القوم، وهو اللفظ الذي يطلق أيضا على من تسند إليه القيادة. وفي هذا وحده ما يكفي ليدل على أن المرأة في الوجدان الأمازيغي لم تكن اسما ثانويا، بل كانت مقرونة بالمقام والاعتبار. التسمية نفسها تقول ذلك قبل أي شرح طويل. كأن اللغة منحتها منذ البداية ما حاولت أوصاف وافدة أن تنزعه منها: المقام بدل الدونية والاعتبار بدل النقص. ولم تكن المرأة يوما زائدا على المعنى في هذا الوجدان، بل كانت من صلبه. إذا كان للقبيلة أمغار ففي كل بيت تامغارت.

    قبل أن يقول التاريخ كلمته كانت الذاكرة الرمزية لهذه الأرض قد قالتها بطريقتها. وحين أرجع إلى الذاكرة الأقدم أجد أن صورة الأنثى العالية لم تكن غريبة عن هذه الأرض. في المجال الشمال إفريقي القديم حضرت تانيت رمزا للحماية والخصب وعلو مقام الأنثى. وفي الميثولوجيا القديمة تظهر غايا، الأرض الأم، في أصل القوة التي يستمد منها أنتي الأمازيغي طاقته كلما عاد إلى الأرض ولمسها. ذلك الجبار المرتبط في المتخيل القديم بأسطورة طنجة الأولى. قد يقال إن هذا من باب الرمز والأسطورة، وهذا صحيح. لكن حتى الرمز لا يأتي من فراغ. هو بدوره يكشف شيئا عن المخيال الذي خرج منه وعن صورة الأنثى فيه.

    ثم نعبر من الرمز إلى التاريخ. ديهيا بقيت اسما من أسماء المقاومة في شمال إفريقيا. كنزة الأوربية حضرت في لحظة دقيقة من بدايات الدولة الإدريسية. زينب النفزاوية يصعب المرور على قيام الدولة المرابطية من غير التوقف عند أثرها. السيدة الحرة حكمت ودبرت وواجهت. وحين نصل إلى زمن الاستعمار لا يعود الحديث عن امرأة واحدة، بل عن نساء كثيرات في الريف والأطلس وكل ربوع المغرب كن جزءا من مجتمع المقاومة نفسه. في الإسناد وفي نقل المؤن والرسائل وفي التحريض وأحيانا في المواجهة المباشرة. هذا الامتداد الطويل هو الذي يجعل الحديث عن المرأة عندنا حديثا عن حضور راسخ، لا عن استثناء عابر.

    الذي تغير، في نظري، هو نظرتنا نحن إلى أنفسنا. كلما ابتعدنا عن عمقنا الهوياتي دخلت علينا أفكار وتصورات لم تنبت في هذه التربة وحملت معها أحكاما غريبة عن المرأة. تسللت إلينا أيديولوجيات عابرة للحدود، سلفية وهابية وإخوانية، وفرضت صورة لا تشبه المغرب. صارت المرأة عندها موضع وصاية. وصار حضورها عبئا. وحتى اسمها نفسه صار يقال بتحفظ. ثم جاء هذا الخطاب ليمنّ عليها بالحياة ويخاطبها كما لو أنها كانت تنتظر من يخرجها من العدم. وهذا كلام لا ينتمي إلى التربة المغربية، لا في تاريخها، ولا في وجدانها، ولا في طريقتها القديمة في فهم المرأة.

    يكفي أن نسمع كيف كان الناس يتكلمون وما زالوا في أحيان كثيرة يتكلمون. هذا ابن فلانة. هذه دار فلانة. هؤلاء أهل فلانة. لم يكن في هذا حرج. لم يكن أحد يشعر أن ذكر المرأة ينتقص من الرجل أو من الأسرة. كان الأمر عاديا جدا. ثم جاءت حساسية جديدة متوترة. صارت تستنكر ذكر المرأة وتعتبر الانتساب إليها نقصا وتتصرف كما لو أن الوقار يقتضي إخفاءها حتى في الكلام. وهذا، في تقديري، واحد من أوضح آثار الاغتراب عن أنفسنا.

    فاللغة ليست مجرد ألفاظ. اللغة تكشف ما نؤمن به من غير أن نشعر. فإذا كانت المرأة حاضرة في التسمية وفي النسب الاجتماعي وفي تصور البيت فهذا يعني أنها كانت حاضرة أيضا في البنية الرمزية للمجتمع.

    ولهذا لا أرى أن إنصاف المرأة في المغرب جاء فقط من ضغط حديث أو من خطاب حقوقي مستورد. عندنا في تاريخنا الاجتماعي ما يكفي. العرف الأمازيغي نفسه كان أقرب إلى المرأة في كثير من المواضع. لم يكن يقف معها بالكلام فقط، بل في القضايا التي يظهر فيها الظلم فعلا. في الطلاق الذي كان ينظر إليه أحيانا بوصفه قتلا معنويا للمرأة وفي التعنيف وفي ما تبنيه المرأة داخل الحياة الزوجية من جهد وعرق ووقت. ومن هنا ظل مبدأ الكد والسعاية حاضرا في النقاش المغربي لأنه ليس فكرة معلقة في الهواء، بل له جذور في هذا المجتمع. ولهذا لم يكن استحضار العرف الأمازيغي في النقاش حول مدونة الأسرة مجرد استدعاء للتراث، بل استحضارا لمورد قيمي وقانوني انحاز إلى المرأة حين ظهر الظلم فعلا.

    ولهذا لم يفاجئني أن يكون ملف المرأة داخل حزب الأصالة والمعاصرة ملفا مركزيا. الحزب منذ بداياته ربط بين سؤال المرأة وسؤال الأمازيغية وسؤال الحداثة المغربية ولم يفصل هذه القضايا عن بعضها. وكان واضحا أن الأمر يتعلق بصورة المغرب عن نفسه وبالنوع من التحديث الذي يريده لنفسه.

    وهذا لم يبق كلاما عاما. في 2016، حين قرر إلياس العماري أن يجعل لائحة الشباب نسائية، لم يكن الأمر مجرد حركة انتخابية عابرة. كانت هناك إشارة سياسية واضحة: حضور المرأة لا ينبغي أن يبقى محصورا في الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. هذه الخطوة قالت شيئا مهما في وقتها وما زالت تقوله اليوم. من يؤمن فعلا بتمكين المرأة لا يتعامل معها بمنطق الحصة فقط.

    واليوم في 2026 صار هذا التوجه ظاهرا داخل بنية الحزب نفسها. فالقيادة الجماعية تضم فاطمة الزهراء المنصوري وفاطمة السعدي مقابل رجل واحد. والمجلس الوطني تترأسه السيدة نجوى ككوس وزهور الوهابي نائبتها. وفي الحكومة أيضا ليلى بنعلي وأمل الفلاح السغروشني إلى جانب المنصوري. لهذا لا يبدو الكلام عن تمكين المرأة هنا مجرد شعار. هناك اختيارات تنظيمية وسياسية واضحة.

    حين يكون الحزب قريبا من تامغرابيت بالمعنى الحي لا الشكلي فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى اختراع مبررات لتمكين المرأة. يكفيه أن يفهم المغرب كما هو، لا كما تريد بعض التصورات الوافدة أن تعيد تشكيله. المرأة في هذا البلد ليست استثناء. وليست ملحقا. ولم تأت متأخرة.

    لهذا أعود إلى تامغارت.

    أعود إليها لأن فيها شيئا ما زال صالحا لنا اليوم. شيئا يذكرنا بأن المرأة ليست هامشا في هذه البلاد ولم تكن كذلك في يوم من الأيام. لسنا نحن من اخترع مكانة المرأة ثم أضعناها بل هي مكانة كانت راسخة في لغتنا وفي مخيالنا وفي تاريخنا. ثم ابتعدنا نحن عنها، واحتجنا وقتا طويلا كي نفهم ما الذي ابتعدنا عنه.

  • ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    لا يمكن تناول الديمقراطية الاجتماعية باعتبارها مجرد صيغة تقنية لتدبير الحكم أو تسوية وسطى بين الرأسمالية والاشتراكية، بل بوصفها أفقا فكريا وتاريخيا تشكل في قلب التحولات الكبرى للمجتمعات الحديثة، واستجابة نقدية لتوتر بنيوي دائم بين مطلب الحرية الفردية وضرورة العدالة الاجتماعية.

    فهي في جوهرها مشروع مجتمعي قبل أن تكون برنامجا حكوميا، ومقاربة اخلاقية سياسية قبل ان تتحول الى سياسات عمومية، ومسارا تاريخيا يعكس وعي المجتمعات بحدود كل من السوق والدولة حين يشتغلان خارج منطق التوازن والمسؤولية الجماعية.

    تتاسس الديمقراطية الاجتماعية مرجعيا على الاعتراف بان السوق، رغم قدرته على انتاج الثروة وتحفيز المبادرة، عاجز بطبيعته عن ضمان الانصاف الاجتماعي وتكافؤ الفرص، كما ان الدولة، رغم ضرورتها كفاعل منظم وضامن للصالح العام، قد تنزلق الى منطق الهيمنة والبيروقراطية ان لم تقيد بالمراقبة والمساءلة الديمقراطية.

    ومن هنا تبلور هذا التيار كحل تاريخي ثالث، لا يلغي السوق ولا يؤله الدولة، بل يعيد تنظيم العلاقة بينهما وفق منطق المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية، وهو تصور يجد جذوره في النقد الاصلاحي للرأسمالية الصناعية في اوروبا القرن التاسع عشر، وفي تفاعل فكري معقد بين الاشتراكية الديمقراطية والليبرالية الاجتماعية ونقد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي.

    تنطلق الديمقراطية الاجتماعية من مركزية الانسان، لا باعتباره فردا معزولا كما في الليبرالية الكلاسيكية، ولا باعتباره مجرد ترس داخل جماعة صماء كما في بعض الصيغ التوتاليتارية، بل ككائن اجتماعي تاريخي، تتشكل حريته داخل بنى اقتصادية وثقافية وسياسية محددة، وهنا يبرز اثر هيغل في فهم الدولة كاطار اخلاقي جامع يحقق المصالحة بين الفرد والمجتمع، واثر ماركس في كشف الطابع البنيوي للامساواة الاجتماعية دون السقوط في حتمية الصراع الطبقي او وهم الذوبان الكلي للفرد في الجماعة.

    كما تقوم الديمقراطية الاجتماعية على مرجعية العدالة التوزيعية، لا بمعناها الاحساني او الخيري، بل كحق مؤسس للمواطنة، فالعدالة هنا ليست شعارا اخلاقيا معلقا، بل سياسة عمومية ملموسة، تتجسد في تعليم عمومي منصف، وصحة متاحة للجميع، وحماية اجتماعية فعالة، وسوق شغل مؤطر يحمي الكرامة الانسانية، وفي هذا الاطار تتحول الدولة من مجرد حارس للنظام الى فاعل اجتماعي منظم ومعدل للاختلالات، دون ان تنفي دور المجتمع المدني او المبادرة الفردية، بل في تفاعل خلاق معها. ولا يمكن فهم الديمقراطية الاجتماعية خارج مرجعيتها الديمقراطية الصلبة، اذ لا عدالة اجتماعية دون ديمقراطية سياسية فعلية، ولا ديمقراطية حقيقية دون مشاركة المواطنين في صناعة القرار العمومي، لذلك ترفض الديمقراطية الاجتماعية الاختزال الانتخابي للديمقراطية، وتدافع عن توسيع مجالها ليشمل الديمقراطية التشاركية والوساطة الاجتماعية ودور النقابات والتنظيمات المدنية باعتبارها ادوات توازن ضرورية داخل المجتمع، وهو ما يلتقي مع تحليلات هابرماس حول الفضاء العمومي والتواصل العقلاني بوصفه شرطا لانتاج الشرعية.

    وفي السياقات غير الاوروبية، خصوصا في مجتمعات الجنوب، تطرح الديمقراطية الاجتماعية تحديا اضافيا يتمثل في ضرورة تكييف مرجعياتها مع الخصوصيات التاريخية والثقافية والمؤسساتية، فهي لا يمكن ان تكون استنساخا لنماذج جاهزة، بل مشروعا مفتوحا لاعادة بناء العقد الاجتماعي، ياخذ بعين الاعتبار اكراهات التنمية، وسؤال العدالة المجالية، والفوارق البنيوية، دون التخلي عن القيم الكونية للحرية والكرامة والمساواة، وبهذا المعنى تصبح الديمقراطية الاجتماعية اداة للتوفيق بين مطلب الاستقرار السياسي وضرورة التحول الاجتماعي. في هذا الافق، يندرج خيار الدولة الاجتماعية كما يتبلور في السياق المغربي، ليس كاستجابة تقنية لازمات اجتماعية ظرفية، بل كتحول في تصور الدولة لوظيفتها، من دولة تدبيرية الى دولة ضامنة للحقوق ومؤطرة للتنمية، وهو ما يتقاطع مع المشروع الفكري لحزب الاصالة والمعاصرة، الذي يجعل من العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، جوهر اختياره السياسي، بعيدا عن الشعبوية او الوعود القصوى غير القابلة للتحقق. فالديمقراطية الاجتماعية، بهذا المعنى، ليست شعارا انتخابيا ولا خطابا ايديولوجيا مغلقا، بل اطارا مرجعيا لانتاج سياسات عمومية عقلانية، توازن بين الطموح الاصلاحي والوعي باكراهات الممكن، وتربط بين قوة الدولة وشرعيتها الاجتماعية، وبين التنمية الاقتصادية والكرامة الانسانية.

    ان الاسس المرجعية للديمقراطية الاجتماعية تكمن في النهاية في قدرتها على الجمع بين النقد والواقعية، بين الاصلاح التدريجي والرؤية الاستراتيجية، وبين تحصين الدولة الاجتماعية وتعميق الممارسة الديمقراطية، فهي ليست وعدا مثاليا ولا تنازلا براغماتيا، بل مسارا تاريخيا متجددا، يراهن على الانسان، ويجعل من السياسة اداة لتحرير الامكانات وبناء الثقة، لا مجرد الية لتدبير الازمات.

    ان الرهان على الديمقراطية الاجتماعية اليوم لا يتعلق فقط بتبني تصور نظري للعدالة او استلهام نماذج تاريخية جاهزة، بل يرتبط بقدرة الفاعل السياسي على تحويلها الى ثقافة حكم ومنهج في التفكير وصيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. فهي خيار يتطلب شجاعة فكرية لمواجهة الاختلالات البنيوية، ووضوحا سياسيا في تحديد الاولويات الاجتماعية، وارادة اصلاحية تجعل من الانصاف والكرامة اساسا للاستقرار والتنمية. وفي السياق المغربي، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع اسئلة الثقة والعدالة المجالية وتجديد النخب، تبرز الديمقراطية الاجتماعية كافق واقعي ومسؤول لبناء دولة قوية بشرعيتها الاجتماعية، ومجتمع متماسك بفضل حقوقه لا احسانه، وسياسة تستعيد معناها النبيل كاداة لخدمة الصالح العام وصناعة المستقبل.

  • “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    هدفٌ واحد يجمع كل هذا الضجيج: ضرب الوضوح، وتشويه المعنى، وخلط السياسي بالقضائي، والفكري بالتشهيري.

    نفس العبارات، نفس الإيقاع، نفس الاتهامات تُعاد وتُدوَّر بلا خجل، كأن غرفةً مظلمة وزّعت الأدوار ثم أعطت إشارة الانطلاق. هذا ليس اختلافًا في الرأي، بل هجومٌ منسّق، يعرف ماذا يريد ويعرف ممّن يخاف.

    في العمق، نحن أمام التعبير الأكثر فجاجة عمّا نُبِّه إليه منذ عقود: مقاومة البنيات التقليدية لكل مشروع تحديثي واضح. فكلما ظهر خطاب سياسي يقطع مع الالتباس ويصرّ على الوضوح، تحرّكت تلقائيًا جيوب مقاومة التغيير. لا لأنها تملك مشروعًا بديلًا، بل لأنها تدرك أن أخطر ما يهدد امتيازاتها ليس الخصومة، بل الوضوح نفسه.

    من هذا المنظور، لا يُستهدف حزب الأصالة والمعاصرة لأنه أخطأ، بل لأنه رفض المنطقة الرمادية. والمجتمعات التي تطمح إلى التقدم لا تتقدم بتدبير التناقضات إلى ما لا نهاية، بل بالحسم الفكري والسياسي، حتى وإن كان هذا الحسم مكلفًا. فالإصلاح لا يُرضي الجميع، والوضوح لا يُكافَأ بالتصفيق، بل بالمقاومة.

    وحين يعجز جبروت المال عن استيعاب منطق الدولة الحديثة، يتحول من قوة اقتصادية محتملة إلى أداة تعطيل سياسي. فالخلط بين النفوذ الاقتصادي والشرعية السياسية يُنتج تشوهًا في الوعي العام، ويحوّل السياسة من صراع برامج إلى ساحة ابتزاز وتشهير. وعندما يفشل المال في فرض منطقه، يستدعي لغته البديلة: التشكيك، والتخوين، والمسّ بالسمعة.

    أما الجانب المظلم في الحياة السياسية، فلا يُواجَه بالشعارات الأخلاقوية ولا بالمزايدات، بل بإصلاح مؤسسي هادئ، وبالاعتراف بأن الانتقال إلى الحداثة مسارٌ صراعي، لا نزهة توافقية. لا تقدم دون صدام مع العادات السياسية القديمة، ولا إصلاح دون إزعاج من يستفيدون من استمرارها.

    من هنا، لا ينتظر حزب الأصالة والمعاصرة صكوك غفران من أحد. لأن منطق الإصلاح التقدمي واضح: لا شرعية خارج العمل، والاختيار، وتحمل المسؤولية. النقد مشروع وضروري، لكن تحويل النقاش السياسي إلى محكمة أخلاقية شعبوية ليس تقدمًا، بل نكوص وردّة عن منطق الدولة الحديثة.

    والجميل في حزب الأصالة والمعاصرة — وهنا بيت القصيد — أنه اختار الصدق بدل الالتباس، والوضوح بدل الغموض، والالتزام بدل الشعبوية. ليست هذه شعارات، بل شروط أولية لأي مشروع إصلاحي جاد. ولهذا يُهاجَم، لا لأنه استثناء أخلاقي، بل لأنه كسر قاعدة مريحة: قاعدة اللعب في الظل.

    البام ليس حزبًا معصومًا، لكنه حزب قرر أن يكون واضحًا في زمن يُكافئ الضبابية.

    وهذا ليس خطأ… بل الثمن الطبيعي لكل محاولة جادة لتغيير التاريخ بدل التعايش معه.

  • المرأة المغربية في صلب الإصلاح.. مكتسبات تترسخ وطموحات تتجدد

    المرأة المغربية في صلب الإصلاح.. مكتسبات تترسخ وطموحات تتجدد

    يحلّ عيد العرش المجيد لهذه السنة والمغرب يواصل، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مسيرة إصلاحية متواصلة جعلت من الإنسان محورا لبناء المغرب الصاعد، ومن المرأة المغربية رهانا استراتيجيا للإصلاح ورافعة أساسية للتنمية، ومن الأسرة المغربية نواة للمجتمع وركيزة أساسية لترسيخ مغرب التضامن والوحدة، الذي أولاه جلالة الملك عناية خاصة وأقر له عيدا وطنيا.

    فمنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، جعل قضية المرأة المغربية في صلب الإصلاحات الكبرى التي شهدتها المملكة، وقد حملت السنوات السبع والعشرون الماضية إصلاحات نوعية شكّلت محطات فارقة في مسار النهوض بأوضاع المرأة المغربية، من خلال أوراش دستورية وتشريعية ومؤسساتية عززت مكانتها، ووسعت آفاق مشاركتها في الحياة العامة، ورسّخت حضورها كشريك أساسي في بناء الوطن.

    وكان إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 محطة مفصلية في هذا المسار، إذ شكَّل صدورها آنذاك ثورة تشريعية مجتمعية هادئة أنصفت المرأة المغربية من مظاهر الحيف التي كانت تطبع بعض الممارسات القانونية، وعزَّزت الحماية القانونية للأسرة، وكرَّست لمبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير شؤونها بما يحقق التوازن ويحفظ كرامة جميع أفرادها.

    ثم جاء دستور سنة 2011 ليكرس هذا التوجه الإصلاحي، حيث نص على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات، وجعل من المناصفة هدفا تسعى الدولة إلى تحقيقه، كما تم إحداث آليات ومؤسسات دستورية ساهمت في تعزيز حقوق النساء في انسجام تام مع التزامات المملكة.

    ولم تبق هذه المبادئ حبيسة النصوص، بل ترجمت إلى مكتسبات ملموسة، من بينها اعتماد القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي شكل خطوة مهمة نحو تعزيز الحماية القانونية للنساء من مختلف أشكال العنف، وتجريم عدد من الأفعال التي تمس كرامة المرأة، وإرساء آليات للتكفل بالضحايا.

     في السياق ذاته، واصل المغرب مسيرة التمكين وإقرار حق المرأة المغربية من نقل جنسيتها إلى أبنائها، وفتح المجال أمامها لولوج مهن كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجل، ومن بينها خطة العدالة، فضلا عن تعزيز حضورها داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتوسيع تمثيليتها في المؤسسات المنتخبة بفضل الإصلاحات المتتالية للقوانين الانتخابية، وهو ما ساهم في الرفع من تمثيلية النساء داخل البرلمان والجماعات الترابية.

    هذا إصلاحات في مجملها تؤكد قناعة راسخة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تكون شاملة ومستدامة، دون إشراك حقيقي وفاعل للمرأة في مختلف مناحي الحياة، وأن تقدم الأوطان يقاس أيضا بمدى تمكين نسائها من الإسهام في صناعة القرار، والمشاركة في التنمية، وتحمل المسؤولية.

    ورغم هذه المكتسبات فإن مسار تمكين المرأة المغربية لا يزال ورشا مفتوحا ومتجددا، لأن الإصلاح الحقيقي لا يقف عند حدود الإنجاز، بل يتطلع دائما إلى آفاق أرحب، ومن هذا المنطلق، يندرج الورش الملكي المتعلق بمدونة الأسرة باعتباره محطة جديدة في مسار الإصلاح، هدفها تعزيز العدالة والإنصاف داخل الأسرة المغربية، بما يستجيب للتحولات المجتمعية ويحافظ في الآن ذاته على المرجعية الدستورية والثوابت الوطنية للمملكة.

    كما أن المرحلة المقبلة تستدعي مضاعفة الجهود من أجل الانتقال من ضمان الحقوق قانونا إلى تفعيلها واقعا، ومن تعزيز الحضور العددي للمرأة إلى توسيع حضورها النوعي في مواقع المسؤولية والقرار، ومن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص إلى تكريس المناصفة باعتبارها خيارا دستوريا ورهانا تنمويا.

    إن الاحتفاء بعيد العرش المجيد ليس مجرد مناسبة لاستحضار حجم المنجزات بل محطة وطنية لتجديد الثقة في المسار التنموي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله بثبات ورؤية استشرافية، فالمرأة المغربية لم تعد موضوعا للإصلاح بل أصبحت فاعلا رئيسيا فيه وشريكا أساسيا في بناء مغرب حديث، ديمقراطي، متضامن، وموحد.

    فإذا كانت السبع والعشرون سنة الماضية أرست دعائم إصلاحات عميقة لفائدة المرأة المغربية، فإن الطموح اليوم يتجدد في مواصلة هذا المسار الإصلاحي، وفي مقدمة ذلك ورش مراجعة مدونة الأسرة الذي أطلقه جلالة الملك دام له النصر والتمكين، بما ينصف المرأة المغربية، ويصون كرامة الرجل المغربي ويضمن المصلحة الفضلى للأطفال. كما يظل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء رهانا استراتيجيا لا يقتصر على سن القوانين بل يمتد إلى حسن تنزيلها وضمان الولوج المنصف للتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية والشغل، ومراكز القرار، بما يمكن المرأة المغربية من الاضطلاع بأدوارها كاملة دون تمييز كشريك أساسي في التنمية وصناعة المستقبل.

    رئيسة لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة*

  • جيل جديد من القيادة السياسية.. رهان حزب الأصالة والمعاصرة على تمكين النساء والشباب

    جيل جديد من القيادة السياسية.. رهان حزب الأصالة والمعاصرة على تمكين النساء والشباب

    في ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي، أصبحت مسألة تجديد النخب السياسية وتعزيز حضور النساء والشباب في مراكز القرار من أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية. فالمجتمع المغربي يشهد دينامية متسارعة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ما يفرض على الفاعلين السياسيين البحث عن صيغ جديدة للعمل السياسي تقوم على الانفتاح على الكفاءات الشابة والطاقات النسائية القادرة على مواكبة هذه التحولات. وفي هذا السياق، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كأحد الفاعلين السياسيين الذين راهنوا منذ نشأتهم على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، من خلال الانفتاح على الكفاءات الشابة والنسائية وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام. فقد أدرك الحزب مبكرًا أن مستقبل العمل السياسي في المغرب لا يمكن أن يبنى فقط على النخب التقليدية، بل يحتاج إلى إشراك فئات واسعة من المجتمع، وفي مقدمتها الشباب والنساء، باعتبارهم قوة اقتراحية قادرة على الإسهام في بلورة رؤى جديدة لمواجهة التحديات التنموية.

    هذا التوجه لم يبق مجرد شعار سياسي أو خطاب ظرفي، بل تجسد في بروز عدد من الوجوه السياسية التي استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد العام، مقدمة نموذجًا على قدرة الكفاءات النسائية والشبابية على تحمل المسؤولية والمساهمة في تدبير الشأن العام.

    ومن بين أبرز هذه النماذج تبرز تجربة فاطمة الزهراء المنصوري، التي استطاعت أن تشق طريقها بثبات في العمل السياسي، لتصبح واحدة من أبرز القيادات النسائية في المغرب. فقد شكل حضورها في تدبير الشأن المحلي، ثم في المسؤولية الحكومية، دليلًا على أن تمكين المرأة في الحياة السياسية ليس مجرد مطلب نظري، بل خيار عملي يمكن أن يثمر قيادات قادرة على الإسهام في التنمية وصنع القرار.

    وفي السياق نفسه، يقدم المسار السياسي لـمهدي بنسعيد مثالا واضحا على الرهان الذي يضعه الحزب على الطاقات الشابة. فقد برز كأحد الوجوه السياسية الشابة التي استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة السياسية الوطنية، وأن تشارك في تحمل المسؤولية الحكومية، وهو ما يعكس توجهًا يروم إعطاء الفرصة لجيل جديد من الفاعلين السياسيين القادرين على فهم تحولات المجتمع والتفاعل مع تطلعات الشباب.

    ولا تقتصر هذه الدينامية على هذين النموذجين فقط، إذ يضم الحزب أيضا العديد من الكفاءات والوجوه السياسية البارزة من النساء والشباب الذين يساهمون في تأطير العمل الحزبي وتقوية حضوره داخل المؤسسات المنتخبة، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني. وهو ما يعكس إرادة واضحة في بناء نخب سياسية جديدة قادرة على تجديد الخطاب السياسي وإغناء النقاش العمومي بأفكار ومقاربات حديثة.

    إن حضور مثل هذه النماذج داخل الحزب يعكس تحولًا مهمًا في الثقافة السياسية، حيث لم يعد الانتماء الحزبي مرتبطًا فقط بالتجربة الطويلة أو المسار التقليدي في العمل السياسي، بل أصبح قائما أيضًا على الكفاءة وروح المبادرة والقدرة على الانخراط في قضايا المجتمع. وهذا ما يمنح العمل الحزبي دينامية جديدة ويقربه أكثر من انتظارات المواطنين، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي.

    ولا شك أن تشجيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية يشكل رافعة أساسية لتعزيز الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة في تدبير الشأن العام. فكلما اتسعت دائرة المشاركة السياسية، ازدادت فرص إنتاج أفكار جديدة ومقاربات مبتكرة لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تهم المواطنين.

    ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية المشاركة الفعالة للشباب والنساء في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ليس فقط باعتبارهم ناخبين، بل أيضًا كفاعلين سياسيين مرشحين ومنخرطين في العمل الحزبي والمؤسساتي. فالتغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال انخراط واسع لهذه الفئات في العملية السياسية، بما يعزز تمثيليتها داخل المؤسسات ويساهم في تجديد النخب السياسية.

    وفي هذا الإطار، تبدو تجربة حزب الأصالة والمعاصرة في دعم حضور النساء والشباب تجربة تستحق التوقف عندها، ليس فقط باعتبارها خيارًا تنظيميًا داخل حزب معين، بل بوصفها جزءًا من دينامية أوسع يعرفها المغرب في اتجاه تحديث العمل السياسي وتجديد نُخَبه. فالمجتمعات التي تمنح الفرصة لطاقاتها الشابة وكفاءاتها النسائية هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.

    إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد يقتصر على فتح أبواب السياسة أمام النساء والشباب، بل يتجاوز ذلك نحو تمكينهم الفعلي من المساهمة في صناعة القرار والمشاركة في صياغة السياسات العمومية. وبروز قيادات شابة ونسائية داخل حزب الأصالة والمعاصرة يشكل مؤشرًا على أن تجديد النخب السياسية في المغرب لم يعد مجرد شعار، بل مسارًا يتبلور تدريجيًا في الواقع السياسي.

  • مبادرة “أنا كاين”… حين يتحول التسجيل في اللوائح الانتخابية إلى فعل مواطنة

    مبادرة “أنا كاين”… حين يتحول التسجيل في اللوائح الانتخابية إلى فعل مواطنة

    في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، تبرز الحاجة اليوم إلى مبادرات ميدانية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن ومجالات المشاركة العمومية، خاصة في صفوف الشباب. ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة “أنا كاين” باعتبارها خطوة مواطنة تسعى إلى ترسيخ ثقافة الانخراط الإيجابي في الحياة العامة، عبر التحسيس بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية باعتباره مدخلا أساسيا للمشاركة في صناعة القرار والمساهمة في بناء المستقبل.

    إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في بعدها التنظيمي أو التواصلي، بل في الرسالة الرمزية التي تحملها؛ فهي تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة في الآن ذاته، مفادها أن المواطن لا يمكن أن يطالب بالتغيير وهو خارج دائرة الفعل والمشاركة. فالتسجيل في اللوائح الانتخابية ليس إجراء تقنيا معزولا، بل إعلان ضمني عن الحضور داخل المجال العمومي، وتأكيد على أن المواطن معني بمستقبل وطنه وبالاختيارات التي ترسم ملامحه السياسية والتنموية.

    وتكتسي هذه المبادرة بعدا وطنيا مهما، لأنها اختارت أن تضع مسافة واضحة بين واجب التسجيل في اللوائح الانتخابية وبين حرية الاختيار السياسي. فالدعوة إلى التسجيل لا تعني توجيه المواطنين نحو حزب معين أو توجه سياسي محدد، بل هي دعوة صادقة لترسيخ وعي ديمقراطي يعتبر أن المشاركة حق دستوري وواجب وطني، بينما يظل التصويت واختيار الانتماء أو التوجه السياسي قرارا شخصيا وسياديا يعود لكل مواطن وفق قناعاته الخاصة.

    ولعل ما يمنح المبادرة مصداقية أكبر هو أن منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة اختارت بوعي ومسؤولية ألا تضع رمز الشبيبة أو الحزب في الحملة، في إشارة واضحة إلى أن الهدف الأساسي ليس تحقيق مكاسب سياسية ضيقة، بل ترسيخ ثقافة المشاركة المواطنة وتشجيع الشباب المغربي على التسجيل في اللوائح الانتخابية باعتباره واجبا وطنيا قبل أي اعتبار حزبي أو انتخابي. وهي رسالة سياسية ناضجة تؤكد أن الديمقراطية القوية تبدأ أولا من توسيع دائرة المشاركة، لا من توجيه اختيارات المواطنين.

    كما أن تعميم المبادرة على مختلف أقاليم المملكة يمنحها بعدا مجتمعيا شاملا، ويؤكد أن الرهان اليوم لم يعد محصورا في المدن الكبرى فقط، بل يشمل أيضا العالم القروي والمناطق البعيدة التي تحتاج بدورها إلى تأطير سياسي ومدني يعزز الإحساس بالمواطنة والانتماء. فالتنمية الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق إلا حين يشعر كل مواطن، أينما كان، أن صوته له قيمة وأن مشاركته يمكن أن تحدث الفرق.

    وتأتي هذه المبادرة أيضا في لحظة تحتاج فيها الحياة السياسية إلى خطاب جديد أكثر قربا من المواطنين، خطاب يبتعد عن التخويف أو المزايدات، ويتجه نحو استعادة الثقة بلغة بسيطة وواقعية. فالشباب المغربي اليوم لا يرفض السياسة في جوهرها، بقدر ما يبحث عن نماذج ومبادرات تمنحه الإحساس بأن مشاركته ذات معنى وأن صوته قادر على التأثير في السياسات العمومية وفي مستقبل مجتمعه.

    وفي الأخير، فإن نجاح مثل هذه المبادرات يبقى رهينا بقدرتها على الوصول إلى الناس بلغة صادقة وبعيدا عن الحسابات الضيقة، لأن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط رفع نسب التسجيل، بل بناء جيل جديد يؤمن بأن المشاركة ليست امتيازا، وإنما مسؤولية جماعية تساهم في حماية المسار الديمقراطي وتعزيز استقرار الوطن وتقدمه.

  • حين تتبع الصحافة الشارع… من يقود النقاش العمومي؟ حدث التحاق لقجع بالپام كمثال!

    حين تتبع الصحافة الشارع… من يقود النقاش العمومي؟ حدث التحاق لقجع بالپام كمثال!

    كلما وقع حدث سياسي في المغرب، أطرح على نفسي السؤال نفسه: هل ما زالت لدينا صحافة تحلل، أم أصبح لدينا فقط صحافة تعلق؟ السؤال عاد بقوة بعد إعلان التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة.

    لم تمر ساعات حتى امتلأت مواقع التواصل، ثم المواقع الإلكترونية، ثم بعض البرامج، بنفس الفكرة، ونفس الجمل، ونفس الاستنتاجات: “لقد حُسمت رئاسة الحكومة”، “لقجع هو رئيس الحكومة المقبل”، “كل شيء مرتب”، “كل شيء محسوم”.

    المثير في الأمر ليس أن يقول ذلك مواطن على “فيسبوك”. فمن حق الناس أن يجتهدوا وأن يخطئوا، وأن يبنوا تصوراتهم كما يشاؤون.

    لكن عندما يصبح الصحفي نفسه يردد الكلام ذاته، دون تفكيك أو مساءلة أو حتى محاولة لاختبار فرضياته، فإننا لا نكون أمام أزمة حدث سياسي، بل أمام أزمة مهنة.

    الصحافة لم توجد لتردد ما يقوله الناس, الصحافة وجدت لتسأل الناس: وهل أنتم متأكدون مما تقولون؟ وهنا يبدأ الفرق بين الصحفي والمؤثر. المؤثر يبحث عن أكثر الروايات انتشارا. أما الصحفي، فمن المفترض أن يبحث عن أكثر الروايات تماسكا.

    للأسف، يبدو أن جزءا من الصحافة المغربية اختار الطريق الأسهل: إعادة تدوير المزاج العام ثم تسميته “تحليلا سياسيا”.

    وأكثر ما يثير الاستغراب هو أن كثيرا ممن تحدثوا عن “رئيس الحكومة المقبل” تجاهلوا أول قاعدة في النظام الدستوري المغربي: رئاسة الحكومة لا تأتي بالانطباعات، ولا تأتي بتغيير الانتماء الحزبي، ولا تأتي لأن شخصية قوية التحقت بحزب معين. بل تأتي عبر صناديق الاقتراع.

    القول إن لقجع سيصبح رئيسا للحكومة، وكأن الأمر أصبح محسوما، يعني ضمنيا أن الانتخابات لم تعد سوى مسرحية شكلية، وأن ملايين المغاربة لن يكون لهم أي دور في تحديد الأغلبية المقبلة.

    فإذا كنا نؤمن فعلا بالديمقراطية، فلا يجوز أن نتصرف وكأن نتائجها معروفة سلفا. ثم إن أصحاب هذه القراءات يتجاوزون حقيقة أخرى لا تقل أهمية: في المغرب، ومنذ دستور 2011، أصبح العرف السياسي واضحا، الأمين العام للحزب المتصدر هو من يُكلف بتشكيل الحكومة.

    حتى عندما تعذر على عبد الإله بنكيران تشكيل الحكومة سنة 2017، لم يُجلب اسم من خارج قيادة الحزب، بل انتقل التكليف إلى الشخصية الثانية داخله. واليوم، الأمينة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة هي فاطمة الزهراء المنصوري.

    هذه ليست وجهة نظر. هذه ليست نظريات مؤامرات مغلفة بمسمى “تحليل”، هذه هي الوقائع. أما إذا كان البعض يريد القول إن هذا العرف سيتغير، فليقدم معطيات سياسية أو دستورية تؤسس لهذا الاحتمال، لا أن يكتفي بترديد عبارة “أكيد الأمور مرتبة”.

    فالتحليل لا يقوم على اليقين الوهمي، بل على ترجيح الاحتمالات. هناك أيضا سؤال لا يطرحه أحد: هل المغرب، وهو يعيش أكبر تحول رياضي في تاريخه، ويستعد لتنظيم كأس إفريقيا، ثم كأس العالم، ويعزز حضوره داخل الفيفا والكاف، مستعد فعلا للتخلي بسهولة عن الشخصية التي أصبحت أحد أهم وجوه هذا المشروع؟

    ليس المقصود هنا أن ذلك مستحيل. بل المقصود أن أي تحليل جدي كان يجب أن يناقش هذه المعادلة أيضا. أما أن يتم تجاهلها بالكامل، ثم تقديم سيناريو واحد باعتباره الحقيقة الوحيدة، فذلك ليس تحليلا، بل انتقاء للمعطيات التي تخدم رواية مسبقة.

    ومن أكثر ما يثير الاستغراب أيضا أن الأحزاب المغربية تُنتقد باستمرار لأنها لا تستقطب الكفاءات. لكن بمجرد أن تنجح في استقطاب شخصية لها وزنها، يتحول الخطاب فجأة إلى حديث عن “التعليمات” و”الدفع من الفوق” و”الميركاتو السياسي”.

    وكأن فوزي لقجع لا يملك إرادة سياسية مستقلة، وكأن الأحزاب عاجزة عن الإقناع، وكأن كل قرار سياسي في هذا البلد لا يمكن أن يكون نتيجة اقتناع، بل لا بد أن يكون نتيجة مؤامرة. هذه ليست قراءة سياسية. هذه ثقافة سياسية.

    وثقافة المؤامرة لا تحتاج إلى أدلة، لأنها تفسر كل شيء، ولذلك لا تفسر شيئا. إنها تعفي العقل من التفكير، لأنها تقدم إجابة جاهزة لكل سؤال.

    المفارقة أن الصحافة، التي كان يفترض أن تكون أول من يقاوم هذا المنطق، أصبحت في أحيان كثيرة أكبر مروج له. صار بعض الصحفيين يتسابقون نحو التأويل قبل جمع المعطيات، ونحو إطلاق الأحكام قبل طرح الأسئلة، ونحو إرضاء الجمهور بدل محاورته، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن المجتمع يستطيع أن يتجاوز إشاعة على “فيسبوك” لكنه يصعب عليه أن يتجاوز إشاعة تحمل توقيع صحفي أو محلل سياسي.

    أما أنا، فأرحب بانضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة. ليس لأن الرجل فوق النقد، ولا لأن الحزب لا يخطئ، بل لأن الأحزاب التي تريد أن تحكم مطالبة باستقطاب الكفاءات لا بطردها.

    أما رئاسة الحكومة، فلا تزال، كما كانت دائما، معركة سياسية وانتخابية ستقودها الأمينة العامة للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، والكلمة الأخيرة فيها ليست للمحللين، ولا لليوتيوبرز، ولا للمنشورات المتداولة… بل لجلالة الملك أولا، وللناخب المغربي.

  • استقطاب الكفاءات الوطنية.. ضريبة النجاح السياسي وحالة الارتباك في معسكر الخصوم

    استقطاب الكفاءات الوطنية.. ضريبة النجاح السياسي وحالة الارتباك في معسكر الخصوم

    يشهد المشهد السياسي المغربي في الآونة الأخيرة نقاشا محموما أطره سعار غير مبرر وهجوم غير معتاد من طرف بعض التشكيلات السياسية التي اختارت كالعادة النفخ في أسراب الغبار لصرف الأنظار عن عجزها البنيوي. يأتي هذا الهجوم المنسق على حزب الأصالة والمعاصرة لا لشيء سوى لأن الحزب أبان عن ديناميكية استراتيجية ورؤية وطنية مسؤولة عبر استقطاب اسم وازن وقامة وطنية من حجم السيد فوزي لقجع، أحد أبرز رجالات الدولة الأكفاء الذين بصموا مسار تدبير الشأن العام بحنكة ونجاعة مشهودتين.

    إن الانخراط الفعلي والسياسي لشخصية بحجم فوزي لقجع داخل صفوف حزب الأصالة والمعاصرة ليس مجرد حدث عابر، بل هو محطة مفصلية تؤكد بالملموس أن حزبنا يتبنى خيارا استراتيجيا واضحا يقوم على استقطاب الكفاءات الوطنية الحقيقية وربط العمل السياسي بالتدبير الكفء والمنتج. فالبحث عن الكفاءات، واستقطاب الأطر التي راكمت تجارب ميدانية ومؤسساتية فريدة، هو جوهر العمل الحزبي الجاد وأساس البناء الديمقراطي السليم. وكما هو معتاد ومعمول به في كافة الديمقراطيات العريقة، فإن كل الهيئات السياسية الحية تسعى جاهدة لتعزيز صفوفها بالنخب القادرة على ترجمة الشعارات إلى سياسات عمومية ناجعة، عوض الاكتفاء بالشعارات الفضفاضة والخطابات الشعبوية.

    ولعل ما يثير الانتباه حقا، ويطرح أكثر من علامة استفهام، ليس هو قرار الاستقطاب في حد ذاته -إذ هو حق مشروع وأصل أصيل في العمل الحزبي- بل هو حجم الردود العنيفة وحالة الهستيريا التي أصابت بعض الخصوم السياسيين. إن ردود الفعل الصادرة عن هذه الأطراف عرت بالملموس عن واقع مرير، وهو الاعتراف الضمني بالقيمة الاستثنائية والوزن الثقيل للسيد فوزي لقجع. فالطريقة غير المتوقعة التي خرج بها الخصوم للتنديد والاستنكار، لغة ومضمونا، كشفت عن رعب حقيقي وانكشاف سياسي أمام ديناميكية حزب الأصالة والمعاصرة وقدرته على استقطاب الوجوه التي تصنع الفارق وتخدم الوطن بكل تفان وإخلاص.

    إن هؤلاء المنتقدين نسوا أو تناسوا أن العمل السياسي الحقيقي يقاس بالنتائج والأفعال لا بالصراخ المجاني. فبدل الانخراط في نقاش عمومي جاد حول البرامج والبدائل، اختارت هذه الأطراف سياسة الهروب للأمام ومهاجمة حزب الأصالة والمعاصرة لأنه استطاع أن يجذب إليه كفاءة وطنية تخدم الوطن من مختلف المواقع والمسؤوليات.

    وختاما إن حزب الأصالة والمعاصرة، وهو يمضي قدما في مشروعه السياسي وثوابته الوطنية، لن تزيد هذه الزوبعة المفتعلة إلا إصرارا على المضي في نهج استقطاب الكفاءات وخدمة المواطنين. فليستمر الخصوم في قلقهم وارتباكهم، وليستمر حزبنا في العمل الجاد والبناء الميداني، فالتاريخ لا يرحم العاجزين، والمستقبل دائما لمن يثبت كفاءته في خدمة هذا الوطن العزيز تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

  • الحكم الذاتي خيار استراتيجي.. من منظور أبناء الصحراء لبناء الوحدة والمستقبل وتجاوز أعطاب الماضي

    الحكم الذاتي خيار استراتيجي.. من منظور أبناء الصحراء لبناء الوحدة والمستقبل وتجاوز أعطاب الماضي

    إن السياق السياسي والدبلوماسي الوطني والدولي المتجدد أعاد وضع قضية الصحراء الغربية المغربية إلى واجهة الاهتمام الدولي عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي تبناه مجلس الأمن باعتباره إطارا مرجعيا وحيدا وجديدا للمفاوضات على أساس مقترح مشروع الحكم الذاتي المغربي، فالنص، الذي صيغ قبل التطور الدبلوماسي الأخير الذي عرفه الملف في أروقة مجلس الأمن، يستشرف بعمق تحولات أصبح كثير منها اليوم واقعا سياسيا معترفا به، إذ يدافع عن فكرة مركزية تقر بأن الحل الحقيقي للنزاع هو الصيغة التي قدمها المغرب منذ 2007، حيث لا يمكن أن يفرض من الخارج، بل يبنى من الداخل عبر إصلاحات ديمقراطية قام المغرب بها ولايزال يقوم بها، وسعيه المتواصل كذلك لتقعيد مفهوم الحكامة رشيدة، وإعتماد برامج تنموية حقيقبة تضع الإنسان في صلب انشغلاتها والسعي نحو مفهوم جديد للجهوية بإفق الدولة الفيدرالية مستقبلا.

    وإذا كان القرار الأممي 2797 يعتبر أن منح إقليم الصحراء الغربية المغربية حكمًا ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع للنزاع القائم منذ قرابة خمسين عاما، ويشجع القرار الأطراف المعنية على الدخول في مفاوضات على هذا الأساس، مؤكدا دعمه خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب لحل هذا النزاع المفتعل، وهي الخطة التي قدّمها أول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007، حبث جرى اعتماد القرار بمبادرة من الولايات المتحدة الأميركية، وحظي بتأييد 11 دولة من أصل 15 دولة في مجلس الأمن، وعرف امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت، ولم تشارك الجزائر في عملية التصويت، وجدد مجلس الأمن بموجب القرار نفسه، ولاية بعثة حفظ السلام في الصحراء الغربية المغربية (مينورسو MINURSO) عاما واحدا، الشيء الذي يبرز ان هذا القرار عرف تطورا مهما في قضية الصحراء؛ إذ يعكس تحولا مهما في المواقف الدولية من الدعوة إلى تقرير المصير عبر الاستفتاء إلى قبول مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب وتحويلها إلى قرار دولي يعتبر الحكم الذاتي الإطار المرجعي الوحيد للحل.

    وفي هذا الإطار يعرف الحكم الذاتي بأنه نظام سياسي واقتصادي وإداري يمكن فيه لإقليم معين ان يقرر مصيره عبر تخويله صلاحيات واسعة لتدبير شؤونه السياسية والاقتصادية والإدارية، ويطلق غالبا على الدول التي تسير وفق هذا النظام بالدول الفدرالية.

    ومن هذا المدخل وكحل للصراع المفتعل حول الصحراء الغربية المغربية فقد تقدم المغرب منذ سنة 2007 بمبادرة رسمية سميت بمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية المغربية، حيث شكلت هذه المبادرة رغبة حقيقية من جانب المغرب في وضع حد للصراع حول الصحراء الذي انتجته حقبة تاريخية مضت يتحمل الجميع فيها مسؤوليته سواء من الخارج او الداخل، حيث لاقت ترحيبا من قبل العديد من الجهات الدولية والإقليمية التي رأت في هذه المبادرة حلا جادا جريئا ومنطقيا موضوعيا لإنهاء هذا النزاع الذي عمر أكثر نصف قرن.

    وإذ تبنى هذه المبادرة المغربية الجادة على مجموعة من القواعد والمرتكزات التي تعيد بسط مشروع الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة المغربية، وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على أهم تلك المرتكزات والقواعد التي يمكن ان يتضمنها هذا المشروع بناء على قراءة في نماذج مقارنة دوليا.

    وفي هذا الصدد يقوم اي مشروع حكم ذاتي في العالم على ماهو الإداري اولا؛ حيث يمارس سكان الجهة او الإقليم الإدارة المحلية والشرطة المحلية وكل ما يتعلق بمحاكم الجهة، وإن على المستوى الاجتماعي يتم منح سكان الجهة او الإقليم اختصاصات متعلقة بالسكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والتنمية الثقافية، وفيما يخص الجانب الاقتصادي يختص تدبير جهة الحكم الذاتي بكل ما يحقق التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع وجلب الاستثمارات في كل من المجال التجاري والصناعي والسياحي والفلاحي والطاقي وتدبير الشؤون المتعلقة بالبنية التحتية ونقل.

    ولتنزيل مشروع الحكم الذاتي تعمل الدولة مركزيا على تمكين الاقليم او الجهة من موارد جد مهمة منها وبالخصوص عائدات الضرائب والرسوم والموارد المحصل عليها من استغلال الموارد الطبيعية للجهة أو الإقليم ، بالإضافة إلى الموارد المخصصة للجهة في إطار التضامن الوطني وعائدات ممتلكاتها.

    ولتدبير شؤون سكانة الاقليم او الجهة المتمتعة بالحكم الذاتي تشربعيا يتم إحداث برلمان محلي متكونا من أعضاء منتخبين من طرف مختلف المكونات المجتمعية القبلية وأعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة او الإقليم.

    أما السلطة التنفيذية فتمارس من طرف رئيس الحكومة المحلية ينتخبه البرلمان المحلي وينصبه رئيس الدولة، ويكون رئيس حكومة اقليم او جهة الحكم الذاتي هذا ممثلا للدولة المركزيا في تلك الجهة او الإقليم ومسؤولا أمام البرلمان المحلي، كما أن الدولة تحتفظ باختصاصات حصرية تتعلق بالسيادة كالنشيد الوطني والعملة، وكذا ممارسة رئيس الدولة لاختصاصاته الدينية والدستورية، ويكون للدولة مندوبا يزاول اختصاصتها الحصرية في جهة او إقليم الحكم الذاتي.

    وفي سياق القرار 2797 ومنح الحكم الذاتي للصحراء، فإنه ومن المرتقب ان المغرب ربما يكون ملزم بمراجعة دستوره وإدراج نظام الحكم الذاتي ضمن فصوله، وإصدار عفو شامل عن كل من صدرت في حقهم أحكام لها علاقة بموضوع الصراع المفتعل.

    من خلال كل ما سبق يتبين ان نية المغرب الواضحة والصريحة في وضع حل سياسي تفاوضي ديموقراطي للصراع المفتعل حول الصحراء، حلا يحترم الشرعية الدولية ويحترم إرادة سكان الصحراء، ويمد يد الأخوة للجزائر وكل من له صلة بهذا المشكل للعمل سوية لتجاوزه وبناء علاقات اخوية واقتصادية وسياسية في المنطقة، وهذا يؤكده الخطاب التاريخي للملك محمد السادس ليلة 31 اكتوبر 2025.