الهجرة الجماعية للشباب المغربي.. ليست أزمة حدود بل أزمة أمل

كُتب بواسطة

في

مرة أخرى، تعيد إلينا مشاهد محاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة طرح السؤال الذي يتكرر كلما شهد المغرب مثل هذه الأحداث: هل نحن أمام أزمة مرتبطة بشبكات الاتجار بالبشر والإشاعات التي تروجها، أم أمام تعبير صامت عن أزمة أعمق يعيشها جزء من الشباب المغربي؟

في اعتقادي، سيكون من الخطأ اختزال هذه الظاهرة في بعدها الأمني أو القانوني فقط. فالمقاربة الأمنية ضرورية لمواجهة شبكات التهريب وحماية الأرواح، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع آلاف الشباب، بل وحتى القاصرين، إلى المجازفة بحياتهم من أجل مستقبل مجهول.

إن ما وقع ليس أزمة حدود، بل هو في العمق أزمة أمل.

عندما يصبح الأمل سلعة نادرة

تشير أحدث المعطيات إلى أن حوالي 2.7 مليون شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة يوجدون خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل. وهذا الرقم لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مؤشر إحصائي، بل باعتباره تحديًا استراتيجيًا يمس مستقبل النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والاستقرار.

فكل شاب يشعر بأنه خارج دائرة الفرص هو مشروع إحباط، وإذا تراكم الإحباط يتحول إلى فقدان للثقة، وإذا غابت الثقة أصبح البحث عن أي منفذ، ولو كان محفوفًا بالمخاطر، خيارًا يبدو في نظر البعض أكثر واقعية من انتظار فرصة قد لا تأتي.

لماذا لا يشعر المواطن بثمار النمو؟

المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن الاقتصاد المغربي يحقق اليوم مؤشرات إيجابية مقارنة بسنوات الجفاف والأزمات الدولية. فقد سجل الاقتصاد الوطني نموًا يقارب 4.9% خلال السنة الماضية، بينما تتوقع المؤسسات الوطنية والدولية استمرار هذا المنحى خلال سنة 2026.

لكن النمو الاقتصادي لا يكتسب قيمته من نسبته المئوية، بل من أثره المباشر على حياة المواطنين.

فإذا لم يتحول النمو إلى فرص شغل، وتحسن في الدخل، وتقليص للفوارق، وتعزيز للطبقة المتوسطة، فإنه سيظل رقمًا إيجابيًا في التقارير، لكنه لن يغير نظرة الشباب إلى المستقبل.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نحول النمو إلى تنمية يشعر بها المواطن؟

سوق الشغل تغير.. بينما السياسات لم تواكب

يشهد المغرب اليوم تحولًا غير مسبوق في علاقة الشباب بسوق العمل.

فالكثير من الشباب لم يعودوا يقبلون العمل في قطاعات الفلاحة أو البناء أو الصناعة التقليدية أو بعض أنشطة السياحة، ليس رفضًا للعمل، وإنما بسبب ضعف الأجور، وطول ساعات العمل، وغياب ظروف العمل اللائق.

في المقابل، أصبحت تطبيقات الاقتصاد الرقمي توفر للشباب مرونة أكبر ودخلًا أفضل نسبيًا، حتى وإن كانت بدورها تطرح إشكالات مرتبطة بالحماية الاجتماعية والاستقرار المهني.

وهذا التحول يفرض مراجعة عميقة لسياسات التشغيل، لأن المشكلة لم تعد فقط في عدد مناصب الشغل، بل في جودة هذه المناصب أيضًا.

المدرسة وسوق الشغل.. فجوة ما تزال قائمة

من أكبر الاختلالات التي نعيشها اليوم استمرار الهوة بين مخرجات التعليم وحاجيات الاقتصاد. فالعديد من المقاولات تشتكي من نقص الكفاءات، بينما يشتكي آلاف الخريجين من البطالة.

هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست دائمًا في عدد الخريجين، وإنما في طبيعة التكوين، وضعف إتقان اللغات، ونقص المهارات الرقمية والحياتية، وعدم مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي.

ولهذا فإن إصلاح المدرسة والجامعة أصبح اليوم إصلاحًا اقتصاديًا بقدر ما هو إصلاح تربوي.

التمويل.. الحلقة التي ما تزال مفقودة

لا يمكن الحديث عن ريادة الأعمال دون الحديث عن التمويل، فقد أطلقت الدولة برامج مهمة مثل “انطلاقة” و”فرصة” و”أوراش”، وهي مبادرات تعكس إرادة حقيقية لدعم الشباب، غير أن الواقع يكشف أن عدداً كبيراً من حاملي المشاريع يصطدمون بعراقيل إدارية وبصعوبة الولوج إلى التمويل.

فالقطاع البنكي ما يزال يعتمد بشكل كبير على منطق الضمانات التقليدية، بينما يحتاج الشباب إلى مؤسسات تؤمن بالفكرة والمشروع أكثر مما تؤمن بالعقار والضمانات.

بدون إصلاح منظومة التمويل، ستظل آلاف الأفكار حبيسة الأدراج.

التنمية لا يمكن أن تبقى محصورة في ثلاث جهات

من القضايا التي تستحق النقاش أيضًا استمرار التفاوتات المجالية.

فجزء كبير من الاستثمارات وفرص الشغل يتركز في محور طنجة–الرباط–الدار البيضاء، بينما تعاني جهات عديدة من محدودية المشاريع وفرص الإدماج الاقتصادي، وبالتالي، لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية دون عدالة مجالية.

إن الجهوية المتقدمة ينبغي أن تتحول من إطار مؤسساتي إلى سياسة اقتصادية تمنح لكل جهة القدرة على خلق الثروة واستقطاب الاستثمار وتوفير فرص الشغل لشبابها.

مواقع التواصل.. عندما يُسوَّق الوهم

لا يمكن تجاهل الدور الذي أصبحت تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل أحلام الشباب.

ففي الوقت الذي تُعرض فيه صور الرفاهية والسيارات الفاخرة والحياة المثالية في الخارج، يغيب الحديث عن المعاناة اليومية لعدد كبير من المهاجرين، وعن العمل الشاق، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الاندماج، والهشاشة القانونية التي يعيشها المهاجر غير النظامي.

إن تقديم صورة متوازنة للهجرة أصبح ضرورة لحماية الشباب من الوقوع في فخ الوهم.

المسؤولية مشتركة

ليس من الإنصاف تحميل المسؤولية للحكومة وحدها، كما أنه ليس من الواقعية تحميلها للأسر فقط، فالمسؤولية اليوم جماعية.

الدولة مطالبة بتسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، والمدرسة مطالبة بإعداد كفاءات المستقبل، والجامعة مطالبة بربط التكوين بالاقتصاد، والقطاع الخاص مطالب بالاستثمار في الرأسمال البشري، والأبناك مطالبة بتطوير أدوات التمويل، والأسرة مطالبة باستعادة دورها التربوي، والإعلام ومنصات التواصل مطالبان بنشر ثقافة الأمل والعمل بدل ثقافة الوهم والثراء السريع.

المغرب الذي نريده

إن بناء مغرب المستقبل لا يتحقق فقط بالطرق السيارة، والموانئ، والمناطق الصناعية، مهما كانت أهميتها، بل يتحقق أيضًا ببناء الإنسان.

فالشباب لا يطالب بالمستحيل، وإنما يطالب بفرصة عادلة، وتعليم جيد، وعمل كريم، وأفق واضح يشعره بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه.

وعندما يصبح الوطن قادرًا على منح الأمل، ستتراجع تلقائيًا رغبة الشباب في البحث عنه خلف البحر.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس فقط الحد من الهجرة غير النظامية، بل إعادة بناء الثقة بين الشباب ووطنهم.

وهذه، في تقديري، هي المعركة التنموية الكبرى التي ينبغي أن نكسبها خلال السنوات المقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *