دخل اتفاق التبادل الحر بين المغرب والاتحاد الأوروبي دائرة النماذج الاقتصادية التي تستعين بها المؤسسات الأوروبية لتقدير أثر الجيل المقبل من الاتفاقيات التجارية، بعدما اعتمد اتحاد أرباب العمل السويديSvenskt Näringslivالتجربة المغربية ضمن مجموعة من الاتفاقيات السابقة التي أخضعها للدراسة لقياس انعكاسات تحرير التجارة على الصادرات والواردات والناتج الداخلي الإجمالي.
وتكتسي الحالة المغربية أهمية خاصة داخل الدراسة التي تولى مكتب Copenhagen Economics إنجاز حساباتها، ليس فقط بالنظر إلى امتداد العلاقات التجارية بين المملكة والاتحاد الأوروبي، ولكن أساسا إلى حجم التحولات التي سجلتها المبادلات بعد خفض الرسوم الجمركية والعوائق التجارية بين الطرفين.
وبحسب التقييم اللاحق للاتفاق، بلغ الأثر المقدر على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى المغرب 43 نقطة مئوية مقارنة بالمسار المفترض في غياب الاتفاق، مقابل 23 نقطة مئوية بالنسبة إلى واردات الاتحاد القادمة من المملكة، فيما قدر الأثر على مستوى الناتج الداخلي الإجمالي المغربي بنحو 0.6 نقطة مئوية.
وبهذه الأرقام، أصبحت التجربة المغربية واحدة من الحالات التي يعتمد عليها النموذج الاقتصادي لاستشراف ما يمكن أن تفرزه اتفاقيات الاتحاد الأوروبي المقبلة مع عدد من الأسواق الكبرى والناشئة، وفي مقدمتها الهند ودول ميركوسور وأستراليا وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند والإمارات العربية المتحدة.
43 نقطة إضافية للصادرات الأوروبية
وضع الدراسة المغرب ضمن الأسواق التي سجل فيها تحرير التجارة أثرا قويا على الصادرات الأوروبية، فالتقييم ينسب إلى الاتفاق زيادة قدرها43نقطة مئوية في صادرات الاتحاد الأوروبي إلى السوق المغربية مقارنة بالمسار الذي كان من الممكن أن تسلكه هذه الصادرات لو لم يكن الاتفاق قائما.
ويضع هذا الرقم المغرب في المستوى نفسه مع كوريا الجنوبية، التي سجلت بدورها 43 نقطة، وخلف تونس التي تصدرت الحالات التي شملتها المقارنة بـ57 نقطة.
وتأتي مصر بعد ذلك بـ34 نقطة، ثم لبنان بـ24 نقطة، والأردن بـ22، والمكسيك بـ19، فيما سجلت كندا 15 نقطة.
ولا تعني هذه الأرقام أن صادرات الاتحاد الأوروبي إلى المغرب ارتفعت بنسبة 43 في المائة خلال سنة بعينها، فالدراسة لا تقيس معدل نمو سنوي وإنما تحاول تحديد الفارق بين ما تحقق فعليا وبين سيناريو اقتصادي افتراضي يفترض عدم وجود الاتفاق.
وتسعى هذه المقاربة إلى عزل الأثر الذي يمكن نسبه إلى تحرير التجارة نفسه، سواء من خلال خفض الرسوم الجمركية أو تقليص العوائق الأخرى التي كانت ترفع كلفة دخول السلع إلى الأسواق.
23 نقطة في الاتجاه المغربي نحو أوروبا
في الاتجاه المقابل، أي بالنسبة إلى السلع المغربية المصدرة إلى السوق الأوروبية، يقدر النموذج أثر الاتفاق بنحو 23 نقطة مئوية على واردات الاتحاد الأوروبي من المغرب.
وهو رقم يضع المملكة خلف كوريا الجنوبية التي بلغ الأثر المقدر بالنسبة إليها 26 نقطة، وتونس بـ25 نقطة، لكنه يتجاوز الجزائر التي سجلت 21 نقطة، والمكسيك بـ16، ولبنان بـ15، وكندا بـ14، ومصر بـ11، والأردن بثلاث نقاط.
وتكشف المقارنة بين الاتجاهين عن فارق لافت في آثار تحرير المبادلات، ففي الوقت الذي يقدر فيه أثر الاتفاق على الصادرات الأوروبية نحو المغرب بـ43 نقطة، يتراجع الرقم إلى 23 نقطة بالنسبة إلى تدفقات السلع المغربية نحو الاتحاد الأوروبي.
ويرتبط جزء أساسي من هذا الفارق، بحسب المنهجية التي اعتمدتها الدراسة، بمستويات الحماية التجارية التي كانت قائمة لدى الطرفين قبل عملية التحرير. فكلما ارتفعت الرسوم والحواجز قبل الاتفاق، كان إسقاطها أو تخفيضها قادرا على إحداث تحول أكبر في حركة السلع وهنا تظهر واحدة من أبرز خصوصيات التجربة المغربية.
المغرب خفض الرسوم بـ32 نقطة
تكشف المعطيات المتعلقة بالرسوم الجمركية عن فارق كبير بين ما تغير في السوق المغربية وما تغير في السوق الأوروبية.
فبحسب الحسابات التي اعتمدها التقرير، انخفضت الرسوم التي كانت تواجه المنتجات المغربية عند دخول الاتحاد الأوروبي بنحو نقطة مئوية واحدة، في حين وصل الانخفاض بالنسبة إلى الرسوم التي كانت تواجه المنتجات الأوروبية داخل السوق المغربية إلى حوالي 32 نقطة مئوية.
ويعني ذلك أن هامش التحرير الجمركي كان أوسع بكثير من الجانب المغربي، بالنظر إلى اختلاف نقطة الانطلاق بين السوقين.
وتساعد هذه المعطيات على تفسير ارتفاع الأثر المقدر على الصادرات الأوروبية نحو المملكة فالمنتجات الأوروبية استفادت، وفق النموذج، من انخفاض أكبر بكثير في الحواجز التي كانت تواجهها عند الولوج إلى السوق المغربية.
وعند إدراج العوائق غير الجمركية ضمن الحساب، يصبح الفارق أكثر وضوحا، فالدراسة تقدر الانخفاض الإجمالي في تكاليف التجارة التي تواجه الطرف المغربي للولوج إلى السوق الأوروبية بنحو خمس نقاط، بينما يصل الانخفاض بالنسبة إلى الشركات الأوروبية المتعاملة مع السوق المغربية إلى 37 نقطة.
ويمثل خفض الرسوم المغربية، المقدر بـ32 نقطة، الجزء الأكبر من هذا الرقم، فيما يعود الجزء المتبقي إلى التراجع المفترض في العوائق غير الجمركية.
غير أن التقرير يضع تحفظا منهجيا مهما بخصوص هذه النقطة، فالمعطيات المتوفرة حول الحواجز غير الجمركية ليست مفصلة بالدرجة نفسها لكل بلد من بلدان مجموعة “Euromed”، ولذلك لجأ الباحثون إلى اعتماد فرضيات مشتركة بالنسبة إلى المغرب وتونس ومصر والأردن والجزائر ولبنان.
وعليه، لا يمكن التعامل مع الأرقام الخاصة بهذا الجانب باعتبارها قياسات إحصائية مغربية مستقلة بالكامل، بقدر ما تظل تقديرات مرتبطة بالمنهجية التي بُني عليها النموذج.
0.6 نقطة في الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب
ولا تقتصر النتائج على حركة السلع، فالدراسة تربط اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي بأثر يقدر بنحو0.60نقطة مئوية على مستوى الناتج الداخلي الإجمالي المغربي مقارنة بالسيناريو الذي يفترض عدم وجود الاتفاق.
وتضع هذه النتيجة المغرب ضمن أعلى الحالات التي شملتها الدراسة، كما تتصدر تونس المقارنة بأثر مقدر في 1.50 نقطة مئوية، يليها المغرب بـ0.60 نقطة، ثم كوريا الجنوبية بـ0.58 نقطة ويسجل كل من الأردن ومصر 0.40 نقطة، مقابل 0.34 نقطة للمكسيك و0.07 نقطة لكندا لكن الرقم المغربي لا يعني أن الاتفاق يضيف 0.6 في المائة إلى النمو الاقتصادي للمملكة كل سنة.
فالتقييم يقيس الفرق في مستوى الناتج الداخلي الإجمالي بين الوضع الذي تحقق في ظل الاتفاق وبين الوضع الافتراضي الذي كان يمكن تسجيله من دونه، ولا يتعلق بمعدل نمو سنوي متكرر.
كما لا تسمح المعطيات الواردة في التقرير بتحويل هذه النسبة بصورة مباشرة إلى قيمة مالية بالدرهم، لعدم توفر أساس نقدي خاص بالمغرب داخل هذا التقييم التاريخي يسمح بإجراء حساب من هذا النوع.
لا رقم منفصلا لأثر الاتفاق على الاقتصاد الأوروبي
وفي المقابل، لا توفر الدراسة تقديرا منفصلا للأثر الذي أحدثه الاتفاق مع المغرب وحده على الناتج الداخلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي.
فالرقم المتاح، البالغ0.02 نقطة مئوية، يتعلق بمجموعة “Euromed” ككل والتي تضم وفق التصنيف المعتمد في الدراسة، المغرب وتونس ومصر والأردن والجزائر ولبنان.
ويشير التقرير إلى أن هذا الأثر الجماعي لا يمكن تفكيكه وتوزيعه على البلدان الستة، وبالتالي لا يمكن نسبة رقم محدد منه إلى العلاقة التجارية مع المغرب وحده.
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة عند قراءة حصيلة الاتفاق، لأن الدراسة توفر رقما مستقلا للأثر على الناتج المغربي لكنها لا توفر مقابله رقما يسمح بقياس مساهمة الاتفاق المغربي منفردا في الناتج الأوروبي.
لماذا تدرس أوروبا تجربة المغرب الآن؟
لا يقف التقرير عند حدود تقييم اتفاقيات سبق تنفيذها. فالغاية الأساسية من العودة إلى هذه التجارب تتمثل في استخدامها لبناء تقديرات بشأن الاتفاقيات التجارية التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إبرامها أو توسيعها خلال السنوات المقبلة.
ولهذا جمع Copenhagen Economics عددا من الاتفاقيات السابقة، ودرس العلاقة بين انخفاض تكاليف التجارة من جهة، والتغير الذي سجلته الصادرات والواردات والناتج الداخلي الإجمالي من جهة ثانية.
ومن هذه النتائج يستخرج النموذج معاملات تستخدم لتقدير حجم التغير الذي يمكن أن يحدث عندما تدخل اتفاقيات جديدة حيز التطبيق.
وتدخل التجربة المغربية في هذا المسار إلى جانب تجارب كوريا الجنوبية وتونس ومصر والأردن والمكسيك وكندا وغيرها.
ومن خلال ما حدث فعليا بعد تحرير جزء واسع من التجارة بين الرباط وبروكسيل، أصبحت النتائج المسجلة في السوق المغربية جزءا من المعطيات التي تستعين بها الدراسة لمحاولة تقدير ما يمكن أن يحدث في أسواق أخرى.
وتشمل قائمة الاتفاقيات المستقبلية التي تناولها التقرير أسواقا ذات وزن اقتصادي وديمغرافي كبير، من الهند إلى دول تجمع ميركوسور، مرورا بأستراليا وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند والإمارات العربية المتحدة.
أوروبا تراهن على 303 مليارات يورو من التجارة الإضافية
وبناء على النتائج المستخلصة من الاتفاقيات السابقة، يقدر اتحاد أرباب العمل السويدي أن موجة الاتفاقيات التجارية الجديدة يمكن أن تترك أثرا كبيرا على تجارة الاتحاد الأوروبي عند بلوغها مرحلة التطبيق الكامل في أفق سنة 2035.
وتشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق ما بين 136 و173 مليار يورو من الصادرات الأوروبية الإضافية، مقابل ما بين 108 و130 مليار يورو من الواردات الإضافية أما إجمالي التجارة الإضافية، فيمكن أن يصل، بحسب الدراسة، إلى نحو 303 مليارات يورو.
وعلى مستوى الناتج الداخلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، تتراوح المكاسب المقدرة بين 36 و108 مليارات يورو، بما يعادل ما بين 0.2 و0.5 في المائة من الناتج الأوروبي، بالاعتماد على أسعار سنة 2024.
اتفاق قديم يدخل حسابات أوروبا الجديدة
تكشف الدراسة أن موقع الاتفاق المغربي الأوروبي تجاوز، في هذا التقييم حدود العلاقة الثنائية بين الرباط وبروكسيل، فالتجربة التي راكمها الطرفان خلال سنوات من تحرير المبادلات أصبحت اليوم واحدة من الحالات التي تُقاس عليها النتائج المحتملة لاتفاقيات أوروبية أخرى.
وتبرز الأرقام في الآن نفسه، تفاوتا واضحا بين اتجاهي المبادلات. فالأثر المقدر على الصادرات الأوروبية إلى المغرب بلغ 43 نقطة مئوية، مقابل 23 نقطة بالنسبة إلى الواردات الأوروبية القادمة من المملكة، بينما كان حجم خفض الرسوم الجمركية أكبر بكثير في السوق المغربية بواقع 32 نقطة مئوية، مقابل نقطة واحدة على الجانب الأوروبي وفق حسابات الدراسة.
وفي المقابل، يقدر التقييم أن الاتفاق ارتبط بأثر يصل إلى 0.60 نقطة مئوية على مستوى الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب مقارنة بالسيناريو المفترض في غيابه، وهي واحدة من أعلى النتائج المسجلة ضمن الحالات التي تناولتها الدراسة.
وبعد سنوات من قياس أثر فتح السوق المغربية أمام التجارة الأوروبية، تعود هذه التجربة اليوم إلى واجهة النقاش من زاوية مختلفة أرقام اتفاق المغرب والاتحاد الأوروبي أصبحت ضمن الحسابات التي تستخدم لتقدير ما يمكن أن تجنيه أوروبا من اتفاقيات التجارة الحرة التي تفاوض عليها للسنوات المقبلة.