الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

هذا التحول لا يستمد أهميته فقط من إضافة دولة جديدة إلى قائمة الدول التي تعزز الموقف المغربي في قضية الصحراء، بل من كون كولومبيا تعد من الدول ذات الوزن السياسي والاقتصادي في أمريكا الجنوبية، وهي منطقة احتفظت فيها ميليشيا البوليساريو تاريخيا بشبكة من العلاقات والدعم، كما أن بوغوتا تشغل حاليا مقعدا غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة 2026-2027.

وبين كولومبيا التي أعادت، مع وصول غوستافو بيترو إلى السلطة سنة 2022، علاقاتها مع البوليساريو، وكولومبيا التي تعلن اليوم، في عهد الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، تغير موقع دولة كانت تحسب، إلى وقت قريب، ضمن الأصوات غير المريحة للرباط داخل مجلس الأمن.

من بوغوتا إلى مجلس الأمن.. أكثر من اعتراف جديد

أعلنت كولومبيا موقفها الجديد خلال لقاء جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار.

وأكد إسكوبار أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، فيما اعتبر ريستريبو أن القرار يشكل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، وذهب أبعد من ذلك بوصف المغرب بـ”حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا”، معبرا عن رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

أما وزير الخارجية المغربية، فوصف سحب بوغوتا اعترافها بالكيان الانفصالي والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء بالقرار “التاريخي”، معتبرا أنه قادر على منح دفعة قوية للعلاقات الثنائية.

لكن القراءة السياسية للقرار تتجاوز العلاقات بين الرباط وبوغوتا، بالنظر إلى أن كولومبيا تشغل منذ يناير 2026 مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، وتستمر عضويتها إلى غاية نهاية 2027، وهو معطى يمنح التحول الجديد وزنا إضافيا، لأن بوغوتا ستكون حاضرة بصوتها داخل المجلس لدعم المغرب.

أكتوبر.. أول اختبار للموقف الجديد

يأتي التحول الكولومبي بعد أقل من سنة من اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ومنح مقترح الحكم الذاتي المغربي أولوية في تسوية سياسية للنزاع المفتعل.

واعتمد القرار بـ11 صوتا دون أي صوت معارض، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

وبالتالي، سيكون أكتوبر 2026 أول موعد كبير يمكن أن تظهر فيه عمليا توجهات الدبلوماسية الكولومبية الجديدة بشأن الملف.

واللافت أن بوغوتا كانت، إلى وقت قريب، تُقرأ في الاتجاه المعاكس، إذ في تحليل نشر في يونيو الماضي حول تركيبة مجلس الأمن وتأثيرها على ملف الصحراء، اعتبر السفير السابق والباحث في العلاقات الدولية، أحمد فوزي، أن كولومبيا كانت العضو الذي يمكن أن يعارض التطور الذي يعرفه الملف، رابطا ذلك باعتبارات إيديولوجية أكثر منها بحسابات مرتبطة بتطور النزاع نفسه.

تحول بدلالات متعددة الأبعاد

وفي هذا السياق، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التحول الكولومبي يحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، بالنظر إلى عضوية بوغوتا الحالية في مجلس الأمن وتوقيت القرار قبيل استحقاق أكتوبر.

ويوضح أبو الذهب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “انتقال كولومبيا من الاعتراف بالكيان الانفصالي إلى الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه يمثل تحولا سياسيا مهما في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن، لأن الأمر يتعلق بدولة تملك اليوم صوتا داخل المجلس، ما يعزز الدينامية الدبلوماسية الداعمة للموقف المغربي، خصوصا مع اقتراب مناقشة الملف مجددا في أكتوبر المقبل”.

ويضيف أن هذا التحول يحمل دلالة إضافية بالنظر إلى موقع كولومبيا داخل أمريكا اللاتينية، التي شكلت تاريخيا إحدى ساحات تحرك البوليساريو.

أربع سنوات بين موقفين متناقضين

في غشت 2022، بعد وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة، أعادت كولومبيا علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية، بعدما كانت هذه العلاقات مجمدة منذ سنوات.

وفي أبريل 2026، قبل أربعة أشهر فقط من رحيل بيترو، استقبلت الرئاسة الكولومبية أوراق اعتماد ممثل للبوليساريو بصفته سفيرا في بوغوتا.

لكن العلاقة مع البوليساريو لم تكن تحظى بإجماع داخلي كولومبي، إذ صدرت خلال السنوات الماضية مواقف عن برلمانيين كولومبيين تنتقد توجه السلطة التنفيذية، وتدعو في المقابل إلى تعزيز العلاقات مع المغرب ودعم وحدته الترابية.

ومع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بدأ اتجاه السياسة الخارجية الكولومبية يتغير بعدما وصل أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى كرسي الرئاسة، حاملا توجها سياسيا مختلفا عن سلفه، لتظهر أولى إشارات القطيعة حتى قبل تنصيبه، عندما أعلن إعادة هيكلة الشبكة الدبلوماسية لبلاده وإغلاق عدد من السفارات، من بينها السفارة الكولومبية في الجزائر.

وبرر الرئيس الجديد إعادة الهيكلة بالرغبة في تقليص النفقات وتوجيه الموارد إلى أولويات داخلية، مؤكدا أن إغلاق السفارات لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الدول المعنية، غير أن هذه الخطوة، متبوعة بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، تعكس في إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الخارجية الكولومبية بعد انتهاء مرحلة بيترو.

ماذا يربح المغرب؟

يشكل الموقف الكولومبي الجديد مكسبا كبيرا للمغرب، إذ على المستوى الأممي، يعد تحول موقف دولة تشغل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، بعدما كانت تُصنف قبل أشهر قليلة ضمن الدول التي يمكن أن تتحفظ على المسار الذي أخذه الملف، ضربة موجعة للجبهة الانفاصلية، وراعيتها الجزائر.

لكن المكسب الأهم بالنسبة للمغرب فيتجلى في الموقف الكولومبي نفسه، فبوغوتا لم تكتف بتوصيف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالجدية أو المصداقية، وإنما انتقلت إلى إعلان الاعتراف بـ”سيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يتجاوز مجرد دعم البحث عن حل سياسي في إطار المقترح المغربي.

ويأتي ذلك في سياق دبلوماسي تعمل فيه الرباط على توسيع دائرة الدول التي انتقلت مواقفها من دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل إلى التعبير عن مواقف أكثر وضوحا بشأن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.

ماذا تريد كولومبيا من المغرب؟

تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح، والتصريحات الصادرة عن القيادة الكولومبية الجديدة تكشف أن بوغوتا تبحث بدورها عن بناء علاقة مختلفة مع المغرب بعد موقفها الجديد في ملف الصحراء.

ووصف نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو المملكة بأنها “حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا” يكشف جزءا من التصور الجديد للعلاقة بين البلدين.

وبالنسبة إلى بوغوتا، يمكن للمغرب أن يشكل بوابة لتعزيز الحضور الكولومبي في القارة الإفريقية، مستفيدا من شبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية وحضور مقاولاته واستثماراته في عدد من دول القارة.

وفي الاتجاه المقابل، تستطيع كولومبيا أن تشكل للمغرب منصة إضافية لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية، وهو ما عبر عنه ناصر بوريطة عندما أكد أن المغرب وكولومبيا يمكن أن يشكلا منصتين اقتصاديتين لبعضهما البعض، بالاستفادة من موقعيهما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *