الوسم: مبادرة الحكم الذاتي

  • 10 أشهر غيّرت مسار الصحراء.. ماذا يطبخ قبل حسم أكتوبر؟

    10 أشهر غيّرت مسار الصحراء.. ماذا يطبخ قبل حسم أكتوبر؟

    في الساعات الأولى من فجر الجمعة 31 أكتوبر 2025، حسم مجلس الأمن تصويته على القرار رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية بأحد عشر عضوا أيدوا القرار، فيما امتنعت روسيا والصين وباكستان بينما لم تشارك الجزائر في التصويت ضمن قرار حمل معه تحولا في المقاربة التي يدير بها مجلس الأمن الملف، ووضع مساره السياسي أمام معادلة مختلفة عن تلك التي رافقته منذ نصف قرن من عمر النزاع المفتعل حول الصحراء.

    القرار 2797، لم يكن تجديدا سنويا روتينيا لولاية بعثة أممية، فللمرة الأولى في تاريخ القرارات الأممية المتعلقة بالنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة، أدرج المجلس مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “أساسا” للمفاوضات بلغة صريحة كما دعا الأطراف إلى الانخراط في مشاورات تنطلق منها لا من سواها.

    عشرة أشهر بعد ذلك التصويت، يقف الملف على عتبة الاستحقاق الأممي المقبل في أكتوبر 2026، كما أن المشهد الذي يتشكّل بحسب المعطيات المتاحة من خمس عواصم دبلوماسية، يوحي بأن ما هو مقبل ليس تجديدا آخر لولاية بعثة بل تحولا في هندسة النزاع المفتعل نفسه.

    وتكشف القراءة الدقيقة لنص القرار 2797، قفزة نوعية في المعجم الأممي مقارنة بالقرارات السابقة التي كانت تتحدث عن مبادرة الحكم الذاتي بوصفها “أحد الأسس” أو “بين المقترحات القابلة للنقاش”.

    أما القرار الجديد، الذي اعتمد بعد مفاوضات ماراثونية داخل المجلس وتعديلات في اللحظات الأخيرة على الصيغة النهائية، فقد جاء بصياغة لا تحتمل التأويل، إذ عبّر مجلس الأمن عن دعمه الكامل للأمين العام ومبعوثه الشخصي في “تيسير وإجراء مفاوضات تتخذ من مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا” بهدف بلوغ حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين .

    ويعرف الفقهاء الدوليون أن كلمة “أساس” ليست مفردة بريئة في الأدب التفاوضي الأممي، بل تعني بلسان القانون الدولي المعاصر “المرجعية الحصرية للنقاش”، لا “نقطة انطلاق قابلة للتعديل”.

    وهذا الفارق اللغوي يترتب عنه فارق سياسي جسيم، فمن هذه اللحظة لم يعد بإمكان أي طرف أن يطرح خيارا بديلا بوصفه “متكافئا” مع مبادرة الحكم الذاتي داخل قاعات الأمم المتحدة.

    يضاف إلى ذلك عنصرٌ إجرائي بالغ الأثر، فقد كلّف القرار الأمين العام أنطونيو غوتيريش بتقديم “مراجعة استراتيجية لولاية المينورسو” في غضون ستة أشهر، وهي المراجعة التي جاءت إحاطة المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا أمام المجلس في الخامس والعشرين من أبريل 2026 ترجمة عملية لها، وتعني أن الدبلوماسية الأممية لا تدرج مراجعات من هذا الحجم إلا حين تستشعر أن ملفا معيّنا بلغ مرحلة نضج تفاوضي.

    أما امتناع روسيا والصين وباكستان، فقد حمل دلالة لا تقلّ عن دلالة الأصوات المؤيدة، سيما أن الدولتين الدائمتي العضوية اللتين تتوفران على حق النقض، اختارتا ألا تستخدماه، وهو ما يعني في قواعد المجلس في هذا النوع من القرارات قرارا ضمنيا بعدم اعتبار الملف ورقة استراتيجية تستحق المواجهة المفتوحة مع واشنطن.

    أما غياب الجزائر حاضنة جبهة البوليساريو الانفصالية عن قاعة التصويت، وهي العضو غير الدائم في المجلس آنذاك فلم يكن حيادا وإنما كان اعترافا مقلوبا بالعجز، إذ لم تجد الدبلوماسية الجزائرية ما يبرّر رفضا علنيا ولا ما يتيح لها تأييدا فآثرت الانسحاب، كما أنه وفي أعراف مجلس الأمن الغياب في لحظات الحسم مساو للإقرار.

    هندسة “بولس” ثلاث جولات في أربعة أسابيع

    خلف تحوّل النص الأممي، تعمل ماكينةٌ دبلوماسية بعيدةٌ عن الأضواء تديرها الإدارة الأمريكية بوتيرة لم يعرفها الملف منذ اتفاقات هيوستن سنة 1997، ويقودها ميدانيا مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط.

    بولس، رجل الأعمال اللبناني الأمريكي ووالد زوجة تيفاني ترامب، ليس دبلوماسيا بالمعنى التقليدي وإنما رجل صفقات يعمل بمنطق التاجر بعيدا عن أضواء المؤتمرات الصحفية، كما يستهدف وفق ما يتداول في الأوساط الدبلوماسية بواشنطن، إغلاق ملف الصحراء المغربية قبل صيف 2027، ضمن ما تسمّيه الإدارة الأمريكية “الصفقات الإفريقية الكبرى”.

    الجدول الزمني لتحرّكات بولس منذ مطلع 2026 يكشف عن استراتيجية محكمة قائمة على التراكم السريع للوقائع، ففي الـ26 من يناير الماضي، حلّ بولس في الجزائر في زيارته الثانية منذ توليه المنصب، لبحث “الملفات الإقليمية العالقة وتطورات ملف نزاع الصحراء”.

    وأعلنت السفارة الأمريكية في الجزائر حينها عن الزيارة في إطار “تعزيز الشراكة الثنائية والعمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة”، بلغة دبلوماسية تخفي أكثر مما تظهر.

    بعد أيام قليلة في مطلع فبراير، انعقدت في مدريد الجولة الأولى من مفاوضات رباعية جمعت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا حول طاولة واحدة، برعاية أمريكية إسبانية، وفي التاسع من الشهر ذاته نشرت صحيفة “أتلاير” الإسبانية أن الجزائر؛ وقد جلست إلى الطاولة “طرفا مشاركا لا مراقبا كما كانت تشترط تاريخيا، قبلت “الوثيقة التقنية” التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي “الوثيقة التفاوضية الوحيدة”،  وهو ما يعني أن الجدار العقيدي الذي شيّدته الدبلوماسية الجزائرية طوال خمسة عقود قد بدأ يتصدّع في صمت.

    وبعد أسبوعين فقط من لقاء مدريد، كشفت صحيفة “إل كونفيدونسيال” الإسبانية عن جولة ثالثة عقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026، وهذا يعني  ثلاث جولات تفاوضية في أقل من أربعة أسابيع بمشاركة الأطراف الأربعة وبإدارة أمريكية مباشرة، ضمن إيقاع يكشف عن حجم الرهان الأمريكي، وهو خلق واقع تفاوضي جديد بوتيرة أسرع من قدرة الأطراف الرافضة على التقاط أنفاسها.

    دي ميستورا: من الميسر إلى شاهد “الزخم الحقيقي

    على المسار الأممي، يواكب المبعوث الشخصي للأمين العام الدبلوماسي الإيطالي السويدي ستافان دي ميستورا الدينامية الأمريكية بأسلوبه الحذر المعهود، لكن في الـ25 من أبريل حصل ما لم يتوقّع، حيث وقف دي ميستورا أمام مجلس الأمن في جلسة مغلقة ليقدّم إحاطته الاستراتيجية المنصوص عليها في القرار 2797، وأخرج من قاموسه الدبلوماسي عبارتين ثقيلتين بتحدثه عن “زخم حقيقي” وعن “فرصة فعلية” لتسوية نهائية للنزاع وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية.

    في القاموس الأممي لا تقال هذه العبارات مجانا، فالمبعوثون الشخصيون للأمين العام يعملون في العادة بلغة حيادية متحفّظة تصف “التحديات” و”المخاوف”، ولا يغامرون بمفردات إيجابية إلا حين يستشعرون أن العملية السياسية دخلت مرحلة جديدة، وبالتالي فإن تحدث دي ميستورا عن “زخم حقيقي” هو إشارة محسوبة إلى أن المفاوضات الأمريكية الرباعية بلغت مرحلة من النضج تستحق الإعلان عنها أمام أعلى هيئة أممية.

    وبين 7 و15 يونيو 2026، شرع دي ميستورا في جولة إقليمية، إذ وصل في 7 يونيو إلى مطار تندوف حيث استقبله ممثل جبهة البوليساريو الانفصالية لدى الأمم المتحدة وأعضاء بعثة المينورسو،  ثم انتقل إلى الجزائر العاصمة وإلى نواكشوط، قبل أن يختتم جولته في الرباط.

    اللافت أن الخطاب الجزائري في استقباله بدا مغايرا في تركيبه اللغوي، إذ لم يعد وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف يستحضر “استفتاء تقرير المصير” بوصفه شرطا مؤسسا، بل تحدث عن “دعم الجزائر لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي” و”ضرورة توفير الظروف المثلى للمفاوضات دون شروط مسبقة”، وهذا التحوّل؛ وإن بدا طفيفا في الشكل، يترجم في المضمون انزياحا بطيئا من موقع “الطرف الرافض” إلى موقع “الطرف المنتظر”.

    تفكّك الرواية الجزائرية

    الأخطر في هندسة المرحلة الراهنة هو ما يمكن تسميته تفكيك الرواية الجزائرية، فطوال عقود شيّدت الدبلوماسية الجزائرية خطابها حول ثلاث مسلّمات متكاملة، الأولى أنها “دولةٌ معنية” بالنزاع وليست “طرفا فيه”، وأن الحلّ ينبغي أن يصاغ بين المغرب والبوليساريو، والثانية، أن الحل الوحيد المقبول هو استفتاء تقرير المصير، أما الثالثة فهي أن جبهة البوليساريو هي “الممثل الشرعي للشعب الصحراوي”.

    وفي أقل من ثلاثة أشهر؛ وبالضبط بين يناير وفبراير 2026، تصدّعت المسلّمات الثلاث في وقت واحد، وكل ذلك ترجمه جلوس الجزائر إلى طاولة الحوار في مدريد باعتبارها “طرفا مشاركا لا مراقبا” ما نسف المسلّمة الأولى.

    ثم قبولها بالوثيقة التقنية التي تعتبر الحكم الذاتي المرجع الوحيد ما نسف المسلّمة الثانية، وأخيرا جلوسها في واشنطن مع البوليساريو ككيان من أربعة أطراف متساوية على الطاولة ما نسف المسلّمة الثالثة، وبالتالي باتت الجزائر مساوية للجبهة في التمثيلية لا وصيّة عليها.

    وحاولت الدبلوماسية الجزائرية إخفاء هذا الانزياح بخطابات داخلية تواصل الحديث عن “الثوابت”، غير أن لغتها الرسمية على الصعيد الدولي غدت تنطق بعكس ذلك، والمسافة بين ما يقال في القاعات الأممية وما يذاع على القنوات المحلية اتسعت إلى حدّ أنها باتت تكشف أكثر مما تخفي حول عمق الأزمة التي تعيشها الاستراتيجية الجزائرية والانتقال من لغة الرفض إلى لغة التكيّف تحت الضغط لم يكن اختيارا بل استجابة لواقع فرضته ماكينة الدبلوماسية الأمريكية.

    المسار الأوروبي.. من الحذر إلى المواكبة

    بموازاة الديناميكية الأمريكية، تحوّل الموقف الأوروبي بدوره وإن كان بحسابات أشدّ حذرا، من “إدارة الملف” إلى “مواكبة التسوية”، فالعواصم التي تمسّكت تاريخيا بلغة “الحلول المتفاوض عليها دون تحديد” بما فهيا باريس، مدريد، برلين، لندن باتت اليوم تدرج القرار 2797 مرجعية ثابتة في تعاطيها مع الملف.

    وذهبت باريس أبعد من ذلك، فمنذ يوليوز 2024 حين أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون في رسالته إلى الملك محمد السادس أن “حاضر ومستقبل الصحراء يقع في إطار السيادة المغربية”، قبل أن يكرّس هذا التحوّل في زيارة الدولة إلى الرباط في أكتوبر من العام ذاته.

    أما التحول الإسباني فقد حصل في 14 مارس 2022، عندما وجّه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس، اعتبرت فيها مدريد مبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة سنة 2007، “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع وأعلن مضمون الرسالة رسميا في 18 مارس 2022، ثم خلال الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر مغربي-إسباني في دجنبر 2025، رحّبت الحكومة الإسبانية صراحة بالقرار 2797، وأعادت التأكيد أن مبادرة الحكم الذاتي تشكّل “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” للتسوية، أما لندن فقد التحقت بهذا الركب في يونيو 2025 بموقف حكومي رسمي دعم مبادرة الحكم الذاتي.

    في أمريكا اللاتينية، جاءت الضربة الدبلوماسية الأحدث من كولومبيا، ففي غشت الجاري وإثر لقاء جمع نائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أعلنت بوغوتا اعترافها الرسمي بسيادة الرباط على الصحراء المغربية، منهية عقودا من الغموض في موقفها التقليدي والداعم للجبهة الانفصالية كما أن الإعلان مثّل تحولا استراتيجيا في القارة اللاتينية التي طالما شكّلت أحد المعاقل التاريخية لأطروحة “تقرير المصير بالمفهوم الجزائري”.

    أما المفوضية الأوروبية، فقد بدأت تصيغ خطابها حول ضرورة “استئناف المفاوضات وتفادي التصعيد”، وهي صياغةٌ تشير بمعايير الدبلوماسية الأوروبية إلى الانتقال من الحياد المهذّب إلى المواكبة الفعلية للمسار الأمريكي.

    أكتوبر 2026 قراءةٌ في السيناريوهات المقبلة

    في أكتوبر المقبل، سيقف مجلس الأمن أمام لحظة حسم من نوع مختلف، فالجدول الزمني معلوم وهو إحاطةٌ ثانية لدي ميستورا، تجديد ولاية المينورسو التي تنتهي في الحادي والثلاثين من الشهر ذاته، وربما وهنا يكمن الجوهر صياغة قرار جديد يبني على مكاسب 2797 ويضيف إليها.

    وتشير قراءة السياق الدبلوماسي إلى ثلاثة سيناريوهات متفاوتة الاحتمال، السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحا في تقدير المراقبين، ويتمثل في صدور قرار جديد يعيد تأكيد مركزية مبادرة الحكم الذاتي بصياغة أشدّ صراحة ويدرج جدولا زمنيا أكثر إلزاما للمفاوضات وهذا السيناريو يخدم الرباط ويحرج الجزائر كما يتيح للإدارة الأمريكية أن تدّعي “نجاحا دبلوماسيا” قبيل الاستحقاقات الانتخابية النصفية.

    السيناريو الثاني هو قرار “استمرار الزخم” دون قفزة نوعية، بانتظار نضج الجولات التفاوضية القادمة كما يتيح هذا الخيار الحفاظ على المكاسب المنجزة دون المخاطرة بها في مواجهة سابقة لأوانها مع موسكو أو بكين.

    السيناريو الثالث وهو الأقلّ احتمالا، يكمن في عرقلة روسية صينية تجبر واشنطن على تليين اللغة، غير أن هذا السيناريو الأخير يصطدم بحقيقة صلبة وهي أن موسكو وبكين اكتفتا في تصويت 2025 بالامتناع، ولم تلوّحا باستخدام حق النقض، فيما الحسابات الاستراتيجية للدولتين المنشغلتين بملفات أكبر من قبيل أوكرانيا وتايوان والتنافس التكنولوجي مع واشنطن لا تشير إلى أنهما ستغيّران هذا الموقف في أكتوبر المقبل.

    كل هذه التحولات تضع المغرب أمام اختبار من طبيعة مغايرة لكل ما اعتاد التعامل معه طيلة نصف قرن من الدفاع عن مبادرته، فحين تنتقل المبادرة من مقترح يبحث عن اعتراف إلى مرجعية أممية معتمدة ينتقل التحدي من الإقناع إلى الإدارة.

    ولم يعد مطلوبا من الرباط أن تشرح جدارة الحكم الذاتي، بل أن تقدّم تفاصيل تطبيقه فالهندسة القانونية الدقيقة والبنية المؤسساتية الجاهزة والترتيبات المالية الواضحة وتصوّر لعلاقات الأقاليم الجنوبية بالمركز وبمحيطها الإقليمي، ومنظومة لتدبير الموارد الطبيعية بما فيها الفوسفاط والصيد البحري وطاقات الرياح والشمس التي باتت تشكّل عصب الاقتصاد الأخضر في المنطقة، وهذه هي الأسئلة الحقيقية التي لم تكن مطروحة قبل أكتوبر 2025، وباتت اليوم الأسئلة الوحيدة الجدير طرحها في الكواليس الدبلوماسية بواشنطن ومدريد ونيويورك.

  • الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    هذا التحول لا يستمد أهميته فقط من إضافة دولة جديدة إلى قائمة الدول التي تعزز الموقف المغربي في قضية الصحراء، بل من كون كولومبيا تعد من الدول ذات الوزن السياسي والاقتصادي في أمريكا الجنوبية، وهي منطقة احتفظت فيها ميليشيا البوليساريو تاريخيا بشبكة من العلاقات والدعم، كما أن بوغوتا تشغل حاليا مقعدا غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة 2026-2027.

    وبين كولومبيا التي أعادت، مع وصول غوستافو بيترو إلى السلطة سنة 2022، علاقاتها مع البوليساريو، وكولومبيا التي تعلن اليوم، في عهد الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، تغير موقع دولة كانت تحسب، إلى وقت قريب، ضمن الأصوات غير المريحة للرباط داخل مجلس الأمن.

    من بوغوتا إلى مجلس الأمن.. أكثر من اعتراف جديد

    أعلنت كولومبيا موقفها الجديد خلال لقاء جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار.

    وأكد إسكوبار أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، فيما اعتبر ريستريبو أن القرار يشكل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، وذهب أبعد من ذلك بوصف المغرب بـ”حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا”، معبرا عن رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    أما وزير الخارجية المغربية، فوصف سحب بوغوتا اعترافها بالكيان الانفصالي والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء بالقرار “التاريخي”، معتبرا أنه قادر على منح دفعة قوية للعلاقات الثنائية.

    لكن القراءة السياسية للقرار تتجاوز العلاقات بين الرباط وبوغوتا، بالنظر إلى أن كولومبيا تشغل منذ يناير 2026 مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، وتستمر عضويتها إلى غاية نهاية 2027، وهو معطى يمنح التحول الجديد وزنا إضافيا، لأن بوغوتا ستكون حاضرة بصوتها داخل المجلس لدعم المغرب.

    أكتوبر.. أول اختبار للموقف الجديد

    يأتي التحول الكولومبي بعد أقل من سنة من اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ومنح مقترح الحكم الذاتي المغربي أولوية في تسوية سياسية للنزاع المفتعل.

    واعتمد القرار بـ11 صوتا دون أي صوت معارض، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    وبالتالي، سيكون أكتوبر 2026 أول موعد كبير يمكن أن تظهر فيه عمليا توجهات الدبلوماسية الكولومبية الجديدة بشأن الملف.

    واللافت أن بوغوتا كانت، إلى وقت قريب، تُقرأ في الاتجاه المعاكس، إذ في تحليل نشر في يونيو الماضي حول تركيبة مجلس الأمن وتأثيرها على ملف الصحراء، اعتبر السفير السابق والباحث في العلاقات الدولية، أحمد فوزي، أن كولومبيا كانت العضو الذي يمكن أن يعارض التطور الذي يعرفه الملف، رابطا ذلك باعتبارات إيديولوجية أكثر منها بحسابات مرتبطة بتطور النزاع نفسه.

    تحول بدلالات متعددة الأبعاد

    وفي هذا السياق، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التحول الكولومبي يحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، بالنظر إلى عضوية بوغوتا الحالية في مجلس الأمن وتوقيت القرار قبيل استحقاق أكتوبر.

    ويوضح أبو الذهب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “انتقال كولومبيا من الاعتراف بالكيان الانفصالي إلى الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه يمثل تحولا سياسيا مهما في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن، لأن الأمر يتعلق بدولة تملك اليوم صوتا داخل المجلس، ما يعزز الدينامية الدبلوماسية الداعمة للموقف المغربي، خصوصا مع اقتراب مناقشة الملف مجددا في أكتوبر المقبل”.

    ويضيف أن هذا التحول يحمل دلالة إضافية بالنظر إلى موقع كولومبيا داخل أمريكا اللاتينية، التي شكلت تاريخيا إحدى ساحات تحرك البوليساريو.

    أربع سنوات بين موقفين متناقضين

    في غشت 2022، بعد وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة، أعادت كولومبيا علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية، بعدما كانت هذه العلاقات مجمدة منذ سنوات.

    وفي أبريل 2026، قبل أربعة أشهر فقط من رحيل بيترو، استقبلت الرئاسة الكولومبية أوراق اعتماد ممثل للبوليساريو بصفته سفيرا في بوغوتا.

    لكن العلاقة مع البوليساريو لم تكن تحظى بإجماع داخلي كولومبي، إذ صدرت خلال السنوات الماضية مواقف عن برلمانيين كولومبيين تنتقد توجه السلطة التنفيذية، وتدعو في المقابل إلى تعزيز العلاقات مع المغرب ودعم وحدته الترابية.

    ومع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بدأ اتجاه السياسة الخارجية الكولومبية يتغير بعدما وصل أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى كرسي الرئاسة، حاملا توجها سياسيا مختلفا عن سلفه، لتظهر أولى إشارات القطيعة حتى قبل تنصيبه، عندما أعلن إعادة هيكلة الشبكة الدبلوماسية لبلاده وإغلاق عدد من السفارات، من بينها السفارة الكولومبية في الجزائر.

    وبرر الرئيس الجديد إعادة الهيكلة بالرغبة في تقليص النفقات وتوجيه الموارد إلى أولويات داخلية، مؤكدا أن إغلاق السفارات لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الدول المعنية، غير أن هذه الخطوة، متبوعة بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، تعكس في إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الخارجية الكولومبية بعد انتهاء مرحلة بيترو.

    ماذا يربح المغرب؟

    يشكل الموقف الكولومبي الجديد مكسبا كبيرا للمغرب، إذ على المستوى الأممي، يعد تحول موقف دولة تشغل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، بعدما كانت تُصنف قبل أشهر قليلة ضمن الدول التي يمكن أن تتحفظ على المسار الذي أخذه الملف، ضربة موجعة للجبهة الانفاصلية، وراعيتها الجزائر.

    لكن المكسب الأهم بالنسبة للمغرب فيتجلى في الموقف الكولومبي نفسه، فبوغوتا لم تكتف بتوصيف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالجدية أو المصداقية، وإنما انتقلت إلى إعلان الاعتراف بـ”سيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يتجاوز مجرد دعم البحث عن حل سياسي في إطار المقترح المغربي.

    ويأتي ذلك في سياق دبلوماسي تعمل فيه الرباط على توسيع دائرة الدول التي انتقلت مواقفها من دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل إلى التعبير عن مواقف أكثر وضوحا بشأن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.

    ماذا تريد كولومبيا من المغرب؟

    تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح، والتصريحات الصادرة عن القيادة الكولومبية الجديدة تكشف أن بوغوتا تبحث بدورها عن بناء علاقة مختلفة مع المغرب بعد موقفها الجديد في ملف الصحراء.

    ووصف نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو المملكة بأنها “حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا” يكشف جزءا من التصور الجديد للعلاقة بين البلدين.

    وبالنسبة إلى بوغوتا، يمكن للمغرب أن يشكل بوابة لتعزيز الحضور الكولومبي في القارة الإفريقية، مستفيدا من شبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية وحضور مقاولاته واستثماراته في عدد من دول القارة.

    وفي الاتجاه المقابل، تستطيع كولومبيا أن تشكل للمغرب منصة إضافية لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية، وهو ما عبر عنه ناصر بوريطة عندما أكد أن المغرب وكولومبيا يمكن أن يشكلا منصتين اقتصاديتين لبعضهما البعض، بالاستفادة من موقعيهما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

  • الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية.. رهان مغربي لتحويل الدعم إلى التزام دائم

    الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية.. رهان مغربي لتحويل الدعم إلى التزام دائم

    لم يعد مؤشر التقدّم في ملف الصحراء المغربية يُقاس كما كان الحال في السابق، بعدد البلاغات الرسمية المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، أو بمواقف العواصم الأجنبية داخل المحافل الدولية، فمنذ سنوات قليلة، برز مؤشر أكثر دلالة وأعمق أثرا بتمثل في تحوّل عدد من الدول الداعمة للموقف المغربي من موقف التصريح السياسي إلى فعل الحضور الاقتصادي، عبر خطوط تمويل مباشرة وزيارات متكررة لوفود اقتصادية ومشاريع في قطاع الطاقة واتفاقيات استثمار وتعاون تُوقَّع هذه المرة على أرض الأقاليم الجنوبية نفسها.

    القراءة الدبلوماسية لهذا التحوّل تكشف عن معادلة مغربية واضحة، مفادها أنه لا استبدال للسياسي بالاقتصادي بل ربط محسوب بين الاثنين، فالمنطق الذي يحكم هذا التوجّه بسيط في ظاهره الاستثمارات الضخمة والشراكات الممتدة على مدى سنوات تُنتج مصالح متبادلة يصعب التراجع عنها، بخلاف البلاغات السياسية التي تبقى، وإن كانت مهمة رهينة بالسياق وبموازين القوى اللحظية. من هنا، ينتقل الرهان المغربي، خطوة بخطوة، من هدف توسيع دائرة الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، إلى هدف أكثر عملية هو دفع هذه الدول الشريكة إلى إدراج الأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن خرائطها الاستثمارية والاقتصادية الفعلية، لا الرمزية فقط.

    وما يفسّر هذا المنعطف هو تغير لافت في عقيدة تدبير الملف برمّته. فبعد عقد كامل كرّسه المغرب للدفاع عن مغربية الصحراء وكسب المعارك الدبلوماسية واحدة تلو الأخرى، جاء الوقت لتثبيت هذه المكاسب بمشاريع قائمة وملموسة على الأرض، وهذا ما يفسّر وتيرة تهيئة الأقاليم الجنوبية بمشاريع استراتيجية كبرى تهم مختلف القطاعات بما فيها الموانئ الكبرى، وشبكات طرقية، ومحطات للطاقة المتجددة، ومناطق صناعية ولوجيستية، تحوّل الاعتراف الدبلوماسي بمرور الوقت إلى شراكة اقتصادية يصعب فكّ عقدها.

    من مبادرة الحكم الذاتي إلى توسيع دائرة الدعم

    قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007، معتزما منح سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية، عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية منتخبة تحت السيادة الترابية للمملكة.

    ومنذ ذلك التاريخ، شكل توسيع دائرة التأييد الدولي للمبادرة أحد المحاور الأساسية للدبلوماسية المغربية، لكن التحول الأكبر بدأ يظهر بصورة أوضح منذ نهاية سنة 2020، عندما أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وبعد ذلك توالت مواقف دول وازنة.

    وفي مارس 2022، أعلنت إسبانيا تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي معتبرة إياها بمثابة “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف”، قبل أن تؤكد فرنسا من جانبها في يوليوز 2024 أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الإطار الذي ينبغي أن تتم في ظله تسوية الملف، وهو موقف الدولة ذاته الذي جدد تأكيده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموقف نفسه أمام البرلمان المغربي في أكتوبر 2024.

    وفي يونيو 2025، أعلنت المملكة المتحدة بدورها أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق للتوصل إلى حل دائم للنزاع، في تحول مهم بالنظر إلى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وثقلها الاقتصادي والدبلوماسي، لكن البيان البريطاني لم يتوقف عند الجانب السياسي، بل أدرج أيضا إمكانية دعم مشاريع اقتصادية داخل الأقاليم الجنوبية.

    وبحسب الأرقام التي قدمها المغرب داخل الأمم المتحدة، تحظى مبادرة الحكم الذاتي بدعم أكثر من 118 دولة من مختلف مناطق العالم، من بينها ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ما يعكس اتساعا متواصلا في دائرة التأييد الدولي للمقترح المغربي، وترسخ القناعة بواقعيته وجديته ومصداقيته باعتباره الأساس الأكثر قابلية للتطبيق من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

    ويؤكد هذا الزخم الدبلوماسي نجاح المغرب في الدفاع عن حقوقه المشروعة، وترسيخ حقيقة أن الصحراء مغربية، في إطار وحدة وطنية وسيادة غير قابلتين للمساومة.

    وإلى جانب هذا الدعم، افتتحت أكثر من 30 دولة قنصليات عامة في الأقاليم الجنوبية، وهو الواقع الذي تنظر إليه الرباط بوصفها تعبيرا سياسيا عمليا يتجاوز البيانات، لأنها تمنح الدول المعنية حضورا دبلوماسيا دائما داخل المنطقة.

    وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، بعدما أكد أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الحل الأكثر جدوى وواقعية وقابلية للتطبيق، وجعلها الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه المسار السياسي والمفاوضات المستقبلية. ويعكس هذا القرار التحول الذي عرفه التعاطي الأممي مع القضية، حيث باتت مبادرة الحكم الذاتي تشكل المرجعية الأكثر حضورا داخل الأمم المتحدة، بما يعزز الموقف المغربي ويكرس سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، لكن بالنسبة إلى المغرب، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الدعم يطرح سؤال المرحلة المقبلة: ماذا بعد الاعترافات والمواقف السياسية؟

    من تجميع المواقف إلى بناء المصالح

    يبدو أن الإجابة المغربية بدأت تتشكل من خلال دفع الدول الداعمة إلى ترجمة مواقفها إلى شراكات اقتصادية، فافتتاح قنصلية في العيون أو الداخلة يحمل قيمة رمزية وسياسية، لكن دخول شركة أجنبية للاستثمار في الطاقة أو اللوجستيك أو تحلية مياه البحر ينقل العلاقة إلى مستوى آخر، لأن المشروع يخلق وظائف وعقودا والتزامات مالية ومصالح ممتدة في الزمن.

    وتقوم هذه المقاربة على فكرة أساسية مفادها أن تثبيت الموقف السياسي يحتاج إلى قاعدة من المصالح المشتركة، فكلما أصبحت شركات ومؤسسات مالية دولية مرتبطة بمشاريع داخل الأقاليم الجنوبية، تحول وجودها إلى عامل إضافي في إدماج المنطقة ضمن العلاقات الاقتصادية العادية للمغرب مع شركائه.

    ويثير هذا التحول تساؤلات حول الأبعاد الاستراتيجية لانتقال المغرب من التركيز على كسب الدعم السياسي إلى ترسيخه عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية، وما إذا كان هذا التوجه يؤشر على مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، يرى البشير الخريف، المحلل السياسي المتخصص في قضية الصحراء المغربية، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن السياسة الخارجية للمغرب شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملموسا، انتقلت معه من مرحلة حشد الدعم الدبلوماسي وتعزيز الثقة في شرعية الموقف المغربي، إلى مرحلة ترسيخ هذا الدعم من خلال شراكات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، خصوصا في الأقاليم الجنوبية.

    وأوضح الخريف أن المرحلة الأولى من هذا المسار تميزت بعدد من المحطات الدبلوماسية الحاسمة، من بينها عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وتزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إلى جانب افتتاح أكثر من 31 قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، فضلا عن تعزيز الانفتاح على الدول الإفريقية وتوسيع شبكة الشراكات السياسية والاقتصادية مع عدد من الفاعلين الدوليين.

    وأضاف أن المغرب انتقل، في مرحلة لاحقة، إلى العمل على تحويل هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي إلى مصالح اقتصادية ملموسة، انطلاقا من قناعة مفادها أن العلاقات بين الدول تصبح أكثر استدامة عندما تقوم على منافع متبادلة تشمل الاستثمار، والتبادل التجاري، والبنيات التحتية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعاون السياسي.

    وأشار إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الرهان المغربي على تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، من خلال إطلاق مشاريع كبرى، من بينها الطريق السريع تزنيت-الداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب توسيع العرض الجامعي، وتقوية الخدمات الأساسية، وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة، بما يترجم التوجيهات الملكية التي تجعل الإنسان في صلب أي سياسة تنموية، معتبرا أن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 من مدينة العيون شكل محطة أساسية في هذا المسار.

    وسجل الخريف أن توجيه الاستثمارات نحو الأقاليم الجنوبية، واستقطاب شركاء دوليين للمشاركة في مشاريع تنموية واقتصادية، لا يقتصر أثره على الجانب المالي أو التجاري، بل يسهم أيضا في تعزيز الارتباط العملي بهذه المناطق، ويمنح العلاقات الدبلوماسية بعدا اقتصاديا أكثر رسوخا واستمرارية.

    وبخصوص ما إذا كانت المصالح الاقتصادية طويلة الأمد قادرة على جعل الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي أكثر ثباتا، أوضح أن تشابك المصالح الاقتصادية يمكن أن يسهم في استقرار مواقف الدول، لأن الحكومات تأخذ بعين الاعتبار مصالح شركاتها واستثماراتها وشبكاتها التجارية عند صياغة سياساتها الخارجية.

    غير أنه شدد على أن العامل الاقتصادي، رغم أهميته، لا يمكنه وحده أن يحسم المواقف الدولية، باعتبار أن السياسة الخارجية تظل نتاجا لتفاعل عدة عناصر، من بينها الاعتبارات القانونية، والتحالفات الإقليمية والدولية، والرهانات الأمنية، فضلا عن التحولات السياسية الداخلية التي تعرفها كل دولة.

    وأكد أن هذه المقاربة تنسجم مع مبدأ “رابح – رابح” الذي شدد عليه الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، والذي يقوم على بناء شراكات تحقق منفعة متبادلة لجميع الأطراف، بعيدا عن منطق الربح الأحادي أو العلاقة غير المتوازنة، وبما يضمن استدامة التعاون الاقتصادي والسياسي.

    وخلص البشير الخريف إلى أن الدعم السياسي المعزز بمصالح اقتصادية ملموسة يكون، في الغالب، أكثر قابلية للاستمرار من الدعم القائم على الاعتبارات السياسية وحدها، غير أن استدامته تظل مرتبطة بقدرة هذه الشراكات على تحقيق نتائج فعلية ومنافع مشتركة، وبمدى انسجامها مع أولويات الدول المعنية والتحولات التي تعرفها البيئة الإقليمية والدولية.

    وفي هذا السياق، تشكل المملكة المتحدة نموذجا للتحول الذي يشهده تعامل الدول الداعمة للمغرب مع ملف الصحراء، حيث لم يعد الدعم يقتصر على المواقف السياسية، بل أصبح يقترن بإرادة لتطوير التعاون الاقتصادي وفتح آفاق استثمارية، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر عمقا واستدامة.

    بريطانيا.. الموقف السياسي يفتح باب التمويل

    وفي هذا الباب، يقدم الموقف البريطاني مثالا واضحا على الربط بين السياسة والاقتصاد. ففي البلاغ المشترك الصادر في فاتح يونيو 2025، لم تكتف لندن باعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق، بل أكدت أيضا أن هيئة تمويل الصادرات البريطانية توفر قدرة تمويلية تصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم أعمال ومشاريع جديدة بالمغرب.

    والأهم أن البلاغ أوضح أن المملكة المتحدة يمكنها النظر في دعم مشاريع داخل الصحراء، شريطة استيفائهم متطلبات التحقق والدراسة المعتمدة لدى هيئة تمويل الصادرات.

    ويكتسي الإعلان البريطاني أهمية سياسية واقتصادية خاصة، بعدما أتاح غلافا تمويليا يصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم مشاريع بالمغرب، بما يشمل الأقاليم الجنوبية. ويعكس هذا التوجه انتقال الموقف البريطاني من دعم المبادرة المغربية على المستوى السياسي إلى فتح المجال أمام تمويل أنشطة اقتصادية واستثمارات داخل المنطقة، في خطوة تؤكد تزايد الثقة الدولية في استقرار الأقاليم الجنوبية ومؤهلاتها التنموية.

    وجاء هذا الموقف في سياق التطور المتواصل للعلاقات الاقتصادية بين المغرب والمملكة المتحدة، إذ بلغت قيمة المبادلات التجارية في السلع والخدمات بين البلدين 4.7 مليارات جنيه إسترليني خلال الأرباع الأربعة المنتهية في نهاية سنة 2025، بزيادة بلغت 10.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.

    ومن شأن توجيه جزء من هذا الغلاف التمويلي نحو مشاريع بالأقاليم الجنوبية أن يعزز حضور الاستثمارات البريطانية في المنطقة، ويقدم نموذجا عمليا لتحويل الدعم السياسي للمبادرة المغربية إلى شراكات اقتصادية ومصالح طويلة الأمد، بما يرسخ مكانة الأقاليم الجنوبية داخل العلاقات الاقتصادية للمغرب مع شركائه الدوليين.

    فرنسا.. من تعديل الموقف إلى الحضور في الجنوب 

    ومثّل الاعتراف الفرنسي، المعلن في يوليوز 2024، بأن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الرباط وباريس. فقد أنهى سنوات من الفتور السياسي، وفتح صفحة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، تجلت ملامحها بوضوح خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.

    ولم يبق هذا التحول محصورا في الخطاب السياسي، ففي ماي 2025، قام المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية بزيارة جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، في خطوة عكست توجها فرنسيا نحو إدراج الأقاليم الجنوبية ضمن مجالات تدخل الوكالة وتعاونها مع المغرب.

    وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من كون الوكالة الفرنسية للتنمية مؤسسة مالية عمومية، ما يعني أن حضورها يمكن أن يفتح المجال أمام تمويل مشاريع مرتبطة بالماء والطاقة والبنيات الأساسية والتكوين والتنمية المحلية.

    كما بدأت شركات فرنسية تبدي اهتماما بمشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر في جنوب المملكة، مستفيدة من المؤهلات الطبيعية للمنطقة، خصوصا المساحات الواسعة، وقوة الرياح، وارتفاع معدل الإشعاع الشمسي، والقرب من المحيط الأطلسي.

    بنية تحتية سبقت وصول المستثمرين

    لم ينتظر المغرب تغير مواقف شركائه الدوليين ليبدأ تجهيز الأقاليم الجنوبية، إذ في نونبر 2015، أطلق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بغلاف مالي تجاوز 77 مليار درهم، بهدف خلق دينامية اقتصادية واجتماعية جديدة، وتطوير البنيات الأساسية، وتهيئة مناخ الاستثمار، وخلق فرص الشغل.

    ويضم البرنامج مشاريع في مجالات الطرق والموانئ والماء والطاقة والصيد البحري والصناعة والتكوين والخدمات الاجتماعية، وقد ارتفعت كلفته لاحقا مع توسيع بعض المشاريع وإضافة أوراش جديدة.

    ولا تنفصل هذه المشاريع عن تصور سياسي أشمل، إذ جرى الربط في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء سنة 2015، بين التنمية، والرؤية المستقبلية للأقاليم الجنوبية، وتمكين السكان من تدبير شؤونهم في إطار الجهوية المتقدمة، وتحويل الصحراء إلى مركز للتبادل والربط مع إفريقيا جنوب الصحراء.

    بذلك، لا تبدو البنية التحتية مجرد استجابة لحاجيات محلية، بل جزءا من إعداد المنطقة لتصبح قادرة على ممارسة أدوار اقتصادية أوسع، بما يتلاءم مع التصور المغربي للحكم الذاتي بوصفه نموذجا لتدبير جهوي موسع داخل الدولة.

    ميناء الداخلة الأطلسي.. بوابة اقتصادية نحو إفريقيا

    يتصدر ميناء الداخلة الأطلسي قائمة المشاريع الكبرى التي يراهن عليها المغرب لتغيير الوظيفة الاقتصادية للأقاليم الجنوبية، فالميناء لا يستهدف فقط تحسين أنشطة الصيد البحري أو تلبية الحاجيات التجارية المحلية، بل صُمم ليكون منصة صناعية ولوجستية مرتبطة بالأسواق الإفريقية والدولية.

    ويندرج المشروع ضمن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، إلى جانب الطريق السريع تزنيت-الداخلة، ومحطات تحلية مياه البحر، والمناطق الصناعية، ومشاريع إنتاج الطاقة الشمسية والريحية.

    وتنبع الأهمية الاستراتيجية للميناء من موقع الداخلة على الساحل الأطلسي، وقربها من موريتانيا وبلدان غرب إفريقيا. فعند اكتمال المشروع ودخوله مرحلة الاستغلال، ينتظر أن يساهم في خفض تكاليف نقل السلع، وتطوير الصادرات، وجذب الصناعات المرتبطة بالصيد البحري والطاقات المتجددة والتحويل الغذائي والخدمات اللوجستية.

    كما يكتسب الميناء بعدا إضافيا في ضوء المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، فالمغرب يسعى إلى تحويل واجهته الجنوبية إلى نقطة عبور تربط دولا غير ساحلية بالموانئ والأسواق العالمية، وهو ما يجعل الداخلة جزءا من تصور إقليمي يتجاوز حدود التنمية المحلية.

    وفي حال نجاح هذا الربط، لن تبقى الداخلة مجرد مدينة تستقبل مشاريع عمومية، بل يمكن أن تتحول إلى مركز لتجميع السلع والخدمات والطاقة، وإلى محطة لتجارة عابرة للحدود، ما سيرفع جاذبيتها أمام المستثمرين الأجانب.

    الطريق السريع والطاقة.. تجهيز المجال للاستثمار

    إلى جانب الميناء، يشكل الطريق السريع تزنيت-الداخلة أحد أعمدة الربط بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، فالمشروع يمتد على مسافة تناهز ألف كيلومتر، ويهدف إلى تحسين شروط السلامة، وتقليص مدة التنقل، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع نحو الداخلة والمعبر الحدودي الكركرات.

    تكمن قيمة هذا المشروع في أنه يقلص المسافة الاقتصادية، لا الجغرافية فقط، فالمستثمر الذي يفكر في إنشاء وحدة إنتاجية يحتاج إلى طريق قادر على نقل المواد الأولية والمنتجات، وإلى ميناء يسمح بالتصدير، وإلى مصادر مستقرة للطاقة والماء، لذلك تتكامل مشاريع الطرق والموانئ والطاقة والتحلية في بناء عرض استثماري واحد.

    وفي مجال الطاقة، تتوفر الأقاليم الجنوبية على مؤهلات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، وقد دخلت مشاريع عدة مرحلة الاستغلال، من بينها محطات شمسية وريحية بالعيون وبوجدور وطرفاية، في وقت يتوسع فيه الاهتمام بمشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا والوقود الاصطناعي.

    وتمنح هذه المؤهلات المنطقة فرصة لاستقطاب الصناعات التي تبحث عن طاقة نظيفة ومنخفضة الكلفة، خصوصا مع اتجاه الأسواق الأوروبية إلى فرض شروط بيئية أكثر صرامة على الواردات والمنتجات الصناعية.

    لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل رهينة بربط مشاريع الطاقة بالنسيج الاقتصادي المحلي، حتى لا تتحول الأقاليم الجنوبية إلى مجرد فضاء لإنتاج الكهرباء أو الهيدروجين الأخضر الموجه للتصدير، دون انعكاس ملموس على التشغيل والمقاولات المحلية. كما أن تحويل مؤهلات المنطقة في مجال الطاقات المتجددة إلى استثمارات صناعية واسعة يتطلب بنية تحتية ولوجستية قادرة على خفض كلفة الإنتاج والنقل، وربط المنطقة بالأسواق الإقليمية والدولية.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي في تصريح له لمنصة AM+ MEDIA أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء، تقوم على الانتقال من دبلوماسية الدفاع عن الموقف إلى دبلوماسية المصالح الموطنة، أي من بناء تحالفات قائمة على المواقف السياسية إلى ترسيخ شراكات تقوم على الاستثمارات والعقود وسلاسل التوريد والمصالح الاقتصادية طويلة الأمد.

    ويوضح أن ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت-الداخلة لا يمثلان مجرد مشاريع للبنية التحتية، بل يعيدان رسم الموقع الاقتصادي للأقاليم الجنوبية، بعدما أصبحت مرشحة للتحول إلى منصة لوجستية تربط المغرب بالمحيط الأطلسي وموريتانيا ودول الساحل وغرب إفريقيا.

    فالطريق، وفق المحلل الاقتصادي، يقلص كلفة النقل ويرفع موثوقية الربط اللوجستي، فيما يوفر الميناء قاعدة للتصنيع والتصدير والخدمات البحرية، بما يفتح المجال أمام تطوير الصناعات السمكية والغذائية، وسلاسل التبريد، وإصلاح السفن، ومشاريع الطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية.

    ويعتبر أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى بعد جيوسياسي، إذ تسهم في تحويل الأقاليم الجنوبية من ملف يهيمن عليه النقاش الدبلوماسي إلى فضاء تتشكل داخله مصالح اقتصادية دولية، بما يجعل ارتباط الشركاء بالمغرب قائما أيضا على استثمارات وتدفقات تجارية ومصالح طويلة الأمد.

    وبخصوص قدرة المنطقة على استقطاب الصناعات الأجنبية الكبرى، يؤكد سامي أن الداخلة باتت تمتلك قاعدة استثمارية واعدة، بفضل الطريق السريع، وميناء الداخلة الأطلسي، والوعاء العقاري، ومؤهلات الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريع تحلية المياه، والمنطقة الصناعية واللوجستية، إلى جانب مدينة المهن والكفاءات، وهي عناصر من شأنها أن تؤسس لمنظومة صناعية متكاملة.

    ويضيف أن المستثمر لم يعد ينظر إلى الداخلة كسوق محلية محدودة، بل كبوابة أطلسية تربط بين العمق الوطني، والامتداد الإفريقي عبر موريتانيا ودول الساحل، والأسواق الأطلسية نحو أوروبا والأمريكيتين وغرب إفريقيا، وهو ما يعزز جاذبية المنطقة للمشاريع الصناعية والتصديرية.

    كما أكد سامي أن نجاح ميناء الداخلة الأطلسي لن يقاس بحجم حركة السفن فقط، بل بقدرته على خلق صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة، تشمل تثمين المنتجات البحرية، وصناعة الأعلاف والزيوت والمشتقات الغذائية، وبناء وإصلاح السفن، ووحدات التلفيف والتبريد والتخزين، وإنتاج مشتقات الطاقة الخضراء، إضافة إلى خدمات النقل البحري والمناولة والصيانة، مشددا على أن الرهان الحقيقي يكمن في إعطاء الأولوية للمشاريع التي تخلق فرص الشغل، وتنقل التكنولوجيا، وترفع القيمة المضافة المحلية، بدل الاكتفاء بالأنشطة العقارية أو اللوجستية محدودة الأثر.

    الداخلة.. السينما العالمية تضيف بعدا جديدا لجاذبية الاستثمار

    لا تقتصر عوامل الجاذبية التي باتت تتمتع بها الداخلة على البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى، بل امتدت أيضا إلى المجالين الثقافي والسينمائي، بما يعزز حضور المدينة على الساحة الدولية.

    وخلال السنوات الأخيرة، استقطبت الداخلة عددا من الإنتاجات السينمائية العالمية، كان  آخرها اختيارها لتصوير فيلم “The Odyssey”للمخرج العالمي كريستوفر نولان، في خطوة تعكس ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية ولوجستية تؤهلها لاستقبال إنتاجات دولية كبرى.

    ويعكس هذا الإقبال المتزايد على الداخلة تنوع المقومات التي تستند إليها الأقاليم الجنوبية في تعزيز جاذبيتها، حيث باتت القوة الناعمة، إلى جانب الاستثمار والسياحة والبنيات الأساسية، تسهم في ترسيخ مكانة المنطقة ضمن خريطة الوجهات الدولية، وتواكب الزخم المتصاعد نحو تكريس الإجماع الدولي على مغربية الصحراء.

    تنزيل الحكم الذاتي يحتاج إلى قاعدة اقتصادية

    يرتبط الحديث عن الحكم الذاتي غالبا بالجوانب السياسية والقانونية، وبشكل المؤسسات التي ستدبر الأقاليم الجنوبية، وصلاحيات البرلمان والحكومة، والعلاقة بينهما وبين الدولة المركزية.

    لكن تنزيل هذا التصور يحتاج أيضا إلى قاعدة اقتصادية، فالمؤسسات المنتخبة لا تستطيع ممارسة صلاحيات واسعة من دون موارد مالية، واقتصاد منتج، ومقاولات محلية، وبنيات تحتية، وقدرة على جلب الاستثمار وتحصيل المداخيل.

    من هذه الزاوية، يمكن قراءة المشاريع المنجزة منذ سنة 2015 باعتبارها إعدادا للشروط المادية التي قد يحتاج إليها نموذج الحكم الذاتي مستقبلا، فالجهة التي تتوفر على ميناء دولي، وشبكة طرق، ومشاريع طاقة، ومناطق صناعية، وموارد بشرية مؤهلة، تصبح أكثر قدرة على تدبير اختصاصاتها الاقتصادية والاجتماعية.

    ولا يعني ذلك أن جميع المشاريع مرتبطة مباشرة بجدول سياسي معلن لتنزيل الحكم الذاتي، بل إن الاستثمار في التنمية يمنح المقترح المغربي قاعدة عملية، ويسمح للرباط بتقديم الأقاليم الجنوبية باعتبارها مجالا مستقرا وقابلا للاستثمار والاندماج في المبادلات الدولية.

    من الدبلوماسية الدفاعية إلى دبلوماسية المصالح

    تكشف التطورات الأخيرة أن المغرب يحاول تغيير طبيعة النقاش حول الصحراء، فبدلا من بقاء المنطقة موضوعا لنزاع سياسي يثار داخل الأمم المتحدة، يسعى إلى تقديمها فضاء للاستثمار والطاقة والتجارة والربط الإفريقي.

    وإذا كان العقدان الماضيان قد خصصا لتوسيع الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، فإن المرحلة الحالية تبدو متجهة نحو تحويل هذا الدعم إلى مصالح يصعب فصلها عن مستقبل المنطقة، فالدولة التي تمول ميناء أو محطة طاقة، والشركة التي توقع عقدا يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، والمؤسسة المالية التي ترتبط بمشروع داخل الداخلة أو العيون، تصبح جزءا من واقع اقتصادي جديد يتجاوز المواقف الدبلوماسية المجردة.

    وفي هذا الانتقال، تراهن الرباط على أن تتكامل المكاسب السياسية مع التحول التنموي، فعدد الدول الداعمة والقنصليات المفتوحة يمنح الموقف المغربي زخما دبلوماسيا، بينما تمنح الطرق والموانئ والطاقة والاستثمارات هذا الزخم امتدادا عمليا.