لم يأتِ الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش لعرض حصيلة اقتصادية واجتماعية فحسب، بل حمل ملامح مرحلة جديدة في النموذج التنموي المغربي، قوامها الانتقال من منطق تدبير النمو إلى بناء اقتصاد أكثر سيادة وقدرة على المنافسة والصمود في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي.
وفي قراءة لمضامين الخطاب، أكد عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خليد حاتيمي، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن الرسالة الأساسية التي حملها الخطاب تتمثل في أن المغرب لم يعد يراهن فقط على تحقيق نسب نمو ظرفية، وإنما يعمل على بناء اقتصاد يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الاستقرار، والسيادة الاقتصادية، والابتكار، واستمرارية الدولة، ركائز أساسية للتنمية.
ويرى حاتيمي أن الرسالة المركزية للخطاب الملكي ترتكز على ثلاثة مرتكزات استراتيجية مترابطة؛ أولها تعزيز السيادة الوطنية في القطاعات الحيوية والاستراتيجية، وثانيها تنويع الاقتصاد الوطني والانتقال نحو صناعات المستقبل القادرة على خلق الثروة ورفع القدرة التنافسية، وثالثها بناء دولة اجتماعية قوية تضمن العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية.
ويؤكد أن هذه المرتكزات لا تُطرح كأوراش منفصلة، بل كعناصر متكاملة ضمن رؤية ملكية واحدة تروم ترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
وفي هذا السياق، يرى حاتيمي أن افتتاح الخطاب بالحديث عن الأمن والاستقرار لم يكن اعتباطياً، بل يعكس إدراكاً بأن الاستقرار أصبح اليوم رأسمالاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المالية، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
ويبرز المتحدث ذاته أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، جعلت الاستقرار السياسي والمؤسساتي عملة نادرة، وهو الأمر الذي يشكل أحد أهم عناصر قوة الدولة المغربية، مردفا أن “الاستثمار اليوم يبحث قبل كل شيء عن وضوح الرؤية ونجاعة المؤسسات، ما يجعل الاستقرار الذي ينعم به المغرب رصيداً استراتيجياً يعزز جاذبيته الاقتصادية”.
ويضيف أن الخطاب لا يكتفي بإبراز أهمية الاستقرار، بل يربطه مباشرة بقدرة الدولة على تدبير الأزمات، معتبراً أن ما راكمه المغرب خلال السنوات الماضية من إصلاحات واستثمارات استراتيجية هو الذي مكنه من تعزيز مناعته في مواجهة التقلبات.
وقال بهذا الصدد: “أثبتت مواجهة الأزمات بالمملكة، سواء المرتبطة بالتقلبات المناخية أو بالتحولات الاقتصادية الدولية، صواب الرؤية الاستراتيجية للمغرب، التي جعلت من السيادة الوطنية ركيزة للتنمية. فبفضل الاستثمارات المتراكمة في الأمن الغذائي والدوائي، والطاقات المتجددة، والبنية التحتية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والهيدروجين الأخضر، أصبح المغرب أكثر قدرة على مواجهة الأزمات واستشراف المستقبل. ويقوم هذا المسار على التشخيص الدقيق، والاستشراف، والتدرج في التنفيذ، والمواكبة المستمرة، في إطار رؤية سيادية بعيدة المدى”.
ويعتبر حاتيمي أن الخطاب الملكي السامي يعلن أيضاً عن انتقال الاقتصاد المغربي إلى مرحلة جديدة، لم يعد فيها الرهان مقتصراً على استقطاب الاستثمارات، بل أصبح موجهاً نحو نقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وبناء صناعات المستقبل، باعتبارها المدخل الحقيقي لتعزيز السيادة الاقتصادية.
ولفت عضو المكتب السياسي لـ”البام” أن التحول الاقتصادي الحقيقي يبدأ بنقل التكنولوجيا وتوطين الخبرة، لبناء صناعات المستقبل، وتعزيز السيادة الصناعية، وترسيخ ريادة المغرب إقليمياً وقارياً”.
ويؤكد أن المؤشرات التي استعرضها الخطاب تعكس نجاح هذا التحول، بعدما أصبحت الصناعات ذات القيمة المضافة العالية تقود الاقتصاد الوطني وتمنحه قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الدولية.
ويرى خليد حاتيمي أن “نجاح المغرب في بناء صناعات السيارات والطيران والبطاريات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر يعكس وضوح الرؤية الاستراتيجية للمملكة، القائمة على مبدأين أساسيين: السيادة الاقتصادية وتنويع الاقتصاد، باعتبارهما أساساً لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الريادة الإقليمية والقارية”.
وفيما يتعلق بصعود المغرب ليصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وتجاوز صادرات قطاعات السيارات والطيران، 40 بالمئة من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط، وفق ما جاء في خطاب العرش، أوضح حاتيمي أن “الفوسفاط لم يعد وحده قاطرة الصادرات المغربية؛ في دليل واضح على نجاح المغرب في بناء اقتصاد متنوع، قائم على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية”.
وفي المقابل، يشدد حاتيمي على أن الخطاب الملكي لم يفصل بين التنمية الاقتصادية والبعد الاجتماعي، بل قدم تصوراً يعتبر أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اقتصاد قوي قادر على إنتاج الثروة وتوفير فرص الشغل.
وزاد موضحا ألا “دولة اجتماعية بدون دولة اقتصادية قوية، فخلق الثروة هو المدخل إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، وهو ما يعكس الترابط الاستراتيجي بين الأولويات في الرؤية التنموية للمملكة”.
وفي الإطار نفسه، يرى المتحدث أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، باعتباره شريكاً رئيسياً في إنجاح المرحلة المقبلة، داعياً إلى تطوير آليات التمويل بما يواكب التحولات الاقتصادية العالمية ويستجيب لحاجيات الاستثمار.
واسترسل شارحا أن “اقتصاد المستقبل لا يُبنى بآليات تمويل الأمس، لذلك دعا الخطاب الملكي السامي إلى قطاع مالي أكثر جرأة في تمويل الاستثمار، وأكثر استعداداً لتقاسم المخاطر، بما يفرض انخراطاً أقوى للقطاع البنكي في مواكبة المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، والانتقال من منطق الضمانات إلى منطق الثقة وخلق القيمة”، لافتا إلى أن “المرحلة المقبلة تتطلب حلولاً مالية أكثر ابتكاراً، قادرة على تعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية، وتمويل الابتكار والتصنيع والتصدير”.
ويرى حاتيمي أن من أهم الرسائل التي حملها الخطاب الملكي ترسيخ مفهوم استمرارية الدولة، باعتباره أحد أسرار النموذج المغربي في تحقيق التراكم التنموي، بعيداً عن منطق تدبير الولايات الحكومية المتعاقبة.
ولفت في هذا السياق أن خصوصية النموذج المغربي تكمن في الجمع بين الديمقراطية واستمرارية الدولة؛ فالزمن السيادي يرسم الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، بينما تضطلع الحكومات بتنفيذ مراحلها، لذلك فالمنجزات الوطنية ليست حصيلة حكومة بعينها، بل هي نتاج تراكمات وسياسات مخطط لها تتجاوز الولاية الحكومية. فالدولة المغربية تسير وفق بوصلة استراتيجية ثابتة، ضامنها جلالة الملك، وهو ما يمنح المشاريع الكبرى استمراريتها ويعزز الثقة في المستقبل”.
ويخلص الخبير الاقتصادي خليد إلى أن الخطاب الملكي يقدم رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة، تقوم على ترابط السيادة الوطنية، والتصنيع، والابتكار، والتمويل، والدولة الاجتماعية، باعتبارها ركائز متكاملة لنموذج تنموي أكثر تنافسية واستدامة.
ويرى عضو المكتب السياسي لحزب “الأصالة والمعاصرة” أن نجاح هذه الرؤية يقتضي مواصلة الإصلاحات، وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية، وترسيخ اقتصاد قادر على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل، بما يدعم تموقع المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي وقاري، ويعزز قدرته على التكيف مع التحولات الدولية وتحويلها إلى فرص للتنمية.

Leave a Reply