المدونة

  • استقطاب الكفاءات الوطنية.. ضريبة النجاح السياسي وحالة الارتباك في معسكر الخصوم

    استقطاب الكفاءات الوطنية.. ضريبة النجاح السياسي وحالة الارتباك في معسكر الخصوم

    يشهد المشهد السياسي المغربي في الآونة الأخيرة نقاشا محموما أطره سعار غير مبرر وهجوم غير معتاد من طرف بعض التشكيلات السياسية التي اختارت كالعادة النفخ في أسراب الغبار لصرف الأنظار عن عجزها البنيوي. يأتي هذا الهجوم المنسق على حزب الأصالة والمعاصرة لا لشيء سوى لأن الحزب أبان عن ديناميكية استراتيجية ورؤية وطنية مسؤولة عبر استقطاب اسم وازن وقامة وطنية من حجم السيد فوزي لقجع، أحد أبرز رجالات الدولة الأكفاء الذين بصموا مسار تدبير الشأن العام بحنكة ونجاعة مشهودتين.

    إن الانخراط الفعلي والسياسي لشخصية بحجم فوزي لقجع داخل صفوف حزب الأصالة والمعاصرة ليس مجرد حدث عابر، بل هو محطة مفصلية تؤكد بالملموس أن حزبنا يتبنى خيارا استراتيجيا واضحا يقوم على استقطاب الكفاءات الوطنية الحقيقية وربط العمل السياسي بالتدبير الكفء والمنتج. فالبحث عن الكفاءات، واستقطاب الأطر التي راكمت تجارب ميدانية ومؤسساتية فريدة، هو جوهر العمل الحزبي الجاد وأساس البناء الديمقراطي السليم. وكما هو معتاد ومعمول به في كافة الديمقراطيات العريقة، فإن كل الهيئات السياسية الحية تسعى جاهدة لتعزيز صفوفها بالنخب القادرة على ترجمة الشعارات إلى سياسات عمومية ناجعة، عوض الاكتفاء بالشعارات الفضفاضة والخطابات الشعبوية.

    ولعل ما يثير الانتباه حقا، ويطرح أكثر من علامة استفهام، ليس هو قرار الاستقطاب في حد ذاته -إذ هو حق مشروع وأصل أصيل في العمل الحزبي- بل هو حجم الردود العنيفة وحالة الهستيريا التي أصابت بعض الخصوم السياسيين. إن ردود الفعل الصادرة عن هذه الأطراف عرت بالملموس عن واقع مرير، وهو الاعتراف الضمني بالقيمة الاستثنائية والوزن الثقيل للسيد فوزي لقجع. فالطريقة غير المتوقعة التي خرج بها الخصوم للتنديد والاستنكار، لغة ومضمونا، كشفت عن رعب حقيقي وانكشاف سياسي أمام ديناميكية حزب الأصالة والمعاصرة وقدرته على استقطاب الوجوه التي تصنع الفارق وتخدم الوطن بكل تفان وإخلاص.

    إن هؤلاء المنتقدين نسوا أو تناسوا أن العمل السياسي الحقيقي يقاس بالنتائج والأفعال لا بالصراخ المجاني. فبدل الانخراط في نقاش عمومي جاد حول البرامج والبدائل، اختارت هذه الأطراف سياسة الهروب للأمام ومهاجمة حزب الأصالة والمعاصرة لأنه استطاع أن يجذب إليه كفاءة وطنية تخدم الوطن من مختلف المواقع والمسؤوليات.

    وختاما إن حزب الأصالة والمعاصرة، وهو يمضي قدما في مشروعه السياسي وثوابته الوطنية، لن تزيد هذه الزوبعة المفتعلة إلا إصرارا على المضي في نهج استقطاب الكفاءات وخدمة المواطنين. فليستمر الخصوم في قلقهم وارتباكهم، وليستمر حزبنا في العمل الجاد والبناء الميداني، فالتاريخ لا يرحم العاجزين، والمستقبل دائما لمن يثبت كفاءته في خدمة هذا الوطن العزيز تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

  • الحكم الذاتي خيار استراتيجي.. من منظور أبناء الصحراء لبناء الوحدة والمستقبل وتجاوز أعطاب الماضي

    الحكم الذاتي خيار استراتيجي.. من منظور أبناء الصحراء لبناء الوحدة والمستقبل وتجاوز أعطاب الماضي

    إن السياق السياسي والدبلوماسي الوطني والدولي المتجدد أعاد وضع قضية الصحراء الغربية المغربية إلى واجهة الاهتمام الدولي عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي تبناه مجلس الأمن باعتباره إطارا مرجعيا وحيدا وجديدا للمفاوضات على أساس مقترح مشروع الحكم الذاتي المغربي، فالنص، الذي صيغ قبل التطور الدبلوماسي الأخير الذي عرفه الملف في أروقة مجلس الأمن، يستشرف بعمق تحولات أصبح كثير منها اليوم واقعا سياسيا معترفا به، إذ يدافع عن فكرة مركزية تقر بأن الحل الحقيقي للنزاع هو الصيغة التي قدمها المغرب منذ 2007، حيث لا يمكن أن يفرض من الخارج، بل يبنى من الداخل عبر إصلاحات ديمقراطية قام المغرب بها ولايزال يقوم بها، وسعيه المتواصل كذلك لتقعيد مفهوم الحكامة رشيدة، وإعتماد برامج تنموية حقيقبة تضع الإنسان في صلب انشغلاتها والسعي نحو مفهوم جديد للجهوية بإفق الدولة الفيدرالية مستقبلا.

    وإذا كان القرار الأممي 2797 يعتبر أن منح إقليم الصحراء الغربية المغربية حكمًا ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع للنزاع القائم منذ قرابة خمسين عاما، ويشجع القرار الأطراف المعنية على الدخول في مفاوضات على هذا الأساس، مؤكدا دعمه خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب لحل هذا النزاع المفتعل، وهي الخطة التي قدّمها أول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007، حبث جرى اعتماد القرار بمبادرة من الولايات المتحدة الأميركية، وحظي بتأييد 11 دولة من أصل 15 دولة في مجلس الأمن، وعرف امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت، ولم تشارك الجزائر في عملية التصويت، وجدد مجلس الأمن بموجب القرار نفسه، ولاية بعثة حفظ السلام في الصحراء الغربية المغربية (مينورسو MINURSO) عاما واحدا، الشيء الذي يبرز ان هذا القرار عرف تطورا مهما في قضية الصحراء؛ إذ يعكس تحولا مهما في المواقف الدولية من الدعوة إلى تقرير المصير عبر الاستفتاء إلى قبول مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب وتحويلها إلى قرار دولي يعتبر الحكم الذاتي الإطار المرجعي الوحيد للحل.

    وفي هذا الإطار يعرف الحكم الذاتي بأنه نظام سياسي واقتصادي وإداري يمكن فيه لإقليم معين ان يقرر مصيره عبر تخويله صلاحيات واسعة لتدبير شؤونه السياسية والاقتصادية والإدارية، ويطلق غالبا على الدول التي تسير وفق هذا النظام بالدول الفدرالية.

    ومن هذا المدخل وكحل للصراع المفتعل حول الصحراء الغربية المغربية فقد تقدم المغرب منذ سنة 2007 بمبادرة رسمية سميت بمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية المغربية، حيث شكلت هذه المبادرة رغبة حقيقية من جانب المغرب في وضع حد للصراع حول الصحراء الذي انتجته حقبة تاريخية مضت يتحمل الجميع فيها مسؤوليته سواء من الخارج او الداخل، حيث لاقت ترحيبا من قبل العديد من الجهات الدولية والإقليمية التي رأت في هذه المبادرة حلا جادا جريئا ومنطقيا موضوعيا لإنهاء هذا النزاع الذي عمر أكثر نصف قرن.

    وإذ تبنى هذه المبادرة المغربية الجادة على مجموعة من القواعد والمرتكزات التي تعيد بسط مشروع الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة المغربية، وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على أهم تلك المرتكزات والقواعد التي يمكن ان يتضمنها هذا المشروع بناء على قراءة في نماذج مقارنة دوليا.

    وفي هذا الصدد يقوم اي مشروع حكم ذاتي في العالم على ماهو الإداري اولا؛ حيث يمارس سكان الجهة او الإقليم الإدارة المحلية والشرطة المحلية وكل ما يتعلق بمحاكم الجهة، وإن على المستوى الاجتماعي يتم منح سكان الجهة او الإقليم اختصاصات متعلقة بالسكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والتنمية الثقافية، وفيما يخص الجانب الاقتصادي يختص تدبير جهة الحكم الذاتي بكل ما يحقق التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع وجلب الاستثمارات في كل من المجال التجاري والصناعي والسياحي والفلاحي والطاقي وتدبير الشؤون المتعلقة بالبنية التحتية ونقل.

    ولتنزيل مشروع الحكم الذاتي تعمل الدولة مركزيا على تمكين الاقليم او الجهة من موارد جد مهمة منها وبالخصوص عائدات الضرائب والرسوم والموارد المحصل عليها من استغلال الموارد الطبيعية للجهة أو الإقليم ، بالإضافة إلى الموارد المخصصة للجهة في إطار التضامن الوطني وعائدات ممتلكاتها.

    ولتدبير شؤون سكانة الاقليم او الجهة المتمتعة بالحكم الذاتي تشربعيا يتم إحداث برلمان محلي متكونا من أعضاء منتخبين من طرف مختلف المكونات المجتمعية القبلية وأعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة او الإقليم.

    أما السلطة التنفيذية فتمارس من طرف رئيس الحكومة المحلية ينتخبه البرلمان المحلي وينصبه رئيس الدولة، ويكون رئيس حكومة اقليم او جهة الحكم الذاتي هذا ممثلا للدولة المركزيا في تلك الجهة او الإقليم ومسؤولا أمام البرلمان المحلي، كما أن الدولة تحتفظ باختصاصات حصرية تتعلق بالسيادة كالنشيد الوطني والعملة، وكذا ممارسة رئيس الدولة لاختصاصاته الدينية والدستورية، ويكون للدولة مندوبا يزاول اختصاصتها الحصرية في جهة او إقليم الحكم الذاتي.

    وفي سياق القرار 2797 ومنح الحكم الذاتي للصحراء، فإنه ومن المرتقب ان المغرب ربما يكون ملزم بمراجعة دستوره وإدراج نظام الحكم الذاتي ضمن فصوله، وإصدار عفو شامل عن كل من صدرت في حقهم أحكام لها علاقة بموضوع الصراع المفتعل.

    من خلال كل ما سبق يتبين ان نية المغرب الواضحة والصريحة في وضع حل سياسي تفاوضي ديموقراطي للصراع المفتعل حول الصحراء، حلا يحترم الشرعية الدولية ويحترم إرادة سكان الصحراء، ويمد يد الأخوة للجزائر وكل من له صلة بهذا المشكل للعمل سوية لتجاوزه وبناء علاقات اخوية واقتصادية وسياسية في المنطقة، وهذا يؤكده الخطاب التاريخي للملك محمد السادس ليلة 31 اكتوبر 2025.

  • من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    لم يكن الدعم الحكومي الاستثنائي للصحافة والإعلام الذي انطلق منذ سنة 2020 مجرد آلية مالية لمواكبة المقاولات الإعلامية، بل جاء في سياق تسلم فيه محمد مهدي بنسعيد حقيبة وزارة الشباب والثقافة والتواصل في السابع من أكتوبر 2021، مثقلة بمشاكل واحدة من أصعب وأعقد مراحل القطاع منذ سنوات، لما خلفته جائحة كوفيد-19 من آثار عميقة على المقاولات الإعلامية، بعد تراجع مداخيل الإشهار، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتفاقم الهشاشة المالية لعدد من المؤسسات، ما جعل الحفاظ على استمرارية المقاولات وصون مناصب الشغل أولوية ملحة قبل الانخراط في أي ورش إصلاحي آخر.

    كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية المغربية، الذي كان يعاني من اختلالات متراكمة منذ سنوات.

    فقد سجلت الصحافة الورقية تراجعا مستمرا في المبيعات بفعل تغير عادات القراءة واتساع الفضاء الرقمي، حيث لم تعد الصحف المغربية مجتمعة تبيع سوى نحو 200 ألف نسخة يوميا، وهو رقم يظل محدودا مقارنة بعدد السكان ونسبة المتعلمين.

    وفي الوقت نفسه، كشف تقرير لجنة المنشأة الصحفية وتأهيل القطاع بالمجلس الوطني للصحافة سنة 2020 حول أثار جائحة كورونا على قطاع الصحافة وإجراءات الخروج من الأزمة، أن السوق الإعلانية واجه تحولا هيكليا أفقد الصحافة جزءا كبيرا من مواردها، بعدما تراجعت عائدات الإعلانات بنسبة 55 في المئة بين سنتي 2010 و2018، قبل أن يتفاقم هذا النزيف مع استمرار انتقال المعلنين نحو المنصات الرقمية.

    وعرفت مبيعات اليوميات والأسبوعيات والمجلات انخفاضا متواصلا، ما جعل عددا من المقاولات الإعلامية يدخل مرحلة الجائحة مثقلا بأزمة استدامة مالية.

    ويكشف المبيان عن تراجع هيكلي في العائدات الإعلانية للصحافة المغربية، بعدما انخفضت من 645 مليون درهم سنة 2010 إلى 290 مليون درهم سنة 2018، أي بخسارة تناهز 55 في المئة خلال ثماني سنوات.

    ويبرز المنحنى أن الانخفاض لم يكن ظرفيا، بل اتخذ مسارا تصاعديا ابتداء من سنة 2015، ما يعكس تحولا عميقا في سوق الإشهار مع انتقال جزء متزايد من الاستثمارات نحو المنصات الرقمية. وتؤشر هذه المعطيات إلى أن الأزمة المالية التي واجهتها المقاولات الصحفية سبقت جائحة كوفيد-19 بسنوات، وهو ما جعل القطاع يدخل الأزمة الصحية وهو يعاني أصلا من تآكل موارده التقليدية، خاصة في ظل تراجع المبيعات وانكماش سوق الإعلانات.

    هذا الوضع الذي امتدت ارتداداته إلى “زمن الجائحة”، دفع وزارة التواصل إلى تدخل سريع لإخراج القطاع من غرفة العناية المركزة، بدعم استثنائي لم يقتصر على تحويلات مالية ظرفية في حسابات المقاولات الصحفية، بل اعتمد مقاربة ذات بعد اقتصادي واجتماعي، استهدفت الحفاظ على النسيج الإعلامي الوطني وتفادي فقدان الكفاءات المهنية التي راكمها القطاع.

    وتم توجيه الدعم لتحمل جزء من أجور الصحافيين والعاملين الإداريين، وأداء اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتحمل الضريبة على الدخل، بما خفف الأعباء عن المقاولات الإعلامية وساعدها على المحافظة على استقرار مواردها البشرية في مرحلة اتسمت بارتفاع الضغوط المالية منذ بداية تفشي كوفيد-19 وتداعيات الحجر الصحي سنة 2020.

    وتجاوزت هذه المقاربة المؤسسات الصحفية إلى مختلف مكونات سلسلة الإنتاج الإعلامي، إذ شمل الدعم قطاع الطباعة وشبكات توزيع الصحف والإذاعات الخاصة للحفاظ على توازن المنظومة بأكملها، ليتحول الدعم العمومي من آلية لمواجهة تداعيات أزمة ظرفية إلى رافعة لضمان الاستقرار الاجتماعي داخل القطاع، والحفاظ على مناصب الشغل، بالتوازي مع إطلاق أوراش إصلاحية تروم تحديث المنظومة الإعلامية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية.

    وتؤكد أرقام الدعم العمومي، وفق المعطيات التي جمّعتها جريدة “AM+ MEDIA”، أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع التواصل، اختارت منذ بداية الولاية الحكومية اعتماد مقاربة تصاعدية لمواكبة قطاع الإعلام، انسجاما مع التحديات التي فرضتها مرحلة ما بعد الجائحة.

    وبالعودة إلى سنة 2021، فقد بلغ الدعم الموجه للصحافة ما يناهز 168 مليون درهم، ثم 189 مليون درهم عام 2022، قبل أن يسجل قفزة خلال سنتي 2023 و2024 ليبلغ حوالي 348 مليونا ثم أكثر من 361 مليون درهم تواليا، وهو أعلى مستوى للدعم خلال السنوات الخمس الفارطة.

    ورغم تراجع الغلاف المالي إلى حوالي 277 مليون درهم سنة 2025، فإنه ظل أعلى بكثير من مستواه عند انطلاق الولاية الحكومية.

    وبلغت الكلفة الإجمالية حتى سنة 2025 لدعم المؤسسات الصحافية مليارا و343 مليون درهم في خمس سنوات.

    يوضح المبيان تحول سياسة وزارة التواصل تجاه تمويل قطاع الصحافة، بعدما ظل الدعم مستقرا عند حدود 250 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن يعرف قفزة كبيرة ابتداء من سنة 2023، حيث تجاوز 400 مليون درهم، ليبلغ ذروته في 2024، ثم يتراجع بشكل نسبي في 2025 مع بقائه عند مستوى يفوق بكثير ما كان عليه قبل ثلاث سنوات.

    ويعكس هذا المنحى انتقال الدعم العمومي من آلية ظرفية لمواجهة تداعيات الأزمة إلى أداة هيكلية لتأهيل المقاولات الصحفية والحفاظ على استمرارية القطاع، في سياق استمرار الضغوط التي فرضها التحول الرقمي وتراجع الموارد التقليدية للصحافة.

    وبالموازاة مع ذلك، حافظت الوزارة على دعم باقي مكونات المنظومة الإعلامية وفق تطور احتياجاتها، إذ استقر الدعم المخصص لقطاع الطباعة عند 15 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن ينخفض إلى 9 ملايين درهم ابتداء من 2023 والسنوات الموالية، في ظل إعادة هيكلة آليات المواكبة مع التحولات التي يعرفها القطاع، وبلغت الكلفة الإجمالية 57 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    أما شبكات توزيع الصحف، فقد استفادت من دعم بلغ 35 مليون درهم سنة 2021، ثم 30 مليون درهم خلال السنوات اللاحقة، بما مجموعه 155 مليون درهم إلى حدود العام الفارط.

    وشمل الدعم الإذاعات الخاصة، التي استفادت من 40 مليون درهم سنة 2021، قبل أن يستقر في حدود 20 مليون درهم في السنوات التالية، ليصل مجموع ما توصلت به إلى حدود 120 مليون درهم سنة 2025.

    واستنادا إلى هذه المؤشرات، يظهر أن الدعم الاستثنائي لم يكتف بإنقاذ المؤسسات الإعلامية من آثار الأزمة، بل ساهم أيضا في الحفاظ على توازن المنظومة الإعلامية بمختلف مكوناتها، من الصحافة إلى الطباعة والتوزيع والإذاعات الخاصة، بما وفر شروطا أفضل لاستمرار النشاط الإعلامي وحماية الرأسمال البشري، بكلفة إجمالية بلغت مليارا و675 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    يوضح المبيان أن المؤسسات الصحفية استحوذت على 80.2 في المئة من إجمالي الدعم العمومي، مقابل 9.3 في المئة لشركات التوزيع، و7.2 في المئة للإذاعات، و3.4 في المئة لقطاع الطباعة.

    ويعكس هذا التوزيع توجها واضحا في السياسة العمومية نحو تركيز الموارد المالية على الحلقة الأكثر تأثرا بالأزمة، وهي المقاولات الصحفية، باعتبارها المنتج الأساسي للمحتوى الإخباري، بينما خصصت نسب أقل لباقي مكونات سلسلة الإنتاج والتوزيع.

    وتبنت وزارة محمد مهدي بنسعيد فلسفة جديدة للدعم العمومي السنوي، والتي نزلتها في المرسوم رقم 2.23.1041 الصادر في الجريدة الرسمية في يناير 2024، والذي نقل الدعم إلى مرحلة جديدة تقوم على منطق “الاستثمار في المقاولة الإعلامية”، لكن تنزيله ما يزال معلقا في انتظار انتهاء “وضع الاستثناء” الذي تتسمك به المقاولات الصحفية.

     ولم يكتف المشرع في المرسوم المذكور بتحديد مبالغ الدعم، بل أعاد بناء فلسفته على أسس الحكامة وربط التمويل بالأداء والالتزامات.

    ويتجلى هذا التحول في اشتراط احترام مجموعة من المعايير المهنية والمالية، من بينها انتظام التصريحات الجبائية والاجتماعية، واحترام أخلاقيات المهنة، وربط الاستفادة باتفاقية تلزم المؤسسة بالحفاظ على مناصب الشغل، وتوظيف الكفاءات، والرفع من الموارد الذاتية، والاستثمار في الرقمنة وتحديث وسائل الإنتاج.

    وأصبح صرف الدعم خاضعا لتقارير سنوية للتتبع والتقييم، مع نشر لوائح المستفيدين وإحالة التقرير السنوي على وزارة التواصل، التي تحيله بدورها على رئيس الحكومة، الأخير يرفعه إلى المجلس الأعلى للحسابات، بما يعزز الشفافية والمساءلة.

    ولم يقتصر الإصلاح على فلسفة الاستفادة، بل امتد إلى طريقة احتساب الدعم، حيث اعتمد القرار المشترك لوزير التواصل والوزير المنتدب المكلف بالميزانية رقم 2345.24 الصادر في نونبر 2024 نسبا مرتبطة بحجم المؤسسة وكلفة الأجور والإنتاج، مع تخصيص 80 في المئة من الدعم للتسيير و20 في المئة للاستثمار، من أجل تحقيق التوازن بين ضمان استمرارية المقاولات الإعلامية وتشجيعها على التطور والتحديث، بدل الاكتفاء بمنطق الدعم الظرفي.

    ورغم أن النظام الجديد للدعم ما يزال معلقا حتى إشعار آخر، فالفلسفة الجديدة للدعم العمومي انتقلت من مجرد آلية لإنقاذ المقاولات الإعلامية إلى أداة للرفع من تنافسية القطاع، وتحسين جودة الإنتاج الصحافي، وإرساء قواعد الحكامة وربط التمويل بالنتائج.

  • تحديد موعد انطلاق منصة مستحقات النسخ التصويري للصحفيين

    تحديد موعد انطلاق منصة مستحقات النسخ التصويري للصحفيين

    أعلن المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة أنه سيتم إطلاق البوابة الإلكترونية الخاصة بانخراط الصحفيين المهنيين العاملين في مجال الصحافة الورقية وناشري الصحف (المقاولات الصحفية الورقية)، والمعنيين بمستحقات النسخ التصويري، وكذا التصريح بمقالاتهم الصحفية المنشورة ورقيا، ابتداء من فاتح غشت 2026 وذلك عبر الرابط التالي”www.bmdav-repro.ma”.

    وذكر المكتب، في بلاغ له، أن إطلاق هذه البوابة الإلكترونية يأتي تفعيلا لنظام تدبير مستحقات النسخ التصويري، موضحا أنه تقرر اعتماد برمجة زمنية لتقديم طلبات الانخراط والتصريح بالمقالات الصحفية عن سنوات 2024 و2025 و2026، وذلك لتيسير عملية توزيع المستحقات الخاصة بكل سنة على حدة.

    وأضاف المصدر ذاته أنه تقرر أن تخصص الفترة من فاتح غشت 2026 إلى غاية 31 دجنبر 2026، للتصريح بالمقالات الصحفية المنشورة خلال سنة 2024، ومن فاتح يناير 2027 إلى غاية 30 يونيو 2027 يخصص للتصريح بالمقالات الصحفية المنشورة خلال سنة 2025، بينما تقرر تخصيص الفترة ابتداء من فاتح يوليوز 2027 للتصريح بالمقالات الصحفية المنشورة خلال سنة 2026.

    ولإنجاح هذا الورش الجديد، دعا المكتب كافة الصحفيين المهنيين وناشري الصحف إلى التقيد بهذه البرمجة الزمنية، والولوج إلى المنصة الإلكترونية قصد الانخراط بالمكتب والتصريح بالمقالات داخل الآجال المحددة أعلاه.

  • الرئيس السابق للجمعية العامة للأمم المتحدة: المغرب دعامة للاستقرار الدولي

    الرئيس السابق للجمعية العامة للأمم المتحدة: المغرب دعامة للاستقرار الدولي

     أكد الرئيس السابق للجمعية العامة للأمم المتحدة، عبد الله شاهد، أن المغرب أضحى، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، دعامة للاستقرار وصوتا مسموعا على الساحتين الإقليمية والدولية.

    وأبرز شاهد، وهو أيضا وزير سابق للشؤون الخارجية بالمالديف، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة عيد العرش المجيد، أن “المملكة المغربية أبانت عن التزام ثابت لصالح التعددية، والتعاون جنوب-جنوب، والعمل الدولي البناء”.

    وأضاف رئيس الحزب الديمقراطي المالديفي أن المغرب، من خلال دبلوماسيته الفاعلة ودوره كحلقة وصل بين إفريقيا والعالم العربي وآسيا وأوروبا وغيرها، يواصل “تقديم مساهمة قيمة في إرساء السلم والحوار والتنمية المستدامة”.

    وفي ما يتعلق بدور المغرب على الساحة الدولية، سجل شاهد أن المملكة أكدت حضورها كمدافع “حازم وبناء” عن التعددية، في ظرفية تتسم بتزايد حدة الانقسامات في النظام الدولي.

    وقال في هذا الصدد: “لقد أثبت المغرب باستمرار أن الحوار والشراكة والتعاون الدولي تظل هي السبل الأكثر نجاعة لمواجهة التحديات المشتركة”.

    من جهة أخرى، أشاد المسؤول الأممي السابق بجهود المملكة لفائدة التعاون جنوب-جنوب، لاسيما في إفريقيا، من خلال شراكات تقوم على النفع المتبادل والتضامن والازدهار المشترك، مشيرا إلى أن هذا النهج يعكس القناعة بأن التنمية المستدامة يتعين أن تقوم على التعاون والتآزر بدلا من التنافسية.

    ولفت، أيضا، إلى أن انخراط المغرب داخل منظمة الأمم المتحدة وحرصه على بناء الجسور بين المناطق والثقافات، يجعلانه شريكا رئيسيا في إرساء نظام متعدد الأطراف أكثر اندماجا وتوازنا ونجاعة.

    وفي سياق متصل، سلط شاهد الضوء على أبعاد النموذج المغربي في الاعتدال والتسامح الديني والحوار بين الحضارات، في وقت تفرض فيه الانقسامات والتطرف ضغوطا متزايدة على المجتمعات.

    وشدد على أنه “بفضل القيادة المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تبنت المملكة مقاربة تقوم على الاحترام المتبادل والتعايش السلمي”.

    وخلص شاهد إلى أن الجهود الموصولة التي تبذلها المملكة في مجالات الشأن الديني والحوار بين الثقافات ساهمت، أيضا، في تعزيز فهم أفضل للإسلام، ومواجهة الخطابات التي تغذي التعصب والراديكالية.

  • معهد السياسات العالمية: المغرب واحة استقرار في إفريقيا

    معهد السياسات العالمية: المغرب واحة استقرار في إفريقيا

    أكد رئيس مركز التفكير الأمريكي “معهد السياسات العالمية”، باولو فون شيراتش، أن المغرب، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يرسخ اليوم مكانته كواحة سلام وقطب للاستقرار الاستراتيجي في إفريقيا.

    وأبرز فون شيراتش، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة الاحتفال بذكرى عيد العرش المجيد، أنه “في قارة إفريقية تشهد تحولات متسارعة وبؤر توتر مزمنة، استطاع المغرب، تحت قيادة جلالة الملك، أن يرسخ مكانته كواحة سلام وقطب للاستقرار الاستراتيجي”.

    وأضاف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة “باي أتلانتيك” في واشنطن، أن المملكة، بفضل رؤية ملكية “متبصرة وسديدة” توفق اليوم بين الاستقرار المؤسساتي، والريادة الأمنية، والدينامية الاقتصادية، بالإضافة إلى الدبلوماسية الإنسانية، لترسخ مكانتها كفاعل متفرد في إشاعة الاستقرار بمنطقة تواجه أزمات متعددة الأبعاد.

    وفي السياق ذاته، أبرز الخبير الأمريكي أن المغرب، تحت قيادة جلالة الملك، يشكل درعا أمنيا حصينا بالنظر لدوره الريادي في مكافحة الإرهاب.

    وأشار إلى أنه في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود، طور المغرب خبرة تحظى بالاعتراف على الصعيد العالمي، مذكرا، في هذا السياق، بأن المملكة تعد “شريكا استراتيجيا لا محيد عنه للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث تساهم بفعالية في تفكيك الخلايا الإرهابية في إفريقيا وأوروبا”.

    بالموازاة مع ذلك، أبرز رئيس معهد السياسات العالمية أن الاستقرار السياسي للمغرب خلق مناخ ثقة فريد للمستثمرين الدوليين، مما حول المملكة إلى قاطرة اقتصادية إقليمية حقيقية.

    وفي معرض حديثه عن العلاقات التاريخية التي تجمع بين واشنطن والرباط، اعتبر فون شيراتش أن “التحالف الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة يشكل أحد أكثر الشراكات الاقتصادية عراقة ومتانة في التاريخ الحديث”.

    وقال إن “العلاقات المغربية الأمريكية ارتقت على مر السنين لتصبح تحالفا عملياتيا حقيقيا”، مشيرا إلى أنه في بيئة دولية غير مستقرة ومجزأة، ترى الولايات المتحدة في المغرب ركيزة استراتيجية لا محيد عنها، قادرة على مد الجسور بين الغرب والعالم العربي والإسلامي والقارة الإفريقية.

    أما على الصعيد الاقتصادي، فقد خلص الخبير الأمريكي إلى أن اتفاق التبادل الحر الذي دخل حيز التنفيذ منذ سنة 2006 بين البلدين، وهو الوحيد من نوعه في القارة الافريقية، مكن من الارتقاء بالمعاملات التجارية الثنائية إلى مستويات غير مسبوقة.

  • مستشار ترامب يتباحث مع رئيس حكومة الوحدة بليبيا

    مستشار ترامب يتباحث مع رئيس حكومة الوحدة بليبيا

    كشف مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي، اليوم الاثنين، أنه أجرى مباحثات هاتفية مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تناولت الخطوات اللازمة للدفع بجهود توحيد ليبيا.

    ووصف مسعد بولس في تدوينة على حسابه بمنصة “إكس”، مباحثاته مع عبد الحميد الدبيبة ب” المثمرة” موضحا أنها تناولت التعاون العسكي والأمني بين شرق ليبيا وغربها، إلى جانب بحث فرص تعزيز التنسيق والتوافق العملياتي بين القوات الليبية والقيادة الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”.

    وجدد المستشار الأمريكي “التزام الولايات المتحدة بدعم توحيد ليبيا، بما يحقق السلام والاستقرار والازدهار المستدامين”.

  • ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    تتجاوز ظاهرة شباب “NEET” في المغرب مسألة البطالة، لتكشف عن مسارات مترابطة من الانقطاع عن التعليم والتكوين والعمل، قد تدفع جزءا من الشباب إلى وضعيات ممتدة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

    وتتداخل في تشكيل هذه الوضعية عوامل متعددة، من بينها الهدر المدرسي، وصعوبة الانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، وعدم استقرار المسارات المهنية، إلى جانب تفاوتات مجالية واجتماعية وجندرية.

    وأمام هذه الوضعية، اتجهت السياسات العمومية نحو تنويع آليات التدخل للحد من الظاهرة، غير أن الرهان لا يرتبط بتوفير برامج جديدة فحسب، بل بمدى قدرتها على معالجة أسباب الانقطاع ومواكبة الشباب عبر مسار متصل، يتيح لهم العودة إلى التعليم أو التكوين والولوج إلى سوق الشغل، وصولا إلى تحقيق استقرار مهني واجتماعي مستدام.

    شباب NEET.. فئة خارج التعليم والتكوين والشغل

    رغم الجهود التي يبذلها المغرب للحد من البطالة ومحاربة الهدر المدرسي، ما تزال فئة من الشباب تعيش خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة دوليا بمصطلح “NEET” (Not in Employment, Education or Training).

    ويُعرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه الصادر سنة 2023، شباب NEET بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، الذين لا يشتغلون، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من أي تكوين، مما يجعلهم خارج المدرسة وخارج سوق الشغل وخارج مسارات التكوين.

    ويشير المجلس إلى أن هذه الفئة تعد من أكثر الفئات هشاشة، بالنظر إلى ما يترتب عن هذا الوضع من مخاطر الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي.

    وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أنه خلال سنة 2022 كان واحد من كل أربعة شباب مغاربة، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، في وضعية “NEET”، أي ما يقارب 1.5 مليون شاب وشابة، وهو ما جعل الظاهرة تتحول إلى إحدى القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تستدعي تدخلا.

    غير أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكد أن توسيع قاعدة الفئة السنية لشباب “NEET” من 15 إلى 34 سنة تنقل رقم هذه الفئة إلى 4.3 ملايين لا ينتمون إلى فئة التلاميذ أو الطلبة أو المتدربين في التكوين المهني، ويوجدون في وضعية بطالة أو خارج الساكنة النشيطة، أي لا يبحثون عن الشغل لسبب من الأسباب.

    وفي آخر إحصائيات صادرة في أكتوبر من العام الماضي، كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة هم في وضعية شباب “NEET” سنة 2023، وتشـكل النسـاء أكثـر مـن 72 بالمئة مـن مجمـوع هـذه الفئـة، كمــا أن احتمــال وجودهــن ضمن هذه الفئة يفــوق بثــاث مــرات تقريبــا احتمــال الرجــال.

    ولا تنظر الدراسات إلى هذه الفئة باعتبارها متجانسة، فقد خلصت الدراسة النوعية التي أجراها المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2020 إلى وجود خمس مجموعات رئيسية داخل هذه الفئة، تشمل ربات البيوت المنحدرات من الوسط القروي، والشباب المنحدر من الوسط الحضري الذي يعيش الإحباط والتهميش، ما يجعلهم عرضة بشكل كبير للانحراف والسلوكات الإدمانية، فضلا عن شباب يميلون إلى تغيير وظائفهم بشكل متكرر مما يقودهم إلى الدخول في فترات بطالة قصيرة الأمد.

    كما تضم الفئة شبابا اختاروا التوقف عن العمل أو الدراسة بإرادتهم، وعادة ما تكون دوافعهم مرتبطة بعدم وجود الحاجة للعمل بعد التخرج، خاصة بالنسبة للنساء، أو برغبتهم في البحث عن آفاق جديدة لا ترتبط بالضرورة بمهنة محددة، إضافة إلى شباب يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات تحول دون اندماجهم في الدراسة أو سوق الشغل.

    وتشكل النساء النسبة الأكبر ضمن شباب “NEET”، وهو ما يعكس استمرار العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من اندماجهن في التعليم والتكوين وسوق الشغل.

    ويوضح ياسين إيصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، في هذا السياق، أن ارتفاع نسبة النساء ضمن فئة “NEET” لا يرتبط بالبطالة فقط، بل تتداخل فيه عوامل اجتماعية وأسرية ومجالية، كما أن نسبة مهمة منهن تُصنّف ضمن فئة “غير النشيطات” وليس ضمن الباحثات عن عمل، وهو ما يجعلهن أقل استفادة من برامج التشغيل التقليدية.

    إيصبويا أبرز أن الشابات يحتجن إلى سياسات أكثر استهدافا، ليس بعزل قضاياهن عن باقي السياسات، وإنما بإزالة العوائق التي تحول دون استفادتهن منها، من خلال توفير خدمات حضانة ميسرة، وضمان النقل الآمن، خاصة في الوسط القروي، وإتاحة تكوينات مرنة وقريبة من أماكن السكن، إلى جانب دعم المقاولات النسائية والتعاونيات، وإدراج مؤشرات خاصة بقياس إدماج الشابات ضمن البرامج الحكومية.

    كيف تتشكل ظاهرة “NEET“؟

    يُؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالبطالة، وإنما هي نتيجة مسار متراكم من الانقطاعات التي تبدأ في سن مبكرة وتمتد إلى مرحلة الاندماج المهني.

    ويتمثل الانقطاع الأول في الهدر المدرسي، إذ يغادر نحو 331 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا، خاصة خلال الانتقال من التعليم الإعدادي إلى الثانوي، بسبب الرسوب، وصعوبة الولوج إلى المؤسسات التعليمية، لاسيما في الوسط القروي، وضعف العرض في مجال التكوين المهني، فضلا عن عوامل اجتماعية وثقافية، مثل الفقر، وتشغيل الأطفال، وزواج القاصرات، والإعاقة.

    أما الانقطاع الثاني، فيتعلق بالانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، حيث يصطدم الشباب الباحث عن أول فرصة عمل بعدم ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، وضعف خدمات الوساطة في التشغيل، وهو ما يجعل ستة من أصل عشرة عاطلين من الشباب يواجهون صعوبات كبيرة في ولوج سوق العمل، بينما تظل النساء الأكثر عرضة للبقاء في وضعية “NEET” نتيجة عوامل اجتماعية وأسرية إضافية.

    ويتمثل الانقطاع الثالث في عدم استقرار المسار المهني، إذ يفقد عدد من الشباب وظائفهم أو يغادرونها بحثا عن ظروف عمل أفضل، في ظل ضعف الأجور، وعدم احترام شروط العمل اللائق، مما يؤدي إلى عودتهم مجددا إلى دائرة البطالة.

    وتبرز هذه الانقطاعات أن إدماج شباب “NEET” لا يقتصر على توفير فرص الشغل، بل يطرح تحديات مرتبطة بفعالية السياسات العمومية وقدرتها على مواكبة هذه الفئة في مختلف مراحل الإدماج.

    وفي هذا الصدد، أشارت كريمة غانم، خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي، في تصريح خصّت به جريدة “AM+ MEDIA”، إلى أن مكامن الخلل تتمثل في ثلاثة مستويات أساسية.

    أولها، حسب غانم، غياب منظومة فعالة للإنذار المبكر تربط المدرسة بالأسرة والمجتمع المدني وجمعيات أمهات وآباء التلاميذ، إذ تسبق الهدر المدرسي مؤشرات مثل التعثر والغياب وفقدان الدافعية، يمكن رصدها والتدخل بشأنها مبكرا.

    غير أن ضعف التنسيق يجعل تدخلات مختلف الأطراف متفرقة، فتتدخل المدرسة بعد وقوع الانقطاع، بينما تظل الأسر محدودة القدرة على المواكبة، وتبقى مبادرات المجتمع المدني محدودة الارتباط بالمنظومة العمومية، تؤكد المصرحة ذاتها.

    فيما يتعلق المستوى الثاني باستمرار منطق التدخل القطاعي والمجزأ، مما يجعل الشاب الذي يغادر المدرسة عرضة للوقوع في فراغ مؤسساتي، دون أن يجد مسارا بديلا واضحا ومهيكلا.

    أما المستوى الثالث، فتوضح خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي أنه يرتبط بضعف معالجة الأبعاد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالظاهرة، فمع كون النساء يمثلن النسبة الأكبر من شباب “NEET”، فإن الإشكال يتجاوز غياب فرص التشغيل ليشمل عوائق مرتبطة بالتمثلات الاجتماعية حول أدوار المرأة، إلى جانب محدودية بنيات الرعاية الاجتماعية التي تمكن الشابات من التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمسار المهني، وهي تحديات لا يمكن لبرنامج تشغيل بمفرده معالجتها.

    وتخلص غانم إلى أن الرهان لا يكمن في إطلاق المزيد من البرامج بقدر ما يتمثل في بناء منظومة إدماج مندمجة تضع الشاب في صلبها، وتنسق بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية ضمن مسار واحد ومتصل، بما يحول دون سقوط الشباب في الفجوات الناتجة عن ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين.

    كيف تراهن الحكومة على إدماج شباب “NEET“؟

    اتجهت الحكومة الحالية إلى اعتماد مقاربة متعددة القطاعات لإعادة إدماج شباب “NEET”، تقوم على التدخل في مختلف مراحل مسارهم، بدءا من الحد من الهدر المدرسي، مرورا بالتأهيل والتكوين، وصولا إلى تسهيل الولوج إلى سوق الشغل، بانخراط عدة قطاعات حكومية.

    وقامت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتعزيز مدارس الفرصة الثانية – الجيل الجديد، التي تستهدف الشباب المنقطعين عن الدراسة، إذ توفر التأهيل التربوي والتكوين المهني والمواكبة قصد الإدماج الاجتماعي والمهني.

    وعززت الوزارة هذا البرنامج سنة 2025 عبر توقيع اتفاقيات مع 22 جمعية لتدبير مراكز جديدة لفائدة 1760 مستفيداً.

    وانخرط المغرب أيضا في مشروع “Youth NEET”، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية، بهدف تطوير نموذج الفرصة الثانية، وتحسين قابلية تشغيل الشباب وتعزيز التنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين.

    ومن جهتها، أطلقت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات برنامج “تدرج”، الذي يعتمد على التكوين داخل المقاولة لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات، بهدف تمكينهم من اكتساب مهارات عملية تتلاءم مع حاجيات سوق الشغل، إلى جانب برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات” الذي وسع لأول مرة برامج الإدماج لتشمل هذه الفئة، بعدما كانت موجهة أساسا لحاملي الشهادات.

    أما وزارة الشباب والثقافة والتواصل، فقد ركزت على تنمية المهارات وتعزيز الإدماج الاجتماعي من خلال برنامج “جواز الشباب”، الذي يتيح للشباب الولوج إلى خدمات وفرص في مجالات التكوين والثقافة والتنقل والتشغيل، إضافة إلى البرنامج الوطني للتطوع “متطوع”، الذي يهدف إلى تطوير المهارات الحياتية وتعزيز المشاركة المواطنة، بما يرفع من قابلية الشباب للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتمثل هذه البرامج تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني أساسا بالشهادة. فجزء كبير من شباب “NEET” غير حاصل على مؤهلات رسمية أو غادر الدراسة مبكرا وبالتالي كان خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    وفي تعليقه على هذه البرامج، يرى الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، أنها تمثل تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني بالحصول على شهادة، في حين أن جزءا كبيرا من شباب “NEET” غادروا الدراسة مبكرا أو لا يتوفرون على مؤهلات تعليمية، مما جعلهم خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    ويضيف أن برنامج “تدرج” يقوم على الربط بين التكوين النظري والتعلم داخل المقاولة، بما يسمح للشباب باكتساب كفاءات مهنية من خلال الممارسة، وليس فقط عبر الشهادات. ويبرز في هذا السياق أن وزارة الشباب أطلقت لقاءات جهوية لتنزيل البرنامج في إطار شراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي ووزارة الاقتصاد والمالية، فيما أعلنت الحكومة أن نظام التدرج المهني وفر خلال شهري غشت وشتنبر 2025 نحو 39 ألف فرصة عمل لدى 12 ألف مقاولة.

    أما برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات”، فيعتبره الباحث خطوة مهمة لأنه يتيح لهذه الفئة اكتساب أول تجربة مهنية داخل المقاولة في إطار مواكبة مهيكلة، وهو ما يعكس اعترافا بأن غياب الشهادة لا يعني غياب الكفاءة أو القدرة على التعلم.

    ويؤكد المتحدث أن مبادرات وزارة الشباب تكتسي بدورها أهمية خاصة، بالنظر إلى القرب الترابي والاجتماعي الذي تتمتع به دور الشباب والمؤسسات التابعة للقطاع، وهو ما يؤهلها للانتقال من مجرد فضاءات للأنشطة التربوية والترفيهية إلى منصات للتوجيه والتكوين الرقمي والمقاولاتية وربط الشباب بفرص التشغيل.

    ويبرز أن برامج الوزارة برسم سنة 2026 تتجه نحو تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي عبر التكوين، والتشغيل الذاتي، والمقاولاتية، إلى جانب تشجيع المشاركة المواطنة والعمل التطوعي.

    وخلص المتحدث إلى أن نجاح هذه المبادرات، لا يقاس بحجم المستفيدين أو عدد الدورات التكوينية المنجزة، بقدر ما يقاس بقدرتها على إحداث أثر فعلي ومستدام في حياة الشباب، من خلال انتقالهم إلى فرص شغل مستقرة وتحسن أوضاعهم الاجتماعية والمهنية بعد أشهر أو سنة من انتهاء الاستفادة

    ومن جهتها، أفادت كريمة غانم أن نجاح هذه البرامج لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المستفيدين أو الدورات التكوينية المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق إدماج مستدام، فالمؤشر الحقيقي، وفقها، يتمثل في قدرة المستفيد على الحصول على عمل لائق، أو مواصلة مسار تكويني تراكمي، أو إنشاء مشروع قابل للاستمرار بعد انتهاء البرنامج.

    وشددت غانم على أهمية تقييم جودة فرص الشغل، ومستوى الاستقرار المهني، ومدى توافق الوظائف مع مؤهلات الشباب وتطلعاتهم، مشيرة إلى أن 14 بالمئة فقط من الباحثين عن شغل المسجلين حديثا لدى أنابيك يستفيدون فعليا من خدماتها، وهو ما دفع الحكومة إلى إطلاق إصلاح شامل للوكالة.

    وتطرح هذه المعطيات، بحسب المتحدثة، سؤالا أكبر حول وضعية شباب “NEET” الذين لا يصلون أصلا إلى خدمات التسجيل.

    دور المجتمع المدني

    يساهم المجتمع المدني في نجاح برامج إدماج شباب “NEET” على تدخل القطاعات الحكومية، بل يظل رهينا أيضا بانخراط مختلف الفاعلين، باعتباره شريكا أساسيا في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة ومواكبتها نحو مسارات التكوين والإدماج.

    وفي هذا السياق، أكد ياسين إيصبويا أن المجتمع المدني يمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى الشباب في أماكن وجودهم وبناء الثقة معهم، خاصة أولئك الذين لا يسجلون في الوكالات العمومية أو لا يعتبرون أنفسهم مؤهلين للاستفادة من البرامج.

    وأضاف أن الجمعيات المحلية يمكن أن تضطلع بأدوار الرصد الميداني، والتوجيه، وتنمية المهارات، وربط الشباب بمؤسسات التكوين والتشغيل، باعتبارها تمثل الجسر الذي ينقلهم من العزلة والإحباط إلى الاستفادة الفعلية من البرامج.

    لكن حتى ينجح هذا الدور ينبغي الانتقال من شراكات ظرفية قائمة على تنظيم أنشطة متفرقة إلى تعاقدات ترابية متعددة السنوات تحدد الفئات المستهدفة والنتائج المنتظرة وآليات التتبع، كما ينبغي تمكين الجمعيات المعتمدة مع احترام حماية المعطيات الشخصية من المساهمة في بناء قواعد بيانات ترابية محدثة حول الشباب المنقطعين أو غير النشطين، وفق المتحدث عينه.

    تحديات التنزيل الفعلي

    تعكس المؤشرات الأخيرة بداية تحسن في وضعية شباب “NEET”، إذ انخفضت نسبتهم من 24.4 سنة 2024 إلى 23.2 سنة 2025، أي بتراجع بلغ 1.2 نقطة مئوية، وهو ما يعادل نحو 1.375 مليون شاب وشابة، لتسجل البرامج الجديدة أولى نتائجها، خاصة بعد توسيع الاستفادة لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، في محاولة لتجاوز محدودية المقاربات السابقة.

    ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التحديات ما تزال قائمة، بالنظر إلى استمرار الهدر المدرسي، وارتفاع نسبة البطالة، وضعف الملاءمة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، فضلا عن استمرار الفوارق المجالية والنوعية، خصوصا بالنسبة للنساء وسكان العالم القروي.

    لذلك، ترى كريمة غانم أن تعدد المبادرات والجهود لا يمنعنا من تسليط الضوء على تحديات هيكلية تحد من فعاليتها، في مقدمتها استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة، وإشكاليات تتعلق بالتنسيق الناجع بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    وأضافت غانم، في تصريحها، أن تعدد المبادرات والجهود لا يلغي استمرار تحديات هيكلية، في مقدمتها معدلات الهدر المدرسي، وإشكالية التنسيق بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    كما تبرز، وفق المتحدثة، أهمية البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي، إذ تشير معطيات التقرير المشترك للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي إلى أن 72 بالمئة من شباب “NEET” في المغرب هم من الإناث، وأن 82 بالمئة من هؤلاء يُصنَّفن ربات بيوت.

    ولا يعكس هذا المعطى مجرد تفاوت إحصائي، بل يكشف عن عوائق هيكلية مرتبطة بصعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والحياة المهنية، واستمرار أنماط ثقافية تحد من المشاركة الاقتصادية للنساء.

    ومن جهته، أشار ياسين إيصبويا، إلى أنه ينبغي قراءة هذا التراجع بنوع من الحذر، فهو مؤشر إيجابي لكنه لا يعني أننا تجاوزنا الطابع البنيوي للظاهرة. فبحسب دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل شباب “NEET” من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة من 35 بالمئة سنة 2017 إلى 33.6 بالمئة سنة 2023، لكنه ارتفع قليلا مقارنة بسنة 2022 التي سجلت 33 بالمئة. وهذا يعني أن جزءا من التحسن ارتبط باستعادة النشاط الاقتصادي بعد الجائحة بينما بقي المعدل شبه مستقر في السنوات الأخيرة. 

    وفي هذا السياق، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمقاربة دامجة لمعالجة ظاهرة شباب “NEET” وتسريع إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، تقوم على تعزيز رصد وتتبع أوضاعهم والفئات الهشة من الشباب، واعتماد تدابير وقائية تحول دون وقوعهم في وضعية “NEET”، إلى جانب إرساء منظومة موسعة للاستقبال والتوجيه تراعي اختلاف وضعياتهم.

    كما دعا المجلس إلى الارتقاء بخدمات وبرامج الإدماج من حيث العرض والجودة والفعالية، وتعزيز حكامة هذه البرامج عبر تحقيق التقائية وتكامل التدخلات وضمان التنسيق المستمر بين مختلف الفاعلين المعنيين.

     إدماج شباب NEET.. أولويات السياسات العمومية المقبلة

    وأمام استمرار هذه التحديات، يبرز السؤال حول الأولويات التي ينبغي أن توجه السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى مسارات إدماج أكثر استدامة، تراعي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، فضلا عن الاختلافات المجالية والاجتماعية داخل فئة شباب NEET.

    وفي هذا الإطار، أكدت كريمة غانم أن المرحلة المقبلة تتطلب نقلة نوعية من منطق البرامج المتفرقة إلى سياسة عمومية مندمجة واستشرافية تضع الشباب في صلب التنمية وتستحضر التحولات التكنولوجية.

    وحددت في هذا السياق خمس أولويات مترابطة، تبدأ بإعادة هندسة منظومة التعليم والتكوين بما يواكب اقتصاد المعرفة، من خلال الحد من الهدر المدرسي، وتعزيز الكفايات الرقمية والمهارات الناعمة، وتحديث التكوين المهني بما يستجيب لحاجيات القطاعات الواعدة، كصناعة السيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي.

    وتتمثل الأولوية الثانية في بناء جسور بين التحول الرقمي وإدماج شباب “NEET”، عبر تطوير كفايات رقمية قابلة للتوظيف وضمان وصولها إلى الوسط القروي والمناطق الهشة.

    أما ثالث الأولويات فتتمثل في معالجة البعد الجندري بشكل هيكلي، من خلال معالجة عوائق الرعاية الاجتماعية والحضانة ومرونة ظروف العمل، فيما تتعلق الأولوية الرابعة باعتماد مقاربة ترابية مُكيَّفة لأن التفاوتات بين الجهات تفرض سياسات محلية تراعي النسيج الاقتصادي والاجتماعي لكل جهة، بدلاً من سياسة وطنية موحدة.

    وأضافت غانم، أن الأولوية الخامسة تتجلى في ضرورة بناء منظومة استشرافية لتتبع المستفيدين وقياس أثر البرامج، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد إدماج مؤقت يحسن المؤشرات، بل بناء مسارات مهنية واجتماعية مستدامة.

    أما الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، فيضع البعد الترابي في صلب الأولويات، معتبرا أن البداية يجب أن تكون من الوقاية من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” عبر الحد من الهدر المدرسي، إذ شدد على ضرورة الحذر من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” من خلال الحد من الهدر المدرسي وتعزيز مدارس الفرصة الثانية وتطوير منظومة التوجيه الدراسي والمهني، وربطها بحاجيات سوق الشغل ومهن المستقبل.

    وأضاف المتحدث أنه من الضروري إرساء سياسات جهوية للشباب ضمن المخططات الجهوية للتنمية، باعتبار أن الظاهرة تختلف من جهة إلى أخرى ومن الوسط الحضري إلى القروي، بل حتى بين أقاليم الجهة نفسها.

    ولذلك، يدعو إلى إدراج محور خاص بالشباب ضمن هذه المخططات، بأهداف ومؤشرات وميزانيات واضحة، مع إشراك مجالس الجهات والجماعات الترابية والمقاولات والجامعات ومؤسسات التكوين والمجتمع المدني.

    كما اقترح إحداث مرصد جهوي للشباب بكل جهة، لتوفير معطيات دقيقة ومحيّنة تساعد على توجيه البرامج والاستثمارات وفق الحاجيات الفعلية لكل مجال ترابي، إلى جانب الانتقال من البرامج القطاعية إلى سياسة عمومية مندمجة تنسق بين التربية والتكوين والتشغيل والشباب والاستثمار والتضامن.

    ويضيف أن الاستثمار في الاقتصاد الجديد ومهن المستقبل، من خلال توسيع التكوين في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والصناعات الثقافية والإبداعية، ينبغي أن يواكبه دعم ريادة الأعمال والمقاولات الشبابية، وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني للوصول إلى الشباب الأكثر هشاشة ومواكبتهم.

     ويخلص إلى أن محاربة ظاهرة “NEET” لا ينبغي أن تعتمد على برامج وطنية موحدة فقط، بل على سياسات ترابية تجعل كل جهة مسؤولة عن إدماج شبابها ضمن رؤية تنموية شاملة، وبمؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.

  • بـ70% من احتياطي الفوسفاط العالمي.. كيف تحول المغرب إلى صمام أمان إفريقيا الغذائي وسط أزمة هرمز؟

    بـ70% من احتياطي الفوسفاط العالمي.. كيف تحول المغرب إلى صمام أمان إفريقيا الغذائي وسط أزمة هرمز؟

    وضع تقرير حديث صادر عن التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا (AGRA) المغرب في قلب معادلة الأمن الغذائي للقارة، معتبرا أن احتياطياته الهائلة من الفوسفاط وقدرته الصناعية على تحويلها إلى أسمدة تجعلانه ركيزة لا غنى عنها لعشرات الملايين من المزارعين الأفارقة، في وقت تعيد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ترتيب أولويات سلاسل التوريد العالمية.

    عشر دول إفريقية كبرى تعتمد على المغرب

    وفق معطيات التقرير، يظهر المغرب ضمن أهم ثلاثة مصادر لواردات الأسمدة في عشر من أكبر الدول الإفريقية المستوردة وهي إثيوبيا (بمعدل 1.7 مليون طن سنويا بين 2005 و2024)، كينيا (1.3 مليون طن)، تنزانيا (1.1 مليون طن)، غانا (0.9 مليون طن)، ساحل العاج (0.9 مليون طن)، زامبيا (0.8 مليون طن)، أوغندا (0.7 مليون طن)، رواندا ومالاوي (0.6 مليون طن لكل منهما)، والسنغال (0.5 مليون طن)، حيث يتقاسم المغرب الصدارة في هذه الأسواق مع منافسين دوليين كبار كروسيا والصين والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا، بحسب اختلاف السوق.

    وتظل إثيوبيا، أكبر مستورد إفريقي للأسمدة بواقع نحو 1.97 مليون طن في 2024 وحدها وفق مركز التطوير الدولي للأسمدة (IFDC) عبر Ecofin Agency، بينما استوردت كينيا 834 ألف طن وزامبيا نحو 797 ألف طن في العام ذاته، وهي مستويات منسجمة مع فرضية أن المعدل السنوي على مدى عشرين سنة (2005-2024) يكون أقل من الرقم الأخير المسجل في 2024، نظرا للنمو التصاعدي للواردات عبر العقدين الماضيين، كما يؤكد تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (UNECA) أن قرابة 60 في المئة من الأسمدة الفوسفاطية المستهلكة في إفريقيا تأتي من موردين أفارقة، أساسا من شمال القارة.

    وتزداد هذه المكانة رسوخا في السنوات الأخيرة عبر عقود تجارية ملموسة، ففي يوليوز 2026 وحده، أكدت بنغلاديش طلبيتين إضافيتين لشراء التريبل سوبر فوسفاط من المكتب الشريف للفوسفاط بلغتا نحو 70 ألف طن، فيما يستحوذ المغرب على 45 في المئة من واردات ساحل العاج من الأسمدة، بحسب منصة “Cauris Media”.

    في تصريح لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية بتاريخ 15 يوليوز الجاري، أكد المستشار الفلاحي الأسبق للرئاسة الفرنسية، هيرفي لوجون، أن إفريقيا “تستورد 42 في المئة من أسمدتها الفوسفاطية من المغرب”، معتبرا الرباط “شريكا مميزا” بالنظر إلى قربها الجغرافي من كل من أوروبا وإفريقيا.

    احتياطيات تفوق 70 في المئة من المخزون العالمي

    يستند التقرير إلى معطيات حول التركز الجغرافي الاستثنائي لاحتياطيات الفوسفاط، إذ تحوز إفريقيا الشمالية وحدها 55.1 مليون طن من هذه الاحتياطيات، أي ما يعادل 78 في المئة من المخزون العالمي، فيما يستأثر المغرب بمفرده بنسبة 70.42 في المئة، تليه مصر (3.94 في المئة)، ثم الجزائر (3.10 في المئة)، وأخيرا تونس (0.14 في المئة).

    هذه الأرقام تتطابق بدقة لافتة مع معطيات نشرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا استنادا إلى المسح الجيولوجي الأمريكي (USGS)، والتي تشير حرفيا إلى أن “الجزائر ومصر والمغرب وتونس تحوز 77.6 في المئة من الاحتياطيات العالمية، ويستأثر المغرب وحده بـ70.4 في المئة من الاحتياطي العالمي للفوسفاط”، وهو ما يقترب بشكل شبه تام من الرقمين اللذين يوردهما تقرير AGRA (78 و70.42 في المئة على التوالي)، ما يرجح أن كلا المصدرين يعتمدان على قاعدة بيانات المسح الجيولوجي الأمريكي.

    كما تؤكد دراسات أخرى، من بينها منتدى الاقتصاد العالمي ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن حصة المغرب من الاحتياطيات العالمية تناهز 70 في المئة، بمخزون يقدر بنحو 50 مليار طن، مقابل أقل من 4 مليارات طن للصين التي تحتل المرتبة الثانية عالميا.

    إنتاج تضاعف مرتين ونصف لكن الاعتماد الخارجي لا يزال قائما

    وكشف التقرير أن إنتاج إفريقيا من الأسمدة المعدنية قفز من 5.7 ملايين طن سنة 2002 إلى 14.1 مليون طن في 2023، أي بزيادة قدرها 146 في المئة، فيما ارتفع الاستخدام الفلاحي لهذه الأسمدة من 4.3 ملايين طن إلى 7 ملايين طن (+65 في المائة) خلال الفترة ذاتها، ومع ذلك، لا تمثل القارة الإفريقية سوى 4 في المئة فقط من الاستهلاك العالمي للأسمدة المعدنية، إذ يبقى المستهلكون الرئيسيون هم مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.

    هذه الأرقام تتقاطع بدرجة عالية مع معطيات مستقلة أخرى، فتقرير “مراقبة التجارة الزراعية الإفريقية” (AATM) لسنة 2025 الصادر عن “ReSAKSS” يشير إلى أن “إنتاج الأسمدة المعدنية في إفريقيا ارتفع بنسبة 165 في المئة بين 2000 و2023، من 5.3 ملايين طن مغذيات إلى 14.1 مليون طن”، وهو رقم قريب جدا من رقم AGRA (5.7 مقابل 5.3 ملايين طن كنقطة انطلاق، ونفس الرقم النهائي 14.1 مليون طن بالضبط).

    كما يؤكد التقرير ذاته أن المغرب ومصر يساهمان بنسبة 79 في المئة من إجمالي الإنتاج الإفريقي للفترة 2019-2023، ليرتفع إسهام شمال إفريقيا ككل إلى 90 في المئة بإضافة الجزائر وتونس.

    ويضيف بحث لمركز “CGIAR” أن حصة إفريقيا من الإنتاج العالمي للأسمدة لم تتجاوز 4 في المئة (5.8 ملايين طن) في مطلع الألفية، وهو ما يطابق النسبة التي يوردها تقرير “AGRA” بخصوص الحصة الحالية للقارة من الاستهلاك العالمي.

    مضيق هرمز.. الشريان الذي يهدد أمن إفريقيا الغذائي

    يعيد التقرير التذكير بالدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في تجارة الأسمدة العالمية، إذ يمر عبره 23 في المئة من التجارة العالمية للأمونيا، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و49 في المئة من الكبريت، و18 في المئة من ثنائي وأحادي فوسفاط الأمونيوم (DAP وMAP).

    هذه النسب الأربع تتطابق حرفيا مع بيانات الرابطة الدولية للأسمدة “IFA”، التي نشرت بتاريخ مارس 2026 عبر صفحاتها أنه: “في 2024، استحوذت خمس دول مصدرة رئيسية (إيران، قطر، السعودية، الإمارات، البحرين) على 23 في المئة من تجارة الأمونيا العالمية، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و18 في المئة من تجارة MAP+DAP”، فيما يورد التقرير الاستشرافي متوسط المدى للرابطة الدولية للأسمدة (IFA) لسنة 2026 رقم 49 في المئة كحصة للكبريت تحديدا، وهي أرقام متطابقة بشكل كامل مع ما أورده تقرير “AGR”.

    وقد تجسدت هذه المخاطر فعليا خلال الأشهر الأخيرة، فمنذ اندلاع المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية المعروفة بـ”عملية الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026، انهارت حركة الملاحة عبر المضيق بنسبة قاربت 95 في المئة (من نحو 130 سفينة يوميا إلى 6 سفن فقط)، بحسب ورقة موقف صادرة عن “AGRA” نفسها بعنوان “الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته على تحول الأنظمة الغذائية الأفريقية”، والتي رصدت ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تراوحت بين 30 و45 في المئة في عدة أسواق إفريقية، من بينها نيجيريا (+40 في المئة تقريبا لليوريا) وغانا (+35 في المئة).

    وبحسب تحليل نشرته صحيفة “لوفيغارو”، فإن إغلاق المضيق “سحب ثلث المعروض العالمي من الأسمدة من السوق الدولية”، فيما ومع انفراج نسبي في الأزمة وإعادة فتح المضيق تدريجيا منذ أبريل 2026 لا تزال الأسواق مضطربة، إذ تشير نشرة استجابة أزمة الأسمدة الصادرة عن “IFDC” بتاريخ 7 يوليوز 2026 إلى أن “إعادة فتح مضيق هرمز خففت من المخاوف اللوجستية الفورية، لكنها لم تلغِ الهشاشة البنيوية” التي تعاني منها أسواق الأسمدة العالمية، مع استمرار ارتفاع تكلفة الكبريت كعائق رئيسي أمام إنتاج الفوسفاط المحول.

    فرصة تاريخية ضمن منطقة التجارة الحرة القارية

    يرى تقرير “AGRA” أن الاضطرابات التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية تفتح أمام منتجي شمال إفريقيا، وعلى رأسهم المغرب، فرصة حقيقية لتوسيع صادراتهم نحو الأسواق الإفريقية، ويوصي بالتركيز على أربعة محاور هي دعم الإنتاج المحلي في البلدان التي تتوفر فعلا على قدرات صناعية مهمة، وهي تحسين البنية التحتية التجارية، وتوسيع آليات التمويل، وتعزيز الاندماج التجاري ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf) بهدف رفع حصة الأسمدة الفوسفاطية المتبادلة داخل القارة إلى ما يتجاوز 60 في المئة الحالية، وزيادة التبادل الإقليمي بنسبة تقدر بـ26 في المئة.

    وهذه التوصيات تنسجم مع توجه فعلي بدأ يتبلور على أرض الواقع، فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، التي ترفع إنتاجها الحالي من الأسمدة الفوسفاطية من 15 إلى 20 مليون طن في أفق 2027، تعمل على رفع طاقتها الاستخراجية من الصخور الفوسفاطية من 50 إلى 70 مليون طن سنويا، فيما استفاد المغرب مؤخرا من قرار الإدارة الأمريكية تعليق الرسوم التعويضية على وارداتها من الأسمدة الفوسفاطية المغربية لثمانية أشهر ابتداء من 28 يونيو 2026، وهو ما منح شركة “أو سي بي” “وصولا مميزا إلى أول سوق عالمية” بحسب تحليل نشرته منصة “Cauris”، علما أن الإدارة الأمريكية أوصت بالمقابل في 24 يوليوز 2026، بالإبقاء على الرسوم التعويضية بنسبة 20.04 في المئة لمدة خمس سنوات إضافية في إطار المراجعة الخماسية الدورية، في انتظار القرار النهائي.

    غير أن التقرير، شأنه شأن تحليلات أخرى صادرة عن مؤسسات دولية، يشير أيضا إلى نقطة ضعف بنيوية، فرغم امتلاكه أضخم احتياطي فوسفاطي في العالم، يبقى المغرب معتمدا بشدة على استيراد الكبريت والأمونيا من دول الخليج لتحويل الصخور الفوسفاطية إلى أسمدة جاهزة، وهو ما يجعله عرضة بدوره لتداعيات أي اضطراب يطال منطقة الخليج، حتى وإن كان في موقع المستفيد الظاهري من أزمة مضيق هرمز، بحسب ما يوضحه تحليل نشرته “RFI”.

  • واشنطن تفتح للمغرب باب محطة “أرجنت إل إن جي” الأمريكية بسعة 25 مليون طن من الغاز المسال سنويا

    واشنطن تفتح للمغرب باب محطة “أرجنت إل إن جي” الأمريكية بسعة 25 مليون طن من الغاز المسال سنويا

    أضافت الولايات المتحدة، المغرب إلى قائمة الوجهات التي يمكن أن تستقبل الغاز الطبيعي المسال المصدَّر من محطة “أرجنت إل إن جي” (Argent LNG) المستقبلية بميناء بورت فورشون في ولاية لويزيانا، بموجب الأمر رقم 5447 الصادر عن مكتب المحروقات والطاقة الجيوثرمية (HGEO) التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.

    الترخيص، الذي وقّعته إيمي سويني مديرة مكتب الأمن الطاقي العالمي، يمنح الشركة إذنا لتصدير ما يعادل 1293.75 مليار قدم مكعب من الغاز سنويا، أي ما يقارب 25 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، لمدة عشرين سنة تبدأ من تاريخ أول عملية تصدير تجارية، فيما لا يتضمن هذا الترخيص بحسب نص الأمر أي إشارة إلى الكميات المخصصة للمغرب، أو الأسعار أو جدول التسليم أو هوية أي مشترٍ مغربي حتى الان.

    وينتمي المغرب إلى مجموعة من 18 دولة تفرض اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة معها مع واشنطن معاملة وطنية في تجارة الغاز، إلى جانب أستراليا والبحرين وكندا وتشيلي وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس والأردن والمكسيك ونيكاراغوا وعُمان وبنما وبيرو وكوريا الجنوبية وسنغافورة.

    ويفرض القانون الأمريكي على وزارة الطاقة، بالنسبة لهذه الوجهات، اعتبار عمليات التصدير متوافقة مع المصلحة العامة والترخيص لها “دون تعديل أو تأخير”، أما بالنسبة للدول غير المستفيدة من هذا النظام التجاري، فتبقى مسطرة منفصلة قيد الدراسة، في حين يسمح الترخيص الممنوح للشركة بالبيع لحسابها الخاص أو كوكيل لجهات أخرى تحوز الوقود.

    25 مليون طن.. أين تقع من حجم السوق العالمي؟

    تعادل السعة التي أعلنت عنها “أرجنت إل إن جي”، في حال بلوغ طاقتها القصوى، نحو 5.8 في المئة من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال التي بلغت 428 مليون طن في 2025، حسب التقرير السنوي للمجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال (GIIGNL)، كما تعادل 4.8 في المئة من القدرة العالمية للتسييل المسجلة في نفس السنة والبالغة 524 مليون طن.

    أما المعدل اليومي المرخص به، القريب من 3.5 مليار قدم مكعب، فيمثل أكثر بقليل من 20 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية المتوقعة لسنة 2026 حسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، والمقدرة بـ17.4 مليار قدم مكعب يوميا.

    مشروع بقيمة 18 مليار دولار في لويزيانا

    ويفترض أن يشغل المشروع أكثر من 900 فدان (نحو 364 هكتارا) في مقاطعة لافورش، بعد أن استحوذت السلطة المسؤولة عن ميناء بورت فورشون في يوليوز 2025 على 743 فدانا إضافيا لرفع المساحة الإجمالية إلى هذا الرقم.

    ويشمل المشروع اثنتي عشرة وحدة تسييل معيارية تعتمد تكنولوجيا شركة “بيكر هيوز”، وخزانين بتقنية الأغشية بسعة 220 ألف متر مكعب لكل منهما، ومحطة كهربائية تعمل بالغاز بقوة تقارب 350 ميغاواط، ومحطتين قادرتين على استقبال ناقلات غاز تتراوح سعتها بين 125 ألفا و260 ألف متر مكعب.

    وتعتزم الشركة الشروع في الأعمال في دجنبر 2027، وبدء الخدمة التجارية في الفصل الأول من 2030، رهنا بحصولها على باقي التراخيص الفدرالية وتأمين تمويل الورشة.

    ويصل الغاز إلى المركب عبر أنبوبين بقطر ستة عشر بوصة مرتبطين بشبكة “كينيتيكا” والبنى التحتية المجاورة، وتخطط الشركة لمرحلة أولى بسعة قريبة من 12 مليون طن سنويا قبل الارتفاع إلى 25 مليونا، وتقدم منشأتها كأحد أكبر مشاريع التصدير المطروحة على الساحل الأمريكي لخليج المكسيك، ويمتد عقد استئجار الأرض على ثلاثين سنة قابلة للتجديد مرتين لمدة ثلاثين سنة إضافية في كل مرة، أي احتلال محتمل أقصاه تسعون سنة.

    وتبقى الأرقام الاقتصادية التي تنشرها الشركة متغيرة بحسب صفحات موقعها الرسمي، فهي تشير إلى استثمار أولي بقيمة 18 مليار دولار، وهو الرقم الذي أكدته الشركة نفسها في بيانها الرسمي عن الترخيص، بينما تعرض بحسب الأقسام أكثر من 600 أو نحو 3000 وظيفة دائمة في الولايات المتحدة، وتقدّر “العائدات الاقتصادية الشاملة” المرتبطة بتصدير 25 مليون طن بما بين 5.5 و8 مليارات دولار سنويا، دون أن تكشف عن منهجية حساب هذه التقديرات.

    شركاء تجاريون في أكثر من 40 دولة.. والمغرب ليس من بينهم بعد

    تؤكد الشركة أنها تجري مباحثات تجارية مع “أكثر من أربعين دولة” في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وأبرز التزام رقمي معلن يخص بنغلاديش، بحد أقصى 5 ملايين طن سنويا، أي 20 في المائة من السعة المرتقبة للمشروع، لكن الملف الفدرالي يصف الاتفاق مع دكا بأنه “اتفاق مبدئي غير ملزم”.

    كما وقّعت “أرجنت إل إن جي” اتفاق تعاون دون كمية معلنة مع “إبياش” (EPIAS)، المشغل التركي لأسواق الغاز والكهرباء، من أجل تخزين وتسويق الغاز الأمريكي المسال في وسط وجنوب شرق أوروبا.

    وتضيف هذه الشركة أيضا إلى شبكة شراكاتها مذكرة تفاهم مع شركة “نافتوغاز” الأوكرانية لبيع الغاز عبر محطات إعادة التغويز الأوروبية، ما يؤكد أن المغرب حتى الآن لا يظهر ضمن أي التزام تجاري معلن أو حتى مبدئي مع الشركة.

    المغرب يستورد 10.4 تيراواط/ساعة من الغاز عبر إسبانيا.. ولا عقد مع “أرجنت”

    إدراج المملكة ضمن الوجهات المرخصة يفتح إمكانية تجارية على المدى الطويل، دون أن يترتب عنه أي التزام بالشراء، ويستورد المغرب منذ يونيو 2022 غازا طبيعيا مسالا يُشترى من السوق الدولية، تتم إعادة تغويزه في محطات إسبانية، ثم يُوجَّه في الاتجاه المعكوس عبر خط أنابيب المغرب-أوروبا.

     وقد بلغت التدفقات الآتية من إسبانيا نحو 10.375 تيراواط/ساعة في 2025، مقابل 9.703 تيراواط/ساعة في السنة السابقة، أي بزيادة قريبة من 7 في المئة، وهو رقم قياسي منذ إعادة تفعيل الخط في اتجاهه المعكوس بعد قطع الجزائر إمداداتها في 2021، وبهذا الرقم، يظل المغرب ثاني أكبر وجهة لصادرات الغاز الإسبانية المعاد تصديرها بحصة 26 في المائة، خلف فرنسا بـ35 في المائة.

    بناء على هذا المعطى، فإن أي شحنة من “أرجنت إل إن جي” لن تتمكن من الوصول إلى المغرب إلا بعد توقيع عقد تجاري وتنظيم عملية تفريغ في منشأة بحرية متوافقة، ويمكن نظريا أن تُعاد تدويرها في إسبانيا قبل تحويلها عبر خط الأنابيب، على غرار المشتريات المغربية الحالية، أو أن تصل إلى منشأة وطنية مستقبلية، لكن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة كانت قد علّقت في فبراير 2026 مساطر مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور “ويست ميد” وخطوط الأنابيب المرتبطة به، بذريعة “معايير وافتراضات جديدة تستدعي إعادة النظر في المشروع”.

    شفافية تنظيمية تفرضها واشنطن

    يفرض الترخيص الأمريكي على “أرجنت إل إن جي” إحالة عقودها طويلة المدى إلى وزارة الطاقة في غضون ثلاثين يوما من توقيعها والتصريح بدول التسليم الفعلي، وهذا يعني أن أي عملية بيع موجهة إلى المغرب ستترك أثرا تنظيميا موثقا، حتى لو تصرفت “أرجنت إل إن جي” لحساب جهة أخرى حائزة للغاز.

    وحتى تاريخ منح هذا الترخيص، لا يذكر الملف الفدرالي المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، ولا المكتب الوطني للمحروقات والمعادن، ولا أي شركة مغربية خاصة من بين الأطراف التجارية المتعامل معها.

    من هي “أرجنت إل إن جي”؟

    مقر الشركة في مدينة ميتيري بولاية لويزيانا ويسيطر جوناثان باس رئيسها التنفيذي، على المساهم الأغلبي فيها، وتُعد شركة “بيكر هيوز” مزود التكنولوجيا الرئيسي المكلف بأنظمة التسييل والتوربينات المخصصة للمشروع، عبر تقنيتها المعيارية وتوربينات “إل إم 9000″، وتؤكد كل المصادر المتاحة دورها كمزود تقني وشريك خدمات، كما يوضح الملف الفدرالي أن قيادة الشركة أمريكية، وأنها “لا تخضع لملكية أي حكومة أجنبية، كليا أو جزئيا، بشكل مباشر أو غير مباشر.