المدونة

  • رسوم التوقيت الميسر.. الإصلاح لا يحتمل المزايدات الشعبوية

    رسوم التوقيت الميسر.. الإصلاح لا يحتمل المزايدات الشعبوية

    في الوقت الذي تستعد فيه العديد من الجامعات المغربية لاستقبال موسم جامعي جديد، متميز بتحولات جذرية تصب في اتجاه الرفع من جودة التكوين، وتنويع العرض الجامعي، وتخفيف الضغط على المؤسسات الجامعية، كي نوفر للطالب إمكانية متابعة دراسته الأكاديمية في ظروف أفضل وأكثر إيجابية، نفاجأ اليوم بانطلاق سجال آخر يستهدف، في عمقه، نسف كل هذه المجهودات وإفراغها من محتواها، خدمةً لأجندات سياسوية يغيب عنها الحس الوطني النبيل الذي يقدم المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.

    هو سجال يحاول أن يتمظهر بلبوس الدفاع عن الجامعة، لكنه في الحقيقة مجرد مزايدات شعبوية غير مسؤولة، تحاول اللعب على حبل قطاع هام، ذي حساسية مفرطة ورهانات مجتمعية كبيرة، ألا وهو قطاع التعليم العالي، الذي يحتاج إلى تعبئة وطنية واسعة يشارك فيها الجميع بروح من المسؤولية والموضوعية، وبعيدًا عن دغدغة العواطف، خدمةً لرهانات ظرفية تسمو عليها مصلحة الوطن وقضاياه الاستراتيجية الكبرى.

    في هذا الإطار، أود التأكيد، على أن النقاش الذي صاحب إقرار واجبات التسجيل المرتبطة بالتكوين وفق صيغة التوقيت الميسر، والخاصة بالموظفين وأجراء القطاع الخاص، هو نقاش موجَّه ويتضمن العديد من المغالطات، وبالتالي فهو بعيد جدًا عن المبررات الموضوعية التي أدت إلى إقراره، ويحتاج منا، كمسؤولين عن إدارة المؤسسات الجامعية، توضيح كل الملابسات التي صاحبته ، وتمكين الرأي العام من المعطيات الحقيقية، التي تسمح ببناء موقف موضوعي مسؤول وبعيد عن كل الخلفيات.

    وقبل ذلك، أؤكد مرة أخرى أن البلاغ التوضيحي الذي صدر عن منتدى رؤساء الجامعات، باعتباره أعلى جهاز لتنسيق عمل الجامعات، أحدثه القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي (59.24) بهذا الخصوص، فيه من المعطيات ما يغني عن أي إضافات. وحسبي، في هذه الورقة التفاعلية، أن أعود إلى بعض النقط التي أرى أنها جديرة بالتوضيح والبيان.

    نقط أوردها كالتالي:

    • ليس في هذا القرار أي ضرب لمجانية التعليم في السلك العالي، كما أُريد الترويج لذلك عمدًا ، على اعتبار أن مجانية هذه الرسوم ستستمر سارية في حق كل الطلبة الذين لا دخل لهم، والذين لا ينتمون إلى واحدة من الفئتين المعنيتين بالقرار، وهما فئة الموظفين ثم أجراء القطاع الخاص.
    • نظام التكوين بالتوقيت المستمر نظام معمول به في أغلب الجامعات بالعالم، في فرنسا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وبالتالي فهو ليس انفرادًا مغربيًا، كما جاء في بعض الادعاءات، بل نظام كان من المفروض العمل به منذ زمن، ما دامت غايته تجويد مستوى التكوين، وإعطاء قيمة للشواهد الجامعية، وضمان مبدأ الدراسة مدى الحياة.
    • من المفارقات التي سكتت الادعاءات عن توضيحها هي أن الأداء مقابل التكوين كان معمولًا به في المغرب، وما يزال إلى حد الآن، في إطار ما يعرف بالتكوين المستمر، لكن مشكلة هذا النوع من التكوين أن الطالب لا يتوج فيه، إلا بشهادة جامعية، تسلَّم إليه من المؤسسة التي درس بها بعد سنوات الدراسة، والقانون لا يخوله الارتكاز عليها لمواصلة باقي مساراته الدراسية في المستويات العليا في التخصص الذي اختاره للتكوين إذ القانون يشترط في هذه الحالة ضرورة التوفر على شهادة وطنية. ومع الأسف، أن العديد من المتكونين كانوا لا يعلمون بهذا الشرط إلا بعد فوات الأوان، وهذا فيه ما فيه من الإجحاف الذي كان يتطلب التصحيح، وهو ما يسعى إليه التكوين المستمر اليوم، إنصافًا للمتكونين ورفعًا من قيمة الشواهد التي سيحصلون عليها.
    • من الإيجابيات التي يجب التنويه بها في إطار هذا النظام الجديد، ما يمكن تسميته بالحق في الدراسة مدى الحياة، بمعنى أن كل مواطن، موظفًا أو أجيرًا، سيكون من حقه معاودة استكمال مساره الدراسي في المستويات العليا، متى تحققت فيه الشروط التي يتطلبها المسلك الذي يختاره، وهو مطمئن إلى قوة الشهادة التي سيحصل عليها.
    • القول بأن هذا النظام سيؤدي إلى مقايضة أو بيع الشهادة مقابل الأداء، يستبطن، في ظني، أعلى درجات التغليط والانتهازية والشعبوية، لأسباب ذكرنا بعضها في النقطة السابقة، ونضيف إليها أن شهادة الدكتوراه ليست شهادة عادية، وهي في أصلها شهادة لا تُقدَّر بثمن لمن عرف قدرها. وبالتالي، نؤكد أن الطلبة من غير المنتمين إلى فئة الموظفين والأجراء معفون منها قانونًا، ولكنها واجبة على المنتمين إلى إحدى هاتين الفئتين. مع الإشارة إلى أن الشهادة لن ينالها إلا المستحق لها عن جدارة واستحقاق، ووفق طرق التقييم المقررة قانونًا، سواء كان التكوين بالأداء أو بدونه. فلا مزايدة في الشهادات، التي لن تمس قيمتها بأي شكل من الأشكال.
    • كما سبقت الإشارة، نوضح أن الغاية من فرض هذه الرسوم هي الرفع من جودة التكوين، على اعتبار أن قسطًا من المداخيل سيوجَّه إلى تجهيز المؤسسات الجامعية ومختبرات البحث فيها بكل ما يلزم من معدات لوجستيكية مساعدة على الرفع من جودة التكوين (حواسيب، لوحات إلكترونية، مراجع ورقية، برمجيات…) وغيرها من اللوازم التي سيستفيد منها، في آن واحد، كل من الطالب المعفى (غير القادر على الأداء) والطالب المؤدي، في إطار نوع من التضامن الطلابي وخدمة للمشروع الجماعي الناجح وذي الجودة.
    • معنى أن التكوين سيكون ميسرًا هو صياغة أجندات زمنية مناسبة لفئتي الموظفين والأجراء، بحيث لا تتأثر التزاماتهم المهنية مع نظيرتها العلمية، بحيث إن غاية هذا التكوين هي تحقيق نوع من الملاءمة المريحة بين واجب الحضور الفعلي بمقرات العمل وواجب الحضور الفعلي بقاعات الدراسة. وعلى هذا الأساس، ستكون حصص التكوين المستمر مبرمجة حصريًا لفائدة الموظفين والأجراء في المساء وأيام السبت والأحد، مما يعني بذل جهد خاص وتعبئة إضافية من السادة الأساتذة والأطر الإدارية، لا بد أن تقابلها محفزات مستحقة سيتم تأمينها من مداخيل هذه الرسوم.
    • من الحري ذكره، في إطار مطلب التوضيح هذا، وجود صيغ مقترحة تناسب بعض الوضعيات الخاصة، على شاكلة تسهيلات في الأداء، أو التخفيض من قيمة الرسوم في حالة كان الأجر المصرح به دون الحد الأدنى للأجور.

    يتبين إذن أن قرار واجب التسجيل على التكوين المستمر قرار متكامل ومدروس بعناية فائقة، له أهداف بيداغوجية سامية، ستكون في صالح الطالب والموظف والأجير، غايته الرفع من جودة التكوين والحفاظ على قوة الشهادات. وهو قرار مندرج في إطار منهجية الإصلاح الشامل التي تستهدف كل مكونات البحث الجامعي.

    فهو مشروع وطني مترفع عن كل الاعتبارات، وعلى هذا الأساس، فمن المفروض أن يبقى في منأى عن المزايدات السياسوية والتطاحنات الانتخابية الظرفية.

    عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة*

  • من إرث التأسيس إلى طموح الصدارة.. رحلة صعود “البام” في الذكرى الـ18 لتأسيسه

    من إرث التأسيس إلى طموح الصدارة.. رحلة صعود “البام” في الذكرى الـ18 لتأسيسه

    في الثامن من غشت، التاريخ الذي يحيي فيه ذكرى تأسيسه، يدخل حزب الأصالة والمعاصرة عامه الـ18 وهو في موقع يختلف جذريا عن ذلك كان فيه سنة 2011، عندما كان “الجرار” يقاوم أزمة شرعية سياسية حادة، ويواجه اتهامات خصومه.

    لكنه اليوم، وهو يطوي الصفحة الـ18 من تاريخ تلك الأحداث بسلبياتها وإيجابياتها، يجد نفسه شريكا في الأغلبية الحكومية، ويعلن صراحة طموحه في تصدر الانتخابات التشريعية المرتقبة بعد قرابة شهرين من الآن.

    وعرف الحزب صعودا انتخابيا سريعا، واستقالات من القيادة، وصراعا تنظيميا، وتحولا من المواجهة المفتوحة في المعارضة إلى المشاركة في تدبير السلطة، ثم واجه ملفات قضائية مست بعض أبرز وجوهه، قبل أن يجرب، منذ 2024، صيغة غير مألوفة في الحياة الحزبية المغربية تقوم على “القيادة الجماعية”.

    ولا يمكن اختزال ذكرى تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في تعاقب الأمناء العامين، أو في أزمات متواترة، لأنها في جانب كبير، قصة حزب ظل يعيد تعريف وظيفته السياسية، من مخاض البدايات، إلى حزب معارضة برلمانية، ثم إلى حزب في الحكومة يعد اليوم من أبرز المرشحين لقيادة المرحلة المقبلة.

    مخاض التأسيس العسير

    يكشف أحمد اخشيشن، رئيس أكاديمية حزب الأصالة والمعاصرة، أن مخاض تأسيس الحزب ارتبط، بأزمة أوسع عاشها الحقل السياسي المغربي أكثر مما ارتبط بمجرد قرار لإحداث تنظيم حزبي جديد.

    فاخشيشن يؤكد لجريدة “AM+ MEDIA” أن “البام” جاء “نتاج مخاض مجتمعي، وكان مشروعا جماعيا اخترقته التجاذبات بين أطراف كانت تركض خلف الغلبة لهذا الطرف أو ذاك”، بما يعكس منذ البداية تعدد الروافد والحساسيات التي التقت داخل المشروع، وما رافق ذلك من تنافس حول أهدافه.

    ويعيد اخشيشن جذور هذا المسار إلى تجربة حركة لكل الديمقراطيين، التي كان يرأسها، ومحاولة الانفتاح على مكونات سياسية مختلفة، مشيرا إلى أنه “يوم أطلقنا الحركة لكل الديمقراطيين توجهنا إلى أغلبية الأطياف السياسية، لكننا لم نجد قبولا”، مبرزا أنه كان ينظر لها بأنها منافس أكثر منه إضافة للمشهد السياسي المغربي.

    ووفق اخشيشن، جاء مشروع الحركة في سياق اتسم بتراجع الثقة في الوسائط السياسية، عبرت عنه انتخابات 2007، التي شهدت أقل نسبة مشاركة في تاريخ المغرب، والتي اعتبرها “دليلا على عدم اقتناع المواطنين بالحلول التي كانت مقدمة آن ذاك”.

    لذلك يرفض عضو المكتب السياسي لـ”الجرار” اختزال ولادة الحزب في استجابة ظرفية، مؤكدا أن “تأسيس الحزب لم يكن نزوة ظرفية، بل حركة فكرية وسياسية، اشتغلت طيلة سنتين من خلال اللقاءات والنقاشات الحقيقية”.

    لذلك، يقدم اخشيشن تأسيس “البام” باعتباره محاولة لملء فجوة بين التحولات الديمقراطية التي عرفها المغرب وبين عرض سياسي لم يواكبها بالوتيرة نفسها، وهي قراءة يدافع من خلالها أيضا عن استمرارية مشروعية الحزب.

    من الدولة الاجتماعية إلى السيادة

    يقوم المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، وفق وثيقته المرجعية، على ثلاث قيم مركزية هي، الكرامة والأمل والمواطنة، فالكرامة، وفق المصدر ذاته، ترتبط بمحاربة التهميش والتمييز والفساد والريع، وضمان الولوج العادل إلى التعليم والصحة والسكن، فيما يتأسس الأمل على الاستثمار في الشباب وخلق فرص الشغل وتشجيع المبادرة والابتكار والارتقاء الاجتماعي، أما المواطنة، فتقوم على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة وربط الحقوق بالواجبات وإشراك المواطنين في صناعة القرار.

    اقتصاديا واجتماعيا، يدافع الحزب عن بناء دولة اجتماعية قوية تستند إلى اقتصاد منتج ومستدام، قادر على خلق الثروة وتوزيعها بصورة أكثر إنصافا، مع دعم المبادرة الخاصة وإعادة الاعتبار لقيمة العمل، إضافة إلى أن ويضع ضمن أولوياته تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتأهيل العالم القروي، وتمكين النساء والشباب، وإصلاح منظومتي التعليم والصحة، وتعزيز البحث العلمي والابتكار.

    سياسيا ومؤسساتيا، يرتكز تصور “البام” على تكريس دولة الحق والقانون، وتعزيز الحقوق والحريات، وإصلاح منظومة العدالة، وتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والمحسوبية، إلى جانب استكمال البناء المؤسساتي الذي أرساه دستور 2011، وتوسيع مجال الديمقراطية التشاركية، ويجعل من الجهوية المتقدمة ونقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات رافعة لتحقيق العدالة المجالية.

    ويولي الحزب أهمية خاصة للتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة البيئية، والأمن المائي والغذائي والطاقي والطاقات المتجددة.

    ويحتل تثمين الهوية المغربية بتعدد روافدها والانفتاح على القيم الكونية مكانة بارزة في الوثيقة المرجعية لحزب الأصالة والمعاصرة.

    ويضع أيضا، على مستوى السياسة الخارجية، الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية في صدارة الأولويات، مع دعم تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الحضور المغربي في إفريقيا والفضاء الأطلسي، وتعبئة إمكانات مغاربة العالم لخدمة التنمية والمصالح الوطنية.

    كيف حافظ البام على تماسكه؟

    ككل الأحزاب، فتاريخ الأصالة والمعاصرة لم يكن قصة استقرار، فمنذ 2011، مر الحزب بلحظات كان يمكن لأي واحدة منها أن تنتج انشقاقا دائما أو انهيارا تنظيميا، من قبيل الضغط السياسي الذي عاشه حول صورة الحزب ومشروعيته، ومغادرة أو استقالة قيادات، وأزمة قيادة في 2017، ثم الصراع التنظيمي بين الأمانة العامة و”تيار المستقبل” بين 2018 و2020 وصل جزء منه إلى القضاء، قبل أن تأتي لاحقا ملفات قضائية مست مسؤولين وقياديين سابقين وتضع صورة الحزب أمام اختبار أخلاقي وسياسي جديد، كما واجهت القيادة الجماعية الحالية سنة 2024 أزمة صلاح الدين أبو الغالي بعد أشهر فقط من انتخابها.

    لكن القاسم المشترك بين هذه المحطات لم يكن غياب الخلاف، بل قدرة الحزب على إبقائه داخل سقف تنظيمي انتهى، في كل مرة تقريبا، إلى إعادة تركيب القيادة بدل تفكيك الحزب.

    فمرحلة 2011 أعقبها مؤتمر 2012 وقيادة جديدة؛ وانتهى الصراع الداخلي الكبير إلى مؤتمر 2020 وانتخاب عبد اللطيف وهبي؛ ثم جاء مؤتمر 2024 بصيغة القيادة الجماعية، وحتى عندما اهتزت هذه الصيغة بخلاف أبو الغالي، عوضه المجلس الوطني في أكتوبر 2024 بفاطمة السعدي، واستمرت الآلية نفسها في قيادة الحزب بثبات واستقرار قبيل شهرين من الانتخابات التشريعية المقبلة.

    ما تكشفه هذه الأزمات مجتمعة هو أن “البام” لم يكن حزبا بلا تجاذبات، وإنما حزبا طور مع الوقت قدرة أكبر على إدارة الصراع من دون أن يتحول تلقائيا إلى انشقاق، لذلك يؤكد رئيس أكاديمية “البام” أن وصول التنظيم إلى “مرحلة النضج كانت ضريبته هي كل التجاذبات والتقاطبات التي طبعت مرحلة المخاض”.

    ويوضح اخشيشن أن “18 سنة تَظهر أنها مدة زمنية طويلة، لكنها مقارنة مع تاريخ المغرب قصيرة جدا، وبالتالي هذ القياس اليوم يفيد لتقييم المسافة والمسار”.

    من 47 إلى 102 ثم 87 مقعدا

    لم يخرج حزب الأصالة والمعاصرة من دائرة القوى الكبرى منذ أول اختبار تشريعي، ففي انتخابات 2011، التي جرت في سياق سياسي استثنائي أعقب حركة 20 فبراير والإصلاح الدستوري، حصل “البام” على 47 مقعدا في مجلس النواب، وحل رابعا.

    لكن قبلها، نجح “الجرار” في السيطرة على نتائج الانتخابات الجماعية 2009، بحصده 6015 مقعدا، أي 21.7 في المئة من المقاعد، بعد اقل من سنة واحدة على تأسيسه.

    وسنة 2015، قدمت الانتخابات الجماعية مؤشرا أكثر وضوحا على قدرته على بناء نفوذ ترابي، فقد تصدر “الجرار” نتائج المجالس الجماعية بـ6655 مقعدا، أي 21.12 في المئة من المقاعد، ثم في 2016 حقق قفزة تشريعية كبيرة بحصوله على 102 مقعد، ليحل ثانيا، لكنه بدل التهافت على كرسي ضمن الائتلاف الحكومي، اختار الاصطفاف في المعارضة.

    أما في انتخابات 2021، فقد تراجع “البام” عدديا من 102 إلى 87 مقعدا، لكنه حافظ على الرتبة الثانية، وهي النتيجة التي فتحت للحزب بابا لم يدخله من قبل للمشاركة لأول مرة في الحكومة ضمن أغلبية ثلاثية مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.

    معارضة بناءة

    خلال عقد المعارضة، اتخذ الحزب عددا من المواقف البرلمانية الدالة على هويته السياسية، فقد كان من أشد منتقدي حكومتي بنكيران والعثماني، ووصل الأمر سنة 2018 إلى التلويح بملتمس رقابة ضد حكومة سعد الدين العثماني، من دون أن تتحول المبادرة إلى مسطرة تنتهي بإسقاط الحكومة.

    لكن الحزب لم يصوت ضد كل مشاريع الأغلبية، في مؤشر على أنه لا يصطف في المعارضة من أجل المعارضة فقط، ففي 2019 أيد القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، بما فيه خيارات التناوب اللغوي وتدريس مواد علمية بلغات أجنبية، كما كان كان من أبرز المدافعين عن احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية سنة 2021.

    وفي ملف استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، اتخذ الحزب موقفا مؤيدا للقرار في إطار الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب، مع التأكيد على دعم القضية الفلسطينية، وأصبح خطابه أكثر تركيزا على إدانة العمليات الإسرائيلية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية بعد الحرب على غزة.

    من امتحان المعارضة إلى عبء الحصيلة

    وانتقل “البام” بعد انتخابات 8 شتنبر 2021 لأول مرة من موقع مراقبة السياسات العمومية وانتقادها إلى موقع المسؤولية المباشرة عنها، بعدما أصبح مكونا بارزا من مكونات الأغلبية الحكومية، إلى جانب الأحرار والاستقلال.

    وتولى وزراء “البام” حقائب وزارية حساسة، من إعداد التراب الوطني والإسكان والشباب والثقافة والتواصل، إلى العدل والتشغيل والتعليم العالي ثم الانتقال الرقمي والطاقي.

    هذا التحول أعاد صياغة خطابه البرلماني والسياسي، ففي الأغلبية، صار الفريق البرلماني للحزب جزءا من صناعة وتمرير الاختيارات الحكومية، مع إبراز أولويات يعتبرها امتدادا لمرجعيته على رأسها الدولة الاجتماعية، والعدالة المجالية، والتشغيل، ودعم السكن، وتحديث التشريعات، وتوسيع مشاركة النساء والشباب، ومواكبة إصلاح مدونة الأسرة من منظور حداثي.

    طموح تصدر الانتخابات

    في 25 يوليوز 2026، لم تترك قيادة الأصالة والمعاصرة هدفها الانتخابي في منطقة التلميح، فالبيان الختامي للدور الـ32 للمجلس الوطني أعلن صراحة “طموح الحزب لتصدر نتائج الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”.

    ويستند هذا الطموح إلى قاعدة 87 مقعدا التي انطلق منها بعد 2021، وهي ثاني أكبر كتلة حزبية أفرزتها تلك الانتخابات، إضافة إلى شبكة المنتخبين والحضور الترابي التي راكمها على امتداد سنوات، زيادة على موقعه داخل الحكومة وما وفره من حضور لعدد من قياداته في تدبير قطاعات مباشرة الصلة بالمواطنين.

    ويضاف إلى ذلك وصول القيادة الجماعية إلى الموسم الانتخابي بدرجة من الاستقرار التنظيمي، بعدما كانت انتخابات سابقة تسبقها أو ترافقها صراعات حول مركز القيادة.

    ويؤكد أحمد اخشيشن في هذا السياق أن شروط المرحلة الحالية تغيرت جذريا، لأن المطالب اختلفت بشكل كبير عن مرحلة المخاض والتأسيس، موضحا “نتحدث اليوم عن الدولة الاجتماعية، والدعم المباشر، عن الشباب وحقوق المرأة… وهي مطالب لم تكن في تلك الفترة”، وهكذا ينتقل سؤال “البام”، وفق عضو المكتب السياسي الذي يعتبره الباميون “الأب الروحي” للحزب، من مبررات التأسيس إلى مدى قدرته على تجديد عرضه السياسي لمواكبة تحولات المجتمع وانتظاراته الجديدة.

    عرض سياسي متكامل

    ويتجلى التحول الأهم في مسار حزب الأصالة والمعاصرة ليس في أمين عام أو رقم انتخابي، بل في تغير الرهان، ففي 2011 كان الحزب مطالبا بإثبات أنه قادر على البقاء في سياق سياسي صعب، ثم في 2020 كان مطالبا بمنع صراعه الداخلي من التحول إلى انقسام، وفي 2021 كان عليه أن يثبت قدرته على الانتقال من المعارضة إلى الحكومة، وفي 2024 اختار أن يختبر نموذجا جماعيا للقيادة، أما في 2026، فالمطلوب هو تحويل كل ذلك إلى عرض انتخابي مقنع.

    ويشير اخشيشن في هذا السياق إلى أن “أهم ما يمز البام اليوم أنه مكون كامل الحضور في المشهد السياسي، وأصبح قيمة مضافة للساحة السياسية”، مشيرا إلى أن الحزب قدم عرضا سياسيا متكاملا لمغرب المستقبل، سيما أن شروط المغرب الصاعد متوفرة ونموذجنا التنموي بلغ مرحلة من النضج تجعله مؤهلا لدخول ضمن الدول الصاعدة، والأصالة والمعاصرة قادر على أن يستثمر هذه الشروط في المرحلة المقبلة وتنزيلها على أرض الواقع لدخول نادي الدول الصاعدة”.

    وشدد اخشيشن على أن طموح وقناعة الأصالة والمعاصرة اليوم أن يكون الحزب حاضرا بقوة في قيادة المرحلة المقبلة، لأننا “قدمنا مشروعا يجيب عن انتظارات الشباب والمرأة وكل المغاربة”، بيد أنه أكد أن العرض السياسي للحزب لن يظل شعارات ولا حبرا على ورق “لأننا نتوفر على فرق قادرة على رفع هذا التحدي، لا تتوفر على الكفاءة فقط، بل أيضا على القدرة على الإنجاز وتنزيل السياسات”.

  • الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    الصحراء المغربية.. كيف يخدم التحول الكولومبي موقف الرباط بمجلس الأمن؟

    هذا التحول لا يستمد أهميته فقط من إضافة دولة جديدة إلى قائمة الدول التي تعزز الموقف المغربي في قضية الصحراء، بل من كون كولومبيا تعد من الدول ذات الوزن السياسي والاقتصادي في أمريكا الجنوبية، وهي منطقة احتفظت فيها ميليشيا البوليساريو تاريخيا بشبكة من العلاقات والدعم، كما أن بوغوتا تشغل حاليا مقعدا غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة 2026-2027.

    وبين كولومبيا التي أعادت، مع وصول غوستافو بيترو إلى السلطة سنة 2022، علاقاتها مع البوليساريو، وكولومبيا التي تعلن اليوم، في عهد الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، تغير موقع دولة كانت تحسب، إلى وقت قريب، ضمن الأصوات غير المريحة للرباط داخل مجلس الأمن.

    من بوغوتا إلى مجلس الأمن.. أكثر من اعتراف جديد

    أعلنت كولومبيا موقفها الجديد خلال لقاء جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار.

    وأكد إسكوبار أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، فيما اعتبر ريستريبو أن القرار يشكل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، وذهب أبعد من ذلك بوصف المغرب بـ”حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا”، معبرا عن رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    أما وزير الخارجية المغربية، فوصف سحب بوغوتا اعترافها بالكيان الانفصالي والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء بالقرار “التاريخي”، معتبرا أنه قادر على منح دفعة قوية للعلاقات الثنائية.

    لكن القراءة السياسية للقرار تتجاوز العلاقات بين الرباط وبوغوتا، بالنظر إلى أن كولومبيا تشغل منذ يناير 2026 مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، وتستمر عضويتها إلى غاية نهاية 2027، وهو معطى يمنح التحول الجديد وزنا إضافيا، لأن بوغوتا ستكون حاضرة بصوتها داخل المجلس لدعم المغرب.

    أكتوبر.. أول اختبار للموقف الجديد

    يأتي التحول الكولومبي بعد أقل من سنة من اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ومنح مقترح الحكم الذاتي المغربي أولوية في تسوية سياسية للنزاع المفتعل.

    واعتمد القرار بـ11 صوتا دون أي صوت معارض، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    وبالتالي، سيكون أكتوبر 2026 أول موعد كبير يمكن أن تظهر فيه عمليا توجهات الدبلوماسية الكولومبية الجديدة بشأن الملف.

    واللافت أن بوغوتا كانت، إلى وقت قريب، تُقرأ في الاتجاه المعاكس، إذ في تحليل نشر في يونيو الماضي حول تركيبة مجلس الأمن وتأثيرها على ملف الصحراء، اعتبر السفير السابق والباحث في العلاقات الدولية، أحمد فوزي، أن كولومبيا كانت العضو الذي يمكن أن يعارض التطور الذي يعرفه الملف، رابطا ذلك باعتبارات إيديولوجية أكثر منها بحسابات مرتبطة بتطور النزاع نفسه.

    تحول بدلالات متعددة الأبعاد

    وفي هذا السياق، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التحول الكولومبي يحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، بالنظر إلى عضوية بوغوتا الحالية في مجلس الأمن وتوقيت القرار قبيل استحقاق أكتوبر.

    ويوضح أبو الذهب في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “انتقال كولومبيا من الاعتراف بالكيان الانفصالي إلى الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه يمثل تحولا سياسيا مهما في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن، لأن الأمر يتعلق بدولة تملك اليوم صوتا داخل المجلس، ما يعزز الدينامية الدبلوماسية الداعمة للموقف المغربي، خصوصا مع اقتراب مناقشة الملف مجددا في أكتوبر المقبل”.

    ويضيف أن هذا التحول يحمل دلالة إضافية بالنظر إلى موقع كولومبيا داخل أمريكا اللاتينية، التي شكلت تاريخيا إحدى ساحات تحرك البوليساريو.

    أربع سنوات بين موقفين متناقضين

    في غشت 2022، بعد وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة، أعادت كولومبيا علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية، بعدما كانت هذه العلاقات مجمدة منذ سنوات.

    وفي أبريل 2026، قبل أربعة أشهر فقط من رحيل بيترو، استقبلت الرئاسة الكولومبية أوراق اعتماد ممثل للبوليساريو بصفته سفيرا في بوغوتا.

    لكن العلاقة مع البوليساريو لم تكن تحظى بإجماع داخلي كولومبي، إذ صدرت خلال السنوات الماضية مواقف عن برلمانيين كولومبيين تنتقد توجه السلطة التنفيذية، وتدعو في المقابل إلى تعزيز العلاقات مع المغرب ودعم وحدته الترابية.

    ومع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بدأ اتجاه السياسة الخارجية الكولومبية يتغير بعدما وصل أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى كرسي الرئاسة، حاملا توجها سياسيا مختلفا عن سلفه، لتظهر أولى إشارات القطيعة حتى قبل تنصيبه، عندما أعلن إعادة هيكلة الشبكة الدبلوماسية لبلاده وإغلاق عدد من السفارات، من بينها السفارة الكولومبية في الجزائر.

    وبرر الرئيس الجديد إعادة الهيكلة بالرغبة في تقليص النفقات وتوجيه الموارد إلى أولويات داخلية، مؤكدا أن إغلاق السفارات لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الدول المعنية، غير أن هذه الخطوة، متبوعة بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، تعكس في إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الخارجية الكولومبية بعد انتهاء مرحلة بيترو.

    ماذا يربح المغرب؟

    يشكل الموقف الكولومبي الجديد مكسبا كبيرا للمغرب، إذ على المستوى الأممي، يعد تحول موقف دولة تشغل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، بعدما كانت تُصنف قبل أشهر قليلة ضمن الدول التي يمكن أن تتحفظ على المسار الذي أخذه الملف، ضربة موجعة للجبهة الانفاصلية، وراعيتها الجزائر.

    لكن المكسب الأهم بالنسبة للمغرب فيتجلى في الموقف الكولومبي نفسه، فبوغوتا لم تكتف بتوصيف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالجدية أو المصداقية، وإنما انتقلت إلى إعلان الاعتراف بـ”سيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يتجاوز مجرد دعم البحث عن حل سياسي في إطار المقترح المغربي.

    ويأتي ذلك في سياق دبلوماسي تعمل فيه الرباط على توسيع دائرة الدول التي انتقلت مواقفها من دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل إلى التعبير عن مواقف أكثر وضوحا بشأن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.

    ماذا تريد كولومبيا من المغرب؟

    تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح، والتصريحات الصادرة عن القيادة الكولومبية الجديدة تكشف أن بوغوتا تبحث بدورها عن بناء علاقة مختلفة مع المغرب بعد موقفها الجديد في ملف الصحراء.

    ووصف نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو المملكة بأنها “حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا” يكشف جزءا من التصور الجديد للعلاقة بين البلدين.

    وبالنسبة إلى بوغوتا، يمكن للمغرب أن يشكل بوابة لتعزيز الحضور الكولومبي في القارة الإفريقية، مستفيدا من شبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية وحضور مقاولاته واستثماراته في عدد من دول القارة.

    وفي الاتجاه المقابل، تستطيع كولومبيا أن تشكل للمغرب منصة إضافية لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية، وهو ما عبر عنه ناصر بوريطة عندما أكد أن المغرب وكولومبيا يمكن أن يشكلا منصتين اقتصاديتين لبعضهما البعض، بالاستفادة من موقعيهما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

  • بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    سجل الاقتصاد المغربي مرحلة نمو تُعد الأقوى منذ أكثر من عقد، مدعوما بطفرة في الاستثمار العمومي، خاصة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، سيما المرتبطة بالتحضيرات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب بوادر تعافٍ في القطاع الفلاحي.

    غير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام قائم على رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وتسريع التحول الرقمي داخل المقاولات.

    وفي هذا السياق، يرى أحدث إصدار للمرصد الاقتصادي للمغرب، الصادر عن البنك الدولي تحت عنوان “ترسيخ النمو: التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، أن المرحلة المقبلة من الاقتصاد المغربي لن تُحسم بالاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل بقدرة المقاولات المغربية على تعميق تحولها الرقمي، باعتباره رافعة أساسية لرفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية وترسيخ النمو الاقتصادي.

    التحول الرقمي.. رهان المغرب لترسيخ النمو

    ويكشف تقرير البنك الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ نحو 4.9 بالمئة سنة 2025، مع توقع استمرار النمو عند 4.2 بالمئة خلال سنة 2026.

    وأبرز التقرير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي لن يتحقق بالاعتماد على الاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد الوطني على رفع إنتاجيته، ما يجعل التحول الرقمي للمقاولات أحد أبرز رهانات الاقتصاد الوطني في المرحلة المقبلة.

    وأوضح أن الاقتصاد المغربي سجل خلال سنة 2025 أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من عشر سنوات، مدعوما بطفرة في الاستثمارات العمومية الموجهة إلى مشاريع البنية التحتية، سيما المرتبطة بالاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب انتعاش القطاع الفلاحي.

    في المقابل، يؤكد البنك الدولي أن المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة المقاولات المغربية على توسيع واعتماد التقنيات الرقمية المتقدمة لرفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

     ووفق التقرير، انخفض معدل التضخم بشكل حاد إلى 0.8 بالمئة، مما خفف الضغوط المتراكمة خلال السنوات السابقة على الأسر والمقاولات، وفي الوقت نفسه، أحرزت الحكومة تقدما ملحوظا على مستوى ضبط المالية العامة، بعدما نجحت في تقليص عجز الموازنة إلى 3.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، تزامنا مع رفع وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني السيادي للمغرب إلى درجة الاستثمار.

    الفجوة الرقمية تكشف نقطة الضعف

    يؤكد البنك الدولي أن المغرب حقق تقدما ملحوظا في مسار التحول الرقمي، خاصة مع إطلاق استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، إلى جانب مبادرات دعم ريادة الأعمال، والاستعانة بمصادر خارجية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا.

    غير أن هذا التقدم، بحسب المصدر ذاته، ما يزال يحتاج إلى تعميق على مستوى المقاولات، مفسرا ذلك بنتائج مسح اعتماد التكنولوجيا على مستوى الشركات “FAT” لسنة 2024، الذي شمل 1256 شركة وغطى أكثر من 300 تقنية.

    وكشف المسح أنه رغم تبني الشركات المغربية؛ على نطاق واسع، للأدوات الرقمية الأساسية، فإن أقل من شركة واحدة من كل خمس شركات تدمج التقنيات الرقمية المتقدمة بشكل مكثف ومتكامل في صميم عملياتها التجارية.

    وتبرز الأرقام حجم هذه المكاسب؛ إذ يبين التقرير أن المقاولات التي تعتمد استخداما مكثفا ومتكاملا للتقنيات الرقمية تحقق مكاسب في الإنتاجية قد تصل إلى 70 في المئة، وتنمو العمالة فيها بوتيرة أسرع بنسبة 10 في المئة، كما تدفع أجورا أعلى بنحو 27 في المئة في المتوسط.

    ويقدر البنك الدولي أن تقليص الفجوة الرقمية بين المغرب والبلدان النظيرة يمكن أن يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني بما يتراوح بين 10 و15 في المئة.

    الرقمنة أكبر تحديات الاقتصادات الصاعدة

    في قراءة لمضامين التقرير، أكد الخبير الاقتصادي ياسين اعليا في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن البنك الدولي يرى أن تحفيز الرقمنة عامل مؤثر بشكل إيجابي على تحول الاقتصاد المغربي واستدامة النمو، موضحا أن هذا الأمر طبيعي، لأنه يسير وفق آليات التطور الاقتصادي التي يشهدها العالم في عمومه، والثورة الرقمية للأنشطة الاقتصادية.

    وأضاف أن عملية الرقمنة تشكل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات الصاعدة، وكذلك الاقتصادات المقبلة على تحسين مستويات النمو داخلها، من أجل تقليص الهوة بينها وبين الاقتصادات المتقدمة، بالنظر إلى أن مستويات الاستدراك لهذه الفجوات بين الدول المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو أسهل وأسرع من أشكال الاقتصاد السابقة المرتبطة أساسا بالثورة الصناعية.

    ويوضح اعليا في تصريحه للجريدة أن هذه الثورة الصناعية الرابعة يمكن أن تتيح للاقتصاد المغربي تحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال الفترات السابقة.

    غير أنه شدد على ضرورة التوجه الرقمي في هذا المجال من أجل ضمان الاستدامة، وضمان خلق فرص الشغل، حيث إن الرفع من الإنتاجية لا يتحقق إلا بتقليص الفجوة الرقمية، مؤكدا أنه كلما نجح المغرب في تقليص هذه الفجوة بما يتراوح بين 10 و15 في المئة، سينعكس ذلك على رفع مستويات النمو ومواكبة التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي.

    80 بالمئة من المقاولات الصغيرة بلا حضور رقمي منظم

    ومن زاوية أكثر ارتباطا بواقع المقاولات، أكد عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، في تصريح خص به AM+” MEDIA”، أن التحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح شرطا للبقاء، معتبرا أن المقاولة التي لا تنخرط فيه اليوم ستجد نفسها خارج السوق غدا.

    ولفت الفركي إلى أن الدراسة الوطنية التي أجرتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في مارس 2026 أظهرت أن 97 بالمئة من المقاولات الصغرى متصلة بالإنترنت، غير أن 80 بالمئة منها لا تملك أي حضور رقمي منظم، فيما لا تتجاوز نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي 5 بالمئة.

    وأشار إلى أن الفجوة الحقيقية لا تكمن في البنية التحتية، بل في كيفية استغلال الأدوات الرقمية وتوظيفها.

    ويبرز عبدالله الفركي في هذا السياق أن المقاولات التي تجاوزت هذه الهوة الرقمية حققت نتائج ملموسة، من بينها تقليص التكاليف التشغيلية، وتسريع معالجة الملفات، والولوج إلى أسواق جديدة داخل المغرب وخارجه، مؤكدا أن أثر الرقمنة سيظل محدودا ما دامت 98 بالمئة من المقاولات المغربية، وهي المقاولات الصغرى، لم تنتقل بعد من الاستهلاك الرقمي إلى الاستثمار الرقمي.

    لماذا تتعثر رقمنة المقاولات؟

    لا يعزا تأخر التحول الرقمي داخل المقاولات المغربية إلى عامل واحد، بل يربطه بمجموعة من الإكراهات الاقتصادية والتنظيمية والبشرية، فمن جهة، تشير الشركات إلى ارتفاع كلفة الاستثمار في التقنيات الرقمية باعتباره العائق الرئيسي، ومن جهة أخرى تمثل محدودية الولوج إلى التمويل تحديا إضافيا، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

    ويشير رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة إلى أن التمويل يشكل العائق الأول الذي يواجه المقاولات في مسار التحول الرقمي، موضحا أن “برنامج تسيير محاسبي، ذأو موقع إلكتروني احترافي، أو حل للأمن السيبراني، كلها تكاليف لا تتحملها مقاولة تعاني من ضعف السيولة وصعوبة الولوج إلى القرض البنكي”.

    وأضاف في تصريحه أن الكونفدرالية تطالب منذ سنوات بإحداث صندوق وطني مخصص للتحول الرقمي للمقاولات الصغرى، بشروط ميسرة وإجراءات مبسطة. وأيضا إحداث بنك عمومي لتمويل المقاولات الصغرى، لأن الأبناك الحالية كلها تجارية ولا يمكنها تمويل المقاولات الصغرى لكونها لا تتوفر على الضمانات التي تطلبها هذه الأبناك.”

    وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن قرار المقاولات بالاستثمار في التقنيات الرقمية لا تحكمه المعيقات وحدها، بل يتأثر أيضا بجملة من الحوافز التي تدفع نحو تسريع التحول الرقمي.

    ويبين أن اعتبارات التكلفة تشكل العائق الأبرز أمام تبني التكنولوجيا لدى مختلف فئات المقاولات، مع تأثير أكبر على الشركات متوسطة الحجم، في حين تمثل صعوبة الولوج إلى التمويل قيدا إضافيا بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بينما تبدو أقل حدة لدى الشركات الكبرى.

    وبالنسبة إلى عبدالله الفركي، فإن التكوين يمثل العائق الثاني أمام المقاولات، مؤكدا أن “المشكل ليس في الذكاء أو الإرادة، بل في غياب تكوينات عملية وقريبة من الميدان، لأن المقاول الصغير لا يحتاج محاضرة أكاديمية، بل يحتاج شخصا يجلس معه ساعتين ويريه كيف يستخدم أداة بعينها لتطوير مبيعاته”.

    وتابع أن المواكبة تشكل العائق الثالث، مؤكدا أنه “لا توجد برامج مستدامة ترافق المقاول من التشخيص إلى التنفيذ والتقييم، والدعم الحالي متشتت وغير مستمر، ولا يصل إلى من يحتاجه فعلا، كما أن المواكبة لا تقتصر على تكوين أسبوع أو أشهر، بل على الأقل سنتين من المواكبة”.

    وشدد على أن الكونفدرالية تطالب بسياسة عمومية وطنية للتحول الرقمي تقوم على أربعة محاور واضحة: “التمويل الميسر، والتكوين الميداني، والمواكبة المستدامة، والتحفيزات الجبائية لكل مقاولة صغرى تستثمر في الرقمنة، لأن القضية لم تعد قضية تكنولوجيا، بل أصبحت قضية سيادة اقتصادية”.

    وأكد المتحدث أن مواكبة المقاولات الصغرى، التي تشكل أكثر من 98 بالمئة من مجموع المقاولات المغربية، تقتضي إنشاء وكالة وطنية متخصصة في مواكبة ودعم المقاولات الصغرى، تحت اسم “مغرب المقاولات الصغرى” أو “الوكالة الوطنية لدعم والنهوض بالمقاولات الصغرى”، تتوفر على مكاتب وفروع في جميع الأقاليم والجهات.

    وخلص الفركي إلى أن مواكبة هذه المقاولات لا يمكن أن تتم بشكل فعال من المركز فقط، بل يجب أن تتبنى سياسة قريبة من احتياجاتها المحلية، ومن خلال حضور هذه الوكالة في مختلف المناطق، تستطيع تقديم الدعم المباشر والمناسب لكل مقاولة صغيرة، بما في ذلك الموجودة في المدن النائية والقرى، مما يعزز قدرتها على المنافسة والنمو.

    التكنولوجيا وحدها لا تصنع الإنتاجية

    وانطلاقا من هذا التشخيص، أكد البنك الدولي في توصياته أن تقليص فجوة الإنتاجية الرقمية لا يتحقق بالاعتماد على الحوافز المالية وحدها، مثل الإعفاءات الضريبية أو دعم اقتناء المعدات، بل يتطلب سياسات تعزز الاستخدام الفعلي للتكنولوجيا، من خلال توفير المساعدة التقنية، وإطلاق برامج للتكوين العملي، وربط المقاولات الصغرى والمتوسطة بمزودي الحلول الرقمية.

    وأبرز أيضا أهمية تحسين البيئة التنافسية والانفتاح على الأسواق الدولية، من خلال تسهيل ولوج المقاولات إلى الأسواق، وتعزيز جاهزيتها للتصدير، واستقطاب استثمارات أجنبية مباشر، لما لذلك من دور في نقل الممارسات التكنولوجية المتقدمة وتحفيز الابتكار داخل الاقتصاد الوطني.

    ويضيف التقرير أن الوعي ببرامج الدعم العمومي لا يزال محدودا، وأن الاستفادة منها تتركز أساسا لدى المقاولات الكبرى، في حين تظل المقاولات الصغرى والمتوسطة الأقل استفادة، رغم أنها الأكثر حاجة إلى هذا الدعم.

    من هذا المنطلق، أوصى البنك الدولي باعتماد مقاربة مزدوجة تستهدف، من جهة، تمكين المقاولات المغربية الرائدة من تقليص الفجوة مع نظيراتها العالمية، مثل كوريا، ومن جهة أخرى، الرفع من مستوى المقاولات المتأخرة رقميا، بما يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية أوسع وأكثر شمولا من التحول الرقمي.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ياسين اعليا أن تحقيق التحول الرقمي داخل المقاولات يتطلب توفير بيئة متكاملة تساعد على استخدامها بكفاءة، موضحا أن ذلك لن يتحقق إلا بتحسين جودة الاتصالات، ومواكبة التكوين، وخفض أسعار الإنترنت، واعتماد التقنيات الرقمية الحديثة من خلال الحوسبة السحابية في مراكز البيانات، وتوسيع الدعم للشركات الناشئة، وتطوير القوانين المنظمة لهذا المجال، وتحفيز التجارة الإلكترونية من أجل تعزيز الثقة بين الشركاء الاقتصاديين.

    وأضاف المتحدث أن الأرقام الحالية، رغم ما تعكسه من تقدم، لا تقدم صورة إيجابية عن مستويات اشتغال المقاولات المغربية والاقتصاد المغربي بشكل عام وفق هذا النمط الحديث.

    لذلك، خلص تقرير البنك الدولي إلى أن المغرب نجح في بناء أسس نمو اقتصادي متين، غير أن ترسيخ هذا النمو في السنوات المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المقاولات المغربية على الانتقال من الاستخدام المحدود للأدوات الرقمية إلى تحول رقمي متكامل يجعل التكنولوجيا محركا للإنتاجية والابتكار والتنافسية، وليس مجرد وسيلة لتحديث بعض العمليات داخل المؤسسة.

  • اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    اختراق دبلوماسي جديد للمغرب.. كولومبيا تطوي صفحة “البوليساريو” وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء

    أعلنت كولومبيا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، في تحول جديد في موقف بوغوتا من النزاع، تزامن مع إعلان البلدين رغبتهما في فتح مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية والاتجاه نحو بناء شراكة استراتيجية تشمل إلى جانب التنسيق السياسي التعاون الاقتصادي بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وجرى الإعلان عن الموقف الكولومبي الجديد، أمس الجمعة، خلال مباحثات جمعت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب رئيس جمهورية كولومبيا، خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية الكولومبي، عمر بولا إسكوبار.

    وخلال اللقاء، أعلن وزير العلاقات الخارجية الكولومبي بشكل صريح أن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، وهو موقف يؤشر على تغيير في تعاطي بوغوتا مع قضية الصحراء مقارنة بالموقف الذي تبنته خلال المرحلة السابقة.

    ولا يقتصر التحول المعلن على صيغة سياسية جديدة بشأن النزاع، إذ يرتبط أيضا، وفق التصريحات الصادرة عقب المباحثات، بإرادة مشتركة لإعادة ترتيب العلاقات بين الرباط وبوغوتا وفتح مجالات أوسع للتعاون بين البلدين.

    سحب الاعتراف بـ”البوليساريو

    ووصف ناصر بوريطة القرار الكولومبي بـ”التاريخي”، موضحا أنه يجمع بين سحب بوغوتا اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة والاعتراف بسيادة المملكة المغربية على صحرائها.

    وأكد وزير الخارجية أن هذا التحول من شأنه إعطاء “دفعة قوية” للعلاقات المغربية الكولومبية، في وقت يتجه فيه البلدان، بحسب ما أعلن عنه خلال اللقاء، إلى تجاوز مستوى العلاقات التقليدية نحو بناء شراكة أوسع.

    ويمثل سحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة جزءا أساسيا من التحول الذي أعلنت عنه كولومبيا، بالنظر إلى أن موقف بوغوتا من هذا الكيان شكل خلال السنوات الماضية أحد الملفات المؤثرة في علاقاتها مع الرباط.

    ويأتي الموقف الجديد ليعيد رسم الإطار السياسي الذي ستتحرك داخله العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة، خصوصا بعد اقترانه باعتراف صريح من الحكومة الكولومبية بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

    بداية جديدة” بين الرباط وبوغوتا

    التحول لم يقتصر على ملف الصحراء. فقد اعتبر نائب الرئيس الكولومبي، خوسيه مانويل ريستريبو، أن الإعلان يمثل “بداية جديدة” في العلاقات بين البلدين، في تعبير يعكس رغبة بوغوتا في إحداث تحول أوسع في مستوى التعاون مع الرباط.

    وذهب المسؤول الكولومبي أبعد من ذلك، حين وصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، معلنا رغبة بلاده في إقامة شراكة استراتيجية مع المملكة.

    وتضع هذه التصريحات العلاقات المغربية الكولومبية أمام مرحلة مختلفة، تقوم، وفق ما أعلنه مسؤولو البلدين، على توسيع التعاون وعدم حصره في الجانب السياسي والدبلوماسي.

    ويكتسب هذا التوجه أهمية بالنظر إلى الموقع الذي يحتله البلدان داخل محيطيهما الإقليميين، إذ ينظر الطرفان إلى المغرب وكولومبيا باعتبارهما بوابتين محتملتين لتعزيز المبادلات الاقتصادية والاستثمارات بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    المغرب وكولومبيا.. منصتان اقتصاديتان بين قارتين

    البعد الاقتصادي حضر بدوره في المباحثات، إذ أكد بوريطة أن المغرب وكولومبيا قادران على التحول إلى منصتين اقتصاديتين متبادلتين، بالاستفادة من الموقع الذي يحتله كل بلد داخل محيطه الجغرافي.

    ويقوم هذا التصور على إمكانية استفادة كولومبيا من موقع المغرب وعلاقاته وشبكة حضوره داخل القارة الإفريقية، مقابل استفادة المملكة من الموقع الكولومبي داخل أمريكا اللاتينية.

    ويشير هذا الطرح إلى أن إعادة بناء العلاقات بين البلدين يراد لها أن تتجاوز التفاهم السياسي بشأن قضية الصحراء، نحو تعاون اقتصادي يمكن أن يربط الفضاءين الإفريقي والأمريكي اللاتيني.

    ويتيح الموقع الجغرافي للمغرب، إلى جانب علاقاته الاقتصادية مع عدد من البلدان الإفريقية، إمكانية تطوير تعاون ثلاثي أو متعدد الأطراف، فيما تمثل كولومبيا سوقا مهمة في أمريكا اللاتينية يمكن أن تفتح بدورها مجالات إضافية أمام المبادلات والشراكات.

    غير أن طبيعة المشاريع والقطاعات التي يمكن أن تشملها الشراكة الاستراتيجية الجديدة لم تحدد، وفق المعطيات الواردة في الإعلان، ما يجعل تفاصيل ترجمة هذا التقارب إلى اتفاقيات ومشاريع عملية مرتبطة بالمباحثات والخطوات التي سيتخذها البلدان لاحقا.

    رسالة سياسية من كالي

    وجاء إعلان التحول الكولومبي بالتزامن مع وجود ناصر بوريطة في مدينة كالي، حيث يمثل الملك محمد السادس في حفل تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا.

    وأكد بوريطة أن مشاركته في الحفل جاءت بتعليمات سامية جدا من الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن هذا الحضور يعكس إرادة المملكة في مواكبة الدينامية الجديدة التي تشهدها العلاقات بين البلدين.

    وأوضح وزير الخارجية أن المغرب يتطلع إلى الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستوى أعلى، وهو ما يربط الموقف السياسي الجديد لبوغوتا بمسار أوسع لإعادة إطلاق التعاون المغربي الكولومبي.

    وتكتسي المشاركة المغربية في مراسم تنصيب الرئيس الجديد بعدا دبلوماسيا إضافيا بالنظر إلى توقيتها، إذ تتزامن مع إعلان كولومبيا تغيير موقفها من قضية الصحراء وإعلان مسؤوليها رغبتهم في بناء شراكة استراتيجية مع المملكة.

    تحول في الموقف الكولومبي

    ويعيد الإعلان الجديد ملف العلاقات المغربية الكولومبية إلى الواجهة، بعدما عرف موقف بوغوتا من قضية الصحراء تغيرات خلال السنوات الماضية.

    ويمثل الاعتراف المعلن بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مقرونا بسحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة، جوهر التحول الذي أعلن عنه المسؤولون الكولومبيون خلال مباحثاتهم مع بوريطة.

    كما أن الصيغة التي اختارتها بوغوتا للإعلان عن موقفها تتجاوز التعبير عن دعم حل سياسي للنزاع، وفق النص المعلن، إلى التأكيد بشكل مباشر على الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.

    وبالتوازي مع ذلك، حرص الجانب الكولومبي على ربط الموقف الجديد بمستقبل العلاقات الثنائية، من خلال الحديث عن “بداية جديدة”، ووصف المغرب بأنه “الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا”، فضلا عن إعلان الرغبة في بناء شراكة استراتيجية بين البلدين.

    وبذلك، يفتح القرار الكولومبي مسارين متوازيين في العلاقات مع الرباط: الأول سياسي يرتبط بالموقف من قضية الصحراء، والثاني ثنائي يرمي إلى توسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي واستثمار موقع البلدين لبناء جسور أكبر بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

    وستتوقف الأبعاد العملية لهذا التحول على الخطوات التي ستتخذها بوغوتا والرباط خلال المرحلة المقبلة، سواء من خلال الاتفاقيات الثنائية أو المبادلات الاقتصادية والاستثمارات وآليات التعاون التي يمكن أن تترجم إعلان “الشراكة الاستراتيجية” إلى مشاريع ملموسة.

  • كيف تحول “إنتربول الرباط” لحلقة في صناعة القرار بشبكة الأمن الدولي؟

    كيف تحول “إنتربول الرباط” لحلقة في صناعة القرار بشبكة الأمن الدولي؟

    لم تعد علاقة المغرب بالمنظمة الدولية للشرطة الجنائية “الإنتربول” تقاس فقط بتاريخ عضوية يمتد منذ سنة 1957، فالأرقام التي سجلها المكتب المركزي الوطني بالرباط خلال سنة 2025 تكشف عن نشاط عملياتي يومي يربط المصالح الأمنية والقضائية المغربية بشبكة تعاون عابرة للحدود من خلال 7103 طلبات للمعلومات، و2307 ملفات مرتبطة بالاتجار الدولي في السيارات المسروقة، و395 مركبة محجوزة، و120 إنابة قضائية دولية، و127 مذكرة توقيف دولية.

    وراء هذه الأرقام توجد آلية أقل ظهورا من العمليات الأمنية الميدانية، لكنها تشكل نقطة العبور الأساسية للمعلومات بين المغرب وباقي الدول الأعضاء في الإنتربول.

    فالمكتب المركزي الوطني بالرباط هو حلقة الاتصال المغربية بالشبكة الدولية للمنظمة، التي تضم حاليا 196 دولة، ويتولى تبادل المعلومات والمعطيات الجنائية والتنسيق في القضايا والتحقيقات ذات الامتداد الدولي.

    وتوضح الإنتربول أن المكاتب المركزية الوطنية هي التي تربط أجهزة إنفاذ القانون في كل دولة بباقي المكاتب وبالأمانة العامة عبر شبكة الاتصال الشرطية المؤمن

    بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بفرع أجنبي يعمل داخل المغرب، بل بجهاز وطني يشكل نقطة الاتصال بين المصالح المغربية ومنظومة التعاون الشرطي الدولي.

    7103 طلبات في سنة واحدة.. ماذا تقول أرقام 2025؟

    تكشف حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني لسنة 2025 عن حجم هذا النشاط، فقد عالج المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالرباط 7103 طلبات للمعلومات خلال سنة.

    وفي ملف سرقة السيارات وحده، سهل المكتب التعاون بشأن2307 قضايا مرتبطة بالاتجار الدولي بالمركبات المسروقة، وأفضى ذلك إلى حجز 395 سيارة كانت مسجلة باعتبارها مسروقة في قواعد بيانات الإنتربول.

    لكن السيارات ليست سوى جزء من النشاط، ففي الشق القضائي، تابع المكتب تنفيذ 120 إنابة قضائية دولية صادرة عن سلطات أجنبية، كما عمم 127 مذكرة توقيف دولية.

    وتشير حصيلة الأمن الوطني المنشورة إلى أن هذا التعاون أسفر عن توقيف 144 شخصا مطلوبا دوليا من طرف السلطات القضائية المغربية.

    ويعطي هذا الرقم فكرة أوضح عن وظيفة المكتب، عندما يتحول ملف جنائي من قضية داخل حدود دولة واحدة إلى قضية يتوزع أطرافها أو المطلوبون فيها بين عدة دول، تصبح سرعة تداول المعلومة وتحديد الأشخاص والممتلكات المطلوبة جزءا أساسيا من التحقيق.

    3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات أجنبية

    الأرقام الأخرى تكشف الاتجاه المعاكس لتدفق المعلومات، فالمكتب لم يكتف بإرسال الطلبات المغربية إلى الخارج، بل أصدر خلال 2025 ما مجموعه 3173 مذكرة بحث وطنية استجابة لطلبات مصالح أمنية أجنبية ولنشرات حمراء صادرة عن الإنتربول.

    كما نشر381 إشعارا البحث صادرا عن مكاتب الاتصال في الدول العربية، وعمم 858 إشعارا بوقف مذكرات البحث الدولية، إضافة إلى 1016 إشعارا بوقف البحث بناء على طلب السلطات القضائية في دول عربية.

    ويظهر هذا المعطى طبيعة التعاون الذي يديره مكتب الرباط، ففي حال أصبح شخص قد يصبح موضوع بحث دولي، ثم يلغى البحث عنه لاحقا بناء على تطور قضائي، ولذلك لا تقتصر الوظيفة على تعميم أوامر البحث، بل تشمل أيضا تحيينها وإنهاء مفعولها عندما تتغير الوضعية القانونية للمعني بالأمر.

    ومن المهم في هذا السياق التمييز بين النشرة الحمراء للإنتربول وبين مذكرة الاعتقال الدولية، فالإنتربول نفسها توضح أن النشرة الحمراء طلب موجه إلى أجهزة إنفاذ القانون عبر العالم لتحديد مكان شخص وتوقيفه مؤقتا في انتظار إجراءات قانونية لاحقة، وليست في حد ذاتها مذكرة اعتقال دولية صادرة عن المنظمة.

    المغرب في الإنتربول منذ 17 يونيو 1957

    هذا المستوى من التعاون لم يبدأ خلال السنوات الأخيرة، فالسجل الرسمي للإنتربول يحدد تاريخ انضمام المغرب إلى المنظمة في 17 يونيو 1957، أي بعد سنة واحدة من إحداث المديرية العامة للأمن الوطني سنة 1956.

    ويعني ذلك أن العلاقة المؤسساتية بين الأمن المغربي والإنتربول تقترب اليوم من سبعة عقود، لكن السنوات الأخيرة حملت انتقالا آخر في موقع المغرب داخل المنظمة، أي من دولة عضو تتبادل المعلومات عبر مكتبها الوطني، إلى حضور داخل أجهزة القرار نفسها.

    المغرب يصل إلى نيابة رئاسة الإنتربول عن إفريقيا

    في نونبر 2024، انعقدت الدورة الـ92 للجمعية العامة للإنتربول بمدينة غلاسكو البريطانية بمشاركة نحو ألف شخص، بينهم 65 رئيس شرطة، يمثلون 179 دولة.

    وخلال هذه الدورة، انتخب محمد الدخيسي، المدير المركزي للشرطة القضائية ورئيس المكتب المركزي الوطني للإنتربول بالمغرب، نائبا لرئيس المنظمة عن إفريقيا لولاية تمتد ثلاث سنوات، من 2024 إلى 2027.

    والمنصب ليس تشريفيا فقط، فاللجنة التنفيذية للإنتربول تضم 13 عضوا  بما فيها الرئيس وثلاثة نواب للرئيس وتسعة مندوبين يمثلون المناطق الأربع للمنظمة، وتجتمع ثلاث مرات في السنة، فيما تتولى تقديم التوجيه الاستراتيجي ومتابعة تنفيذ قرارات الجمعية العامة، وتؤكد اللائحة الحالية للمنظمة استمرار الدخيسي نائبا للرئيس عن إفريقيا.

    بعد غلاسكو.. الإنتربول ينتقل إلى مراكش

    بعد عام واحد فقط من انتخاب مسؤول أمني مغربي نائبا للرئيس عن إفريقيا، انتقلت الجمعية العامة نفسها إلى المغرب.

    فبين 24 و27 نونبر 2025، احتضنت مراكش الدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول، وهي أعلى هيئة حاكمة داخل المنظمة والمسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة العامة والموارد وأساليب العمل والمالية، وجمعت الدورة مسؤولين أمنيين ورؤساء شرطة من الدول الأعضاء الـ196.

    والأهم كان مضمون الاجتماع نفسه، فقد ناقشت دورة مراكش تفكيك الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومراكز الاحتيال الدولية وتوسيع القدرات الشرطية العالمية للإنتربول، وحضور النساء في الشرطة، إلى جانب نتائج المشروع التجريبي لـ”النشرة الفضية”.

    وفي ختامها، أقرت الدول الأعضاء بالإجماع إطارا استراتيجيا جديدا للفترة 2026-2030 لمواجهة التهديدات الجنائية المتغيرة، من الاحتيال الإلكتروني والاتجار بالبشر إلى التدفقات المالية غير المشروعة ومراكز الاحتيال.

    وهكذا جاءت استضافة مراكش في لحظة كانت فيها المنظمة تعيد رسم أولوياتها للسنوات الخمس التالية، وليس فقط لاستضافة اجتماع دوري.

    لماذا يكتسب الموقع المغربي أهمية في هذه الشبكة؟

    جزء من الجواب مرتبط بالجغرافيا، فالمغرب يوجد عند نقطة اتصال بين أوروبا وإفريقيا والفضاء العربي، وهي ثلاثة مجالات أمنية تتقاطع بينها ملفات الهجرة والاتجار بالبشر والمخدرات والسيارات المسروقة والجرائم المالية والإلكترونية والأشخاص المطلوبون قضائيا.

    لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتفسير مستوى الحضور داخل الإنتربول، فالمنظمة تعتمد أساسا على قدرة الدول الأعضاء على إدخال المعلومات إلى قواعد البيانات الدولية، والاستجابة لطلبات الدول الأخرى، وتحيين المعطيات، وتنفيذ إجراءات التعاون القضائي والشرطي وفق التشريعات الوطنية.

    وهنا تكتسب أرقام مكتب الرباط دلالتها بين 7103 طلبات في سنة واحدة و2307 ملفات للاتجار الدولي بالسيارات و3173 مذكرة بحث وطنية مرتبطة بطلبات دولية تعني أن التعاون لا يقتصر على الاجتماعات أو التمثيل المؤسساتي، بل يمر عبر آلاف العمليات المعلوماتية والقضائية خلال السنة.

    ويتقاطع ذلك مع توجه أوسع داخل القارة الإفريقية، فالإنتربول سجلت في 2024 ارتفاع حجم السجلات الشرطية التي تتقاسمها الدول الإفريقية بنسبة 7% مقارنة بـ2023، بينما ارتفعت النتائج الإيجابية للاستعلامات المرتبطة بالبيانات الإفريقية بنحو 60 بالمئة كما تضم إفريقيا أربعة من المكاتب الإقليمية الستة للمنظمة.

  • موعد الدخول المدرسي بالمغرب

    موعد الدخول المدرسي بالمغرب

     أعلنت وزارة التربیة الوطنیة والتعلیم الأولي والریاضة أن الدخول المدرسي لسنة 2026-2027 سیتم في موعده الرسمي المحدد سلفا طبقا لمقتضیات المقرر الوزاري رقم 047.26 الصادر بتاریخ 3 یولیوز 2026 بشأن تنظیم السنة الدراسیة.

    وأوضحت الوزارة، في بلاغ، أن أطر وموظفي ھیئة الإدارة التربویة والتدبیر، وھیئة التفتیش والتأطیر والمراقبة والتقییم، وھیئة متصرفي التربیة الوطنیة سيلتحقون بمقرات عملهم، لتوقيع محاضر الدخول، في فاتح شتنبر 2026، على أن يلتحق أطر وموظفو ھیئة التربیة والتعلیم وھیئة الأساتذة الباحثین في التربیة والتكوین بمقرات عملھم بالمؤسسات التعلیمیة، لتوقیع محاضر الدخول، بتاريخ 2 شتنبر.

    وأضاف المصدر ذاته أن أطفال التعلیم الأولي، وتلامیذ السنتین الأولى والثانیة من سلك التعلیم الابتدائي، والسنة الأولى من سلك التعلیم الثانوي الإعدادي، والجذوع المشتركة من سلك التعلیم الثانوي التأھیلي سيلتحقون بالمؤسسات التعلیمیة في الـ3 شتنبر، بينما سيلتحق تلامیذ السنتین الثالثة والرابعة من سلك التعلیم الابتدائي، والسنة الثانیة من سلك التعلیم الثانوي الإعدادي، والسنة الأولى بكالوریا بالمؤسسات التعلیمیة، في الـ4 شتنبر.

    وتابع أن الـ5 شتنبر هو موعد التحاق تلامیذ السنتین الخامسة والسادسة من سلك التعلیم الابتدائي، والسنة الثالثة من سلك التعلیم الثانوي الإعدادي، والسنة الثانیة بكالوریا بالمؤسسات التعلیمیة.

    وأبرز البلاغ أنه تم تحديد الـ7 شتنبر موعدا للانطلاقة الفعلیة والإلزامیة للدراسة بجمیع الأسلاك والمستویات التعلیمیة، مشيرا إلى أن الدراسة بالنسبة لأقسام التربیة غیر النظامیة واقسام الفرصة الثانیة ستنطلق يوم الـ5 أكتوبر 2026.

    وجددت الوزارة دعوتھا لجمیع الفاعلین التربویین والإداریین والأسر والشركاء إلى التعبئة الجماعیة لإنجاح كافة محطات ھذا الدخول المدرسي، وضمان تأمین الزمن المدرسي وزمن التعلم لكافة التلمیذات والتلامیذ بمختلف الأسلاك المؤسسات التعلیمیة.

  • ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    لطالما ارتبطت الهجرة غير النظامية بصورة الشاب الباحث عن فرصة عمل أو الهارب من الفقر، غير أن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة نهاية يوليوز الماضي أعادت طرح سؤال مختلف حول ما إذا كانت الدوافع الاقتصادية وحدها كافية لتفسير إقدام آلاف الشباب على المجازفة بحياتهم.

    هذا السؤال حضر في الخلاصات الأولية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث سبتة، والذي اعتبر أن اختزال الهجرة في الفقر والهشاشة الاجتماعية لم يعد كافيا، داعيا إلى فهم التحولات التي تعرفها تطلعات الشباب، والدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المنصات الرقمية في تشكيل قرار الهجرة.

    فهم جديد لدوافع الهجرة غير النظامية

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى مجلس حقوق الإنسان أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

    وتفتح هذه الخلاصة بابا أمام نقاش أوسع حول ما إذا كانت الهجرة اليوم تعكس أزمة اقتصادية فقط، أم أنها أصبحت أيضا نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية ورقمية غيرت نظرة جزء من الشباب إلى المستقبل، وإلى معنى النجاح وتحقيق الذات.

    واقع اجتماعي جديد للشباب

    وفي قراءته للتحولات التي تعرفها دوافع الهجرة غير النظامية، يرى الباحث في علم الاجتماع، عادل النجاري، أن الاقتصار على تفسير الظاهرة بالفقر أو البطالة لم يعد يعكس الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشباب اليوم، معتبرا أن الهجرة أصبحت ترتبط أيضا بتحولات عميقة في منظومة التطلعات وطريقة بناء المستقبل.

    ويوضح النجاري في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أنه “في السنوات الأخيرة، لم تعد الهجرة غير النظامية تفسر فقط باعتبارها نتيجة للفقر أو البطالة، رغم أن هذين العاملين ما يزالان حاضرين بقوة”، مبرزا أن “ما نلاحظه اليوم هو أن دوافع الهجرة أصبحت أكثر تعقيدا، لأنها ترتبط أيضا بتحول في منظومة تطلعات الشباب”.

    وأشار المتحدث ذاته إلى أن الأجيال الحالية تعيش في فضاء مفتوح على العالم، وتقارن أوضاعها بشكل يومي بما تراه على المنصات الرقمية، وهو ما يرفع سقف انتظاراتها ويجعلها تبحث عن تحقيق الذات بالسرعة نفسها التي ترى بها تجارب الآخرين.

    لذلك، يرى النجاري، أن الهجرة لم تعد بالنسبة إلى البعض مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت في كثير من الحالات مشروعا لتحقيق حياة مختلفة، يختلط فيه الاقتصادي بالاجتماعي والثقافي والنفسي.

    التضليل الرقمي.. عندما يصنع الهاتف حلم الهجرة

    إذا كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان يدعو إلى تجاوز تفسير الهجرة بالفقر وحده، فإنه في المقابل يسلط الضوء على عامل آخر لا يقل تأثيرا، يتمثل في الفضاء الرقمي.

    وفق تقرير “مجلس بوعياش”، لم تكن المنصات الاجتماعية مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاء للتعبئة والتنسيق، ساهم في تشكيل قناعة لدى عدد من الشباب بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

     فقد رصد المجلس انتشار منشورات ومجموعات على فيسبوك وواتساب وتلغرام تداولت معلومات وإرشادات حول مسارات العبور، ونقاط التجمع، وحتى التوقيت المناسب للتحرك، إلى جانب محتويات روجت لتأويلات خاطئة لقرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز 2026، ما منح هذه الرواية انتشارا واسعا بين الراغبين في الهجرة.

    وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أكده المغرب، الذي اعتبر أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت القرار القضائي الإسباني لتسويق فكرة مفادها أن الوصول إلى سبتة عبر البحر أصبح يضمن عدم الإرجاع، وهو ما غذى لدى عدد من الشباب صورة عن “فرصة استثنائية” للعبور.

    وفي تفسيره للدور الذي لعبه الفضاء الرقمي خلال موجة العبور الأخيرة، يعتبر عادل النجاري أن المنصات الاجتماعية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحولت إلى فضاء يعيد تشكيل تصورات الشباب ويؤثر في قراراتهم.

    الباحث في علم الاجتماع يؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى فاعل اجتماعي يؤثر في بناء التصورات والسلوكيات، فالشباب لا يتابعون فقط الأخبار المتعلقة بالهجرة، بل يتعرضون يوميا لمحتويات تقدم نماذج حياة تبدو أكثر جاذبية خارج الوطن، دون أن تنقل في الغالب الوجه الآخر لهذه التجارب”.

    واسترسل موضحا أن تزامن ذلك مع انتشار معلومات مضللة أو تأويلات خاطئة، يفرز تأثيرها أكبر، لأنها تعزز لدى بعض الشباب الاعتقاد بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أو أقل خطرا، وهنا لا يصنع المحتوى الرقمي قرار الهجرة من الصفر، لكنه يسرع اتخاذه ويمنحه شرعية نفسية واجتماعية”.

    بين “الفردوس الموعود” وصدمة الواقع

    غير أن الصورة التي رُسمت على المنصات الرقمية لم تصمد طويلا أمام الواقع، فبعد أيام قليلة من أحداث العبور، بدأت تتداول مشاهد عودة أعداد كبيرة من الشباب إلى المغرب، في وقت أكد فيه مصدر حكومي لوكالة الأنباء المغربية أن نحو 95 في المئة من الذين وصلوا إلى سبتة غادروها طواعية، معتبرا أن هؤلاء اكتشفوا بأنفسهم أن “الفردوس الموعود” الذي روجت له شبكات التهريب وبعض المحتويات الرقمية لا يعكس حقيقة ما ينتظرهم على الضفة الأخرى.

    وتتقاطع هذه الرواية مع جزء مما وثقه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي سجل حالات عودة طوعية، كما رصد شهادات تحدثت عن أوضاع صعبة عاشها عدد من العابرين، من بينها الجوع والعطش، إلى جانب تعرض بعضهم لاعتداءات وممارسات عنيفة داخل سبتة.

    ووثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان انتشار خطاب معاد للمهاجرين، واعتداءات ذات طابع عنصري استهدفت عددا من الشباب المغاربة، ما يعكس الهوة بين الصورة التي سبقت قرار الهجرة والواقع الذي واجهه عدد منهم بعد الوصول.

    وبخصوص ما كشفته العودة السريعة لعدد من الشباب بعد وصولهم إلى سبتة، يرى الباحث في علم الاجتماع أن هذه التجربة أبرزت الفارق بين الصورة التي تُبنى قبل الهجرة والواقع الذي يواجهه الشباب بعد العبور.

    ويشير النجاري إلى أن التجربة التي عاشها عدد من الشباب بعد الوصول إلى سبتة كشفت الفارق بين الصورة التي تشكلت لديهم قبل العبور والواقع الذي وجدوه بعده، الأمر الذي يؤكد أن جزءا من القرار كان مبنيا على تمثلات أكثر منه على معرفة دقيقة بالواقع

    لذلك فإن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل. فكلما تمكن المجتمع من تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، أصبح أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.”

    ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على خلق فرص الشغل أو تشديد المراقبة الأمنية، رغم أهميتهما، بل أصبحت تقتضي أيضا بناء خطاب قادر على مواجهة التضليل الرقمي، وتعزيز ثقة الشباب في مستقبلهم، وفهم التحولات التي يعرفها جيل نشأ في عالم تصنع فيه الشاشات الأحلام بالقدر نفسه الذي تصنع فيه الوقائع. وهو ما يجعل قراءة المجلس دعوة إلى توسيع زاوية النظر، والانتقال من تفسير اقتصادي أحادي إلى فهم أكثر شمولا لظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

    ما بعد أحداث الفنيدق.. أي مقاربة لفهم الهجرة؟

    لعل أهم ما تكشفه أحداث الفنيدق ليس فقط أنها أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، بل أنها أظهرت محدودية التفسيرات التقليدية التي تختزل الظاهرة في البطالة أو الفقر، لأن الهجرة اليوم تبدو أكثر تعقيدا؛ إذ تتداخل فيها الإكراهات الاقتصادية مع تحولات تطلعات الشباب، وتأثير الفضاء الرقمي، والصور التي تُبنى يوميا عن الحياة في الضفة الأخرى.

    وفي هذا السياق، يشدد الباحث في علم الاجتماع عادل النجاري على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل.

    ويذهب الناجري إلى أن نجاح المجتمع في تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، يجعله أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.

    وفي هذا السياق، تبدو أهمية خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في أنها تنقل النقاش من سؤال “كم تبلغ نسبة البطالة؟” إلى سؤال آخر أكثر عمقا: “كيف تتشكل تطلعات الشباب اليوم؟”، لأن الهجرة، وفق هذه المقاربة، لم تعد مجرد استجابة لواقع اقتصادي صعب، بل أصبحت أيضا نتاجا لتفاعل عوامل اجتماعية وثقافية ورقمية، تجعل بعض الشباب يرى في الهجرة مشروعا لتحقيق الذات، قبل أن يصطدم في كثير من الأحيان بواقع مختلف تماما.

  • مليون عضو و1400 منشور يوميا.. “مجلس بوعياش” يُفكِّك مسار التضليل والتعبئة لأحداث سبتة

    مليون عضو و1400 منشور يوميا.. “مجلس بوعياش” يُفكِّك مسار التضليل والتعبئة لأحداث سبتة

    كشف تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث العبور الأخيرة نحو سبتة أن الفضاء الرقمي لعب دورا محوريا في مختلف مراحل التحضير لمحاولات العبور الجماعي، من التعبئة والتنسيق وتبادل الإرشادات، وصولا إلى عرض معدات السباحة، وسط رصد مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، إلى جانب حضور حسابات وأرقام هاتفية أجنبية داخل مجموعات مغربية.

    وكشف المجلس، في تقرير عن أحداث 30 و31 يوليوز بسبة ومليلية، بأن محاولات العبور تواترت منذ 14 يوليوز، قبل أن تبلغ أوجها يوم 30 من الشهر نفسه، مؤكدا أن المنصات الرقمية أدت دورا “حاسما” في مختلف مراحل التحضير للعبور وما بعده نحو سبتة، وبدرجة أقل نحو مليلية.

    حكم إسباني يثير الفوضى

    يرسم التقرير تسلسلا زمنيا بين صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، في 8 يوليوز، وبين تصاعد المضامين الرقمية ومحاولات العبور خلال الأسابيع الثلاثة التي تلته.

    فالقرار، وفق ما أورده المجلس، قضى بأنه في حالة اعتراض مهاجرين في البحر لا يجوز إخضاعهم لنظام “الإرجاع الفوري” على الحدود، وإنما يتعين إخضاعهم لإجراء الإرجاع المنصوص عليه في قانون الأجانب.

    في اليوم نفسه، 8 يوليوز، رصد المجلس ما وصفه بأول محتوى مضلل على صفحة “فيسبوكية” متخصصة في محتويات الهجرة وإسبانيا والمغاربة المقيمين بها، يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص.

    وزعمت التدوينة أن “المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر عند العبور إلى سبتة أو مليلية عن طريق السباحة لا يمكن إرجاعهم”، وقدمت هذه الخلاصة باعتبارها منقولة عن “وفد حكومي إسباني”، وسجل المجلس أن المنشور حظي بتفاعل كبير.

    بعد خمسة أيام فقط، في 13 يوليوز، رصد المجلس محتوى عن “منع المحكمة العليا الإسبانية للإعادة الفورية للمهاجرين”، داخل مجموعة كان عدد أعضائها، قبل حذفها، يتجاوز 124 ألف شخص، وكانت تنشر بمعدل يصل إلى 231 تدوينة في اليوم.

    ورصد “مجلس بوعياش” أن حسابات ومجموعات بالفضاء الرقمي استخدمت “التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة” من أجل تقديم رسالة أكثر تبسيطا وإغراء مفادها أن الوصول عن طريق البحر يعني عدم إمكانية الإرجاع.

    من التضليل إلى محاولات العبور

    وتكشف الكرونولوجيا التي قدمها تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن تصاعد المحتوى الرقمي تزامن مع ارتفاع وتيرة محاولات العبور.

    ففي 14 يوليوز، أوقفت السلطات المغربية محاولة هجرة لـ20 شخصا عبر الناظور، وفي 15 يوليوز أوقفت البحرية الملكية محاولة جماعية لنحو 50 شخصا في اتجاه سبتة انطلاقا من الفنيدق.

    واستمرت المحاولات في 17 يوليوز، إذ جرى توقيف محاولة تسلل جماعي لعشرات الأشخاص سباحة نحو سبتة، قبل تسجيل محاولة شملت نحو 200 شخص في 19 يوليوز عبر منطقتي تارخال وبليونش.

    وبين 15 و27 يوليوز، يفيد التقرير أنه تم تسجيل 1500 حالة هجرة إلى سبتة شملت بالغين وقاصرين.

    غير أن يوم 28 يوليوز شكل، وفق معطيات المجلس، محطة أخرى في تصاعد التعبئة الرقمية، بعدما وصلت شابة منحدرة من مدينة العرائش إلى سبتة سباحة، مسجلا أنه “ورغم أن عدد العابرين في ذلك اليوم تجاوز 100 شخص، فإن صورة الشابة وصديقتها وهما ترفعان شارة النصر بعد الوصول انتشرت على نطاق واسع”.

    وبحسب المجلس، تحولت الصورة إلى مادة لـ”الترويج والتضليل”، اعتمادا على “تأويل غير دقيق أو مغرض” لمنطوق حكم المحكمة العليا الإسبانية، الأمر الذي أنشأ سردية رقمية توحي بأن العبور ممكن وأن فرص الإرجاع شبه منعدمة.

    وفي 29 يوليوز، رصد المجلس انتشار أخبار ومضامين داخل الفضاءات الرقمية، ليلتي الأربعاء والخميس، تزعم أن “الحدود مفتوحة”، لتبدأ، بين 29 و30 يوليوز، أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات تتوافد على الفنيدق.

    وخلال عمليات التقصي الميداني، أفادت مجموعات مختلفة من الشباب لفرق مجلس حقوق الإنسان بأنها تلقت رسائل عبر تطبيق “واتساب” تدعوها إلى التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل، بهدف المرور الجماعي إلى سبتة.

    23 مجموعة وأكثر من مليون عضو

    واطلع فريق الرصد المركزي لمجلس حقوق الإنسان على منشورات 23 مجموعة على “فيسبوك”، بلغ مجموع أعضائها أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنتج، مجتمعة، أكثر من 1400 تدوينة يوميا في المتوسط.

    وفي 30 يوليوز وحده، جرى حذف خمس مجموعات رئيسية من بين المجموعات التي كان “مجلس بوعياش” يتابعها.

    ولم يقتصر الرصد على “فيسبوك”، فقد تابع المجلس وفق تقريره الفيديوهات والشهادات والمضامين المرتبطة بالعبور وما أعقبها على “إكس” و”إنستغرام” و”تيك توك”، فضلا عن مجموعات مغلقة أو شبه مغلقة على “واتساب” و”تلغرام”.

    وخلص التقرير إلى أن المجموعات الرقمية تحولت إلى فضاءات لتوفير سلسلة متكاملة من المعلومات والخدمات المرتبطة بالعبور، وجرى فيها عرض وبيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة وملابس الرياضات البحرية وزعانف السباحة، وتقديم إرشادات عملية بشأن كيفية الاستعداد للعبور، فضلا عن تحديد نقاط الالتقاء داخل المدن والتعبئة من أجل التحرك الجماعي.

    كما تداول أعضاء هذه المجموعات معلومات ميدانية عن الوضع على الأرض، وطلبات واستفسارات عن كيفية التنقل بعد الوصول إلى طنجة، والطرق المؤدية إلى سبتة، إلى جانب تقاسم روابط الالتحاق بمجموعات “واتساب” و”تلغرام” لمواصلة التنسيق بعيدا عن الفضاءات المفتوحة.

    أياد خفية.. وسطاء وحسابات أجنبية

    ومن أبرز خلاصات الرصد الرقمي التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تسجيل منشورت تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات “قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر”، تعرض خدمات لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور.

    ولفت المجلس أيضا إلى أنه جرى تداول معلومات حول أماكن المراقبة والمسالك والتوقيت الأنسب للعبور، إلى جانب تجارب سابقة ومنشورات تظهر تمكن أشخاص من الوصول إلى سبتة.

    وسجل المجلس وجود حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية، قال إنها تنشر أخبارا زائفة ومضامين تشجع على العبور وتقدم إرشادات لتسهيله.

    وفي إحدى الحالات التي وثقها، عمدت مجموعة على “واتساب”، كانت تتداول طرق وإرشادات الوصول إلى سبتة، إلى حذف جميع الأرقام الهاتفية التي تحمل الرمز الدولي لدولة أجنبية، بينما رصد المجلس في مجموعة أخرى أكثر من 18 رقما هاتفيا تعود إلى الدولة الأجنبية نفسها.

    وربط “مجلس بوعياش” هذه المعطيات بما سبق أن أورده في تقريره السنوي عن حالة حقوق الإنسان برسم سنة 2024، حين نبه إلى انتشار صفحات وحسابات ومجموعات رقمية تنشر إعلانات صريحة لتقديم “خدمات” غير مشروعة لتنظيم وتنشيط عمليات العبور غير النظامي باستعمال وسائل بحرية مقابل مبالغ مالية.

    وأشار التقرير، في السياق نفسه، إلى استغلال قرار للمحكمة العليا الإسبانية في مضامين رقمية استخدمت، بحسب المجلس، في التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة، مع رصد حسابات وأرقام هاتفية ومضامين لصناع محتوى من خارج المغرب داخل مجموعات مغربية.

    أجراءات رادعة وفوضى بالشارع

    بلغت محاولات العبور ذروتها يومي 30 و31 يوليوز، إذ عبر آلاف المواطنين المغاربة والأجانب من بينهم نساء وأطفال صغار ويافعون، نحو سبتة، في 30 يوليوز، فيما أدى تدخل السلطات لمنع مجموعات أخرى من مواصلة العبور إلى مواجهات عنيفة.

    وفي اليوم نفسه، أشار المجلس إلى أن القوات العمومية تدخلت لمنع محاولات للعبور نحو مليلية في محيط بني أنصار وفرخانة والمسالك القريبة من السياج والساحل، موثقا رشق مركبات بالحجارة وإضرام النار في أخرى وإلحاق أضرار بممتلكات عامة وخاصة.

    وبموازاة ذلك، سجل المجلس بين 29 و31 يوليوز إجراءات لـ”تقييد” تنقل أشخاص كانوا متوجهين نحو مدن الشمال، شملت توقيف رحلات أو منع مواصلة التنقل بمحطات طرقية ومحطات قطار في مدن من بينها الدار البيضاء والمحمدية والجديدة والقنيطرة وفاس ووجدة وإنزكان ومراكش والقصر الكبير.

    وفي خلاصاته، اعتبر المجلس أن محاولات العبور، رغم تسجيلها في وقت سابق، اكتسبت “زخما وتعبئة منقطعة النظير” بعد نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية وتأويله على شبكات التواصل الاجتماعي.

    اعتداء فرد القوات العمومية

    وفي ما يتعلق بالتعامل الميداني مع الأحداث، استمعت اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى شخص ظهرت حالته بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، في واقعة أظهرت تهديدا لسلامته الجسدية من طرف أحد أفراد القوات العمومية.

    وأعلن المجلس أنه سيضع تقرير الاستماع لدى النيابة العامة من أجل إعمال القانون.

    وفي المقابل، خلصت معاينته وشهادة الشخص المعني، حسب التقرير، إلى أن إحدى الصور المتداولة للواقعة جرى تعديلها وإعادة تشكيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، كما رُوجت صورة أخرى باعتبارها توثق إصابات تعرض لها الشخص نفسه، في حين أكد المجلس أنها لا علاقة لها بسياق الواقعة.

    أرقام متضاربة وحصيلة المغرب ترتفع إلى 14 وفاة

    ورصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان تضاربا في الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم العبور وحصيلة الوفيات، إذ أعلن المغرب في 2 غشت الجاري عبور 40 ألف شخص إلى سبتة و1135 في اتجاه مليلية، مع تسجيل 11 وفاة في تلك المرحلة.

    في المقابل، نقل المجلس عن سلطات سبتة أرقاما متغيرة بدأت بـ50 ألف عابر ثم 60 ألفا قبل أن تصل التقديرات الإسبانية إلى 72 ألف شخص، فضلا عن إعلان وفاة 80 شخصا.

    وإلى حدود 6 غشت، ارتفعت الحصيلة التي يستند إليها مجلس حقوق الإنسان وفق المعطيات المغربية إلى 14 وفاة، فيما لا تزال جثامين بمستودع الأموات في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها وتسليمها إلى أسرها.

    وبهذا الصدد، ودعا المجلس إلى إحداث بنية مشتركة ومسؤولة للتدقيق في أعداد الوفيات، والتعرف على الضحايا وضمان إعادة جثامينهم إلى ذويهم في شروط تحفظ الكرامة الإنسانية.

    وسجل، إلى حدود التاريخ نفسه، 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين وإحالة 13 مصابا إلى مؤسسات استشفائية، مقابل تقديم استشارات وعلاجات طبية لـ87 عنصرا من عناصر القوات العمومية المغربية.

    وبلغ عدد الموقوفين على خلفية أحداث سبتة نحو 100 شخص، بينهم 11 حدثا، ويتابع 69 شخصا في حالة اعتقال و14 في حالة سراح، بينما أودع ستة أحداث بمراكز للرعاية الاجتماعية وسّم خمسة إلى أولياء أمورهم، وحُفظت ملفات ستة أشخاص لانعدام الفعل الجرمي.

    من التضليل إلى مخاطر الاستغلال السياسي والعنصري

    في 01 غشت، رصد مجلس حقوق الإنسان وصول أفراد ينتمون إلى مجموعة تطلق على نفسها “النواة الوطنية” في إسبانيا، ويصنفهم التقرير ضمن “النازيين الجدد”، بعدما كانت المجموعة قد عممت في 31 يوليوز بلاغا للتعبئة من أجل “الدفاع” عن سبتة في مواجهة ما وصفته بـ”الغزو”.

    ويقول المجلس إن تسجيلات مصورة وثقت استفزازات وتهديدات ومطاردات واعتداءات استهدفت وافدين وسكانا في سبتة، خاصة المسلمين، محذرا في خلاصاته من الاستغلال السياسي للعبور الجماعي ومن تنامي الخطاب المعادي للهجرة والتحريض على الكراهية والعنصرية تجاه الأجانب.

    ووثق المجلس شهادات عائدين تتضمن ادعاءات متطابقة بشأن تعرضهم لسوء المعاملة والاعتداء على أيدي قوات عمومية إسبانية، إضافة إلى آثار ضرب وندوب عاينتها فرق الرصد، مسجلا أيضا مخاوف تتعلق باستخدام القوة من طرف السلطات المغربية أثناء عمليات منع العبور، ولا سيما من زاوية مبدأي الضرورة والتناسب.

    وفي سبتة، سجل التقرير كذلك حرمان أعداد كبيرة من العابرين، بينهم أطفال ونساء وأشخاص في أوضاع هشاشة، من الماء والغذاء نتيجة إغلاق المتاجر والمقاهي والمطاعم، فضلا عن مخاوف تتعلق بعمليات الإرجاع والوصول إلى إجراءات اللجوء والحماية من الاعتداءات العنصرية.

    انتقادات للتغطية الإعلامية

    ولم يقتصر رصد المجلس على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ سجل أيضا حالات تضليل إعلامي على قنوات فضائية بثت محتويات عن حالات “عبور” دون التحقق منها، قبل أن تسحبها لاحقا من دون تقديم توضيح أو اعتذار.

    كما رصد ما وصفه بتهافت إعلامي ورقمي على تقديم فرضيات وتأويلات متسرعة ومطلقة مباشرة بعد الأحداث، إلى جانب حالات في المشهد الصحفي والإعلامي الوطني جرى فيها نقل تصريحات دون اتخاذ الاحتياطات التي تفرضها أخلاقيات النشر والمعايير الحقوقية والدولية الفضلى.

    وشدد التقرير، في هذا السياق، على ضرورة مراعاة حماية كرامة الأشخاص، مع إيلاء عناية خاصة لحقوق الأطفال ومصلحتهم الفضلى، في ظل ما كشفته أحداث سبتة من تداخل متزايد بين التحركات على الأرض والتعبئة في الفضاء الرقمي، وما يصاحب ذلك من مخاطر التضليل والاستغلال والاتجار بالبشر.

    “مجتمعات رقمية” ودوافع جديدة للهجرة

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى المجلس أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

  • اكتشاف لبروفيسور مغربي يعد بطفرة في تشخيص الزهايمر

    اكتشاف لبروفيسور مغربي يعد بطفرة في تشخيص الزهايمر

    حقق فريق من الباحثين بقيادة البروفيسور المغربي علال بوتجنكوت، والبروفيسور توماس ويسنيفسكي من جامعة نيويورك طفرة نوعية في جهود مكافحة مرض الزهايمر، حيث أثبت الفريق أن فحصا بسيطا للدم يمكنه الآن رصد العلامات الأولى للمرض، قبل عدة سنوات من ظهور أعراض الخرف السريري الواضحة.

    وفي حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أوضح الدكتور بوتجنكوت، أستاذ طب الأعصاب والعلوم العصبية بكلية الطب بجامعة نيويورك والمدير المشارك لمركز الأعصاب الإدراكي ومنصة المؤشرات الحيوية، أن “هذه المقاربة تعتمد على تحليل المؤشرات الحيوية في البلازما، لاسيما بروتينات (أميلايد بيتا) و(تاو)، بالإضافة إلى عدة مؤشرات حيوية أخرى مسببة للالتهابات ومحفزة لها”.

    ودرس الباحثون ثلاث مجموعات من المرضى، ويتعلق الأمر بأشخاص لا يعانون من أي اضطرابات إدراكية، وأفراد يعانون من تراجع إدراكي ذاتي، وهي الحالة التي يشعر فيها الشخص بصعوبات في الذاكرة دون أن ترصدها الفحوصات السريرية بعد، ومرضى يعانون من ضعف إدراكي واضح.

    وأظهرت نتائج الدراسة ارتباطا وثيقا بين هذه المؤشرات الحيوية في الدم وترسبات بروتينات (الأميلايد) و(تاو) في الدماغ، والتي تم رصدها عبر التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، بالإضافة لتعلقها بمؤشرات حيوية أخرى.

    كما مكنت النتائج من تحديد المراحل المختلفة لتطور المرض، بدقة عالية.

    وأكد الدكتور بوتجنكوت أن هذه المؤشرات الحيوية قادرة على كشف المسارات التطورية الأولى للمرض قبل ثماني إلى عشر سنوات من ظهور المؤشرات السريرية الرئيسية، وهي فترة تكون فيها تلفيات الدماغ قد بدأت بالفعل بالتشكل، لكنها تظل غالبا غير قابلة للرصد بواسطة وسائل التشخيص التقليدية.

    واعتبر العالم المغربي أن هذه القدرة على التشخيص المبكر، تمثل “خطوة هامة في مسار الطب الوقائي والدقيق، حيث تتيح فرصة التدخل العلاجي، قبل التطور الفعلي للخرف السريري”.

    وأكد البروفيسور بوتجنكوت أن إدراج هذه التحاليل الدموية في برامج الفحص يمكن أن “يساهم في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في وقت مبكر، ووصف الأدوية المعتمدة من الهيئات الصحية في كل مرحلة من مراحل تطور المرض من أجل إبطاء وتيرة تطور أعراض الزهايمر”، مع استبعاد بعض الأسباب الأخرى للاضطرابات الإدراكية والتي يمكن علاجها. بالإضافة إلى ذلك، سيكون تتبع حالة المرضى ومراقبتها فعالا، من خلال إجراء تحاليل دورية لهذه المؤشرات الحيوية.

    وأشار إلى أن عمل فريق البروفيسورين بوتجنكوت وويسنيفسكي، يركز أيضا على تحديد المؤشرات الحيوية لأمراض تنكسية عصبية أخرى، مفسرا أن الأمر يتعلق على التحديد بمرض باركنسون، والخرف الجبهي الصدغي، وإصابات الرأس الحادة، والسكتات الدماغية، والتوحد، والتصلب الجانبي الضموري.

    وسجل الدكتور بوتجنكوت أن هذه الاستراتيجية التشخيصية توفر أيضا “مكسبا اقتصاديا كبيرا”. فخلافا لفحوصات تصوير الدماغ المتقدمة، مثل التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني أو تحليل السائل النخاعي المستخرج عبر البزل القطني” والتي تعد مكلفة ومخترقة للجسم ويصعب توفيرها على نطاق واسع”، فإن فحص الدم يتميز بكونه بسيطا، وأقل تكلفة، وسريع التفسير، وأسهل في التطبيق والتشغيل ضمن برامج الفحص الشاملة.

    وخلص إلى أن اعتماد هذا الفحص، يمكن أن يشكل “اختبارا أوليا، على أن تخصص الفحوصات الأكثر تعقيدا لتأكيد الحالات المشتبه بها فقط”.