المدونة

  • انخفاض مؤشر التضخم الأساسي بالمغرب بـ0.1%

    انخفاض مؤشر التضخم الأساسي بالمغرب بـ0.1%

    أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك سجل انخفاضا بنسبة 0,6 في المئة خلال شهر يوليوز الماضي، مقارنة بالشهر نفسه من سنة 2025.

    وأوضحت المندوبية، في مذكرة إخبارية حول الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك لشهر يوليوز 2026، أن هذا الانخفاض نتج عن تراجع أثمان المواد الغذائية بنسبة 3,7 في المئة، وتزايد أثمان المواد غير الغذائية بنسبة 1,9 في المئة.

    وتراوحت نسب التغير للمواد غير الغذائية ما بين انخفاض قدره 0,2 في المئة بالنسبة لـ”المواصلات”، وارتفاع قدره 4,1 في المئة بالنسبة لـ”لنقل”.

    ومقارنة مع شهر يونيو الماضي، سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك، خلال شهر يوليوز 2026، انخفاضا بنسبة 1 في المئة، نتيجة تراجع الرقم الاستدلالي للمواد الغذائية بنسبة 1,9 في المئة، والرقم الاستدلالي للمواد غير الغذائية بنسبة 0,3 في المئة.

    وهمت انخفاضات المواد الغذائية المسجلة ما بين شهري يونيو ويوليوز 2026، على الخصوص، أثمان “الخضر” بـ 7,6 في المئة، و”السمك وفواكه البحر” بـ 3,9 في المئة، و”الفواكه” بـ 3,7 في المئة، و”اللحوم” بـ 1,2 في المئة، و”الحليب والجبن والبيض” بـ 0,3 في المئة.

    وعلى العكس من ذلك، ارتفعت أثمان “المياه المعدنية والمشروبات المنعشة وعصير الفواكه والخضر” بـ 0,3 في المئة، و”القهوة والشاي والكاكاو” بـ 0,2 في المئة.

    وفي ما يخص المواد غير الغذائية، فإن الانخفاض هم على الخصوص أثمان “المحروقات” بـ 4,9 في المئة.

    وسجل الرقم الاستدلالي أهم الانخفاضات في مراكش بـ 1,7 في المئة، وفي آسفي بـ 1,4 في المئة، وفي كلميم بـ 1,3 في المئة، وفي طنجة بـ 1,1 في المئة، وفي الدار البيضاء والرباط ومكناس بـ 1,0 في المئة، وفي أكادير وسطات وبني ملال بـ 0,9 في المئة، وفي فاس ووجدة بـ 0,8 في المئة، وفي تطوان بـ 0,7 في المئة، وفي الحسيمة بـ 0,6 في المئة، وفي الداخلة بـ0,5 في المئة، وفي الرشيدية بـ 0,3 في المئة.

    وهكذا، يكون مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني المواد ذات الأثمان المحددة والمواد ذات التقلبات العالية، قد عرف خلال شهر يوليوز 2026 انخفاضا بـ 0,1 في المئة بالمقارنة مع شهر يونيو 2026 وبـ 0,1 في المئة مع شهر يوليوز 2025.

  • الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    دخل المغرب قائمة أفضل 50 دولة عالميا في الأمن السيبراني، بعدما وضعه أحدث تصنيف للمؤشر الوطني للأمن السيبراني “NCSI” في المرتبة 43 من أصل 155 دولة، بنتيجة تعكس مستوى الجاهزية الذي راكمته المملكة في حماية فضائها الرقمي، بالتوازي مع توسع الخدمات الإلكترونية وتسارع أوراش الرقمنة.

    ويمنح هذا الترتيب صورة عن مسار امتد لسنوات لبناء منظومة قانونية ومؤسساتية وتقنية للأمن السيبراني، مكنت المغرب من تحقيق 79.17 نقطة من أصل 100، والتقدم على دول من بينها النرويج وسويسرا والبرازيل والصين، وفق المؤشر الذي تطوره أكاديمية الحوكمة الإلكترونية في إستونيا.

    ويقرأ التصنيف هذا التقدم من زاوية أوسع من مجرد مواجهة الهجمات، إذ لا يقيس عدد الاختراقات التي تتعرض لها كل دولة، ولا تعني النقطة المحققة نسبة حماية أنظمتها، وإنما يرصد مدى استعدادها للوقاية من التهديدات وقدرتها على الاستجابة للحوادث والتعامل مع آثارها.

    ويعتمد المؤشر في ذلك على 49 مؤشرا موزعة على 12 قدرة ضمن ثلاث فئات كبرى، تشمل التشريعات والمؤسسات المتخصصة وآليات التعاون والسياسات والبرامج والقدرات المرتبطة بالوقاية والاستجابة.

    ويطرح تقدم المغرب داخل هذا التصنيف سؤالا يتجاوز المرتبة 43 نفسها إلى كيفية بناء المملكة مستوى الجاهزية الذي أوصلها إلى هذا الموقع، وهل تستطيع منظومة الحماية مواكبة السرعة التي تتوسع بها رقمنة الدولة والاقتصاد؟

    من حماية الأنظمة إلى حماية التحول الرقمي

    يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع دخول المملكة مرحلة جديدة من التحول الرقمي، تقودها استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تراهن على توسيع رقمنة الخدمات العمومية وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنيات التحتية والمهارات.

    ومع هذا التوسع، لم تعد معادلة الرقمنة مرتبطة فقط بعدد الخدمات التي يمكن نقلها إلى الإنترنت أو حجم الاستثمارات الرقمية، بل أيضا بقدرة الدولة على حماية الأنظمة والمعطيات التي تقوم عليها هذه الخدمات.

    وهنا تتقاطع، من موقعين مختلفين، أدوار وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة ومنظومة الأمن السيبراني، التي تشكل المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني أحد أبرز مكوناتها، إذ إن الوزارة تقود أوراش التحول وتوسيع الخدمات الرقمية، بينما تتولى المؤسسات المختصة بالأمن السيبراني تأمين جزء أساسي من البيئة التي يقوم عليها هذا التحول.

    رقمنة أسرع ترفع الحاجة إلى الحماية

    وأصبح هذا الترابط أكثر حضورا مع تقدم المشاريع الرقمية الجديدة، وأكدت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، خلال تقديم مقياس الأمن السيبراني بالمغرب لسنة 2026، أن الأمن السيبراني يشكل ركيزة للسيادة الرقمية والثقة في التحول الرقمي، في وقت تتقدم فيه أوراش البنيات التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والجيل الخامس وتأهيل الكفاءات.

    ويظهر التوجه نفسه في رقمنة الخدمات العمومية، حيث أصبح إدماج متطلبات حماية المعطيات والأمن المعلوماتي منذ مرحلة تصميم بعض الخدمات جزءا من بنائها، بدل انتظار إطلاقها قبل التفكير في كيفية حمايتها.

    لكن هذه الحلقة التي تربط الرقمنة بالحماية لم تبدأ مع المشاريع الحالية، إذ سبقتها على مدى أكثر من عقد خطوات متتالية لبناء الإطار الذي يستند إليه الأمن السيبراني اليوم.

    إدارة الدفاع الوطني.. منظومة بُنيت على مراحل

    بدأ هذا المسار تدريجيا منذ سنة 2011، قبل اعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني سنة 2012، ثم إصدار التوجيهات الوطنية لأمن نظم المعلومات سنة 2014، بهدف رفع وتوحيد مستوى حماية الأنظمة المعلوماتية للإدارات والهيئات العمومية والبنيات ذات الأهمية الحيوية.

    وفي سنة 2020، انتقل البناء إلى مستوى قانوني أكثر وضوحا مع صدور القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي وضع قواعد تستهدف تعزيز أمن وصمود نظم معلومات إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب البنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية التي تتوفر على نظم معلومات حساسة.

    ولا يقتصر هذا الإطار على محاولة منع الاختراق، إذ يمتد إلى ما يحدث بعد وقوعه، من ضمان صمود الأنظمة واستمرارية الأنشطة إلى الإبلاغ عن الحوادث والتدقيق والتنسيق عند مواجهة أحداث سيبرانية كبرى.

    وفي قلب هذه المنظومة توجد المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التي تشمل اختصاصاتها الاستراتيجية والتقنين واليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية من خلال مركز “maCERT”، إلى جانب المساعدة والتكوين والمراقبة والخبرة ونظم المعلومات المؤمنة.

    وتعطي هذه البنية جزءا من تفسير النتيجة التي حققها المغرب في التصنيف، بالنظر إلى أن المؤشر نفسه يمنح وزنا لوجود المؤسسات المتخصصة والتشريعات والقدرة على الاستجابة للتهديدات.

    ويرى الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة عالميا يعكس العمل الذي تم خلال السنوات الأخيرة لتطوير المنظومة الوطنية، سواء على المستوى المؤسساتي والتشريعي أو من حيث تعزيز قدرات الرصد والاستجابة للهجمات.

    وأوضح الهزاز أن “المغرب أصبح يتوفر اليوم على مؤسسات متخصصة وإطار قانوني ينظم الأمن السيبراني، إلى جانب استراتيجية وطنية واضحة، وهذا مهم لأننا لم نعد نتحدث عن حماية موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي بشكل منفصل، وإنما عن حماية منظومة رقمية تتوسع باستمرار وتشمل الإدارات والمؤسسات والبنيات التحتية والخدمات التي يستخدمها المواطنون”.

    وأضاف أن المرتبة المحققة “إيجابية، ويمكن اعتبارها مؤشرا على مستوى الجاهزية الذي وصل إليه المغرب، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف المسؤولية للحفاظ على هذا التقدم وتطويره”.

    استراتيجية 2030.. حماية ما يتوسع رقميا

    هذا الانتقال من بناء المؤسسات والقواعد إلى التفكير في ما تحتاجه المرحلة المقبلة يظهر أيضا في الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030، التي تحدد أربعة محاور تشمل الحكامة والإطار المؤسساتي والقانوني، وأمن وصمود الفضاء السيبراني، وتطوير القدرات والتوعية، ثم التعاون الإقليمي والدولي.

    وتنطلق الاستراتيجية من واقع أن التحول الرقمي يوفر فرصا لتطوير الاقتصاد والخدمات، لكنه يوسع في المقابل حجم الأنظمة والمعطيات المرتبطة بالفضاء الرقمي، بما يجعل الثقة في هذا التحول مرتبطة بقدرة الدولة على ضمان أمنها واستمرار عملها.

    ولهذا لم يعد الرهان هو منع الهجوم فقط، وإنما اكتشافه في الوقت المناسب، وتقليص آثاره، واستعادة الأنظمة والخدمات بعد وقوعه، وهي المعادلة التي تضع “الصمود السيبراني” إلى جانب الوقاية والحماية.

    المرتبة 43.. الجاهزية لا تعني غياب الهجمات

    ورغم دلالة النتيجة، فإن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة لا يعني أن المملكة أصبحت بمنأى عن الهجمات الإلكترونية، فالجاهزية تقيس القدرة على الوقاية والاستجابة، بينما يمكن أن ترتفع في الوقت نفسه أعداد التهديدات ودرجة تعقيدها.

    وهذه النقطة يشدد عليها الهزاز، معتبرا أن “الجاهزية السيبرانية شيء وحجم التهديدات شيء آخر”، موضحا: “كلما تقدمت الرقمنة وتوسعت الخدمات الإلكترونية، ارتفعت معها محاولات الاختراق وأصبحت الهجمات أكثر تطورا وتنظيما، وبالتالي نحن أمام سباق مستمر بين تطوير الخدمات الرقمية وتطوير وسائل حمايتها”.

    ويضع الهزاز التحدي المقبل في “تعزيز الرصد الاستباقي، وتحيين أنظمة الحماية باستمرار، والاستثمار أكثر في الكفاءات المغربية المتخصصة، مع تقوية التنسيق وتبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين”.

    ويخلص إلى أن “الأمن السيبراني اليوم لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح مرتبطا بحماية المعطيات واستمرارية الخدمات والبنيات الحيوية، وبالتالي بحماية جزء أساسي من السيادة الرقمية للمملكة”.

  • البحث العلمي يصنع الفارق.. كيف تنافس الجامعات المغربية عالميا رغم الإكراهات؟

    البحث العلمي يصنع الفارق.. كيف تنافس الجامعات المغربية عالميا رغم الإكراهات؟

    تعزز الجامعات المغربية حضورها داخل التصنيفات الدولية، وهذه المرة من مراكش، حيث تصدرت جامعة القاضي عياض الترتيب الوطني في أحد تصنيفات سنة 2026، بالتوازي مع نتائج أخرى وضعتها ضمن الجامعات المغربية والإفريقية المتقدمة، في مسار يعكس حضورا راكمته الجامعة في البحث العلمي وعدد من التخصصات.

    ولا تقف دلالة هذه النتائج عند صدارة جامعة القاضي عياض وطنيا، إذ تكشف التصنيفات نفسها عن تقدم مؤسسات مغربية أخرى وفق المؤشرات التي يعتمدها كل ترتيب، من جامعة محمد الخامس بالرباط إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

    وتعطي هذه النتائج مؤشرات إيجابية على قدرة الجامعات المغربية على تعزيز حضورها خارج الحدود الوطنية، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤال المرحلة المقبلة، وما الذي يسمح لجامعة مغربية بالتقدم داخل التصنيفات الدولية، وما تحتاجه المنظومة حتى يتحول هذا الحضور إلى مواقع أكثر تقدما واستقرارا عالميا.

    الصدارة تتغير حسب المؤشرات

    في تصنيف “يوني رانك” لسنة 2026، جاءت جامعة القاضي عياض في المرتبة الأولى مغربيا، والـ21 إفريقيا والـ24 عربيا، لتضيف نتيجة جديدة إلى حضورها في عدد من التصنيفات الدولية.

    غير أن ترتيب الجامعات المغربية يتغير عند الانتقال من تصنيف إلى آخر، بالنظر إلى اختلاف المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات التي تصدر هذه الترتيبات.

    ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية لسنة 2026، الذي شمل أكثر من 21 ألف جامعة، جاءت جامعة محمد الخامس بالرباط في المرتبة الأولى وطنيا والـ1011 عالميا، فيما حلت القاضي عياض ثانية مغربيا والـ19 إفريقيا، باحتلالها المركز 1101 عالميا، لتوجد بذلك ضمن أفضل 5.2 في المئة من الجامعات التي شملها التصنيف.

    أما تصنيف “تايمز للتعليم العالي” لسنة 2026، فوضع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية في مقدمة الجامعات المغربية، ضمن الفئة الممتدة بين المركزين 351 و400 عالميا، بينما جاءت القاضي عياض ضمن فئة 1501 وما بعدها.

    ولا يعني اختلاف المواقع أن جامعة تتقدم في تصنيف وتتراجع في آخر بالمعنى المباشر، وإنما يعكس اختلاف ما يقيسه كل ترتيب، من البحث العلمي وجودته وتأثيره إلى بيئة التدريس والانفتاح الدولي والعلاقة مع الاقتصاد وتشغيل الخريجين.

    ويرى الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض بمراكش، والباحث في العلوم السياسية والسياسات العامة، أن قراءة هذه النتائج ينبغي أن تتجاوز المرتبة في حد ذاتها.

    ويقول استاتي زين الدين في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تقدم جامعة القاضي عياض في عدد من التصنيفات الدولية لا يمكن اختزاله في نتيجة ظرفية أو ترتيب صدر هذه السنة، بل ينبغي قراءته ضمن مسار راكمته الجامعة على مدى سنوات، سواء على مستوى البحث العلمي أو حضور باحثيها وتخصصاتها، فضلا عن انفتاحها على محيطها الوطني والدولي”.

    ويضيف أن اختلاف موقع الجامعة من تصنيف إلى آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار، “لأن هذه التصنيفات لا تقيس المؤشرات نفسها، ولا ينبغي بالتالي التعامل معها باعتبارها حكما نهائيا على جودة الجامعة”.

    البحث العلمي.. أين تصنع جامعة مراكش قوتها؟

    يظهر البحث العلمي باعتباره واحدا من مفاتيح تفسير حضور القاضي عياض في عدد من التصنيفات. ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية لسنة 2026، جاءت الجامعة في المرتبة 1056 عالميا على مستوى الأداء البحثي، أي في موقع أفضل من ترتيبها العام البالغ 1101، وهو ما يعطي مؤشرا على الوزن الذي يمثله البحث في حضورها الدولي.

    كما وسعت الجامعة حضورها على مستوى التخصصات، إذ ظهرت خلال 2026 في ثمانية مجالات ضمن تصنيف “تايمز للتعليم العالي”، تشمل الصحة والاقتصاد والتربية وعلوم الحاسوب والهندسة وعلوم الحياة والعلوم الفيزيائية والعلوم الاجتماعية.

    ولا يرتبط هذا الحضور بحجم الإنتاج العلمي وحده، إذ أصبحت المنافسة بين الجامعات تقاس كذلك بجودة الأبحاث، وعدد الاستشهادات التي تحققها، وحضورها داخل المجلات العلمية، فضلا عن حجم التعاون مع الجامعات ومراكز البحث الدولية.

    وفي هذا السياق، يعتبر استاتي زين الدين أن “أهمية النتيجة لا تكمن فقط في احتلال مركز متقدم وطنيا، وإنما في كونها تعكس قدرة الجامعة العمومية المغربية، رغم الإكراهات المرتبطة بأعداد الطلبة وتعدد وظائفها، على إنتاج البحث وبناء كفاءات علمية قادرة على الحضور والمنافسة”.

    ويضيف أن هذا التقدم ينبغي التعامل معه باعتباره نتيجة لمسار يحتاج إلى الاستمرار والتطوير، وليس غاية في حد ذاته.

    المنافسة تفتح تحديات جديدة

    لا تقتصر مؤشرات الحضور الدولي على القاضي عياض، ففي تصنيف مركز الجامعات العالمية، انتقلت جامعة مراكش من المرتبة 1129 عالميا سنة 2024 إلى 1128 في 2025، قبل أن تتقدم إلى المركز 1101 في نسخة 2026.

    وفي المقابل، تقدم جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية نموذجا مختلفا داخل المنظومة المغربية، بعدما وصلت إلى الفئة 351-400 عالميا في تصنيف “تايمز للتعليم العالي”.

    ولا تسمح طبيعة المؤسستين بمقارنة مباشرة، بالنظر إلى اختلاف نموذج التمويل والاستقطاب وحجم الطلبة والموارد، لكنها تكشف أن الوصول إلى مواقع دولية أكثر تقدما ممكن من داخل المنظومة الجامعية المغربية عندما تتعزز شروط البحث والابتكار والانفتاح الدولي.

    كما أن وجود جامعة محمد الخامس على مقربة من عتبة الألف الأولى في تصنيف مركز الجامعات العالمية، والقاضي عياض في المركز 1101 والحسن الثاني في المرتبة 1155، يعطي مؤشرا على وجود أكثر من مؤسسة مغربية قادرة على تعزيز حضورها إذا استمر تحسين العناصر التي تقيسها هذه التصنيفات.

    من إنتاج البحث إلى صناعة التأثير

    يبقى الانتقال إلى مواقع أكثر تقدما مرتبطا بقدرة الجامعات المغربية على تحويل الإنتاج العلمي إلى تأثير أوسع، فالجامعات العمومية تواجه تحديا مزدوجا، إذ يتعين عليها استقبال أعداد كبيرة من الطلبة وضمان التكوين، بالتوازي مع الحاجة إلى توفير الموارد والتجهيزات الضرورية للمختبرات والأساتذة الباحثين.

    وأصبحت المنافسة مرتبطة بقدرة المؤسسة على استقطاب الباحثين والطلبة الدوليين وبناء مشاريع مشتركة مع جامعات ومراكز بحث خارج المغرب، إلى جانب تحويل جزء من المعرفة المنتجة داخل المختبرات إلى ابتكار وبراءات اختراع وحلول مرتبطة بحاجيات الاقتصاد والمجتمع.

    ومن هنا، ينتقل استاتي زين الدين من قراءة نتيجة جامعة القاضي عياض إلى ما تحتاجه الجامعات المغربية عموما للانتقال إلى مواقع أكثر تقدما.

    ويعتبر أن “الانتقال بالجامعات المغربية إلى مراتب أفضل عالميا يقتضي الاشتغال على منظومة متكاملة، تبدأ بتقوية البحث العلمي وتوفير الإمكانات الضرورية للمختبرات والباحثين، ولا تنتهي عند زيادة عدد المنشورات”.

    ويضيف أن “المنافسة الدولية أصبحت مرتبطة بجودة البحث وتأثيره، وبناء شراكات علمية قوية، والانفتاح على الباحثين والطلبة الدوليين، إضافة إلى قدرة الجامعة على تحويل المعرفة إلى ابتكار يخدم الاقتصاد والمجتمع”.

    من تحسين الترتيب إلى تثبيت التقدم

    تعكس نتائج 2026 في النهاية وجود نقاط قوة مختلفة داخل الجامعات المغربية، فالقاضي عياض تحقق حضورا بحثيا ومواقع متقدمة وطنيا، ومحمد الخامس تقترب من عتبة الألف الأولى في أحد التصنيفات، فيما استطاعت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية الوصول إلى فئة أكثر تقدما في تصنيف آخر.

    وتمنح هذه النتائج للجامعة المغربية قاعدة يمكن البناء عليها، لكن الرهان المقبل لا يتوقف عند تسجيل مركز أول وطنيا أو تحقيق تقدم في سنة واحدة، وإنما يرتبط بالقدرة على تثبيت هذا المسار وتوسيعه.

    وفي هذا السياق، يشدد استاتي زين الدين على أن “الرهان الحقيقي ليس أن تتقدم جامعة مغربية في تصنيف سنة وتتراجع في آخر، وإنما أن نبني شروطا تسمح للجامعات المغربية بتحقيق تقدم مستمر ومستدام، وأن يتحول حضورها الحالي في التصنيفات إلى موقع أقوى داخل المنافسة الجامعية الدولية”.

  • ترامب يصف هرمز بـ”أرض أمريكية جديدة”

    ترامب يصف هرمز بـ”أرض أمريكية جديدة”

    كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لا توجد حاليا أي مناقشات جارية أو مرتقبة مع إيران، مع تصنيفه مضيق هرمز “أرضا أمريكية جديدة”، في وقت شددت طهران على أن الممر الحيوي لن يفتح قبل تلبية مطالبها.

    وقال ترامب عبر منصته الاجتماعية تروث سوشيال: “لا توجد حاليا أي محادثات أو مناقشات جارية أو مجدولة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، مضيف “لا يزال الحصار البحري ساريا وفعالا بالكامل. مضيق هرمز مفتوح ويعمل بشكل طبيعي، وقد أ زيلت جميع الألغام البحرية أو ف ج رت”.

    تصريحات ترامب أثارت التباسا بعدما كان مبعوثه جاريد كوشنر قد تحدث عن مناقشات “إيجابية للغاية”، في وقت سبق للرئيس الأمريكي نفسه أن تحدث مؤخرا عن مباحثات مع طهران، وهو ما كانت إيران تنفيه.

    وأكد كوشنر أمس الاثنين لشبكة فوكس نيوز توافر “جدية كبيرة لدى الطرفين”.

    وقام ترامب اليوم الثلاثاء بنشر خريطة على “تروث سوشيال” تظهر مضيق هرمز وتصفه بأنه “أرض أمريكية جديدة”، مكررا فكرة كان قد طرحها في الأيام الأخيرة.

    وأضى المضيق ومستقبل حركة الملاحة فيه، نقطة تجاذب رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بهجوم أميركي إسرائيلي على طهران في 28 فبراير.

    وأغلقت إيران المضيق عمليا منذ بدء الحرب، وفي مقابل مواصلتها تقييد الملاحة في المضيق، فرضت واشنطن حصارا على موانئ طهران.

    من جانبه، شدد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف اليوم الثلاثاء على أن “مضيق هرمز لن يفتح ما لم تنفذ الالتزامات الأمريكية المنصوص عليها في مذكرة التفاهم”.

    ووقع الطرفان مذكرة التفاهم في 17 يونيو بعد وساطة قادتها باكستان، ونصت على سلسلة إجراءات منها وقف الحرب وإعادة فتح هرمز ورفع الحصار البحري، على أن تليها مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن ملفات أكثر تعقيدا، خلال مهلة 60 يوما قابلة للتمديد، إلا أن المهلة دون أي تقدم.

  • ورش لإعادة تأهيل بحيرة أكلمام بإفران

    ورش لإعادة تأهيل بحيرة أكلمام بإفران

    تخضع بحيرة أكلمام، إحدى المعالم المميزة لمدينة إفران وأحد المكونات الرئيسية لتراثها الطبيعي والسياحي، حاليا لبرنامج واسع لإعادة التأهيل والتطوير، يروم استعادة جودة مياهها، وتنقية حوضها، وتثمين محيطها، مع الحفاظ بشكل مستدام على وظائفها البيئية والترفيهية.

    ويأتي هذا التدخل الذي أطلقته السلطات الإقليمية بتنسيق مع جماعة إفران، ومصالح المياه والغابات، وعدد من الشركاء، عقب ظهور الطحالب والمواد النباتية والمخلفات على سطح البحيرة خلال الأشهر الأخيرة.

    وبحسب مسؤولين جماعيين فإن هذه الظاهرة ترتبط أساسا بالظروف الهيدرولوجية والمناخية الخاصة التي شهدها عام 2026. فبعد سنوات من الجفاف، أدت التساقطات المهمة المسجلة خلال فصلي الشتاء والربيع إلى ارتفاع منسوب مياه الجريان السطحي، وتدفق كميات من الأوحال والأوراق المتساقطة والأغصان والمواد العضوية نحو حوض البحيرة، لاسيما عبر وادي تيزكيت.

    وأدت هذه التدفقات، إلى جانب تراكم الرواسب والمواد النباتية على مدى سنوات، إلى توفير ظروف ملائمة لتكاثر الطحالب، مما أثر بشكل مؤقت على مظهر المسطح المائي.

    وفي معرض رده على سؤال حول وضعية البحيرة، أفاد رئيس جماعة إفران عبد السلام لحرار، بأن الهدف لا يقتصر فقط على معالجة مظاهر التدهور التي تبدو للعيان، وإنما يشمل أيضا معالجة بعض أسبابه.

    وأوضح المسؤول الجماعي، في هذا السياق، أن هناك تفكيرا يروم تأمين تزويد البحيرة بالمياه بشكل مستدام، ولاسيما من خلال إمكانية تزويدها مباشرة من بئر، بما يتيح عدم الاعتماد حصريا على الموارد المائية المرتبطة بالتساقطات المطرية وفترات ارتفاع صبيب وادي تزكيت.

    ويشمل المشروع أيضا عملية لتطهير قاع البحيرة، من خلال إزالة الرواسب والأوحال والمواد النباتية المتراكمة في الحوض وعلى أجزاء من الضفاف.

    وفي إطار خطة العمل المعتمدة، تم إطلاق أو برمجة عدد من العمليات، من بينها التفريغ الجزئي للمسطح المائي، وأشغال تجريف وتنظيف الحوض، فضلا عن وضع تجهيزات للترشيح والتهوية بهدف تحسين أكسجة المياه والحد من مخاطر التكاثر المفرط للطحالب.

    ولا يقتصر البرنامج على المخطط المائي، إذ يخصص جانب مهم منه لتأهيل الفضاءات المحيطة، من خلال، على الخصوص، إصلاح الممرات، وتركيب مقاعد جديدة وتجهيزات للإنارة، فضلا عن تشجير الضفاف وتهيئتها.

    وتهدف هذه التدخلات إلى تحسين اندماج البحيرة في المشهد الحضري المحيط بها، وتعزيز ظروف استقبال الزوار، وتوفير فضاء للاستجمام لفائدة السكان يكون أكثر ملاءمة لمختلف الأنشطة الترفيهية.

    ويرتقب، حسب المسؤولين الجماعيين، استكمال الأشغال قبل متم شهر غشت الجاري، بهدف تمكين البحيرة تدريجيا من استعادة مظهرها ووظائفها المعتادة.

    وتعد بحيرة أكلمام، التي تمت تهيئتها خلال ثلاثينيات القرن الماضي، حوضا اصطناعيا تبلغ مساحته حوالي 2.5 هكتار، وتتغذى من منابع هضبة إفران. وتقع البحيرة في قلب المدينة، وتشكل إحدى أبرز سمات المشهد الحضري لإفران، كما تضطلع بدور مهم في تكريس الهوية السياحية لهذه المدينة الواقعة بالأطلس المتوسط.

    ويأوي سطح البحيرة والفضاءات النباتية المحيطة بها، على الخصوص، البط والبجع وسمك الشبوط، فيما يشكل جسرها الخشبي الشهير إحدى أبرز نقط المشاهدة وأكثرها رمزية بالمدينة.

    وبعيدا عن بعدها الجمالي، تندرج البحيرة ضمن محيط طبيعي غني بشكل خاص، إذ تشتهر إفران بتنوع مناطقها الرطبة وأنظمتها البيئية بالأطلس المتوسط.

    ومن ثم، تكتسي إعادة تأهيل هذا الموقع أهمية تتجاوز بكثير مجرد تحسين مظهره، لتطرح أيضا مسألة الحفاظ على التوازن البيئي للمسطح المائي، وجودة مياهه، والتنوع البيولوجي المرتبط به.

    ومن خلال هذا الورش، تتطلع السلطات المحلية إلى تعزيز دور البحيرة باعتبارها رئة خضراء حقيقية في قلب المدينة، وتعزيز مكانتها ضمن المواقع والمعالم المميزة لإفران، مع الحرص في الوقت ذاته على صون التوازنات الطبيعية التي تمنح هذه المدينة الأطلسية ثراءها البيئي.

  • انخفاض مفرغات الصيد بميناء بوجدور بـ7%

    انخفاض مفرغات الصيد بميناء بوجدور بـ7%

    سجلت الكميات المفرغة من منتجات الصيد الساحلي والتقليدي، على مستوى ميناء بوجدور، انخفاضا بلغت نسبته 7 في المئة عند متم شهر يوليوز المنصرم، وذلك وفق معطيات للمكتب الوطني للصيد.

    وأفادت المعطيات بأن الكمية المفرغة خلال السبعة أشهر الأولى من السنة الجارية، بلغت 11 ألف و695 طنا، بقيمة مالية تقدر ب 244 مليون و 55 ألف درهم، مسجلة انخفاضا بنسبة 1 في المئة مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2025 ( 247 مليون و 392 ألف درهم).

    وأضاف المصدر ذاته أن الكميات المفرغة من الأسماك السطحية على مستوى ميناء بوجدور سجلت بدورها انخفاضا بنسبة 3 في المئة لتصل إلى 7297 طنا، أي ما يناهز قيمة مالية بلغت 26 مليون و962 ألف درهم، مقابل 7526 طنا (29 مليون و558 ألف درهم) خلال نفس الفترة من سنة 2025، أي بانخفاض وصل إلى 9 في المئة.

    كما عرفت الكميات المفرغة من السمك الأبيض، بميناء بوجدور، خلال الفترة المذكورة من هذه السنة، انخفاضا بنسبة 20 في المئة، حيث بلغت 2672 طنا، مسجلة كذلك انخفاضا في القيمة المالية بنسبة 20 في المئة ( 68 مليون و 459 ألف درهم).

    وفي ما يتعلق بالرخويات، فقد سجلت الكميات المفرغة ارتفاعا بنسبة 1 في المئة، حيث بلغت خلال نفس الفترة 1726 طنا، بقيمة مالية تقدر ب 148 مليون و 634 ألف درهم، محققة بذلك ارتفاعا بلغت نسبته 12 في المئة، مقابل 1707 طنا ( 132 مليون و204 ألف درهم) خلال سنة 2025.

    وعلى الصعيد الوطني، بلغت الكميات المفرغة المسوقة من منتجات الصيد الساحلي والتقليدي ما مجموعه 551 ألف و547 طن خلال السبعة أشهر الأولى من السنة الجارية، مسجلة ارتفاعا بلغت نسبته 5 في المئة، مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2025.

    وبحسب المكتب الوطني للصيد، فقد بلغت قيمة هذه الكميات المفرغة حوالي 6 ملايير و281 مليون و986 ألف درهم، بارتفاع بلغ نسبة 2 في المئة.

  • تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    تقرير حقوقي يكشف الوجه المأساوي للعبور غير القانوني إلى سبتة المحتلة

    رسم تقرير حقوق مغربي صورة قاتمة بشواطئ مدينة سبتة المحتلة، خلال موجات العبور غير القانوني الأخيرة، التي تحولت إلى مخيمات بدائية مفتوحة يبيت فيها مهاجرون وافدون من جنسيات مختلفة، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة والكرامة الإنسانية.

    وكشفت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ضمن تقريرها بشأن عمليات العبور إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 30 و31 يوليوز و15 غشت 2026، استنادا إلى زيارة ميدانية نفذتها يوم 8 غشت، وشملت أحياء سارشار، والمضربة، والبرنسيبي، وروساليس، وخادو، وبلايا بينيتيز، وبليونش “كورطاديو”، إضافة إلى وسط المدينة وغاباتها.

    أوضاع مأساوية بسبتة

    وعاين أعضاء المنظمة خلال الزيارة أوضاعا إنسانية واجتماعية وصفتها بالمأساوية، تطال بصورة خاصة الأطفال والقاصرين غير المرفقين والنساء والفتيات.

    وجمعت المنظمة شهادات بشأن انتهاكات ومخاطر أمنية وصحية يتعرض لها الأشخاص الموجودون في وضعية عبور.

    وبحسب التقرير، يعاني عدد كبير من الوافدين، وبينهم مغاربة ومصريون ويمنيون وسودانيون ومهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب.

    وزاد قرار إغلاق عدد من المحلات التجارية من حدة الأزمة، فيما أدى تطويق متاجر كبرى بعناصر من الجيش والحرس المدني إلى الحد من قدرة الوافدين على اقتناء حاجياتهم الأساسية.

    أمام هذا الوضع، يوضح التقرير أن كثيرين اضطروا إلى المبيت في الشوارع والأزقة أو داخل فضاءات مكتظة، في ظل غياب مأوى كاف توفره السلطات المحلية، وتحمل سكان محليون من مسلمي ومغاربة سبتة جانبا كبيرا من عبء الاستجابة، إذ فتح بعضهم فضاءات خاصة لإيواء النساء والقاصرات والأطفال.

    وسجلت الوثيقة ذاتها أنه بوصول إمكانات المبادرات المدنية إلى حدودها القصوى، أعلن أحد الفاعلين المحليين، في 13 غشت، عدم قدرته على مواصلة إيواء الوافدين وإطعامهم، بسبب رفض الإدارة المحلية، وفق إفادته، توفير المواد الغذائية والأفرشة والأغطية.

    ويؤوي الفضاء الذي يشرف عليه الفاعل المحلي في حي سيدي امبارك نحو 300 شخص، غالبيتهم من القاصرات والنساء وأطفالهن، ما يثير مخاوف جدية من تعرضهم للتشرد أو الاستغلال والاعتداء.

    وأشارت المنظمة إلى أن صباح دودوح، بدورها، تقدم مساعدة سكان حيها، نحو ألف وجبة يوميا للوافدين من مختلف الجنسيات، كما فتحت منزلها أمام الفتيات من أجل الاغتسال، وتعمل جمعية “لونا بلانكا” بدورها على توفير وجبات غذائية، بالاعتماد على تبرعات شخصيات محلية وموارد الجمعية الذاتية.

    وأشار المصدر ذاته إلى أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تكفي لسد حاجات الأعداد الموجودة في المدينة، إذ رصدت المنظمة تحول عدد من الشواطئ إلى تجمعات عشوائية للإيواء، من دون مرافق صحية أو حماية من الأخطار، بينما ينام آخرون في الغابات أو الفضاءات العامة.

    وضع صحي مقلق وتحريض عنصري

    ويصف التقرير الوضع الصحي بأنه “مقلق جدا”، نتيجة غياب شروط النظافة والسلامة والرعاية الصحية الكافية، وتشمل الفئات الأكثر عرضة للخطر الأطفال والقاصرين غير المرفقين، والنساء والفتيات، والأشخاص الذين يعانون أمراضا أو اضطرابات نفسية، فضلا عمن لا يتوفرون على أي موارد لتأمين الطعام أو المأوى.

    وتزداد قتامة الوضع، وفق التقرير، مع شهادات متقاطعة بشأن تعرض نساء وفتيات لاعتداءات، بعضها ذو طبيعة جنسية.

    ووفق التقرير، جرى الإعلان رسميا عن خمس حالات، قبل أن تتحدث وسائل إعلام محلية في 14 غشت عن 12 حالة.

    وأكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أنها استمعت إلى شهادة تتحدث عن احتمال وصول العدد إلى 30 حالة، لكنها شددت على أنها لم تتمكن من التحقق من صحة هذا الرقم.

    وبالتوازي مع الأزمة الإنسانية، سجلت المنظمة توافد عناصر تنتمي إلى اليمين الإسباني المتطرف، من بينها مجموعة مرتبطة بتنظيم “النواة الوطنية”، إلى جانب زيارة زعيم حزب “فوكس”.

    وبحسب التقرير، ساهمت هذه التحركات في تأجيج خطاب عنصري ضد المهاجرين والأشخاص الموجودين في وضعية عبور، بينما تصدى لها عدد من السكان المحليين من مسلمي ومغاربة سبتة.

    ولم تقتصر التضييقات المرصودة على المهاجرين، فقد أفادت المنظمة بمنع طاقم القناة الثانية المغربية من ممارسة عمله الصحفي داخل المدينة، وحجز معداته ومحاصرته واستفزاز أفراده من طرف عناصر الحرس المدني، مع تسجيل تعرض مراسل موقع “هبة بريس” لاعتداء جسدي، أظهرته صور متداولة.

    تضليل رقمي ووضع اجتماعي معقد

    ووفق المنظمة، فلا تنفصل المأساة الإنسانية داخل سبتة عن حجم موجة العبور التي شهدتها المنطقة في نهاية يوليوز الفائت، فقد تراوحت التقديرات بين نحو 70 ألف شخص، وفق السلطات الإسبانية، و40 ألفا بحسب تصريح لوزارة الداخلية المغربية.

    وبحسب تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ساهم الانتشار الواسع لمقاطع مصورة توثق وصول مهاجرين إلى سبتة في تشجيع أعداد إضافية على خوض المحاولة.

    ولفت إلى تداول حسابات وصفحات عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية وتطبيقات التراسل الفوري محتويات تحث على العبور، بالتزامن مع شائعات عن إمكانية تسوية الوضعية القانونية لمن يصلون سباحة إلى الأراضي الإسبانية.

    ويشير التقرير إلى أن بعض المنشورات قدمت قراءة مضللة لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، وروجت لفكرة أن الواصلين بحرا لن يتعرضوا للإعادة الفورية، ما خلق لدى كثيرين انطباعا بأن الوصول إلى سبتة يمثل طريقا مضمونا نحو الإقامة في إسبانيا.

    غير أن المنظمة أكدت أن العامل الرقمي لا يفسر الظاهرة وحده، إذ إن الرغبة في العبور تغذيها أوضاع اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية معقدة، إلى جانب الصورة الجذابة التي تقدمها المنصات الرقمية عن الحياة في أوروبا، وما تثيره من تطلعات إلى “مستقبل أفضل”، خصوصا لدى الشباب والأشخاص الذين يعيشون أوضاعا هشة.

    أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي

    وتفيد معطيات التقرير بأن أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي من جنسيات مختلفة ربما شاركوا في محاولات العبور إلى سبتة، ينحدرون من السودان واليمن والجزائر وتونس وفلسطين وأفغانستان وبنغلاديش، إضافة إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الساحل.

    وتربط المنظمة استمرار الهجرة غير النظامية بتشديد السياسات الأوروبية لمسارات الهجرة القانونية، وتحويل الحدود إلى فضاءات أمنية مغلقة، إلى جانب الضغوط التي تمارسها أوروبا على دول الضفة الجنوبية للمتوسط والمحيط الأطلسي من أجل حراسة الحدود ومنع المهاجرين من الوصول.

    وتنتقدت ما تعتبره تنصلا أوروبيا من الالتزامات الدولية المرتبطة بحماية حقوق الإنسان على الحدود، وحظر الطرد الجماعي، وتوفير مسارات قانونية وآمنة ومنظمة للهجرة، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للأشخاص الأكثر هشاشة، انسجاما مع الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية المعتمد سنة 2018.

    وفي مواجهة الخطاب الإسباني الذي وصف موجة العبور بأنها “غزو”، يشدد التقرير على أن محاولات الوصول إلى سبتة ومليلية ليست ظاهرة جديدة، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شكلت المدينتان وجهة لمحاولات عبور متكررة انتهى عدد منها بسقوط ضحايا وانتهاك الحق في الحياة.

    ويستحضر التقرير مأساة معبر تراخال سنة 2014، حين توفي 14 مهاجرا خلال محاولة الوصول إلى سبتة، في واقعة ارتبطت باستخدام الحرس المدني الإسباني وسائل ردع ضد الموجودين في البحر، وأثارت حينها جدلا حقوقيا واسعا بشأن مسؤولية السلطات الإسبانية.

    حواجز جديدة ومسارات أخطر

    بعد موجة العبور الأخيرة، أقامت إسبانيا، وفق التقرير، حواجز عائمة قبالة معبر تراخال تمتد لنحو 500 متر، بهدف عرقلة محاولات الوصول سباحة، امتدادا لسياسة تشييد الأسوار وتركيب كاميرات المراقبة وأنظمة الإنذار على الحدود وفي المسارات المؤدية إلى جزر الكناري.

    غير أن هذه الإجراءات لم توقف عمليات العبور، فمنذ أحداث سبتة وحتى تاريخ إعداد التقرير، تمكن مئات المهاجرين من بلوغ الأراضي الإسبانية بطرق غير نظامية؛ بعضهم انطلق من السواحل الجزائرية في اتجاه جزر البليار، فيما سلك آخرون طريق الأطلسي نحو جزر الكناري، انطلاقا من سواحل جنوب المغرب أو من دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل.

    وتحذر المنظمة من أن تشديد المراقبة وإقامة المزيد من الأسوار والحواجز لا يؤديان بالضرورة إلى تراجع الهجرة، بل يدفعان المهاجرين وشبكات التهريب إلى البحث عن مسالك أطول وأكثر خطورة، بما يرفع احتمالات الغرق والموت في البحر.

    من تشخيص الأزمة إلى المطالبة بالتدخل

    وانتقل تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان من تشخيص الأزمة إلى تقديم حزمة من التوصيات، انطلاقا من اعتبار الهجرة والعبور قضية حقوق إنسان في المقام الأول، وليست مجرد ملف أمني أو تدبير ظرفي للحدود.

    وفي مقدمة التوصيات، دعت المنظمة إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لمنع فقدان الأرواح خلال محاولات العبور أو أثناء التدخلات الميدانية، مع الالتزام الصارم بمبدأي “الضرورة والتناسب” عند استعمال القوة.

    وشددت على ضرورة توفير آليات فعالة وسريعة للإنقاذ والإغاثة والاستجابة الإنسانية، مع تحديث نقاط التدخل قرب مراكز العبور وتنويعها، بما يسمح بالوصول السريع إلى الأشخاص المعرضين للغرق أو الإصابة.

    وخصص التقرير حيزا مهما للأطفال والقاصرين غير المرفقين، باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضا للخطر، وطالب بتوفير حماية عاجلة لهم، وضمان استفادتهم من الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية.

    ودعا إلى حمايتهم من جميع أشكال الاستغلال والاتجار بالبشر، واحترام مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” في كل القرارات المرتبطة بوضعيتهم، بما يشمل حق الطفل في الاستماع إليه، والطعن في القرارات التي تمسه، والاستفادة من الرعاية الاجتماعية والنفسية الملائمة.

    وطالبت المنظمة كذلك بوضع برامج لإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي، شريطة أن تستند إلى تقييم فردي يحفظ سلامة الطفل ومصلحته الفضلى، بدل اعتماد الإعادة الآلية حلا وحيدا.

    تحقيقات مستقلة وجبر ضرر الضحايا

    على مستوى المساءلة القانونية، دعت المنظمة إلى فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات الوفاة والإصابة، وفي الادعاءات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، سواء في الجانب المغربي أو في سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية.

    وشددت على ضرورة الإعلان عن نتائج هذه التحقيقات للرأي العام، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة والإنصاف، فضلا عن جبر الأضرار وفق المعايير القانونية والحقوقية المعمول بها.

    وطالبت المنظمة باحترام جميع الضمانات القانونية والإجرائية عند اتخاذ قرارات الإرجاع أو الإعادة، وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان والتشريعين المغربي والإسباني.

    وأوصت بتمكين الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية من الوصول إلى إجراءات اللجوء، وتوفير المساعدة القانونية والترجمة والمواكبة الحقوقية لهم، مع دراسة كل حالة بصورة فردية وعدم اللجوء إلى الطرد الجماعي أو الإعادة القسرية.

    ملاحقة شبكات الاتجار والتهريب

    وحذرت المنظمة من احتمال استغلال شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين للأشخاص الموجودين في أوضاع هشة، داعية السلطات المغربية والإسبانية إلى تعزيز التعاون من أجل تفكيك هذه الشبكات وملاحقة المتورطين فيها قضائيا.

    وفي مقابل المقاربة الزجرية، طالبت بإطلاق برامج وقائية وحملات إعلامية تشرح مخاطر العبور غير الآمن والهجرة غير النظامية، وتقدم معلومات دقيقة بعيدا عن التخويف أو الوصم.

    واعتبرت المنظمة أن المحتويات الرقمية المضللة أدت دورا مباشرا في تغذية موجة العبور، خصوصا في أوساط الشباب والقاصرين، موصية بإطلاق حملات توعوية تستند إلى معلومات واضحة وموثوقة، وتعزيز التربية الرقمية وقدرة الشباب على التحقق من الأخبار والمقاطع المتداولة.

    ودعت إلى إشراك المجتمع المدني والمؤسسات الرقمية ووسائل الإعلام الوطنية في جهود الوقاية، بما يساعد على تفكيك الشائعات والوعود الزائفة التي تقدم العبور باعتباره رحلة سهلة أو طريقا مضمونا نحو الإقامة القانونية في أوروبا.

    معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية

    وترى المنظمة أن أي معالجة لا تتجاوز الحلول الأمنية والظرفية ستجعل موجات العبور الجماعي حدثا قابلا للتكرار، ولهذا طالبت بمكافحة الهدر المدرسي وضمان التعليم الجيد، وتوفير فرص الشغل للشباب، واعتماد سياسات عمومية تعزز العدالة الاجتماعية والمجالية.

    وأوصت بوضع برامج اقتصادية موجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، مع قياس أثرها الفعلي على حياتها، وإطلاق برامج تنموية استعجالية لفائدة النساء والشباب في مدينتي الفنيدق والناظور، باعتبارهما من أكثر المناطق ارتباطا بمسارات العبور نحو سبتة ومليلية.

    ودعت إلى تبني مقاربة شمولية تعالج الأبعاد الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية للهجرة الخطرة، بدل اختزالها في إجراءات مراقبة الحدود.

    أولوية الغذاء والمأوى والحماية

    أما في ما يخص الوضع داخل مدينة سبتة المحتلة، فقد طالبت المنظمة بتدخل عاجل لتوفير الغذاء ومياه الشرب والإيواء والاحتياجات الأساسية لجميع الموجودين في وضعية عبور، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والفتيات.

    ودعت إلى ضمان الولوج العادل والفعلي إلى الرعاية الصحية والنفسية والخدمات الطبية، واتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والأطفال والقاصرين من العنف والاستغلال والاتجار المحتمل بالبشر.

    كما طالبت بفتح تحقيق قضائي مستقل بشأن جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف والاعتداءات الجنسية وغير الجنسية، خاصة الحالات الموثقة. ودعت أيضا إلى التحقيق في مضمون الشهادات المتقاطعة التي تحدثت عن إغلاق محلات تجارية بصورة متعمدة ومنسقة بهدف حرمان الوافدين من الغذاء والماء.

    وفي مواجهة تصاعد الخطاب العنصري، دعت المنظمة إلى وقف الحملات الدعائية التي تغذي التمييز والكراهية تجاه المهاجرين والأشخاص الذين عبروا إلى سبتة ومليلية، ومواجهة التحركات التي تستغل الأزمة الإنسانية للتحريض ضدهم.

    وطالبت الجهات المشرفة على التدبير الإداري لمدينة سبتة بتقديم دعم عاجل للجمعيات والفعاليات المدنية المحلية التي تحملت عبء الإيواء والتغذية والرعاية، بما يضمن استمرار خدماتها وعدم انهيار المبادرات التطوعية بسبب نقص الموارد.

    وشددت على ضرورة فتح مراكز إيواء كافية وآمنة لاستقبال النساء والأطفال والقاصرين، سيما غير المرفقين منهم، في ظروف تحفظ كرامتهم وتحميهم من التشرد والعنف والاستغلال.

  • أطفال مقدسيون يزورون حديقة الحيوانات بالرباط

    أطفال مقدسيون يزورون حديقة الحيوانات بالرباط

    قام الأطفال المقدسيون المشاركون في المخيم الصيفي السنوي، الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس الشريف، بزيارة إلى حديقة الحيوانات الوطنية بالرباط.

    وأوضح بلاغ لحديقة الحيوانات الوطنية بالرباط أن هذه الزيارة، التي تمت يوم السبت، تندرج في إطار برنامج الدورة السابعة عشرة للمخيم الصيفي، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس.

    وبهذه المناسبة، أتيحت للأطفال فرصة اكتشاف مختلف فضاءات حديقة الحيوانات الوطنية، ومشاهدة عدد من أصناف الحيوانات المميزة، والمشاركة في أنشطة تربوية وترفيهية ملائمة لأعمارهم.

    وأضاف البلاغ أن هذه الزيارة مكنت الأطفال من خوض تجربة غنية حول التنوع البيولوجي وحماية البيئة، والتعرف على التراث الطبيعي للمملكة المغربية والقارة الإفريقية.

    وسجل أن حديقة الحيوانات الوطنية بالرباط تعمل على الحفاظ على التنوع البيولوجي، والتربية البيئية، وتثمين التراث الحيواني المغربي والعالمي. وتضم الحديقة أزيد من 2000 حيوان ينتمون إلى نحو 170 نوعا، كما توفر تجربة تعليمية وعلمية وترفيهية موجهة إلى مختلف فئات الجمهور.

  • غيوم فوق العلاقات المغربية الإسبانية.. شراكة المصالح في مواجهة اهتزاز الثقة

    غيوم فوق العلاقات المغربية الإسبانية.. شراكة المصالح في مواجهة اهتزاز الثقة

    أضرت أزمة سبتة بشكل كبير بالثقة المتبادلة بين المغرب وإسبانيا، وأعادت ملفات السيادة والهجرة والتعاون القضائي إلى الواجهة، لكن المصالح الاقتصادية والأمنية تجعل استمرار التوتر أو الأزمة الصامتة خيارا بالغ الكلفة.

    وبصرف النظر عن الأسباب المباشرة وغير المباشرة لما حدث، يوشك تاريخ 30 يوليوز 2026 أن يحتل موقعا بارزا ضمن أكثر المحطات قتامة في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية في السنوات الأخيرة، بعد مشاهد العبور الجماعي نحو سبتة، والتي أضحى من الصعب القول إن العلاقات بين البلدين ستعود سريعا إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.

    وسيكون المغرب وإسبانيا مطالبين بالبحث عن سبل للتفاهم، بحكم تقارب حدودهما، وتشابك مصالحهما الاقتصادية والأمنية، وحجم الروابط البشرية بينهما، فضلا عن التزامهما بتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 إلى جانب البرتغال.

    وأظهرت الأزمة الأخيرة أن ما كان يوصف بـ”وسادة المصالح” لم يكن كافيا لمنع التوتر، غير أن فشل هذه المصالح في منع الأزمة لا يعني أنها فقدت دورها في احتوائها، فالدولتان والمؤسسات الاقتصادية على ضفتي المضيق ستواصل التعاون، حتى في ظل مرحلة يغلب عليها الحذر.

    من العالم الافتراضي إلى ملعب السياسة

    وفق التقديرات الإسبانية، دخل بين 72 و80 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي، بينما تحدثت وزارة الداخلية المغربية عن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات الوصول إلى سبتة.

    أما الحصيلة البشرية، فظلت متحركة، فحتى 15 غشت، بلغ عدد الوفيات المؤكدة وفق السلطات والإسبانية أكثر من 80 وفاة على الأقل، و14 وفاة وفق آخر تحديث رسمي مغربي، بينما قدمت منظمات غير حكومية تقديرات أعلى، وبحلول 14 غشت، كان بين 3 و5 آلاف شخص، وفق الرواية الإسبانية، لا يزالون داخل سبتة، بعدما عاد أغلب الذين عبروا إلى المغرب.

    وقدمت الرباط تفسيرا متعدد العوامل لما حدث؛ ففي أول موقف رسمي مفصل، ربطت وزارة الداخلية المغربية التحركات بالاستغلال المكثف للفضاء الرقمي، وانتشار معلومات مضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لقرارات قضائية وإدارية إسبانية.

    ويأتي في مقدمة تلك القرارات حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، قضى بعدم جواز تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، بسبب عدم عبورهم حاجزا حدوديا ماديا.

    وانتشرت على شبكات التواصل قراءات مضللة للحكم، قدمته باعتباره فتحا فعليا للحدود البحرية، ما ساهم في رفع أعداد الراغبين في العبور، كما كشفت تحقيقات صحفية لاحقة أن الأجهزة الإسبانية تلقت تحذيرات مسبقة من نقابات أمنية بشأن تصاعد محاولات الوصول عبر البحر، لكنها لم تتوقع الحجم الاستثنائي الذي بلغته التحركات يومي 30 و31 يوليوز.

    ويؤكد نبيل دريوش، مؤلف كتاب “العلاقات المغربية – الإسبانية: الجوار الحذر”، أن الأزمة الحالية مؤشر على تحول في طريقة التنظيم للهجرة في حد ذاته، إذ إن الوسائل الرقمية والشبكات الاجتماعية أضحت تلعب دورا في تعبئة المرشحين للهجرة غير النظامية في ظرف ساعات قليلة.

    ما يميز الأحداث الأخيرة بالنسبة لدريوش أن الدعوة كانت سريعة وكذلك الاستجابة عكس الدعوات السابقة التي كانت تتطلب أياما وتمنح فرصة للأجهزة الأمنية لإحباطها، وأعداد المتقاطرين على الحدود مع سبتة كانت كبيرة بدورها بسبب فترة الصيف ووجود أعداد كبيرة منهم بالشريط الساحلي في التوقيت نفسه، ما أعطى لهذه الأحداث زخما خاصا.

    ويبرز في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الحادث يكشف لنا مرة أخرى أن المغرب يواجه حربا رقمية خارجية هدفها المس باستقراره والإضرار بصورته الخارجية، مضيفا أن هذه الجهات كانت متحفزة ودخلت على الخط في توقيت معين لمزيد من الترويج للخبر المضلل، الذي حمل الناس على الدخول إلى سبتة المحتلة على اعتبار أن الحدود  مع المدينة مفتوحة.

    أزمة هجرة أم أزمة سياسية؟

    رغم الطبيعة الظاهرة للأحداث والمتمثلة في الهجرة، فإن تداعياتها سرعان ما اكتسبت طابعا سياسيا ودبلوماسيا، فقد وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ما وقع بأنه انتهاك لوحدة وسلامة الأراضي الإسبانية، متعهدا بتعبئة موارد الدولة لضمان الأمن في سبتة، غير أن مدريد حرصت في الأيام الأولى على الإشادة بالتعاون المغربي في إعادة أغلب الوافدين واحتواء الوضع.

    ويلخص هذا التداخل بين خطاب الإدانة والإشادة بالتعاون طبيعة العلاقة بين البلدين، والتي تتسم بتوتر سياسي عند الأزمات، يقابله إدراك سريع بأن تجاوزها لا يمكن أن يتم من دون التنسيق بين الرباط ومدريد.

    وجاءت أحداث سبتة في سياق دبلوماسي إقليمي دقيق، ففي 20 يوليوز، أي قبل الأزمة بعشرة أيام، زار سانشيز الجزائر لإعادة تنشيط العلاقات السياسية والاقتصادية والطاقية بين مدريد والجزائر، في أول خطوة بهذا المستوى منذ أزمة العلاقات التي اندلعت سنة 2022 بسبب موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية.

    بالنسبة إلى الرباط، لا يمثل تحسين العلاقات بين إسبانيا والجزائر مشكلة في حد ذاته، ما دام لا يتم على حساب المصالح المغربية أو الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، لكن تزامن الزيارة مع الأزمة أعاد طرح أسئلة حول التوازن الذي تسعى مدريد إلى بنائه في المنطقة المغاربية.

    ويرى دريوش أن وصف المسؤولون الإسبان القضية بـ”الهجوم على السيادة”، كان اتهاما مبطنا للمغرب، الذي رد بدوره بتشبثه بمطالبه التاريخية بالمدينتين (سبتة ومليلية)، مؤكدا أن هذا التصعيد “نقلنا سريعا إلى مواجهة سياسية بين البلدين عوض تدبير تدفق مهاجرين عبر الحدود”.

    سبتة ومليلية في الواجهة

    بعد أيام من الأزمة، أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي طرح مطالبة المغرب بالسيادة على سبتة ومليلية، مؤكدا أن الرباط تثير هذا الملف في حواراتها مع مدريد وتسعى إلى معالجته عبر الحوار الهادئ على المدى الطويل.

    وردت الحكومة الإسبانية بأن وضع المدينتين وسيادتها عليهما غير قابلين للنقاش، وأعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية أن أي مساس بسبتة أو مليلية سيعد مساسا بإسبانيا بكاملها.

    ولا يعني تجدد الجدل أن أزمة السيادة دخلت مرحلة تفاوض فعلي، لكنه يكشف أن أحداث 30 يوليوز أعادت أحد أكثر الملفات حساسية إلى صدارة الخطاب السياسي في البلدين، بعدما ظل في السنوات الأخيرة بعيدا نسبيا عن التصريحات الرسمية المباشرة.

    وإلى جانب ملف السيادة، أعلن وهبي أن وزارة العدل تدرس إمكانية تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا، بسبب ما تعتبره الرباط اختلالا في مبدأ المعاملة بالمثل وتعثر تنفيذ بعض طلبات التسليم المغربية.

    ويوضح صاحب كتاب “العلاقات المغربية الإسبانية: الجوار الحذر”، أن القراءة الإسبانية لأحداث 30 يوليوز قادت سريعا للتوتر، لاسيما أن الإعلام الإسباني شن حملة قوية ضد المغرب منذ اللحظة الأولى، وروج للكثير من السيناريوهات التي تدور كلها في فلك المؤامرة.

    ويؤكد دريوش أن التعامل غير اللائق مع فريق القناة الثانية كان تعبيرا عن أزمة ورفض إسباني لوجود كل ما هو رسمي مغربي بسبتة، والخوف وعقلية المؤامرة تحكمت في تصرف الإسبان، لذلك لم يلق منع فريق القناة الثانية أي اعتراض من طرف الإعلام الإسباني، ليرد المغرب بالمثل عبر طرد القنوات الرسمية الإسبانية ممثلة في وكالة “إيفي” والتلفزيون الرسمي.

    ويشدد على أن هذا الوضع يؤشر على أننا أمام أزمة سياسية عميقة لم تتخذ شكل أزمة دبلوماسية لأن الطرفين فضلا الإبقاء على شعرة معاوية لحسابات خاصة بكل طرف منهما.

    لا قطيعة ولا عودة سريعة

    على الرغم من ارتفاع حدة الخطاب، ظلت قنوات الاتصال الرسمية مفتوحة، وتعاون البلدان في تنظيم عودة أغلب الذين عبروا، كما أعلن المغرب استعداده، بناء على تعليمات ملكية، للتعاون في تحديد هويات القاصرين غير المصحوبين ودراسة إعادتهم وفق الإجراءات القانونية.

    وتحولت الأزمة بذلك إلى اختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة البلدين على احتواء التداعيات الأمنية والإنسانية، واختبار لمتانة الشراكة التي قدمتها الحكومتان خلال السنوات الأخيرة باعتبارها نموذجا للاستقرار.

    ففي دجنبر 2025، انتهى الاجتماع المغربي الإسباني الثالث عشر رفيع المستوى بتوقيع 14 اتفاقا للتعاون، وتعد إسبانيا منذ سنة 2012 الشريك التجاري الأول للمغرب.

    ويتجاوز حجم المبادلات التجارية بين البلدين 22.5 مليار يورو سنويا، كما توجد في المغرب أكثر من 350 شركة إسبانية تنشط في مجالات الصناعة والطاقة والبنيات التحتية والأبناك والتكنولوجيا.

    ويضاف إلى ذلك وجود جالية مغربية كبيرة في إسبانيا، وتشابك التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وترابط سلاسل الإنتاج، فضلا عن التنظيم المشترك مع البرتغال لـ”كأس العالم 2030″.

    ولا تمنع هذه المصالح نشوب الأزمات، لكنها تجعل القطيعة مكلفة للطرفين. ومن المرجح لذلك أن تتحول العلاقات خلال المرحلة المقبلة من خطاب الشراكة المتفائل إلى إدارة أكثر حذرا وبراغماتية، تقوم على التفاوض الصعب بدل الاطمئنان إلى استقرار دائم.

    وفي قراءة لهذا الوضع المتأرجح، يقول دريوش في حديث للجريدة: “قبل عشر سنوات عنونت كتابي الأول حول هذا الموضوع بـ”الجوار الحذر” لأنه بعد سنوات طويلة من الاشتغال على هذا الموضوع والعيش بين إسبانيا والمغرب أدركت أن العلاقات بين البلدين أصبحت تنقسم إلى دائرتين، دائرة التعاون والتي تطورت بشكل كبير منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وانضافت إليها ملفات جديدة وقتها مثل الهجرة ثم الإرهاب وانفتاح المقاولات الإسبانية على محيطها الخارجي وصولا لتنظيم مشترك للمونديال المقبل، وملفات للصراع ما زالت مفتوحة منها قضية الصحراء التي كانت سببا في أزمة 2021 وملف سبتة ومليلية والجزر المتوسطية التي كانت سببا في أزمتي 2002 و2007″.

    وذكر المتحدث عينه بأن ملفات التعاون كانت تتحول في بعض اللحظات إلى ملفات للصراع مثل الهجرة أو الصيد البحري، وأحيانا تكون مجرد أوراق ضغط لتليين المواقف في ملفات الصراع، موضحا “لذلك قلت أن هذا الوضع يخلق لنا نوعا من الحذر الدائم”.

    غير أن نبيل دريوش يشدد على أن الأمر الأساسي هو تذويب الملفات الخلافية في شبكات قوية من المصالح، مسترسلا “طبعا هذا يتطلب وقتا طويلا، وأظن أن المغرب عليه إيلاء أهمية أكبر للتواصل داخل إسبانيا، فلحدود الساعة لم تنجز أمور كثيرة في هذا الباب، وفق ما أعتقده”.

    التقارب المغربي الأمريكي وقلق مدريد

    يعد المغرب حليفا رئيسيا لواشنطن من خارج حلف شمال الأطلسي، ويرتبط معها بخريطة للتعاون الدفاعي تمتد إلى سنة 2030، فيما تمثل مناورات “الأسد الإفريقي” أبرز تجليات التنسيق العسكري بين البلدين.

    وإلى جانب البعد الأمني، جددت واشنطن في يوليوز 2026 اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمها لمقترح الحكم الذاتي، بما يوفر للرباط سندا سياسيا لا تمنحه لها أي قوة غربية أخرى بالمستوى نفسه.

    ومن زاوية مغربية، يوسع هذا التقارب هامش الحركة الدبلوماسية للرباط ويقلص حاجتها إلى المرور عبر العواصم الأوروبية لتثبيت مواقفها.

    أما قلق مدريد، فلا يصدر عن وجود تحالف أمريكي موجه ضد إسبانيا، بل عن تغير ميزان النفوذ في غرب المتوسط؛ فالمغرب أصبح يدخل الملفات الإقليمية والخلافية بوزن تفاوضي أكبر، بينما تخشى إسبانيا تراجع دورها التقليدي باعتبارها أحد أهم جسور الرباط نحو أوروبا.

    وقد أسهم الاعتراف الأمريكي بالصحراء في تشكيل البيئة الإقليمية التي تحرك داخلها لاحقا الموقف الإسباني، عندما اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”لتسوية النزاع، من دون وجود دليل معلن على أن هذا التحول جاء نتيجة ضغط مباشر من واشنطن.

    في هذا السياق، يسجل دريوش الانزعاج الكبير لليمين الإسباني من التقارب بين الرباط وواشنطن، الذي يراه تهديدا مباشرا لإسبانيا، وعبر عن ذلك في عدة مناسبات، مع تحميل مسؤولية ذلك للحكومة الاشتراكية التي اصطفت ضد الحرب على إيران وحرب إسرائيل بقطاع غزة، ما جعلها تواجه تيارات اليمين المتطرف في العالم الغربي.

    ويؤكد الخبير أن المغرب شكل بديلا بالنسبة للإدارة الأمريكية التي لوحت بطريقة غير مباشرة بإمكانية نقل القواعد العسكرية الأمريكية بجنوب إسبانيا إلى المغرب، ولا يجب أن ننسى أن المغرب هو الحارس الجنوبي لمضيق جبل طارق”.

    بالصدد ذاته، أشار المتحدث إلى أن الكونغرس أشهر أوراق تهديد ناعمة لإسبانيا باستعمال ورقة سبتة ومليلية في عدة مناسبات، رغم أن الإدارة الإمريكية في ذروة الأزمة الأخيرة أعادت التأكيد على سيادة إسبانيا على سبتة وميليلة، مشددا على أنه “في اعتقادي، فإنها فعلت ذلك إرضاء لليمين المتطرف بإسبانيا وليس للحكومة الإسبانية”.

    ما بعد الأزمة

    لن تنتهي العلاقات المغربية الإسبانية بسبب أزمة سبتة، لكنها لن تعود بسهولة إلى خطاب “المرحلة الذهبية” الذي طبع السنوات الأخيرة، سيما بعدما تضررت الثقة، وعادت ملفات السيادة والتعاون القضائي والهجرة إلى الواجهة، وأصبح كل قرار تتخذه مدريد خاضعا لتدقيق أكبر في الرباط.

    وفي المقابل، ستراقب إسبانيا عن كثب كل تحول في تدبير الحدود والخطاب المغربي بشأن سبتة ومليلية، وستكون مهمة الدبلوماسية في البلدين منع هذه الملفات من الاندماج في أزمة واحدة يصعب التحكم فيها.

    وتفرض المرحلة المقبلة إعادة بناء آليات التنسيق الأمني والإنذار المبكر، وتوضيح التزامات كل طرف في ملفات الهجرة والقاصرين وتسليم المطلوبين، والحفاظ على قنوات سياسية قادرة على احتواء الخلافات قبل انتقالها إلى المجال العام.

    ويؤكد نبيل دريوش أن الأزمة الحالية مست شيئا مهما تقوم عليه العلاقات  الثنائية، وهو الثقة، التي أصبحت مهتزة الآن، وصورة المغرب بإسبانيا اليوم سيئة، ويجب أن نعترف بذلك، مثلما أن الخطاب المغربي أضحى شبه مرفوض في وسائل الإعلام الاسبانية مقابل منح مساحات كبيرة لخصوم المغرب ليمرروا المغالطات، وهو واقع مؤسف لا يمكن إلا أن نلوم أنفسنا عليه”.

    وشدد الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية أنه وجب اليوم الاشتغال بجد ووضع استراتيجية واضحة المعالم لإغلاق هذا الجرح المفتوح واستعادة الثقة المفقودة، وأعتقد أنه مازال هناك هوامش للقيام بذلك.

  • قانون الحيوانات الضالة في المغرب.. ماذا يفرض القانون 19.25 ولماذا يواجه الرفض؟

    قانون الحيوانات الضالة في المغرب.. ماذا يفرض القانون 19.25 ولماذا يواجه الرفض؟

    ظل تدبير الحيوانات الضالة في المغرب مرتبطا بما يحدث بعد وصولها إلى الشارع، من شكايات انتشار الكلاب، ومخاوف من العض والأمراض، غير أنه في الجهة المقابلة تبرز مبادرات فردية وجمعوية لإطعام الحيوانات وعلاجها والدفاع عن حمايتها من القتل والإيذاء.

    وتغيرت المعادلة اليوم إذ لم يعد التدبير يبدأ بالحيوان الموجود في الشارع فقط، بل يعود إلى مالكه، ويمتد إلى المواطن الذي يتعامل معه والجمعيات والجماعات ومراكز الرعاية، ضمن منظومة جديدة تحاول الانتقال من معالجة وجود الحيوانات الضالة بعد انتشارها إلى التحكم في مصادر الظاهرة وتكاثرها وتتبعها.

    هذا التحول يحمله القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، الذي صدر في العدد 7533 من الجريدة الرسمية، بعد استكمال مساره التشريعي.

    ويجمع النص بين مستويين؛ الأول وقائي، يقوم على التصريح بالحيوانات المملوكة وترقيمها ومنع شرودها، والثاني يتعلق بما يحدث بعد وصول الحيوان إلى الفضاء العام، من الجمع والرعاية والتلقيح والتعقيم إلى إمكانية إعادته إلى وسط ملائم وتتبع وضعيته رقميا، وفي المقابل، يرتب مسؤوليات وعقوبات على المالك والمواطن ومراكز الرعاية، ويجرم القتل غير المبرر والتعذيب والإيذاء.

    غير أن هذه المقاربة أثارت بدورها نقاشا، خصوصا حول تنظيم إطعام الحيوانات الضالة وعلاجها وإيوائها، وحدود تدخل المواطنين والمتطوعين.

    الإطعام لم يمنع مطلقا لكنه لم يعد خارج التنظيم

    كانت المادة الخامسة من القانون رقم 19.25 من أكثر مقتضيات النص إثارة للنقاش، بالنظر إلى ارتباطها بممارسات يومية يقوم بها مواطنون ومتطوعون وجمعيات، من إطعام القطط والكلاب الضالة إلى علاج الحيوانات المصابة أو إيوائها.

    وتنص الصيغة النهائية للمادة على أنه لا يجوز لأي شخص رعاية حيوان ضال، سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه، إلا وفق أحكام القانون ونصوصه التطبيقية.

    والتمييز هنا ضروري، لأن القانون لا يقرر منعا مطلقا لإطعام الحيوانات الضالة أو علاجها وإيوائها، وإنما يخضع هذه الممارسات لإطار قانوني.

    ويرتب القانون في المقابل، غرامة تتراوح بين 500 و2000 درهم عندما تتم في الفضاءات العامة خلافا لأحكامه.

    كما أن الصيغة النهائية جاءت بعد نقاش تشريعي حول المقتضى، انتهى بإضافة عبارة “إلا وفق أحكام هذا القانون ونصوصه التطبيقية”، بعدما كانت الصيغة السابقة أكثر تشددا في منع الرعاية والإيواء والإطعام والعلاج.

    وفي الاتجاه المقابل، لا يتعامل النص مع الحيوان الضال باعتباره مصدر خطر فقط، بل ينص صراحة على حمايته من الأمراض الخطيرة أو المعدية، ومن القتل غير المبرر والتعذيب والعنف والإيذاء بكل أشكاله. كما يسمح بالتبليغ عن وجوده، خصوصا عندما يكون في وضع يهدد صحته أو صحة المواطنين وسلامتهم.

    المالك أول حلقة في التدبير

    أحد أبرز التحولات التي يحملها القانون هو نقل جزء من المسؤولية إلى مرحلة تسبق تحول الحيوان إلى حيوان ضال.

    ويعرف القانون الحيوان الضال باعتباره كل حيوان يوجد في أحد الفضاءات العامة، بشكل دائم أو مؤقت، دون سيطرة ورقابة مالكه أو حارسه، وهو تعريف يجعل فقدان السيطرة على الحيوان عنصرا أساسيا في تحديد وضعيته.

    وانطلاقا من ذلك، يلزم المالك باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحيوان ومنع أسباب شروده أو وجوده في الفضاء العام دون مراقبة، ويفرض عليه التوفر على دفتر صحي والتصريح بكل حيوان يوجد في ملكيته عبر منصة إلكترونية.

    ويمنح الحيوان بعد التصريح رقما تعريفيا يسمح بالتعرف عليه وعلى مالكه، مع إلزام الأخير باتخاذ التدابير الضرورية لضمان حمل الحيوان لهذا الرقم بصورة دائمة.

    ولا يتعلق الأمر بإجراء إداري ينتهي بمجرد التسجيل، إذ يفرض القانون تحيين المعلومات المرتبطة بالحيوان، والتصريح بانتقال ملكيته إلى شخص آخر داخل 24 ساعة، كما يلزم المالك بالتصريح بفقدانه داخل أجل أقصاه ثلاثة أيام، ثم تحيين بياناته إذا تم العثور عليه.

    ويظهر أثر هذه المنظومة عندما يصل الحيوان المفقود إلى أحد مراكز الرعاية، فإذا تبين أنه مصرح به، يتم إشعار مالكه لاسترجاعه داخل أجل عشرة أيام، مع تحمله تكاليف رعايته خلال فترة الإيواء، وإذا لم يتسلمه داخل الأجل المحدد، يعتبر الحيوان متخلى عنه.

    أما التخلي الإرادي، فيخضع بدوره لمسار محدد، إذ يتعين على المالك إيداع الحيوان لدى أحد مراكز الرعاية مقابل وصل، بدل تركه في الشارع.

    ويحاول هذا المسار معالجة أحد مصادر الظاهرة من بدايته، عبر ربط الحيوان بمالكه، وتتبع انتقاله أو فقدانه، وترتيب المسؤولية عندما يترك دون رقابة أو يتم التخلي عنه.

    من جمع الحيوانات إلى التحكم في التكاثر

    إذا كانت مسؤولية المالك تمثل المستوى الأول من التدخل، فإن المستوى الثاني يبدأ عندما يصبح الحيوان ضالا، وهنا يمنح القانون مراكز الرعاية دورا يتجاوز جمع الحيوانات وإبعادها عن الشوارع.

    وتتولى المراكز المحدثة على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة رصد الحيوانات الضالة وجمعها ونقلها، ثم ترقيمها وتقييم حالتها الصحية والسلوكية، إلى جانب إطعامها وعلاجها وتلقيحها ضد الأمراض الخطيرة أو المعدية.

    غير أن المقتضى الأكثر ارتباطا بالتحكم في أعداد الحيوانات يوجد في إلزام هذه المراكز باعتماد أساليب علمية ومبتكرة للحد من التكاثر، خصوصا بالنسبة إلى القطط والكلاب.

    ويتيح القانون إرجاع الحيوانات، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى وسط آخر ملائم، لا سيما بعد تعقيمها وتلقيحها وترقيمها، كما يمكن تسليم الحيوان الذي يأويه المركز إلى شخص يرغب في رعايته، بعوض أو بدون عوض، بعد التأكد من قدرته على التكفل به.

    وفي الحالات التي لا يرجى فيها شفاء الحيوان من مرض أو عجز، أو عندما يشكل وجوده خطرا على صحة المواطنين أو سلامتهم أو على صحة حيوان آخر، يسمح القانون باللجوء إلى القتل الرحيم تحت إشراف طبيب بيطري.

    مستغفر: المطلوب تنظيم التضامن مع الحيوان لا تجريمه

    بالنسبة إلى هند مستغفر، الناشطة المغربية في مجال الرفق بالحيوان، يشكل وجود إطار قانوني ينظم الملف خطوة مهمة، خاصة مع إدراج التعقيم والتلقيح والرعاية وتجريم القتل غير المبرر والتعذيب، لكنها تربط نجاح هذه المقتضيات بالطريقة التي ستطبق بها على أرض الواقع.

    وقالت مستغفر لـ”AM+ MEDIA” إن “المبدأ بالنسبة إلينا ليس الاختيار بين سلامة المواطن وحماية الحيوان، لأن الاثنين يمكن أن يتحققا في الوقت نفسه. نحن بحاجة إلى تدبير يقلص أعداد الحيوانات الضالة ويحمي المواطنين من الأمراض والمخاطر، لكن عبر حلول مستدامة وإنسانية تقوم أساسا على التعقيم والتلقيح والتتبع، وليس على جعل الحيوان نفسه مشكلة يجب التخلص منها”.

    وتضع الناشطة في مجال الرفق بالحيوان المادة الخامسة في قلب النقاش الذي رافق القانون، معتبرة أن “تنظيم الإطعام والرعاية يمكن فهمه عندما تكون الغاية حماية الصحة العامة وضمان شروط سليمة، لكن ينبغي ألا يتحول التطبيق إلى معاقبة شخص قدم الماء أو الطعام لحيوان جائع أو حاول إنقاذ حيوان مصاب”، مضيفة أن “المطلوب هو تنظيم التضامن مع الحيوان وليس تجريمه، وهنا ستكون النصوص التطبيقية وطريقة تنزيل القانون حاسمتين”.

    وترى أن فعالية المقاربة الجديدة ستظل مرتبطة بتوفير البدائل التي ينص عليها القانون، مضيفة أن “التعقيم والتلقيح وإعادة الحيوانات المؤهلة إلى محيطها، إلى جانب التبني المسؤول ومراقبة التخلي عن الحيوانات، ويمكن أن يشكل مسارا أكثر استدامة، لكن ذلك يتطلب مراكز مجهزة وأطباء بيطريين وموارد مالية وتعاونا حقيقيا مع الجمعيات التي راكمت تجربة ميدانية في هذا المجال”.

    الجماعات أمام اختبار المراكز والموارد

    ينقل القانون جزءا مهما من مسؤولية التنفيذ إلى الجماعات، بالنظر إلى أن مراكز رعاية الحيوانات الضالة يفترض إحداثها على مستوى المكاتب الجماعية لحفظ الصحة.

    وتعمل هذه المراكز تحت إشراف طبيب بيطري تابع للمكتب الجماعي، وفي حالة عدم وجوده، يمكن إسناد المهمة إلى طبيب بيطري من القطاع الخاص ينتدبه رئيس المجلس الجماعي بموجب عقد.

    ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير فضاء لإيواء الحيوانات، لأن الاختصاصات التي يحددها القانون تشمل الجمع والنقل والتقييم الصحي والعلاج والتلقيح والتعقيم والترقيم وإمكانية الإرجاع أو التسليم للرعاية، وهو ما يجعل توفر الموارد البشرية والبيطرية والتجهيزات جزءا أساسيا من قابلية النموذج للتطبيق.

    ويتيح النص للجماعات الاستعانة بجمعيات المجتمع المدني في بعض اختصاصات المراكز، شريطة أن تكون في وضعية قانونية سليمة، وأن يكون من أغراضها رعاية الحيوانات، وأن تتوفر على الموارد البشرية والمالية والخبرة اللازمة، وتحدد اتفاقية الشراكة طبيعة المهام وآليات المراقبة وكيفية تقديم الخدمات.

    كما يفتح المجال أمام أشخاص القانون الخاص لإنشاء مراكز للرعاية وتدبيرها بترخيص من الجماعة ووفق دفتر تحملات، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، مع إخضاع هذه المراكز للمراقبة وإمكانية سحب الترخيص عند عدم تصحيح الاختلالات المسجلة.

    ومن هذا المنطلق، يوسع القانون دائرة المتدخلين، لكنه يبقي الجماعة في قلب المنظومة باعتبارها الجهة التي ستتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تحويل المقتضيات القانونية إلى خدمات فعلية.

    العقوبات توزع المسؤولية

    إلى جانب تنظيم الرعاية، يعتمد القانون على منظومة زجرية تتدرج بحسب طبيعة المخالفة والجهة المسؤولة عنها.

    ويعرض إيواء حيوان ضال أو إطعامه أو علاجه في الفضاء العام خلافا لأحكام القانون صاحبه لغرامة بين 500 و2000 درهم، بينما تتراوح الغرامة بين ألف و5 آلاف درهم بالنسبة إلى مالك لا يصرح بحيوانه أو لا يتوفر على دفتره الصحي.

    ويرفع القانون الغرامة إلى ما بين 10 و20 ألف درهم بالنسبة إلى من يتسبب عمدا في شرود حيوان أو تركه في الفضاء العام دون سيطرة ورقابة، فيما تصل العقوبة إلى ما بين 50 و300 ألف درهم بالنسبة إلى إحداث أو تدبير مركز لرعاية الحيوانات الضالة دون ترخيص.

    وفي المقابل، يضع النص عقوبات لحماية الحيوان نفسه، إذ يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 5 آلاف إلى 20 ألف درهم، أو بإحدى العقوبتين، من يتعمد قتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذاءه، باستثناء القتل الرحيم الذي يتم وفق الشروط القانونية. وفي حالة العود، ترفع العقوبات إلى الضعف.

    من تدبير الأعداد إلى تتبع الحالات

    لا تكتمل المنظومة الجديدة بالمراكز والعقوبات، إذ يراهن القانون أيضا على الانتقال من التعامل مع الحيوانات الضالة كأعداد موجودة في الشارع إلى تتبع وضعية كل حيوان يدخل مسار الرعاية.

    ولهذا يحدث قاعدة بيانات رقمية خاصة بالحيوانات الضالة، تتولى الإدارة تدبيرها وتقييد وتجميع وحفظ وتحيين البيانات الموجودة فيها.

    وتهدف القاعدة إلى منح رقم تعريفي لكل حيوان ضال، وتتبع وضعيته وتدابير الحماية التي خضع لها، وتحديد المركز المكلف برعايته، فضلا عن توفير البيانات الضرورية لتطوير التدابير الموجهة للحد من انتشار الحيوانات وتكاثرها.

    وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تسمح، من حيث المبدأ، بالانتقال من تدخل منفصل في كل مرة يظهر فيها الحيوان في الشارع إلى بناء معطيات حول مساره: جمعه، حالته الصحية، تلقيحه وتعقيمه، والمركز الذي تكفل به.

    وبجمع هذه المقتضيات، يتضح أن التحول الذي يحمله القانون 19.25 لا يقتصر على فرض غرامات أو تنظيم إطعام الحيوانات الضالة، بل يقوم على محاولة إعادة بناء سلسلة التدبير كاملة، من منع التخلي والشرود من المصدر، وتحديد مسؤولية المالك، وتنظيم الرعاية، والتحكم في التكاثر بالتعقيم، والحد من المخاطر بالتلقيح، إلى ترقيم الحيوانات وتتبعها.

    لكن الجزء الأصعب، وفق متتبعين، يبدأ بعد صدور القانون، فعدد من تفاصيل هذه المنظومة أحيل على نصوص تنظيمية، بما فيها كيفيات منح الرقم التعريفي وحمله ومعايير إنشاء مراكز الرعاية وقواعد الصحة والسلامة المطبقة عليها، لذلك، لن يتحدد أثر القانون فقط بما يتضمنه من التزامات وعقوبات، بل بقدرة الجماعات على توفير المراكز والأطباء البيطريين والموارد اللازمة، وبكيفية تنظيم تدخل الجمعيات والمواطنين، ومدى تحول التعقيم والتلقيح والترقيم من مقتضيات قانونية إلى ممارسة منتظمة.