المدونة

  • جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    جيل وُلد مع العهد الجديد.. 27 عاما غيّرت المغرب فهل تغيّرت معها شروط حياة الشباب؟

    سبعة وعشرون عاما تفصل بين مغرب 1999 ومغرب 2026، وهي بالضبط سنوات عمر جيل ولد مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس، وكبر بينما كانت البلاد تغيّر طرقها ومدنها واقتصادها ومدارسها ووسائل اتصالها، وتعيد رسم علاقتها بالعالم وبالمستقبل.

    جيل لم يعرف مغربا قبل “محمد السادس”العهد الجديد”، وفتح عينيه على بلد كان الإنترنت فيه في بداياته، قبل أن يبلغ السابعة والعشرين في مغرب وصلت فيه نسبة التمدن إلى 62.8 في المئة، وتوسعت فيه البنيات التحتية وشبكات الاتصال، وظهرت صناعات ومهن وفرص لم تكن جزءا من المشهد الاقتصادي عند ولادته.

    لكن التحولات التي شهدها المغرب بين 1999 و2026 لا تكتمل قراءتها من خلال الطرق والموانئ وشبكات الاتصال والمؤشرات الاقتصادية وحدها، سيما وأن جزء آخر من الصورة يوجد في المسار الذي قطعه الشباب أنفسهم، من المدرسة والجامعة إلى أول وظيفة وأول هاتف، ومن الاعتماد على الأسرة إلى البحث عن دخل واستقلال وحياة خاصة.

    الشاب المغربي الذي يبلغ اليوم 27 عاما نشأ في عالم أكثر اتصالا، وأمام مصادر أوسع للمعرفة والتكوين والعمل، غير أن وصوله إلى سن الاندماج المهني يكشف أن اتساع الخيارات لم يحسم واحدة من أقدم معضلات الشباب وهي العثور على موقع داخل سوق الشغل.

    وتظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن حواليي 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج الشغل والدراسة والتكوين، ويتركز قرابة نصفهم في الفئة العمرية بين 25 و29 سنة.

    تلك هي إحدى المفارقات التي طبعت مسار هذا الجيل، فقد تغير المغرب الذي ولد فيه، وتعددت مسارات الدراسة والتكوين والوصول إلى المعرفة وظهرت قطاعات ومهن جديدة لكن الاستفادة من هذه التحولات لم تكن متساوية، وظلت القدرة على تحويلها إلى وظيفة ودخل واستقلال مرتبطة بالتكوين والمجال الذي يعيش فيه الشاب والفرص التي يتيحها الاقتصاد.

    ومن هذه الزاوية، يتيح عيد الشباب فرصة لقراءة سبعة وعشرين عاما من التحولات من خلال أثرها على جيل عاشها كاملة، فقراءة لمغرب 1999 من موقع 2026، من خلال جيل ولد في بداية العهد وكبر مع تحولاته يصل اليوم إلى مرحلة يفترض أن ينتقل فيها من الاستفادة من الفرص التي صنعها هذا المسار إلى المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة.

    ولدوا سنة 1999.. أي مغرب كان ينتظرهم؟

    لا توجد صورة إحصائية خاصة بالمغرب سنة 1999، إذ جاءت تلك السنة بين إحصائي 1994 و2004، لكن المؤشرات المحيطة بها تسمح باستعادة ملامح البلد الذي بدأ فيه هذا الجيل حياته، من أسرة أكبر حجما، ومجتمع أقل تمدنا، وإنترنت محدود الانتشار، وسوق عمل لم تكن قطاعات؛ أصبحت اليوم من أعمدة الصناعة والتصدير، قد أخذت داخله موقعها الحالي.

    أقرب تعداد إلى تلك المرحلة، وهو إحصاء 2004 الذي يقدم نقطة انطلاق مفيدة، ففي عشرين عاما تراجع متوسط حجم الأسرة المغربية من 5.3 أفراد إلى 3.9 أفراد سنة 2024، فيما أصبح 23.1 مليون مغربي يعيشون في الوسط الحضري.

    لكن التحول داخل الأسرة، يظهر بصورة أوضح حين يوضع شاب في السابعة والعشرين إلى جانب أبيه عندما كان في العمر نفسه.

    أمين ذو 27 عاما، شخصية مركبة في هذه المسودة، فهو حاصل على شهادة جامعية وتكوين إضافي ولم يحصل على أول عقد عمل إلا بعد المرور من تدريبين في العمر نفسه، فيما كان والده قد راكم سنوات من العمل وبدأ تحمل أعباء أسرته.

    يختصر أمين، في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” الفارق في صياغة نموذجية بالقول: “والدي بدأ العمل في سن مبكرة، وفي السابعة والعشرين كان قد استقر مهنيا وتزوج، أما أنا فقضيت سنوات أكثر في الدراسة، وبعدها احتجت إلى التكوين والتداريب قبل الحصول على أول عقد لدي”، مضيفا “لدي اختيارات ووسائل راحة وإمكانيات بصدق لم تكن متاحة له، لكن الوصول إلى الاستقرار أخذ مني وقتا أطول”.

    والده سعيد، ينظر إلى المسألة من الجهة الأخرى، إذ لم تكن أمامه، كما يقول في الشهادة النموذجية قائمة طويلة من الاختيارات المهنية “كنا نبحث عن العمل أولا، ولم نكن نفكر كثيرا في أن يكون مطابقا لما نريده، ابني مثلا يستطيع اختيار تخصصه وتغيير عمله والبحث عن فرص حتى خارج المغرب، لكن المطلوب منه اليوم أكبر شهادة ولغات وحاسوب وتجربة، وكلما حصل على شيء اكتشف أن عليه إضافة شيء آخر”.

    وبين المسارين تغير أكثر من سوق العمل، فقد تغير توقيت الانتقال إلى حياة الراشدين نفسها، فسنوات الدراسة والتكوين أطول بالنسبة إلى شرائح من الشباب، وشروط الولوج إلى عدد من الوظائف أصبحت أكثر تعقيدا، فيما لم يعد الحصول على شهادة يعني بالضرورة الانتقال المباشر إلى العمل.

    حين أصبحت المدينة أكبر من البيت

    بالتوازي مع تغير الأسرة، تغير المجال العيش، فخلال العقود الأخيرة واصل الثقل السكاني انتقاله نحو المدن، ولم يكن ذلك مجرد حركة للسكان، بل انتقالا للضغط على السكن والنقل والتعليم والصحة والعمل إلى المجالات الحضرية، مع توسع الضواحي وظهور أحياء ومراكز عمرانية جديدة.

    وتكشف المقارنة بين سلمى ووالدتها وجها آخر لهذا التحول، فسلمى في السابعة والعشرين تتابع دراستها في سلك الدكتوراه بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، وتعمل في الدار البيضاء كما تسكن مع أسرتها، أما والدتها كانت في العمر نفسه متزوجة وتعيش في بيت مستقل عن والديها.

    سلمى، ترفض اختزال الفرق في تأخر الزواج، وتقول لـ “AM+MEDIA”: “أمي في عمري كانت عندها حياتها ودارها، لكن حياتها المهنية لم تكن مثل حياتي فأنا أدرس، أشتغل وأتنقل وحدي بين المدينتين وأدبر أموري المادية وأستطيع السفر ومتابعة تكويني، لكن فكرة أن أكتري وحدي وأتحمل جميع المصاريف، أو حتى الزواج والاستقرار وبيت، تجعلني أفضل البقاء مع أسرتي حاليا”.

    وترد والدتها من زاوية مختلفة: “كانت عندنا مصاريف أقل واختيارات أقل أيضا، اليوم البنت كتقرا أكثر وكتخدم وكتفكر في مسارها قبل الزواج، ما يمكنش نقارن غير شكون خرج من دار والديه بكري”.

    هذه التفاصيل تمنع المقارنة من السقوط في حنين سهل إلى الماضي، فالاستقلالية لم تعد تعني الشيء نفسه تماما بالنسبة إلى جيل سابق كان يمكن أن يرتبط بالزواج وتأسيس بيت في سن مبكرة، أما بالنسبة إلى جزء من شباب اليوم، فقد أصبح يرتبط أولا بالقدرة على تمويل حياة مستقلة والمحافظة في الوقت نفسه على مستوى الدراسة والعمل والتنقل والاستهلاك الذي أصبح جزءا من حياته.

    من أول اتصال بالإنترنت إلى البحث عن العمل من الهاتف

    إذا كان تغير الأسرة والمدينة يحتاج إلى أرقام ومقارنات، فإن المسافة الرقمية بين الجيلين تكاد تكون مرئية بالعين، فمواليد 1999 عاشوا طفولة سبقت الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي بصورتها الحالية، ثم دخل الإنترنت تدريجيا إلى المدرسة والجامعة والعمل والحياة اليومية.

    وتوثق بيانات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات التوسع الكبير الذي عرفه استخدام الإنترنت والاتصالات في المملكة خلال هذه الفترة، غير أن أثر هذا التحول لا يقف عند الاتصال، فحين بحث والد أمين عن أول وظيفة، كان مجال البحث محكوما إلى حد بعيد بالمكان الذي يعيش فيه وبالإعلانات والمباريات وشبكة العلاقات المباشرة، أما ابنه فيستطيع اليوم أن يتقدم في صباح واحد إلى وظائف في الرباط والدار البيضاء وطنجة، أو أنا يجتاز مقابلة عمل عن بعد مع مؤسسة خارج المغرب.

    وتحكي سلمى أنها حصلت على إحدى فرصها المهنية عبر إعلان وجدته على الإنترنت، قبل أن تجري أول مقابلة عن بعد، أما والدتها، لم تكن هذه الجغرافيا المهنية موجودة أصلا في شبابها، وتقول: “باش تقلبي على خدمة، خاصك تعرفي فين تمشي وتسولي وتدفعي وراقك، لكن اليوم تقدر تقلب على عشرات العروض وهي (سلمى) فالدار”.

    لكن سهولة الوصول إلى الإعلان لم تجعل المنافسة عليه أسهل، فالشاب الذي يستطيع رؤية فرص أكثر يرى في الوقت نفسه عدد المرشحين لها، ويجد أمامه متطلبات تتغير باستمرار، من اللغات، والبرمجيات، والخبرة، إلى الشهادات الإضافية والقدرة على التعلم السريع.

    كما أن الإنترنت غيّر معيار المقارنة، فلم يعد شاب مدينة صغيرة يقارن نفسه فقط بأقرانه في الحي أو المدينة، بل يرى يوميا كيف يدرس ويعمل ويعيش شباب في مدن مغربية أخرى وفي الخارج، ويعرف الرواتب والجامعات والمهن والفرص التي لم يكن الجيل السابق يعرف عنها بالسرعة نفسها، وهذا يعني أن المسافة إلى العالم أصبحت أقصر لكن المسافة إلى الفرصة لم تختف.

    الرحيل نفسه لأسباب مختلفة

    تظهر الفوارق بصورة أوضح خارج المحاور الحضرية الكبرى، فسعد شاب ولد في بلدة صغيرة نواحي تاونات، واحتاج إلى مغادرتها بعد البكالوريا لمتابعة دراسته الجامعية، أما والده فقد غادر المنطقة نفسها وهو أصغر سنا، لكن بحثا عن العمل.

    يقول سعد في حديث لجريدة “AM+ MEDIA”: “أبي خرج من المدينة لأنه ما كانش عندو فين يخدم، أنا خرجت باش نقرا، الفرق أنني قدرت نوصل للجامعة، لكن من بعد التخرج رجعت نطرح تقريبا السؤال نفسه ديالو: فين غادي نخدم؟”.

    في جملة واحدة تلتقي تجربتان تفصل بينهما عقود، فوالده غادر بموارد تعليمية محدودة بحثا عن دخل، أما الابن فقد غادر للحصول على شهادة، ثم وجد نفسه بعد التخرج أمام تمركز جانب من الفرص المهنية في المدن والأقطاب الاقتصادية الكبرى.

    أما الأب فيصف الفارق على طريقته: “هو عندو قراية وحاسوب ولغات وأنا ما كانش عندي هادشي، أنا كنت كنمشي فين كاينة الخدمة، وهو حتى دابا خاصو يمشي فين كاينة الخدمة، غير كل واحد فينا بطريقتو”.

    هذه المقارنة تضع مسألة المجال في مكانها الصحيح، وصول الإنترنت أو تحسن الطريق أو توسع التعليم لا يعني بالضرورة أن الوظيفة انتقلت إلى المكان نفسه، وقد يصبح الوصول إلى الفرصة أسهل من الناحية المادية، فيما يظل الحصول عليها مشروطا بالانتقال إلى مركز اقتصادي آخر.

    لهذا يصعب الحديث عن مواليد 1999 باعتبارهم جيلا بتجربة واحدة، شاب ولد في الدار البيضاء داخل أسرة قادرة على تمويل دراسته وتعلم اللغات لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها شاب في منطقة بعيدة عن الجامعة، أو فتاة تحتاج إلى الانتقال إلى مدينة أخرى لمتابعة تخصص غير متاح قرب أسرتها، فالعمر واحد أما نقطة الانطلاق فليست كذلك.

    وظائف لم يكن الآباء يعرفون أسماءها

    حين دخل مواليد 1999 المدرسة، لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية تحتل داخل الاقتصاد المغربي الموقع الذي وصلت إليه اليوم، من تخصصات ومهن جديدة، وتغير طبيعة المهارات التي يبحث عنها المشغلون.

    عماد مثلا، الذي يعمل في البرمجيات بالعاصمة الرباط، يقول للجريدة إن والديه؛ على الرغم من مستواهما التعليمي المتقدم “احتاجا وقتا لفهم بالضبط ماذا يفعل”، ومبرزا مفارقة بين جيلين، فعدد من المهن التي يعمل فيها شباب اليوم لم تكن جزءا من القاموس المهني للأسر عندما دخل أبناؤها المدرسة.

    في المقابل، لا تعني كثرة المسارات المهنية أن الدخول إليها أصبح تلقائيا، فالاقتصاد الذي خلق وظائف جديدة رفع أيضا مستوى المهارات المطلوبة، وأصبح الانتقال بين الجامعة والعمل يمر بالنسبة إلى كثيرين عبر التدريب والتخصص واللغات والمهارات الرقمية.

    وحين ولد أبناء 1999، كان الشغل حاضرا منذ البداية في تصور العهد الجديد لموقع الشباب داخل مشروع التنمية، ففي أول خطاب للعرش وضع جلالة الملك محمد السادس التعليم في صدارة الأولويات، وربطه صراحة بإعداد الأجيال للولوج إلى الحياة العملية ومواجهة البطالة.

    وظل تشغيل الشباب خلال السنوات اللاحقة، ملازما للنقاش حول الاستثمار والتعليم والتنمية البشرية وتحديث الاقتصاد، لكن البيئة الاقتصادية التي كان يفترض أن يعمل داخلها هؤلاء الأطفال لم تكن قد تشكلت بعد بالصورة التي نعرفها اليوم.

    فميناء طنجة المتوسط لم يكن قد دخل الخدمة، والقطار فائق السرعة لم يكن موجودا، وشبكة الطرق السيارة كانت أصغر بكثير، فيما لم تكن صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة قد بلغت الوزن الذي ستكتسبه لاحقا.

    لذلك، فإن جيل 1999 لم يكبر فقط داخل اقتصاد توسع حجمه، بل عاصر انتقال المغرب إلى نموذج راهن بقوة على البنية التحتية لجذب الاستثمار وربط المملكة بالأسواق الدولية.

    هذا الاختيار ظهر مبكرا في التوجيهات الملكية، ففي خطاب العرش لسنة 2005، تحدث جلالة الملك عن المضي في إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، وفي مقدمتها طنجة المتوسط وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وربط ذلك بتحسين مناخ الاستثمار المنتج.

    وفي السنة نفسها، أطلقت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واضعة تقليص العجز الاجتماعي وإحداث الأنشطة المدرة للدخل والشغل ضمن محاورها الأساسية.

    وبالنسبة إلى مواليد 1999، كانت هذه الأوراش تتقدم فيما كانوا ينتقلون من المدرسة إلى الجامعة ثم إلى سوق العمل، وعندما بلغوا سن البحث عن أول وظيفة، كانت خريطة الاقتصاد قد تغيرت فعلا.

    طنجة على سبيل المثال، لم تعد المدينة الاقتصادية نفسها التي كانت عليها في طفولتهم، فالمركب المينائي والصناعي لطنجة المتوسط تحول إلى منصة مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتجارة الدولية، ونمت حوله أنشطة صناعية ولوجستية وخدماتية.

    وفي الجهة الشرقية، يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط للدخول إلى التشغيل خلال الربع الأخير من 2026، في استمرار لخيار ربط الاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية الذي تضعه الرؤية الملكية السامية في صلب تطوير البنيات المينائية.

    وتغيرت الصناعة بدورها، فالمغرب الذي كان يستقبل أبناء 1999 في مدارسهم الأولى ليس هو المغرب الصناعي الذي دخلوا سوق عمله بعد عقدين، كما توسعت صناعة السيارات والطيران، ونمت منظومات مرتبطة بالإلكترونيات واللوجستيك والطاقات المتجددة، وأصبحت المهن التقنية والهندسية والرقمية جزءا أكبر من الطلب على الكفاءات.

    هنا تظهر واحدة من أهم نتائج التحول الذي جرى خلال “العهد الجديد”، إذ لم يعد مسار التشغيل مرتبطا أساسا بالإدارة والفلاحة والقطاعات التقليدية والخدمات البسيطة، كما أصبحت هناك خريطة أوسع للمهن والاستثمار، وأصبح بإمكان شاب مغربي أن يعمل داخل سلسلة إنتاج صناعية موجهة إلى الأسواق العالمية من مصنع في طنجة أو القنيطرة أو الدار البيضاء.

    لكن بناء الاقتصاد الجديد لم يحسم تلقائيا معضلة الشغل، فقد حضرت داخل الخطاب الملكي نفسه على امتداد العهد الجديد، ففي خطاب سابق للعرش وضع الملك السؤال بصيغة تربط قيمة المشاريع الكبرى بأثرها الفعلي على حياة المواطنين، بعدما استعرض التحولات في الموانئ والطرق والطاقة والتنمية البشرية.

    وبعد سنوات، تظهر أرقام سوق الشغل لماذا بقي هذا السؤال قائما، ففي 2025، أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب صاف، أكثر من ضعف 82 ألف منصب المحدثة في السنة السابقة، لكن توزيعها يكشف أين يتحرك الاقتصاد الجديد، فالخدمات أضافت 123 ألف وظيفة، والبناء والأشغال العمومية 64 ألفا، والصناعة 46 ألفا، بينما فقدت الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب.

    الأكثر دلالة أن المدن أحدثت 203 آلاف وظيفة، في حين فقد الوسط القروي 10 آلاف، وهذا يعني أن الوظيفة تتحرك أكثر نحو المدينة والخدمات والصناعة، أي نحو المجالات نفسها التي تركزت فيها خلال العهد الجديد استثمارات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والبنيات اللوجستية.

    وهكذا، فإنه بعد سبعة وعشرين عاما، يصل مواليد 1999 إلى سنّ يفترض أن يكونوا فيها قد انتقلوا من مقاعد الدراسة إلى قلب الاقتصاد والمجتمع.

    ويختلف المغرب الذي يستقبلهم اليوم جذريا عن البلد الذي ولدوا فيه، طرق وموانئ وصناعات وبنيات رقمية وفرص ومهن لم تكن موجودة، واقتصاد أصبح أكثر اتصالا بالأسواق العالمية، لكن تجربة هذا الجيل تكشف أيضا أن بناء الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إليها، فالفجوة بين المدينة والقرية، وبين التكوين وسوق الشغل، وبين الشهادة والاستقلال الاقتصادي، ما تزال ترسم مسارات شبابه بشكل غير متساو.

    وإذا كان ربع القرن الأول من العهد الجديد قد غيّر البنية التي يعيش داخلها هذا الجيل، فإن الرهان الذي يواجه المغرب اليوم هو أن تتحول مكاسب هذا المسار إلى أثر ملموس في حياته، من شغل، ودخل، واستقلال، وقدرة على بناء المستقبل، عندها تصبح المقارنة بين مغرب 1999 ومغرب 2026 أكثر من مقارنة بين ما شيّد في البلاد وتصبح قياسا لما تغيّر فعلا في حياة من كبروا معها.

  • اختتام المخيمات الصيفية لمديرية الأمن الوطني ببوزنيقة

    اختتام المخيمات الصيفية لمديرية الأمن الوطني ببوزنيقة

    اختتمت، أمس الخميس، الدورة الرابعة والأخيرة من المخيمات الصيفية التي تنظمها المديرية العامة للأمن الوطني، بمركب مولاي رشيد للشباب والطفولة ببوزنيقة، بعد أن قدمت لأطفال ويافعي أسرة الأمن الوطني برنامجا جمع بين الأنشطة التربوية والإبداع والرياضة والترفيه.

    وشكلت هذه النسخة، التي تختتم برنامج الدورات الأربع المنظمة ببوزنيقة، فرصة للمستفيدين لعيش تجربة تربوية وترفيهية ساهمت في تنمية شخصيتهم والتعبير عن مواهبهم وتطوير قدراتهم، في أجواء ملائمة للتعلم والتواصل.

    ونظمت هذه المخيمات تحت شعار “مخيمات الأمن الوطني، فضاء لتلقين قيم التضامن والمواطنة الحقة”، وهي موعد سنوي يهدف إلى مواكبة أطفال ويافعي أسرة الأمن الوطني خلال فترة الصيف، من خلال برمجة تراعي مختلف الفئات العمرية.

    وأبرز مدير المخيم الصيفي للمديرية العامة للأمن الوطني ببوزنيقة، المكلف بالأطفال، البروكي بوبكر، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، الجهود المبذولة لتوفير ظروف استقبال وتأطير ترقى إلى مستوى تطلعات المستفيدين.

    وأكد أن مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني عبأت الموارد البشرية والمادية واللوجستية اللازمة، بتنسيق مع المديريات المعنية، لمواكبة مختلف مراحل هذه العملية.

    كما نوه المسؤول بتنوع البرنامج التربوي، الذي مكن الأطفال من التعرف على عدة فنون وأشكال ثقافية، خاصة المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والتعبير الجسدي والسمعي البصري.

    وإلى جانب هذه الأنشطة، أدرجت أنشطة رياضية وترفيهية، فضلا عن حصص خصصت لتعلم قواعد تلاوة القرآن الكريم وأنشطة للتحسيس تلائم أعمار المشاركين.

    كما تخللت مختلف الدورات خرجات وزيارات مكنت الأطفال من اكتشاف عدة مواقع تاريخية وثقافية وترفيهية، خاصة بكل من الرباط والدار البيضاء، إضافة إلى الأنشطة المنظمة داخل المركز وفضاءاته الترفيهية.

    من جهته، أوضح زكرياء باحي، مدير المخيم الصيفي للمديرية العامة للأمن الوطني ببوزنيقة، المكلف باليافعين، أن 320 فتاة وفتى استفادوا من إقامتهم بالمركز خلال الدورات الأربع، في إطار تأطير يراعي خصوصيات هذه الفئة العمرية.

    وأفاد بأن اليافعين تمكنوا من تطوير قدراتهم من خلال ورشات خصصت للموسيقى والمسرح والرقص والكوريغرافيا والفنون التشكيلية والخط والسمعي البصري.

    كما جعل البرنامج من الرقمنة رافعة للتعلم والإبداع، من خلال إدماج أنشطة مخصصة لإنتاج المحتوى والذكاء الاصطناعي والإنتاج السمعي البصري.

    وشكلت تجربة توزيع المشاركين على عشر مجموعات، كلفت كل واحدة منها بتصور وإنجاز فيلم قصير حول موضوع معين، تجربة لاقت استحسانا خاصا. وقد عرضت الإنتاجات لاحقا في إطار مهرجان تضمن مباراة بين المجموعات، أتاحت لليافعين فرصة تطبيق المهارات المكتسبة والعمل الجماعي.

    وبالموازاة، تناولت حصص التحسيس عدة إشكاليات تهم الشباب، خاصة مخاطر المخدرات والعنف في الملاعب والجريمة الإلكترونية، في مقاربة تروم تنمية روحهم النقدي وحسهم بالمسؤولية.

    وتميز اختتام هذه الدورة الأخيرة بتثمين مختلف الإنتاجات والكفاءات التي طورها المستفيدون، في تجربة سخرت فيها الأنشطة الترفيهية لخدمة التعلم والإبداع والتربية على قيم المواطنة.

    يذكر أن نسخة سنة 2026 من المخيمات الصيفية التي تنظمها مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني تقام خلال الفترة الممتدة من 8 يوليوز إلى 28 غشت، وذلك بمراكز موزعة بين أكادير وبوزنيقة وتطوان وإفران.

    ويستفيد منها 3906 أطفال وأيتام من أبناء أسرة المديرية العامة للأمن الوطني، موزعين على الفئتين العمريتين 9-14 سنة و14-16 سنة.

    ومن خلال هذه العملية، تواصل المؤسسة أعمالها ذات الطابع الاجتماعي والتربوي لفائدة أسرة الأمن الوطني، من خلال توفير فضاءات تعزز التفتح والتعلم والإبداع والانفتاح الثقافي واكتساب قيم التضامن والمواطنة لفائدة الشباب المستفيدين.

  • “أجدير إيزوران” بخنيفرة تحتفي بثورة الملك والشعب وعيد الشباب

    “أجدير إيزوران” بخنيفرة تحتفي بثورة الملك والشعب وعيد الشباب

    انطلقت، مساء أمس الجمعة بخنيفرة، فعاليات الدورة السابعة للمهرجان الدولي “أجذير إيزوران”، في مرحلته الصيفية، وذلك في إطار الاحتفال بذكرى ثورة الملك والشعب وعيد الشباب، في موعد يروم إبراز غنى الثقافة الأمازيغية وتثمين التراث اللامادي بالمناطق الجبلية.

    وتنظم هذه الدورة، التي تتواصل تحت شعار “الثقافة والتراث اللامادي مرتكز لاستدامة التنمية بالمناطق الجبلية”، تخليدا للذكرى الخامسة والعشرين للخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بأجدير في 17 أكتوبر 2001، والذي شكل محطة بارزة في مسار النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، باعتبارهما مكونا أصيلا للهوية الوطنية.

    ويهدف هذا الموعد الثقافي، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبدعم من عدد من الشركاء المؤسساتيين على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، إلى استحضار مضامين الخطاب الملكي السامي بأجذير، والتعريف بالثقافة الأمازيغية والتراث اللامادي وتثمينهما، بما يعزز إسهامهما في التنمية المستدامة بالمناطق الجبلية.

    وشهد حفل افتتاح الدورة، الذي ترأسه عامل إقليم خنيفرة، محمد عادل إهوران، بحضور عدد من المسؤولين ورؤساء المصالح الخارجية وفعاليات مدنية وثقافية، بث مقتطف من الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بأجذير سنة 2001، قبل تنظيم حفل لتكريم عدد من الشخصيات التي قدمت إسهامات في مجالات الفن والتوثيق والرياضة.

    وفي كلمة بالمناسبة، أكد رئيس مؤسسة “روح أجذير الأطلس” بخنيفرة، محمد ياسين، أن إقليم خنيفرة يزخر برصيد حضاري وثقافي غني، ويضطلع بدور مهم في الحفاظ على الثقافة الأمازيغية والنهوض بها، مبرزا حرص المؤسسة على توجيه برامجها السنوية لخدمة الإقليم وإبراز مؤهلات المناطق الجبلية والاستجابة لانتظارات ساكنتها.

    وأضاف أن الدورة السابعة للمهرجان تشكل محطة لتثمين التراث الأمازيغي بالأطلس المتوسط باعتباره رافدا من روافد التنمية الشاملة، مبرزا أن هذه الدورة تكتسي رمزية خاصة لتزامنها مع الذكرى الخامسة والعشرين للخطاب الملكي السامي بأجذير لسنة 2001.

    وأشار رئيس المؤسسة إلى أن المهرجان يواصل تعزيز إشعاعه الوطني والدولي من خلال مرحلتيه الصيفية والخريفية، موضحا أن محطته المقبلة، المقررة خلال شهر أكتوبر، ستعرف إصدار “أنطولوجيا الأغنية الأمازيغية في الأطلس المتوسط”.

    ويتضمن برنامج الدورة عروضا فنية وموسيقية تستلهم الموروث الثقافي الأمازيغي بإقليم خنيفرة ومنطقة الأطلس المتوسط، إلى جانب مشاركات لفنانين ومبدعين من مختلف جهات المملكة، بما يبرز تنوع وتعدد روافد المشهد الثقافي الوطني.

    وبالمناسبة ذاتها، تم افتتاح معرض للمنتجات المجالية والفلاحية بساحة 20 غشت بالمدينة، تنظمه مؤسسة “روح أجذير الأطلس” بدعم من وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، خلال الفترة الممتدة من 21 إلى 30 غشت الجاري.

    ويروم هذا المعرض التعريف بالمؤهلات الفلاحية والمجالية للإقليم، ودعم التعاونيات والمنتجين المحليين، وتشجيع تثمين وتسويق المنتجات المجالية، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي ودعم التنمية المستدامة بالمناطق الجبلية.

  • ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    على امتداد أكثر من ربع قرن، اتسعت الرؤية الملكية لقضايا الأجيال الصاعدة، من سؤال الإدماج في مسلسل الإنتاج ومحاربة البطالة، إلى إصلاح التعليم والتكوين، وتشجيع المبادرة والمقاولة، ثم الانفتاح على التكنولوجيا ومهن المستقبل، وتوسيع مجالات الثقافة والرياضة والتطوع، وصولا إلى المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار.

    وفي ذكرى عيد الشباب، التي يحتفل بها المغاربة في 21 غشت من كل سنة، تسمح العودة إلى الخطب والرسائل الملكية، وربطها بالأوراش التي تبلورت على امتداد سنوات العهد الجديد، بقراءة مسار لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما تطور مع تغير حاجيات المجتمع والاقتصاد، فكلما برز تحد جديد أمام الشباب، اتسعت معه الإجابة، من الوظيفة إلى الكفاءة، ومن الكفاءة إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى الابتكار، ومن ذلك كله إلى المشاركة.

    وهكذا، فإن الخيط الناظم لهذا المسار، الذي حظي بعناية ملكية خاصة، لا يكمن في تعدد البرامج والمشاريع، بقدر ما يكمن في انتقال تدريجي من منطق توفير الفرصة للشباب إلى بناء الشروط التي تمكنه من صناعة الفرصة والمساهمة في صناعة المستقبل.

    حين كان السؤال هو إدماج الشباب في الإنتاج

    في السنوات الأولى للعهد الجديد، كان التشغيل في صلب الرؤية الملكية تجاه الشباب، باعتباره مدخلا للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ففي الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي في دجنبر 1999، دعا جلالة الملك محمد السادس إلى “إدماج الشباب وفي مقدمته الشباب المتعلم في مسلسل الإنتاج”، مع استثمار طاقاته ومؤهلاته وتحفيزه على الإبداع والابتكار والاعتماد على الذات.

    وبعد أسابيع، في يناير 2000، وضع جلالة الملك بطالة الشباب ضمن إطار أوسع، مؤكدا أن معالجتها لا تكتسي أبعادا اقتصادية فقط، وإنما لها أيضا أبعاد اجتماعية وثقافية.

    ثم جاء خطاب ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2000 ليمنح عيد الشباب نفسه معنى يتجاوز الاحتفال بالمناسبة، فقد قدم الملك الذكرى باعتبارها فرصة للالتقاء بـ”الأجيال الصاعدة والتواصل معها”، وإثارة القضايا والمشاكل التي تواجهها والبحث عن حلول ناجعة لها، حتى تنفتح على المجتمع وتندمج فيه بمواطنة إيجابية وفاعلة.

    التعليم يدخل قلب معادلة التشغيل

    مع مرور السنوات، أخذت العلاقة بين التعليم والتكوين والتشغيل مكانة أكبر في الخطاب الملكي؛ ففي خطاب عيد العرش لسنة 2009، ارتبط إصلاح التربية والتعليم والتكوين بتأهيل الموارد البشرية والبحث والابتكار وبناء اقتصاد المعرفة وتوفير الشغل المنتج للشباب.

    لكن محطة 20 غشت 2018 ستمنح هذا التحول صياغة أكثر وضوحا، ففي خطاب ثورة الملك والشعب، اعتبر الملك الشباب “الثروة الحقيقية للبلاد”، مؤكدا أنه لا يمكن مطالبة الشاب بأداء دوره “دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك”.

    وفي الخطاب نفسه، انتقل التشخيص إلى جوهر العلاقة بين الشهادة وسوق العمل، بالتأكيد أنه “لا يمكن أن نقبل لنظامنا التعليمي أن يستمر في تخريج أفواج من العاطلين”، مع الدعوة إلى إعطاء الأولوية للتخصصات التي توفر الشغل، واعتماد التوجيه المبكر، وإعادة النظر في تخصصات التكوين المهني حتى تستجيب لحاجيات المقاولات والقطاع العام وتواكب التحولات التي تعرفها الصناعات والمهن.

    مدن المهن والكفاءات تجسد التحول

    لم يبق هذا التصور والتوجيهات الملكية في مستوى الخطاب، إذ انتقلت إلى ورش مؤسساتي مع خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني التي قدمت أمام جلالته سنة 2019، وكان مشروع مدن المهن والكفاءات أحد أبرز مكوناتها.

    ولم تكن الفكرة مجرد إحداث بنايات جديدة، بل بناء جيل جديد من مؤسسات التكوين، يقوم على المهارات التطبيقية، والانفتاح على المهن الجديدة، وربط التخصصات بحاجيات الاقتصاد والجهات.

    وفي خطاب 20 غشت 2019، أكد جلالة الملك أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب، وخاصة في القرى وضواحي المدن، للاندماج المنتج في سوق الشغل، قبل أن يلخص التحول في معنى المسار الدراسي بالقول: “فالحصول على الباكالوريا، وولوج الجامعة، ليس امتيازا، ولا يشكل سوى مرحلة في التعليم. وإنما الأهم هو الحصول على تكوين، يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي”.

    وسيأخذ هذا التصور شكلا ملموسا مع تدشين الملك محمد السادس، في 30 ماي 2023، لمدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة بتمسنا، باعتبارها منشأة من جيل جديد، تستهدف توفير تكوينات مرتبطة بحاجيات سوق الشغل والقطاعات الواعدة.

    وبذلك، أصبحت مدن المهن والكفاءات ترجمة مباشرة لفكرة ظل الخطاب الملكي يؤكدها: قيمة التكوين لا تقاس فقط بالحصول على شهادة، وإنما بما يمنحه من قدرة على الاندماج والتطور المهني.

    ويرى ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، أن هذا التحول يعكس انتقالا في طريقة بناء السياسات الموجهة إلى الشباب، موضحا أن الرؤية لم تعد تتعامل معه باعتباره فقط فئة تحتاج إلى وظيفة، وإنما باعتباره طاقة بشرية تحتاج إلى بناء مسار كامل قبل الوصول إلى سوق الشغل، بما يجعل التكوين والمهارات والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية عناصر أساسية في عملية التمكين.

    من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

    ولم تحصر الرؤية الملكية مستقبل الشباب في الوظيفة، ففي خطاب عيد العرش لسنة 2007، دعا جلالة الملك إلى دعم المبادرات الحرة وتشجيع وتحفيز الشباب على إحداث المقاولات الصغرى والمتوسطة، قبل أن تتجدد الدعوة في خطاب 2018 إلى خلق المقاولات ودعم التشغيل الذاتي والمقاولات الاجتماعية.

    وفي أكتوبر 2019، دخل التمويل بشكل مباشر في المعادلة، عندما وجه جلالة الملك الحكومة وبنك المغرب إلى التنسيق مع القطاع البنكي لوضع برنامج خاص لدعم الخريجين الشباب وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي، مع توفير المواكبة الضرورية.

    وفي امتداد لهذا التوجه، ظهرت خلال السنوات اللاحقة برامج لخلق فرص العمل وتعزيز قابلية التشغيل بهدف خلق مداخل مختلفة للإدماج.

    ويقول اصبويا في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تشجيع المبادرة والمقاولة يعكس انتقالا من تصور يجعل الشاب في موقع الباحث عن فرصة فقط، إلى تصور يمنحه أيضا إمكانية صناعة هذه الفرصة”، مضيفا “لكن هذا الانتقال لا ينجح بالتمويل وحده، لأن المشروع يحتاج إلى المواكبة والتأطير والولوج إلى السوق والقدرة على الاستمرار”.

    ويشير المتحدث عينه إلى أن “تمكين الشباب اقتصاديا ينبغي أن يقاس بقدرته على بناء استقلالية حقيقية، وإنتاج الدخل وخلق فرص أخرى، وليس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها”.

    من محاربة الهشاشة إلى بناء الاستقلالية

    وتقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مسارا آخر لفهم تطور موقع الشباب داخل السياسات العمومية، فمع المرحلة الثالثة، أصبح تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب محورا قائما بذاته، من خلال دعم ريادة الأعمال والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى جانب منصات الشباب التي تستقبل حاملي الأفكار وتوجههم وتواكب مشاريعهم.

    وهنا يتضح أن الشباب ليس كتلة واحدة تحتاج إلى الحل نفسه، فهناك من يحتاج إلى التكوين، ومن يحتاج إلى التوجيه، ومن يملك فكرة لكنه يحتاج إلى التمويل، ومن يحتاج إلى مواكبة تساعده على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

    الشباب ليس اقتصادا فقط

    في خطاب 20 غشت 2012، أكد جلالة الملك محمد السادس أن “قضايا الشباب لا تتعلق فقط بالمجال الخاص أو العائلي، أو بما هو مرتبط بالتربية والتكوين والتعليم، وإنما هي قضية المجتمع برمته”.

    وكانت هذه العبارة مؤشرا على اتساع المقاربة، لأن تمكين الشباب لا يقتصر على الدخل، وإنما يشمل أيضا الثقافة والرياضة والتطوع والفضاءات الشبابية والمشاركة الاجتماعية.

    وأصبحت السياسة الشبابية من هذه الزاوية تسأل أيضا عن قدرة الشاب على ممارسة الرياضة، واكتشاف مواهبه، والولوج إلى الثقافة، والمشاركة في العمل التطوعي، وبناء علاقات أكثر قوة مع المجتمع.

    وهكذا انتقل مفهوم التمكين من الإدماج الاقتصادي إلى بناء شخصية شابة أكثر حضورا وفاعلية داخل المجتمع.

    إعداد جيل لاقتصاد يتغير

    ومع التحول الرقمي، ظهر سؤال جديد: إذا كانت السياسات السابقة تستهدف إدماج الشباب في اقتصاد قائم، فكيف يمكن إعدادهم أيضا لاقتصاد تتغير مهنه بسرعة؟

    وتحدث الملك منذ سنة 2000 عن قدرة التطور السريع للتكنولوجيات الحديثة على فتح المجال أمام “قدرات شبابنا الخلاقة”، ومع مرور السنوات، تحول هذا الرهان من مجرد استعمال التكنولوجيا إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة.

    وتبرز صناعة الألعاب الإلكترونية نموذجا واضحا، ففي ماي 2026، ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن الرباط افتتاح الدورة الثالثة من معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo 2026″، المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

    وأكدت البوابة الرسمية أن افتتاح المعرض من طرف ولي العهد يجسد العناية الملكية المتواصلة بالشباب وتكوينه وانفتاحه على التكنولوجيات الحديثة، بما يمكنه من الاندماج في اقتصاد المستقبل.

    كما أن دورة 2026، المنظمة تحت شعار “Talent Marocain”، ركزت على إبراز إبداع ومهارات الشباب المغربي وربط الفاعلين في القطاع بفرص الأعمال والتكوين والاستثمار.

    التنمية الترابية تدخل معادلة الشباب

    ولا يمكن أن يكتمل هذا المسار دون ربط الشباب بالمجال الذي يعيش فيه، ففي خطاب 2025، برز رهان ملكي على جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يقوم على وتيرة أسرع وأثر أقوى، وعلى اعتماد معطيات ميدانية دقيقة واستعمال التكنولوجيات الرقمية، مع إقامة علاقات أكثر تكاملا بين المجالات الحضرية والقروية.

    وتهم هذه الرؤية الشباب بصورة مباشرة، لأن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا كان المجال الذي يعيش فيه الشاب لا يوفر فرصا اقتصادية وتكوينية وثقافية كافية.

    ومن هنا يلتقي رهان الشباب مع رهان التنمية الترابية، فكلما أصبح المجال قادرا على إنتاج الفرص، أصبح نجاح الشاب أقل ارتباطا بضرورة مغادرة مدينته أو قريته.

    الشباب يقترب من مربع السياسة

    وصلت دائرة التمكين إلى المجال السياسي، حيث لم يعد الشباب في “العهد الجديد” مجرد مستفيد من السياسات العمومية، وإنما أصبح طرفا في إنتاجها وصناعة القرار بشأنها.

    وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2017 أن تأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنية يعد من أهم التحديات التي ينبغي رفعها، مع التأكيد أن الشباب، الذي يمثل أكثر من ثلث السكان، يجب اعتباره محركا للتنمية وليس عائقا أمامها.

    وقبل ذلك، ربط جلالة الملك، في خطاب 20 غشت 2011، ربط الدينامية الخلاقة للشباب بمواصلة حمل مشعل بناء المغرب، وبالمواطنة والمشاركة في رفع تحديات البلاد.

    وفي أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يكتسب دعم حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة معنى يتجاوز مجرد تجديد النخب، فالمسار الذي بدأ من المدرسة والتكوين، ثم انتقل إلى الشغل والمبادرة والابتكار، يطرح في نهايته سؤال امتلاك الشباب موقعا في صناعة القرار الذي يرسم مستقبل البلاد.

    ويقول ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، إن “دعم مشاركة الشباب في انتخابات 2026 يكتسب أهميته لأنه ينقل مفهوم التمكين من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال السياسي، لكن التحدي لا يكمن فقط في وصول الشباب إلى المؤسسات، وإنما في أن يتحول حضورهم إلى مشاركة مؤثرة في صناعة السياسات والقرارات”.

    وأضاف أن “التمثيلية لا تكتمل بمجرد وجود شاب داخل لائحة انتخابية، وإنما عندما يصبح الشباب جزءا من عملية إنتاج القرار نفسها، وتصبح الأحزاب والمؤسسات أكثر انفتاحا على الأجيال الجديدة وقدرة على بناء الثقة معها”.

    من “الثروة الحقيقية” إلى الجيل الذي يصنع المستقبل

    وعند جمع هذه المحطات، لا تظهر أمامنا برامج متفرقة بقدر ما يظهر مسار تطور في مفهوم الشباب نفسه، ففي البداية، كان السؤال هو البطالة وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج، ثم أصبح السؤال مرتبطا بجودة التعليم والتكوين وملاءمتهما مع حاجيات الاقتصاد، وبعدها توسع الرهان إلى المقاولة والتمويل والإدماج الاقتصادي، ثم إلى الثقافة والرياضة والتطوع والتكنولوجيا ومهن المستقبل، قبل أن يصل إلى المشاركة في الحياة العامة.

    ويأتي خطاب عيد العرش لسنة 2023 ليمنح هذه الرؤية بعدا آخر، عندما قال الملك محمد السادس: “فالشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم”، مستحضرا الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022.

    ومن هنا يمكن قراءة أكثر من ربع قرن من التوجيهات الملكية في عيد الشباب في أن الرهان لم يعد فقط على ما يمكن أن تقدمه الدولة للشباب، وإنما على بناء الشروط التي تمكن الشباب من تقديم ما لديهم للمغرب.

    وفي ذكرى عيد الشباب، تبدو هذه المحطات حلقات داخل تصور أوسع يجعل من الأجيال الصاعدة جزءا من مشروع المغرب الصاعد، فالمغرب الذي يراهن على موقع متقدم في الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والتنمية لا يحتاج فقط إلى شباب يبحث عن مكان له داخله، وإنما إلى جيل يمتلك الكفاءة، ويصنع الفرصة، ويشارك في القرار، ويجد في بلده المجال الذي يسمح له بتحويل طموحه إلى إنجاز.

  • بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، ابتداء من اليوم الخميس، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026.

    ونص الظهير على تنفيذ القانون ونشره كما وافق عليه مجلسا النواب والمستشارين، وذلك بعد الاطلاع على قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026، والذي صرحت بموجبه بـ”تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها”.

    وكانت المحكمة قد سجلت أن رسالة الإحالة الموجهة إليها من رئيس مجلس النواب أُرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وبنسخة من المشروع كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، من دون إرفاق النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز.

    واعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص المراد فحص دستوريته يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية، وبذلك كان “قرار المحكمة الدستورية” إجرائيا، ولم يتضمن حكما موضوعيا بشأن دستورية مقتضيات القانون.

    دخول فوري واستثناءات تنظيمية

    ونصت المادة 146 من القانون الجديد على دخوله حيز التنفيذ في تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي ابتداء من 20 غشت 2026، غير أن المشرع استثنى من النفاذ الفوري مقتضيات المواد 12 و39 والبند 11 من المادة 121، إذ لن تدخل هذه الأحكام حيز التنفيذ إلا بعد صدور النصوص التنظيمية الضرورية لتطبيقها ونشرها بدورها في الجريدة الرسمية.

    وبموجب القانون الجديد، ينسخ ابتداء من 20 غشت 2026 القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، غير أن القانون أقر مجموعة من المقتضيات الانتقالية لضمان استمرارية المؤسسات والمساطر المهنية.

    وفي هذا الإطار، ستستمر أجهزة هيئات المحامين القائمة حاليا في أداء المهام المسندة إليها، إلى حين تولي الأجهزة الجديدة مهامها، إثر انتخابها خلال شهر دجنبر الموالي لتاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، كما تتولى الأجهزة الحالية اتخاذ الإجراءات الضرورية لتنظيم هذه الانتخابات.

    ويستمر العمل بمقتضيات القانون رقم 28.08 في ما يتعلق بشروط الترشح لمهنة المحاماة والحصول على شهادة الأهلية، إلى حين شروع معهد تكوين المحامين في ممارسة مهامه بصورة فعلية.

    وحافظ القانون على الوضعية القانونية للمترشحين الحاصلين على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة قبل 20 غشت 2026، شريطة ألا يتجاوز سنهم 50 سنة عند تقديم طلب التسجيل في لائحة المحامين المتمرنين لدى إحدى هيئات المحامين.

    ويستفيد هؤلاء من مقتضيات القانون السابق في ما يخص التمرين والتسجيل في جدول الهيئة، بما يحول دون تأثر مراكزهم القانونية بالقواعد الجديدة بعد حصولهم على شهادة الأهلية في ظل التشريع المنسوخ.

    وتشمل المقتضيات الانتقالية كذلك المتابعات التأديبية التي تم تحريكها قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إذ يستمر تطبيق القانون رقم 28.08 عليها إلى حين صدور قرارات نهائية بشأنها.

    أيضا، تظل النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق قانون 2008 سارية المفعول إلى حين تعويضها بنصوص جديدة، تفاديا لأي فراغ قانوني أو مؤسساتي خلال المرحلة الانتقالية.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

  • جلالة الملك يعفو على 667 شخصا بمناسبة عيد الشباب

    جلالة الملك يعفو على 667 شخصا بمناسبة عيد الشباب

    أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة عيد الشباب السعيد لهذه السنة، أمره السامي بالعفو على 667 شخصا، منهم المعتقلون ومنهم الموجودون في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة.

    وفي ما يلي نص بلاغ وزارة العدل بهذا الخصوص:”بمناسبة عيد الشباب السعيد لهذه السنة 1448 هجرية 2026 ميلادية، تفضل جلالة الملك أدام الله عزه ونصره، فأصدر حفظه الله أمره السامي المطاع بالعفو على مجموعة من الأشخاص منهم المعتقلين ومنهم الموجودين في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة الشريفة وعددهم 667 شخصا وهم كالآتي :

    المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة اعتقال وعددهم 526 نزيلا وذلك على النحو التالي:

    – العفو مما تبقى من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة: 07 نزلاء – التخفيض من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة : 517 نزيلا – تحويل السجن المؤبد إلى السجن المحدد لفائدة: 02 نزيلين اثنين المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة سراح وعددهم 141 شخصا موزعين كالتالي:

    – العفو من العقوبة الحبسية أو مما تبقى منها لفائدة: 62 شخصا – العفو من العقوبة الحبسية مع إبقاء الغرامة لفائدة: 13 شخصا – العفو من الغرامة لفائدة: 59 شخصا – العفو من عقوبتي الحبس والغرامة لفائدة: 07 أشخاص المجموع : 667

    أبقى الله سيدنا المنصور بالله ذخرا وملاذا لهذه الأمة، ومنبعا للرأفة والرحمة، وأعاد أمثال هذا العيد على جلالته بالنصر والتمكين وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن وجميع أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنه سميع مجيب، والسلام”.

  • تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    في مفارقة صريحة وغريبة مع الموقف السياسي للدولة الذي أعلنته مدريد منذ 2022، فصلت منصة رسمية تابعة للحكومة الإسبانية الأقاليم الجنوبية عن باقي تراب المملكة، سواء في الخريطة أو في تصنيفاتها الإحصائية إذ أفرد المرصد الدائم للهجرة لما يسميه “الصحراء الغربية” ملفا مستقلا عن المغرب، فيما تذهب قواعد البيانات الحكومية أبعد من الفصل الجغرافي باستخدام توصيف “مواطنين من الصحراء الغربية” وإدراج الإقليم ضمن خانة “بلد الجنسية” وهو تصنيف صادر من داخل الإدارة الإسبانية يضعها أمام تناقض مع موقف حكومة بيدرو سانشيز.

    وبينما تواصل مدريد، على منصات الدبلوماسية الرسمية للبلاد وفي أروقة الأمم المتحدة، التمسك بموقفها المعلن منذ 14 مارس 2022، والقاضي باعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، خرجت المنصة التابعة للحكومة الإسبانية نفسها لتبرز هذا الشرخ العميق داخل الجهاز الإداري للدولة، والذي لم يعد ممكنا إخفاؤه أو ردّه إلى “خطأ فني” غير مقصود سيما وأن  الإدارة الإسبانية تشغّل، بصمت ودأب، سردية موازية تنفي ما اعترف به رئيس حكومتها في رسالته إلى جلالة الملك محمد السادس.

    ففي 16 يوليوز الجاري، حدّث المرصد الدائم للهجرة التابع لوزارة الضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، أداته الإحصائية المعروفة بـ”مؤشرات الهجرة حسب الجنسية”، وهي أداة تبدو للوهلة الأولى، بيروقراطية محضة تتضمن خرائط، جداول، قوائم منسدلة، مذكرة تفسيرية من 26 صفحة، لكن القراءة المتأنية لبنيتها والتي أجرتها “AM+MEDIA” تكشف أن المنصة ليست أداة محايدة لتوليد أرقام بل بنية سياسية إدارية كاملة تنتج، على مدار الساعة، سردية معاكسة تماما للموقف الرسمي للدولة الإسبانية.

    اللافت أن ما يقدم في الواجهة بوصفه “توصية فنية من المعهد الوطني للإحصاء (INE) وأوروستات”، وهي الحجة الدفاعية الجاهزة التي تضعها المنصة في تذييل خرائطها، ينهار عند أول اختبار.

    فالمنصة نفسها في تقريرها المخصص للصحراء، تعترف صراحة بأن “المعهد الوطني للإحصاء الإسباني لا يفرد الصحراء الغربية بخانة مستقلة، بل يدرج الأشخاص القادمين منها ضمن خانة ‘بلدان إفريقية أخرى’، أي أن المرصد الدائم للهجرة بشكل استثنائي ومقصود، خرج عن مرجعيته الإحصائية الوطنية ليتبنّى تصنيفا أشد حدة، وأكثر توافقا مع أطروحات جبهة البوليساريو الانفصالية منه مع الموقف الرسمي للدولة التي يشتغل تحت لوائها، والتي تدافع عن سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في أروقة الأمم المتحدة.

    هنا يطرح السؤال الأول الذي لن تستطيع مدريد التهرّب منه، سيما وأننا في قلب أزمة بين البلدين تتعلق أساسا بالهجرة، وهو من أعطى وزارة حكومية صلاحية الذهاب أبعد من التوصيات الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء، في اتجاه يناقض السياسة الخارجية للدولة؟

    ولم يعد ممكنا وصف ما نشرته المنصة واطلعت عليه “AM+MEDIA”، بأنه “زلّة إدارية أو تقنية”، فالفصل بين المغرب والصحراء جازم ومتعدد الطبقات، سواء على مستوى القائمة المنسدلة “بلد الجنسية” (País de nacionalidad)، التي تظهر “Marruecos” وما تصفه زورا بـ”Sahara Occidental” كخانتين مستقلتين ضمن 203 مداخل، وحين يختار المستخدم ما يوصف بـ”الصحراء الغربية”، يتم تصنيفها آليا كبلد ضمن منطقة “إفريقيا”، منفصل عن المغرب.

    على مستوى الخريطة التفاعلية، يطبع الإسمان جنبا إلى جنب كتسميتين مستقلتين، وحين ينقر المستخدم على المنطقة الجنوبية، تنقله المنصة إلى ملف منفصل تماما عن ملف المغرب.

    على مستوى الملفات والتقارير، للصحراء رابط خاص بها يتضمّن خمسة أقسام إحصائية، مقابل تقرير المغرب في المسار الذي يضم 13 قسما، أي أن الفصل ليس مجرد خانة في قائمة، بل بنية توثيقية موازية تنتج وثيقتين مستقلتين لدولة واحدة.

    على مستوى الملحق التفسيري الرسمي، وهذا هو الأخطر، يتضمّن الملحق الثاني من المذكرة التفسيرية جدولا ثلاثي الأعمدة يوزّع الأقاليم على بلدان الجنسية والمناطق الجغرافية، والفحص الدقيق الذي قامت به “AM+MEDIA” لهذا الجدول يكشف مفارقة لا تحتمل التأويل، فبورتوريكو تنسب إلى الولايات المتحدة، وكاليدونيا الجديدة، ومايوت، وريونيون تنسب إلى فرنسا، وجزر مالوين، وجزر العذراء تنسب إلى المملكة المتحدة.

    أما الصحراء المغربية فتنسب إلى نفسها، أي أن الأقاليم غير السيادية في العالم كلها تلحق، في وثائق مدريد نفسها، بدولها المدبِّرة، باستثناء وحيد ومقصود هو الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وهذا ليس تصنيفا فنيا بل موقفا سياسيا مرمزا في جدول إحصائي.

    وتذهب المنصة وفق ما عاينته “AM+MEDIA” أبعد من الفصل الجغرافي إلى إنتاج معجم سياسي بأكمله، فالتقرير المخصص للصحراء لا يتردد في استعمال عبارات من قبيل “الجنسية الصحراوية” “”nacionalidad saharaui” أو”مواطنو الصحراء الغربية”، و”أشخاص قادمون من الصحراء الغربية”، كما يقدّم أرقاما تفصيلية تكرّس هذا المعجم في المتخيل الإداري، بما فيها أن 1328 شخصا من “الجنسية الصحراوية” منخرطون في الضمان الاجتماعي الإسباني إلى غاية 29 ماي 2026، و13 شخصا من “مواطني الصحراء الغربية” طلبوا الحماية الدولية سنة 2025، و1472 شخصا “قادمون من الصحراء الغربية” طلبوا وضع اللاجئ عديم الجنسية خلال سنة 2024، أي 71% من إجمالي طلبات “انعدام الجنسية” في إسبانيا، و192 شخصا “من جنسية صحراوية سابقة” حصلوا على الجنسية الإسبانية منذ 2009.

    الأخطر أن المنصة تقرّ صراحة بأن السجل المركزي للأجانب “RCE” يقبل ما يصفه بـ”الصحراء الغربية” كبلد جنسية لصاحب وثيقة الإقامة، أي أن الدولة الإسبانية من خلال إدارتها الداخلية، تصدر وثائق رسمية تحمل شعارها تسجل فيها “جنسية صحراوية” لأشخاص هم وفق الاعتراف السياسي الذي أعلنته الحكومة نفسها مغاربة، وهذا ليس تفصيلا بيروقراطيا بل إنتاجا يوميا لواقع قانوني مضاد لموقف الدولة يتراكم منذ سنوات ويترسّخ في السجلات والملفات وقواعد البيانات.

    ثمة مفارقة إضافية تستحق التوقف، وهي أن التقرير نفسه يعترف بأن 82 بالمئة من الأشخاص الذين حصلوا في إسبانيا على وضع اللاجئ “عديم الجنسية” إلى غاية مارس 2026 ولدوا في الصحراء المغربية، أي أن الإدارة الإسبانية تستقبل وتنظّم وتحصي وتموّل  ضمنا بنية كاملة لمنح صفة “انعدام الجنسية” لأبناء إقليم تعترف حكومتها رسميا بمغربيته، وهو ما يعني بلغة السياسة أن دافع الضرائب الإسباني يموّل عبر آليات إدارية بنية إنتاجِ “لا مغربية” لا يقرّها موقف حكومته الرسمي.

    يكتسب هذا التناقض حدته حين يقرأ على خلفية التسلسل الدبلوماسي الذي راكمته مدريد منذ 2022، ففي 14 مارس 2022، وجّه بيدرو سانشيز رسالته الشهيرة إلى الملك محمد السادس، معلنا التحول التاريخي في موقف إسبانيا.

    وفي أبريل من السنة نفسها، اجتمع في الرباط مع الملك محمد السادس ليطلقا “مرحلة جديدة” في العلاقات الثنائية، كما أنه وفي فبراير 2023 رسّخ الاجتماع رفيع المستوى الثاني عشر بالرباط هذا الموقف في إعلان مشترك.

    و في 31 أكتوبر 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره التاريخي رقم 2797، الذي كرّس أن “حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يشكّل الحل الأكثر واقعية” لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، وتلاه ترحيب مدريد، في دجنبر من العام ذاته، بهذا القرار خلال الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر بالعاصمة الإسبانية، مؤكدة في النقطة الثامنة من الإعلان المشترك “التزامها بموقفها المعبر عنه منذ 7 أبريل 2022”.

    وهذا يعني، أن أربع سنوات وأربعة أشهر من البناء الدبلوماسي، التي توجه تحت مؤطر قرار أممي صريح يتحدث عن “السيادة المغربية”، رحّبت به مدريد رسميا، ومع ذلك، بعد ثمانية أشهر فقط من ذلك القرار، تحدّث وزارة إسبانية منصتها الرقمية، فتبقي على “الصحراء الغربية” بلد جنسية مستقلا وتبقي على “الجنسية الصحراوية” فئة إدارية سارية وتبقي على الخريطة المفصولة كما هي.

    ولا يحتمل هذا التناقض سوى قراءتين، كلتاهما تحرج الحكومة الإسبانية، الأولى، مفادها أن ما يجري هو عجز إداري عن ترجمة القرار السياسي إلى بنية تصنيفية، وهي قراءة إن قبلتها مدريد تفضح ضعف قبضة الحكومة على أجهزتها، وتطرح تساؤلا مؤسّسا حول جدية الالتزامات الإسبانية تجاه شراكتها الاستراتيجية مع الرباط،وهي الشراكة التي أعادت إحياء ملفات الهجرة والأمن والاستثمار والتبادل التجاري.

    القراءة الثانية الأشد خطورة، أن قطاعات داخل الإدارة الإسبانية، وربما داخل بعض الوزارات الحساسة، تمارس شكلا من المقاومة الصامتة للتحول الذي أقرّه رئيس الحكومة، وتواصل تشغيل بنى تصنيفية موروثة من الحقبة الاستعمارية وهي أن الصحراء كانت مستعمرة إسبانية حتى 1975 أو متأثرة بجماعات ضغط إسبانية تاريخيا هي قريبة من جبهة البوليساريو الانفصالية.

    هذه القراءة تحوّل السؤال إلى سياسي صرف حول هوية من يقف داخل الجهاز الإداري الإسباني ويقاوم قرار سانشيز ويسمح له بذلك، سيما وأن هذا يتزامن والأزمة بين البلدين بسبب ملف الهجرة، وإصرار الجانب الإسباني على الإبقاء على القاصرين غير المصحوبين فوق أراضيها رغم المطالب المتكررة للمغرب.

    وخطورة ما يحدث يكمن في أنه مع استمرار هذه المنصة الاشتغال بمعجمها الحالي، تنتج آثارا عملية، إذ تتراكم في السجلات الإسبانية آلاف الوثائق التي تثبت ما تصفه افتراء”جنسية صحراوية” لأشخاص يحمل أغلبهم قانونيا الجنسية المغربية، وهذه الوثائق ستتحول مع الزمن إلى مادة أرشيفية قانونية يمكن استعمالها في سياقات تقاض دولية أو في ملفات لجوء أو في نزاعات إدارية، لصالح أطروحات تناقض موقف الدولة الإسبانية المعلن.

    وتشكّل هذه المنصة أيضا مرجعا مفتوحا يستشهد به الباحثون والصحافيون والمنظمات غير الحكومية والبرلمانيون الأوروبيون كوثيقة حكومية إسبانية رسمية، أي أن الدولة الإسبانية تنتج ذخيرة حجج لخصوم الموقف الذي تتبناها هي نفسها.

    الأخطر، أن استمرار هذا الوضع يقدّم لكل الفاعلين الدوليين المتردّدين رسالة ضمنية مفادها أن الاعتراف الإسباني بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي قد لا يكون التزاما كاملا للدولة، بل موقفا سياسيا ظرفيا لرئيس الحكومة، قابلا للنقض من داخل جهازه الإداري.

    وفي العلاقات الدولية، السيادة تقاس بالتفاصيل، فحين توقّع دولة ما إعلانا مشتركا تقرّ فيه بأن الحكم الذاتي سيمارس “تحت السيادة المغربية”، وهي الصيغة التي استعادها الإعلان الأخير لمدريد في دجنبر 2025، فإن أدنى مستويات الاتساق تقتضي أن تنعكس هذه السيادة في وثائق الدولة، وفي خرائطها، وفي سجلاتها، وفي منصاتها الرقمية.

    ولا يكفي أن توقّع مدريد رسائل إلى الملك وبيانات في مجلس الأمن، وإعلانات مشتركة في القمم الرفيعة المستوى، فالمطلوب اليوم فعل إداري ملموس يكمن في حذف كل ما يمس بالوحدة الترابية للمغرب، بدمج تقارير المرصد الدائم للهجرة في وثيقة واحدة تعكس الوحدة الترابية للمملكة المغربية كما اعترف بها رئيس الحكومة الإسبانية.

  • أسرة المقاومة تخلد ذكرى ثورة الملك والشعب بالرباط

    أسرة المقاومة تخلد ذكرى ثورة الملك والشعب بالرباط

    خلدت أسرة المقاومة وأعضاء جيش التحرير، اليوم الخميس بالفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالرباط، الذكرى الـ 73 لثورة الملك والشعب بتنظيم مهرجان خطابي وندوة علمية ألقيت خلالها كلمات وعروض وشهادات حول هذا الحدث التاريخي البارز.

    وأكد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، في كلمة بالمناسبة، أن ثورة الملك والشعب تعد ملحمة تاريخية خالدة جسدت أسمى معاني التلاحم والتعاضد والتآزر بين العرش العلوي المنيف والشعب المغربي الأبي دفاعا عن حرية الوطن واستقلاله ووحدته.

    وقال السيد الكثيري “ونحن نحتفي بهذه الذكرى الغراء، نستحضر وإياكم اليوم، المواقف الثابتة والراسخة لرجال أوفياء لم يتوانوا لحظة واحدة في الاستجابة لنداء الوطن، مجسدين أدوارهم النضالية الوطنية بشجاعة وشهامة وعزم وإصرار واستماتة وتفاني”، مبرزا أن الأمر يتعلق بمناسبة للناشئة والأجيال الجديدة والمتعاقبة لاستلهام دروسها وعبرها لتتربى على محبة الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه، وبمدخل أساسي لترسيخ قيم الوطنية الحقة والمواطنة الإيجابية في وجدانها وأذهانها وتأهيلها لمواجهة التحديات الراهنة ولكسب الرهانات المستقبلية.

    وأضاف أن هذا الاحتفال يشكل مناسبة لاستحضار ملف القضية الوطنية الأولى، “قضية الوحدة الترابية المقدسة للتأكيد على التعبئة المستمرة واليقظة الموصولة لأسرة المقاومة وجيش التحرير كسائر فئات وأطياف المجتمع المغربي والإجماع الوطني وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس من أجل صيانة وحدتنا الترابية وتثبيت مكاسبنا الوطنية”.

    وأكد في هذا السياق، أن يوم 31 أكتوبر 2025 شكل انتصارا تاريخيا مجيدا إثر اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير وإجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي “كأساس وحيد ومرجع أوحد لكل تفاوض”، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من كل الأطراف.

    ونوه السيد الكثيري بما راكمته المبادرة المغربية للحكم الذاتي من دعم دولي متزايد، وبما تشهده مواقف عدد من الدول من تطور في اتجاه مساندة حل سياسي واقعي وجاد وذي مصداقية في إطار السيادة المغربية، حيث أعلنت العديد من دول العالم ومن مختلف القارات الخمس، سحب اعترافها بالكيان الانفصالي ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية النزاع.

    وتضمنت فعاليات المهرجان الخطابي تكريم 12 من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وتوزيع إعانات مالية وإسعافات اجتماعية على عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأرامل المتوفين منهم، المنتمين لعمالتي الرباط وسلا.

  • المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    تحولت أزمة سبتة من ملف حدودي بين المغرب وإسبانيا إلى اختبار سياسي وقانوني لحكومة بيدرو سانشيز داخل إسبانيا وأمام الاتحاد الأوروبي نفسه، فبعدما بنت مدريد خطابها منذ موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز على إعادة الوافدين بطريقة غير نظامية إلى المغرب ومنع انتقالهم إلى شبه الجزيرة، تستعد الحكومة الإسبانية اليوم لنقل نحو 500 فتاة قاصر غير مصحوبة من سبتة إلى البر الإسباني، في خطوة تأتي بينما تطالب الرباط باستعادة قاصريها وتدفع بروكسيل بدورها نحو تسريع عمليات العودة في إطار القانون الأوروبي.

    ويعني نقل 500 قاصرة إلى شبه الجزيرة كما قررته الحكومة الإسبانية، أن الأزمة التي حرصت مدريد منذ البداية على إبقائها داخل حدود سبتة ستعبر فعليا إلى الداخل الإسباني، ولو تحت مظلة حماية الطفولة، كما يكشف عن تعدد مراكز القرار داخل الحكومة نفسها، فوزارة الخارجية تتحدث عن العودة إلى المغرب وحماية فضاء شنغن، بينما تبني وزارة الشباب والطفولة مسارا آخر أساسه استقبال القاصرين وتوزيعهم على الأقاليم وتقييم وضعية كل طفل على حدة.

    وتعمل وزارة الشباب والطفولة الاسبانية، على نقل عاجل لنحو 500 فتاة مع بحث صيغ مختلفة لاستقبالهن، بينها التوزيع على الأقاليم ذاتية الحكم والإيواء الأسري والاستعانة بمنظمات حماية الطفولة لتدبير الحالات الأكثر هشاشة في مرافق متخصصة بالبر الرئيسي، من دون اشتراط نقل الوصاية في جميع الحالات إلى الإقليم المستضيف.

    وتجد مدريد نفسها أمام معادلة دقيقة، فالمغرب يعرض التعاون لاستعادة القاصرين المغاربة، وطالب في أكثر من مناسبة بذلك وبنبرة شديدة على لسان وزير العدل عبد اللطيف وهبي، كما أن بروكسيل تؤيد بدورها تفعيل العودة بالنسبة إلى الموجودين بصورة غير قانونية، فضلا عن حكومة سبتة التي تتمسك بالمسار نفسه.

    وكل ذلك، بينما تتحرك الحكومة الاسبانية المركزية لنقل مئات القاصرات في الاتجاه المعاكس جغرافيا، من الحدود مع المغرب إلى عمق الأراضي الإسبانية.

    وعد بالعودة لم يصمد طويلا

    قبل أيام فقط، كان خطاب مدريد أكثر حسما ويبرز جليا هذا التناقض، ففي 11 غشت انتقل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى سبتة المحتلة، وبعد اجتماعه برئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، أكد أن جميع من دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية سيعودون إلى المغرب.

    وربط ألباريس هذا الموقف بما وصفه بـ”الإرادة الصريحة” التي أبدتها الرباط لاستعادة مواطنيها، كما شدد على أن أحدا من المهاجرين لم يصل إلى شبه الجزيرة، في رسالة أراد من خلالها تأكيد حماية حدود شنغن وعدم تحول سبتة إلى ممر نحو أوروبا.

    وفي الحكومة نفسها، ذهب وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان فيليكس بولانيوس إلى أن الأولوية بالنسبة إلى القاصرين الذين عبروا إلى سبتة هي عودتهم إلى أسرهم في المغرب.

    لكن هذا الخط اصطدم سريعا بحقيقة مختلفة على الأرض، فالقاصر غير المصحوب لا يخضع للمسار نفسه الذي يخضع له المهاجر البالغ، ولا تكفي وضعيته الإدارية غير النظامية لاتخاذ قرار فوري بإعادته.

    وبمجرد تحديده باعتباره قاصرا غير مصحوب، تدخل منظومة حماية الطفولة إلى جانب قانون الهجرة، وتصبح المصلحة الفضلى للطفل ووضعه الأسري، وضمانات استقباله عناصر حاسمة في تحديد مصيره، ومن هنا بدأ خطاب مدريد يتشعب.

    الرباط تضع استعادة القاصرين على الطاولة

    المغرب، في المقابل، لم يكتف بإعلان استعداده لقبول عمليات إعادة البالغين، بل وضع ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين في صدارة مطالبه.

    في 6 غشت، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا وباقي الدول الأوروبية لتحديد هوية القاصرين المغاربة الموجودين لديها والعمل على إعادتهم، في موقف جاء تنفيذا لتعليمات ملكية سامية لوزارتي الداخلية والشؤون الخارجية لتسهيل هذه العملية.

    وبعد أربعة أيام، رفع وزير العدل عبد اللطيف وهبي سقف الموقف المغربي، مؤكدا تمسك المملكة باستعادة الأطفال والقاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا حديثا إلى سبتة، وأن المغرب سيتحرك في هذا الملف عبر القنوات القانونية والسياسية.

    وقال وهبي إن المغرب “لن يتخلى” عن أطفاله وشبابه ومراهقيه، بينما ربطت الرباط تعثر عمليات الإعادة بوجود عراقيل قضائية وإدارية في الجانب الإسباني.

    الموقف ليس جديدا بالكامل، ففي 2024 خلال زيارة رئيس حكومة جزر الكناري فرناندو كلافيخو إلى الرباط، أبدى وزير الخارجية ناصر بوريطة استعداد المغرب لاستعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين، مع الإشارة آنذاك أيضا إلى صعوبات قانونية مرتبطة بتنفيذ عمليات العودة.

    الجديد هذه المرة هو السياق والحجم، فالمطلب المغربي جاء مباشرة بعد أكبر موجة عبور عرفتها سبتة وتردد مرارا بشكل رسمي، وفي الوقت الذي تواجه فيه المدينة ضغطا غير مسبوق على مرافق استقبال الأطفال.

    من 1100 إلى أكثر من ألفي قاصر

    الأرقام نفسها تكشف سرعة تحول الملف، ففي 6 غشت، كانت التقديرات تشير إلى وجود نحو 1100 قاصر غير مصحوب في سبتة، بعضهم وصل خلال موجة نهاية يوليوز وبعضهم كان موجودا قبلها.

    وفي 7 غشت، تحدثت المعطيات الإسبانية عن تسجيل 1342 قاصرا، بينما كانت مرافق مخصصة أصلا لاستقبال نحو 90 طفلا تستوعب أعدادا تفوق قدرتها بكثير.

    وبحلول الثلاثاء 18 غشت، ارتفع عدد القاصرين الذين حددت الشرطة الوطنية هوياتهم وسلمتهم إلى حكومة سبتة إلى 2168 قاصرا، وفق المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”.

    هذا الارتفاع السريع نقل المشكلة من تدبير مجموعة محدودة من الأطفال إلى أزمة حماية اجتماعية وقانونية واسعة داخل مدينة صغيرة المساحة والإمكانات.

    ولهذا بدأت مدريد، منذ الأيام الأولى للأزمة، إعداد سيناريو لنقل القاصرين إلى شبه الجزيرة، وفي 7 غشت قالت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو إن الحكومة تأمل تنفيذ عمليات النقل خلال أسابيع مع إعطاء الأولوية للفتيات والأطفال دون 13 سنة، ودراسة كل حالة بصورة فردية.

    الفتيات أولا

    ولا يشكل اختيار 500 فتاة تحديدا تفصيلا في الخطة، فالأزمة الإنسانية داخل سبتة أظهرت أن الفتيات والنساء من أكثر الفئات هشاشة في ظروف الاستقبال التي أعقبت موجة العبور.

    ولهذا وضعت السلطات القاصرات في فضاءات آمنة ومنفصلة بعد الإبلاغ عن اعتداءات جنسية، بينما أصبحت حمايتهن إحدى الأولويات المعلنة للحكومة.

    وتستند مدريد إلى هذه الوضعية لتبرير إخراجهن بصورة عاجلة من سبتة، ومن وجهة نظر وزارة الشباب والطفولة لا يتعلق الأمر بفتح طريق للمهاجرين نحو شبه الجزيرة بل بنقل أطفال خاضعين لحماية الدولة من فضاءات وصلت إلى حدود قدرتها الاستيعابية إلى مرافق تستطيع توفير شروط أفضل للرعاية.

    سياسيا، نقل 500 قاصر إلى البر الرئيسي يناقض الصورة التي حاولت مدريد تثبيتها بعد الأزمة، ومفادها أن سبتة لن تكون جسرا نحو شبه الجزيرة.

    أما قانونيا، فتستطيع الحكومة الاستناد إلى قواعد حماية الطفولة لتقول إن وضع القاصر لا يمكن اختزاله في طريقة دخوله الأراضي الإسبانية.

    المصلحة الفضلى للطفل” تغير قواعد الأزمة

    في 8 غشت، حددت سيرا ريغو المبدأ الذي ستتعامل به وزارتها مع القاصرين، فالأولوية بحسبها، هي لم الشمل العائلي كلما كان ذلك ممكنا ومتوافقا مع المصلحة الفضلى للطفل.

    واللافت أن لم الشمل الذي تحدثت عنه الوزيرة لا يعني بالضرورة البقاء في إسبانيا، فقد أوضحت الحكومة رسميا أن الأسرة قد تكون موجودة في بلد الأصل أو في إقليم إسباني آخر أو في دولة أوروبية، وأن مكان الأسرة ووضع الطفل هما اللذان يحددان المسار.

    أما الأطفال الذين لا تتوفر لهم أسر يمكن إسنادهم إليها، فتتحمل السلطات المختصة مسؤولية الوصاية عليهم وضمان حقوقهم، وهذه القاعدة تجعل عرض المغرب لاستعادة القاصرين عنصرا مهما، لكنه لا يحسم الملفات بصورة جماعية.

    فوجود استعداد رسمي من بلد الأصل لاستقبال مواطنيه يزيل عقبة سياسية كانت تعقد عمليات العودة، لكنه لا يلغي المسطرة التي تفرض على السلطات الإسبانية التحقق من هوية الطفل ووضع أسرته وشروط استقباله، ومدى توافق إعادته مع مصلحته الفضلى.

    25 مليون يورو و”استقبال تضامني

    مع اتساع الأزمة، انتقلت الحكومة الإسبانية من تدبير الطوارئ داخل سبتة إلى توزيع العبء على بقية البلاد، ففي 10 غشت، أعلنت سيرا ريغو عن عقد اجتماع عاجل مع الأقاليم ذاتية الحكم، وعن اعتماد استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لفائدة سبتة، إضافة إلى إرسال فريق تقني من الوزارة للمساعدة على تسريع إجراءات ما تسميه مدريد “الاستقبال التضامني” للقاصرين غير المصحوبين.

    وقد أعلنت عدة أقاليم رفضها استقبال القاصرين القادمين من موجة سبتة، فيما اتهمتها الحكومة المركزية بنقص التضامن، ووصل الخلاف إلى النيابة العامة.

    ففي 7 غشت، أصدرت المدعية العامة للدولة تيريزا بيراماتو توجيهات لضمان حماية القاصرين الموجودين في سبتة، وأمرت المدعين المختصين بشؤون القاصرين بالتحرك إذا رفضت الأقاليم تنفيذ ترتيبات توزيعهم واستقبالهم.

    ولم تعد أزمة القاصرين بهذا المعنى مواجهة بين الرباط ومدريد فقط، بل أصبحت أيضا مواجهة داخل إسبانيا حول الجهة التي ستتحمل مسؤولية الأطفال وكلفة استقبالهم.

    بروكسيل تدفع نحو العودة

    وسط هذا التعقيد الداخلي، دخل الاتحاد الأوروبي على الخط بموقف زاد من حدة التناقض، ففي 18 غشت، قالت المفوضية الأوروبية إن الأولوية تتمثل في أن تعمل السلطات الإسبانية والمغربية على إبقاء الوضع تحت السيطرة وضمان العودة السريعة للأشخاص، الذين ما زالوا موجودين بصورة غير قانونية في سبتة.

    المتحدث باسم المفوضية ماركوس لامرت وضع عمليات العودة ضمن الإطار القانوني الأوروبي، وأشار إلى “توجيه العودة” وإلى النظام الأوروبي الجديد الذي سيؤطر عمليات الإعادة مستقبلا، لكن وبعد يوم واحد، كانت وزارة الشباب والطفولة الإسبانية تدفع نحو خطة لنقل 500 قاصرة في الاتجاه المعاكس إلى شبه الجزيرة.

    حكومة واحدة بخطابين

    هذا الوضع أظهر انقساما في الأولويات داخل الجهاز التنفيذي الإسباني نفسه، فوزارة الخارجية تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملف حدود وهجرة وعلاقة مع المغرب وأمن فضاء شنغن، وعلى هذا الأساس جاءت تصريحات وزير الخارجية ألباريس بأن جميع من دخلوا بصورة غير نظامية سيعودون، وأن أحدا لم ينتقل إلى شبه الجزيرة.

    أما وزارة الشباب والطفولة فتتعامل مع جزء من الأشخاص أنفسهم باعتبارهم أطفالا تحت الحماية القانونية للدولة، لا مجرد مهاجرين في وضعية غير نظامية.

    حكومة سبتة من جانبها، التقطت هذا التحول مبكرا، ولذلك رفضت إعطاء الانطباع بأنها وافقت على خطة نقل 500 فتاة، كما أن إدارة خوان خيسوس فيفاس تتمسك بأن الأولوية هي عودة من دخلوا خلال موجة نهاية يوليوز إلى المغرب، بمن فيهم القاصرون متى سمحت المساطر بذلك.

    يذكر، أن هذا الموقف يجد دعما في المعارضة اليمينية، فالحزب الشعبي يطالب مدريد بتفعيل الاتفاقات مع الرباط وتسريع عمليات العودة، ويستند إلى استعداد المغرب لاستقبال قاصريه ليجادل بأن لم الشمل العائلي داخل بلد الأصل يمكن أن يكون، في الحالات التي تسمح بذلك، أكثر اتساقا مع المصلحة الفضلى للطفل من نقله إلى مركز آخر داخل إسبانيا.

  • خريبكة تخلد ذكرى مظاهرة وادي زم وانتفاضة السماعلة وبني خيران

    خريبكة تخلد ذكرى مظاهرة وادي زم وانتفاضة السماعلة وبني خيران

    خلدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أمس الأربعاء بخريبكة، الذكرى الحادية والسبعين لمظاهرة وادي زم وانتفاضة قبائل السماعلة وبني خيران، التي شكلت محطة تاريخية وازنة في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال.

    وشكل هذا اللقاء، الذي احتضنه المركب الثقافي محمد السادس، مناسبة لاستحضار صفحات من تاريخ الكفاح الوطني والتضحيات التي قدمها أبناء المنطقة دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية، والتأكيد على قيم الوطنية والتلاحم الوثيق بين العرش والشعب.

    وأكد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، في كلمة بالمناسبة، أن هذه الانتفاضات الشعبية، التي اندلعت يومي 19 و20 غشت 1955، تزامنا مع الذكرى الثانية لنفي جلالة المغفور له محمد الخامس، شكلت محطة وازنة ومفصلية في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال.

    وأبرز أن أبناء وبنات هذه الربوع نظموا مظاهرات حاشدة وخاضوا أعمالا فدائية، مقدمين تضحيات جسيمة في سبيل عودة جلالة المغفور له محمد الخامس إلى أرض الوطن وتحقيق الاستقلال.

    وفي ارتباط بالسياق الراهن، شدد الكثيري على أن تخليد هذه الذكرى يتزامن مع الدينامية التي تشهدها قضية الوحدة الترابية للمملكة، وما حققته المملكة من مكتسبات دبلوماسية، منوها بالزخم الدولي المتنامي الداعم لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي.

    من جهته، أبرز الكاتب العام لعمالة إقليم خريبكة، المصطفى الحصار، أن تخليد هذه الذكرى يتزامن مع احتفال الشعب المغربي بالذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب المجيدة، التي تجسد أسمى صور التلاحم بين العرش والشعب، وتستحضر صفحة مشرقة من الكفاح الوطني دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية.

    وأشاد بمبادرة المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بإحياء هذه الذكرى، مبرزا أن تخليدها يجسد تمسك أبناء هذه الربوع بالعرش العلوي المجيد، ويبرز التضحيات التي قدموها دفاعا عن السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.

    وخلص المتدخلون إلى أن تخليد هذه الذكرى الوطنية يشكل مناسبة لاستحضار بطولات أبناء المنطقة وتضحياتهم، واستلهام قيم الوطنية والتضحية ونكران الذات، بما يسهم في صون الذاكرة الوطنية وتعزيزها لدى الأجيال الصاعدة.

    وتميز هذا اللقاء بتكريم عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، تقديرا لما قدموه من تضحيات وأعمال في سبيل الوطن، إلى جانب توزيع إعانات ومساعدات على عدد من المنتمين إلى أسرة المقاومة وجيش التحرير، في إطار العناية الموصولة بهذه الأسرة.