التصنيف: ديكريبتاج

  • من النمو إلى السيادة.. خطاب العرش يُحدِّد محركات المرحلة التنموية المقبلة

    من النمو إلى السيادة.. خطاب العرش يُحدِّد محركات المرحلة التنموية المقبلة

    وضع جلالة الملك محمد السادس الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في سياق أوسع من مجرد التداول الحكومي، معلنا التطلع إلى إطلاق دورة جديدة في المسار التنموي للمغرب، تقوم على تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى، بالتوازي مع تعزيز السيادة الوطنية وتوسيع استفادة مختلف الفئات والمجالات الترابية من ثمار النمو.

    ولم يقدم خطاب الذكرى الـ27 لاعتلاء الملك عرش أسلافه الميامين الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في 23 شتنبر، باعتبارها محطة سياسية معزولة، بل ربطها بانطلاق مرحلة جديدة في المسار التنموي للمملكة، تستند، بحسب منطوق الخطاب الملكي، إلى ما راكمه المغرب خلال السنوات الماضية من مكتسبات اقتصادية واجتماعية، وتتطلع في الوقت نفسه إلى تسريع المشاريع والإصلاحات الكبرى بعد انبثاق حكومة جديدة.

    وفي هذا السياق، قال جلالة الملك في الخطاب الذي وجهه إلى شعبه الوفي مساء اليوم الأربعاء، إننا “نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.

    ويكشف هذا التوجيه أن المرحلة المقبلة ستقوم على منطق الاستمرارية الاستراتيجية، مع منح الحكومة والبرلمان المقبلين مسؤولية تحويل التوجهات الكبرى إلى سياسات عمومية ونتائج ملموسة، إذ شدد جلالته على أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، باعتبارها حصيلة تراكمات متوالية واختيارات استراتيجية للدولة.

    وتؤكد ياسمين حسناوي، الأستاذة بجامعة الحسن الأول بسطات والمتخصصة في قضايا شمال إفريقيا، أن الخطاب الملكي يشكل خطابا للتثبيت والاستشراف في آن واحد، إذ لم يكتف جلالة الملك محمد السادس باستعراض حصيلة المنجزات، بل أكد أن الاختيارات الاستراتيجية التي تبناها منذ أكثر من ربع قرن بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس مما يعزز مكانة المملكة إفريقيا ودوليا”.

    الاستقرار أساس الصعود الاقتصادي

    واحتل مفهوم السيادة الوطنية موقعا مركزيا في الخطاب الملكي، إذ جرى تقديم الصعود الاقتصادي للمغرب باعتباره أكثر من مجرد تحسن في مؤشرات النمو أو ارتفاع في حجم الاستثمارات، حيث أصبح المسار الاقتصادي، وفق الرؤية التي عرضها جلالة الملك، أداة لتعزيز استقلالية القرار الوطني وتقوية قدرة المملكة على مواجهة التقلبات والأزمات الدولية.

    وأكد الملك أنه “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”.

    ويقوم هذا التصور على علاقة مترابطة بين الاستقرار السياسي والمؤسساتي من جهة، وتحسين جاذبية الاقتصاد الوطني من جهة ثانية، إذ اعتبر العاهل المغربي أن المملكة تمكنت من ترسيخ مكانتها باعتبارها فاعلا دوليا موثوقا وشريكا مطلوبا، بما يسمح لها بتنويع شراكاتها وطرح عروض تعاون جديدة تقوم على التوازن والتوجه نحو المستقبل.

    وتتأكد هذه الرؤية في ظل سياق عالمي وصفه الخطاب بعودة السياسات الحمائية وتزايد الاهتمام بتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، ما دفع المغرب إلى جعل تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورا للتنمية الصناعية، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي والدوائي والطاقي والدفاعي.

    وتوضح الأستاذة الجامعية في هذا السياق، أن خطاب العرش لسنة 2026 يرتكز على ثلاثة رسائل أساسية، هي أن الاستقرار أساس التنمية، والسيادة بمختلف أبعادها أصبحت محورا رئيسيا لسياسات العمومية، وأخرها أن التصنيع والابتكار والاقتصاد الأخضر تمثل المحركات الجديدة للنمو الاقتصادي.

    وأبرزت حسناوي أن الخطاب الملكي يقدم صورة لمغرب واثق من إمكانياته، ويراهن على الاستثمار في الإنسان، ويعزز مكانته كقوة إقليمية صاعدة، ليس فقط بالمنجزات الاقتصادية، ولكن أيضا عبر استراتيجية بعيدة المدى، تجمع بين التنمية والسيادة والانفتاح على العالم.

    اقتصاد وطني صاعد متعدد الرافعات

    وقدم الخطاب مجموعة من المؤشرات التي تعكس، وفق منطوقه، تحولا تدريجيا في بنية الاقتصاد المغربي، إذ أشار جلالة الملك إلى بلوغ نسبة النمو نحو 4.9 في المئة خلال سنة 2025، مع توقع بلوغ المعدل نفسه أو تجاوزه في سنة 2026، بالتزامن مع موسم فلاحي جيد وتساقطات مطرية ساهمت في تعزيز الأمنين المائي والغذائي.

    غير أن أبرز ملامح التحول الاقتصادي تظهر في صعود قطاعات صناعية جديدة أصبحت تحتل موقعا متقدما داخل النسيج الإنتاجي الوطني، إذ أضحت السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، بحسب الخطاب، ركائز أساسية لجذب الاستثمارات الخارجية وخلق الثروة وفرص الشغل.

    وأشار جلالة الملك إلى أن المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقترب من مليون سيارة سنويا، فيما أضحت صادرات قطاعي السيارات والطيران تمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الصادرات، متقدمة على صادرات الفوسفاط.

    وتؤشر هذه المعطيات على انتقال الاقتصاد الوطني من الاعتماد الكبير على القطاعات والمنتجات التقليدية إلى قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا وارتباطا بالصناعات العالمية، في وقت يشكل إطلاق مصانع متخصصة في صناعة محركات الطائرات وأنظمة هبوطها يضع المغرب، وفق الخطاب، داخل دائرة محدودة من الدول التي تتوفر على مراكز صناعية متقدمة في هذا المجال.

    وفي الاتجاه نفسه، يراهن المغرب على الطاقات المتجددة لتقوية أمنه الطاقي وجذب الصناعات الباحثة عن طاقة تنافسية وخالية من الكربون، في إطار تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر”.

    وترى ياسمين حسناوي في هذا أن الخطاب الملكي أبرز بوضوح أن المغرب لم يعد يعتمد فقط على الفلاحة أو الفوسفاط فقط، بل أصبح اقتصادا صناعيا تكنولوجيا، يتجه نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مشيرة إلى أن هذا التوجه حول المغرب إلى أول مصدر للسيارات في إفريقيا.

    وذكرت في السياق ذاته قطاع الطيران، إذ لم يعد المغرب يكتفي بتصنيع الأجزاء البسيطة، بل أصبح يساهم في صناعة بعض أجزاء محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، ما يعكس انتقال الصناعة المغربية إلى مستويات تكنولوجية متقدمة.

    وسجلت الأكاديمية ذاتها أن جلالة الملك محمد السادس أولى عناية خاصة لـ”مفهوم السيادة الوطنية، ليس بمعناها الترابي فقط، وإنما أيضا السيادات الصناعية والغذائية والدوائية والطاقية والتكنولوجية”، مبرزة أن بلادنا عملت على تطوير الصناعات الدوائية والغذائية من أجل تقليص الاعتماد على الخارج، خاصة بعد الدروس التي تعلمناها من جائحة كوفيد والأزمات الدولية.

    وأكدت حسناوي أن الخطاب الملكي تحدث أيضا عن تطوير قاعدة صناعية وطنية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، مشيرة إلى أنه أمر “يعكس رؤية استراتيجية تروم تعزيز السيادة التكنولوجية للمغرب وتنويع الشراكات مع الدول الرائدة في هذا المجال”.

    التحدي الاجتماعي والترابي

    على الرغم من الحضور القوي للمؤشرات الاقتصادية والصناعية، لم يفصل الخطاب الملكي السامي بين النمو الاقتصادي والبعد الاجتماعي، إذ أكد جلالة الملك مواصلة تنزيل برامج التنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية، بهدف تحسين ظروف عيش المغاربة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

    وفي هذا الإطار، شدد الملك على “ضرورة التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة”، مع الحرص على أن تشمل جميع المناطق والجهات دون استثناء.

    وتوضح الأستاذة الجامعية أن خطاب الذكرى الـ27 لعيد العرش حمل شقا اجتماعيا مهما، لأن جلالة الملك محمد السادس أكد أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تكتمل إلا إذا انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين.

    وأضافت ياسمين حسناوي أن جلالته شدد على “ضرورة مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية الإجبارية والدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب الاستثمار في الصحة والتعليم وأيضا تقليص الفوارق المجالية بين مختلف جهات المملكة”.

    من تلقي العروض إلى صناعة الشراكات.. المغرب شريك موثوق

    ولم يفت الخطاب الملكي إبراز التحول الذي عرفه موقع المغرب داخل محيطه الدولي، إذ لم تعد المملكة تقدم نفسها فقط باعتبارها بلدا مستقرا وجاذبا للاستثمارات، بل فاعلا اقتصاديا يمتلك القدرة على بناء شراكات متوازنة، وصياغة مبادرات تعاون مرتبطة بالتحولات الدولية الكبرى.

    وأكد جلالة الملك محمد السادس أن المغرب تمكن من “ترسيخ مكانته كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع”، مضيفا أن المملكة أصبحت “فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل”.

    ويشير الخطاب إلى انتقال المغرب من موقع المتلقي لعروض التعاون إلى موقع الشريك المبادر، القادر على مساءلة شركائه “بكل ثقة ووضوح”، وتقديم عروض شراكة بناءة ومبادرات تعاون واعدة بشأن القضايا الثنائية والدولية الكبرى.

    هذا التحول، وفق الأستاذة الجامعية المتخصصة في قضايا شمال إفريقيا، يعكس ارتفاع القيمة الاستراتيجية للمملكة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن تطور قاعدتها الصناعية والطاقية والمالية والسياحية.

    وتوضح في هذا السياق أن خطاب العرش أكد أن المغرب أصبح شريكا موثوقا، ويحظى بالاحترام على الساحة الدولية، ويتجلى ذلك في تعزيز وتنويع الشراكات الدولية، وتقوية العلاقات مع فرنسا أمريكا ودول الخليج وإسبانيا، ودول أخرى، إلى جانب الحضور الاقتصادي المتزايد في البلدان الإفريقية، مشيرة إلى أن دول مثل فرنسا أصبحت تعول على المغرب لمساعدتها لربط علاقات مع الدول الإفريقية، نظرا للوزن الاقتصادي القوي للملكة في القارة.

    وأبرزت الدكتورة ياسمين حسناوي أن هذا التوجه والثقة الدولية في المغرب، حسبها، يندرجان أيضا ضمن مبادرة الملك لتمكين دول الساحل لولوج المحيط الأطلسي باعتباره مشروعا استراتيجيا يجسد رؤية المملكة لإرساء تعاون إقليمي قائم على التنمية المشتركة.

  • حزب الأصالة والمعاصرة يشيد بالخطاب الملكي: الاستقرار والتنمية الترابية وتحصين المكاسب في صلب رسائل جلالة الملك

    حزب الأصالة والمعاصرة يشيد بالخطاب الملكي: الاستقرار والتنمية الترابية وتحصين المكاسب في صلب رسائل جلالة الملك

    تابع حزب الأصالة والمعاصرة باهتمام شديد، مضمون الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى الأمة، مساء اليوم الأربعاء، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، وذلك في بلاغ صادر عن الحزب اعتبر فيه أن الخطاب حمل “الكثير من المنجزات والرسائل البليغة”، سواء على المستوى الوطني، عبر إبراز التطور الذي تعيشه البلاد على مختلف الأصعدة في محيط دولي وإقليمي مطبوع بالتقلبات أو على المستوى الدولي، من خلال تكريس مكانة المغرب كفاعل دولي موثوق ومحترم ومسموع الصوت، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن جلالة الملك لم يغفل الإشارة إلى التحديات التي تواجه مستقبل هذه الأمة العريقة

    وفي مستهل بلاغه، تقدم حزب الأصالة والمعاصرة بأحر التهاني وأجمل التبريكات لجلالة الملك وللشعب المغربي قاطبة بهذه المناسبة الوطنية الغالية، معتزا بما تحقق من تطور خلال العهد الزاهر لجلالته، معتبرا هذه المحطة الوطنية لحظة أساسية لتجديد روابط البيعة والوفاء العميق بين العرش والشعب.

    وأعرب الحزب عن اعتزازه بالمنجزات التي حققتها البلاد في مختلف المجالات، لاسيما الفلاحية والطاقية والصناعية والسياحية والمالية، إلى جانب تأمين السيادة الغذائية والدوائية للمغرب، وذلك بفضل الإرادة الملكية العظيمة التي لا تقتصر على تطوير البلاد فحسب، بل تسعى أيضا إلى خدمة الشعب وتمكينه من حياة حرة وكريمة، بحسب البلاغ.

    وقدّر الحزب عاليا دعوة جلالة الملك الكريمة إلى التحلي بخطاب الثقة والتفاؤل، عوض خطابات اليأس والإحباط، معتبرا هذا التوجه الملكي مدخلا أساسيا لكسب تحديات المرحلة الفاصلة التي تعيشها البلاد في مسارها التنموي.

    كما عبّر الحزب عن افتخاره بدور جلالة الملك في استتباب الأمن والاستقرار السياسي الذي تنعم به البلاد، وبنجاعة عمل مؤسسات الدولة وتعاونها وانسجامها، وما لذلك من أثر في تعزيز عمل الدولة من أجل مواصلة الإنجازات ورفع التحديات.

    وأشار البلاغ إلى اعتزاز الحزب بتأكيد جلالة الملك من جديد على ضرورة مجابهة الفوارق المجالية، عبر التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل كل المناطق والجهات، مثمنا كذلك دعوة جلالته، القطاع المالي الوطني إلى الانخراط الجدي في هذه الأوراش التنموية.

    واعتبر حزب الأصالة والمعاصرة أن التطور الذي تشهده البلاد اليوم هو ثمرة سنوات من التراكمات الإيجابية المبنية على التوجيهات الاستراتيجية والاختيارات السديدة لجلالة الملك، مؤكدا وعيه التام بالتحديات المطروحة، واستمراره في الانخراط الوطني القوي والمسؤول وراء جلالة الملك في المرحلة المقبلة، التي يتمنى جلالته، أن تشكل دورة جديدة في المسار التنموي لتحصين المكاسب ومواصلة الإصلاحات.

    وفي ختام بلاغه، وجّه حزب الأصالة والمعاصرة تحية إجلال وإكبار للقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والإدارة الترابية والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية على تجندها الدائم وراء القيادة الرشيدة لجلالة الملك، دفاعا عن استقرار الوطن وأمنه ووحدته.

  • جلالة الملك: نتطلع بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي

    جلالة الملك: نتطلع بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي

    رسم خطاب العرش ملامح مرحلة سياسية وتنموية جديدة في المغرب، تنطلق بعد الانتخابات التشريعية المرتقبة وتشكيل الحكومة المقبلة، ولا تقوم على القطع مع المنجزات السابقة، بل على تحصينها وتسريع الإصلاحات والمشاريع الكبرى.

    ووضع الخطاب الملكي السامي الاستحقاق الانتخابي في قلب انتقال مؤسساتي أوسع، يجعل المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين على تحويل التراكمات المحققة إلى نتائج ملموسة في التشغيل والعدالة الاجتماعية والمجالية.


    وأكد جلالة الملك محمد السادس أن مسارا تنمويا جديدا ينتظر المغرب بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في 23 شتنبر المقبل، مشددا على أن المغرب عرف صعودا اقتصاديا مهما يقوي السيادة الوطنية جراء ما ينعم به من أمن واستقرار، ونجاعة المؤسسات.

    وقال مساء اليوم الأربعاء في خطاب وجهه إلى شعبه الوفي، بمناسبة عيد العرش المجيد الذي يصادف الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين، “إننا نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.

    وأشار جلالة الملك إلى أنه “تمكنا، بعون الله وتوفيقه، من ترسيخ مكانة المغرب كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع، فالمغرب اليوم ، أصبح فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل، وهو ما مكنه أن يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه، وأن يطرح عروض شراكات بناءة، ومبادرات تعاون واعدة، بخصوص مختلف القضايا الثنائية والدولية الكبرى، كما اختار، بكل التزام ومسؤولية، تنويع شراكاته، بما يساهم في تعزيز قدرات بلادنا، والرفع من قيمتها في مختلف المجالات”.

    وشدد في خطاب الذكرى الـ27 لتربعه على عرش أسلافه على أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

    وأشار جلالته، في سياق حديثه عن المسار التنموي والصعود الاقتصادي للمغرب، إلى أن المملكة برهنت على قدرة كبيرة في مواجهة الكوارث والأزمات، لاسيما من خلال التدبير الاستباقي للفيضانات، التي شهدتها مناطق الغرب والشمال.

    وشدد العاهل المغربي على أنه “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”، مضيفا أن “نسبة النمو بلغت حوالي 4.9 بالمئة سنة 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى نفس المعدل أو تتجاوزه في 2026”.

    وعلى الصعيد الفلاحي، أبرز جلالة الملك في خطاب العرش إلى أن المغرب عرف تساقطات مطرية مهمة، وموسما فلاحيا جيدا، مما ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي، مردفا أن “بلادنا استطاعت تعزيز مكانتها كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي؛ وهو ما يعكسه تطور المؤشرات لاسيما الصناعية”.

    وتابع الخطالب الملكي في الصدد ذاته “ذلك أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، تعد اليوم ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جلب الاستثمارات الخارجية ، أو من حيث خلق الثروة وفرص الشغل”، مضيفا أن “المملكة أصبحت اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا.. وهو ما جعل صادرات المغرب من قطاعات السيارات والطيران، تفوق 40 بالمئة من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط”.

    وتعزيزا لهذا التوجه، ذكر جلالته بأنه “ترأسنا في بداية السنة، حفل إطلاق مصانع جديدة، جعلت المغرب يدخل النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات”، مشيرا إلى أن “تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية”.

    ولفت جلالة الملك إلى أنه “بنفس روح الابتكار والتطوير، يتم إنجاز مشاريع كبرى، تهدف إلى جعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي، ورافعة لجذب الصناعات، التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون.

    وشدد صاحب الجلالة على أنه “تعزيزا لهذه الاستراتيجية الطموحة، تم الشروع في تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر”، من خلال الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى”.

    وأكد الخطاب الملكي أنه أمام “سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية، وخير مثال على ذلك ، الصناعات الغذائية والدوائية، التي أصبحت تغطي ما يقارب 80 بالمئة من الحاجيات الوطنية”.

    وأضاف أن “إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، ستساهم تدريجيا، في تعزيز السيادة الدفاعية، وخلق فرص التنمية، وترسيخ مكانة بلادنا كقوة إقليمية في هذه الصناعات.

    وعرّج الملك على القطاع السياحي، مشيرا إلى أنه سجل سنة 2025 ، إنجازا تاريخيا، يتمثل في استقبال ما يقارب 20 مليون سائح، بما في ذلك أبناء الجالية المقيمة بالخارج.

    وشدد الملك على أنه “بموازاة مع النهوض بالمجال الاقتصادي، نواصل تنزيل العديد من المبادرات وبرامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، من أجل تحسين ظروف عيش المغاربة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية”، مضيفا أنه “وفي هذا الإطار، نشدد على ضرورة التنزيل الفعال، لبرامج التنمية الترابية المندمجة، التي نحرص على أن تشمل كل المناطق والجهات، دون استثناء”.

    ولفت جلالة الملك إلى أن مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة، يتعين تعبئة الجزء الأكبر منها، عبر التمويل الداخلي”، مهيبا في هذا الصدد بالقطاع المالي الوطني، لمواصلة العمل على مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وعلى إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات، البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير.

    وأبدى العاهل المغربي تطلعه إلى أن “ينكب القطاع المالي، على فتح آفاق أوسع وأكثر ابتكارا؛ بما يضمن التعبئة المثلى للادخار الوطني، لاسيما المؤسساتي وإنعاش الأسواق المالية، لتسريع الدينامية التنموية للمغرب الصاعد”.

    واغتنم جلالة الملك في ختام خطابه السامي بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد، المناسبة لتجديد التعبير عن “اعتزازنا وتقديرنا لكل مكونات قواتنا المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والإدارة الترابية، والأمن الوطني، والقوات المساعدة والوقاية المدنية، على تجندهم الدائم، تحت قيادتنا، للدفاع عن وحدة الوطن وأمنه واستقراره”، مستحضرا بكل خشوع، الأرواح الطاهرة لشهداء المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا المنعمان، جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما، مستشهدا بقول الله تعالى: “إن الله لا يضيع أجر المحسنين” صدق الله العظيم.

  • في الذكرى 27 لتربعه على العرش.. جلالة الملك محمد السادس: لم أبحث يوما عن مجد شخصي بل عن خدمة المغاربة

    في الذكرى 27 لتربعه على العرش.. جلالة الملك محمد السادس: لم أبحث يوما عن مجد شخصي بل عن خدمة المغاربة

    وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مساء يوم الأربعاء، خطابا ساميا إلى الأمة المغربية، بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد الذي يخلّد الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين.

    وحمل الخطاب، الذي جاء في سياق إقليمي ودولي مطبوع بالتقلبات، نفسا يمزج بين الاعتزاز بالمنجزات المحققة والتفاؤل بمستقبل البلاد، مع تأكيد متجدد على أن الاستقرار الذي ينعم به المغرب يمثل استثناء يستحق الحفاظ عليه وتثمينه.

    واستهل جلالة الملك خطابه بالعودة إلى بدايات هذه مسيرة التلاحم بين الملك والشعب، مستحضرا ثقل المسؤولية التي تحملها منذ ربع قرن وسنتين حيث اعتبر أنها لم تكن مجرد محطة تاريخية عابرة بل التزام متواصل، في قوله: “سبع وعشرون سنة، منذ أن شاءت إرادة الله تعالى أن أتحمل أمانة قيادتك، وهي أمانة عظيمة، ومسؤولية جسيمة”.

    وربط جلالته ما تحقق خلال هذه السنوات بفضل الله أولا، مستشهدا بالآية القرآنية الكريمة في إشارة إلى أن العطاء الإلهي يقترن بالشكر والعمل، وأضاف: “وإننا نحمد الله تعالى ونشكره، على ما أنعم به علينا من توفيق وسداد، في عملنا من أجل تحقيق تطلعاتك والتجاوب مع انشغالاتك مصداقا لقوله عز وجل، ‘لئن شكرتم لأزيدنكم’”.

    نفي البحث عن “المجد الشخصي” وتأكيد أولوية خدمة المغاربة

    في مقطع لافت من الخطاب، حرص عاهل البلاد على تبديد أي قراءة قد تربط الحصيلة التنموية والدبلوماسية للمغرب بسعي إلى بريق شخصي أو مكانة رمزية، إذ شدد جلالته بشكل واضح وصريح: “كما أنني لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم”.

    وهي عبارات تحمل دلالة سياسية واضحة، إذ أعاد الملك من خلالها التموضع بوصفه في خدمة مشروع جماعي وطني، لا باعتباره صاحب مبادرة فردية تستدعي التقدير الخارجي.

    مزيج من “الاعتزاز والتفاؤل” لا “الرضا عن الذات

    وعند تقييمه لمسار العمل المشترك بين العرش والشعب على مدى العهد، اختار الملك محمد السادس مفردات دقيقة لوصف الحالة النفسية والسياسية التي يعيشها المغرب اليوم، فقال: “واليوم، ومن خلال إلقاء نظرة على ما حققناه سويا، يخالجني مزيج من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحققة، والتفاؤل بالمستقبل”.

    ولم يفت جلالته أن يميّز بين هذا الشعور وأي تصور مبالغ فيه للرضا الذاتي، موضحا: “إن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد إحساس بالرضا عن الذات؛ وإنما هو شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة، يعطينا القوة والحافز على مواصلة الجهود”.

    وفسّر الملك هذه النتائج بكونها محصلة نهج حكم واضح المعالم، لا وليدة الظروف أو الصدفة، بقوله: “فكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح ومذهب في الحكم يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل بكل عزم وروح إيجابية”.

    دعوة إلى “روح الثقة” في وجه “خطابات اليأس

    وانتقل جلالة الملك إلى محور مركزي في الخطاب، متوجها مباشرة إلى المغاربة بدعوة صريحة إلى تبني منطق التفاؤل والثقة بدل الاستسلام لمنطق التشكيك، قائلا: “شعبي العزيز، إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط”.

    وفي هذا السياق، أشار جلالته إلى أن أحد أهم مصادر الفخر الوطني اليوم لا يكمن فقط في الإنجازات القطاعية بل في جودة الحكامة نفسها، إذ قال: “وإن أكثر ما يبعث على الفخر والاعتزاز، هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما يتميز به عمل مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية”.

    الاستقرار.. “عملة نادرة” و”رأسمال استراتيجي” في زمن الاضطرابات

    ووضع الملك محمد السادس الاستقرار المغربي في مقابل السياق الإقليمي والدولي المتقلب، معتبرا أنه ميزة تنافسية نادرة يجب الحفاظ عليها، فقال: “ففي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة لا تقدر بأي ثمن”.

    وذهب جلالته إلى حد اعتبار هذا الاستقرار متغيرا حاسما في أي معادلة تنموية مستقبلية للمغرب، بقوله: “فالاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب”.

    المغرب “دولة أمة” ونجاعة مؤسساتية تحت الأضواء الدولية

    وعاد جلالة الملك إلى الجذور التاريخية والمؤسساتية لقوة المغرب، معتبرا أن تماسك الدولة نابع من طبيعتها العريقة كـ”دولة -أمة”، حيث قال: “شعبي العزيز، إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل”.

    وربط جلالته هذا الانسجام المؤسساتي مباشرة بالقدرة على مواجهة التحديات المتراكمة، مضيفا: “وهذا ما يعطي النجاعة اللازمة لعمل الدولة، لمواصلة الإنجازات ورفع التحديات رغم الصعوبات والإكراهات”.

    واستحضر الملك محمد السادس النجاح التنظيمي للمغرب في استضافة التظاهرات القارية والدولية بوصفه دليلا ملموسا على هذه النجاعة، وما رافق ذلك من تقدير خارجي، إذ قال: “وهو ما أبان عنه المغرب، بالتنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية؛ مما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانا”.

  • الدبلوماسية الروحية.. القوة الناعمة ترسخ الحضور المغربي في قلب إفريقيا

    الدبلوماسية الروحية.. القوة الناعمة ترسخ الحضور المغربي في قلب إفريقيا

    لم تكن عودة المغرب القوية إلى إفريقيا خلال العقود الأخيرة رهانا اقتصاديا أو دبلوماسيا فحسب، بل استندت أيضا إلى رصيد تاريخي وروحي ظل حاضرا في وجدان عدد من شعوب القارة على مدى قرون.

    نسج المغرب، من الزوايا والطرق الصوفية إلى حركة العلماء والقوافل التجارية، شبكة من الروابط الدينية والثقافية التي تجاوزت الحدود الجغرافية، قبل أن تتحول، في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى أحد أبرز مكونات القوة الناعمة للمملكة وأداة موازية للدبلوماسية السياسية والاقتصادية.

    وخلال سبعة وعشرين عاما، لم يكتف المغرب بالحفاظ على هذا الإرث، بل عمل على مأسسته عبر مبادرات ومؤسسات دينية، وتوسيع مجالات حضوره في القارة من خلال تكوين الأئمة، وتعزيز التعاون بين العلماء، وترسيخ نموذج ديني قائم على الاعتدال والوسطية.

    وأصبحت الدبلوماسية الروحية إحدى الركائز التي دعمت الشراكات المغربية الإفريقية، وأسهمت في بناء الثقة وتهيئة الأرضية لتعاون سياسي واقتصادي وتنموي أكثر عمقا واستدامة.

    ويعكس هذا التوجه ارتباط المغرب التاريخي بإفريقيا، وهو ما سبق أن عبر عنه الملك الراحل الحسن الثاني بقوله إن “المغرب شجرة تمتد جذورها المغذية امتدادا عميقا في التراب الإفريقي، وتتنفس بفضل أوراقها التي يقويها النسيم الأوروبي”، في إشارة إلى رسوخ الانتماء الإفريقي للمملكة وتعدد دوائر ارتباطها.

    وقد اكتسب هذا البعد زخما أكبر بعد اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، إذ تعززت من خلال زياراته المتعددة وتقوت أكثر من خلال مبادراته في القارة.

    الدبلوماسية الروحية في الخطابات الملكية

    اضطلع المغرب تاريخيا بدور مهم في نشر الإسلام وتعزيز التعليم الديني في أجزاء واسعة من إفريقيا، خصوصا في منطقة غرب القارة، من خلال حركة العلماء والفقهاء والتجار، وشبكات التجارة والقوافل التي ربطت شمال إفريقيا ببلدان الجنوب.

    ولم يقتصر هذا التفاعل على انتقال الأفكار والممارسات الدينية، بل أسهم في نشوء انصهار حضاري وثقافي بين المغرب ومحيطه الإفريقي، وأوجد روابط تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.

    وينعكس البعد الروحي والديني للدبلوماسية الروحية تجاه إفريقيا في الخطابات التي تعد تمهيدا وتأسيسا للتوجه المغربي تجاه إفريقيا، وقد انعكس هذا البعد في الخطابات الملكية الموجهة إلى الشعوب والبلدان الإفريقية، وفي الزيارات الملكية المتعددة إلى عدد من دول القارة، التي أتاحت للرباط توظيف المشترك الديني والثقافي باعتباره مدخلاً لتعزيز الثقة والتقارب.

    ومنذ بداية عهده، حرص الملك محمد السادس على التأكيد في خطاباته الإفريقية على أن المغرب تجمعه روابط تاريخية وروحية عميقة بالقارة، ففي خطاب تنصيب المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2016، ربط جلالة الملك محمد السادس صراحة بين المؤسسة و”عمق الأواصر الروحية العريقة” التي تجمع الشعوب الإفريقية جنوب الصحراء بملك المغرب وأمير المؤمنين، مستحضرا وحدة العقيدة والمذهب والتراث الحضاري المشترك.

    ويتضح ذلك أيضا في الخطاب الملكي أمام القمة الإفريقية سنة 2017، حين استُحضر الانتماء الإفريقي للمغرب باعتباره عودة إلى بيته بعد طول الغياب، بالتوازي مع إبراز حصيلة الاتفاقيات والشراكات والمشاريع التي عززت حضور المملكة في القارة.

    وتوضح هذه الإشارات أن الدبلوماسية الروحية لم تُطرح في الخطاب الملكي باعتبارها بعدا دينيا منفصلا عن السياسة الخارجية، وإنما ضمن تصور أوسع للعلاقات المغربية الإفريقية، يجمع بين الروابط الروحية والتاريخية من جهة، والتعاون السياسي والاقتصادي والتنموي من جهة أخرى.

    وتكتسب الزيارات الملكية أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط باعتبارها محطات لتعزيز العلاقات الثنائية، وإنما باعتبارها فرصة لاستحضار المشترك الديني والثقافي والروحي مع عدد من الدول الإفريقية، إذ جعل الملك محمد السادس من الزيارات إلى دول جنوب الصحراء، منذ بداية عهده، إحدى آليات تكريس القرب والتضامن والتعاون، وهو ما تزامن مع بناء شبكة واسعة من الاتفاقيات والشراكات متعددة المجالات.

    وبذلك، تكشف الخطابات والزيارات الملكية خلال الفترة الممتدة من 1999 إلى 2026 عن تطور تدريجي في توظيف البعد الروحي ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، بحيث انتقل من استحضار الروابط التاريخية والدينية المشتركة، إلى مأسسة التعاون الديني، ثم توسيع نطاقه ليشمل قضايا الأمن والاستقرار والتضامن والتنمية والشراكة متعددة الأبعاد.

    الدبلوماسية الروحية.. قوة ناعمة تجاه إفريقيا

    وتكتسب الدبلوماسية الروحية أهمية خاصة في الحالة المغربية، بالنظر إلى عمق الروابط التاريخية والدينية التي تجمع المملكة بعدد من البلدان الإفريقية، سيما في غرب القارة، بحيث لم تتشكل هذه الروابط حديثا، وإنما تعود إلى قرون من التفاعل الحضاري والتبادل الثقافي والديني، حيث أسهم المغرب، عبر طرق التجارة والعلم ورحلات العلماء وانتشار الزوايا والطرق الصوفية، في ترسيخ روابط روحية امتدت إلى مجتمعات إفريقية متعددة.

    ومع عودة المغرب بقوة إلى الفضاء الإفريقي، لم تعد هذه الروابط مجرد إرث تاريخي أو علاقات دينية عابرة للحدود، بل تحولت تدريجيا إلى أداة مؤسساتية ضمن منظومة القوة الناعمة المغربية.

    وعمل المغرب في هذا السياق على مأسسة حضوره الديني في إفريقيا من خلال تكوين الأئمة والمرشدين، وتعزيز التعاون بين العلماء، وإحداث مؤسسات متخصصة، فضلاً عن استثمار الروابط الصوفية والثقافية في توطيد علاقاته مع عدد من الدول الإفريقية.

    وإلى جانب دور الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب في نقل الممارسات الدينية إلى دول إفريقية، فهي تساهم أيضا في تشكيل روابط روحية وثقافية عابرة للحدود، إذ كان لها حضور في بناء أنماط من الهوية الدينية والاجتماعية في عدد من المجتمعات الإفريقية، ما حافظ على امتداد الروابط الروحية بين المغرب وعمقه الإفريقي عبر الزمن.

    وفي هذا السياق، أكد عبد اللطيف التواصلي، باحث مهتم بمؤسسة إمارة المؤمنين والشأن الديني بالمغرب وإفريقيا، أن الدبلوماسية الروحية تعد من أبرز تجليات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، لأنها تعتمد على التأثير من خلال القيم المشتركة والروابط الثقافية والدينية وليس عبر وسائل الضغط أو الإكراه.

    وأكد التواصلي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المغرب استطاع أن يوظف ما راكمه عبر تاريخه من شرعية دينية ومؤسسات علمية عريقة وخبرة في تدبير الشأن الديني، ليقدم أنموذجا يحظى بالقبول والثقة لدى العديد من الدول الإفريقية.

    وأضاف المتحدث أن خصوصية القوة الناعمة المغربية تتجلى في كونها لا تنفصل عن مقاربة تنموية وإنسانية شاملة، إذ تتكامل الدبلوماسية الروحية مع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، بما يعزز مصداقية الحضور المغربي في القارة ويمنحه قدرة أكبر على الاستمرارية والاستدامة.

    ومن جانبه، أكد عبد الوهاب رفيقي، الباحث في الفكر الديني، في تصريح خص به جريدة “AM+ MEDIA”، أن الدبلوماسية الروحية هي اليوم واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، وربما أكثرها استدامة.

    ويشير رفيقي في معرض حديثه عن أهمية الدبلوماسية الروحية إلى أن الاقتصاد قد يتأثر بالأزمات، والتحالفات السياسية قد تتغير، أما الروابط الدينية والثقافية فتتمتع بقدرة أكبر على الاستمرار، لافتا إلى أن المغرب لم يبن حضوره الروحي في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، بل استند إلى تاريخ طويل من العلاقات التي صنعتها الزوايا والطرق الصوفية والعلماء والقوافل التجارية.

    بناء على ذلك، أبرز المتحدث ذاته أن المغرب لم يكن يصدّر نموذجاً جديداً، وإنما أعاد إحياء رصيد تاريخي كان موجوداً أصلاً، لا يقوم على الهيمنة ولا على تصدير الإيديولوجيا، بل على تكوين الأئمة، وتأهيل القيادات الدينية، وترسيخ قيم الاعتدال، وهو ما جعل عدداً من الدول الإفريقية تنظر إلى التجربة المغربية باعتبارها شريكاً في تحقيق الأمن الروحي، وليس مجرد فاعل ديني.

    ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها أحد مكونات القوة الناعمة المغربية، لا باعتبارها بديلا عن الأدوات السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يفسر استمرار حضور البعد الروحي في السياسة الإفريقية للمغرب، وانتقاله خلال “العهد الجديد” من روابط تاريخية متجذرة إلى تعاون مؤسساتي أكثر انتظاماً، ضمن رؤية أوسع للعلاقات مع القارة.

    مكانة الدبلوماسية الروحية في السياسة الخارجية المغربية

    وتحتل الدبلوماسية الروحية مكانة خاصة ضمن أدوات السياسة الخارجية المغربية، نظرا لارتباطها برصيد تاريخي وديني وثقافي تشكل عبر قرون من التفاعل بين المغرب وبلدان إفريقيا، سيما في منطقة غرب إفريقيا.

    وأسهمت هذه الروابط في الحفاظ على قنوات للتواصل والتقارب بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية، قبل أن تكتسب خلال العقود الأخيرة أبعادا أكثر حضورا ضمن السياسة الخارجية للمملكة.

    وفي عهد الملك محمد السادس، اكتسب هذا البعد حضورا أكبر ضمن السياسة الإفريقية للمغرب، في سياق تعزيز انخراط المملكة في القارة وتوسيع علاقاتها مع دولها، إذ أصبح توظيف الرصيد الديني والروحي قائما على مقاربة أكثر مؤسساتية، تستند إلى خصوصية النموذج الديني المغربي المرتكز على المذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المؤمنين، وتقدم هذه العناصر باعتبارها إطارا لترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والتعايش.

    ويكشف هذا التوجه عن انتقال تدريجي من الحفاظ على روابط دينية وروحية تاريخية إلى بناء قنوات مؤسساتية للتعاون الديني، مما جعل الدبلوماسية الروحية أحد مكونات الحضور المغربي في إفريقيا.

    ولم يعد التواصل يقتصر على العلاقات الرسمية بين الحكومات، بل امتد إلى العلماء والأئمة وشيوخ الطرق الصوفية والطلبة والمؤسسات الدينية، وهو ما أتاح للمغرب بناء شبكة من العلاقات ذات طبيعة دينية وثقافية واجتماعية.

    وتُوج هذا المسار بإحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” سنة 2015، التي شكلت نقلة نوعية في مأسسة الدبلوماسية الروحية المغربية، حيث نص الظهير المحدث لها على أهمية الروابط الدينية والتاريخية والثقافية التي تجمع المغرب بإفريقيا، وجعل من توحيد جهود العلماء المغاربة والأفارقة، والتعريف بقيم الإسلام السمحة، وتشجيع البحث والدراسة في الفكر والثقافة الإسلامية، من بين أهدافها الأساسية.

    وفي هذا السياق، حرص الملك محمد السادس، منذ توليه العرش، على مواصلة وتعزيز الروابط مع الطريقة التيجانية، سيما في السنغال، من خلال تنظيم اللقاءات وتوجيه الرسائل إلى ملتقياتها واحتضان شيوخها وزعمائها.

    وحافظت هذه الروابط على حضورها باعتبارها إحدى قنوات التواصل الروحي التي تجمع المغرب بعدد من المجتمعات الإفريقية، حيث تحظى مؤسسة إمارة المؤمنين بمكانة خاصة لدى شيوخ ومقدمي الزوايا التيجانية في السنغال.

    كما ارتبطت الدبلوماسية الروحية المغربية خلال السنوات الأخيرة برهانات تتجاوز المجال الديني، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية التي تواجه عدداً من مناطق القارة، فقد جعل المغرب من نشر خطاب ديني قائم على الاعتدال ومواجهة التطرف أحد مداخل تعاونه مع شركائه الأفارقة، من خلال تكوين الأئمة والمرشدين وتعزيز التعاون بين العلماء.

    بهذا الصدد، تؤكد أمينة الغوباشي، باحثة في العلاقات الدولية، على أهمية الروابط الروحية التي تمتد لجذور لقرون، حيث ساهمت الطرق الصوفية مثل الزاوية التيجانية والقادرية، إلى جانب العلاقات العلمية، في بناء فضاء ديني وثقافي مشترك بين المغرب وعدد من المجتمعات الإفريقية. وقد وفرت هذه الروابط رصيدا من الثقة سهل تطوير العلاقات في مجالات متعددة وساهم في توطيد الحوار والتعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية.

    تجليات المبادرات الملكية في الدبلوماسية الروحية

    وفي عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، عملت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تعزيز حضورها الديني في إفريقيا، بتأسيس رابطة علماء المغرب والسنغال في 3 يونيو 1985، في إطار جهود المغرب للتعريف بالإسلام الوسطي في القارة الإفريقية، وبالتنسيق مع مختلف القطاعات والهيئات الوطنية والدولية المعنية.

    ومن خلال هذه الرابطة، نظمت المملكة مجموعة من الأنشطة الدينية والفكرية، شملت إرسال بعثات من العلماء إلى عدد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب المساهمة في بناء وترميم المساجد، خاصة في السنغال وغينيا وبنين ومالي، فضلاً عن بناء عدد من المراكز الإسلامية.

    كما شملت هذه الجهود توفير نسخ من المصحف الشريف والكتب والمنشورات الإسلامية للمساجد والمدارس القرآنية والجمعيات الإسلامية في عدد من البلدان الإفريقية، من بينها السنغال وكوت ديفوار ومالي. وامتد التعاون كذلك إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة خطباء الجمعة القادمين من بعض الدول الإفريقية، بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية وتكوينية لفائدة بعثات الدول الإفريقية في مجال تنظيم الحج.

    وفي السياق ذاته، حرص المغرب على تعزيز التواصل المباشر مع العلماء والفقهاء الأفارقة، من خلال توجيه دعوات دائمة ومتواصلة لهم للمشاركة في الدروس الحسنية الرمضانية، فضلا عن حضورهم في الندوات واللقاءات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بما أسهم في ترسيخ قنوات للتعاون والتبادل الديني والعلمي بين المغرب وبلدان القارة.

    وتبرز تجليات الدبلوماسية الروحية أيضا بشكل خاص مع إنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات الذي دشنه جلالة الملك في مارس 2015، إلى جانب مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تأسست في يونيو 2015، والتي يترأسها أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وعلى رأس أولوياتها توحيد الجهود في خدمة القيم الدينية المشتركة ومواجهة التطرف وتعزيز الاعتدال.

    كما عمل المغرب على توسيع مجالات التعاون مع المؤسسات الدينية الإفريقية، ففي سنة 2016، مثلا، وقع المغرب وتشاد اتفاقية للتعاون الإسلامي وبروتوكولا بشأن تكوين الأئمة، في إطار إعطاء دفعة جديدة للتعاون بين المغرب والدول الإفريقية في المجال الديني.

    وفي هذا الإطار، أشار رفيقي إلى أن المغرب استطاع أن يحول الرأسمال الديني والتاريخي إلى سياسة عمومية متكاملة، من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة، وتوسيع حضور مؤسسة العلماء الأفارقة، وإعادة تأهيل الروابط مع الزوايا والمرجعيات الدينية في عدد من الدول، ما منح المغرب مصداقية لا تتوفر لكثير من القوى الإقليمية التي حاولت الحضور في إفريقيا عبر المال أو الخطاب الإيديولوجي.

    من جانبها، أكدت الغوباشي، الباحثة في العلاقات الدولية، أن هذه المؤسسات ساهمت في الانتقال من مبادرات دينية متفرقة إلى سياسة عمومية ذات بعد مؤسساتي دبلوماسي تعتمد على التكوين والتنسيق، وبناء شبكات علمية عابرة للحدود، ما عزز استمرارية هذا التوجه داخل السياسة الخارجية المغربية وجعله فاعلا إقليميا مهما.

    عبد اللطيف التواصلي بدوره يؤكد أن التجربة المغربية أظهرت خلال السنوات السبع والعشرين الماضية أن الدبلوماسية الروحية ليست بديلا عن الدبلوماسية السياسية أو الاقتصادية، وإنما رافعة مكملة لها، تسهم في بناء الثقة وتعميق الشراكات، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان والقيم المشتركة يظل من أنجع السبل لترسيخ علاقات إفريقية قائمة على التعاون والتضامن والتنمية المشتركة.

    من التقارب الروحي إلى الشراكات التنموية

    وساهمت الدبلوماسية الروحية في الحفاظ على روابط تاريخية وثقافية ودينية بين المغرب وعدد من البلدان الإفريقية، لا تتوقف أهميتها بالنسبة للسياسة الخارجية المغربية عند حدود المجال الديني، بل تعد منطلقا لبناء علاقات أكثر اتساعا، وانتقلت تدريجيا من التقارب الروحي والثقافي إلى التعاون السياسي والاقتصادي، ثم إلى إطلاق مشاريع واستثمارات ذات أبعاد تنموية.

    وتعد العلاقات المغربية السنغالية من أبرز النماذج التي يمكن من خلالها رصد تداخل البعد الروحي مع الأبعاد السياسية والاقتصادية، فإلى جانب الروابط التاريخية والدينية، سيما الصلات المتجذرة مع الطريقة التيجانية، تطورت العلاقات بين البلدين إلى شراكة تشمل مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والفلاحة والصيد والتكوين.

    وفي نونبر 2025، أكدت الرباط وداكار أن علاقاتهما تقوم على روابط “تاريخية وروحية وإنسانية” استثنائية، وربطتا هذه العلاقات بتعزيز التعاون في التنمية البشرية والتجارة والاستثمار والنقل والسياحة والفلاحة والصحة والطاقة والبنية التحتية.

    وأشارت الغوباشي في هذا الإطار، إلى أن هذه الروابط الروحية ليست العامل الوحيد في توطيد العلاقات المغربية الإفريقية، فنجاحها يرتبط بالتعاون الاقتصادي، والشراكات التنموية مثل المبادرة الأطلسية، والاستقرار السياسي، واحترام خصوصيات كل دولة.

    ومن جانبه، يرى الباحث في الفكر الديني، عبد الوهاب رفيقي، أنه ينبغي ألا ننظر إلى الدبلوماسية الروحية باعتبارها إنجازاً مكتملًا، بل مشروعاً يحتاج إلى تجديد دائم.

    ويوضح وجهة نظره بالقول إن “إفريقيا اليوم تتغير بسرعة، وتعيش تحولات ديموغرافية ورقمية عميقة، كما أن المنافسة لم تعد فقط بين الدول، بل أيضاً بين المنصات الرقمية والشبكات العابرة للحدود والتيارات الدينية الجديدة، لذلك فإن نجاح الدبلوماسية الروحية في المستقبل سيكون رهيناً بقدرتها على مخاطبة الأجيال الجديدة، وربط البعد الروحي بقضايا التنمية والتعليم والرقمنة، حتى تبقى قوة ناعمة فاعلة وليست مجرد رصيد تاريخي”.

  • من 46 إلى 182 مليار دولار.. كيف تضاعف الاقتصاد المغربي أربع مرات في 27 سنة؟

    من 46 إلى 182 مليار دولار.. كيف تضاعف الاقتصاد المغربي أربع مرات في 27 سنة؟

    في 30 يوليوز 1999، حين ألقى الملك محمد السادس خطابه الأول من جامع فاس الكبير، كان المغرب اقتصادا هشا بالمقاييس الدولية بمعدل 46 مليار دولار فقط كناتج داخلي إجمالي، وبطالة تلامس 14 في المئة، وفقر يطال أكثر من مغربي واحد من كل سبعة.

    سبعة وعشرون عاما بعد ذلك، تُعد المملكة اليوم أول مصدّر للسيارات في إفريقيا، وقطبا صناعيا للطيران، وموطنا لأكبر ميناء حاويات في القارة، وسوقا استقطبت رقما قياسيا من السياح تجاوز 19.8 مليون زائر سنة 2025.

    وبين هذين المشهدين، تروي الأرقام الرسمية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومكتب الصرف المغربي حكاية تحول اقتصادي عميق، لكنها حكاية لم تخل من تفاوتات وتحديات اجتماعية لا تزال قائمة، أبرزها بطالة تقاوم كل محاولات الإصلاح، وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى 27 لعيد العرش، وضعت “AM+ MEDIA” محطات هذا التحول تحت المجهر.

    اقتصاد تضاعف حجمه أربع مرات

    الرقم الأكثر دلالة على حجم التحول هو الناتج الداخلي الإجمالي، فمن 46.27 مليار دولار سنة 1999 إلى 182.37 مليار دولار سنة 2025، أي ما يقارب أربعة أضعاف قيمته الأصلية خلال ثلاثة عقود، وقد ورافق هذا التوسع ارتفاع نصيب الفرد من الثروة الوطنية من 1635 إلى 4672 دولارا، ما يعني أن المغربي العادي يملك اليوم قدرة شرائية تقارب ثلاثة أضعاف ما كان يملكه جيل والديه عند مطلع الألفية.

    لكن وتيرة هذا النمو لم تكن خطا مستقيما صاعدا، بل رحلة تخللتها فترات ازدهار وانكسار، فقد سجل الاقتصاد الوطني أعلى معدلات نموه في العشرية الأولى من العهد، بمتوسط بلغ 4.9 في المئة سنويا بين 2000 و2007، قبل أن تتباطأ الوتيرة إلى 3.69 في المئة بين 2008 و2019 تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، ثم تتلقى صدمة قاسية سنة 2020 حين انكمش الاقتصاد بنسبة 7.18 في المئة جراء جائحة كوفيد-19 وتوالي سنوات الجفاف.

    بيد أن المفاجأة جاءت في السنوات الأخيرة، حين استعاد الاقتصاد عافيته بقوة، محققا نموا بلغ 4.6 في المئة سنة 2025 حسب تقديرات البنك الدولي، في إشارة إلى أن المغرب ربما يكون قد طوى صفحة سنوات الجفاف المتتالية وبدأ يجني ثمار استثماراته الصناعية.

    حين يصبح المغرب وجهة للمستثمرين

    لم يكن هذا التوسع الاقتصادي ممكنا دون تحول جذري في نظرة المستثمرين الأجانب إلى المملكة، فقد قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصافية من 827 مليون دولار فقط سنة 1999 إلى رقم قياسي غير مسبوق بلغ 3.32 مليارات دولار سنة 2025، وهو رقم يعكسه أيضا مكتب الصرف الذي رصد مداخيل استثمار أجنبي إجمالية بلغت 56.05 مليار درهم سنة 2025، بقفزة قدرها 28 في المئة مقارنة بسنة 2024.

    هذه الثقة المتنامية انعكست مباشرة على حجم المبادلات التجارية للمملكة مع العالم، فصادرات السلع التي لم تكن تتجاوز 4.87 مليارات دولار سنة 1999 بلغت 43.72 مليار دولار سنة 2025، أي تضاعفت تسع مرات، فيما تضخمت الواردات بالوتيرة نفسها تقريبا من 8.15 إلى 77.18 مليار دولار حسب البنك الدولي، ورغم أن هذا التوسع لم يُفلح بعد في سد الفجوة التجارية، التي بلغت 152.5 مليار درهم سنة 2025 بمعدل تغطية للواردات بالصادرات لم يتجاوز 82.6 في المئة، فحجم التبادل التجاري في حد ذاته يعكس اقتصادا بات أكثر اندماجا في السلاسل الصناعية العالمية.

    من الصفر إلى قائد إفريقيا في صناعة السيارات والطائرات

    لعل القصة الأكثر إثارة في هذه الحصيلة هي قصة نجاح قطاع صناعة السيارات، التي لم يكن لها وجود يُذكر في المغرب عند مطلع الألفية، ففي سنة 2004 فقط، لم يتجاوز إنتاج المركبات في المملكة 13 ألف وحدة سنويا وهو رقم هامشي بكل المقاييس، فيما اليوم، يخرج من المصانع المغربية أكثر من نصف مليون سيارة سنويا، بعدما بلغ الإنتاج رقما قياسيا وصل إلى 559.645 وحدة سنة 2024، قبل أن يستقر عند 501.965 وحدة سنة 2025.

    نقطة التحول الحاسمة جاءت مع افتتاح مصنع “رونو” العملاق بطنجة (مليوسة) سنة 2012، تلاه افتتاح مصنع “ستيلانتيس” (بيجو-سيتروين سابقا) بالقنيطرة سنة 2019، هذان المصنعان صدّرا معا 539.362 مركبة سنة 2024، ليحتل المغرب مرتبة الدولة الإفريقية الأولى في تصدير السيارات، مستحوذا على 58 في المئة من إجمالي الصادرات القارية ومتجاوزا جنوب إفريقيا، القوة الصناعية التاريخية في القارة.

    ولم يعد القطاع مجرد وحدات تجميع، إذ باتت صادراته تبلغ 157.59 مليار درهم سنة 2024، أي أكثر من ثلث صادرات السلع الوطنية بأكملها، ليتصدر بذلك قائمة القطاعات المصدّرة قبل الفوسفاط نفسه، أما الطموح المغربي فهو لا يتوقف عند هذا الحد، بطاقة إنتاجية حالية تبلغ 700 ألف وحدة سنويا، يسعى المسؤولون إلى رفعها إلى مليون سيارة في السنوات المقبلة.

    بالتوازي مع السيارات، نما قطاع صناعة الطيران من الصفر تقريبا إلى أن أصبح المغرب يُعرف اليوم بـ”القطب الإفريقي الأول” في هذا المجال الحساس والدقيق.

    القطاع الذي انطلق فعليا سنة 2001 مع تأسيس شركة “ماتيس” في شراكة بين عملاق الطيران الأمريكي بوينغ ومجموعة سافران والخطوط الملكية الجوية، لم يكن يضم آنذاك سوى نحو عشر شركات و300 موظف.

    أما اليوم، يوظف القطاع أكثر من 26 ألف شخص موزعين على نحو 150 شركة، بمعدل اندماج صناعي محلي بلغ 42 في المئة، وحقق صادرات بقيمة 29.09 مليار درهم سنة 2025، بعد ارتفاع تجاوز 14 في المئة سنة 2024.

    شمس الصحراء تضيء المزيج الطاقي

    في بلد يستورد جزءا كبيرا من احتياجاته من الطاقة الأحفورية، شكّل الرهان على الطاقات المتجددة أحد أكثر الخيارات الاستراتيجية جرأة خلال العهد الجديد، واليوم تشكل الطاقات النظيفة أكثر من 46 في المئة من المزيج الكهربائي الوطني، بطاقة مركبة بلغت 4851 ميغاواط في نهاية 2025، موزعة بين الريح (2452 ميغاواط) والشمس (1086 ميغاواط) والمياه (1306 ميغاواط)، أي ضعف ما كانت عليه القدرة المركبة سنة 2016 فقط.

    ويبقى مركب “نور” ورزازات، الذي دشّنه الملك شخصيا في فبراير 2016 باستثمار فاق 24 مليار درهم، رمزا لهذا الرهان بطاقة إنتاجية تبلغ 580 ميغاواط تكفي لتزويد نحو مليوني مغربي بالكهرباء، والهدف المعلن اليوم هو بلوغ 52 في المئة من المزيج الطاقي من مصادر متجددة بحلول 2030، أي موعد استضافة كأس العالم لكرة القدم.

    سياحة تكسر كل الأرقام القياسية

    في القطاع السياحي أيضا تروي الأرقام قصة نجاح لافتة، فقد انتقل عدد الزوار الوافدين على المغرب من 4.09 ملايين سنة 1999 إلى رقم تاريخي بلغ 19.8 مليون زائر سنة 2025، بارتفاع 14 في المئة مقارنة بسنة 2024 التي شهدت بدورها 17.4 مليون وافد.

    ولم تقتصر هذه الطفرة على عدد الزوار فحسب، بل امتدت إلى العائدات المالية التي بلغت 138.1 مليار درهم سنة 2025، أي أعلى بنسبة 75 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة سنة 2019، ما يمنح المغرب زخما إضافيا وهو يستعد لاستضافة تظاهرات رياضية كبرى، أبرزها كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

    على الصعيد الاجتماعي، تحمل الحصيلة وجهين متناقضين، فمن جهة سجل معدل الفقر تراجعا لافتا من 15.3 في المئة ما بين 2000 و2001 إلى 3.9 في المئة فقط سنة 2022 وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط والبنك الدولي، كما تراجع الفقر متعدد الأبعاد من 11.9 في المئة سنة 2014 إلى 6.8 في المئة سنة 2024، رغم أن ثلاثة أرباع هؤلاء الفقراء لا يزالون يتركزون في العالم القروي.

    وارتقى المغرب في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة من 0.528 نقطة سنة 2000 إلى 0.710 نقطة سنة 2023، ليدخل للمرة الأولى في تاريخه نادي الدول ذات “التنمية البشرية المرتفعة”، محتلا المرتبة 120 من أصل 193 دولة، وهو إنجاز توَّج به مسارا طويلا من الإصلاحات.

    الحماية الاجتماعية للجميع.. حلم يقترب من التحقق

    من أكبر الأوراش الاجتماعية التي طبعت السنوات الأخيرة من العهد الجديد، برز مشروع تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2021، واليوم، بات أكثر من 32 مليون مغربي؛ 88 في المئة من سكان المملكة، مستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، مقابل تغطية لم تكن تتجاوز 42 في المئة من السكان قبل انطلاق الإصلاح في واحد من أكبر أوراش العدالة الاجتماعية التي عرفتها المملكة في تاريخها الحديث.

    ولم يكن هذا التحول بلا كلفة مالية، فقد بلغ الدين العمومي للخزينة 67.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 (أي 1163 مليار درهم)، مع عجز في الميزانية بلغ 60.5 مليار درهم، ما يعادل 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض هذه النسبة تدريجيا إلى 60.5 في المائة بحلول أفق 2031، في ظل التزام الحكومة بمسار للتقشف المتدرج والإصلاح الضريبي.

    بنية تحتية غيّرت جغرافيا البلاد

    من الصعب الحديث عن حصيلة 27 سنة دون التوقف عند البنية التحتية التي أعادت رسم الخريطة الاقتصادية للمملكة، فميناء طنجة المتوسط، الذي دخل الخدمة سنة 2007، تحوّل خلال أقل من عقدين إلى أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا وحوض المتوسط، بعدما عالج 11.1 مليون حاوية مكافئة سنة 2025 وحدها (بارتفاع 8.4 في المئة)، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 9 ملايين حاوية موزعة على أربع محطات تربط 180 ميناء في 70 دولة حول العالم.

    وفي مجال النقل السككي، أصبح القطار فائق السرعة “البراق”، الذي يربط طنجة بالقنيطرة منذ سنة 2018 بكلفة بلغت 22.9 مليار درهم، رمزا للحداثة، بعدما نقل 5.6 مليون مسافر سنة 2025 وحدها، فيما انطلقت في أبريل 2025 أشغال توسعة الخط ليصل مراكش على مسافة 430 كيلومترا إضافيا بكلفة 53 مليار درهم، استعدادا لموسم رياضي حافل. أما شبكة الطرق السيارة، فقد توسعت من نحو 400 كيلومتر فقط سنة 1999 إلى ما يقارب 1800 كيلومتر اليوم، لتحتل المرتبة الثانية إفريقيا، مع هدف الوصول إلى 3000 كيلومتر بحلول 2030.

    وهذا التحول البنيوي انعكس بشكل مباشر على نظرة المؤسسات الدولية إلى مناخ الأعمال بالمملكة، فقد قفز ترتيب المغرب في مؤشر “ممارسة أنشطة الأعمال” التابع للبنك الدولي من المرتبة 128 من أصل 183 دولة سنة 2010 إلى المرتبة 53 من أصل 190 دولة سنة 2020، أي تقدم بواقع 75 مرتبة خلال عقد واحد فقط، ليواصل تقدمه في المؤشر الخلَف لسنة 2025 بنقطة 63.44 من أصل 100، محتلا المرتبة الثانية على المستويين الإفريقي والعربي .

    أي أفق اقتصادي بانتظار المغرب؟

    وفيما يستعد المغاربة للاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، تختلف توقعات المؤسسات الاقتصادية بخصوص وتيرة النمو المرتقبة لسنة 2026، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نموا بنسبة 4.4 في المئة بينما تراهن المندوبية السامية للتخطيط على 5.0 في المئة، في حين يذهب بنك المغرب إلى توقع أكثر تفاؤلا بلغ 5.6 في المئة، بينما يبقى البنك الدولي أكثر تحفظا بتوقع لا يتجاوز 4.2 في المائة.

    وهذا التباين في التقديرات، الذي يعكسه بشكل رئيسي عاملان أساسيان هما حجم المحصول الفلاحي المرتقب وحجم استثمارات البنية التحتية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، يلخص في حد ذاته طبيعة التحدي الذي لا يزال الاقتصاد المغربي يواجهه، بما فيه اقتصاد أصبح أكثر تنوعا وصناعة من أي وقت مضى، لكنه لا يزال إلى حد بعيد رهين تقلبات الطبيعة والمناخ.

    سبعة وعشرون عاما بعد ذلك الخطاب الأول، يبدو المغرب اليوم بلدا مختلفا تماما، أكثر انفتاحا على العالم وأكثر تصنيعا، وأكثر ربطا ببنية تحتية حديثة.

  • من البنية التحتية إلى القوة الجيو-اقتصادية.. رؤية ملكية تصنع مغرب المستقبل

    من البنية التحتية إلى القوة الجيو-اقتصادية.. رؤية ملكية تصنع مغرب المستقبل

    لم تكن البنية التحتية في المغرب، خلال العقود الماضية، مجرد قطاع من قطاعات الاستثمار العمومي، بل تحولت إلى أحد أبرز أعمدة المشروع التنموي الذي قاده الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش في 30 يوليوز 1999.

    ومنذ السنوات الأولى للعهد الجديد، برز توجه واضح نحو بناء اقتصاد أكثر تنافسية، يقوم على تحديث شبكات النقل، وتوسيع الموانئ والمطارات، وتأهيل البنيات المائية، وربط مختلف جهات المملكة بشبكة متكاملة من التجهيزات الكبرى.

    هذا التوجه لم يتشكل دفعة واحدة، بل تدرج عبر خطابات ملكية، ومجالس وزارية، وجلسات عمل، قبل أن يترجم إلى مشاريع مهيكلة غيرت الخريطة الاقتصادية للمغرب، وجعلته اليوم من بين الدول الإفريقية الأكثر استثمارا في البنية التحتية. ولم تعد هذه المشاريع تقاس بعدد الكيلومترات أو المنشآت التي أنجزت، وإنما بقدرتها على استقطاب الاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستيكي يربط أوروبا بإفريقيا.

    سنة 2000.. التنمية الاقتصادية مدخل لبناء المغرب الجديد

    بعد أقل من سنة على اعتلاء العرش، وضع الملك محمد السادس أولى ملامح هذه الرؤية في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2000، حين أكد أن التنمية الاقتصادية تشكل أساس الإصلاح الشامل، قائلا: “إنه لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية، مما يستوجب بناء اقتصاد جديد، قادر على مواكبة العولمة، ورفع تحدياتها.”

    ذا التوجيه رسم الإطار العام الذي ستنبثق منه مختلف الأوراش الكبرى خلال السنوات اللاحقة، لأن بناء اقتصاد قادر على المنافسة كان يقتضي توفير بنية تحتية حديثة، تسمح بتنقل الأشخاص والسلع في ظروف أفضل، وتخفض كلفة الإنتاج، وتجعل المغرب أكثر جاذبية للمستثمرين.

    ومنذ تلك المرحلة، بدأت الدولة رفع وتيرة الاستثمار في الطرق السيارة، وتأهيل الموانئ، وتطوير المطارات، إلى جانب إطلاق برامج لفك العزلة عن العالم القروي، في إطار تصور يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة المجالية.

    من الرؤية إلى التنفيذ.. بداية الأوراش المهيكلة

    مع مطلع الألفية الجديدة، انتقل المغرب من مرحلة وضع التصورات إلى مرحلة إطلاق المشاريع الكبرى، فخلال خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية لسنة 2003، جدد الملك تأكيد ضرورة تحسين مناخ الاستثمار وتطوير التجهيزات الأساسية، باعتبارها أحد الشروط الرئيسية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

    وفي السنة نفسها، تكثفت الدراسات المتعلقة بأحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ المملكة، وهو ميناء طنجة المتوسط، الذي خضع لسلسلة من جلسات العمل الملكية قبل إعطاء انطلاقة الأشغال في فبراير 2003، ليصبح لاحقا أبرز نقطة في السياسة اللوجستية للمغرب.

    ولم يكن اختيار طنجة اعتباطيا، فموقعها عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وعلى مقربة من مضيق جبل طارق، منحها مؤهلات طبيعية جعلت المشروع يتجاوز فكرة إنشاء ميناء جديد، إلى بناء منصة قادرة على إعادة تموقع المغرب داخل سلاسل التجارة العالمية.

    لكن أهمية المشروع لا تكمن في الميناء وحده، بل في المنظومة الاقتصادية التي نشأت حوله. فقد واكبت الدولة إنجازه بإحداث مناطق صناعية ولوجستيكية، وربطه بالطرق السيارة والسكك الحديدية، مما جعل طنجة تستقطب استثمارات صناعية كبرى، خاصة في قطاعي السيارات والطيران، وأسهم في تحول الجهة إلى أحد أهم مراكز التصدير بالمملكة.

    وبهذا الانتقال، لم يعد الميناء مجرد فضاء لعبور السفن، بل أصبح محورا اقتصاديا متكاملا، يجسد الفلسفة التي طبعت سياسة البنية التحتية خلال العهد الجديد: مشاريع مترابطة تخدم الاستثمار، وتعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمغرب.

    وفي موازاة ذلك، واصلت الدولة توسيع شبكة الطرق السيارة، بهدف ربط أهم الأقطاب الاقتصادية للمملكة، وتقليص زمن التنقل بين المدن، وهو ما شكل بداية تحول نوعي في طريقة تدبير البنية التحتية، إذ لم تعد المشاريع تنجز بشكل منفصل، بل ضمن رؤية تجعل كل ورش يكمل الآخر.

    الطرق السيارة.. ربط الجهات قبل جذب المستثمرين

    عند بداية العهد الجديد، كانت شبكة الطرق السيارة بالمغرب لا تزال محدودة، وهو ما كان ينعكس على حركة نقل البضائع والأشخاص، ويرفع كلفة اللوجستيك بالنسبة للمقاولات.

    ومنذ سنة 2000، شهد هذا القطاع دينامية متسارعة، حيث جرى إطلاق وإنجاز محاور استراتيجية ربطت الدار البيضاء بطنجة، ثم توسعت الشبكة نحو مراكش وأكادير ووجدة، مع إطلاق مشاريع للطرق السريعة لفك العزلة عن عدد من الجهات الداخلية.

    ولم يكن الهدف مجرد اختصار زمن السفر، بل خلق فضاء اقتصادي أكثر اندماجا، يسمح بانتقال السلع بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والموانئ في وقت أقل، ويعزز جاذبية المناطق الصناعية الجديدة.

    وتشير معطيات الشركة الوطنية للطرق السيارة إلى أن الشبكة أصبحت تمتد على نحو 1800 كيلومتر، لتعد من بين الأكبر على الصعيد الإفريقي، بينما تجاوزت مشاريع الطرق السريعة آلاف الكيلومترات الإضافية، في إطار سياسة تستهدف تحسين الربط الترابي بين مختلف جهات المملكة.

    وفي قراءته لهذا التحول، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الاستثمار في الطرق السيارة لم يكن هدفا في حد ذاته، بل كان جزءا من سياسة اقتصادية أوسع جعلت البنية التحتية رافعة لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني

    “عندما نستثمر في الطرق السيارة، فنحن لا نبني فقط مسالك للتنقل، بل نخفض الكلفة اللوجستيكية، ونختصر آجال نقل البضائع، ونرفع إنتاجية المقاولات، يؤكد جدري، الذي أبرز أن المستثمر، سواء كان مغربيا أو أجنبيا، يبحث أولا عن سهولة الولوج إلى الموانئ والأسواق ومناطق الإنتاج.

    وأشار إلى أن توسع الشبكة الطرقية ساهم في إعادة توزيع الاستثمار على عدد من الجهات، ولم يعد النشاط الاقتصادي متمركزا فقط في محور الدار البيضاء، كما أن الربط بين الطرق السيارة والمناطق الصناعية والموانئ خلق منظومة متكاملة، انعكس أثرها على تنافسية الصادرات، وسهّل اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية.

    وشدد الخبير على أن العائد الاقتصادي للبنية التحتية لا يقاس بعدد الكيلومترات المنجزة، وإنما بحجم الاستثمارات وفرص الشغل والقيمة المضافة التي تخلقها.

    البراق.. مشروع نقل أم خيار استراتيجي؟

    مع بداية العقد الثاني من الألفية، دخل المغرب مرحلة جديدة في تطوير بنياته التحتية، انتقل فيها من توسيع الشبكات الطرقية والمينائية إلى الاستثمار في النقل السككي عالي السرعة.

    وفي 29 شتنبر 2011، أشرف جلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي على إعطاء الانطلاقة الرسمية لأشغال الخط فائق السرعة بين طنجة والقنيطرة، وهو مشروع أثار آنذاك نقاشا واسعا حول أولوياته وكلفته، قبل أن يتحول بعد سنوات إلى أحد أبرز رموز تحديث منظومة النقل بالمملكة.

    وبعد سبع سنوات من الأشغال، دشن الملك محمد السادس في 15 نونبر 2018 قطار “البراق”، أول قطار فائق السرعة في إفريقيا، مؤكدا في كلمته بالمناسبة أن المشروع “ليس غاية في حد ذاته، وإنما يندرج ضمن رؤية شاملة تروم تطوير المنظومة الوطنية للنقل.”

    هذا التوجيه يعكس فلسفة مختلفة في تدبير البنية التحتية، تقوم على اعتبار كل مشروع جزءا من شبكة متكاملة، وليس ورشا معزولا، فالبراق لم يقتصر أثره على تقليص زمن الرحلة بين طنجة والدار البيضاء، بل ساهم في تعزيز الربط بين ميناء طنجة المتوسط والمراكز الاقتصادية الكبرى، ورفع جاذبية المدن الواقعة على مساره، وتحسين تنقل رجال الأعمال والسياح، ودعم التكامل بين مختلف وسائل النقل.

    خريطة اقتصادية جديدة تتشكل

    ولم يقتصر أثر ميناء طنجة المتوسط وقطار البراق على تطوير البنية التحتية للنقل، بل امتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمملكة، من خلال تعزيز التكامل بين الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية.

    وفي هذا الإطار، يرى مدير المرصد للعمل الحكومي، محمد جدري، أن هذه المشاريع تعكس تحولا في فلسفة الاستثمار العمومي، موضحا أن “ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تعتمد على إنجاز مشاريع منفصلة، بل على بناء منظومة لوجستيكية متكاملة”.

    فميناء طنجة المتوسط لم ينجح لأنه ميناء حديث فقط، وإنما لأنه ارتبط بشبكة طرق سيارة، وسكك حديدية، ومناطق صناعية ولوجستيكية، ما خفض كلفة النقل وسهل اندماج المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج العالمية، يؤكد الخبير الاقتصادي.

    ويضيف بأن الأمر نفسه ينطبق على قطار البراق، الذي عزز الربط بين الأقطاب الاقتصادية، ورفع من جاذبية محور طنجة-القنيطرة-الرباط-الدار البيضاء بالنسبة للمستثمرين.

    2015.. الصحراء في قلب الرؤية التنموية

    شكل خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، في 6 نونبر 2015، محطة مفصلية في مسار البنية التحتية بالمغرب، بعدما أعلن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، باعتباره رؤية متكاملة تهدف إلى تحويل الصحراء إلى قطب اقتصادي استراتيجي.

    ومما جاء في الخطاب الملكي في هذا الصدد: “إن تطبيق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، يجسد وفاءنا بالتزاماتنا تجاه المواطنين بأقاليمنا الجنوبية، بجعلها نموذجا للتنمية المندمجة.. كما نريده دعامة لترسيخ إدماجها، بصفة نهائية في الوطن الموحد، وتعزيز إشعاع الصحراء كمركز اقتصادي، وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي”.

    ولم يقتصر الخطاب على تحديد الأهداف، بل أعلن عن برنامج استثماري ضخم تجاوز 77 مليار درهم، شمل مشاريع في الطرق والموانئ والطاقة والماء والتكوين والصناعة والخدمات الاجتماعية.

    ويعتبر هذا الخطاب نقطة تحول، لأنه نقل البنية التحتية من منطق الربط الداخلي إلى منطق التموضع الجيو-اقتصادي، حيث أصبحت المشاريع الكبرى تخدم أيضا الحضور الاقتصادي للمغرب في القارة الإفريقية.

    ولم تبق هذه التوجيهات في حدود التصور، بل تحولت إلى أوراش ميدانية أعادت رسم ملامح الأقاليم الجنوبية، فقد تم إنجاز الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، الذي أطلق عليه المغرب اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو الطريق الذي وفر محورا استراتيجيا يربط شمال المملكة بجنوبها، وساهم في تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين مختلف الجهات.

    وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعد من أكبر المشاريع المينائية بالمغرب، ويُرتقب أن يشكل منصة لوجستيكية موجهة نحو إفريقيا، بما يعزز مكانة المملكة في سلاسل التجارة البحرية، ويدعم قطاعات الصيد البحري والصناعة والخدمات.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الرؤية الملكية التي أعلن عنها في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2015 تجاوزت مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز، حيث تحولت الأقاليم الجنوبية إلى ورش تنموي مفتوح، أصبحت فيه البنية التحتية أداة لتعزيز الاندماج الوطني، وتقوية الحضور الاقتصادي للمغرب في عمقه الإفريقي.

    الماء.. من سياسة السدود إلى الأمن المائي

    إذا كانت السنوات الأولى من العهد الجديد قد تميزت بتوسيع الطرق والموانئ، فإن السنوات الأخيرة عرفت انتقال الاهتمام إلى تحدٍ لا يقل أهمية، وهو الأمن المائي.

    ففي ظل توالي سنوات الجفاف، ترأس الملك محمد السادس عدة جلسات عمل خصصت لتتبع وضعية الموارد المائية، كان أبرزها جلسة العمل المنعقدة في 13 يناير 2020، التي خُصصت لإطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، والذي رصدت له اعتمادات مالية مهمة لإنجاز السدود، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، وتحسين شبكات نقل المياه.

    وتعزز هذا التوجه في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2023، عندما أكد الملك أن “إشكالية الماء ليست ظرفية، ولا مرتبطة فقط بتأخر التساقطات، وإنما أصبحت تحديا بنيويا”، موجها الحكومة إلى “التسريع بإنجاز السدود المبرمجة، ومشاريع تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية.”

    وبذلك انتقلت السياسة المائية من التركيز على بناء السدود فقط إلى اعتماد مقاربة أشمل تقوم على تنويع مصادر المياه، من بينها محطات التحلية، التي أصبح المغرب يتوفر على 17 محطة لتحلية مياه البحر بقدرة إنتاجية تصل إلى 350 مليون م³ في السنة، إضافة إلى 4 مشاريع أخرى قيد الإنجاز بقدرة إنتاجية تصل إلى 567 مليون م³ في السنة.

    من إنجاز البنيات إلى بناء مغرب 2030

    شكل إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم، يوم 4 أكتوبر 2023، اختيار الملف المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، لحظة مفصلية في مسار المملكة، غير أن الرؤية الملكية تعاملت مع هذا الإنجاز بمنطق يتجاوز تنظيم تظاهرة رياضية عالمية.

    فمنذ الإعلان الرسمي، برز توجه واضح يقوم على جعل كأس العالم رافعة لتسريع إنجاز مشاريع مهيكلة كانت المملكة قد شرعت في إطلاقها، مع توسيعها وتسريع وتيرتها حتى تتحول إلى إرث تنموي دائم يخدم المواطنين والاقتصاد الوطني لعقود مقبلة.

    ويعكس هذا المسار، الممتد من إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية إلى الأوراش المرتبطة بمونديال 2030، تطورا في فلسفة الاستثمار العمومي بالمغرب، حيث لم تعد البنية التحتية تقتصر على توفير التجهيزات الأساسية، بل أصبحت أداة لتعزيز التنافسية الاقتصادية والاندماج الترابي وترسيخ مكانة المملكة إقليميا وقاريا.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن ما يميز التجربة المغربية هو اعتماد رؤية متكاملة تقوم على ترابط مختلف المشاريع، موضحا أن “الطرق السيارة والموانئ والسكك الحديدية لم تُنجز باعتبارها مشاريع مستقلة، وإنما كأجزاء من منظومة لوجستيكية واقتصادية واحدة”.

    وأكد جدري أنه مع إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، اكتسب هذا التوجه بعدا جيو-اقتصاديا من خلال تعزيز الربط مع العمق الإفريقي، فيما فرضت التحولات المناخية إدماج الأمن المائي ضمن أولويات التنمية.

     وأشار إلى أوراش مونديال 2030 تشكل امتدادا لهذه الرؤية، لأنها تسرّع إنجاز مشاريع النقل والمطارات والتهيئة الحضرية، وتترك إرثا تنمويا يتجاوز الحدث الرياضي نفسه. فالقيمة الحقيقية لهذه الأوراش لا تُقاس بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بقدرتها على رفع تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز جاذبية مختلف جهات المملكة للاستثمار.”

    الملاعب.. إرث تنموي يتجاوز المنافسات

    انسجاما مع هذه الرؤية، يشهد المغرب أكبر برنامج لتحديث البنيات الرياضية في تاريخه، لا باعتبارها منشآت مخصصة للمنافسات فقط، وإنما كجزء من مشروع أشمل لتأهيل المدن.

    وفي هذا الإطار، تم خلال سنة 2025 تدشين المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط بعد إعادة تشييده بالكامل وفق أحدث المعايير الدولية، ليصبح إحدى أبرز المنشآت الرياضية بالقارة الإفريقية، والتي استضافت افتتاح ونهائي كأس إفريقيا للأمم سنة 2025.

    وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، الذي سيكون أكبر الملاعب في العالم بسعة 115 ألف متفرج، فيما شهدت ملاعب طنجة، ومراكش، وفاس، وأكادير برامج واسعة للتأهيل والتحديث استعدادا للاستحقاقات القارية والعالمية.

    غير أن هذه المشاريع لا تقتصر على الملاعب، بل تشمل إعادة تهيئة محيطها، وإنجاز محاور طرقية جديدة، وتحسين الولوج إليها، وتطوير شبكات النقل الجماعي، بما يجعلها مشاريع حضرية متكاملة تترك أثرا دائما بعد انتهاء المنافسات.

    السكك الحديدية.. جيل جديد من النقل في أفق 2030

    بعد نجاح تجربة القطار فائق السرعة “البراق”، دخل المشروع السككي المغربي مرحلة جديدة أكثر طموحا.

    فقد أشرف الملك محمد السادس سنة 2025 على إعطاء انطلاقة أشغال الخط فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، وهو مشروع استراتيجي سيقلص مدة السفر بين شمال المملكة ووسطها، ويعزز الربط بين أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية، كما يهيئ لمرحلة لاحقة تمتد نحو الجنوب.

    ولم يتوقف هذا الورش عند الخطوط عالية السرعة، إذ أشرف جلالته يوم 24 شتنبر 2025 على إطلاق مشاريع سككية مهيكلة باستثمار يبلغ 20 مليار درهم.

    وتشمل هذه المشاريع إنجاز 260 كيلومترا من السكك المكهربة الجديدة، وبناء وتوسعة 50 منشأة فنية، وإنشاء 11 محطة فرعية كهربائية، وتشييد 10 محطات جديدة لخدمات القرب، وتأهيل 5 محطات، وبناء 3 محطات كبرى من الجيل الجديد، إضافة إلى إحداث مركزين وخمس ورشات للصيانة، واقتناء 48 قطارا مخصصا لخدمات القرب والنقل الجهوي.

    وتعكس هذه الأوراش انتقال الرؤية الملكية من ربط المدن الكبرى فقط، إلى تطوير منظومة نقل حديثة تخدم التنقل اليومي للمواطنين، وتخفف الضغط على الطرق، وتواكب النمو الحضري، وتدعم التنمية الاقتصادية في أفق 2030.

    مطارات وطرق تستعد لمغرب 2030

    وبالموازاة مع الأوراش الرياضية والسككية، تشهد المملكة برنامجا غير مسبوق لتوسعة وتحديث مطاراتها، بهدف رفع طاقتها الاستيعابية وتحسين جودة خدماتها، بما يواكب النمو المتواصل لحركة المسافرين ويعزز مكانة المغرب كمنصة جوية بين إفريقيا وأوروبا.

    كما تتواصل مشاريع الطرق السيارة، والطرق السريعة، والتهيئة الحضرية، وربط المدن بالموانئ والمطارات، بما يضمن انسيابية أكبر في حركة الأشخاص والبضائع، ويقوي جاذبية مختلف الجهات للاستثمار.

    وتؤكد هذه المشاريع أن الاستعداد لكأس العالم 2030 لم يقتصر على تشييد الملاعب، بل تحول إلى ورش وطني شامل لتحديث البنية التحتية ورفع تنافسية المملكة.

    مشاريع مختلفة… ورؤية ملكية واحدة

    بعد سبعة وعشرين عاما من الأوراش المتواصلة، لم تعد البنية التحتية مجرد حصيلة من الطرق والموانئ والسكك الحديدية والملاعب، بل أصبحت أحد أبرز تجليات الرؤية الملكية التي جعلت من الاستثمار في التجهيزات الأساسية مدخلا لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز مكانة المغرب قاريا ودوليا.

    ومن ميناء طنجة المتوسط إلى ميناء الداخلة الأطلسي، ومن البراق إلى الخط فائق السرعة نحو مراكش، ومن مشاريع النقل الجهوي إلى برامج الأمن المائي، ومن تحديث المطارات إلى تأهيل الملاعب استعدادا لكأس العالم 2030، يتواصل بناء مغرب جديد، قوامه التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في المستقبل، وفق رؤية ملكية تجعل من البنية التحتية رافعة للتنمية الشاملة، وليست مجرد مشاريع عمرانية.

  • من بوغوتا إلى الرباط.. كيف أعاد المغرب هندسة موازين الصحراء في أمريكا اللاتينية؟

    من بوغوتا إلى الرباط.. كيف أعاد المغرب هندسة موازين الصحراء في أمريكا اللاتينية؟

    في السابع من غشت المقبل، لن يكون مشهد تسلّم الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا مقاليد السلطة في بوغوتا حدثا محليا عابرا، فبين أولى القرارات التي أعلن عنها الرجل الملقّب بـ”النمر”، وهو المحامي وصاحب أعمال يمينيّ حظي بدعم علني من دونالد ترامب، إغلاقُ 14 سفارة كولومبية حول العالم على رأسها سفارة الجزائر إلى جانب سفارات كوبا ونيكاراغوا وأذربيجان وباربادوس والتشيك وإثيوبيا وغانا وهايتي والمجر وماليزيا ورومانيا والسنغال وجنوب إفريقيا، مقابل فتح سفارة جديدة في نيجيريا وإعادة فتح البعثة في القدس بعدما كان الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو قد قطع العلاقات مع إسرائيل على خلفية حرب غزة.

    دي لا إسبرييلا كان واضحا في تبرير قراره، وهو يقول “لن تكون هناك أي علاقة مع الأنظمة الاستبدادية في حكومتي”، في إشارة مباشرة إلى كوبا ونيكاراغوا اللتين ستُقطع معهما العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، بينما ستتحول باقي السفارات المُغلقة، ومن ضمنها سفارة الجزائر إلى تمثيل قنصلي غير مقيم تُغطيه سفارات أخرى في المنطقة، كما سيتولى وزارة الخارجية الجديدة عمر بولا إسكوبار، وسيُشرف على مراجعة تقنية لكل التمثيليات الكولومبية المتبقية خلال أول مئة يوم من الحكم.

    لكن الخبر الذي بدا في ظاهره حديثا عن “ترشيق” السلك الدبلوماسي الكولومبي وإعادة التموضع نحو واشنطن وتل أبيب، يخفي في جوفه معنى أعمق وأكثر إيلاما لجهة أخرى بعيدة جغرافيا عن أمريكا اللاتينية وهي جبهة البوليساريو الانفصالية وحاضنتها الجزائرية، حيث أن إغلاق سفارة الجزائر بالتحديد يصبّ مباشرة في مصلحة الرباط ويمثل ضربة لحلفاء البوليساريو في القارة.

     والحقيقة أن هذا الحدث ليس إلا الفصل الأخير وربما الأكثر دراماتيكية من مسلسل طويل بدأ يتكشف منذ سنوات، وهو مسلسل انهيار ممنهج لآخر معاقل الميليشيا الانفصالية في نصف الكرة الغربي.

    “الحصن الأخير”.. لماذا كانت كولومبيا بالذات لا تُعوَّض

    لفهم حجم الخسارة التي تكبّدتها الجبهة الانفصالية بسقوط بوغوتا في يد اليمين، يجب استحضار حقيقة جغرافية سياسية دقيقة مفادها أن كولومبيا لم تكن مجرد دولة أخرى من بين عشرات الدول التي تعترف أو لا تعترف بالجبهة الانفصالية، بل كانت ولا تزال حتى انتهاء ولايتها، عضوا غير دائما في مجلس الأمن الدولي لفترة 2026-2027.

    وحين انتهت عضوية الجزائر نفسها في مجلس الأمن في دجنبر 2025، عقدت جبهة البوليساريو الانفصالية آمالا عريضة على أن ترث بوغوتا في ظل حكم غوستافو بيترو اليساري موقع “المحامي الداخلي” لما يعتبرونه “قضية” داخل أقوى هيئة في الأمم المتحدة، بل إن الجبهة الانفصالية بعثت قبل أيام فقط من إعلان نتائج الانتخابات الكولومبية، برسالة رسمية إلى رئاسة كولومبيا لمجلس الأمن، التي كانت تتولى الرئاسة الدورية لشهر يونيو تطالب فيها بعقد جلسة طارئة بخصوص ما وصفته بضربات جوية مغربية شرق الجدار الأمني.

    فما الذي جعل كولومبيا “حصنا” بهذا الوزن في المقام الأول؟ الجواب يعود إلى تاريخ طويل ومتقلب بدأ في الثمانينيات، ثم عاد للانفجار بشكل مفاجئ في 2022.

    من “التجميد” إلى “الإحياء”.. حين أخرج بيترو بيان 1985 من الأدراج

    اعترفت كولومبيا بالجبهة الانفصالية لأول مرة في 27 فبراير 1985، أي في عهد الرئيس بليساريو بيتانكور، لكنها جمّدت هذا الاعتراف في 20 دجنبر 2000 في عهد الرئيس أندريس باسترانا، ليبقى الملف طي النسيان في الدبلوماسية الكولومبية لأكثر من عقدين.

    ثم جاء غوستافو بيترو، الزعيم اليساري السابق في حركة “19 أبريل” المسلحة، ليتسلم السلطة في 7 غشت 2022 بصفته أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، ولم يمر على تنصيبه سوى ثلاثة أيام فقط حين أعلن حكومته استعادة العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو الانفصالية، في لقاء جمع مسؤولين كولومبيين ومن الجبهة الانفصالية.

    ويعد الأمر، استحضارا روحيا لحرب باردة انتهت ونبش لبيان مشترك عمره 37 عاما لإحياء دولة ورقية لا أرض لها ولا مؤسسات ولا عضوية في الأمم المتحدة، فيما المفارقة أن قرار بيترو جاء بعد أشهر قليلة من تصريح دبلوماسي كولومبي سابق في أكتوبر 2021، فقد أشار فيه إلى أن الاختصاص القنصلي للسفارة الكولومبية بالمغرب يمتد “ليشمل كل التراب المغربي، بما فيه الصحراء”، وهو ما فُهم وقتها كإشارة ضمنية لدعم السيادة المغربية، قبل أن تتراجع بوغوتا عن التفسير الحرفي لذلك التصريح وتؤكد تشبثها بموقفها “التاريخي” الداعم لمسار الحل الأممي دون تسمية صريحة لصاحب السيادة.

    البرلمان يتمرد على الرئيس.. حين رفض 62 من 108 شيوخ كولومبيين قرار بيترو

    القرار، الذي اتخذه بيترو من قصر نارينيو لم يكن يعكس بأي شكل مزاج الطبقة السياسية الكولومبية ولا حتى معسكرها الحزبي، فبعد أسابيع قليلة فقط من إعادة الاعتراف بالبوليساريو وقّع 62 من أصل 108 أعضاء في مجلس الشيوخ الكولومبي من تسعة أحزاب سياسية مختلفة على مذكرة استنكار غير مسبوقة بتاريخ 19 أكتوبر 2022، اعتبروا فيها أن الخطوة تنتهك اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، ولا تعبّر عن الرأي العام الكولومبي، وتُخرّب شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الرباط.

    ولم يتراجع بيترو، بل تصلّب في موقفه فجاء رد الكونغرس أقوى في المرة الثانية، ففي 28 نونبر 2023 مرّرت الغرفة العليا مذكرة أخرى بتأييد 65 من أصل 105 شيوخ، مؤكدة مجددا دعمها ل الترابية للمغرب

    وفي فبراير 2025، أكد رئيس الكونغرس الكولومبي إفراين سيبيدا، وهو شخصية مختلفة تماما عن السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي خسر الرئاسة أمام دي لا إسبرييلا، أن أكثر من 70% من أعضاء البرلمان يرفضون اعتراف بيترو بالجبهة الانفصالية، وذلك عقب لقائه بسفيرة المغرب في بوغوتا فريدة لوداية.

    وأشار سيبيدا في المناسبة نفسها إلى أن التبادل التجاري بين المغرب وكولومبيا بلغ 350 مليون دولار سنة 2022، أي بعبارة أخرى، كان بيترو “رئيسا منفردا” في قراره على رأس السلطة التنفيذية يسبح عكس تيار كونغرس معادٍ لموقفه، بل ومعادٍ حتى لحزبه في مسألة لم تكن أساسا ضمن أولويات الناخب الكولومبي.

    التشبث حتى اللحظة الأخيرة.. الفوسفاط والدعوة إلى العيون الآن

    لم يتخلَّ بيترو عن قضيته حتى في أواخر ولايته، ففي 28 نونبر 2025، وفي فعالية أقيمت ببوغوتا، أعلن الرئيس المنتهية ولايته دعمه الكامل للجبهة الانفصالية، معلنا أن كولومبيا ستوقف استيراد الفوسفاط المستخرج من الصحراء المغربية بداية من 2026، فضلا عن كشفه أنه تلقى دعوة لزيارة مخيمات تندوف.

    بيد أن هذا التصلب الأيديولوجي جاء في لحظة كانت الأرض تنزلق فعلا من تحت أقدام بيترو ومعسكره، فحين بدأت كولومبيا، في فاتح يناير 2026، عضويتها الجديدة في مجلس الأمن الدولي، العضو الوحيد الحالي في المجلس الذي لا يزال يعترف تاريخيا بالجبهة الانفصالية منذ 1976، لاحظ المتتبعون أن البيان الرسمي لوزارة الخارجية الكولومبية، عند الإعلان عن هذه العضوية، تجاهل بشكل لافت أي ذكر مباشر لجبهة البوليساريو الانفصالية، في ما اعتُبر إشارة موازنة مبكرة على أن بوغوتا الرسمية – بمعزل عن تصريحات بيترو الشخصية – كانت بدأت تُعدّ لتموضع أكثر حذرا.

    الزلزال الانتخابي.. كيف أنهى “النمر” مغامرة بيترو في أقل من شهرين

    في 21 يونيو 2026، فاز أبيلاردو دي لا إسبرييلا (47 سنة) في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الكولومبية بفارق ضئيل 49.66% في مواجهة السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 48.7%، من إجمالي نحو 13 مليون صوت  سيبيدا، المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته بيترو، مثّل استمرارية المشروع اليساري الذي رعى، من بين قرارات أخرى، إحياء العلاقات مع الميليشيا الانفصالية.

    ووصف موروكو وورلد نيوز نتيجة الانتخابات بأنها “تفجير لأهم محطة تتابع دبلوماسي لا يزال يملكه الانفصاليون وحاضنتهم الجزائرية في نصف الكرة الغربي بالكامل”

    دي لا إسبرييلا، محامٍ جنائي فُتن بشخصيته الاستعراضية وحظي بدعم علني من دونالد ترامب يمثل انقلابا شاملا في التموضع الجيوسياسي لكولومبيا محافظ، مناهض للجريمة، منحاز إلى واشنطن، ومزدرٍ للمغامرات الأيديولوجية التي ميّزت عهد سلفه، وقراره إغلاق سفارة الجزائر الراعي الأول والممول والمسلّح للبوليساريو، ضمن حزمة السفارات الأربع عشرة إنما هو التتويج الطبيعي لهذا الانقلاب، لا مجرد قرار تقشف إداري.

    والأهم من ذلك، مقعد كولومبيا في مجلس الأمن، الذي راهنت عليه جبهة البوليساريو كصمام أمان بعد خروج الجزائر من المجلس، سينقلب من أداة عرقلة إلى موقف حيادي أو حتى تعاوني “خصوصا في ظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي منح في أكتوبر 2025، تأييدا غير مسبوق لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كإطار وحيد لأي تسوية”.

    ليست كولومبيا وحدها..القارة كلها تنقلب

    الأمر الأكثر إثارة للانتباه في القصة الكولومبية أنها ليست حالة منفردة، بل حلقة في سلسلة متتابعة من الانهيارات التي أطاحت الواحدة تلو الأخرى، بكل معاقل البوليساريو الانفصالية في أمريكا اللاتينية تقريبا خلال أقل من ثلاث سنوات، فالأرجنتين في عهد ميلي، تشيلي في عهد كاست، الإكوادور، كوستاريكا، بوليفيا دولة تلو الأخرى، تخلّت الهيئات الانتخابية في أمريكا اللاتينية عن الحكومات اليسارية ونصّبت إدارات مقربة من واشنطن محترمة للسيادة، لا رغبة لها في تبني قضايا الجزائر بالوكالة.

    بنما في نونبر 2024، كانت أول دولة في القارة تعترف بالبوليساريو الانفصالية منذ 1978، وكانت أيضا من بين آخر من قطع العلاقات معها فعليا، ففي 21 نونبر 2024 أعلنت بنما تعليق كل علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان المزعوم، عشية توليها مقعدا غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2025-2026، وبعثت الجزائر رئيس برلمانها إلى بنما سيتي في محاولة يائسة لإقناع السلطات بالتراجع، لكن دون

    وفي يونيو 2025، أثناء زيارة عمل لوزير خارجيتها إلى الرباط، أعلنت بنما رسميا دعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها “الأساس الأكثر جدية وموثوقية وواقعية” لتسوية النزاع.

    أما الإكوادور ففي أكتوبر 2024، علّقت اعترافها بـ “البوليساريو” في 22 أكتوبر 2024، بعد أن كانت قد اعترفت بها منذ 1983 وفتحت لها “سفارة” في كيتو سنة 2009 كما أغلقت السلطات الإكوادورية “السفارة” فعليا وطلبت من ممثلي الجبهة الانفصالية مغادرة البلاد، وأزالت علمهم من مقر البعثة.

    من جهتها، بوليفيا، وفي فبرايرالماضي، عقب مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية المغرب ناصر بوريطة ونظيره بوليفيا فرناندو أرامايو أعلنت بتاريخ 23 فبراير 2026، تعليق كل العلاقات الدبلوماسية مع الجبهة الانفصالية، ووقف كل تواصل رسمي معها مستشهدة صريحا بقرار مجلس الأمن رقم 2797.

    واتفق الجانبان على استعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح بعثتين في الرباط ولاباز، مع خارطة طريق للتعاون في التجارة والفلاحة والأمن الغذائي، وبحلول ماي 2026، كانت بوليفيا تدرس فعليا افتتاح سفارة لها بالمغرب، في تأكيد على أن القطيعة مع البوليساريو لم تكن مجرد تصريح عابر.

     واللافت أن بوليفيا نفسها كانت قد مرّت بدورة سابقة من التراجع، حيث أنها سحبت اعترافها في يناير 2020 في عهد الرئيسة المؤقتة جانين آنييز، قبل أن يُعيده الرئيس لويس أرسي المحسوب على معسكر إيفو موراليس اليساري في شتنبر 2021، ليعود ويُعلَّق نهائيا في 2026.

    من جانبها هندوراس، أعلنت أبريل الماضي على لسان وزيرة خارجيتها ميريا أغيرو دي كوراليس، في رسالة رسمية بُعثت إلى نظيرها المغربي ناصر بوريطة، تعليق اعتراف بلادها بـ”البولساريو” التي كانت قد اعترفت بها أول مرة سنة 1989 وأكدت الاعتراف مجددا سنة 2022.

    وأوضحت الوزيرة أن القرار “ينبع من قرار سيادي هندوراسي، قائم على التزام هندوراس التقليدي بمبادئ عدم التدخل واحترام الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، مؤكدة تمسك بلادها بقرار مجلس الأمن 2797، فيما مثّل قرار هندوراس “سادس انسحاب اعتراف في العامين الأخيرين فقط”، في وقت لم يسجَّل فيه أي اعتراف جديد بالكيان منذ 2011.

    بحلول صيف 2026، لم يبق من “الحصون” التي كانت تدعم رواية الجبهة الانفصالية في القارة الأمريكية سوى عدد محدود جدا من الدول هي مكسيكو، بليز، أوروغواي، ترينيداد وتوباغو، فنزويلا، كوبا ونيكاراغوا، وهي القائمة التي تقلصت أكثر مع انسحاب بوليفيا لاحقا وحتى هذه القائمة المتبقية تكاد كلها تنحصر في هافانا وماناغوا وكاراكاس وحفنة من الجزر الكاريبية الصغيرة المجمدة في عنبر أيديولوجي، أي بعبارة أخرى محور “الأنظمة الاستبدادية” ذاته الذي يقطع دي لا إسبرييلا معه العلاقات بشكل نهائي في كولومبيا.

     من القدس إلى العيون والداخلة

    لم يكن هذا الانهيار المتسلسل نتاج مصادفات انتخابية محلية فحسب، بل كان أيضا محصلة لتدبير دبلوماسي مغربي ممنهج وطويل النفس، ركّز على واجهتين متكاملتين هما تعزيز الحضور القنصلي الدولي في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية من جهة، والاستفادة من الغطاء الدولي المتصاعد لخطة الحكم الذاتي من جهة أخرى.

    فمنذ افتتاح ساحل العاج أول قنصلية فخرية بالعيون سنة 2019، توالى افتتاح البعثات القنصلية الأفريقية والعربية والكاريبية والأمريكية-اللاتينية في المدينتين بمعدل يكاد يكون شهريا من جزر القمر وغابون وأفريقيا الوسطى وكوت ديفوار وبوروندي وإسواتيني وزامبيا وملاوي وساو تومي وبرينسيبي في العيون، إلى الإمارات والبحرين والأردن في العيون كذلك، وغامبيا وليبيريا وغينيا الاستوائية وسيراليون وغينيا بيساو والرأس الأخضر وتشاد في الداخلة

    أما على واجهة أمريكا اللاتينية والكاريبي بالتحديد، فقد كانت غواتيمالا أول دولة من القارة تفتتح قنصلية عامة لها بالداخلة، في دجنبر 2022، في خطوة وصفها وزير خارجيتها ماريو أدولفو بوكارو فلوريس بأنها “رمز لصداقتنا” مع المغرب، ثم تبعتها هايتي في دجنبر 2020 وسورينام في ماي 2022، ومنظمة دول شرق الكاريبي التي تضم سبع دول أعضاء في مارس 2022.

     وفي أكتوبر 2025، أعلنت وزارة الخارجية المغربية أن باراغواي، التي كانت من الدول المعترفة سابقا بالبوليساريو الانفصالية، ستفتح هي أيضا قنصلية لها في الصحراء المغربية، بعد مباحثات بين وزيري خارجية البلدين في الرباط، مؤكدة دعمها لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

    وبحلول سنة 2025، بلغ عدد الدول التي افتتحت قنصليات في العيون والداخلة نحو 33 دولة أي ما يمثل نحو 40% من الدول الأفريقية إضافة إلى مجموعة معتبرة من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية والخليج وقد وصفت صحيفة إلباييس الإسبانية هذا الزخم بأنه ترجمة مباشرة لتحول دبلوماسي عالمي بدأ فعليا حين اعترفت الولايات المتحدة، في دجنبر 2020، بالسيادة المغربية على الصحراء.

    قرار 2797..الغطاء الدولي الذي بدّل قواعد اللعبة كليا

    إذا كانت الموجة الانتخابية اليمينية في أمريكا اللاتينية بمثابة “التفصيل السياسي” المحلي، فإن قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 بمبادرة أمريكية، كان “الغطاء البنيوي” الذي حوّل هذه التحولات المتفرقة إلى مسار دولي شبه لا رجعة فيه، فللمرة الأولى في تاريخ الملف، أقرّ مجلس الأمن نصا يعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية قد يمثل الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق” لنزاع الصحراء، مستبعدا بشكل ضمني خيار الاستفتاء على الاستقلال الذي كانت تتشبث به جبهة البوليساريو.

    وصوّتت 11 دولة لصالح القرار من أصل 15 عضوا بمجلس الأمن، بينها بنما نفسها بصفتها عضوا غير دائما، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت احتجاجا).

    وحسب تحليل مركز السياسات (Policy Center for the New South)، فإن القرار “يعيد رسم مهمة الأمم المتحدة بشكل رسمي، إذ يفرض أن تجري المفاوضات حصريا في إطار خطة الحكم الذاتي المغربية”، مستثنيا بذلك أي مقترح مضاد قدمته جبهة البوليساريو الانفصالية، بما فيها المقترح “الموسّع” الذي تقدمت به الجبهة عبر البعثة الجنوب أفريقية للأمم المتحدة يوم 20 أكتوبر 2025  أي 11 يوما فقط قبل تصويت المجلس.

    والملاحَظ أن كل قرارات الانسحاب من الاعتراف بالبوليساريو التي تلت أكتوبر 2025  بما فيها بوليفيا في فبراير 2026 وهندوراس في أبريل 2026، استشهدت صراحة وبشكل ممنهج بقرار 2797 كسند قانوني ودبلوماسي لتبرير قطيعتها مع الجبهة، في ما يعكس كيف تحوّل هذا القرار الأممي إلى أداة تبرير جاهزة لأي حكومة ترغب في إعادة التموضع دون أن تبدو منقادة لضغط مغربي مباشر.

  • رهان على الابتكار والاستثمار.. المغرب يعيد رسم موقعه في اقتصاد الألعاب

    رهان على الابتكار والاستثمار.. المغرب يعيد رسم موقعه في اقتصاد الألعاب

    لم تعد الألعاب الإلكترونية في المغرب مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت تدريجيا إلى مجال يستقطب اهتمام الشباب والمستثمرين على حد سواء، إذ بدأت تظهر في السنوات الأخيرة استوديوهات ومبادرات محلية تسعى إلى تطوير ألعاب تحمل بصمة مغربية، مستفيدة من طاقات شابة في البرمجة والتصميم.

    وبرز الاهتمام بصناعة الألعاب الإلكترونية في المغرب مع الحكومة الحالية، بعدما انتقل هذا المجال من كونه نشاطا ترفيهيا إلى قطاع اقتصادي، ما جعل وزارة الشباب والثقافة والتواصل تضعه في صلب أولوياتها.

    وفي هذا الإطار، اعتمد المغرب، بتوجيهات الملك محمد السادس، مقاربة لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، تقوم على بناء منظومة متكاملة تشمل التكوين، ودعم المقاولات الناشئة، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية، إلى جانب إحداث بنية تحتية متخصصة وتنظيم تظاهرات دولية للترويج للقطاع.

    ويهدف هذا التوجه إلى الانتقال بالمغرب من سوق استهلاك الألعاب الإلكترونية إلى فاعل في إنتاجها وتطويرها، بما يعزز مساهمة هذا القطاع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    الألعاب الإلكترونية.. رهان حكومي جديد

    شهد قطاع صناعة الألعاب الإلكترونية اهتماما حكوميا متزايدا سنة 2023، عندما أطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل أولى المبادرات الرامية إلى بناء صناعة وطنية في هذا المجال.

    وفي أكتوبر من السنة نفسها، استقبل وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، يونغ موك بارك، المؤسس المدير العام للشركة الكورية “Proxy Planet” المتخصصة في صناعة ألعاب الفيديو، حيث استعرض خلال هذا اللقاء رؤية المغرب لتطوير القطاع، واستراتيجية الوزارة الرامية إلى الاستثمار في صناعة الألعاب الإلكترونية وجعلها رافعة للاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والإبداعية.

    فعلى مستوى البنية التحتية، شرعت الوزارة في إنجاز مشروع Rabat Gaming City، الذي يهدف إلى جعل الرباط مركزا إقليميا لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وفي هذا الصدد، أكدت نسرين السويسي، مديرة تنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات بالوزارة الوصية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الوزارة أطلقت في مجال التكوين أولى البرامج المتخصصة لتأهيل مطوري الألعاب الإلكترونية، من بينها برنامج “Video Game Creator” الذي يكون 40 شابا سنويا بشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، مع تخصيص 35 بالمئة من المقاعد للنساء.

    وفي مجال ريادة الأعمال، تضيف السويسي، أنه تـم إطلاق برنامج Video Game Incubator الذي احتضن تسع شركات ناشئة في دورته الأولى، قبل إطلاق دورته الثانية مطلع سنة 2026.

    كما أحدثت برامج لاحتضان الشركات الناشئة، أبرزها حاضنة ألعاب الفيديو “Video Game Incubator”، الذي يهدف إلى دعم تطوير كفاءات الشركات الناشئة المغربية في مجال ألعاب الفيديو وفقا للمعايير الدولية.

    ونظمت الوزارة في إطار التواصل والترويج الوطني والدولي، معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo” كمنصة سنوية تجمع المطورين والمستثمرين والناشرين والمؤسسات والشركاء الوطنين والدوليين، بهدف التعريف بالمؤهلات المغربية، وتشجيع الاستثمار، وترسيخ مكانة المغرب كمركز إقليمي رائد لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وشهد المعرض خلال نسخته الثالثة سنة 2026، توقيع أربع اتفاقيات استراتيجية شملت مجالات التكوين الأكاديمي، من خلال مشاريع توظيف آليات الألعاب الإلكترونية، وحماية حقوق الطفل في مجال صناعة الألعاب الإلكترونية، والإدماج الرقمي، في خطوة تستهدف تسريع بناء منظومة وطنية متكاملة لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وفي هذا الصدد، أشارت السويسي إلى أن الوزارة أطلقت الاستراتيجية الوطنية لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، انطلاقا من قناعة مفادها أن هذا القطاع لم يعد يقتصر على الترفيه، بل أصبح صناعة ثقافية وإبداعية واقتصادية عالمية تتجاوز مداخيلها 300 مليار دولار، مع توقعات ببلوغها أكثر من 500 مليار دولار بحلول سنة 2030.

    وأضافت أن المغرب يتوفر على مؤهلات حقيقية تؤهله للتموقع داخل هذه الصناعة؛ من بينها أكثر من ثمانية ملايين شابة وشاب تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة، إلى جانب كفاءات رقمية واعدة، وموقع جغرافي استراتيجي يجعل المملكة جسرا بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.

    وأكدت أن هذه المعطيات دفعت الوزارة إلى اعتبار صناعة الألعاب الإلكترونية رافعة جديدة للتنمية الاقتصادية والثقافية، وإطلاق لأول مرة رؤية وطنية متكاملة تجعل المغرب قطبا إقليميا لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    ومن جهته، يرى الخبير الرقمي حسن خرجوج، أن هذا التوجه يعكس تحولا جوهريا في النظرة إلى الألعاب الإلكترونية التي أصبحت صناعة ثقافية ورقمية متكاملة تجمع بين البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، والتسويق.

    وأضاف أن هذا الرهان الحكومي جاء استجابة لتحولات عالمية متسارعة، أبرزها النمو الكبير لسوق الألعاب الإلكترونية، وارتفاع استهلاك المحتوى الرقمي، وتطور الهواتف الذكية ومنصات التوزيع الإلكتروني، إلى جانب بروز مهن جديدة مرتبطة بتطوير الألعاب والتصميم والواقع الافتراضي.

    آليات المواكبة الحكومية

    اعتمدت الحكومة مجموعة من الآليات لمواكبة تطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، تقوم على التكوين، ودعم المقاولات الناشئة، وتعزيز الشراكات، إلى جانب إحداث برامج تمويل موجهة لتشجيع الابتكار.

    وفي هذا الإطار، أُدرجت الشركات العاملة في صناعة الألعاب الإلكترونية ضمن صندوق دعم الابتكار (FSI)، عقب توقيع ملحق لاتفاقية الصندوق بين وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الصناعة والتجارة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووكالة Maroc PME، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، بما أتاح تأهيل هذا القطاع للاستفادة رسميا من آليات الدعم.

    وأُطلق برنامج فرعي خاص بصناعة الألعاب الإلكترونية ضمن البرنامج الوطني لدعم الابتكار الصناعي والبحث والتطوير للفترة 2026-2028، بهدف مواكبة المشاريع المبتكرة وتعزيز تنافسية الاستوديوهات والمقاولات الناشئة المغربية.

    ويرتكز البرنامج على آليتين أساسيتين للتمويل؛ الأولى مخصصة لدعم تطوير النمذجة الأولية، من خلال تغطية تصل إلى 70 في المئة من تكلفة المشروع، بسقف محدد في مليون درهم، فيما تهم الثانية دعم مرحلة التصنيع التجريبي، عبر تمويل مالي يصل إلى 30 في المئة من التكلفة، وبسقف محدد في 3 ملايين درهم، بهدف مواكبة ودعم مشاريع الألعاب الإلكترونية ذات الإمكانات الواعدة، بما يساهم في بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة وترتكز على الابتكار.

    ويرى الخبير الرقمي حسن خرجوج أن هذه الآليات تمثل خطوة مهمة، لأنها تتعامل مع القطاع بمنطق متكامل؛ فالتكوين يساهم في إعداد الكفاءات، والحاضنات تساعد على إحداث المقاولات، بينما يتيح التمويل تطوير النماذج الأولية، وتفتح الشراكات الدولية المجال أمام نقل الخبرات والولوج إلى الأسواق الخارجية.

    واعتبر، في المقابل، أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية بمفردها، لأن صناعة الألعاب الإلكترونية تحتاج أيضا إلى تمويل بدءا من مراحل النمو والتوسع والتسويق الدولي، إلى جانب وضع مؤشرات دقيقة لقياس نتائج السياسة الحكومية، تشمل عدد الألعاب التي تم إطلاقها، وعدد مناصب الشغل المستدامة، وحجم الصادرات، وقيمة الاستثمارات الأجنبية، وحقوق الملكية الفكرية المغربية.

    وأكد أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطا بمدى قدرة المغرب على تطوير استوديوهات وعلامات تجارية وألعاب مغربية قادرة على المنافسة، بدل الاكتفاء بتنفيذ أجزاء من مشاريع أجنبية، مبرزا أن القيمة المضافة الحقيقية في هذه الصناعة ترتبط بامتلاك الملكية الفكرية والتحكم في النشر والتوزيع، أكثر من ارتباطها بالخدمات التقنية وحدها.

    10 آلاف منصب شغل

    أفرزت المبادرات الحكومية لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية مجموعة من المكتسبات الاقتصادية والتكنولوجية والبشرية، من خلال دعم التكوين والابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز مكانة هذا القطاع ضمن الصناعات الرقمية والإبداعية بالمغرب.

    وتؤكد مديرة تنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات بالوزارة، أن نتائج الاستراتيجية بدأت تظهر تدريجيا، وهو أمر طبيعي بالنسبة لقطاع لا يزال في مرحلة البناء، موضحة أن المغرب أصبح يتوفر اليوم على أكثر من 100 مقاولة ناشئة واستوديو متخصص في صناعة الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى أكثر من 2000 مطور ومطورة ينشطون في هذا المجال، ما يعكس الدينامية التي يشهدها القطاع.

    وأضافت أن الوزارة تستهدف خلق 10 آلاف منصب شغل مباشر بحلول سنة 2030، عبر تطوير منظومة اقتصادية متكاملة تشمل تطوير الألعاب الإلكترونية، والنشر، وخدمات التعهيد، والرياضات الإلكترونية، والخدمات المرتبطة بها.

    مكاسب تتجاوز البعد الاقتصادي

    وفي معرض جوابه عن المكتسبات التي يتيحها قطاع الألعاب الإلكترونية، أكد المحلل الاقتصادي علي الغنبوري، في تصريح خص به جريدة “AM+ MEDIA”، أن صناعة الألعاب الإلكترونية تُحقق مكاسب تتجاوز البعد الاقتصادي، لتشمل تطوير الرأسمال البشري من خلال تكوين كفاءات في البرمجة، والتصميم ثلاثي الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وهي مهارات مطلوبة في مختلف القطاعات الرقمية.

    وأضاف أن الألعاب الإلكترونية أصبحت تُستخدم أيضا في مجالات التعليم والتكوين والمحاكاة، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز الابتكار.

    وأشار إلى أن هذا القطاع يساهم كذلك في تنشيط منظومة الشركات الناشئة، وتحفيز الصناعات الثقافية والإبداعية، وتسويق الثقافة المغربية عبر إنتاج ألعاب مستوحاة من التاريخ والتراث الوطني، فضلا عن دعم الرياضات الإلكترونية وصناعة المحتوى الرقمي، بما يخلق فرصا جديدة للشباب وللمقاولات الصغرى والمتوسطة.

    وفي السياق ذاته، أفادت نسرين السويسي أن معرض “Morocco Gaming Expo” أصبح أحد أبرز مؤشرات تطور المنظومة الوطنية لصناعة الألعاب الإلكترونية، بعدما شهد إقبالا متزايدا منذ إطلاقه، إذ استقطبت دورته الأولى سنة 2024 أكثر من 40 ألف زائر، وارتفع العدد إلى أكثر من 70 ألف زائر في الدورة الثانية سنة 2025، قبل أن تتجاوز الدورة الثالثة سنة 2026 عتبة 80 ألف زائر.

    وأضافت أن أهمية المعرض لا تقاس بعدد الزوار، بل بما أصبح يوفره من منصة تجمع المطورين والمستثمرين والناشرين والجامعات والشركاء الدوليين، بما يتيح فرصا للشراكات والاستثمار، ويساهم في إبراز المواهب المغربية وتسويق المشاريع الوطنية وتعزيز صورة المغرب كوجهة صاعدة في صناعة الألعاب الإلكترونية على المستويين الإقليمي والدولي.

    رهانات اقتصادية واعدة

    وتسعى الحكومة إلى الانتقال بالمغرب من مستهلك للألعاب الإلكترونية إلى منتج ومطور لها، عبر جعل هذا القطاع رافعة اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وبناء منظومة اقتصادية متكاملة تعزز تنافسية المغرب إقليميا ودوليا، وتكرس مكانته ضمن الصناعات الرقمية والإبداعية.

    وأفاد الغنبوري في هذا السياق بأن صناعة الألعاب الإلكترونية تمثل فرصة حقيقية لتنويع الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى اعتمادها على الاقتصاد الرقمي وتحقيقها قيمة مضافة مرتفعة باستثمارات مادية محدودة نسبيا، مضيفا أن تطوير هذا القطاع من شأنه تعزيز صادرات الخدمات الرقمية، ورفع مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الناتج الداخلي الخام، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال.

    ويرى أن برامج الدعم التي أطلقتها الحكومة لتطوير المشاريع والنماذج الأولية تعكس توجها يرمي إلى ترسيخ مكانة المغرب كمركز إفريقي لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وأضاف أن هذا القطاع أصبح يشكل محركا للابتكار وجذب الاستثمارات، كما يساهم في تطوير تقنيات تمتد تطبيقاتها إلى مجالات التعليم، والصناعة، والطب، وهو ما يفسر توجه العديد من الدول إلى الاستثمار فيه باعتباره صناعة مستقبلية ذات قيمة اقتصادية وتكنولوجية عالية.

    ويعكس هذا الرهان إدراكا متزايدا للدور الذي أصبحت تلعبه صناعة الألعاب الإلكترونية في تعزيز الاقتصاد العالمي، بعدما تحولت إلى صناعة رقمية تجمع بين التكنولوجيا والإبداع والابتكار.

    ويشمل هذا القطاع بنية متكاملة تضم البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والتصميم الرقمي، وصناعة المحتوى، والخدمات الرقمية، مما يجعله من القطاعات القادرة على استقطاب الاستثمارات، وخلق فرص شغل جديدة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

     جيل جديد من الكفاءات

    تراهن الحكومة على صناعة الألعاب الإلكترونية لإعداد جيل جديد من الكفاءات في مجالات البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، والإبداع الرقمي، عبر تحويل شغف الشباب بالألعاب إلى فرص حقيقية للتكوين، والابتكار، والاندماج في سوق الشغل.

    ولهذا، عملت وزارة الشباب والثقافة والتواصل على إرساء منظومة للتكوين في مهن الألعاب الإلكترونية، تشمل مسالك جامعية وتكوينا مهنيا وبرامج موجهة للشباب، إلى جانب دعم المقاولات الناشئة، وربط الكفاءات المغربية بالخبرات الدولية، وإطلاق شراكات مع مؤسسات وطنية ودولية لتوسيع فرص الإدماج المهني.

    وفي هذا الصدد، أوضح الغنبوري أن صناعة الألعاب الإلكترونية أصبحت تتيح فرصا حقيقية للتشغيل، في ظل تنامي الطلب العالمي على مهن مرتبطة بتطوير الألعاب، من بينها البرمجة، وتصميم الرسوم ثلاثية الأبعاد، وتطوير محركات الألعاب، وهندسة الصوت، واختبار الجودة، والذكاء الاصطناعي، مشددا على أن الحاجة إلى الكفاءات المتخصصة ما تزال مرتفعة رغم التحولات التي يشهدها القطاع عالميا.

    وتابع أن المغرب بدأ بدوره في بناء منظومة متخصصة، من خلال إطلاق برامج للتكوين، وحاضنات للمقاولات الناشئة، ومبادرات حكومية من قبيل Rabat Gaming City وMorocco Gaming Expo، إلى جانب برامج للدعم المالي للمقاولات الناشئة في القطاع، كما تراهن الحكومة على مضاعفة مداخيل الصناعة المحلية وخلق آلاف فرص الشغل المؤهلة، مستفيدة من توفر قاعدة شبابية واسعة، وانخفاض كلفة الإنتاج مقارنة بعدد من الأسواق المنافسة، وقرب المغرب من أوروبا.

    وبذلك، تراهن المملكة على بناء صناعة رقمية لخلق فرص الشغل وإعداد كفاءات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، بما يعزز مكانة المغرب ضمن الاقتصادات الرقمية الصاعدة.

    ومن جانبها، كشفت نسرين السويسي أن نتائج هذه الاستراتيجية بدأت تظهر تدريجيا، حيث أصبح المغرب يتوفر على أكثر من 100 مقاولة ناشئة واستوديو متخصص في صناعة الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى أكثر من 2000 مطور ومطورة ينشطون في هذا المجال، ما يعكس الدينامية التي يشهدها القطاع.

    وأضافت أن الوزارة تستهدف خلق 10 آلاف منصب شغل مباشر بحلول سنة 2030، من خلال تطوير منظومة متكاملة تشمل تطوير الألعاب الإلكترونية، والنشر، وخدمات التعهيد، والرياضات الإلكترونية، والخدمات المرتبطة بها، بما يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وتعكس هذه المؤشرات توجها نحو بناء صناعة رقمية قائمة على الكفاءات والابتكار، بما يجعل قطاع الألعاب الإلكترونية فضاء لخلق فرص شغل مؤهلة وتعزيز ريادة الأعمال.

    وتبرز أن الاستثمار في هذا المجال لم يعد يقتصر على تطوير المحتوى الرقمي، بل أصبح يشمل إعداد موارد بشرية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والمنافسة في الأسواق الدولية.

  • مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    يشكل تقييم أداء سوق الشغل محطة أساسية لفهم أثر السياسات العمومية على الاقتصاد والمجتمع، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

    وبين المؤشرات المتعلقة بإحداث فرص الشغل، وبرامج الإدماج والتكوين، والإصلاحات المرتبطة بالاستثمار، تبرز الحاجة إلى قراءة اقتصادية تضع هذه المعطيات في سياقها العام.

    ويرى خبراء أن تقييم هذه الحصيلة يقتضي التمييز بين الظرفية الاستثنائية التي انطلقت منها الولاية وبين الاختلالات البنيوية التي كانت وما تزال تطبع سوق الشغل المغربي، وفي مقدمتها ضعف التوازن بين العرض والطلب، وإشكالية ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، واستمرار بطالة الشباب.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي، المهدي فقير، قراءة في واقع سوق الشغل بالمغرب، ويحلل دلالات أرقام حصيلة الوزارة الوصية، كما يتوقف عند حدود السياسات العمومية في هذا المجال، ويبرز أهمية التكوين المهني والتدرج المهني باعتبارهما من أبرز المداخل لتعزيز قابلية إدماج الشباب في سوق العمل.

    وضعية سوق الشغل بالمغرب كانت دائما مطبوعة بالهاجس المتعلق بالبطالة، ويجب أن نعترف أن سنة 2020 كانت سنة كارثية، بحكم جائحة كورونا وتلتها فترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، وهذا أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة.

    بالتالي، ليس دفاعا عن الحكومة، لكن أعتقد أن تركيبة سوق الشغل لم تختلف كثيرا، ومع الأسف كل الجهود لم تمكن من إعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل.

    التكوينات هناك تكوينات قابلة للإدماج، ولكن ما يزال هناك تكوينات غير قابلة، إضافة إلى أن هناك إشكالية ثقافية في تأهيل الشباب من أجل ولوج سوق الشغل، وهذا شيء مهم جدا، ونحن أمام ظاهرة شباب “NEET” التي تؤثر بشكل كبير على قابلية الشباب للدخول لسوق الشغل.

    بالتالي، فالكوارث التي وقعت على الصعيد الدولي كان لها تداعيات، والتضخم العالمي كان عاملا مؤثرا بدرجة كبيرة، والمغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع.

    إحداث 851 ألف فرصة عمل يبقى رقما حسابيا ورد في حصيلة الحكومة، لكن يجب أن نوضح ماذا نقصد؟ إذا كانت فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كانت عرضية ومؤقتة وليست دائمة فلا يمكن اعتبارها خلقا لفرص الشغل.

    واليوم، هناك نقاش حول ماهية الإحصائيات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني، لكننا في المغرب ما زلنا قاصرين على خلق سياسات إدماجية، ونحتاج دائما تدخل الحكومة هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج.

    لكن هذا التدخل ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يسمى “FIRST JOB ACT” ومعتمدة في أمريكا وفرنسا، والمغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل.

    تجربة المكتب الوطني للتكوين المهني كانت سباقة في هذا الباب واستجابة لحاجيات السوق وقابلية الإدماج، لأن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل كان الركيزة والمعيار والبديل لخلق فرص الإدماج عن طريق التكوين المهني، وبالتالي فمدن الكفاءات في بدايتها مدعمة بأجيال جديدة من المعاهد ومؤسسات التكوين فلسفتها التي أحدثت من أجلها هي الإدماج انطلاقا من حاجيات سوق الشغل.

    كما أن التدرج المهني اليوم هو أهم خيار وأفضل بديل من أجل امتصاص بطالة الشباب لأنه يتيح تكوينات مواتية لروح ومتطلبات العصر، وتمكن أيضا من دعم التكوين المستمر الذي هو آلية هامة للحفاظ على استقرار وفرص الشغل، وهي مسألة مهمة وتعد أحد الحلول.

    لكن يجب الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي أن تكون هناك مقاربة شاملة تتماهى مع منظومة التكوين الأكاديمي وكذلك النموذج الاقتصادي، الذي يجب أن يكون دامجا وخالقا للثروة وفرص الاندماج المهني على المديين المتوسط والطويل.