لم يعد الحديث عن التمكين الاقتصادي للنساء في المغرب يقتصر على كونه مطلبا يرتبط بالمساواة أو العدالة الاجتماعية، بل أصبح يحضر بشكل متزايد ضمن النقاشات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، والإنتاجية، وتنافسية الاقتصاد الوطني.
ومع كل تقرير جديد حول سوق الشغل، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة؛ لماذا ما تزال مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي محدودة، رغم التحولات التي عرفها المغرب على مستوى التعليم، والإصلاحات التشريعية، وتعدد البرامج الموجهة لدعم التشغيل وريادة الأعمال النسائية؟
يأتي هذا النقاش في سياق شهد ارتفاعا في عدد النساء الحاصلات على الشهادات الجامعية، وتوسيعا لعدد من برامج الإدماج الاقتصادي، إلى جانب إدماج مقاربة النوع في عدد من الاستراتيجيات العمومية، غير أن تقييم أثر هذه الجهود يظل مرتبطا بما تعكسه المؤشرات الرسمية، وفي مقدمتها المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، التي تتابع تطور مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وتقيس مدى حضورهن داخل سوق الشغل.
وتظهر إحصائيات سنة 2025 أن معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء بلغ 19 في المئة، مقابل 68.5 في المئة لدى الرجال، فيما استقر المعدل الوطني عند 42.9 في المئة.
وتزداد دلالة هذا المؤشر عند تتبع تطوره خلال السنوات الماضية، إذ انتقل معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء من 28.1 في المئة سنة 2000 إلى نحو 19 في المئة سنة 2023، بينما تراجع المعدل الوطني خلال الفترة نفسها من 53.1 إلى 43.6 في المئة. ويعكس هذا المسار اتجاها مستمرا أكثر منه وضعية ظرفية، وهو ما جعل ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل يتحول إلى أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة المتعاقبة منذ أكثر من عقد ونيف.
ورغم هذا التراجع، لم يعرف سوق الشغل جمودا كاملا خلال السنة الماضية، إذ سجل الاقتصاد الوطني إحداث 193 ألف منصب شغل سنة 2025، مقابل 82 ألفا خلال سنة 2024، توزعت أساسا بين قطاعات الخدمات والبناء والصناعة، غير أن ارتفاع عدد المناصب المحدثة لا يكفي وحده لقياس استفادة النساء من هذه الدينامية، وهو ما تدفع إليه قراءة مؤشرات البطالة.
المعطيات نفسها تظهر أن معدل البطالة لدى النساء ارتفع من 19.4 في المئة سنة 2024 إلى 20.5 في المئة سنة 2025، في الوقت الذي تراجع فيه المعدل الوطني بشكل طفيف إلى 13 في المئة، ما يبرز أن تحسن بعض مؤشرات سوق الشغل لا ينعكس بالضرورة على مختلف الفئات بالوتيرة نفسها.
وتقود هذه المؤشرات إلى ملاحظة أخرى، مفادها أن محدودية مشاركة النساء لا ترتبط فقط بعدد فرص الشغل المتاحة، بل أيضا بطبيعة البيئة التي تسمح لهن بولوج سوق العمل والاستمرار فيه، إذ إن خدمات الرعاية والحضانة، وإمكانية التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، ووسائل النقل، وجودة التكوين، ومرونة تنظيم العمل، كلها عوامل تؤثر في قرار المشاركة الاقتصادية، كما تؤثر في قدرة النساء على الحفاظ على استقرارهن المهني.
واقع مرير واختيارات محدودة
وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ “AM PLUS MEDIA”، أن ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي يعكس إشكالية بنيوية تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وثقافية، رغم الإصلاحات التي راكمها المغرب في مجال المساواة.
ويوضح ليمينة أن العوائق لا ترتبط بكفاءة النساء، بل باستمرار المعيقات من قبيل ضعف خدمات الرعاية والحضانة، وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، واستمرار الصور النمطية، إضافة إلى محدودية ولوج النساء إلى القطاعات ذات القيمة المضافة، وارتفاع حضورهن في القطاع غير المهيكل.
ويعتبر رئيس لجنة المساواة بالمجلس الوطني لـ”البام”، أن الاستثمار في النساء لم يعد خيارا اجتماعيا فقط، بل أصبح رهانا اقتصاديا يرتبط بتحسين الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، موضحا أن رفع مشاركة النساء في سوق الشغل يساهم في توسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز الاستهلاك، ورفع الاستثمار في التعليم والصحة، بما ينعكس على النمو الاقتصادي.
ولا يقتصر النقاش حول التمكين الاقتصادي للنساء على رصد المؤشرات أو تشخيص الإكراهات، بل يمتد إلى البحث عن السياسات القادرة على تحويل هذه الأرقام إلى نتائج ملموسة، إذ إن محدودية مشاركة المرأة في سوق الشغل لا ترتبط فقط بفرص العمل المتاحة، وإنما أيضا بقدرة البيئة الاقتصادية والاجتماعية على استيعابهن، وضمان استمراريتهن داخل الدورة الإنتاجية، ليتحول السؤال من كيف نرفع نسبة تشغيل النساء فقط، إلى كيف نجعل مشاركتهن أكثر استقرارا وجودة وإنتاجية؟
هذا السؤال كان محور النقاش خلال منتدى المرأة، الذي نظمته الأمانة الإقليمية لحزب الأصالة والمعاصرة في 18 يوليوز الجاري بالدار البيضاء-أنفا تحت شعار “التمكين الاقتصادي للنساء… الواقع والآفاق”، بمشاركة مسؤولات ومنتخبات وخبيرات في قضايا التنمية والمقاولة والعمل الاجتماعي.
وأكد المشاركون في المنتدى أن التمكين الاقتصادي لم يعد ملفا اجتماعيا معزولا، بل أصبح أحد المؤشرات التي يقاس بها مستوى التنمية وقدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة موارده البشرية.
إكراهات خارج العمل
وفي هذا الإطار، اعتبرت مليكة مزور، عضوة المكتب التنفيذي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أن الحديث عن التمكين الاقتصادي لا يمكن فصله عن تمكين النساء من المشاركة في صناعة القرار، موضحة أن حضور المرأة داخل المؤسسات المنتخبة وهيئات التدبير لا يقتصر على تحقيق التمثيلية، بل ينعكس على طبيعة السياسات العمومية نفسها.
واستحضرت مزور الإكراهات التي تواجه النساء في حياتهن اليومية، سواء تعلق الأمر بخدمات القرب، أو النقل، أو فضاءات رعاية الأطفال، أو ظروف التوفيق بين الحياة الأسرية والمهنية، مشددة على أن الاستثمار في هذه الجوانب يشكل مدخلا عمليا لتوسيع مشاركة النساء في سوق الشغل، لأن جزءا مهما من الإكراهات التي تحد من نشاطهن يرتبط بعوامل خارج المقاولة أكثر مما يرتبط بسوق العمل نفسه.
ومن زاوية أكثر ارتباطا بالواقع اليومي للنساء داخل سوق الشغل، توقفت نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عند عدد من الإكراهات الاجتماعية والمهنية التي ما تزال تحد من استقرار النساء في العمل، معتبرة أن التمكين الاقتصادي لا يرتبط فقط بإحداث فرص الشغل، بل أيضا بتوفير الظروف التي تسمح للمرأة بالاستمرار فيها.
وأشارت إلى أن العديد من النساء يواجهن أشكالا مختلفة من المضايقات والتمييز داخل بيئة العمل، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالتوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمهنية، خاصة في ظل محدودية المرافق والخدمات الموجهة للأمهات العاملات، مثل دور الحضانة وفضاءات رعاية الأطفال، ما يدفع عددا منهن إلى الانقطاع عن العمل أو التخلي عن فرص مهنية.
واعتبرت كوكوس أن تعزيز مشاركة النساء في سوق الشغل يقتضي مواكبة الإصلاحات الاقتصادية بإجراءات اجتماعية ومؤسساتية توفر بيئة عمل أكثر أمانا وإنصافا، وتضمن احترام الحقوق المهنية والاجتماعية للنساء.
التمويل وحده لا يكفي
أما مريم ولهان، نائبة عمدة الدار البيضاء، فقد تناولت الموضوع من زاوية المقاولة النسائية، معتبرة أن تشجيع النساء على إطلاق مشاريعهن لا يكتمل بمجرد توفير التمويل، مشيرة إلى أن التجربة أظهرت أن عددا من المشاريع النسائية يواجه صعوبات خلال سنواته الأولى بسبب محدودية المواكبة، وضعف الولوج إلى الأسواق، وصعوبة بناء شبكات مهنية تفتح آفاق الاستثمار والتسويق.
واعتبرت أن تطوير منظومة متكاملة للمواكبة، تجمع بين التكوين والتأطير وربط المقاولات الناشئة بفرص الشراكة، يمثل أحد الشروط الأساسية لتحويل ريادة الأعمال النسائية إلى رافعة حقيقية للتشغيل وخلق القيمة المضافة.
ولم يقتصر النقاش على التشغيل وريادة الأعمال، بل امتد أيضا إلى إعادة النظر في مفهوم المساهمة الاقتصادية للنساء، فجزء مهم من العمل الذي تؤديه النساء يوميا، سواء داخل الأسرة أو في مجال الرعاية، لا ينعكس في المؤشرات الاقتصادية رغم دوره في استقرار الأسر واستمرار النشاط الاقتصادي، ما يجعل عددا من الخبراء يعتبرون أن قياس المشاركة الاقتصادية للنساء يظل غير مكتمل إذا اقتصر على سوق الشغل النظامي وحده، دون استحضار الأدوار الأخرى التي تؤديها النساء داخل المجتمع.
وتلتقي مختلف القراءات التي طُرحت، سواء من خلال المؤشرات الرسمية أو المداخلات التي شهدها منتدى المرأة، عند فكرة مفادها أن التمكين الاقتصادي للنساء لم يعد يُقاس بعدد البرامج أو المبادرات المعلنة، ولا بارتفاع معدلات التشغيل وحدها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في واقع مشاركة النساء داخل الاقتصاد الوطني.
ومع استمرار معدل النشاط الاقتصادي للنساء دون عتبة 20 في المئة، يبرز أن التحدي اليوم في المغرب لا يرتبط فقط بإحداث فرص شغل جديدة، وإنما أيضا بتهيئة بيئة اقتصادية واجتماعية أكثر إدماجا، تتيح للنساء الولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه، وتوفر لهن فرصا متكافئة في التكوين، والتمويل، وريادة الأعمال، والوصول إلى مراكز القرار.
وبينما تؤكد المعطيات الرسمية استمرار الفجوة في المشاركة الاقتصادية بين النساء والرجال، تبرز مختلف المداخلات أن هذا الورش يظل رهينا بتكامل السياسات العمومية، وربط إصلاحات التشغيل بمنظومة أوسع تشمل اقتصاد الرعاية، والحماية الاجتماعية، وتأهيل الرأسمال البشري، ودعم المقاولة النسائية، بما يضمن انتقال المرأة من موقع المستفيدة من البرامج إلى فاعل اقتصادي يساهم في الإنتاج والاستثمار وخلق القيمة المضافة. وفي هذا السياق، يبقى الرهان المطروح هو مدى قدرة هذه الأوراش على تحويل التمكين الاقتصادي من هدف تتضمنه الاستراتيجيات والسياسات العمومية إلى أثر ملموس ينعكس على النمو، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، ويكرس مساهمة النساء كشريك أساسي في تحقيق التنمية.
وفي هذا السياق، دعا المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لجريدة “AM PLUS MEDIA”، إلى اعتماد سياسات عمومية مندمجة تشمل تطوير اقتصاد الرعاية، وتحفيز المقاولات الدامجة، وتسهيل ولوج النساء إلى التمويل والاقتصاد الرقمي والصناعة والاقتصاد الأخضر، مشددا على ضرورة تعزيز آليات المواكبة والتكوين، بما يجعل المرأة شريكا أساسيا في خلق الثروة وتحقيق التنمية.









