ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

دخل المغرب صيف 1953 واحدة من أكثر لحظات تاريخه المعاصر حساسية، بعدما بلغ التوتر بين السلطان محمد الخامس وسلطات الحماية مستوى لم تعد معه الضغوط السياسية كافية لضبط المشهد، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية توسع مطالبها، ويتقدم التقارب بينها وبين القصر حول مستقبل البلاد.

اختارت سلطات الحماية أن تكسر هذه المعادلة من أعلى سلطة في البلاد، ففي 20 غشت، أبعدت السلطان محمد الخامس رفقة أسرته عن المغرب، ونصبت محمد بن عرفة مكانه، في رهان لم يكن يستهدف تغيير السلطان فقط، بل فصل العرش عن الحركة الوطنية وإعادة ترتيب موازين القوة بما يسمح باستمرار الحماية.

لكن القرار أعطى نتيجة معاكسة لما كانت تنتظره سلطات الحماية، فبعد نفي محمد الخامس، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، تصاعد رفض المغاربة للقرار، واتسعت المقاومة، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان ترتبط أكثر فأكثر بالمطالبة بإنهاء الحماية واستقلال المغرب.

وبين 20 غشت 1953 و16 نونبر 1955، انقلبت المعادلة، ونجحت سلطات الحماية في إبعاد محمد الخامس عن بلاده، لكنها لم تنجح في نقل شرعيته إلى البديل الذي اختارته.

حين أصبح الخلاف حول مستقبل المغرب

وتروي كتب التاريخ أن الأزمة لم تبدأ في غشت 1953، بل سبقتها سنوات من التوتر المتصاعد بين القصر وسلطات الحماية، بالتوازي مع تطور الحركة الوطنية وانتقال مطالبها تدريجيا من الإصلاح إلى المطالبة بالاستقلال.

وشكل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 محطة أساسية في هذا المسار، قبل أن تأتي زيارة “أب الأمة” محمد الخامس إلى طنجة في أبريل 1947 لتمنح المرحلة دلالة سياسية أكبر، في وقت كان فيه النقاش حول مستقبل المغرب ووحدته وسيادته يتقدم داخل الحركة الوطنية.

ومع بداية الخمسينيات، لم يعد الخلاف مع الإقامة العامة مرتبطا بملفات متفرقة، بل أصبح موقع السلطان نفسه داخل المعادلة التي أقامتها الحماية منذ 1912 جزءا من الأزمة، فقد تعزز التقارب بين السلطان محمد الخامس والحركة الوطنية، في مقابل ضغوط متزايدة لإبعاده عنها ودفعه إلى مواقف أكثر انسجاما مع ما تريده سلطات الحماية.

لذلك، لم يكن 20 غشت حدثا مفاجئا أو معزولا، بل جاء في نهاية مسار من الضغط والتوتر ومحاولات إعادة ضبط موقع القصر داخل المشهد السياسي.

وفي قراءة لهذه المرحلة، يعتبر المؤرخ نور الدين بلحداد أن قرار النفي لا يمكن فصله عن السياق الذي سبقه، موضحا أن “نفي السلطان محمد الخامس في 20 غشت 1953 لا يمكن فهمه وحده دون العودة إلى المسار الذي سبق هذه المرحلة، خصوصا وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وخطاب طنجة سنة 1947، والتقارب الذي بدأ يكبر بين السلطان والحركة الوطنية”.

لكن بلحداد أكد أن المسار غير تدريجيا نظرة سلطات الحماية إلى محمد الخامس، بعدما بدأت ترى أنه “لم يعد مجرد سلطان يمكن ممارسة الضغط عليه، وإنما أصبح رمزا وطنيا يلتقي حوله العرش والحركة الوطنية وجزء كبير من المغاربة”.

ويضيف أن “الهدف من النفي لم يكن فقط إبعاد محمد الخامس عن القصر، وإنما كان كذلك محاولة لضرب العلاقة التي كانت تتقوى بين العرش والحركة الوطنية واسترجاع التحكم في المشهد السياسي”.

وفي الأيام التي سبقت النفي، تسارعت التحركات المعارضة لمحمد الخامس بدعم من سلطات الحماية، وصولا إلى الدفع بمحمد بن عرفة، لتحاصر القوات التابعة للإقامة العامة القصر الملكي بالرباط في 20 غشت، قبل إبعاد السلطان محمد الخامس وأسرته عن البلاد، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر.

من البيعة إلى ثورة الملك والشعب

لم تبدأ علاقة العرش العلوي بمكونات المجتمع المغربي مع أحداث 20 غشت، إذ شكلت البيعة تاريخيا إحدى الآليات التي انتظمت عبرها العلاقة بين السلاطين العلويين ومكونات المجتمع، ضمن استمرارية الدولة المغربية قبل فرض الحماية سنة 1912.

وجاءت مرحلة محمد الخامس لتضيف إلى هذا الامتداد التاريخي بعدا وطنيا ارتبط بالتحولات التي عاشها المغرب خلال سنوات الحماية، وبالتقارب الذي تشكل بين السلطان والحركة الوطنية في سياق تصاعد مطلب الاستقلال.

وهذه الخلفية تساعد على تفسير أحد جوانب الخطأ في الحسابات الفرنسية، فسلطات الحماية استطاعت تغيير الشخص الموجود في القصر، لكنها تعاملت مع الأمر كما لو أن تغيير السلطان يكفي تلقائيا لنقل المكانة والقبول اللذين أصبح محمد الخامس يحظى بهما إلى البديل الذي اختارته.

ويتوقف بلحداد عند هذه النقطة، معتبرا أن فرنسا “كانت تراهن على أن تنصيب محمد بن عرفة يمكن أن يفرض واقعا جديدا، لكن هذا كان واحدا من الأخطاء الكبيرة، لأنها تعاملت مع العرش وكأنه مجرد موقع سياسي يمكن تغيير الشخص الموجود فيه وتستمر الأمور بشكل عادي”.

ويربط المؤرخ ذلك بالامتداد التاريخي للعلاقة بين العرش والمغاربة، موضحا أن سلطات الحماية “لم تستوعب بشكل كاف أن العلاقة بين المغاربة والعرش لها امتداد تاريخي، وأن البيعة كانت دائما جزءا من هذه العلاقة، ومع محمد الخامس أضيف إليها بعد وطني مرتبط بالتحرر والاستقلال”.

ويمتد هذا المعطى، بحسب بلحداد، إلى المناطق الصحراوية، حيث يستحضر روابط البيعة التاريخية بين قبائل صحراوية والسلاطين العلويين، إلى جانب مظاهر التضامن مع محمد الخامس والمطالبة بعودته خلال مرحلة النفي.

بهذا المعنى، لم تكن المشكلة التي واجهت سلطات الحماية مرتبطة فقط بمن يوجد داخل القصر، وإنما بقدرتها على جعل التغيير الذي فرضته من الأعلى مقبولا على الأرض.

سلطان في المنفى

على الورق، بدا مخطط سلطات الحماية قادرا على إنتاج واقع جديد، فالسلطان الشرعي محمد الخامس خارج البلاد، ومحمد بن عرفة على العرش، والإقامة العامة أمام فرصة لإعادة الإمساك بالمشهد.

لكن ما لم تستطع القوة فرضه كان قبول المغاربة بهذا الترتيب، إذ يختصر بلحداد هذه المفارقة بالقول: “استطاعوا نفي محمد الخامس بالقوة، لكنهم لم يستطيعوا نقل شرعيته بالطريقة نفسها إلى محمد بن عرفة، لأن الشرعية لا تنتقل بقرار إداري، وليس مجرد وضع شخص على العرش يعني أنه سيأخذ المكانة نفسها لدى المغاربة”.

وتشكل هذه العبارة مدخلا لفهم ما جرى بعد 20 غشت، فسلطات الحماية امتلكت الوسائل التي مكنتها من تغيير السلطان، لكنها لم تستطع أن تمنح البديل المكانة نفسها التي راكمها محمد الخامس خلال السنوات السابقة.

وبدل أن يؤدي النفي إلى إنهاء حضوره في المشهد، أصبح السلطان المنفي أكثر ارتباطا بخطاب الحركة الوطنية والمقاومة، فيما تحولت المطالبة بعودته إلى أحد العناوين المركزية للمواجهة مع سلطات الحماية.

وبدأت تداعيات القرار تظهر سريعا، وشهد المغرب احتجاجات وتحركات مقاومة، وتشكلت خلايا فدائية وتنظيمات سرية، وتصاعدت العمليات ضد الوجود الاستعماري.

وفي 11 شتنبر 1953، بعد أسابيع قليلة من النفي، حاول المقاوم علال بن عبدالله استهداف محمد بن عرفة، في واقعة ستصبح واحدة من أبرز رموز المقاومة المغربية خلال تلك المرحلة.

ولم يظل الرفض محصورا داخل الحركة الوطنية أو في بعض المراكز الحضرية، إذ يشير بلحداد إلى أن رد الفعل امتد إلى مناطق مختلفة من المغرب، وهو ما يعكس، في قراءته، أن القضية تجاوزت حدود صراع سياسي بين الإقامة العامة والتنظيمات الوطنية.

وبذلك بدأت معادلة 20 غشت تنقلب، فأصبح محمد الخامس خارج المغرب، لكنه حاضر في قلب المواجهة داخله، بينما يوجد محمد بن عرفة في البلاد دون أن يتمكن من اكتساب الشرعية التي كان يفترض أن تسمح بتثبيت الوضع الجديد.

حين تحولت عودة السلطان إلى معركة استقلال

راكمت الحركة الوطنية قبل 1953 سنوات من العمل السياسي والتنظيمي والاحتجاجي، لكن نفي محمد الخامس نقل المواجهة إلى مرحلة مختلفة، فالمساس بالعرش وسع دائرة الأزمة إلى أبعد من التنظيمات السياسية، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان تتقاطع بصورة متزايدة مع مطلب إنهاء الحماية.

ويرى بلحداد أن النفي “غير طبيعة المواجهة”، موضحا أن الحركة الوطنية كانت قبل 1953 تراكم العمل السياسي والمطالبة بالإصلاح ثم الاستقلال، قبل أن يدخل المغرب بعد نفي محمد الخامس مرحلة اتسعت فيها المقاومة والعمل الفدائي.

ومع مرور الأشهر، تصاعدت العمليات الفدائية والمقاومة المسلحة، قبل انطلاق عمليات جيش التحرير في شمال المغرب في أكتوبر 1955، في وقت كانت فيه سلطات الحماية تواجه أزمة لم يعد ممكنا احتواؤها بالطريقة التي سبقت قرار النفي.

ويشرح بلحداد هذا التحول قائلا: “مع الوقت أصبح مطلب رجوع محمد الخامس مرتبطا بشكل مباشر بإنهاء الحماية والاستقلال، وهنا وقع العكس مما كانت تريده سلطات الحماية. فبدل أن يضعف النفي الحركة الوطنية ويعزل السلطان عنها، زاد من تقارب العرش والشعب ووسع دائرة المواجهة ضد الحماية”.

من النفي إلى العودة

فصلت سنتان وثلاثة أشهر تقريبا بين خروج السلطان محمد الخامس من المغرب وعودته إليه، لكنها كانت كافية لتغيير ميزان الأزمة.

وتواصلت المقاومة واتسعت، ولم ينجح تنصيب محمد بن عرفة في إنتاج الاستقرار الذي كانت تنتظره سلطات الحماية، فيما ازدادت القضية المغربية تعقيدا بالنسبة إلى فرنسا، بالتزامن مع تصاعد حركات التحرر في شمال إفريقيا.

ومع استمرار الأزمة، أصبح البحث عن تسوية سياسية يمر عبر السلطان الشرعي محمد الخامس نفسه، ويرى بلحداد أن هذه الحصيلة تجعل قرار النفي “واحدا من أكبر الأخطاء السياسية لسلطات الحماية”، لأنها أرادت “أن تفرق الملك عن الشعب، لكن النتيجة كانت أنها زادت من تقاربهما”.

وفي 16 نونبر 1955، عاد محمد الخامس إلى المغرب، ولم تكن العودة مجرد نهاية لمنفى بدأ في غشت 1953، بل جاءت في سياق تغيرت فيه موازين المواجهة وسقط فيه عمليا رهان السلطان البديل.

ويعتبر بلحداد أن عودة محمد الخامس “لم تعد مجرد مسألة رجوع سلطان إلى العرش، وإنما أصبحت جزءا أساسيا من حل الأزمة والمسار الذي سيقود إلى استقلال المغرب”.

وكان السلطان الذي أخرج من البلاد لإضعاف موقعه يعود إليها وقد أصبحت عودته جزءا من الحل السياسي، بينما دخل المغرب المرحلة الحاسمة من المسار الذي سيقود خلال 1956 إلى إنهاء نظام الحماية واستعادة الاستقلال.

وانتهت بذلك تجربة بدأت بمحاولة إبعاد السلطان محمد الخامس عن المعادلة بنتيجة معاكسة، وسقط رهان محمد بن عرفة، فيما أصبحت نهاية الحماية أقرب مما كانت عليه لحظة اتخاذ قرار النفي.

من معركة التحرير إلى مغرب اليوم

بعد أكثر من سبعة عقود، لا تستعيد ذكرى ثورة الملك والشعب واقعة نفي محمد الخامس وحدها، بل تستحضر واحدة من اللحظات التي كشفت طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب.

وبالنسبة إلى بلحداد، فإن “ثورة الملك والشعب ليست فقط حدثا وقع في 20 غشت 1953، وإنما لحظة تاريخية بينت بشكل واضح طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في ظرف كان حاسما”.

لكن المؤرخ ذاته لا يحصر دلالة هذه العلاقة في مرحلة الحماية، إذ يعتبر أنها “لم تبدأ سنة 1953 ولم تنته مع الاستقلال، وإنما الذي تغير هو طبيعة التحديات التي يجتمع عليها المغرب”.

ففي الخمسينيات كان التحدي هو التحرر والاستقلال، قبل أن تنتقل الوحدة الترابية إلى قلب مرحلة أخرى من تاريخ المملكة، وهو ما يربطه بلحداد بالمسيرة الخضراء باعتبارها إحدى المحطات الكبرى التي جاءت لاحقا.

أما اليوم، فيرى أن طبيعة الرهانات تغيرت وأصبحت مرتبطة أكثر “بالتنمية والسيادة والدفاع عن الوحدة الترابية وتقوية موقع المغرب ومصالحه الاستراتيجية”.

وتسمح هذه القراءة بنقل الذكرى من مجرد استعادة سنوية لأحداث 1953 إلى سؤال ما الذي تقوله تلك الأحداث للأجيال التي لم تعش الحماية ولا معركة الاستقلال.

ويخلص بلحداد إلى أن “هذه هي الدلالة التي يجب أن تصل إلى الجيل الجديد من ذكرى ثورة الملك والشعب، حتى لا تبقى مجرد ذكرى نعود فيها إلى أحداث الماضي، وإنما تكون كذلك مدخلا لفهم مسار الدولة المغربية وعلاقتها بتاريخها”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *